جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج18

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
453 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[تتمة كتاب الحج]

[ثلاثة أركان]

[تتمة الركن الأول في المقدمات]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[المقدمة الثالثة في أقسام الحج]

المقدمة الثالثة في أقسام الحج و هي ثلاثة: تمتع و قران و إفراد بلا خلاف أجده فيه بين علماء الإسلام بل إجماعهم بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المتواترة فيه أو القطعية، بل قيل إنه من الضروريات، لكن عن

عمر (2) متواترا أنه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أنا محرمهما و معاقب عليهما: متعة النساء و متعة الحج»

و ظاهره عدم مشروعية المتعة في الحج أصلا بمعنى بقاء الحج عنده كما كان قبل نزول التمتع ما بين إفراد و قران، و قد أخبره بذلك

رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) في المروي (3) متواترا عنه في حجة الوداع «أنه جاءه جبرئيل عند فراغه من سعيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و 2- من أبواب أقسام الحج.

(2) الغدير للاميني ج 6 ص 209 الى 213.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 3 و 13 و 24 و 32.

3

فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلا سائق هدي، فحمد اللّٰه و أثنى عليه ثم قال:

إن هذا جبرئيل و أومأ بيده إلى خلفه يأمرني أن آمر من لم يسق هديا بأن يحل و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل الذي أمرتكم، و لكن سقت الهدي و لا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، قال: فقال له رجل من القوم- و هو عمر-: لنخرجن حجاجا و رؤوسنا تقطر، فقال له رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): أما إنك لم تؤمن بعدها أبدا، فقال له سراقة بن مالك بن خثعم الكناني: يا رسول اللّٰه علمنا ديننا كأنما خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لما يستقبل و قال له رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثم شبك أصابعه بعضها إلى بعض و قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»

و لكن أولياؤه حملوا ذلك منه على إرادة الانتقال من حج الافراد إلى التمتع، و على كل حال هي مخالفة لرسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) على وجه يقتضي الكفر، و كم له و كم له، و كفى بالله حاكما.

[في بيان حج التمتع]

أما حج التمتع فصورته المتفق عليها في الجملة على الإجمال أن يحرم من الميقات بالعمرة المتمتع بها إلى الحج و يتوصل بها اليه من قولهم حبل ماتع أي طويل، و متع النهار طال و ارتفع، أو المنتفع بها بالتحلل بينها و بين الحج، أو بالإحرام للحج من مكة، و إلا لاحتيج إلى الإحرام له من غير مكة، أو بفعلها في أشهر الحج لما يقال من أنه لم يكن تفعل في الجاهلية فيها، أو غير ذلك مما لا يجب التعرض له في النية قطعا، بل يكفي فيها قصد عمرة هذا النوع من الحج ثم يدخل مكة فيطوف لها سبعا بالبيت، و يصلي ركعتيه بالمقام ثم يسعى لها بين الصفا و المروة سبعا و يقصر و ستعرف أن أركان العمرة من هذه: الإحرام و الطواف و السعي، و أما التلبية ففيها خلاف، كمعروفية الخلاف في النية أنها شرط أو ركن ثم ينشئ إحراما للحج من مكة إلا مع النسيان

4

و تعذر الرجوع يوم التروية الثامن من ذي الحجة الذي أمر اللّٰه فيه إبراهيم (عليه السلام) أن يروي من الماء على الأفضل، و إلا بقدر ما يعلم أنه يدرك الوقوف بعرفات ثم يأتي عرفات يوم عرفة فيقف بها من الزوال إلى الغروب مع الاختيار ثم يفيض و يمضي منها إلى المشعر ف يبيت فيه و يقف به مع الاختيار بعد طلوع الفجر، ثم يفيض إلى منى فيحلق بها يوم النحر و يذبح هديه أو ينحر إلا إذا فده، و يأكل منه و يرمي جمرة العقبة مراعيا للترتيب بينها، فيرمي أولا ثم يذبح أو ينحر، ثم يحلق أو يقصر أو يمر الموسى على رأسه إن لم يكن عليه شعر ثم يمضي لكن في المتن هنا إن شاء أتى مكة ليومه أو لغده لعذر أو مطلقا على الخلاف الآتي فيطوف طواف الحج و يصلي ركعتيه و يسعى سعيه و يطوف طواف النساء و يصلي ركعتين و يأتي تأخير الذبح أو الحلق عن الطواف و السعي ضرورة أو نسيانا، و تقديم الطواف و السعي على الوقوفين ضرورة ثم عاد إلى منى لرمي ما تخلف عليه من الجمار فيبيت بها ليالي التشريق، و هي ليلة الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر، و يرمي مع الاختيار في أيامها الجمار الثلاث، و لمن اتقى النساء و الصيد في إحرامه كما ستعرف إن شاء اللّٰه أن ينفر في الثاني عشر، فيسقط عنه رمي الثالث و المبيت ليلته كما أشار إليه المصنف بقوله و إن شاء أقام بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر و مثله يوم الثاني عشر ثم ينفر بعد الزوال، و إن أقام إلى النفر الثاني و هو الثالث عشر و لو قبل الزوال لكن بعد الرمي جاز أيضا و عاد إلى مكة للطوافين و السعي و في المدارك حكمه بجواز الإقامة بمنى أيام التشريق قبل الطوافين و السعي مناف لما سيذكره في محله من عدم جواز تأخير ذلك عن غده يوم النحر، و كأنه رجوع عن الفتوى، و ربما جمع بين الكلامين بحمله على الجواز هنا على معنى الاجزاء، و هو لا ينافي

5

حصول الإثم بالتأخير، و هو مقطوع بفساده، و الأصح ما اختاره المصنف هنا من جواز تأخير ذلك إلى انقضاء أيام التشريق، للأخبار الكثيرة (1) الدالة عليه و سيجيء الكلام في ذلك مفصلا، و قد تبع في ذلك جده، قال: «جواز الإقامة بمنى أيام التشريق قبل الطوافين و السعي للمتمتع و غيره، هو أصح القولين، و به أخبار صحيحة، و ما ورد (2) منها مما ظاهره النهي عن التأخير محمول على الكراهة جمعا بينها، و على هذا القول يجوز تأخيرهما طول ذي الحجة، و ربما قيل بجواز تأخير المتمتع عن يوم النحر إلى الغد خاصة، و جمع الشيخ بين الأخبار بحمل أخبار التأخير على غير المتمتع، و أخبار النهي عليه، و ما قدمناه أجود، و اعلم أنه سيأتي في كلام المصنف اختيار المنع عن الغد من غير إشارة إلى خلاف و هنا اختار الجوار كذلك، و كأنه رجوع» إلى آخره، قلت: ستعرف التحقيق في ذلك إن شاء اللّٰه، كما تعرف أن أركان الحج من هذه: الإحرام و الوقوفان و طواف الحج و سعيه بمعنى البطلان بترك أحدهما عمدا بل الوقوفين و لو سهوا، إذ قد عرفت أن المراد هنا الذكر على الاجمال.

و كيف كان ف هذا القسم فرض البعيد عن مكة ممن لم يكن قد حج مع الاختيار بإجماع علمائنا، و المتواتر (3) من نصوصنا الذي منه يظهر وجه الدلالة في الآية (4) أيضا، بل لعله من ضروريات مذهبنا، نعم في تحديد ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 7 و 8 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب أقسام الحج.

(4) سورة البقرة- الآية 192.

6

خلاف بيننا، فعن المبسوط و الاقتصاد و التبيان و مجمع البيان و فقه القرآن و روض الجنان و الجمل و العقود و الغنية و الكافي و الوسيلة و السرائر و الجامع و الإصباح و الإشارة و غيرها هو من كان بين منزله و بين مكة اثنى عشر ميلا فما زاد من كل جانب، و قيل و القائل القمي في تفسيره و الصدوقان و المصنف في النافع و المعتبر و الفاضل في المختلف و التذكرة و التحرير و المنتهى و الشهيدان و الكركي و غيرهم ثمانية و أربعون ميلا بل في المدارك نسبته إلى أكثر الأصحاب، و في غيرها إلى المشهور و إن كنا لم نتحققه، كما أنه لا يخفى عليك ضعف ما عن المصنف من نسبة القول الأول إلى الندرة، و لعل الأول لنص الآية (1) على أنه فرض من لم يكن حاضري المسجد الحرام، و مقابل الحاضر هو المسافر، و حد السفر أربعة فراسخ كما حررناه في محله مؤيدا بإطلاق ما دل (2) على وجوب التمتع خرج منه الحاضر و ما ألحق به مما هو دون ذلك قطعا، فيبقى الباقي، و لعل الثاني ل

صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت له: قول اللّٰه عز و جل في كتابه ذٰلِكَ لِمَنْ- إلى آخره- فقال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية و أربعين ميلا ذات عرق و عسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية، و كل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة»

و عن القاموس «عسفان كعثمان موضع على راحلتين من مكة، و ذات عرق بالبادية ميقات أهل العراق» و عن التذكرة «ذات عرق على مرحلتين من مكة» و عن المصباح المنير «المرحلة المسافة التي يقطعها المسافر في نحو يوم، و الجمع مراحل» و عن كتاب

____________

(1) سورة البقرة- الآية 192.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب أقسام الحج.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج- الحديث 3.

7

شمس العلوم «يقال بينهما مرحلة أي مسيرة يوم» مؤيدا أيضا

بالصحيح (1) عن عبد اللّٰه الحلبي و سليمان بن خالد و أبي نصر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «ليس لأهل مكة و لا لأهل مر و لا لأهل شرف متعة، و ذلك لقول اللّٰه عز و جل ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي- إلى آخره-»

و نحوه خبر سعيد الأعرج (2) بناء على ما في المعتبر من أنه معلوم كون هذه المواضع أكثر من اثنى عشر ميلا، بل عن القاموس «إن بطن مر موضع من مكة على مرحلة، و شرف ككتف موضع قريب للتنعيم» لكن عن الواقدي «بين مكة و مر خمسة أميال» و عن النهاية في حديث تزويج ميمونة بشرف (3) هو بكسر الراء موضع من مكة على عشرة أميال، و قيل أقل و أكثر، و خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قلت لأهل مكة متعة قال: لا، و لا لأهل بستان و لا لأهل ذات عرق و لا لأهل عسفان و نحوها»

و في الوافي «البستان بستان ابن عامر قرب مكة مجتمع النخلتين اليمانية و الشامية» و خبر زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن قول اللّٰه عز و جل:

ذٰلِكَ لِمَنْ- إلى آخره- قال: ذلك أهل مكة، ليس لهم متعة و لا عليهم عمرة قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانية و أربعون ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان و ذات عرق»

و خبر علي بن جعفر (6) «قلت لأخي موسى (عليه السلام): لأهل

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1 و فيه عن عبيد اللّٰه الحلبي و سليمان بن خالد و أبي بصير كلهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

«ليس لأهل مكة و لا لأهل مر و لا لأهل سرف متعة. إلخ»

كما في التهذيب ج 5 ص 32 الرقم 96.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج الحديث 6.

(3) البحار ج 21 ص 46 الطبع الحديث.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج الحديث 12.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج الحديث 2.

8

مكة أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج فقال: لا يصلح أن يتمتعوا لقول اللّٰه عز و جل:

ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ»

هذا؛ و لكن في حسن (1) حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قول اللّٰه عز و جل «ذٰلِكَ» إلى آخره قال: «من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها، و ثمانية عشر ميلا من خلفها، و ثمانية عشر ميلا عن يمينها، و ثمانية عشر ميلا عن يسارها، فلا متعة له مثل مر و أشباهه».

و في المدارك «يمكن الجمع بينه و بين صحيح زرارة السابق بالحمل على التخيير بين التمتع و غيره لمن بعد بثمانية عشر ميلا، و التعيين على من بعد بثمانية و أربعين ميلا، لكنه كما ترى لا شاهد له، و في صحيح حماد بن عثمان (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حاضري المسجد الحرام قال: «ما دون المواقيت إلى مكة»

و في صحيح الحلبي (3) عنه (عليه السلام) أيضا قال في حاضري المسجد الحرام: «ما دون المواقيت إلى مكة من حاضري المسجد الحرام، و ليس لهم متعة»

و لا يخفى عليك ما في هذه النصوص من التشويش بل و الاشكال حتى ان المحدث البحراني مع أطنابه فيها قد اعترف بذلك، لأن الثمانية و الأربعين عبارة عن مسيرة يومين كما صرحوا به في مسافة القصر، و حينئذ يلزم الإشكال في خبري زرارة و أبي بصير، بل و كلام الأصحاب الذين صرحوا بأن عسفان و ذات عرق من توابع مكة و داخلة في مسافة الثمانية و الأربعين، و قد سمعت التصريح عن القاموس و العلامة في التذكرة بكونهما على مرحلتين عن مكة، كما انك قد سمعت كون المراد بالمرحلة مسيرة يوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج الحديث 4.

9

و حينئذ يكون الموضعان خارجين عن المسافة المزبورة- إلى ان قال-: و لا مناص عن الإشكال إلا بالطعن فيما سمعته من القاموس و التذكرة بكون المكانين ليس على مرحلتين، أو بالطعن فيما سمعته من المصباح و شمس العلوم من عدم كون المرحلة مسيرة يوم، و الكل مشكل» انتهى.

و حاول ابن إدريس رفع الخلاف بين الأصحاب بتقسيط الثمانية و الأربعين على الجوانب، فقال: «و حده من كان بينه و بين المسجد الحرام ثمانية و أربعون ميلا من اربع جوانب البيت من كل جانب اثنى عشر ميلا» و لعله استشعره مما في محكي المبسوط، و هو كل من كان بينه و بين المسجد الحرام اثني عشر ميلا من جوانب البيت، و الاقتصاد من كان بينه و بين المسجد من كل جانب اثني عشر ميلا، و ما عن الحلبي «و اما القران و الافراد ففرض أهل مكة و حاضريها و من كان داره اثني عشر ميلا من اي جهاتها كان» و أصرح من ذلك ما عن التبيان «ففرض التمتع عندنا هو اللازم لكل من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، و هو من كان على اثنى عشر ميلا من كل جانب إلى مكة ثمانية و أربعين ميلا» بل عن ابن الربيب موافقته على هذا التنزيل، و جعل من الصريح فيه قول الصدوق:

«و حد حاضري المسجد أهل مكة و حواليها على ثمانية و أربعين ميلا» و نحوه كلامه في الهداية و الأمالي، و ان كان فيه ما فيه، و لكن ذلك كله يؤيد ما قلناه من الرجوع الى إطلاق ما دل على وجوب التمتع مع الاقتصار على الفرد المتيقن من الملحق بالحضور، و هو من الاثنى عشر ميلا فما دون، بل لعل ذلك هو المتعارف في التجوز بالحضور و الموافق لحواليها، بخلاف الثمانية و أربعين ميلا المنافية للحضور حقيقة و تجوزا، فلا يصلح تحديدا على وجه يكون تحقيقا في تقريب على حسب غيره مما جاء التحديد فيه كذلك مثل المسافة و الوجه و الركوع و نحوها، و احتمال المراد شرعا و ان لم يكن من افراد مجاز الحضور كما ترى،

10

بل

قوله (عليه السلام): «دون عسفان و ذات عرق»

الذين قد عرفت انهما على مرحلتين يؤيد الاثنى عشر ميلا، لعدم القائل بغيرها مما هو دون الثمانية و أربعين ميلا، بل يؤيده أيضا خبر الثمانية عشر (1) فإنه أقرب إليها من الثمانية و أربعين بل لعله من الاثنى عشر ميلا التقريبية، كما أنه قد يؤيد ما ذكره ابن إدريس معلومية عدم كون الثمانية و أربعين ميلا من مجاز الحضور فضلا عن حقيقته، فلا ريب في أن الأقوى التحديد بالاثني عشر مع احتمال إرادة التقريبية منها التي يندرج فيها الثمانية عشر فضلا عن كون مبدأ التحديد مكة أو المسجد و ان من كان على رأسها فهو من الداخل أو الخارج، ضرورة أن ذلك كله إنما يجيء على التحقيقي لا التقريبي الذي يندرج فيه ذلك كله، فتأمل جيدا فان منه يمكن الجمع بين النصوص كلها.

و كيف كان فان عدل هؤلاء إلى القران أو الافراد في حجة الإسلام اختيارا لم يجز بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه و لما عرفت من أنهم مأمورون بغيرهما حاله، كما لا خلاف في أنه يجوز لهم ذلك مع الاضطرار كضيق وقت أو حيض، بل الإجماع أيضا بقسميه عليه مضافا إلى النصوص (2) المستفيضة أو المتواترة في ذلك، و ستسمع جملة منها إن شاء اللّٰه، و كذا لا خلاف أيضا في أفضلية التمتع على قسيميه لمن كان الحج مندوبا بالنسبة إليه لعدم استطاعته، أو لحصول حج الإسلام منه، و النصوص (3) مستفيضة فيه أو متواترة، بل هو من قطعيات مذهب الشيعة، بل في بعضها (4) عن

الصادق

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب أقسام الحج- الحديث 0.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب أقسام الحج- الحديث 14.

11

(عليه السلام) «لو حججت ألفي عام ما قدمتها إلا متمتعا»

و لا فرق في ذلك بين أن يحج عن نفسه أو عن غيره، و لا بين من اعتمر في رجب أو شهر رمضان و غيره، بل و لا بين المقيم في مكة منذ عشر سنين و غيره.

[في شرائط حج التمتع]

و لكن شروطه أي حج التمتع سواء كان مندوبا أو واجبا أربعة

[الأول النية]

الأول النية التي قد عرفت اعتبارها في كل عبادة، إلا أنه قيل المراد بها هنا نية الإحرام كما في الدروس، و فيه أن ذكرها فيه حينئذ مغن عنه هنا، على أنه لا فرق بينه و بين باقي أفعال الحج و العمرة في اعتبار النية فيها، فلا معنى لتخصيص الإحرام من بينها بذلك و إن قيل إن الوجه في ذلك كونه معظم الأفعال و كثير الأحكام، لكنه كما ترى، و لعله لذا كان الأولى إرادة نية حج التمتع بجملته، بل في المدارك عن الشارح أن ظاهر الأصحاب و صريح سلار ذلك و إن كان المحكي عن الآخر أنه قال: نية الخروج إلى مكة، بل في كشف اللثام عنه أنه قدمها على الدعاء للخروج من المنزل و ركوب الراحلة و المسير، إلا أن الظاهر منه إرادة نية النوع المخصوص من الحج و لكن أشكله هو و غيره باقتضائه الجمع بين هذه النية و النية لكل فعل من أفعال الحج على حدة و لا دليل عليه، بل الأخبار خالية عن ذلك، قلت: يمكن أن يكون مستنده

صحيح زرارة (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل فقال: المتعة، فقلت: و ما المتعة؟ فقال: يهل بالحج في أشهر الحج فإذا طاف بالبيت و صلى الركعتين خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة قصر و أحل، فإذا كان يوم التروية أهل بالحج»

إلى آخره، و لا داعي إلى حمله على إرادة العمرة من الحج، مضافا إلى الأمر به جملة و الأمر بكل منها على وجه يظهر منه إرادة

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب أقسام الحج- الحديث 3.

12

اعتبار النية المستقلة، و أنه لا تكفي فيه النية الأولى، و لا تنافي بين وجوب نية الإجمال و نية التفصيل، و لعل هذا أولى مما في كشف اللثام من أن المراد النية لكل من العمرة و الحج و كل من أفعالهما المتفرقة من الإحرام و الطواف و السعي و نحوها كما يأتي تفصيلها في مواضعها لا نية الإحرام وحده كما في الدروس، و في الدروس و المراد بالنية نية الإحرام، و يظهر من سلار أنها نية الخروج إلى مكة، و في المبسوط الأفضل أن يقارن بها الإحرام، فإن فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل و لعله أراد نية التمتع في إحرامه لا مطلق نية الإحرام، و يكون هذا التحديد بناء على جواز الإحرام المطلق كما هو مذهب الشيخ، أو على جواز العدول إلى التمتع من إحرام الحج أو العمرة المفردة، و هذا يشعر أن النية المعدودة هي نية النوع المخصوص، قلت: فيكون موافقا لما قلناه.

[الثاني وقوعه في أشهر الحج]

و الثاني وقوعه في أشهر الحج بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد (1): «ليس يكون متعة إلا في أشهر الحج»

و غيره، فلا يصح وقوع بعض عمرته في غيرها فضلا عنه و هي على الأصح شوال و ذو القعدة و ذو الحجة كما عن الشيخين في الأركان و النهاية و ابني الجنيد و إدريس و القاضي في شرح الجمل، لظاهر الأشهر في الآية (2) و صحيح معاوية بن عمار (3) عن الصادق (عليه السلام) و حسن زرارة (4) عن الباقر (عليه السلام)، و إجزاء الهدي و بدله طول ذي الحجة، بل الطواف و السعي كما ستعرف و قيل كما عن الحسن و التبيان و الجواهر و روض الجنان هي

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.

(2) سورة البقرة- الآية 193.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب أقسام الحج- الحديث 5.

13

شوال و ذو القعدة و عشرة أيام من ذي الحجة بل عن ظاهر الثاني و الرابع اتفاقنا عليه، لأن أفعال الحج بأصل الشرع تنتهي بانتهاء العاشر و إن رخص في تأخير بعضها و خروج ما بعده من الرمي و المبيت عنها، و لذا لا يفسد بالإخلال بها، و للخبر عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) كما عن التبيان و الروض و قيل كما عن الاقتصاد و الجمل و العقود و المهذب الشهران الأولان و تسعة أيام من ذي الحجة لأن اختياري الوقوف بعرفات في التاسع، بل عن الغنية و تسع من ذي الحجة أي تسع ليل، فيخرج التاسع، إلا أن يكون توسع، و من الكافي و ثمان منه أي ثمان ليال، فيخرج الثامن إلا أن يكون توسع، و قد يكون ختمها بالثامن، لأنه آخر ما شرع في أصل الشرع للإحرام بالحج و إن جاز التأخير رخصة و قيل كما عن المبسوط و الخلاف و الوسيلة و الجامع الشهران و إلى طلوع الفجر من يوم النحر لأنه لا يجوز الإحرام بالحج بعده، لفوات اضطراري عرفة، و لكن يدرك اختياري المشعر إلى طلوع شمسه، و لذا حكي عن ابن إدريس اختياره في موضع، بل قيل هو ظاهر جمل العلم و العمل و المصباح و مختصره و مجمع البيان و متشابه القرآن، لأن فيها انها شوال و ذو القعدة و عشرة من ذي الحجة بتأنيث العشر المقتضي لكون التمييز أياما لا لياليا و يحتمل التوسع و كيف كان فالظاهر لفظية الاختلاف في ذلك كما اعترف به غير واحد، للاتفاق على أن الإحرام بالحج لا يتأتى بعد عاشر ذي الحجة و كذا عمرة التمتع، و على إجزاء الهدي و بدله طول ذي الحجة و أفعال أيام منى و لياليها، نعم في الدروس أن الخلاف فيها لعله مبني على الخلاف الآتي في وقت فوات المتعة: و فيه انه لا يتم في بعضها، و اللّٰه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب أقسام الحج- الحديث 6.

14

و على كل حال ف ضابط وقت الإنشاء لحج التمتع و ابتدائه في هذه المدة ما يعلم انه يدرك المناسك فيه كغيره من الواجبات الموقتة.

[الثالث ان يأتي بالحج و العمرة في سنة واحدة]

و الثالث ان يأتي بالحج و العمرة في سنة واحدة بلا خلاف فيه بين العلماء كما اعترف به في المدارك و غيرها، و هو الحجة إن تم إجماعا مضافا إلى انسياقه من

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «دخلت العمرة في الحج هكذا و شبك بين أصابعه» و صحيح حماد أو حسنه (2) عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) «من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما و دخل ملبيا بالحج، فلا يزال على إحرامه، فإن رجع إلى مكة رجع محرما و لم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه، و إن شاء وجهه ذلك إلى منى، قال: فان جهل و خرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثم رجع في إبان الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرما أو بغير إحرام؟ فقال (عليه السلام): إن رجع في شهره دخل مكة بغير إحرام، و إن دخل في غير الشهر دخل محرما، قال: فأي الإحرامين و المتعتين متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته، و هي المحتبس بها التي وصلت بحجته»

و خبر معاوية بن عمار (3) «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): من اين يفترق المتمتع و المعتمر؟ فقال: إن المتمتع يرتبط بالحج، و المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، و قد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 32 و 3.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب العمرة- الحديث 3.

15

و الناس يروحون إلى منى»

و صحيح صفوان (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا دخل المعتمر مكة غير متمتع فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) فليلحق بأهله إن شاء، و قال: انما نزلت العمرة و المتعة لكن المتعة دخلت في الحج و لم تدخل العمرة في الحج»

و مرسل ابان (2) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج إلى الحج إلا ان يأبق غلامه أو تضل راحلته فيخرج محرما، و لا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة»

و صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت له: كيف أتمتع؟ قال: تأتي الموقف فتلبي إلى ان قال: و ليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج»

و صحيحه الآخر (4) عنه (عليه السلام) أيضا «قلت له: كيف أتمتع؟ قال: تأتي الموقف فتلبي بالحج، فإذا اتى مكة طاف و سعى و أحل من كل شيء و هو محتبس، و ليس له ان يخرج من مكة حتى يحج»

و حسن معاوية (5) «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنهم يقولون في حجة التمتع حجة مكية و عمرته عراقية، قال: كذبوا، أو ليس هو مرتبط بحجته لا يخرج منها حتى يقضي حجه؟»

إذ الظاهر كون المراد بيان خطئهم في ذلك الذي مآله إلى كون حج التمتع حج افراد، و عمرة كذلك بزعمهم لحصول التحلل بينهما، فان الحج إذا كان مرتبطا بالعمرة على وجه لا يجوز له الاقتصار على العمرة لا تكون العمرة مفردة و لا الحج، فما في كشف اللثام- بعد ان ذكر الاستدلال بذلك و زاد ما رواه في المعتبر عن

سعيد بن المسيب (6)

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب العمرة- الحديث 5 عن صفوان عن نجية عن أبي جعفر (عليه السلام) كما في الاستبصار ج 2 ص 325 الرقم 1152.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج الحديث 2 مع اختلاف في اللفظ.

(6) سنن البيهقي ج 4 ص 356.

16

«كان أصحاب رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا»

قال: و دلالة الجميع ظاهرة الضعف، و لكن ظاهر التذكرة الاتفاق عليه- لا يخلو من نظر، خصوصا بالنسبة إلى بعضها الذي هو كالصريح في ان عمرة التمتع مع حجه في تلك السنة كالعمل الواحد، بل ظاهرها انه لا يجوز له الاقتصار على العمرة و جعلها مفردة بعد ان دخل متمتعا بها، فإنه بذلك يكون مرتبطا و محتبسا بحج تلك السنة معها إلا مع الضرورة كما اعترف به في المدارك حاكيا له عن صريح الشيخ و جمع من الأصحاب، و لو لا ظهور هذه النصوص في ذلك لأشكل إثبات الشرطية المزبورة، إذ الموجود في التذكرة «الثالث ان يقع الحج و العمرة في سنة واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى ان حج أو رجع و عاد، لأن الدم انما يجب إذا زاحم العمرة حجه في وقتها و ترك الإحرام بحجه من الميقات مع حصوله بها في وقت الإمكان، و لم يوجد و هذه الشرائط الثلاثة عندنا شرائط في التمتع» و ليس صريحا في الإجماع بل و لا ظاهرا، على ان في الدروس و الاعتبار بالإهلال في أشهر الحج لا بالأفعال أو الإحلال، ثم قال: و لو اتى بالحج في السنة القابلة فليس بمتمتع، نعم لو بقي على إحرامه بالعمرة من غير إتمام الأفعال إلى القابل احتمل الاجزاء، و لو قلنا إنه صار معتمرا بمفردة بعد خروج أشهر الحج و لما يحل لم يجز، و إن كان فيه أيضا ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه، ضرورة ان ما ذكره من كون الاعتبار بالإهلال خلاف ظاهر النص و الفتوى الدال على اشتراط وقوع العمرة في أشهر الحج، فإنها اسم لمجموع الأفعال، فيجب وقوعها فيها، و لا يكتفي بالإهلال، كضرورة منافاة ذلك لما سمعت من خبره الناص على الإتيان بهما في سنة واحدة، إذ من المعلوم عدم وقوع العمرة بتمامها في سنة الحج في الفرض، لأن من أفعالها الإحرام

17

و الفرض وقوعه في السنة الماضية على ان مقتضى

قوله (صلى الله عليه و آله): «دخلت العمرة في الحج»

كون حكمها حكم الحج، فكما لا يجوز البقاء على إحرام الحج إلى القابل فكذا العمرة، و اللّٰه العالم.

[الرابع ان يحرم بالحج له من بطن مكة]

و الرابع ان يحرم بالحج له من بطن مكة مع الاختيار و التذكر بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى، بل في كشف اللثام الإجماع عليه، لكن

قال إسحاق (2): «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجيء فيقضي متعته ثم يبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة أو الى ذات عرق أو الى بعض المعادن قال:

يرجع الى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأن لكل شهر عمرة، و هو مرتهن بالحج قلت: فإنه دخل في الشهر الذي خرج فيه قال: كان أبي مجاورا هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج، و دخل و هو محرم بالحج»

و لا صراحة فيه فيما ينافي ذلك.

و لكن أفضل مواضعه منها المسجد اتفاقا كما في المدارك لكونه أشرف الأماكن، و لاستحباب الإحرام عقيب الصلاة التي هي في المسجد أفضل، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية (3) «إذا كان يوم التروية ان شاء اللّٰه فاغتسل ثم البس ثوبيك و ادخل المسجد حافيا و عليك السكينة و الوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين إحرامك من الشجرة، و أحرم بالحج»

و في خبر أبي بصير (4) «إذا أردت أن تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين أردت أن تحرم إلى أن قال: ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الإحرام- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 4.

18

ركعات»

إلى آخره.

و على كل حال لا يتعين الإحرام منه اتفاقا كما عن التذكرة و إن أوهمته بعض العبارات، لكن

سأل عمرو بن حريث (1) الصادق (عليه السلام) «من أين أهل بالحج؟ فقال: إن شئت من رحلك و إن شئت من المسجد و إن شئت من الطريق»

و أفضله المقام ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد (2): «إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة، ثم صل ركعتين خلف المقام، ثم أهل بالحج، فان كنت ماشيا فلب عند المقام، و إن كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك»

و عن الصدوق التخيير بينه و بين الحجر، لحسن معاوية (3) السابق، لكن فيه أن اشتراكهما في الفضل بالنسبة إلى سائر الأماكن لا ينافي الأفضلية المزبورة المستفادة من الأمر به خاصة في خبر عمر بن يزيد، و من تعدد الرواية به و من موافقته الأمر به في الآية (4) باتخاذه مصلى، نعم عن الكافي و الغنية و الجامع و النافع و شرحه و التحرير و المنتهى و التذكرة و الدروس التخيير بينه و بين تحت الميزاب في الأفضلية، و في كشف اللثام و كأن المعنى واحد، و اقتصر في محكي الإرشاد و التلخيص و التبصرة على فضل ما تحت الميزاب و لم يذكر المقام، و لم نعثر له على شاهد يقتضي فضله على المقام، و الأمر في ذلك سهل بعد عدم تعين شيء منهما قطعا لما عرفت، مضافا إلى الأصل، و خصوص

خبر يونس بن يعقوب (5) سأل الصادق (عليه السلام) «من أي المساجد أحرم يوم التروية؟ فقال: من أي مسجد شئت»

و في كشف اللثام و كأنه إجماع و إن أوهم خلافه بعض العبارات، و اللّٰه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الإحرام- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الإحرام- الحديث 1.

(4) سورة البقرة- الآية 119.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب المواقيت- الحديث 3.

19

[في عدم إجزاء العمرة المتمتع بها في غير أشهر الحج]

و لو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحج لم يجز له التمتع بها لما عرفته من اشتراط وقوع حج التمتع في أشهر الحج، و لذا قال في المدارك هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، بل النصوص وافية في الدلالة عليه، كصحيح عمر بن يزيد (1) السابق و غيره (2) و كذا لو فعل بعضها في أشهر الحج خلافا لبعض العامة و إن كان الأكثر خلافا لأبي حنيفة منهم و حينئذ لم يلزمه الهدي الذي هو من توابع التمتع، لكن هل تقع العمرة صحيحة و إن لم يجز التمتع بها كما تشعر به العبارة، بل عن التذكرة و المنتهى التصريح به، بل عنهما التصريح بما هو أبلغ من ذلك من أن من أحرم بالحج في غير أشهره لم ينعقد إحرامه له و انعقد للعمرة مستدلا عليه ب

خبر الأحول (3) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج قال: يجعلها عمرة»

أو لا تقع كما اختاره في المدارك فإنه بعد أن ذكر ما حكيناه قال: «و الأصح عدم الصحة مطلقا، أما عن المنوي فلعدم حصول شرطه، و أما عن غيره فلعدم نيته، و نية المفيد لا تستلزم نية المطلق كما قررناه مرارا» و تبعه في كشف اللثام، و عن التحرير التردد في ذلك، و فيه أنه لا ريب في البطلان بمقتضى القواعد العامة، و لكن لا بأس بالقول به للخبر المزبور مؤيدا ب

خبر سعيد الأعرج (4) قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، و إن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم،

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أقسام الحج.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب أقسام الحج- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.

20

انما هي حجة مفردة، إنما الأضحى على أهل الأمصار»

و دعوى عدم الدلالة صريحا- لاحتمال أن يكون المراد منها من أراد فرض الحج في غير أشهره لا يقع حجه صحيحا، بل ينبغي أن يجعل النسك الذي يريد فعله عمرة- يدفعها أن ذلك لا ينافي الظهور المعلوم كفايته كما هو واضح، هذا.

و ظاهر الأصحاب عدم اشتراط أمر آخر غير الشرائط الأربعة أو الثلاثة في حج التمتع، لكن عن بعض الشافعية اشتراط أمر آخر، و هو كون الحج و العمرة عن شخص واحد، فلو أوقع المتمتع الحج عن شخص و العمرة عن آخر تبرعا مثلا لم يصح، و يمكن أن يكون عدم ذكر أصحابنا لذلك اتكالا على معلومية كون التمتع عملا واحدا عندهم، و لا وجه لتبعيض العمل الواحد، فهو في الحقيقة مستفاد من كون حج التمتع قسما مستقلا، و يمكن أن لا يكون ذلك شرطا عندهم لعدم الدليل على الوحدة المزبورة التي تكون العمرة معها كالركعة الأولى من صلاة الصبح، و إلا لم تصح عمرته مثلا مع اتفاق العارض عن فعل الحج إلى أن مات، بل المراد اتصاله بها و إيجاب إردافه بها مع التمكن، و حينئذ فلا مانع من التبرع بعمرته عن شخص و بحجه عن آخر لإطلاق الأدلة، بل لعل

خبر محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) دال عليه، قال «سألته عن رجل يحج عن أبيه أ يتمتع؟ قال: نعم المتعة له و الحج عن أبيه»

و أما الوقوع من شخص واحد فلم أجد في كلام أحد التعرض له بمعنى أنه لو فرض التزامه بحج التمتع بنذر و شبهه فاعتمر عمرته و مات مثلا فهل يجزي نيابة أحد عنه مثلا بالحج من مكة؟ و إن كان الذي يقوى عدم الاجزاء إن لم يكن دليل خاص، و ربما يأتي في الأبحاث الآتية نوع تحقيق له، و اللّٰه العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب أقسام الحج- الحديث 11.

21

[في وجوب استئناف الإحرام لو أحرم من غير مكة]

و كيف كان فقد عرفت و تعرف أن الإحرام لعمرة كان أو لحج من الميقات الذي وقته رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) له مع الاختيار و عرفت أيضا أن مكة ميقات لحج التمتع و حينئذ ف لو أحرم بحج التمتع من غير مكة لم يجزه و لو دخل مكة بإحرامه على الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها اعتبار موافقة الأمر في صحة العبادة و إجزائها و وجب استئنافه منها ليوافق الأمر به، و دخول مكة بالإحرام من غيرها و لو من ميقات العمرة مع عدم تجديده منها لا يجدي في امتثال الأمر به منها، خصوصا بعد فساد الإحرام الأول الحاصل من غير الميقات عمدا، و استدامة النية على ذلك الإحرام عند مروره ليست نية لإنشائه، بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل عن التذكرة و المنتهى نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه عندنا، نعم عن أحمد أنه يحرم للحج من الميقات، و عن الشافعي جواز ذلك له، و ربما أشعرت عبارة المتن بوجود خلاف فيه بيننا، لكن عن شارح ترددات الكتاب إنكار ذلك، بل نقل عن شيخه أن المصنف قد يشير في كتابه بنحو ذلك إلى خلاف الجمهور، أو إلى ما يختاره من غير أن يكون خلافه مذهبا لأحد من الأصحاب فيظن أن فيه خلافا و بالجملة لا إشكال بل و لا خلاف محقق في فساد الإحرام لحج التمتع من غير مكة مع الاختيار، فلا يجديه حينئذ المرور فيها ما لم يجدد الإحرام منها له، كما هو واضح.

نعم لو تعذر ذلك و لو لضيق الوقت قيل و القائل الشيخ في المحكي من خلافه يجزيه ذلك الإحرام الذي أوقعه في غيرها لعذر من نسيان أو غيره، و تبعه في كشف اللثام حاكيا له عن التذكرة أيضا للأصل و مساواة ما فعله لما يستأنفه في الكون من غير مكة، و في العذر، لأن النسيان عذر و الوجه أنه يستأنفه حيث أمكن و لو بعرفة إن لم يتعمد ذلك عالما بالحال،

22

لأن ما أوقعه أولا لم يوافق أمرا به، فهو فاسد، و من هنا كان مقتضى الأصل الفساد لا الصحة، و أما دعوى المساواة فلا ريب في أنها قياس و الأصل يقتضي العكس، إذ المصحح للإحرام المستأنف انما هو الإجماع على الصحة معه، و ليس النسيان مصححا له حتى يتعدى به إلى غيره، و انما هو مع العذر عذر في عدم وجوب العود، و هو لا يوجب الاجتزاء بالإحرام معه حيثما وقع، بل انما يجب الرجوع إلى الدليل، و ليس هنا سوى الاتفاق، و لم ينعقد إلا على الإحرام المستأنف، و أما السابق فلا دليل عليه، نعم قد يقال بصحة إحرام مصادف العذر واقعا، كما لو نسي الإحرام منها و أحرم من غيرها في حال عدم تمكنه من الرجوع إليها لو كان متذكرا، لمصادفته الأمر به واقعا حينئذ، فتأمل.

هذا كله في المعذور، أما العامد فإن أمكنه استئنافه منها استأنفه، و إلا بطل حجه و لم يفده الاستئناف من غيرها، بل قد يتوهم من نحو إطلاق المتن عدم الفرق بين جاهل الحكم و غيره اللهم إلا أن يدعى إرادة العالم من العامد، و لعله كذلك، لتظافر الأخبار بعذرة إذا أخر الإحرام عن سائر المواقيت،

قال زرارة (1) «عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الوقت و هي لا تصلي فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة و هي طامث حلال، فسألوا بعض الناس فقالوا: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه و كانت إذا فعلت لم تدرك الحج، فسألوا أبا جعفر (عليه السلام) فقال: تحرم من مكانها قد علم اللّٰه نيتها»

و قال ابن عمار (2): «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا: ما ندري أ عليك

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب المواقيت- الحديث 6 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب المواقيت- الحديث 4 من كتاب الحج.

23

إحرام أم لا و أنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم، فقال: إن كان عليها مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه، و إن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها الحج فتحرم»

و قال سورة بن كليب (1) «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): خرجت معنا امرأة من أهلنا فجهلت الإحرام فلم تحرم حتى دخلنا مكة و نسينا أن نأمرها بذلك فقال: فمروها فلتحرم من مكانها من مكة أو من المسجد»

و قال عبد اللّٰه (2): «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل مر على الوقت الذي أحرم الناس منه فنسي أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحج فقال:

يخرج من الحرم فيحرم و يجزيه ذلك»

و قال الكناني (3): «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل جهل أن يحرم حتى دخل الحرم كيف يصنع؟ قال:

يخرج من الحرم ثم يهل بالحج»

بل أطلق في خبر الحلبي (4) على وجه يشمل العالم العامد و إن لم نجد به قائلا هنا، بل صرح غير واحد بفوات نسكه حينئذ كما هو مقتضى القواعد، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذين يحرمون منه فيحرم، و إن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج»

بل في مرسل جميل (5) عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل نسي أن يحرم أو جهل و قد شهد المناسك كلها و طاف و سعى قال: يجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه و إن لم يهل»

بل في صحيح علي بن جعفر (6) عن أخيه (عليهما السلام) الذي استدل به في المدارك على الحكم المزبور

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب المواقيت الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب المواقيت الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب المواقيت الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب المواقيت الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب المواقيت- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 20- من أبواب المواقيت- الحديث 2.

24

و إن كان فيه ما فيه- خصوص المتمتع، قال: «سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات و جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه»

إلا ان الاستدلال به موقوف على القول بمضمونه حتى يستفاد منه حكم المقام بالأولوية، و تسمع إن شاء اللّٰه تحقيق القول في ذلك، و احتمال الفرق بين ميقات إحرام حج التمتع و غيره بعيد، بل

قوله (عليه السلام) في بعضها: «قد علم اللّٰه نيتها»

مما هو كالتعليل الشامل للمقام.

و على كل حال ف هل يسقط الدم و الحال هذه أي أحرم بالحج من غير مكة للعذر بل في ميقات العمرة أو مر عليه و هو محرم بالحج؟ فيه تردد ينشأ من انه جبران لما فات من إحرام الحج من الميقات كما عن الشافعي، فيتجه حينئذ سقوطه في الأول المفروض فيه حصوله من الميقات، بل و الثاني في وجه و هو مروره و هو متلبس به عليه، بل قيل هو ظاهر المبسوط، و حينئذ فيسقط عن الأول بطريق الأولى، و من انه نسك مستقل لا مدخلية له في ذلك- كما هو ظاهر الأصحاب، بل و الأدلة بل عن صريح المبسوط و صريح الخلاف انه نسك بل عن صريح الثاني منهما عدم سقوطه عنهما- فالتردد فيه حينئذ واضح الضعف.

[في عدم خروج المتمتع من مكة قبل الحج]

و لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة حتى يأتي بالحج وفاقا للمشهور على ما في المدارك لأنه صار مرتبطا به كما سمعت المعتبرة المستفيضة به إلا على وجه لا يفتقر إلى تجديد عمرة بأن يخرج محرما بالحج باقيا على إحرامه حتى يحصل الحج منه، أو يعود للحج قبل مضي شهر كما في القواعد جمعا بين النصوص السابقة و بين

مرسل موسى بن القاسم (1) عن بعض أصحابنا «انه سأل

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج- الحديث 3.

25

أبا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال فقال: إني أريد ان أفرد عمرة هذا الشهر فقال: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: ان المدينة منزلي و مكة منزلي و لي فيهما أهل و بينهما أموال فقال: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل:

فإن لي ضياعا حول مكة و أريد الخروج إليها فقال: تخرج حلالا و ترجع حلالا الى الحج»

بناء على كون السؤال منه عن إفراد العمرة بعد ان قصد التمتع بها، و إطلاقه الحل خارجا و راجعا مقيد بما إذا رجع قبل شهر، ل

خبر إسحاق بن عمار (1) سأل أبا الحسن (عليه السلام) «عن المتمتع يجيء فيقضي متعته ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة و الى ذات عرق و الى بعض المعادن قال: يرجع الى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأن لكل شهر عمرة، و هو مرتهن بالحج»

و مرسل الصدوق (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا أراد المتمتع الخروج من مكة الى بعض المواضع فليس له ذلك لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا ان يعلم أنه لا يفوته الحج، و ان علم و خرج و عاد في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلا، و ان دخلها في غير ذلك الشهر دخل محرما»

و حسن حماد (3) السابق.

لكن فيه أن المرسل الأخير يقتضي الجواز و لو بعد شهر لكن يعود بعمرة جديدة، على أن هذه النصوص غير جامعة لشرائط الحجية، و لا شهرة محققة جابرة لها، بل لم نعرف ذلك إلا للمصنف و الفاضل، بل في كشف اللثام أنه أطلق المنع في الوسيلة و المهذب و الإصباح و موضع من النهاية و المبسوط، و استثنى ابن حمزة الاضطرار و ان قال الشهيد: لعلهم أرادوا بالخروج المحوج إلى عمرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج الحديث 6.

26

أخرى كما قاله في المبسوط أو الخروج لا بنية العود، لكن فيه انه لا داعي الى ذلك بل يمكن ان يكون لحرمة الخروج مطلقا عندهم.

و على كل حال فالمتجه الاقتصار في الخروج على الضرورة، و ان لا يخرج معها إلا محرما، لإطلاق النصوص المزبورة، و لاحتمال عدم التمكن بعد ذلك من العود إلى مكة للإحرام بالحج، أو لصدق الاتصال حينئذ بالحج، و لغير ذلك، لكن في كشف اللثام إلا ان يتضرر كثيرا بالبقاء على الإحرام لطول الزمان، فيخرج محلا حينئذ للأصل و انتفاء الحرج، و مرسل موسى بن القاسم المتقدم على وجه، بل قال: و مرسل الصدوق يحتمله و الجهل و فيه ان الأصل مقطوع بإطلاق الأدلة، و عدم الحرج الذي يصلح مقيدا له، كالاحتمال في المرسلين اللذين لا جابر لهما، و دعوى ان الحرمة انما هي لفوات الارتباط بين الحج و عمرته فلا معنى لها مع فرض عدم الافتقار إلى عمرة بالرجوع قبل شهر يدفعها انها كالاجتهاد في مقابلة النصوص السابقة بناء على العمل بها، نعم عن السرائر و النافع و المنتهى و التذكرة و موضع من التحرير و ظاهر التهذيب و موضع من النهاية و المبسوط كراهة الخروج لا حرمته. للأصل و الجمع بين النصوص بشهادة

قوله (عليه السلام): «ما أحب» في خبر حفص (1)

منها، و هو لا يخلو من وجه.

[في التمتع بالعمرة الأخيرة]

و كيف كان ف لو جدد عمرة بخروجه محلا لرجوعه بعد شهر تمتع بالأخيرة و تصير الأولى مفردة، لحسن حماد السابق، و لارتباط عمرة التمتع بحجه، و ظهور الآية (2) في الاتصال، بل في كشف اللثام و لعله اتفاقي

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب أقسام الحج- الحديث 7 و هو خبر الحلبي.

(2) سورة البقرة- الآية 192.

27

و الظاهر عدم طواف للنساء عليه و إن احتمله بعضهم، لأنه أحل منها بالتقصير و ربما أتى النساء قبل الخروج، و من البعيد جدا حرمتهن عليه بعده من غير موجب، و لو رجع قبل شهر دخل مكة محلا، لكن عن التهذيب و التذكرة ان الأفضل ان يدخل محرما بالحج، لخبر إسحاق بن عمار المتقدم سابقا في الإحرام من مكة الذي قلنا لا صراحة فيه بذلك أي جواز الإحرام لحج التمتع من غير مكة، لجواز حج الصادق (عليه السلام) مفردا أو قارنا، بل في كشف اللثام و كلام الشيخ يحتمله بعيدا، و إعراض الكاظم (عليه السلام) عن الجواب و جواز صورة الإحرام تقية، و أمر الكاظم (عليه السلام) أيضا بها تقية و يمكن القول باستحبابه أو وجوبه تعبدا و ان وجب تجديده بمكة، و يجوز كون الحج بمعنى عمرة التمتع بل العمرة مطلقا، و يأتي إنشاء اللّٰه تمام الكلام فيه كما أنه يأتي الكلام في اعتبار الفصل بالشهر بين العمرتين، و ان ظاهر نصوص المقام اعتبار كون الرجوع في غير شهر عمرته في العمرة الجديدة، لا فصل شهر كما هو ظاهر الأصحاب و صريح بعضهم حتى أنهم اختلفوا في مبدأ حساب الشهر و انه من إخلاله بالعمرة أو غير ذلك، بل ان لم يكن إجماعا أمكن القول ان ذلك البحث إنما هو في الفصل بين العمرتين المفردتين لا في مثل الفرض الذي هو عمرة التمتع التي يجب إكمالها بالحج بعدها، و قد دخلت فيه دخول الشيء بعضه في بعض كما هو مقتضى تشبيك أصابعه (صلى الله عليه و آله)، فهو حينئذ قبل قضائه في أثناء العمل، فلا وجه لاستئنافه عمرة في أثنائه، و النصوص المزبورة مع عدم جامعية كثير منها شرائط الحجية يمكن حملها على التقية، و لعل ما في النصوص من الخروج محرما تعليم للجمع بين قضاء ضرورته و إيصال حجه بعمرته، نعم لو قلنا بفساد عمرة تمتعه بخروجه و رجوعه بعد شهر أمكن حينئذ القول باستئناف عمرة جديدة، لوجوب الحج عليه بإفساده

28

إلا أنه ليس قولا لأحد من الأصحاب و الحاصل ان المسألة غير محررة في كلام الأصحاب، و التحقيق ما ذكرنا، و ربما يأتي لذلك إنشاء اللّٰه تتمة.

و لعله لذا تردد الشهيد في حواشي الدروس في بعض أحكام المسألة قال:

«و هنا فوائد الأولى هل يحرم بهذه العمرة من خارج الحرم أو من ميقات عمرة التمتع؟ نظر. الثانية هل هذه عمرة التمتع حقيقة أو لضرورة الدخول إلى مكة لمكان الإحرام؟ احتمالان، و الفائدة في وجوب طواف النساء فيها، فعلى الثاني يجب، و على الأول لا يجب، و في النية، فعلى الثاني ينوي عمرة الافراد، و على الأول ينوي عمرة التمتع. الثالثة لو عرض في هذه (1) مانع من الإكمال فهل يعدل الى حج الافراد أو لا؟ و تصريح الأصحاب بالتمتع بها يمكن حمله على اتصالها بالحج و إن كانت مفردة، لأن امتثال الأمر حصل بالأولى، و هو يقتضي الإجزاء» قلت: و كان آخر كلامه صريح في ان عمرة التمتع الاولى لا الثانية و ان جوزنا العدول منها الى الحج أيضا باعتبار اتصالها به، و لعله على هذا يحمل الخبر المزبور لا أن الاولى بطلت متعة بالخروج، و المتمتع بها الثانية كما هو ظاهر عبارة المصنف و غيره، و بالجملة المسألة غير محررة حتى بالنسبة إلى اعتبار الشهر، فإنه ان كان لأنه أقل ما يفصل به بين العمرتين فستعرف تحقيق الحال في ذلك، و انه تشرع العمرتان بأقل من ذلك، على ان المسألة خلافية، و لم يشر احد منهم الى بناء ذلك على ذلك الخلاف، و ان كان هو لخصوص هذه الأدلة و ان لم نقل به في غيرها فقد عرفت ان كثيرا

____________

(1) في المخطوطة المبيضة «و لو عرض في هذا» و لكن في المسودة «و لو عرض في هذه» و هو الصواب لان «هذه» إشارة إلى العمرة لا الإحرام فإن الكلام في أحكام العمرة.

29

منها غير جامع لشرائط الحجية، فلا ريب في ان الاولى و الأحوط الاقتصار في الخروج من مكة على الضرورة، و انه لا يخرج إلا محرما بالحج، هذا. و ليس في كلامهم تعرض لما لو رجع حلالا بعد شهر و لو آثما، فهل له الإحرام بالحج بانيا على عمرته الأولى أو انها بطلت للتمتع بالخروج شهرا؟ و لكن الذي يقوى في النظر الأول، لعدم الدليل على فسادها، بل هذا مؤيد لما ذكرناه فتأمل و كيف كان فالأولى و الأحوط ما سمعت من الاقتصار، و اللّٰه العالم.

[في جواز نقل النية إلى الإفراد لضيق الوقت]

و لو دخل بعمرة إلى مكة و خشي ضيق الوقت جاز له نقل النية الى الافراد و كان عليه عمرة مفردة بلا خلاف أجده فيه، بل لعل الإجماع بقسميه عليه، و انما الخلاف في حد الضيق، ففي القواعد و عن الحلبيين و ابني إدريس و سعيد يحصل التمتع بإدراك مناسك العمرة و تجديد إحرام الحج و ان كان بعد زوال الشمس يوم عرفة إذا علم إدراك الوقوف بها، و حينئذ فحد الضيق خوف فوات اختياري الركن من وقوف عرفة، و لعله يرجع اليه ما عن المبسوط و النهاية و الوسيلة و المهذب من الفوات بزوال الشمس من يوم عرفة قبل إتمام العمرة بناء على تعذر الوصول غالبا الى عرفة بعد هذا الوقت لمضي الناس عنه، لا أن المراد حتى إذا تمكن و أدرك مسمى الوقوف بعد الزوال، و عن علي بن بابويه و المفيد «ان حد فوات السعة زوال الشمس من يوم التروية» و عن المقنع و المقنعة «أنه غروب الشمس منه قبل الطواف و السعي» و في الدروس عن الحلبي انه قال:

«وقت طواف العمرة إلى غروب الشمس يوم التروية للمختار و المضطر الى ان يبقى ما يدرك عرفة آخر وقتها» و عن ظاهر ابن إدريس و محتمل أبي الصلاح في حجة الإسلام و نحوها مما تعين فيها المتعة لم يجز العدول ما لم يخف فوات اضطراري عرفة.

و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف النصوص، إلا أن الكثير منها ينطبق

30

على الأول، ففي

مرسل ابن بكير (1) عن بعض أصحابنا انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) «عن المتعة متى تكون؟ قال: يتمتع ما ظن انه يدرك الناس بمنى»

قلت: أي ذاهبين الى عرفة، و خبر يعقوب بن شعيب الميثمي (2) «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: لا بأس للمتمتع ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوات الموقفين» و عن بعض النسخ «ان يحرم من ليلة عرفة» مكان «ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له»

يعني يحرم متى ما تيسر له، و في مرفوع سهل (3) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في متمتع دخل يوم عرفة قال:

متعته تامة الى ان يقطع التلبية»

قلت: الى أن يقطع الناس تلبيتهم و هو زوال الشمس من يوم عرفة، فإنه وقت قطع التلبية أراد (عليه السلام) انه إذا دخل مكة قبل زوال آالشمس أمكن إدراك المتعة تامة، و في المرسل (4) عن أبي بصير «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة، فقال: ان كانت تعلم انها تطهر و تطوف بالبيت و تحل من إحرامها و تلحق بالناس فلتفعل»

و في خبر العقرقوفي (5) قال: «خرجت أنا و حديد فانتهينا الى البستان يوم التروية، فتقدمت على حمار فقدمت مكة فطفت و سعيت و أحللت من تمتعي ثم أحرمت بالحج و قدم حديد من الليل، فكتبت الى

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 3 و هو مسند الى أبي بصير على ما في الوسائل و كذلك في التهذيب ج 5 ص 475 و رواه الشيخ (قدس سره) في الاستبصار ج 2 ص 311 و التهذيب ج 5 ص 391 و الكليني (قده) في الكافي ج 4 ص 447 مرسلا عن أبي بصير.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 4.

31

أبي الحسن (عليه السلام) أستفتيه في أمره فكتب الي مره يطوف و يسعى و يحل من متعته و يحرم بالحج و يلحق الناس بمنى و لا يبيتن بمكة»

و في خبر الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «المتمتع يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة ما أدرك الناس بمنى»

و في خبر مرازم بن حكم (2) «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المتمتع يدخل ليلة عرفة مكة أو المرأة الحائض متى تكون لهما المتعة؟ فقال: ما أدركوا الناس بمنى»

و صحيح الحلبي (3) «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أهل بالحج و العمرة جميعا قدم مكة و الناس بعرفات فخشي ان هو طاف و سعى بين الصفا و المروة أن يفوته الموقف فقال: يدع العمرة فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة و لا هدي عليه»

و صحيح جميل (4) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، و له الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر»

و في خبر محمد بن سرو أوجزك (5) «كتبت إلى أبي الحسن الثالث

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 14 عن مرازم بن حكيم كما في التهذيب ج 5 ص 171 و الاستبصار ج 2 ص 247 و هو الصحيح.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 15.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 16 عن محمد ابن مسرور، و لكن في التهذيب ج 5 ص 171 و الاستبصار ج 2 ص 247 محمد ابن سرو، و في جامع الرواة: محمد بن سرد في نسخة و اخرى سرو، و ذكر انه الراوي لهذا الحديث، و لكن لم يرد فيه توثيق، و أما محمد بن جزك فهو من أصحاب الهادي (عليه السلام) ثقة على ما عن الخلاصة و رجال الشيخ (قده) و قد روى هذا الحديث الشيخ حسن (قده) صاحب المعالم في المنتقى ج 2 ص 521 عن محمد بن مسرور كالوسائل و ذكر انه هو ابن جزك و الغلط وقع في اسم أبيه من الناسخين.

32

(عليه السلام) ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافي غداة عرفة و خرج الناس من منى إلى عرفات أعمرته قائمة أو قد ذهبت منه، إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية و لا ليلة التروية؟ فكيف يصنع؟ فوقع (عليه السلام) ساعة يدخل مكة إن شاء يطوف و يصلي ركعتين و يسعى و يقصر و يحرم بحجته و يمضي إلى الموقف و يفيض مع الامام»

و خبر زرارة (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون في يوم عرفة و بينه و بين مكة ثلاثة أميال و هو متمتع بالعمرة إلى الحج فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، يهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر، و يمضي إلى عرفات فيقف مع الناس و يقضي جميع المناسك و يقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم و لا شيء عليه»

و هو كالصريح في خوف فوات اختياري عرفة، إلى غير ذلك من النصوص المتفقة في الدلالة على مشروعية المتعة في ليلة عرفة و يومها، بل إذا كان المراد مما قيد فيها بالزوال نحو ما ذكرناه في كلام المبسوط اتفقت جميعا على مختار المصنف الذي كاد يكون صريحا فيه الخبر الأخير، بل يؤيدها أيضا ما تسمعه في مسألة الحائض إذ الظاهر عدم الفرق بينها و بين غيرها من ذوي الأعذار، نعم لا يبعد القول بأن مشروعيتها بعد الزوال من يوم عرفة للمضطر خاصة، لمزاحمتها حينئذ بعض وقوف عرفة و ان لم يكن الركن منه.

و لا ينافيها

خبر العيص بن القاسم (2) «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 10.

33

السلام) عن المتمتع يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر تفوته المتعة قال: لا له ما بينه و بين غروب الشمس، و قال: قد صنع ذلك رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)»

و لا

خبر إسحاق بن عبد اللّٰه (1) «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المتمتع يدخل مكة يوم التروية فقال: للمتمتع ما بينه و بين الليل»

و لا

خبر عمر بن يزيد (2) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «إذا قدمت مكة يوم التروية و أنت متمتع فلك ما بينك و بين الليل أن تطوف بالبيت و تسعى و تجعلها متعة»

و لا

المرسل (3) في التهذيب و الاستبصار روى لنا الثقة من أهل البيت عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أنه قال: «أهل بالمتعة بالحج يريد يوم التروية إلى زوال الشمس و بعد العصر و بعد المغرب و بعد العشاء ما بين ذلك كله واسع»

ضرورة عدم دلالة الجميع على عدم مشروعية غير ذلك إلا بالمفهوم الذي لا يصلح معارضا للنصوص الصريحة التي سمعتها.

نعم ينافيها

خبر زكريا بن عمران (4) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة قال: لا متعة له، يجعلها عمرة مفردة»

و خبر إسحاق ابن عبد اللّٰه (5) عن أبي الحسن (عليه السلام) «المتمتع إذا قدم ليلة عرفة فليست له متعة يجعلها حجة مفردة، إنما المتعة إلى يوم التروية»

و خبر موسى بن عبد اللّٰه (6) «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المتمتع يقدم مكة ليلة

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب أقسام الحج الحديث 13.

(4) الاستبصار ج 2 ص 249 الرقم 874 و رواه في الوسائل في الباب 21 من أبواب أقسام الحج- الحديث 8 عن التهذيب ج 5 ص 173 عن زكريا بن آدم.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج- الحديث 9.

(6) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج- الحديث 10.

34

عرفة قال: لا متعة له، يجعلها حجة مفردة و يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة و يخرج إلى منى و لا هدي عليه، إنما الهدي على المتمتع»

و خبر علي ابن يقطين (1) «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل و المرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثم يدخلان مكة يوم عرفة كيف يصنعان؟ قال يجعلانها حجة مفردة، و حد المتعة إلى يوم التروية»

و خبر عمر بن يزيد (2) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «إذا قدمت مكة يوم التروية و قد غربت الشمس فليس لك متعة امض كما أنت بحجك».

إلا أنها إخبار شاذة نادرة القائل تشبه بعض أخبار المواقيت، بل فيها ما هو كالموضوع نحو

قوله: (عليه السلام) «قد صنع ذلك رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)»

مع انه لم يتمتع ابدا، اللهم إلا ان يراد صنعه لغيره بأن أمر (صلى الله عليه و آله) به أو أنه كان ذلك لحكمة عدم إرادة معروفية الشيعة في ذلك الوقت بالتخلف عن يوم التروية الذي يخرج الناس فيه إلى منى، بل يلوح من بعضها آثار ما ذكرنا، خصوصا

خبر ابن بزيع (3) منها قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل ان تحل متى تذهب متعتها؟ قال: كان جعفر (عليه السلام) يقول: زوال الشمس من يوم التروية، و كان موسى (عليه السلام) يقول: صلاة الصبح من يوم التروية، فقلت: جعلت فداك عامة مواليك يدخلون يوم التروية و يطوفون و يسعون ثم يحرمون بالحج، فقال: زوال الشمس، فذكرت له رواية عجلان أبي صالح فقال: لا، إذا زالت الشمس ذهبت المتعة، فقلت: فهي على إحرامها أم تجدد إحرامها للحج؟ فقال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج الحديث 14.

35

لا هي على إحرامها، فقلت: فعليها هدي قال: لا إلا أن تحب أن تتطوع، ثم قال: أما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة»

ضرورة أن نقله عن جعفر (عليه السلام) كذا و عن موسى (عليه السلام) كذا- مع أنه مناف لما سمعته من نصوص التوسعة في يوم التروية إلى غروب الشمس، بل في بعضها بعد العشاء- هذا كله دليل على ما ذكرنا، أو على اختلاف أوقات التمكن إلى الوصول إلى عرفات باختلاف الناس، أو على أن المراد بيان تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل بمعنى أن أفضل أنواع التمتع أن تكون عمرته قبل ذي الحجة، ثم يتلوه ما تكون عمرته قبل يوم التروية، ثم ما يكون قبل ليلة عرفة، ثم ما يمكن معها إدراك الموقفين، ثم من كانت فريضته التمتع يكتفي بإدراك الأخير منها، و من يتطوع بالحج و لم يتيسر له العمرة إلا بعد التروية أو عرفة فالمستفاد من بعض الأخبار أن العدول إلى الافراد أولى له و لو لبعض الأمور التي لا ينافيها أفضلية التمتع بالذات على الافراد، و ربما ظهر من بعض متأخري المتأخرين الجمع بين النصوص بالتخيير بين التمتع و الافراد إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه، و هو جيد إن أراد ما ذكرناه، لا في صورة وجوب حج التمتع المعلوم من مذهب الشيعة وجوبه على النائي إذا تمكن منه من غير استثناء حال من الأحوال، و لذا صرح الشيخ- بعد الجمع بين النصوص المزبورة بإرادة نفي الكمال في المتعة، و بالخيار بينها و بين الافراد على الوجه المزبور- بأن ذلك إذا كان الحج مندوبا لا فيما إذا كان هو الفريضة، بل قد سمعت من ابن إدريس الاكتفاء في الوجوب بإدراك اضطراري عرفة و إن كان الأقوى خلافه.

و على كل حال فلا ريب في أن الأقوى ما قلناه، و عليه استقر المذهب بل ما تسمعه في المسألة الآتية مؤيد لذلك، و هي التي أشار إليها المصنف بقوله:

و كذا الحائض و النفساء إذا منعهما عذرهما عن التحلل و إنشاء الإحرام بالحج

36

لضيق الوقت عن التربص لقضاء أفعال العمرة على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل في المنتهى الإجماع عليه، قال: «إذا دخلت المرأة مكة متمتعة طافت و سعت و قصرت ثم أحرمت بالحج كما يفعل الرجل سواء، فان حاضت قبل الطواف لم يكن لها أن تطوف بالبيت إجماعا، لأن الطواف صلاة، و لأنها ممنوعة من الدخول إلى المسجد، و تنتظر إلى وقت الوقوف بالموقفين، فان طهرت و تمكنت من الطواف و السعي و التقصير و إنشاء الإحرام بالحج و إدراك عرفة صح لها التمتع، و إن لم تدرك ذلك و ضاق عليها الوقت أو استمر بها الحيض إلى وقت الوقوف بطلت متعتها و صارت حجتها مفردة، ذهب إليه علماؤنا أجمع» قيل و نحوه عن التذكرة، و ليس فيهما إشارة إلى الخلاف السابق في فوات وقت العمرة فهو حينئذ شاهد على المختار هناك، إذ الظاهر عدم الفرق بين الأعذار، و احتمال خروج الحائض من بينها للأدلة الخاصة يدفعه أن من نصوص توقيت المتعة بيوم التروية ما هو في الحائض.

و على كل حال فلا ريب في أن الأصح ما عليه المشهور، ل

صحيح جميل (1) «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية قال:

تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر و تخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة»

قال ابن أبي عمير «كما صنعت عائشة»

و خبر إسحاق (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات قال: تصير حجة مفردة، قلت: عليها شيء قال:

دم تهريقه و هي أضحيتها»

و صحيح ابن بزيع (3) المتقدم سابقا، و خبر الأعرج (4)

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج الحديث 13.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج الحديث 14.

(4) الوسائل- الباب- 86- من أبواب الطواف- الحديث 1.

37

الآتي في المسألة الآتية.

خلافا للمحكي عن الإسكافي و علي بن بابويه و أبي الصلاح من بقائها على متعتها، فتفعل حينئذ غير الطواف من أفعالها و تقصر ثم تحرم بالحج من مكانها ثم تقضي ما فاتها من الطواف بعد أن تطهر و حكاه في كشف اللثام عن الحلبيين و جماعة، كما أنه حكي فيه عن أبي علي التخيير بينهما، و على كل حال فالأول ل

خبر العلاء بن صبيح و البجلي و ابن رئاب و عبد اللّٰه بن صالح كلهم (1) يروونه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها و بين التروية، فإن طهرت طافت بالبيت و سعت بين الصفا و المروة و إن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت و احتشت و سعت بين الصفا و المروة ثم خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك و زارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها، ثم طافت طوافا للحج ثم خرجت فسعت، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم إلا فراش زوجها، فإذا طافت أسبوعا آخر حل لها فراش زوجها»

و خبر عجلان أبي صالح (2) «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): متمعة قدمت مكة فرأت الدم كيف تصنع؟ قال: تسعى بين الصفا و المروة و تجلس في بيتها، فان طهرت طافت بالبيت و إن لم تطهر فإذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء و أهلت بالحج و خرجت إلى منى فقضت المناسك كلها، فإذا فعلت ذلك فقد حل لها كل شيء ما عدا فراش زوجها، قال: و كنت أنا و عبد اللّٰه بن صالح سمعنا هذا الحديث في المسجد فدخل عبد اللّٰه على أبي الحسن (عليه السلام) فخرج إلى فقال: قد سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رواية عجلان فحدثني بنحو ما سمعنا من عجلان»

و نحوه

خبر درست (3) إلى قوله

____________

(1) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 2 عن درست الواسطي عن عجلان أبي صالح.

38

(عليه السلام): «فراش زوجها» إلا أنه قال: «و أهلت بالحج من بيتها» و زاد بعد قوله (عليه السلام): «و قضت المناسك كلها» «فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين و سعت بين الصفا و المروة»

و خبره الآخر (1) أنه سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول:

«إذا اعتمرت المرأة ثم اعتلت قبل أن تطوف قدمت السعي و شهدت المناسك، فإذا طهرت و انصرفت من الحج قضت طواف العمرة و طواف الحج و طواف النساء ثم أحلت من كل شيء»

و كان التخيير المزبور وجه جمع بين النصوص، إلا أنه مع كونه لا شاهد له فرع التكافؤ المفقود في المقام من وجوه.

و من هنا جمع بعض المتأخرين بينها بطريق آخر، و هو الفرق بين من أحرمت و هي طاهر فإنها تقضي طوافها بعد ذلك، و بين من أحرمت و هي حائض فإنها تبطل متعتها و تعدل إلى حج الافراد، و الشاهد على ذلك

خبر أبي بصير (2) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في المرأة المتمتعة إذا أحرمت و هي طاهر ثم حاضت قبل أن تقضي متعتها: سعت و لم تطف حتى تطهر ثم تقضي طوافها و قد قضت عمرتها، و إن هي أحرمت و هي حائض لم تسع و لم تطف حتى تطهر»

و هو- مع أنه قول لم نعرف لأحد من أصحابنا، بل لا يوافق الاعتبار، ضرورة عدم الفرق بين الحالين بعد عدم اعتبار (عدم ظ) الحيض في السعي و التقصير- لا يتم في بعض (3) النصوص السابقة الذي هو كالصريح في بطلان متعتها في الأول.

و من هنا جمع الشيخ بينها بحمل نصوص قضاء الطواف على من طافت أربعا كما تسمعه في المسألة الآتية و نصوص العدول إلى الافراد على من لم تطف شيئا منه، و جعل الخبر المزبور شاهدا على ذلك باعتبار أنها لو أحرمت و هي حائض قد

____________

(1) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج- الحديث 13.

39

علم عدم وقوع شيء من الطواف منها، بخلاف من أتاها الحيض بعد الإحرام الذي هو موضوع نصوص القضاء، و لا بأس به بعد أن عرفت استحقاقها للطرح باعتبار عدم مقاومتها للأخبار السابقة من وجوه، و أما ما يحكى عن بعض الناس من استنابتها من يطوف عنها فلم نعرف القائل به و لا دليله، بل مقتضي القواعد فضلا عن الأدلة خلافه، و كذا ما في بعض النصوص (1) من تأخيرها السعي لو فرض عروض الحيض لها بعد إتمام الطواف لم نعرف قائلا به.

[في حكم المتمتعة التي طافت أربعا ثم حاضت]

و لو تجدد العذر و قد طافت أربعا صحت متعتها و أتت بالسعي و بقية المناسك التي قد عرفت عدم اشتراط شيء منها بالطهارة و قضت بعد طهرها ما بقي من طوافها قبل طواف الحج، لتقدم سببه كما في كلام بعض، أو بعده كما في كلام آخر، أو مخيرة كما هو مقتضى إطلاق الأدلة على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، لعموم ما دل (2) على إحراز الطواف بإحراز الأربعة منه، و خصوص النصوص ك

خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بين الصفا و المروة فجازت النصف فعلمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، و ان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله»

و خبر أحمد بن عمر الحلال (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثم اعتلت قال: إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بين الصفا و المروة و جاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من اوله»

و المراد بمجاوزة النصف

____________

(1) الوسائل- الباب- 89- من أبواب الطواف- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 85- من أبواب الطواف- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 85- من أبواب الطواف- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 85- من أبواب الطواف- الحديث 2.

40

بلوغ الأربع فما زاد بقرينة غيره من النص و الفتوى، و ذكر الصفا و المروة معه لا ينافي حجيتهما فيه كما هو واضح، و خبر إسحاق بياع اللؤلؤ (1) عمن سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم رأت الدم فمتعتها تامة» و زاد في التهذيب و الاستبصار «و تقضي ما فاتها من الطواف بالبيت، و بين الصفا و المروة، و تخرج إلى منى قبل ان تطوف الطواف الأخير»

قلت: لعل المراد بالطواف الأخير الطواف المقضي، و صحيح سعيد الأعرج (2) «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت أربعة أشواط و هي معتمرة ثم طمثت قال: تتم طوافها فليس عليها غيره، و متعتها تامة، فلها ان تطوف بين الصفا و المروة، و ذلك لأنها زادت على النصف و قد قضت متعتها و تستأنف بعد الحج»

و زاد في الفقيه (3) بعد ان رواه مرسلا «و إن هي لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر»

بل في خبر محمد (4) الاكتفاء بثلاثة أشواط أو أقل، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثم رأت دما قال: تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت منه و اعتدت بما مضى»

بل في الفقيه بهذا الحديث افتي دون الحديث السابق عليه لأن إسناده متصل و مضمونه رخصة و رحمة، بخلاف الأول، و فيه- مع ندرة القول بذلك، بل استقرت الكلمة بعده على خلافه- ان الخبر المزبور هو قد رواه مرسلا، و إلا ففي التهذيب و غيره مسند، على ان الدليل غير منحصر فيه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 86- من أبواب الطواف- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 86- من أبواب الطواف- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 85- من أبواب الطواف- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 85- من أبواب الطواف- الحديث 3.

41

فلا ريب في عدم مقاومة الخبر المزبور لغيره مما سمعت من وجوه، فمن هنا كان المتجه حمله على طواف النافلة الذي ستعرف فيما سيأتي جواز البناء فيه على الأقل من الأربع.

و ما أبعد ما بينه و بين المحكي عن ابن إدريس من بطلان متعتها بعروض الحيض في أثناء الطواف و لو بعد الأربع، و كأنه مال إليه في المدارك، لامتناع إتمام العمرة المقتضي لعدم وقوع التحلل، و لإطلاق صحيح محمد بن إسماعيل (1) و غيره، إلا انه كما ترى اجتهاد في مقابلة النصوص الخاصة المعتضدة بالنصوص العامة التي لا يعارضها الإطلاق المزبور المنزل على عروض الحيض قبل حصول الطواف، و لقد أطنب في المنتهى في نقل القولين المزبورين و دليلهما، ثم جعل الانصاف التوسط بين القولين، نعم لا تنقيح في كلامهم ان الحكم المزبور مختص بحال الضيق أو الأعم منه و من السعة، فلها حينئذ في الأخير السعي و التقصير و الإحلال ثم قضاء ما عليها من الطواف بعد الإحرام بالحج، أو انها تنتظر الطهر مع السعة باقية على إحرامها حتى تقضي طوافها و صلاته ثم تسعى و تقصر؟ قد يلوح من بعض العبارات خصوصا عبارة القواعد الأول تنزيلا للأربعة منزلة الطواف كله، و لكن لا ريب في ان الأولى و الأحوط الثاني الذي فيه المحافظة على ترتيب العمرة، بل لعل الأولى ذلك حتى لو عرض لها الحيض بعد قضاء الطواف اجمع قبل صلاة ركعتيه، فان متعتها صحيحة، لأولويتها من الصورة الأولى، ل

صحيح الكناني (2) «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثم حاضت قبل ان تصلي الركعتين قال: إذا طهرت فلتصل ركعتين عند

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب أقسام الحج- الحديث 14.

(2) الوسائل- الباب- 88- من أبواب الطواف- الحديث 2.

42

مقام إبراهيم (عليه السلام) و قد قضت طوافها»

و مضمر زرارة (1) «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل ان تصلي الركعتين فقال: ليس عليها إذا طهرت إلا الركعتان و قد قضت الطواف»

و ما في المدارك و اتباعها من ان في الدلالة نظرا و في الحكم إشكالا واضح الضعف، نعم لا دلالة فيهما على جواز فعل بقية أفعال العمرة ثم الإحلال فيها ثم قضاء الركعتين بعد ذلك مع السعة، فالأحوط حينئذ و الأولى انتظارها الطهر مع السعة، و ربما يأتي فيما بعد لذلك تتمة إن شاء اللّٰه.

و على كل حال فلا خلاف و لا إشكال في انه إذا صح حج التمتع الإسلامي سقطت العمرة المفردة التي هي عمرة الإسلام، بل الإجماع بقسميه عليه،

قال الصادق (عليه السلام) في الصحيح (2) «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر أبي بصير (3): «العمرة مفروضة مثل الحج، فإذا أدى المتعة فقد أدى العمرة المفروضة»

و قال البزنطي (4) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن العمرة أ واجبة هي؟ قال: نعم قلت: فمن تمتع يجزي عنه قال: نعم»

و قال: يعقوب ابن شعيب (5) «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قول اللّٰه عز و جل (6):

«وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» يكفي الرجل إذا تمتع بالعمرة إلى الحج مكان العمرة المفردة قال: كذلك أمر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أصحابه».

____________

(1) الوسائل- الباب- 88- من أبواب الطواف الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب العمرة الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب العمرة الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب العمرة الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب العمرة الحديث 4.

(6) سورة البقرة- الآية 192.

43

هذا كله في حج التمتع

[في بيان حج الإفراد]

و أما صورة حج الافراد للمختار فهو ان يحرم من الميقات الذي ستعرفه في أشهر الحج ان كان أقرب إلى مكة من منزله أو من حيث يسوغ له الإحرام بالحج و هو منزله إن كان أقرب إلى مكة أو غيره و لو لعذر من نسيان و غيره على وجه لا يتمكن من الرجوع إلى الميقات بعد ثم يمضي إلى عرفات فيقف بها ثم إلى المشعر فيقف به ثم إلى منى فيقضي مناسكه بها ثم يأتي مكة فيه أو بعده إلى آخر ذي الحجة ف يطوف بالبيت و يصلي ركعتيه و يسعى بين الصفا و المروة و يطوف طواف النساء و يصلي ركعتيه بلا خلاف أجده في شيء من ذلك نصا و فتوى، نعم ستعرف جواز تقديم الطواف و السعي على الموقفين على كراهة، كما انك ستعرف تمام البحث في هذه الأمور جميعها و عليه عمرة مفردة بعد الحج و الإحلال منه إن كانت قد وجبت عليه، و إلا فإن شاء فعلها ثم يأتي بها من ادنى الحل الذي هو الأقرب و الألصق بالحرم، أو أحد المواقيت، و بينهما إشكال أقواه الجواز و أحوطه العدم، و ربما أشعرت العبارة و نظائرها بلزوم العمرة المفردة لكل حاج مفرد، و ليس كذلك قطعا في الحج المندوب و المنذور إذا لم يتعلق النذر بالعمرة كما يدل عليه الأخبار (1) الواردة بكيفية حج الافراد، بل صرح غير واحد من الأصحاب بأن من استطاع الحج مفردا دون العمرة وجب عليه الحج دونها ثم يراعي الاستطاعة لها، و من استطاعها دونه وجبت هي عليه خاصة، و كذا صرح غير واحد من الأصحاب بأن من نذر الحج لا تجب عليه العمرة إلا ان يكون حج التمتع، فتجب حينئذ لدخولها فيه، و بالجملة فالمسألة لا إشكال فيها من هذه الجهة، إنما الكلام فيمن وجبا عليه و كان ممن فرضه الافراد أو القران و حينئذ

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج.

44

يتعين عليه فعلها بعد الحج كما هو ظاهر بعض العبارات، بل في الرياض ان ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه، و في المنتهى و غيره الإجماع عليه، بل في مصابيح العلامة الطباطبائي التصريح بالإجماع عليه، و في كشف اللثام في بحث العمرة الإجماع عليه فعلا و قولا، لكن ستعرف البحث في ذلك كله عن قريب ان شاء اللّٰه و كيف كان فلا إشكال بل و لا خلاف في أنه يجوز وقوعها أي العمرة الواجبة في غير أشهر الحج لإطلاق الأدلة كتابا و سنة السالم عن المعارض، و صحيح عبد الرحمن (1) «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المعتمر بعد الحج قال: إذا أمكن الموسى من رأسه فحسن»

لا يدل على التوقيت لكن بمعنى صحتها، و إلا فستعرف البحث في وجوب الفور بها، و عليه يتجه وجوب المبادرة فيها على من وجبت عليه بعد الفراغ من الحج، نعم جوز الشهيد في الدروس تأخيرها إلى استقبال المحرم بناء على عدم منافاة ذلك للفورية و استشكله في المدارك، و هو في محله.

و لو أحرم بها من دون ذلك ثم خرج إلى أدنى الحل لم يجزه الإحرام الأول الذي قد وقع باطلا لوقوعه في الحرم و افتقر إلى استئنافه جديدا، و ستعرف تفصيل هذه المباحث في محالها.

و هذا القسم و القران فرض أهل مكة و من بينه و بينها دون اثنى عشر ميلا من كل جانب أو ثمانية و أربعين ميلا على القولين السابقين فان عدل هؤلاء إلى التمتع اضطرارا كخوف الحيض المتأخر عن النفر مع عدم إمكان تأخير العمرة إلى ان تطهر أو خوف عدو يصده أو فوات الرفقة جاز العدول حينئذ اليه و لو بعد الشروع حتى في القران بلا خلاف أجده فيه على

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب العمرة- الحديث 2.

45

ما اعترف به غير واحد، بل عن بعضهم دعوى الاتفاق عليه، فان تم ذلك كان هو الحجة، و إلا كان مشكلا، و خصوصا في القران الذي استفاضت النصوص (1) بعدم مشروعية العدول فيه، و الاستدلال عليه بإطلاق ما دل على جواز العدول بحج الافراد إلى التمتع- ك

صحيح معاوية بن عمار (2) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل لبى بالحج مفردا ثم دخل مكة فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة قال: فليحل و ليجعلها متعة إلا ان يكون ساق الهدي فلا يستطيع ان يحل حتى يبلغ الهدي محله»

و غيره- كما ترى، إذ هو- مع انه لا يتم في القران- مساق لأصل بيان مشروعية العدول به إلى المتعة دون القران لا فيمن كان فرضه أحدهما، بل ستعرف عدم مشروعية المتعة له اختيارا، بل مقتضى إطلاق الأدلة الآتية عدم المشروعية مطلقا، و كذا الاستدلال له بأولوية الجواز فيهما معها من الجواز في التمتع الذي هو الأفضل بالنسبة إليهما معا إذ هو- مع انه قياس لا نقول به بل و مع الفارق، خصوصا بعد ظهور الأدلة في عدم مشروعيته لهم مطلقا- مدفوع بأن الأمر غير منحصر في ذلك، ضرورة إمكان العدول في ذلك إلى العمرة المفردة، و الإحرام بالحج من منزله أو الميقات إن تمكن منه، و ليس فيه إلا تقديم العمرة على الحج، و لا بأس به مع الضرورة بل لا دليل على وجوب تأخيرها عنه مع الاختيار، بل

سئل الصادق (عليه السلام) في خبر إبراهيم بن عمر اليماني (3) «عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده قال: لا بأس، و إن حج من عامه ذلك و أفرد الحج

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الإحرام- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب العمرة- الحديث 2.

46

فليس عليه دم»

و ظاهره الإتيان بعمرة مفردة ثم حج مفرد، و في مرسل الفقيه (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «أمرتم بالحج و العمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم»

بل منه يستفاد أيضا الاستدلال بإطلاق الأدلة، و في خبر سماعة (2) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «من حج معتمرا في شوال و من نيته ان يعتمر و يرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، و ان هو أقام إلى الحج فهو متمتع، و ان رجع إلى بلاده و لم يقم إلى الحج فهي عمرة، و ان اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع، و انما هو مجاور أفرد العمرة فإن هو أحب ان يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج، فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج فان هو أحب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها»

و خبر عمر بن يزيد (3) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أيضا «من اعتمر عمرة مفردة فله ان يخرج إلى أهله متى شاء إلا ان يدركه خروج الناس يوم التروية»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على جواز تقديم العمرة على حج الافراد. و عدم وجوب تأخيرها عنه، و حينئذ فلا ينحصر الأمر فيهما بالعدول إلى التمتع، و لا يضطرون اليه، و لعله لذلك كله كان المحكي عن ظاهر التبيان و الاقتصاد و الغنية و السرائر العدم في حال الضرورة، بل لعله ظاهر كل من قال إنهما فرضهما من دون استثنائها، و من ذلك يعلم ما في الاتفاق و نفي الخلاف المحكيين سابقا، كما أنه يعلم مما سمعته ما في الرياض من ان ظاهر الأصحاب الاتفاق على تأخير العمرة في حج الافراد و القران

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العمرة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أقسام الحج الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب العمرة- الحديث 9.

47

عنهما، و قد مضى عن المنتهى و غيره الإجماع على ذلك، بل في مصابيح العلامة الطباطبائي التصريح بالإجماع على ذلك، إلا أنه لم نتحققه، و لعله أخذه من ظاهر العبارات التي تعرض فيها لصورة الافراد و القران، إلا انها و إن أوهمت ذلك لكنها في بيان الفرق بينهما و بين التمتع باعتبار تقديم العمرة في الأخير بخلافهما؛ لا ان المراد اعتبار تأخير العمرة عن الحج على كل من وجبا عليه و لو إفرادا أو قرانا، فتأمل جيدا، فإنه إن تم الإجماع المزبور فذاك، و إلا كان للنظر فيه مجال، و اللّٰه العالم.

و كيف كان فما ذكرنا يعلم الحال فيما ذكره المصنف من انه هل يجوز لغير النائي ان يؤدي فرضه متمتعا ابتداء أو بعد الشروع اختيارا قيل و القائل الشيخ في أحد قوليه و يحيى بن سعيد فيما حكي عنه نعم يجوز ذلك و قيل: لا يجوز و هو الأكثر قائلا، بل هو المشهور، بل لم نعرف الأول لغير من عرفت، بل عن الغنية الإجماع عليه، لظاهر «ذٰلِكَ» في الآية (1) المصرح في النصوص (2) بإرادة الإشارة إلى التمتع منه، و للنصوص (3) الكثيرة المتضمنة أنه ليس لأهل مكة و لا لأهل مر و لا لأهل سرف متعة التي قد مر جملة منها في التحديد السالمة عن المعارض، عدا ما يقال من الاستدلال للشيخ بأن المتمتع قد جاء بحج الأفراد، و لا ينافيه زيادة العمرة قبله الذي هو- مع انه لا يتم في غير أهل مكة ممن إحرامه من دويرة أهله أو من الميقات- كما ترى، و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن أعين (4) سألا الكاظم (عليه السلام)

____________

(1) سورة البقرة- الآية 192.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب أقسام الحج.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.

48

«عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الأمصار ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ان يتمتع، فقال: ما أزعم ان ذلك ليس له، و الإهلال بالحج أحب الي، و رأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام) و ذلك أول ليلة من شهر رمضان فقال له، جعلت فداك اني قد نويت ان أصوم بالمدينة قال:

تصوم إنشاء اللّٰه، قال و أرجو ان يكون خروجي في عشر من شوال فقال: تخرج إنشاء اللّٰه، فقال له: إني نويت ان أحج عنك أو عن أبيك فكيف أصنع فقال له: تمتع فقال له ان اللّٰه تعالى ربما من علي بزيارة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و زيارتك و السلام عليك و ربما حججت عنك و ربما حججت عن أبيك و ربما حججت عن إخواني أو عن نفسي فكيف اصنع؟ فقال له: تمتع، فرد عليه القول ثلاث مرات يقول له: اني مقيم بمكة و أهلي بها فيقول: تمتع»

، و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (1) «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت إله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم ان ذلك ليس له لو فعل، و كان الإهلال أحب الي»

و هما كما ترى في غير ما نحن فيه و لذا كان خيرة غير واحد ممن صرح بالمنع في الفرض الجواز فيه كما تسمع الكلام فيه إنشاء اللّٰه، على انهما غير صريحين في حجة الإسلام بل و لا ظاهرين بل لعل أولهما ظاهر في غيرها.

نعم قيل: لو لم يكونا في حج الإسلام لم يكن معنى ل

قوله: «و كان الإهلال بالحج أحب إلى»

لمعلومية أفضلية التمتع في الحج المندوب لأهل مكة و غيرهم، و من هنا قال في المدارك و غيرها إن محل الخلاف في حج الإسلام، و أما المندوب

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب أقسام الحج- الحديث 2.

49

فلا إشكال في رجحان التمتع فيه لهم و لغيرهم، و لعله لإطلاق ما دل على أفضليته لكن إن لم يكن إجماعا أمكن المناقشة بظهور النصوص في عدم أصل المشروعية لهم، بل ظاهر جملة منها أو صريحها و هي الواردة في مجاوري مكة تناول المندوب أيضا و حينئذ فلا يتم الاستظهار السابق من الخبرين، و مما ذكرنا يعلم الحال فيما في الدروس قال: و اختلف في جواز التمتع للمكي اختيارا في حج الإسلام باختلاف الروايات، فجوزه الشيخ و جوز فسخ الإفراد إليه محتجا بالإجماع، و تبعه في المعتبر، إذ لم نقف على الروايات المقتضية للجواز إلا ما عرفت، كما انا لم نتحقق ما حكاه من الإجماع، بل لعل المتحقق خلافه.

و على كل حال ف لو قيل بالجواز لم يلزمهم هدي لعدم فوات ميقات الإحرام لهم، لكن قد عرفت انه نسك لا جبران، لإطلاق الأدلة كتابا و سنة، و لعله لذا قطع المصنف به في باب الهدي من غير خلاف، و ستسمع تمام الكلام فيه إن شاء اللّٰه.

[في شروط حج القران]

و شروطه اي حج الإفراد ثلاثة: الأول النية التي قد عرفت البحث فيها سابقا في حج التمتع و الثاني ان يقع بتمامه في أشهر الحج بلا خلاف فيه بيننا، بل في المعتبر عليه اتفاق العلماء، لقوله تعالى (1):

«الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ» لكن عن أبي حنيفة و احمد و الثوري جواز الإحرام به قبلها، و الثالث ان يعقد إحرامه من ميقاته الذي يمر عليه إن كان أقرب من منزله أو من دويرة اهله ان كان منزله دون الميقات بلا خلاف فيه أيضا بيننا، خلافا لمجاهد فإنه قال: يهل من مكة، إنما الكلام في اعتبار الأقربية إلى مكة كما في أكثر الأخبار (2) أو إلى عرفة، و ستعرف الكلام فيه في محله

____________

(1) سورة البقرة- الآية 193.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب المواقيت.

50

ان شاء اللّٰه، و عن المبسوط زيادة رابع، و هو الحج من سنته، قال في الدروس:

«و فيه إيماء إلى انه لو فاته الحج انقلب إلى العمرة، فلا يحتاج إلى قلبه عمرة في صورة الفوات» قلت: يمكن ان يقول بالبطلان حينئذ، و على كل حال فأهل مكة يحرمون له من مكة قال في التذكرة: «أهل مكة يحرمون للحج من مكة، و للعمرة من ادنى الحل سواء كان مقيما بمكة أو غير مقيم، لأن كل من اتى على ميقات كان ميقاتا له، و لا نعلم في ذلك خلافا» و اللّٰه العالم.

[في بيان حج القران]

[في كيفية حج القران و شروطه]

و أفعال القارن و شروطه كالمفرد غير انه يتميز عنه بسياق الهدي عند إحرامه وفاقا للمشهور، لنحو

قول الصادق (عليه السلام) في خبر منصور (1): «الحاج عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتع و حاج مفرد للحج و سائق للهدي»

و السائق هو القارن، و في خبره الآخر (2) عن الصادق (عليه السلام) «لا يكون القارن قارنا إلا بسياق الهدي، و عليه طوافان بالبيت، و سعي بين الصفا و المروة كما يفعل المفرد، و ليس بأفضل من المفرد إلا بسياق الهدي»

و في خبر معاوية (3) «لا يكون قران إلا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت، و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، و سعي بين الصفا و المروة، و طواف بعد الحج و هو طواف النساء- إلى ان قال-: و اما المفرد للحج فعليه طواف بالبيت، و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، و سعي بين الصفا و المروة، و طواف الزيارة، و هو طواف النساء، و ليس عليه هدي و لا أضحية»

و في صحيح الحلبي (4) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أقسام الحج- الحديث 2 مع اختلاف في اللفظ.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.

(4) ذكر صدره في الوسائل- في الباب- 2- من أبواب أقسام الحج الحديث 5 و قطعة منه في الباب 12 منها- الحديث 16 و البقية في الباب 5 منها الحديث 2 و تمامه في التهذيب ج 5 ص 42 الرقم 124.