جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج33

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
345 /
1

-

2

[تتمة القسم الثالث في الإيقاعات]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[كتاب الخلع و المبارأة]

كتاب الخلع و المبارأة بضم الخاء من الخلع بفتحها الذي هو بمعنى النزع لغة، و شرعا إزالة قيد النكاح بفدية من الزوجة و كراهة منها له خاصة دون العكس، و كأنه لأن كلا منهما لباس الآخر كما قال سبحانه (1) «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» فخلعه إياها نزع منه لها، و المخالعة بينهما تكون بذلك منه و بفدائها نفسها و كراهتها له.

هذا و في كشف اللثام «و مختلعة» بمنزلة «طالق» لا «مطلقة» و كأنه أشار بذلك إلى دفع ما يقال من المنافاة بين ذلك و بين ما تقدم من عدم جواز الطلاق بقول:

«أنت مطلقة» و وجه الدفع إما بقراءتها بكسر اللام حتى تكون بمنزلة «أنت طالق» أو أن المراد أنها بهذا المعنى و إن كانت بفتح اللام، كما عساه ظاهر الكفاية، و الأولى اختيار صيغة الماضي.

و كيف كان فالمبارأة بالهمز و تقلب ألفا لغة المفارقة، يقال: بارأ الرجل ريكه إذا فارقه، و شرعا إزالة قيد النكاح بفدية منها مع كراهة من الجانبين.

و كيف كان فشرعية الخلع ثابتة كتابا و سنة و إجماعا من المسلمين قال الله

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 187.

3

تعالى (1) «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» و أما السنة من طريق الخاصة فمتواترة (2) و ستسمع طرفا منها في أثناء المباحث، بل لعلها من طرق العامة أيضا كذلك، منها ما

روى عن ابن عباس (3) «أنها جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هي بنت عبد الله بن أبي، و كان يحبها و تبغضه، فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا أنا و لا ثابت، و لا يجمع رأسي و رأسه شيء، و الله ما أعيب عليه في دين و لا خلق، و لكن أكره الكفر بعد الإسلام ما أصفه بغضا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا و أخصرهم قامة و أقبحهم وجها، فنزلت الآية، و كان قد أصدقها حديقة، فقال ثابت:

يا رسول الله ترد الحديقة، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما تقولين؟ فقالت: نعم و أزيده، فقال: لا حديقته فقط، فاختلعت منه»

و ربما يستفاد من هذا و غيره عدم المرجوحية الشرعية فيه.

بل ربما حكى عن الشيخ و أبي الصلاح و ابن البراج و ابن زهرة وجوب الخلع عند تحقق موضوعه، قال الشيخ في النهاية: «إنما يجب الخلع إذا قالت المرأة لزوجها: إني لا أطيع لك أمرا، و لا أقيم لك حدا، و لا اغتسل لك من جنابة، و لأوطئنّ فراشك من تكرهه إن لم تطلقني، فمتى سمع منها هذا القول و علم من حالها عصيانها في شيء من ذلك و إن لم تنطق به وجب عليه خلعها» و احتج له بأن النهي عن المنكر واجب، و إنما يتم بهذا الخلع، فيجب، و أجيب بمنع المقدمة الثانية.

و ربما حمل كلام الشيخ على شدة الاستحباب، بل في الحدائق حمل الوجوب

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(2) الوسائل الباب- 1 و غيره- من كتاب الخلع و المبارأة.

(3) كنز العمال ج 3 ص 224 مع الاختلاف في اللفظ و ذكره الرازي في تفسيره ذيل الآية 229 من سورة البقرة- ج 2 ص 375- ط عام 1307 مرسلا مع الاختلاف في صدر الحديث و كذلك الطبري في تفسيره عن ابن عباس ج 2 ص 461 ط عام 1373 و فيه «أخت عبد الله بن أبى» مع الاختلاف في ذيل الحديث أيضا.

4

في كلامه على الثبوت، بمعنى أنه لا يشرع و لا يثبت إلا بعد هذه الأقوال، نحو ما تضمنته

النصوص (1) من أنه «لا يحل له خلعها حتى تقول ذلك»

و ليس في شيء منها أمر بذلك. و على كل حال فلا ريب في ضعفه و منافاته أصول المذهب و قواعده.

[كتاب الخلع]

و كيف كان ف النظر في الصيغة و الفدية و الشرائط و الأحكام،

[النظر الأول في الصيغة]

أما الصيغة ف اللفظ الصريح فيه أن يقول: خلعتك على كذا، أو فلانة مختلعة على كذا بلا خلاف أجده في المقام و إن توقفوا في الجملة الاسمية في العقود، بل قد عرفت الخلاف في «أنت مطلقة» في الطلاق، و إن كان التحقيق عندنا ما سمعته غير مرة من عدم الاقتصار على لفظ مخصوص مادة أو كيفية، بل يكفي كل ما دل على إنشاء الخلع من لفظ صريح في نفسه أو بالقرينة، كما أشبعنا الكلام فيه في مقامات متعددة، و لعل وفاقهم على الجملة الاسمية هنا مما يؤيده، إذ لا دليل بالخصوص عليها في المقام الذي هو كغيره بالنسبة إلى ذلك، بل و ما تسمعه من جميل من الاكتفاء بقول: «نعم» بعد سؤال الرجل ذلك، بل و غير ذلك مما سمعته في محله، فلا فائدة في التكرار، و إن كان الاحتياط لا ينبغي تركه، فيقتصر على خصوص ما ذكره الأصحاب من الصيغ الخاصة في كل باب.

و على كل حال ف هل يقع الافتراق بمجرده من دون اتباع بطلاق؟ المروي مستفيضا صحيحا و غيره نعم

قال الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (2): «لا يكون الخلع حتى تقول: لا أطيع لك أمرا، و لا أبر لك قسما، و لا أقيم لك حدا، فخذ مني و طلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يخلعها بما تراضيا به من قليل أو كثير، و لا يكون ذلك إلا عند سلطان، فإذا فعلت ذلك فهي أملك بنفسها من غير أن يسمى طلاقا».

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 5 و ذيله في الباب- 3- منه الحديث 10.

5

و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1): «عدة المختلعة عدة المطلقة، و خلعها طلاقها، و هي تجزئ من غير أن يسمى طلاقا».

و في صحيح سليمان بن خالد (2) «قلت له: أ رأيت إن هو طلقها بعد ما خلعها أ يجوز؟ قال: و لم يطلقها و قد كفاه الخلع؟ و لو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقها».

و في صحيح ابن بزيع (3) «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق؟ فقال: تبين منه و إن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت، فقلت: إنه قد روى أنه لا تبين منه حتى يتبعها بطلاق، قال: ليس ذلك إذا خلعا، فقلت: تبين منه؟ قال: نعم».

و صحيحه الآخر (4) عنه (عليه السلام) «سألته عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه؟ فقال: إذا كان ذلك على ما ذكرت فنعم، قال: قلت: قد روى لنا أنها لا تبين منه حتى يتبعها بالطلاق، قال:

فليس ذلك إذا خلعا، فقلت تبين منه؟ قال: نعم».

و قال الصادق (عليه السلام) (5): «المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني و أنا أعطيك ما أخذت منك، فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا حتى تقول: و الله لا أبر لك قسما، و لا أطيع لك أمرا، و لآذنن في بيتك بغير إذنك، و لأوطئن فراشك غيرك، فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذ منها، و كانت تطليقة بغير طلاق يتبعها، و كانت بائنا بذلك، و كان خاطبا من الخطاب»

إلى غير ذلك من النصوص

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 8.

(3) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9.

(4) أشار إليه في الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9 و ذكره في الكافي ج 6 ص 143.

(5) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4 و ذيله في الباب- 3- منه الحديث 3.

6

بالخصوص.

مضافا إلى ما دل (1) على حصول البينونة بالخلع الصادق على المجرد عن الطلاق قطعا، إذ القائل باتباع الطلاق لا يجعله داخلا في مفهومه، و إنما هو من شرائط البينونة أو جزء سببها الذي هو الخلع المتبع بالطلاق.

بل ربما استظهر من صحيح ابن بزيع- بناء على نسخة النصب، بل و نسخة الرفع مع إضمار ضمير الشأن اسما لليس- اعتبار عدم اتباع الطلاق في مفهومه، و من هنا يكون جعل قراءة «خلع» فعلا و جعل «إذا» شرطا أولى، على معنى أن ذلك ليس شرطا إذا خلع، بخلاف ما إذا بارأ و إن كان قد يناقش بأن كون المراد اعتبار اتباع الطلاق في الخلع ينافي كون ذلك خلعا، لما ستعرف من أن الخلع طلاق، لا أن المراد خروجها عن الخلع باتباع الطلاق، بل أقصاه كون الطلاق حينئذ لغوا.

و ربما كان ذلك تعريضا بمن عمل بالرواية المزبورة من العامة، بل لعل

قوله (عليه السلام): «لو كان الأمر إلينا»

إلى آخره إشارة إلى ذلك، أو إلى عدم مشروعية طلاق المختلعة من دون الرجوع بالفدية و الرجوع بالطلاق منه.

و على كل حال فلا محيص عن العمل بالنصوص المزبورة بعد ما عرفت، خصوصا بعد انجبارها بالشهرة العظيمة، بل يظهر من المحكي عن المرتضى الإجماع عليه.

و قال الشيخ: لا يقع حتى يتبع بالطلاق و تبعه ابنا زهرة و إدريس مدعيا أولهما الإجماع عليه، بل قال الشيخ: هو مذهب جعفر بن سماعة و الحسن بن سماعة و علي بن رباط و ابن حذيفة من المتقدمين، و مذهب علي بن الحسن من المتأخرين، و أما الباقون من فقهاء أصحابنا المتقدمين فلست أعرف لهم فتيا في العمل به.

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 6 و 9.

7

و على كل حال فلا دليل إلا الأصل المقطوع، و الإجماع الممنوع، و الاحتياط الذي لا تجب مراعاته، و خبر موسى بن بكر (1) عن الكاظم (عليه السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في العدة»

الضعيف سندا القاصر دلالة، ضرورة احتمال كون المراد منه جواز أن تطلق مرة أخرى ما دامت في العدة، و ذلك بأن ترجع في البذل فيراجعها الزوج ثم يطلقها، بل لعله أولى من دعوى إرادة اتباع الخلع الطلاق ما دامت في العدة الذي لا يقول به الخصم، إذ هو يعتبر اتباع صيغته بصيغته، لا أنه يطلقها في العدة.

و أعجب من ذلك حمل تلك النصوص الكثيرة على التقية لمكان معارضة الخبر المزبور، مستدلين على ذلك ب

قول الصادق (عليه السلام) لزرارة (2): «ما سمعت منى يشبه قول الناس فيه التقية، و ما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه»

إذ لا يخفى عليك أن ذلك مع معارضتها بما لا يشبه قول الناس، و ليس إلا الخبر المزبور الذي قد عرفت حاله.

و أغرب من ذلك استدلال ابن سماعة و غيره بأنه «قد تقرر عدم وقوع الطلاق بشرط، و الخلع من شرطه أن يقول الرجل إن رجعت فيما بذلت فأنا أملك ببضعك فينبغي أن لا تقع به فرقة» إذ هو كما ترى ممنوع أصلا و تفريعا، بل ذلك من أحكامه لا من شرائطه، و على تقديره فليس هو شرطا في الخلع على وجه ينافي تنجيزه، و إنما هو اشتراط أمر آخر كما تسمعه في المبارأة بناء على اشتراط قول ذلك فيها.

و من ذلك يعلم ضعف فقاهة ابن سماعة و أن جميلا كان أفقه منه، فإنه قد

روى جعفر (3) أخوه «أن جميلا شهد بعض أصحابنا و قد أراد ان يخلع ابنته من بعض أصحابنا، فقال جميل للرجل: ما تقول؟ رضيت بهذا الذي أخذت

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 7 عن عبيد بن زرارة.

(3) الكافي ج 6 ص 141.

8

و تركتها؟ فقال: نعم، فقال لهم جميل: قوموا، فقالوا: يا أبا علي ليس يريد يتبعها بالطلاق؟ فقال: لا».

و كيف كان ففي المسالك و كشف اللثام لا يقع عندنا بفاديتك مجردا عن لفظ الطلاق، و لا فاسختك و لا أبنتك (بتتك خ ل) و نحوها لأنها كنايات فلا يقع بها كالطلاق، لأصالة بقاء الزوجية، خلافا للعامة فأوقعوه بجميع ذلك، و جعلوها كنايات تتوقف على النية، و بعضهم جعل اللفظين الأولين صريحين فيه، لورود الأولى في قوله تعالى (1) «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» و لأن الثانية أشد دلالة على حقيقته من لفظ الخلع بناء على أنه فسخ، و على تقدير كونه طلاقا فهو كناية قطعا.

و يضعف الأول بأن مجرد و روده في القرآن أعم من كونه صريحا، و لأنه لم يتكرر و لا شاع في لسان أهل الشرع، فلا يلحق بالصريح، و مثله ورود الإمساك في الرجعة (2) و التسريح في الطلاق (3) و فك الرقبة في العتق (4) فإنها إطلاقات خفية لا تظهر في تلك المعاني إلا بانضمام القرائن.

قلت: كأن هذا الكلام مناف لما ذكره في غير مقام من كتابه- حتى في المقام- من عدم اعتبار ألفاظ خاصة، و عدم كونها بلفظ الماضي، و قياس المقام على الطلاق الوارد فيه (5) لفظ الحصر المراد منه التعريض بما عند العامة من الكنايات و غيره مع حرمته عندنا مع الفارق كما عرفت، و انضمام القرائن مع إفادة أصل المعنى الذي هو إنشاء معنى الخلع غير قادح، كما هو واضح لمن أحاط خبرا بما قدمنا هنا و هناك، اللهم إلا أن يكون إجماعا هنا بالخصوص.

و كذا لا يقع بالتقايل الذي قد عرفت عدم مشروعيته في عقد النكاح الذي قام الطلاق و الخلع مقامه فيه، نعم لو قال الزوج بعد بذل

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(4) سورة البلد: 90- الآية 13.

(5) الوسائل الباب- 16- من أبواب مقدمات الطلاق من كتاب الطلاق.

9

المرأة: «أقلتك على ما بذلت» مريدا به معنى الخلع و لو مجازا بقرينة إن صح ففيه البحث السابق.

و كيف كان ف بتقدير الاجتزاء بلفظ الخلع هل يكون فسخا أو طلاقا؟ قال المرتضى و تبعه المشهور هو طلاق بل ظاهر ناصريات المرتضى أو صريحه الإجماع عليه بعد أن حكى عن بعض المخالفين أنه فسخ و مع ذلك هو المروي في المعتبرة المستفيضة (1) التي مر عليك شطر منها، و في بعضها «خلعها طلاقها» (2)

و في آخر «و كانت عنده على تطليقتين» (3)

و في الثالث «و كان تطليقة بغير طلاق يتبعها» (4)

و في رابع «الخلع و المبارأة تطليقة بائن و هو خاطب من الخطاب» (5)

إلى غير ذلك.

و قال الشيخ: الأولى أن يقال فسخ لأنه ليس بلفظ الطلاق، و هو لا يقع عندنا بالكناية، و لأنه لو كان طلاقا لكان رابعا في قوله تعالى (6) «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما» لأن قبله «الطَّلاقُ مَرَّتانِ» إلى آخرها، و بعده «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ» إلى آخرها، فذكر تطليقتين و الخلع تطليقة بعدها، و لأنها خلت من صريح الطلاق و نيته فكان فسخا كسائر الفسوخ و هو من الشيخ ره تخريج على القول بوقوعه مجردا، لما عرفت من أن مذهبه الاتباع بالطلاق، و رده غير واحد بالنصوص المزبورة (7).

و على كل حال ف قد فرعوا على ذلك أن من قال هو فسخ لم يعتد

____________

(1) الوسائل الباب- 3 و 5 و 10- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 10- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(4) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(5) الوسائل الباب- 5- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(6) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(7) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة.

10

به في عدد الطلقات بخلاف القائل بكونه طلاقا.

قلت: كأن هذا البحث ساقط عندنا، لتظافر نصوصنا (1) بكونه طلاقا، بل الفتاوى أيضا كذلك، بل لو قلنا: إنه فسخ أمكن دعوى إجراء حكم الطلاق عليه للنصوص المزبورة بالنسبة إلى ذلك و غيره، و من هنا لم نعرف القائل بذلك من أصحابنا، نعم مع قطع النظر عن النصوص المزبورة يتجه ما ذكره الشيخ، لأنه سبب آخر من أسباب الفراق، خصوصا بعد أن أفردوا له كتابا غير كتاب الطلاق الذي قد عرفت أنه الفراق بقول: «أنت طالق» و من هنا يظهر لك الحال على التقديرين بحيث يسقط القول الآخر.

كما أن ما في المسالك- من أن «هذا الخلاف متفرع على الخلاف السابق فإنا إن اعتبرنا اتباعه بالطلاق فالمعتبر في رفع النكاح هو الطلاق، و إضافة الخلع إليه قليلة الفائدة، لأن تملك المال يحصل بالطلاق في مقابلة العوض، بل بنيته مع سؤال المرأة»- لا يخلو من إجمال، ضرورة إمكان دعوى القائل أن الخلع هو المملك لكن بشرط الطلاق، كما أنه يمكن جعل المجموع سببا، بل يمكن القول بتوقف الفراق خاصة على الطلاق الذي لا يصلح للتمليك المحتاج إلى إنشاء من الطرفين، و لعل هذا الاحتمال كاف في فساد هذا القول.

و كيف كان ف يقع الطلاق مع الفدية بائنا و إن انفرد عن لفظ الخلع و ذلك لأن المحصل من النص (2) و الفتوى بل و آية الفدية (3) التي هي في البذل للطلاق كون الخلع نوعا خاصا من الطلاق الذي لا ينافيه التعريف المزبور المحمول على إرادة الطلاق المقابل للخلع و المبارأة، لا المعنى الأعم الشامل لهما و إن اختص بلفظ «خلعت» عن باقي أفراد الطلاق، إلا أنه لا ينافي وقوعه بصيغة الطلاق بعد أن كان فردا، إذ هو حينئذ كالسلف في البيع في كونه فردا خاصا منه، حتى إذا

____________

(1) الوسائل الباب- 3 و 10- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 229.

11

قلنا بعدم جواز عقد البيع غير السلم بلفظ «أسلمت» و «أسلفت» يجوز عقده بصيغة البيع، بل الظاهر عدم احتياجه إلى قصد السلمية بعد أن يكون الموضوع موضوعها، لعدم كونه ماهية أخرى حتى يحتاج إلى قصدها، بل يكفي في كونه سلما قصد البيعية و كون الموضوع موضوع السلم قصده أو لم يقصده، بخلاف الماهيات المختلفة، فإنه مع اتحاد المورد فيها لا بد في ترتب كل واحد منها بالخصوص من قصد الخصوصية، و لا يكفى قصد المعنى المشترك بينها.

ففي المقام إذا أوقع الطلاق بالفدية مع الكراهة كان خلعا قصده أو لم يقصده بعد أن عرفت أنه قسم خاص منه، فيكفي في تحققه حينئذ قصد الطلاق فيما هو موضوع الخلع و إن لم يقصد الخلع، كما يكفي في كون البيع سلما قصد البيع فيما هو موضوع السلم و إن لم يقصد السلمية، و من هنا كانت جميع شرائط الطلاق شرائط الخلع و لا عكس، كالسلم بالنسبة إلى البيع.

كما أنه بذلك يظهر أنه لا وجه لدعوى أعمية الطلاق بالعوض من الخلع فيشترط الكراهة في الثاني دون الأول، كما وقع من ثاني الشهيدين في المقام و غيره، ضرورة عدم الدليل، بل ظاهر الأدلة خلافها، منها المعتبرة المستفيضة الدالة على عدم حلية أخذ شيء من المرأة مع عدم الكراهة (1) و إطلاق أدلة الطلاق لا يقتضي مشروعيته مع العوض و إن لم تكن كراهة، خصوصا بعد عدم قابلية الطلاق للتمليك المنافي لأصالة بقاء المال على ملك مالكه، و لذا لم يقبل شرطية تمليك شيء من الأشياء، لا من طرف المطلق و لا المطلقة، و هو واضح، و سيأتي لك زيادة تحقيق لذلك، و إن كان مما ذكرنا يظهر لك النظر في كلام جملة من الأساطين فضلا عن غيرهم، و حينئذ فيمكن إرادة المصنف ما ذكرنا.

بل لعله أيضا هو مراد غيره ممن صحح وقوع الخلع بصيغة الطلاق، بل في كشف اللثام عن المبسوط نفي الخلاف فيه، لا أن المراد وقوعه بصيغة الطلاق مقصودا

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

12

بها الخلع على معنى أنها صيغة أخرى له، ضرورة أن ذلك يتم لو جعلنا ماهيته غير ماهية الطلاق، و الفرض أنه منه نصا (1) و فتوى، حتى عدوه في أقسام الطلاق البائن سابقا. و بذلك يظهر لك ما في قول المصنف.

[فروع]

فروع:

[الأول لو طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع]

الأول:

لو طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين أي القول بأن الخلع فسخ، و القول بأنه طلاق، أما الأول فواضح، ضرورة أنه غير ما طلبته، و أما الثاني ففي المسالك «لأنه و إن جعلناه طلاقا لكنه طلاق مختلف فيه، و ما طلبته لا خلاف فيه، فظهر أنه خلاف مطلوبها على القولين».

و فيه أن الخلاف فيه لا ينافي كونه مصداقا لما طلبته بعد تنقيح الحال فيه، و هو ثمرة النزاع، كالنذر و اليمين و غيرهما، و ليس معنى «طلقني بعوض» أي اخلعني بصيغة «أنت طالق بكذا» بل المراد حصول الطلاق بالعوض الذي لا فرد له إلا الخلع على الأصح، فهو عين ما طلبته، اللهم إلا أن يدعى انسياق الصيغة المخصوصة لكنها واضحة المنع، فإن أحدا لا يتخيل من قول: «بع لي هذا الكتاب» مثلا إرادة نقله بيعا بصيغة «بعت» بحيث لو باعه بغيرها كان غير موكل فيه، و الفرض أنه بيع كما هو واضح بأدنى التفات، و هذا أحد المقامات التي أشرنا سابقا إلى عدم تنقيح الحال فيها عندهم، و إلا فلا إشكال في حصول ما سألته بالخلع بناء على أنه طلاق بعوض.

و لو طلبت خلعا بعوض فطلق به لم يلزم البذل على القول بوقوع الخلع بمجرده فسخا لأنه حينئذ مباين للطلاق و يلزم على القول بأنه طلاق أو أنه

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

13

يفتقر إلى الطلاق و ذلك لكون الطلاق الذي وقع مع فرض حصول موضوع الخلع خلعا منطبقا على سؤالها أو مع زيادة، و لا يخفى عليك أن ذلك بعينه جار في الأول بعد ما ذكرنا.

[الثاني لو ابتدأ فقال أنت طالق بألف أو و عليك ألف صح الطلاق رجعيا]

الثاني:

لو ابتدأ فقال للكارهة أنت طالق بألف أو و عليك ألف لم يصح خلعا مع عدم قبولها نعم صح الطلاق رجعيا في قول ستعرف تحقيقه و لم يلزمها الألف و لو تبرعت بعد ذلك بضمانها أي الالتزام بها- لم ينفع في صحته خلعا لأنه ك ضمان ما لم يجب في عدم الالتزام به، لتظافر النص (1) و الفتوى بأن موضوع الخلع تقدم فدائها، و ألحق به مقارنته للطلاق بالعوض، و على كل حال فالتزامها به بعد ذلك خارج عن موضوع الخلع و إلا لبقي موقوفا إلى زمن رضاها أوردها، و هو معلوم البطلان، لأن الفضولية لا تجري فيه.

و حينئذ ف لو دفعتها إليه بعد مضي زمان القبول إن صح كانت هبة مستأنفة و إلا كان دفعا فاسدا، و وجب رد المال إليها إذا كانت قد دفعتها فدية و لا تصير المطلقة بدفعها بائنة حينئذ، لخروجها عن كونها فدية بها يصير الطلاق بائنا.

و بالجملة ظاهر الأصحاب أنه يعتبر في صيغة الخلع وقوعها على جهة المعاوضة بينه و بين الزوجة، و يتحقق ذلك بأحد أمرين: تقدم سؤالها ذلك على وجه الإنشاء له، بأن تقول مثلا: «بذلت لك كذا على أن تخلعني» مثلا فيقول: «خلعتك على ذلك» مثلا أو «أنت طالق بذلك» أو مجردا ناويا العوض، و الثاني ابتداؤه به مصرحا بذكر العوض، فتقبل المرأة بعده بلا فصل ينافي المعاوضة، و بدون ذلك يقع

____________

(1) الوسائل الباب- 1 و 3- من كتاب الخلع و المبارأة و الباب- 7- منه الحديث 4.

14

الخلع باطلا، بل لا أجد فيه خلافا بينهم.

نعم أطنب في الحدائق مدعيا عدم ظهور النصوص في اعتبار الترتيب المزبور الذي هو كترتيب المعاوضة، بل يكفي تقدم فدائها ثم طلاقها عليه مع فرض استمرار عزمها على البذل، و الذي غره إجمال النصوص في ترتيب سائر المعاوضات، لكن من المعلوم أن الأصل عدم الصحة، و لا ريب في الشك في حصول الخلع بالفرض الذي ذكره، و لا إطلاق معتد به صالحا للخروج به عن الشك المزبور، خصوصا بعد ظهور اتفاق الأصحاب عليه و إطلاق لفظ الشراء و الصلح على الحال المزبور في النصوص،

فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): «لكل مطلقة متعة إلا المختلعة، فإنها اشترت نفسها»

و خبر البقباق (2) عن الصادق (عليه السلام) «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعن، في بضعك»

بل و ظهور النصوص (3) في اعتبار إنشاء التراضي بينهما بذلك، و لا ريب في أنه متى اعتبر الإنشاء من الطرفين كان لهما حكم سائر المعاوضة، فالفداء في المقام إما معاوضة مستقلة أو قسم من أقسام الصلح، فلا بد من الترتيب بينهما على الوجه المزبور.

بل الأولى اعتبار الألفاظ الدالة على ذلك بينهما، و إن كان يقوى الاكتفاء بالفعل منها بقصد الإنشاء، كما لو دفعت فادية فخلعها على ذلك، و إن كان الأحوط خلافه، كما أنه يكتفى منه بإيقاع ما أنشأت الفداء له من الخلع أو الطلاق و إن لم يذكر الفداء لفظا، نعم ستعرف أن التحقيق عدم كون المقام من المعاوضات الحقيقية و إن ثبت له بعض أحكامها لإجماع إن تم أو غيره.

هذا و ظاهر المصنف عدم الفرق بين الصيغتين في الصحة مع حصول القبول منها الجاري على نحو المعاوضة و البطلان مع عدمه، و لعله لظهور إرادة إنشاء العوضية فيهما عرفا، فلم يكن مانع من الصحة إلا تخلف ترتيب المعاوضة و فوريتها.

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة و الباب- 7- منه الحديث 4.

15

لكن أطنب في المسالك و ادعى الفرق بينهما بأن الثانية صيغة إخبار لا صيغة التزام مع عدم سبق البذل من المرأة «بل هي جملة معطوفة على الطلاق، فلا يتأثر بها، و تلغو في نفسها، كما لو قال: «أنت طالق و عليك حج» حتى لو قبلت، لأن قبولها حينئذ رضا بما فعل، و الفرض عدم وقوع ما يقتضي المعاوضة منه بخلاف ما لو قالت: «طلقني و لك علي ألف» أو «و علي ألف» فأجابها بذلك، لوقوع الالتزام منها، و هو الذي يتعلق بها، و الزوج ينفرد بالطلاق، فإذا لم يأت بصيغة المعاوضة حمل كلامه على ما ينفرد به، و كفاه نيته حتى لو أطلق و قال: «أنت طالق» عقيب سؤالها بالعوض كفى ذلك و لزمها المال، لتحقق المعاوضة، و وقوعها من جانب من وظيفته الالتزام بها و وقوع التزامه به- إلى أن قال-: و بذلك ظهر الفرق بين الصيغتين اللتين أتى بهما المصنف، و جعلهما غير ملزومتين للمال، فان عدم لزومه في الأولى مشروط بعدم لحوق القبول منها، إذ الفرض كونها غير ملتمسة منه ذلك بخلاف الثانية، فإنها لا توجب التزام المال، سواء قبلت أم لا، لعدم دلالتها على المعاوضة وضعا و إن قصد، إذ لا بد من التعبير باللفظ الدال على المعنى المطلوب كغيره من المعاوضات- ثم أطنب بما يؤكد ذلك إلى أن قال-: و يتفرع على ذلك ما لو قال الرجل بعد قبولها: «قصدت في الثانية العوضية، و أردت بقولي: و لي عليك ألف ما يعينه القائل بقوله: «طلقتك على ألف» فإنه لا يصدق، لأن ذلك خلاف مدلول اللفظ، فلا يكفى قصده في لزوم العوض، و لو وافقته المرأة فوجهان: من أن اللفظ لا يصلح للالتزام، فلا يؤثر مصادقتها على قصده، و من أن الحق عليها، و من الجائز أن يريد لي عليك ألف عوضا عنه و نحو ذلك، و الأجود الأول» إلى آخر ما ذكره.

و قد اشتمل على غرائب و إن حكى عن الشيخ (رحمه الله) الموافقة على بعض ذلك، منها دعوى ظهور الصيغة في الإخبار، و منها عدم الاعتبار بها حتى مع قصده إنشائية العوضية بها، بل جعل الأجود ذلك و إن وافقته المرأة، مع أنه يكتفى في العقود بأي لفظ و لو مجازا، بل اكتفى في المقام بالنية كما سمعت على تقدير الموافقة، و الفرض أن الحق منحصر فيهما، كما أن خطاب المعاوضة كذلك لا ينفى احتمال

16

عدم الاجتزاء بذلك.

و بالجملة فما أدرى ما الذي دعاه إلى هذا الاطناب مع خروجه عن السداد و الصواب؟! خصوصا على مذهبه في غير المقام فضلا عنه الظاهر من النصوص (1) توسعة الأمر فيه.

و لو قال: «أنت طالق على أن عليك ألفا» صح مع تقدم سؤالها ذلك أو تأخر قبولها بحيث لم يخرج عن قبول المعاوضة، و دعوى أنها صيغة شرط في الطلاق- فيكون قد علق طلاقها على شرط هو أن يكون عليها ألف لا على وجه المعاوضة- كما ترى خلاف المنساق عرفا منها.

و أوضح من ذلك فسادا دعوى البطلان في جميع صور تأخر القبول من المرأة، لأن فيه شائبة التعليق باعتبار ترتب الطلاق على قبول بذل المال كباقي الشرائط، بخلاف ما لو تقدم بذلها، فان الواقع حينئذ يصير معاوضة منجزة شبه الجعالة، لأنها تبذل المال في مقابلة ما يقع من الطلاق، فإذا أتى به وقع موقعه و حصل غرضها، كالجعالة التي تبذل في مقابلة ما يستقبل من العمل.

و فيه ما قد عرفت سابقا من أن التعليق المنافي المقتضى لمفارقة المسبب سببه، و الشائبة المزبورة هي مقتضى المعاوضة، فإن من ابتدأ البيع و قال: «بعتك هذا» معناه أنك إن أعطيتني العوض ملكتك المعوض، و لكنه ليس تعليقا و إنما هو تحليل للقصد بالمعاوضة، و مثله غير قادح قطعا.

و كيف كان فالبحث حينئذ في صحة الطلاق في جميع الصيغ المقصود بها المعاوضة و عدمه متحد، و قد صرح جماعة بصحة الطلاق مع فرض فساد العوضية بعدم القبول أو غيره، و كونه رجعيا إن صادف موضوعه و إلا كان بائنا، لكن أشكله غير واحد بأن المقصود المقيد الذي ينتفي مطلقه بانتفاء قيده، فدعوى صحة المطلق الذي لم يقصد منافية لقاعدة ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

____________

(1) الوسائل الباب- 1- و غيره- من كتاب الخلع و المبارأة.

17

و دعوى انحلال المقام إلى قصدين و إنشاءين: أحدهما إنشاء الطلاقية، و الثاني إنشاء العوضية، و فساد أحدهما لا يقتضي فساد الآخر- و ذلك لعدم اعتبار العوضية في الطلاق، لا أقل من أن يكون العوض هنا كالنكاح الذي قد عرفت عدم بطلانه بفساد المهر- يدفعها منافاتها للوجدان الذي لم يفرق بين تقييد المقام و تقييد غيره، و عدم اعتبار العوض فيه لا ينافي كون القصد المقيد الذي هو قصد واحد عرفا، و القياس على النكاح لا يوافق مذهبنا، و من هنا مال جماعة إلى عدم الصحة.

نعم قد يقال: إنه لا عوضية حقيقة في المقام، و لذا لو رجعت بالبذل لم يبطل الطلاق، بل يكون رجعيا نصا (1) و فتوى، بل ستسمع عدم الخلاف بينهم في عدم فساد الطلاق لو كان البذل مما لا يملكه المسلم أو مغصوبا أو غير ذلك مما يقتضي عدم صحة بذله، و ليس ذلك إلا لعدم المعاوضة المصطلحة التي من المعلوم انتفاء موضوعها بانتفاء عوضها، و إنما هي معاوضة بالمعنى الأعم، أى أن البذل منها باعث على إيجاد الطلاق الذي هو من قسم الإيقاع الذي لا يملك عوضا و لا شرطا، فهو حينئذ على معناه الأصلي، و لم ينقلب طلاق الخلع إلى قسم العقود حتى يكون «فلانة طالق- مثلا- بكذا» إيجابا، و قولها: «قبلت» قبولا، و لكن الشارع ذكر في هذا القسم من الإيقاع صحة البذل الباعث على إيقاعه، و اعتبر فيه المقارنة له، و ارتفاع البينونة بارتفاعه، فهي حينئذ أحكام توهم من توهم منها إجراء حكم المعاوضة عليها، و غفل عما سمعت من الصحة نصا (2) و فتوى مع الرجوع بالبذل و غيره مما عرفت.

و بذلك يتجه ما ذكره المصنف و غيره من الأساطين في المقام و في غيره مما ستسمع، بل و في:

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

18

[الثالث إذا قالت: طلقني بألف كان الجواب على الفور]

الفرع الثالث: الذي هو إذا قالت: طلقني بألف كان الجواب على الفور الذي تقتضيه المعاوضة لما عرفت فإن تأخر على وجه ينافي ذلك لم يستحق عوضا و كان الطلاق رجعيا مع فرض اجتماع شرائطه، و إلا كان بائنا.

فمن الغريب ما في المسالك من ميلة إلى البطلان أولا لكن قال في المقام:

«و ظاهر كلام المصنف عدم الفرق بين العالم بالحال و الجاهل، و هو يتم بغير إشكال على تقدير كون الطلاق رجعيا كما أطلقه، أما لو كان بائنا كطلاق غير المدخول بها مع تصريحه بقصد العوض و لم يتعقبه قبولها على الفور فالحكم بصحة الطلاق على هذا الوجه بغير عوض لا يخلو من إشكال، لعدم القصد إليه، نعم يتجه كلامه على إطلاقه على تقدير أن تقول: «طلقني بألف» فيتراخى ثم يقول: «أنت طالق» و لا يذكر العوض، فإنه حينئذ طلاق مجرد عن العوض فلا يبعد القول بنفوذه كذلك، أما مع تصريحه بالعوض و جهله بالحال و تعذر الرجعة فهو محل الاشكال، و ما وقفت هنا لأحد من المعتمدين على شيء يعتد به» إذ هو كما ترى، ضرورة عدم الفرق في القصد بين كون الطلاق رجعيا و غيره، و لعل عدم ذكر أحد من المعتمدين له لوضوح الحال فيه بعد تنقيح أصل المسألة، من غير فرق بين الرجعي و غيره كما هو واضح.

و لا فرق في بذل المرأة بين «طلقني بكذا» و بين «علي كذا» أو «على أن علي كذا» أو «على أن أعطيك كذا» بل في المسالك «و في معناها «إن طلقتني» أو «إذا طلقتني» أو «متى ما طلقتني فلك كذا» بخلاف قول الرجل: «مهما أعطيتني كذا» أو «إن أعطيتني كذا» أو غير ذلك من أدوات الشرط، فإنه لا يقع» و إن كان قد يناقش بعدم الفرق بينهما في منافاة هذا التعليق للإنشاء و عدمه، و لا ريب في أن الأحوط عدمه فيهما إن لم يكن الأقوى، كما أن الأحوط ذكر العوض بصيغة الطلاق أو الخلع مع تقدم بذلها، و إن كان الأقوى الاكتفاء بنيته.

19

[النظر الثاني في الفدية]

النظر الثاني في الفدية التي هي العوض عن نكاح قائم لم يعرض له الزوال لزوما و لا جوازا لكونه افتداء، و الافتداء إنما يصح إذا كانت في قيد النكاح، و لما عرفت من أنه طلاق فيعتبر في محله ما يعتبر فيه، و من هنا لا يقع الخلع عندنا في البائن، بل في القواعد «و لا بالرجعية و لا بالمرتدة عن الإسلام و إن عادت في العدة» و في كشف اللثام «خلافا للعامة، فلهم قول بالوقوع بالرجعية، لكونها كالزوجة، و بالمرتدة موقوفا» قلت: قد عرفت فيما تقدم ما يقتضي احتماله في الأخيرة عندنا.

و كيف كان فقد ذكر غير واحد من الأصحاب بل لا أجد فيه خلافا بينهم أن كلما صح أن يكون مهرا صح أن يكون فداء في الخلع، و مقتضاه أن كلما لا يصح أن يكون مهرا لا يصح أن يكون فداء حتى يتم كونه ضابطا، لكن لا أجد ذلك في شيء من النصوص، نعم

في بعضها (1) «حل له أن يأخذ منها ما وجد»

و في آخر (2) «يحل له أن يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير»

و في ثالث (3) «حل له أن يأخذ من مالها ما قدر عليه»

و في صحيح زرارة (4) عن الباقر (عليه السلام) «المبارأة يؤخذ منها دون المهر، و المختلعة يؤخذ منها ما شئت أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر، و إنما صارت المبارأة يؤخذ منها دون المهر و المختلعة يؤخذ منها ما شاء لأن المختلعة تعتدي بالكلام و تتكلم بما لا يحل لها»

إلى غير ذلك، مضافا إلى عموم الآية (5) و لعلهم أخذوا الضابط

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 6.

(2) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 5.

(3) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 1.

(5) سورة البقرة: 2- الآية 229.

20

المزبور من نصوص المهر (1) فإنه ملحوظ و لو بعنوان جواز الزيادة عليه، أو لمشاركة الفدية له في عدم اعتبارها في مفهوم الطلاق كعدم اعتباره في مفهوم النكاح، أو لأنه لا يعتبر فيه أزيد مما يعتبر في أصل المعاوضات من كونه متمولا معلوما في الجملة عينا أو دينا أو منفعة قليلا كان أو كثيرا مقدورا على تسليمه.

و على كل حال ف لا تقدير فيه، بل يجوز و لو كان زائدا عما وصل إليها من مهر و غيره بلا خلاف أجده فيه نصا (2) و فتوى.

فتحصل مما ذكرنا من مقتضى الكتاب (3) و السنة (4) جواز الفداء بكل متمول قل أو كثر، معلوما كان أو مجهولا، إلا جهالة لا تؤول إلى العلم و لم يثبت شرعية الشارع لها في المعاوضات و إن كانت من قبيل ما نحن فيه، مثل شيء من الأشياء، أو بعض ما يتمول أو نحو ذلك مما هو مثار النزاع، و لا تفي أدلة المقام بشرعيته، فيبقى على أصل عدم الانتقال و عدم الخلع و غيرهما من الأصول.

لكن قال المصنف و تبعه غيره: إنه إذا كان غائبا فلا بد من ذكر جنسه ككونه فضة أو ذهبا مثلا و وصفه مع اختلاف أوصافه و قدره كقفيز و نحوه.

و فيه أنه لا دليل على اعتبار ذلك، بل ظاهر الأدلة السابقة عموما و إطلاقا خلافه، بل هو مناف لقوله و قول غيره يكفي في الحاضر المشاهدة التي يمكن فرض مقدار ما يحصل من العلم منها في الغائب الذي هو مال معين لكن لا يعرف وزنه و لا عدده و لا جنسه.

و أغرب من ذلك التزام عدم الصحة فيما لو بذلت له مالها في ذمته من المهر أو الأعم منه و من غيره و لم يعلم مقداره، لأنه من الغائب الذي يعتبر معرفة مقداره،

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 9 و الباب- 4- منه الحديث 1 و الباب- 7- منه الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(4) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة.

21

مع أنك قد عرفت اقتضاء عموم الأدلة و إطلاقها صحته كغيره من أفراد المجهول الذي يؤول إلى العلم، نحو ما في الصندوق و ما في كمي و نحوهما بعد العلم بوجود ما يصلح فيهما للبذل، و ليس في شيء من أدلة المقام ما يقتضي كونه كالمهر بالنسبة إلى ذلك على فرض اشتراطه به، خصوصا بعد كون المهر أدخل في العوضية من المقام.

و كيف كان فلا خلاف كما لا إشكال في أنه ينصرف الإطلاق فيما لو قالت مثلا: «مائة دينار- أو- درهم» إلى غالب نقد البلد و إن تعدد، سواء كان ناقصا عن الدراهم الشرعية أو زائدا، مغشوشا أو جيدا، و مع فرض عدم الغلبة التي ينصرف الإطلاق إليها لم يصح البذل، لما عرفت من كون مثل ذلك جهالة لا تؤول إلى العلم، و مثار النزاع، فلم تثبت شرعية التعاوض حتى في مثل معاوضة المقام التي هي و إن كانت كما عرفت لكن لا ريب في اشتراك حق المعاوضة بين المتعاوضين، و ليس هو من قبيل الوصية و نحوها مما يراد منه تحقق الامتثال، فمع فرض التعدد الذي لا يتسامح فيه لا ترجيح لأحدهما على الآخر في ولاية التعيين، و الرجوع إلى معين آخر من قرعة و نحوها مناف لقاعدة الشارع فيما شرعه من المعاوضات المبنية على عدم احتياج أمر آخر غيرها في استحقاق كل من عوضيها، كل ذلك مع الإطلاق أما مع التعيين فلا إشكال في الرجوع إلى ما عين بينهما و إن كان غير الغالب كما هو واضح.

و على كل حال فقد ظهر لك أنه لو خالعها على ألف و لم يذكر المراد و لا قصده و لا قرينة تصرف الإطلاق إليه فسد الخلع للجهالة المضرة بالمعاوضة كما عرفت، أما لو قصدا معينا صح و لزمها، لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، بل لا يبعد صحته في غيره من المعاوضات كالبيع و غيره للعمومات، خلافا للمسالك و بعض من تبعها، بل أرسله إرسال المسلمات، و أبعد من ذلك احتماله الفساد في المقام أيضا قياسا على غيره من المعاوضات، و قد عرفت الصحة في المقيس عليه فضلا عن المقيس، لعدم الدليل على اشتراط ذكر العوض، بل ظاهر الأدلة خلافه.

22

بل لا يبعد الصحة في المقام لو كان القصد من أحدهما خاصة إلى معين و قبل الآخر على ذلك القصد و إن كان مجهولا عنده، لما عرفت من عموم الأدلة و إطلاقها السالمين عن قدح مثل هذه الجهالة في مثل هذه المعاوضة، بل أقصاه كونه كبذل ما في الصندوق، نعم لا تجوز في البيع و نحوه مما يشترط فيه العلم للمتعاقدين.

بل لا يبعد الصحة في المقام أيضا مع قصد المعين من كل منهما و اتفقا في اتحاد قصديهما على غير تواط، لعموم الأدلة و إطلاقها و إن كان لا يخلو من تأمل.

و لو كان الفداء مما لا يملكه المسلم عالمين به كالخمر و الخنزير فسد البذل بلا إشكال و لا خلاف، لاشتراط المالية فيه، بل قيل فسد الخلع لفساد المعاوضة حينئذ و قيل و القائل الشيخ يكون الطلاق رجعيا لما عرفت من عدم اعتبار العوض في مفهومه، و أن إنشاء الطلاق مستقل و إن كان الباعث له عليه البذل المزبور، إلا أن أقصاه عدم كونه بائنا، لفحوى ما تسمعه من النصوص (1) المتضمنة لكون الطلاق رجعيا لو رجعت بالبذل.

و لكن قال المصنف هو حق إن أتبع بالطلاق، و إلا كان البطلان أحق و لعله لأنه مع الاقتصار على الخلع لا يتحقق صحة الطلاق مع فساد العوض، لأن الخلع الذي يقوم مقام الطلاق أو هو الطلاق ليس إلا اللفظ الدال على الإبانة بالعوض، فبدونه لا يكون خلعا، فلا يتحقق رفع الزوجية بائنا و لا رجعيا، و إنما يتم إذا أتبعه بالطلاق ليكونا أمرين متغايرين لا يلزم من فساد أحدهما فساد الآخر فيفسد حينئذ الخلع لفوات العوض، و يبقى الطلاق المتعقب له رجعيا لبطلان العوض الموجب لكونه بائنا، و في المسالك هو الأقوى.

و فيه (أولا) أن الشيخ قد عرفت أنه ممن يوجب اتباع الخلع الطلاق،

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

23

فلا وجه للتفصيل في كلامه. و (ثانيا) أن الطلاق المتبع به الخلع لا يراد به إلا الطلاق بالعوض، و ليس هو إنشاء مستقلا، و قد سمعت سابقا من المسالك أنه هو المملك للعوض، و أن تقدم الخلع عليه قليل الفائدة، بل يمكن فرض مسألة المقام في كون الخلع بلفظ «أنت طالق بكذا من الخمر» من دون سبق الخلع، و لا وجه للصحة فيه رجعيا إلا بناء على ما ذكرناه من عدم المعاوضة في ذلك حقيقة.

و منه ينقدح وجه الصحة رجعيا لو كانت الصيغة بلفظ «خلعت» أيضا و إن لم نجوز وقوع غير الطلاق بعوض بها، لما عرفت من كون الخلع طلاقا و إن كان مورده خاصا، فتارة يصح و اخرى يبطل لفقد شرط من شرائطه، و لكنه لا يبطل أصل الطلاق الحاصل به كما يومئ إليه ما تسمعه من النص (1) و الفتوى في صيرورة الطلاق رجعيا لو فسخت البذل و رجعت به، من غير فرق بين كون الخلع قد كان بلفظ «خلعتك على كذا» و بين «أنت طالق بكذا» و ما ذاك إلا لصحة وقوع الطلاق به في مورده و إن لم يسلم بفسخ للبذل أو بفقد شرط من شرائطه، و احتمال الجمود على خصوص مورد النص مناف لقاعدة الاستنباط المستفادة من فحاوي الأدلة المشار إليها ب

قولهم (عليهم السلام) (2): «لا يكون الفقيه فقيها حتى تلحن له بالقول فيعرف ما تلحن له»

و غيره، هذا كله مع العلم.

و أما مع الجهل كما لو خالعها على خل بزعمهما فبان خمرا صح و كان له بقدره خلا بلا خلاف أجده فيه، قيل: لأن تراضيهما على المقدار من الجزئي المعين الذي يظنان كونه متمولا يقتضي الرضا بالكلي المنطبق عليه، لأن الجزئي مستلزم له، فالرضا به مستلزم الرضا بالكلي، فإذا فات الجزئي لمانع صلاحيته للملك بقي الكلي، و لأنه أقرب إلى المعقود عليه.

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) المستدرك الباب- 15- من أبواب صفات القاضي الحديث 5 من كتاب القضاء و البحار- ج 2 ص 137 ط الحديث.

24

بل في المسالك «لم ينقلوا هنا قولا بفساده، و لا وجوب قيمته عند مستحليه كما ذكروه في المهر، مع أن الاحتمال قائم فيه، أما الأول فلفقد شرط صحته، و هو كونه مملوكا، و الجهل به لا يقتضي الصحة، كما لو تبين فقد شرط في بعض أركان العقد، و أما الثاني فلأن قيمة الشيء أقرب إليه عند تعذره، و لأن المقصود من المعين ماليته، فمع تعذرها يصار إلى القيمة، لأنه لا مثل له في شرع الإسلام فكان كتعذر المثل في المثلي حيث يجب، فإنه ينتقل إلى قيمته- ثم قال-:

و لو ظهر مستحقا لغيره فالحكم فيه مع العلم و الجهل كما فصل».

قلت: كأن ذلك مؤيد لما ذكرناه من عدم المعاوضة حقيقة هنا، و إلا كان مقتضاها الانتفاء من رأس بانتفاء العوض، كما هو واضح، و لكن لما كان إنشاء الطلاق مستقلا أثر أثره، و الفداء لم ينتف بانتفاء ذلك المعين عرفا بعد الإتيان بقدره خلا.

بل يمكن دعوى ذلك فيما لو كان الفداء خنزيرا بزعم أنه بقر مثلا فبان خنزيرا أبدل بما ينطبق عليه من البقر و صح، لأنه قسم من الفداء، و القيمة بعيدة عن مماثلة المبذول فداء، كما هو واضح. و لا يرد ذلك في صورة العلم المنحلة إلى عدم إرادة الفدائية حقيقة، لعلمهما بعدم صلاحيته فداء، اللهم إلا أن يفرض في صورة الجهل بالحكم شرعا، و حينئذ يأتي احتمال مثله، و علم أحدهما كاف في فساد البذل إجراء لحكم المعاوضة، فتأمل جيدا.

و لو خالع على حمل الدابة أو الجارية لم يصح مع عدم وجوده، لعدم كونه متمولا عرفا و شرعا، نعم قد يقال بصحة بذل الثمرة قبل وجودها للطمأنينة بحصولها، و كونها مالا و لو شرعا بدليل جواز بيعها.

أما مع وجوده ففي المسالك كذلك أيضا للجهالة، بل لعله ظاهر المتن و غيره أيضا، بل ظاهر المسالك انصحار المخالف في بعض العامة.

و لكن لا يخفى عليك أن المتجه الصحة بناء على ما ذكرناه و احتملها في

25

المسالك في المقام، ثم قال: «و مثله ما لو خالعها على ما في كفها، فإنه لا يصح عندنا، سواء علم أن في كفئها شيئا متمولا و جهل مقداره أو عينه أو لم يعلم، و من أجاز الأول صححه هنا مع العلم بوجود شيء في كفها يصلح للعوض، أو ظهور وجوده فيه، فان لم يظهر فيه شيء ففي وجوب مهر المثل- كما لو ظهر فساد العوض- أو وقوع الطلاق رجعيا أو لزوم ثلاثة دراهم، لأن المقبوض في الكف ثلاثة أصابع، و هي ما عدا الإبهام و المسبحة، فيجب قدره من النقد؟ أوجه، أبعدها الأخير».

قلت: لا ريب في فساده، بل و فساد الأول، لعدم الدليل، كما أن الوجه الصحة مع العلم بأن في كفها ما يصلح للبذل، لما عرفت، فلو فرض ظهور عدمه انقلب الطلاق رجعيا على البحث السابق.

و يصح بذل الفداء منها بلا خلاف و لا إشكال، لأنه هو المنطبق على نسبته إليها كتابا (1) و سنة (2) و كذا من وكيلها القائم مقامها بعموم الوكالة و إطلاقها.

بل في المسالك في تفسير عبارة المتن و كذا ممن يضمنه في ذمته باذنها فيقول للزوج: «طلق زوجتك على مأة و علي ضمانها» و الفرق بينه و بين الوكيل أن الوكيل يبذل من مالها باذنها و هذا يبذل من ماله باذنها ليرجع عليها بما يبذله بعد ذلك، فهو في معنى الوكيل الذي يدفع العوض عن الموكل من ماله ليرجع به عليه، فدفعه له بمنزلة إقراضه لها و إن كان بصورة الضمان، قلت: هو جيد لو دفع عينا عنها، أما لو بذل كليا في ذمته فلا يتصور قرضه لها، كما أنه لا يتصور شغل ذمته به للخالع و شغل ذمتها له بإيقاع الخلع كما هو واضح.

بل هو إن صح يكون من مسألة المتبرع التي ذكرها بقوله و هل يصح من المتبرع و إن كان العقد إيجابا و قبولا من الزوج و الزوجة؟ فيه تردد،

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(2) الوسائل الباب- 1 و 4- من كتاب الخلع و المبارأة.

26

و الأشبه المنع عند المصنف و الشيخ و غيره من الأصحاب، بل في المسالك «لم يعرف القائل بالجواز منا» قلت: لا لأن الخلع من عقود المعاوضة، فلا يجوز لزوم العوض لغير صاحب المعوض- كالبيع لو قال: «بعتك كذا بمأة في ذمة فلان»- لإمكان الجواب عنه بما عرفت من عدم كون المقام منها، خصوصا و المعوض هنا فكها من قيد النكاح، فهو من قبيل الصلح الإسقاطي الذي يصح وقوعه من المتبرع، بل لأن المستفاد من الكتاب (1) و السنة (2) مشروعية الفدية منها و لو بواسطة وكيلها، أما المتبرع فيبقى على أصل المنع، إذ قد عرفت أنه لا إطلاق و لا عموم يقتضي مشروعية هذا القسم من طلاق الفدية المسمى بالخلع و طلاق العوض على وجه تجري عليه أحكامه، من كونه طلاقا بائنا إلا مع رجوعها بالبذل و غيره من أحكامه، و من هنا كان فرض المقام على وجه الجعالة من الأجنبي خروجا عن البحث، ضرورة عدم جريان أحكام الخلع على ذلك على فرض صحته.

و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بكون المقام من الفداء أو المعاوضة أو الطلاق أو الفسخ، إذ على كل حال مبنى المشروعية على الأدلة الخاصة التي لا شمول فيها للأجنبي، بل و لا للضامن باذنها على الوجه المزبور، فالمتجه منعه حينئذ إن لم يكن إجماعا، إلا أن يرجع إلى الوكالة في القرض في صورة الدفع و نحوه مما يمكن إجراؤه على القواعد الشرعية.

نعم قد يقال فيهما: إن الآية (3) و ما شابهها من السنة (4) تقتضي جواز فدائها نفسها بمال الغير مع الإذن على وجه لا رجوع به عليها، و ربما يدعى ظهور اتفاقهم فيما يأتي على جواز فداء الأمة نفسها بمال سيدها مع إذنه، بناء على مساواته لذلك، إذ كونه سيدا لا يقتضي كونه وكيلا أو وليا، و كون البضع له لا ينافي كون مشروعية الفداء بشيء يتبعها بعد العتق.

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(2) الوسائل الباب- 1 و 4- من كتاب الخلع و المبارأة.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(4) الوسائل الباب- 1 و 4- من كتاب الخلع و المبارأة.

27

و بالجملة الفداء بمال الغير مع الاذن على وجه لا رجوع به عليها قد يقال بشمول الآية و ما شابهها من الرواية له، فان كانت مسألة التبرع المجوز عنها من هذا القبيل أشكل القول بعدم الجواز إن لم يكن إجماعا، فإن ما فرضناه متحقق فيه نسبة الفداء إليها و إن لم يكن المال قد أبيح لها افتداؤها به كالأمة، و ما في بعض النصوص (1) من ذكر «مالها» لا يقتضي التقييد أو التخصيص، لعدم المعارضة، كما هو واضح، فتأمل جيدا.

و على كل حال فبناء على عدم جواز البذل من المتبرع لا وقع لكثير من الفروع المذكورة هنا على بذل الأجنبي، مع أن بعضها لا يخلو من نظر، كدعوى جواز رجوعه به دون المرأة التي لا تملكه، نعم لها الرجوع بالبذل من الضامن الذي يرجع عليها، لكونه كمالها، بخلاف بذل المتبرع، إذ قد يناقش بإمكان منع جواز رجوعه به، لأصالة اللزوم بعد حرمة القياس على جواز رجوعها، و بإمكان عدم جواز رجوعها بالبذل من الضامن، إذ هو أيضا ليس مالا لها، فلا يشمله ما دل (2) على جواز رجوعها بما بذلت الظاهر في غير الفرض بناء على ما عرفت.

ثم لا يخفى عليك أنه بناء على الصحة لا فرق بين تقدم سؤاله و بين قول الزوج:

«هي طالق بألف في ذمتك» فيقبل بلا تراخ.

كما لا فرق بين كونه و كيلا عنها و عدمه، إذ له دفع البذل بعنوان التبرع لا الوكالة التي على فرض إيقاعه بها يتجه مطالبة الزوج به لها مع التصريح بها و إلا تعلق به الفداء ظاهرا و رجع به على الزوجة، لأنه في الواقع في ذمتها مع فرض الوكالة كالمعاوضة، بل على فرض الجواز يجوز للأجنبي أن يوكل أجنبيا آخر على ذلك، بل له توكيل الزوجة و إن تخيرت بين بذلها نفسها و بعنوان الوكالة عن الأجنبي، كما لو كان هو وكيلا.

و لا ريب في أن قول الزوجة للأجنبي: «اسأل زوجي يطلقني بكذا» توكيل،

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 7- من كتاب الخلع و المبارأة.

28

سواء قالت: «على» أو لم تقل، أما قول الأجنبي لها: «سلي زوجك يطلقك على كذا» فلا ظهور فيه في التوكيل، بل في المسالك «إن لم يقل: «علي» لم يكن توكيلا فلو اختلعت كان المال عليها، و إن قال: «علي» كان توكيلا فإن أضافت إليه أو نؤته ثبت على الأجنبي، و لو قال أجنبي لأجنبي: «سل فلانا يطلق زوجته بكذا» كقوله للزوجة: «سلي زوجك» فيفرق بين أن يقول: «على» أو لا يقول».

و لو اختلع الأجنبي و أضاف العقد إليها مصرحا بالوكالة ثم بان أنه كاذب لم يقع البذل، و في وقوعه طلاقا البحث السابق، إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك إجراؤه على القواعد العامة، هذا كله في بذل المتبرع من ماله.

أما لو قال: «طلقها على ألف من مالها و علي ضمانها» أو «على عبدها هذا و علي ضمانه» صح، فان رضيت بذلك فذاك و إن لم ترض بدفع البذل صح الخلع و ضمن المتبرع كما صرح به بعضهم و لكن فيه تردد بل منع، لأن مرجعه ضمان الأجنبي أيضا الذي قد عرفت عدم ثبوت شرعيته، بل هو من ضمان ما لم يجب، و ورود صحة ضمان ألق متاعك في البحر و علي ضمانه لو قلنا به لا يقتضي صحة الفرض بعد حرمة القياس عندنا، نعم المتجه في الفرض كونه من الفضولي الذي يتوقف على إجازتها الكاشفة عن الصحة وقت البذل و عدمها، لما سمعته في بحث الفضولي و أنه جار على الضوابط، و أما ضمانه ذلك فلا أثر له، اللهم إلا أن يكون بعنوان الشرطية و التوسعة في أمر الفداء، لكن بعد البناء على صحته من المتبرع، فتأمل جيدا.

و لو خالعت في مرض الموت صح و إن بذلت أكثر من الثلث و كان من الأصل

لعموم (1) «الناس مسلطون على أموالهم»

المقتصر في الخروج منها على التبرعات المحضة، كالصدقة و الهبة و نحوهما.

و فيه قول آخر بل في المسالك أنه المشهور بين الأصحاب و المعمول به

____________

(1) البحار ج 2 ص 272 ط الحديث.

29

بينهم و هو أن الزائد عن مهر المثل من الثلث لكونه كالمحاباة في المعاوضات و هو أشبه عند المصنف بأصول المذهب و قواعده التي منها ما عرفت سابقا من أن تصرف المريض مقصور على ثلث ماله حيث يكون متبرعا به، و كان مهر المثل هو عوض البضع شرعا، كالقيمة في المتقومات، و من ثمة لو تصرف فيه متصرف على وجه يضمنه كوطء الشبهة و المكره يجب عليه مهر المثل، فبذلها فدية للطلاق يتقدر نفوذها من الأصل بمهر المثل، لأن العائد إليها البضع، فيعتبر قيمته شرعا، كما لو اشترت شيئا بثمن مثله فان بذلت من ذلك كان مقدار مهر المثل من الأصل و الزائد من الثلث، كالمحاباة في المعاوضات، و حينئذ فلو كان مهر مثلها أربعين دينارا مثلا فبذلت مأة و لم يكن عندها غيرها صح للزوج ستون: أربعون في مقابلة مهر المثل، و عشرون بالمحاباة، هي ثلث باقي التركة، و يرجع إلى الورثة أربعون ضعف ما نفذت فيه المحاباة.

و ربما قيل: إن الجميع يعتبر من الثلث، لأن العائد إليها غير متمول بالنسبة إلى الورثة، و الحجر على المريض إنما هو لحق الورثة، و في المسالك «هو قول موجه» و فيه أن الخروج من الثلث مخالف للعمومات التي ينبغي الاقتصار في الخروج منها على المتيقن الذي هو غير الفرض، بل يكفي الشك في بقائه على مقتضاها، بل لو لا الشهرة لكان الأول في غاية القوة، و إن قال في المسالك، «إنه قول نادر غير موجه» ضرورة عدم صدق المحاباة فيه، لعدم مقدر عرفا و شرعا في البذل حتى يكون الزائد عليه محاباة، و كون مهر المثل قيمة للبضع في بعض الأحوال لا يقتضي كونه قيمة للبذل، لا أقل من الشك، فيبقى على العمومات هذا كله إذا لم تبرأ من مرضها، و لو برئت لزم الجميع كسائر المنجزات.

و أما مرض الزوج فلا يؤثر في الخلع، بل يصح خلعه في مرض الموت و إن كان بدون مهر المثل، لأن البضع لا يبقى للوارث، و إن لم يجر خلع فلا وجه للاعتبار من الثلث، و لأنه لو طلقها بغير عوض في مرض الموت لا يعتبر فيه الوضع من الثلث، فكذا إذا نقص عن مهر المثل، و الله العالم.

30

و لو كان الفداء إرضاع ولده منها أو من غيرها أو حضانته صح عندنا للعمومات (1) لكن مشروطا بتعيين المدة رفعا للجهالة القادحة في أصل المعاوضة و إن كانت مثل المقام، نعم قد يقال بالاكتفاء بأوان فطامه للتسامح في مثل هذه المعاوضات، و لعموم الأدلة التي عرفتها سابقا.

و كذا يصح لو طلقها على نفقته بعد الرضاع مثلا أو مضافة إليه، لكن في المتن و غيره بشرط تعيين القدر الذي يحتاج إليه من المأكل و الكسوة و المدة بل في المسالك و غيرها يعتبر تعيين ما ينفق عليه كل يوم من الإدام و الطعام و الكسوة في كل فصل أو سنة، أو بضبط المئونة في جملة السنة، و يوصف بالأوصاف المشروطة في السلم.

و لا يخفى عليك ما في ذلك بعد الإحاطة بما أسلفناه من العمومات التي مقتضاها بعد ضبط المدة الاكتفاء بالمتعارف له أكلا و شربا و كسوة في كل فصل، كنفقة الزوجة و غيرها، و حينئذ يسقط تفريع إن خرج زهيدا و فضل من المقدار شيء فهو للزوج و إن كان رغيبا و احتاج إلى الزيادة فهو على أبيه إن كان الولد فقيرا.

و على كل حال ف لو مات قبل المدة كان للمطلق استيفاء ما بقي، فإن كان رضاعا رجع بأجرة مثله، و إن كان إنفاقا رجع بمثل ما كان يحتاج إليه في تلك المدة مثلا أو قيمة بناء على ما ذكرناه، و بالمقدر على ما ذكروه، لأن العوض له، و الولد إنما هو محل البذل، و عن العامة قول بانفساخ العقد، لتعذر الوصول إلى ما عين عوضا، فهو كالخلع على عين خرجت مستحقة أو كعوض تلف قبل القبض، و هو كما ترى. نعم يمكن القول بجواز الفداء إرضاعا و نفقة في المدة ما دام حيا على وجه يسقط استحقاقه بموته، لعموم قوله تعالى (2) «فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»

و «تراضيا عليه» (3)

و غيرهما من الأدلة السابقة.

____________

(1) الوسائل الباب- 1 و غيره- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(3) الوسائل الباب- 4- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 5.

31

و كيف كان ف لا يجب عليها دفعه أى العوض من الأجرة و النفقة دفعة معجلا، لأن موت الولد لا مدخل له في حلول الدين بل إنما يجب إدرارا في المدة كما كان يستحق عليها لو بقي للأصل و غيره، خلافا لما عن العامة من القول بالحلول.

و لو تلف العوض المبذول قبل القبض لم يبطل الخلع بلا خلاف و لا إشكال، للأصل و العمومات التي خرجنا عنها بالبيع لدليله، بل في المتن و غيره أنه باق على استحقاقه، و لزمها مثله أو قيمته إن لم يكن مثليا بل ظاهر كشف اللثام اتفاقنا عليه، نعم فيه للعامة قول بالانصراف إلى مهر المثل، و احتج له في المسالك

بعموم «على اليد» (1)

قال: «و يدها أخذت العين و لم تؤدها إلى مالكها، فتكون ضامنة لها- إلى أن قال-: و لا فرق في ذلك بين تلفه باختيارها أو بآفة من الله تعالى شأنه أو بإتلاف أجنبي، لكن في الثالث يتخير الزوج بين الرجوع عليها و على الأجنبي، فإن رجع عليها رجعت على الأجنبي إن أتلفه على وجه مضمون».

و لا يخفى عليك ما في التعليل المزبور، نعم قد يقال بعد الاتفاق ظاهرا على ذلك:

إن مقتضى المعاوضة و ما شابهها وجوب التسليم، و لذا اعتبر في صحتها القدرة عليه، بل ربما ظهر من بعض المحققين في كتاب الإجارة اقتضاء التلف قبل القبض الانفساخ كالبيع، لفوات معنى المعاوضة التي مقتضاها تبديل ملك بملك و يد بيد، و إن كان فيه ما لا يخفى، لكن لا ريب في اقتضائها وجوب التسليم المستصحب بقاؤه إلى ما بعد التلف المعلوم قيام المثل أو القيمة معه، و هو معنى الضمان.

و لو خالعها بعوض موصوف فان وجد الزوج ما دفعته على الوصف المشترط فذاك و إلا كان له رده و المطالبة بما وصف الذي هو حقه، و له الرضا بالمدفوع وفاء عن حقه مع التراضي منهما بلا خلاف و لا إشكال، و إن كان ما دفعته معيبا تخير بين قبوله و المطالبة بأرشه و بين رده و المطالبة بفرد آخر كما تقدم ذلك في السلم.

____________

(1) سنن البيهقي ج 6 ص 95 و كنز العمال ج 5 ص 327 الرقم 5713.

32

و لو كان ما خالعها عليه شيئا معينا فبان معيبا رده إن شاء و طالب بمثله أو قيمته، و إن شاء أمسك مع الأرش، و كذا لو خالعها على عبد على أنه حبشي فبان زنجيا أو على ثوب على أنه نقي فبان أسمر و علله في المسالك بأن فوات الجزء الموجب للعيب أو للوصف (1) كتبعيض الصفقة، فيتخير بين رده و أخذ عوضه و بين إبقائه مع أرشه، ثم قال: «و هذا بخلاف البيع فإنه مع رده لا يرجع إلى عوضه، بل يوجب انفساخ البيع، و الفرق أن الطلاق المترتب على العوض قد وقع قبل الرد، و الأصل فيه اللزوم، و ليس هو كغيره من عقود المعاوضات القابلة للتفاسخ مطلقا، بل يقف فسخه على أمور خاصة بدليل خاص لا مطلقا، فلا وسيلة إلا إلى تحصيل المطلوب من العوض بما ذكر» و كذا ذكر في تخلف الوصف مع اتحاد الجنس.

إلا أنه كما ترى، ضرورة اقتضاء تسلطه على الرد فسخ الملك الحاصل بسبب البذل و مقتضاه حينئذ عود الطلاق إلى الطلاق المجرد عن العوض- كما لو رجعت هي بالبذل، و ليس هذا فسخا للطلاق- لا المطالبة بالمثل أو القيمة المحتاجين إلى مملك جديد، خصوصا في تخلف الوصف المسلط في باب البيع و غيره من المعاوضات على الفسخ خاصة، و من هنا قال في آخر كلامه: «و للنظر في هذه المطالب مجال إن لم تكن إجماعية، إذ لا نص فيها، و إنما هي أحكام اجتهادية، و لو قيل في فوات الوصف بتعين أخذه بالأرش كان حسنا».

و الذي أوقعه في هذا الإشكال هنا و غيره من المقامات بناؤه على أنها معاوضة حقيقية، و المتجه على ذلك في تخلف الوصف الرد، و انقلاب الطلاق إلى المجرد عن العوض، و في العيب التخيير بين الرد- و يكون الحكم كذلك- و بين الأرش، بناء على أن ذلك مقتضى قاعدة لا ضرر و لا ضرار في البيع و غيره من المعاوضات، نعم يتجه

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية، و في المسالك «فوات الجزء الموجب للعيب أو الوصف.» و هو الصحيح.

33

كلامهم هنا بناء على ما ذكرناه من أنه لا معاوضة حقيقية أو اصطلاحية و إن كانت معاوضة بالمعنى الأعم التي هي كالباعث و الداعي، و المراد الفداء، و لا ريب في تحققه عرفا بالمثل و القيمة في المعيب و تخلف الوصف، و بالأرش في المعيب، و تفاوت القيمة في تخلف الوصف، بل لعل ذلك هو المتعارف في تدارك الفداء.

و من ذلك يظهر الوجه في قول المصنف و غيره أيضا أما لو خالعها على أنه أي الثوب إبريسم فبان كتانا صح الخلع، و له قيمة الإبريسم، و ليس له إمساك الكتان لاختلاف الجنس و إن كان قد يناقش في خصوص المثال بأنه من نحو تخلف الوصف بعد الاشتراك في الثوبية التي هي جنس لهما، كالاشتراك في العبدية بالنسبة للزنجى و الحبشي، إلا أنه يمكن التمثيل بما لو خالعها بمعين على أنه ثوب مثلا فبان حيوانا مثلا، كان له المطالبة بالقيمة أو الثوبية، و ليس له إمساك الحيوان إلا مع التراضي بينهما، و بالجملة قد عرفت أن المدار على تدارك الفداء مع فرض فواته بما يتدارك به عرفا، و هو معنى آخر غير معنى المعاوضة المصطلحة، و من هنا أثبتوا له أحكاما غير أحكام المعاوضة، كما نبهنا عليه غير مرة، و الله العالم.

و لو دفعت ألفا و قالت: «طلقني بها متى شئت» لم يصح البذل و إن قال الزوج بعدها بلا فاصل: «أنت طالق عليها» لعدم إنشاء فعلي، إذ المفهوم من هذه العبارة الإعلام بأنها باذلة ذلك، و ليس هو إنشاء بذل نحو قول المشتري: «بعني مالك هذا بدرهم متى شئت» و لو فرض دلالة القرينة على إرادة إنشاء بذل فعلي لذلك و قال الزوج: «أنت طالق» لم يكن إشكال في الصحة.

و احتمال البطلان للفصل بين إنشائها و قوله بقولها: «متى شئت» لا ينبغي أن يذكر، ضرورة عدم قدح مثل ذلك في فورية المعاوضات فضلا عن المقام.

بل ربما يرجع إلى ما ذكرنا ما يحكى من تعليل الشيخ البطلان بأنه سلف في طلاق، و بأنه عوض على مجهول، أي للجهل بالطلاق الواقع، و إلا أمكن النظر فيه بأن هذه الصيغة كما تناولت الطلاق الباطل مع التراخي تناولت الفوري بعد هذه

34

الصيغة، و لا يلزم من بطلان التراخي بطلان مدلولها أجمع، و ليس هو حينئذ سلفا في طلاق بعد فرض شمولها للحال، و كذا القول في كونه عوضا على مجهول، خصوصا بعد عدم الدليل على البطلان بمثل هذه الجهالة.

و من هنا عدل في المسالك إلى تعليل البطلان بأن المعتبر في البذل الصحيح كونه في مقابلة الطلاق الواقع على الفور، فإذا جعلته في مقابلة الواقع مطلقا فكأنه قد جعلته في مقابلة طلاق باطل، و إن كان هو كما ترى أيضا إن لم يرد ما ذكرناه، و علله في كشف اللثام بالتعليق المانع من القبول كالإيجاب، و لعله يرجع إلى ما قلناه أيضا.

و على كل حال ف لو طلق كان رجعيا و الألف لها مع فرض كون مورده كذلك، و إلا كان بائنا على البحث السابق و إن جاء به على الفور لما عرفت.

و لو خالع اثنتين فصاعدا بفدية واحدة صح بلا خلاف أجده فيه، و إن كان لولاه لأمكن المناقشة فيه بخروجه عن أدلة المشروعية التي لا إطلاق فيها و لا عموم يشمل الفرض، و قد عرفت أنه على خلاف الأصل، اللهم إلا أن يدعى معلومية إلغاء الوحدة التي هي مورد تلك الأدلة، كما ألغيت في أصل الطلاق الذي من أدلته ما عرفت من الحصر بقول: «أنت طالق» بل قد يدعى صدق «افْتَدَتْ» (1) على كل واحد منهما.

و على كل حال كانت الفدية المبذولة بينهما بالسوية كما عن الشيخ و الأكثر، لظهور أمثال ذلك فيها، و لا يقدح الجهل بالتقسيط كما لا يقدح في غير المقام من المعاوضات المعتبر فيها المعلومية فضلا عن المقام.

و ربما احتمل كون التقسيط على مهر المثل الذي هو الملحوظ في قيمة البضع و عن القاضي أن التقسيط على المسمى في النكاح، و لعله يريد مهر المثل الذي قد يؤيد

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

35

التقسيط عليه أنه المتعارف في قيمة البضع، مع منع ظهور العبارة في التسوية، على أن التقسيط في البيع و نحوه إنما هو لكون المبيع المجموع الذي يتقسط الثمن عليه بحسب قيمة المبيع، و لو أن العبارة ظاهرة في التسوية لكان من الواجب الحكم بها لو كان المبيع لشخصين و إن اختلفت قيمة أحدهما، كما أنه لو كان المختلع في المقام المجموع على حسب البيع لم يصح خلع أحدهما خاصة عند قولهما أو قول وكيلهما:

«اخلعهما بألف» كما تسمعه، إذ ليس ذاك إلا لكون كل منهما مقصودة بنفسها لا منضمة مع الآخرى، على أن المسألة في كلامهم مطلقة على وجه يشمل فرضها مع عدم قصد التسوية من الخالع و الباذل، و دعوى أن الأصل في خلع المتعدد التسوية ممنوعة فليس حينئذ إلا التوزيع على نسبة مهر المثل، فتأمل جيدا، و كذا الكلام فيما لو ابتدأهما بطلاقهما على ألف و قبلا (قبلتا ظ) على الفور.

و لو قالتا طلقنا بألف فطلق واحدة كان له النصف بناء على التسوية، و ما يقتضيه التوزيع على مهر المثل أو المسمى لها في النكاح على القولين الآخرين، و لا يقدح في الصحة اختلاف السؤال و الإيقاع، لأن كل واحدة مقصودة بنفسها منفردة، كما لو قال رجلان: «رد عبدينا بكذا» فرد أحدهما دون الآخر، و ربما احتمل في المقام إرادة كل واحدة منهما طلاقهما معا، فيختلف السؤال و الإيقاع حينئذ، و لعله لذا استشكل في محكي التحرير في ثبوت النصف، لكنه في غير محله، كما أن فرق بعضهم بين الصورة المزبورة و بين ما لو ابتدأهما فقال: «خالعتكما بألف» فقبلت إحداهما خاصة- لأن القبول لم يوافق الجواب، كما لو قال: «بعتكما هذا العبد بألف» فقال أحدهما: «قبلت»- كذلك أيضا، ضرورة ظهور كون كل منهما مقصودة بنفسها في المقام بخلاف المثال الظاهر في عدمه، و إلا لجاء الاحتمال في الصورة الاولى.

و كيف كان ف لو عقب بطلاق الآخرى كان رجعيا إن كان مورده كذلك و لا عوض له لتأخر الجواب عن الاستدعاء المقتضي للتعجيل الذي قد عرفت اعتباره.

36

و لو خالعها على عين فبانت مستحقة قيل و القائل الشيخ و تبعه غيره:

يبطل الخلع الذي هو معاوضة، لبطلان أحد العوضين، لكن قد عرفت المناقشة في ذلك غير مرة و من هنا قال المصنف لو قيل يصح الخلع و يكون له القيمة أو المثل إن كانت مثليا كان حسنا لكون ذلك هو المتعارف في تدارك الفدائية، و أولى من تداركه بمثل العين على نحو الفداء في الإحرام.

و ظاهر قول المصنف: «فبانت» أن مفروض المسألة الجهل لا مع العلم الذي ينحل إلى عدم إرادة الخلع عليه، للعلم بعدم سلامته كما تقدم الكلام فيه سابقا، و إن كان قد يناقش فيه بأن العلم بكونه مستحقا لا ينافي قصد الخلع عليه كباقي المعاوضة، نعم هو مؤيد لما ذكرنا من أنه لا معاوضة في القصد، و إنما هو من الباعث و إن أعطى بعض أحكام المعاوضة لإجماع إن كان أو غيره، و قد تقدم سابقا بعض الكلام فيما لو كان الفداء الخمر، و ظاهر ثاني الشهيدين هنا أن حكم المغصوب حكمه في حالي الجهل و العلم، و لكن جزم في المقام بالفساد، كما أن المصنف قد جزم هناك بالصحة فيما لو خالعها على خل فبان خمرا بخلاف المقام، و قد يتخيل الفرق بين المقامين، لكنه غير تام، و التحقيق ما عرفت.

و يصح البذل من الأمة بلا خلاف أجده فيه، بل لعله إجماع، و لولاه لأمكن المناقشة- في أصل جواز ذلك منها على أن تتبع به بعد العتق- بأنه مناف لما دل على عدم قدرة العبد على شيء (1) خصوصا المعاوضات، و الضمان بالإتلاف ليس قدرة منه على شيء، و لا يوجب وجود ذمة له على وجه يصح منه إيجاد شيء فيها، كما تقدم نظير ذلك في الضمان، و من السيد بما عرفت من كونه كالفداء من المتبرع في عدم تناوله أدلة المشروعية إلا على الوجه الذي ذكرناه و أيدناه بكلامهم في المقام.

و على كل حال فلو أذن لها مولاها بالافتداء انصرف الإطلاق

____________

(1) سورة النحل: 16- الآية 75.

37

إلى الافتداء بمهر المثل كانصراف إطلاق الأمر بالشراء إلى قيمة المثل، و يكون في ذمة السيد لا في كسبها إن كانت ذات كسب، و لا في خصوص ما في يدها من مال السيد، كما تقدم تحقيق ذلك في محله.

و لو بذلت زيادة عنه قيل: يصح الخلع و لكن تكون الزيادة لازمة لذمتها تتبع بها بعد العتق و اليسار و أما مقدار مهر المثل فعلى السيد للاذن، و لكن قد يناقش بمنع حصول الاذن بمهر المثل في الفرض، لظهور إذنه بكونه الفدية لا بعضها، و لعله لذا نسبه المصنف إلى القيل مشعرا بتمريضه، لأن المتجه حينئذ كون الجميع في ذمتها، و ذلك لأنه لا خلاف و لا إشكال عندهم في أنها تتبع بأصل البذل مع عدم الاذن بعد العتق و اليسار، و هذا منه، فتأمل جيدا.

و لو بذلت عينا من أعيان سيدها فأجاز المولى صح الخلع و البذل كما لو أذن ابتداء و إلا صح الخلع دون البذل، و لزمها قيمته أو مثله تتبع به بعد العتق و اليسار، لكونه حينئذ كما لو ظهر مستحقا، و هو مؤيد لما قلناه من أن المقام ليس من المعاوضات و إلا كان المتجه الفساد لعدم الإجازة.

و ظاهر المصنف و غيره هنا عدم الفرق بين علمه بالحال و جهله، و هو كذلك لما عرفت من إمكان تدارك الفدائية بالإبدال، كما ذكرناه غير مرة.

و لو بذل سيدها رقبتها ففي صحة الخلع و الالتزام بالمثل أو القيمة أو بطلان الخلع وجهان، اختار ثانيهما في المسالك، و أما احتمال الصحة فلم أجد من احتمله، و لعله لمنافاة الطلاق و الملكية اللذين هما أثر الخلع على وجه لا يتحد زمانهما، مثل الزوجية و الملكية فيما لو تزوجها في أن شراء وكيله لها مثلا بخلاف شراء الزوجة المسبب للملك المزيل للزوجية.

و نحوه بذل رقبة زوجته في خلع زوجته الآخرى، فإنه جائز، و لكن بناء على ما ذكرنا من عدم المعاوضة في المقام و عدم التقييد في قصد الطلاق يتجه حينئذ الصحة و الالتزام بتدارك الفداء لا البطلان، كما سمعته في نظائره، إذ أقصاه تعذر

38

الفداء، فيتدارك بما عرفت.

و كيف كان ف يصح ال بذل من المكاتبة المطلقة و لو من المال الذي في يدها و لا اعتراض للمولى عليها بلا خلاف أجده، نعم أشكله في المسالك و تبعه غيره بما يأتي في بحث المكاتبة من عدم جواز التصرف المنافي للاكتساب و مسوغ فيه، من غير فرق بين المكاتب المطلق و المشروط.

و يدفعه بعد تسليمه أنه يمكن فرض المقام كذلك و لو بإرادة التكسب بالعقد المنقطع مثلا و فرضه أيضا بأن المبذول مهر المثل فأقل بناء على عدم جواز تكسبها بالأزيد، إذ المراد أن المكاتبة غير الأمة بالنسبة إلى ذلك. فمن الغريب قوله بعد ذلك: «و لو قيل بأن اختلاع المكاتبة مطلقا كاختلاع الأمة كان وجها، لكن لا أعلم به قائلا من أصحابنا، فينبغي التوقف إلى أن يظهر الحال أو وجه الفرق الذي ادعوه» ضرورة كفاية ما ذكرناه فرقا.

نعم قد يناقش فيما جعله واضحا- من قوله و أما المشروطة فكالقن معللا بأنها لا تخلص من محض الرق إلا بأداء جميع المال، فهي قبله بحكم القن- بأن ذلك إذا كان منها للتكسب على الوجه الذي فرضناه يتجه جوازه أيضا و ستعرف تحقيق الحال في ذلك في بحث المكاتبة إنشاء الله.

39

[النظر الثالث في الشرائط]

النظر الثالث في الشرائط و لا خلاف كما لا إشكال في أنه يعتبر في الخالع شروط أربعة:

البلوغ و كمال العقل و الاختيار و القصد سواء قلنا بأنه طلاق أو فسخ ف إنه على كل حال لا يقع مع الصغر و الجنون اللذين قد عرفت الإجماع على سلب عبارة معهما في مثل ذلك. و كذا لا يقع مع الإكراه الذي قد عرفت تحقيق الحال فيه في البيع، بل و في الطلاق و في الفروع المتعلقة به. و لا مع السكر و لا مع الغضب الرافع للقصد كغيره من الإيقاع و المعاوضة، و لا مع الغفلة و السهو و العبث و نحو ذلك مما سمعته في الطلاق الذي قد مر البحث في ذلك فيه و في الرجوع إليه بدعوى عدم القصد و غيره من المباحث، كدعوى الإكراه و نحوه، فلاحظ و تأمل.

و لو خالع ولي الطفل بعوض صح إن لم يكن طلاقا مع المصلحة أو مع عدم المفسدة و بطل مع القول بكونه طلاقا لما عرفته سابقا من عدم صحته من ولي الطفل، بل قد يقال بعدم صحته منه و إن لم نقل: إنه طلاق، باعتبار النصوص (1) التي إن لم نقل أنها لبيان فرديته فلا ريب في أن المراد منها تنزيله منزلته، فيثبت له أحكامه الظاهرة بناء على أن ذلك منها على وجه يشمله إطلاق المنزلة، و لكن قد عرفت أنه من أفراده و إن لم يندرج في تعريفه المعتبر فيه صيغة «أنت طالق» المنزل على أنه للطلاق المقابل للخلع لا له بالمعنى الأعم الشامل له، و حينئذ

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب الخلع و المبارأة.

40

فكل شرط يثبت للطلاق يثبت له، و يزيد بما ستعرفه من اعتبار الكراهة.

و كيف كان ف يعتبر في المختلعة البلوغ و العقل في محكي المبسوط و الجامع، و اختاره في كشف اللثام، لانتفاء الكراهة منها، و عن التحرير لأنه لاحظ لها في إسقاط مالها، و فيه مالا يخفى، و في صريح القواعد و محكي النهاية الجواز، و الظاهر فرضه في حال تحقق الكراهة منهما، ضرورة عدم منافاة حصولها للصغيرة المميز و المجنون الذي يمكن فرض سبق الكراهة منه في حال العقل ثم استمرت إلى حال الجنون، و دعوى عدم اعتبار كراهتهما يدفعها أنه لا دليل على العدم، بل ظاهر الأدلة الشرطية التي هي من أحكام الوضع الشاملة للمكلف و غيره، كالضمان و الحدث و نحوهما، و لعل ذلك هو الظاهر من المصنف، حيث لم يذكرهما في الشرائط، و قد عثرنا على نسخة لكشف اللثام قد غير فيها ما حكيناه عنه أولا، قال: «و هو الوجه في صغيرة لا يتصور الكراهة منها» و هذا منطبق على ما ذكرناه.

و على كل حال فقد ذكر هو و غيره بل لا أجد فيه خلافا بل الإجماع بقسميه عليه أنه لا بد (يعتبر خ ل) في المختلعة أن تكون طاهرا طهرا لم يجامعها فيه إذا كانت مدخولا بها غير صغيرة و لا يائسة و كان حاضرا معها على حسب ما سمعته في الطلاق الذي قد عرفت كون الخلع فردا منه، فكل ما دل على اشتراطه فيه يشترط في الخلع، مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في خبر حمران (1): «لا يكون خلع و لا تخيير و لا مباراة إلا على طهر من المرأة من غير جماع و شاهدين يعرفان الرجل و يريان المرأة و يحضران التخيير و إقرار المرأة أنها على طهر من غير جماع يوم خيرها»

و قول الباقر (2) (عليه السلام): «لا طلاق و لا خلع و لا مباراة و لا خيار إلا على طهر من غير جماع»

و غيرهما من النصوص (3) الدالة على اعتبار ذلك فيه.

و لعله لذا كان المحكي عن الخلاف الاتفاق على اعتبار ذلك فيه، سواء قلنا:

إنه طلاق أو فسخ، و لعله كذلك، نعم عن المراسم «و شروط الخلع و المبارأة شروط

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 6- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 6- من كتاب الخلع و المبارأة.

41

الطلاق إلا أنهما يقعان على كل زوجة» و هو يغطي وقوعهما في الحيض و طهر المواقعة كما في كشف اللثام، لكن عن ابن إدريس يريد أنه بائن لا رجعة مع واحد منهما، سواء كان مصاحبا للطلقة الأولى أو الثانية، قال: «لأنه لما عدد البوائن ذكر ذلك، فالمعنى أنهما يبينان كل زوجة» و في كشف اللثام «حكي عن الراوندي أنه أراد المتمتع بها- و قال-: و هذا خطاء محض، لأن المبارأة لا بد فيها من طلاق، و المتمتع بها لا يقع بها طلاق».

و كذا يعتبر في الخلع أن تكون الكراهية من المرأة خاصة لا منه وحده، فلا يجوز أخذ العوض، و لا منهما فيكون مباراة، و لا خلاف في أصل اشتراط الكراهية، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى استفاضة النصوص (1) أو تواترها في ذلك.

إنما الكلام في الاكتفاء بمطلق الكراهة، كما هو ظاهر المصنف و غيره من المتأخرين، بل هو ظاهر الآية (2) التي جعل المدار فيها على خوف عدم إقامة حدود الله تعالى شأنه، و لا ريب في تحققه معها، أو أن المعتبر إسماع معاني الأقوال المذكورة في النصوص (3) كما هو المحكي عن الشيخ و غيره من المتقدمين، بل عن ابن إدريس «أن إجماع أصحابنا منعقد على أنه لا يجوز الخلع إلا بعد أن يسمع منها مالا يحل ذكره من قولها: «لا اغتسل لك عن جنابة، و لا أقيم لك حدا، و لأوطئنّ فراشك من تكرهه» أو يعلم ذلك منها فعلا».

و الأصل في ذلك

قول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (4): «المختلعة لا يحل خلعها حتى تقول لزوجها و الله لا أبر لك قسما، و لا أطيع لك أمرا، و لا اغتسل

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(3) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

(4) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3 و ذكر ذيله في الباب- 3- منه الحديث 2.

42

لك من جنابة، و لأوطئنّ فراشك من تكرهه، و لآذنن عليك من تكرهه بغير إذنك، و قد كان الناس يرخصون فيما دون هذا، فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حل له ما أخذ منها- إلى أن قال-: يكون الكلام من عندها»

و قوله (عليه السلام) في حسن ابن مسلم (1): «لا يحل له أن يأخذ منها شيئا حتى تقول: و الله لا أبر لك قسما، و لا أطيع لك أمرا، و لآذنن في بيتك بغير إذنك، و لأوطئن فراشك غيرك، فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذ منها»

إلى آخره،

و مضمر سماعة (2) «سألته عن المختلعة، فقال: لا يحل لزوجها أن يختلعها حتى تقول: لا أبر لك قسما، و لا أقيم حدود الله فيك، و لا اغتسل لك من جنابة، و لأوطئنّ فراشك، و لا دخلن بيتك من تكرهه من غير أن تعلم هذا، و لا يتكلمون هم، و تكون هي التي تقول ذلك، فإذا هي اختلعت فهي بائن، و له أن يأخذ من مالها ما قدر عليه»

إلى غير ذلك من النصوص التي ظاهرها ذلك، مؤيدا بأصالة عدم الصحة بدونه.

لكن

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (3): «إذا قالت المرأة لزوجها جملة: لا أطيع لك أمرا مفسرا و غير مفسر حل له أن يأخذ منها، و ليس له عليها رجعة»

و خبر سماعة (4) قال للصادق (عليه السلام): «لا يجوز للرجل أن يأخذ من المختلعة حتى تتكلم بهذا الكلام كله، فقال: إذا قالت: لا أطيع الله فيك حل له أن يأخذ منها ما وجد»

شاهدا عدل على عدم اعتبار تلك الأقوال، مضافا إلى اختلافها في تلك الألفاظ و الإجماع في الرياض، بل قضية جميلة (5) المتقدمة التي هي الأصل في نزول آية الخلع (6) خالية من ذكر الأقوال المزبورة.

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 5 و ذكر ذيله في الباب- 4- منه الحديث 4.

(3) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 1.

(4) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 2.

(5) سنن البيهقي ج 7 ص 313.

(6) سورة البقرة: 2- الآية 229.

43

بل يقوى في النظر من ذلك كله أن المدار على الكراهة، إلا أنها لما كانت لا تعلم غالبا إلا بالقول أو الفعل- بل الأخير منهما لا دلالة فيه غالبا إلا بأن تفعل المخالفة لزوجها- فلم يبق إلا القول الدال على ذلك، كما قالت جميلة زوجة ثابت (1) و إلا فالمدار على المدلول دون الدال، و من هنا اكتفى المصنف و من تأخر عنه- بل في كشف اللثام نسبته إلى الأصحاب- بالكراهة منها، سواء علم ذلك من قولها أو فعلها أو غيرهما، لأن بها يتحقق خوف عدم إقامة حدود الله تعالى فيما بينهما.

و من ذلك يظهر لك النظر فيما في الرياض من عدم الاكتفاء بالكراهة و إن وافق على عدم اعتبار العبارات المخصوصة، لكن قال: «لا بد من الوصول إلى هذا الحد الذي في النصوص، و هو تعديها في الكلام بما يدل على خوف وقوعها مع عدم الطلاق في الحرام» بل قال: لا وجه لإطلاق المتن و غيره الاكتفاء بالكراهة محتجا بظاهر النصوص المزبورة قال: «بل ربما دل بعضها على أن الاكتفاء بأقل من ذلك قول العامة» إلا أنه كما ترى حتى ما ذكره أخيرا، فإن

قوله (عليه السلام) في حسن الحلبي (2): «و قد كان الناس»

إلى آخره ليس إشارة إلى العامة، و إنما المراد حكاية فعل الناس، و أنهم يرخصون بأقل من هذا الكلام المنفر لكل أحد، بل مقتضاه فساد الخلع لكثير من النساء التي تختلع في عصرنا هذا و ما قاربه بمحضر من أعاظم علمائه.

و أغرب منه ما حكاه في الحدائق عمن عاصره من مشايخ بلاد البحرين من اعتبار الكراهة الذاتية، قال: «و قد حضرنا في غير موضع مجلس الخلع، و كان لا يوقعونه إلا بعد تحقيق الحال و مزيد الفحص و السؤال في ثبوت الكراهة الذاتية، و عدم الكراهة العارضة، و السعي في قطع الأسباب الموجبة للكراهة التي تدعيها المرأة، ليعلم

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 313.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3.

44

كونها ذاتية غير عارضية، فإذا تحقق ذلك و علموا أنه لا يمكن رفعها بوجه من الوجوه أوقعوا الخلع بها» و هو من الغرائب التي لا يساعد عليها كتاب و لا سنة و لا فتاوى أصحاب لا في المقام و لا في غيره، بل كلامهم في باب الشقاق بين الزوجين صريح في خلافه، و الله الهادي إلى الصواب.

كما أن كلام المتأخرين مثل المصنف و غيره ظاهر أو صريح في عدم خلاف في المسألة حملا لكلام المتقدمين الذي منه ما سمعته من ابن إدريس على إرادة تحقق الكراهة منها، لا ما فهمه في الرياض من أنه لا بد معها من التعدي في الكلام على وجه يخاف وقوعها مع عدم الطلاق في الحرام.

بل في الحدائق «لم يشترط أحد فيما أعلم ممن تقدم أو تأخر البلوغ إلى هذا الحد المستفاد من هذه الأخبار و توقف الخلع على كلامها بشيء من هذه العبارات» و لعله كذلك، ضرورة استبعاد دعوى اشتراط الاسماع المزبور تعبدا بحيث لا تجزئ الكراهة المتحققة التي يخاف معها من أمثال ذلك، بل يمكن دعوى القطع بعدمه خصوصا بعد ما سمعته (1) من بعض عبارات الأصحاب في المسألة الاتية.

و فرض حصول الكراهة مع الأمن من هذه الأحوال في امرأة لقوة دينها- كما يحكى عن امرأة كانت تحت شخص قد تمرض مرضا شديدا فبالغت في خدمته، فلما بريء أراد جزاءها على ذلك، فقال لها: اقترحي علي جزاء، فقالت له:

اسكت عن هذا الكلام، ثم ألح عليها، فأجابته بأني أريد منك جزائي طلاقى، لأني كارهة لك من أول الأمر، و لكن فعلت ما فعلت خشية من الله تعالى شأنه في التقصير في حقك- مع أنه في غاية البعد- و لذا طلبت المرأة المزبورة أن يكون جزاءها طلاقها مخافة الوقوع في المحرم عليها من ترك حقوق الزوجية- يمكن أن يقال:

إن الشارع اكتفى بالكراهة التي من شأنها وقوع مثل ذلك، فلا ينافي تخلفها في بعض الأفراد النادرة، كما أنه لا يكتفي بالمخالفة و التقصير في حقوق الزوج مع عدم كونه عن كراهة، و لكن لضعف دين أو غيره، فتنقح من ذلك كله أن اعتبار

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية المبيضة و في المسودة «تسمعه» و هو الصحيح.

45

المتأخرين مطلق الكراهة في محله، و لعله مراد المتقدمين أيضا، بقرينة عدم ذكر الخلاف في المسألة، و حينئذ تكون الكلمة متفقة على ذلك.

و كيف كان ف لو قالت: لأدخلن عليك من تكره لم يجب خلعها للأصل، و ظاهر نفي الجناح و الحل في الكتاب (1) و السنة (2) بل لا دليل في شيء منهما على استحبابه و إن قال المصنف و غيره يستحب إلا أنه- للتسامح فيه- يمكن أن يكون وجهه الخروج من شبهة الخلاف و لما أرسله في المتن من أن فيه رواية بالوجوب و إن كنا لم نقف عليها كما اعترف به غيرنا أيضا، إلا أنه لا ينافي ذلك الاستدلال على الندب المتسامح فيه بها.

و من ذلك يظهر لك ضعف المحكي عن الشيخ و القاضي و جماعة من القول بالوجوب إذا قالت ذلك أو خيف عليها الوقوع في المعصية، استنادا إلى أن ذلك منكر منها و النهي عن المنكر واجب، و إنما يتم بالخلع.

و رده في المسالك و تبعه عليه غيره بمنع انحصار النهي في الخلع، بل تأدية بالطلاق المجرد من البذل أقرب إليه و أنسب بمقام الغيرة و النخوة من مراجعتها على بذل المال الحقير.

و فيه (أولا) منع كون القول نفسه من دون تعقبه بفعل منها منكرا.

و (ثانيا) منع وجوب الفراق عليه فضلا عن الخلع و إن أصرت هي على فعل الحرام، إذ الواجب من النهي عن المنكر القول أو الفعل الذي لا يستلزم فوات حقه، و إلا لوجب عليه تحرير العبد المصر على ترك طاعة سيده، و هو معلوم البطلان إذ لا يجب على الغير رفع يده من ماله أو حقه مقدمة لخلاص الآخر عن الحرام القادر على تركه بدون ذلك.

هذا و ظاهر القواعد بل و المتن و النافع اختصاص الخلاف في ذلك فيما لو

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229.

(2) الوسائل الباب- 1- من كتاب الخلع و المبارأة.

46

قالت القول المزبور، و المحكي عن الشيخ «و إنما يجب الخلع إذا قالت المرأة لزوجها إني لا أطيع لك أمرا، و لا أقيم لك حدا، و لا أغسل لك من جنابة، و لأوطئن فراشك من تكرهه إن لم تطلقني، فمتى سمع منها هذا القول أو علم من حالها عصيانه في شيء من ذلك و إن لم تنطق به وجب عليه خلعها».

و عن ابن إدريس حمله على تأكد الاستحباب قال: «و إلا فهو مخير بين خلعها و طلاقها و إن سمع منها ما سمع بغير خلاف، لأن الطلاق بيده، و لا أحد يجبره على ذلك».

و عن ابن زهرة «و أما الخلع فيكون مع كراهة الزوجة خاصة، و هو مخير في فراقها إذا دعته إليه حتى تقول له: لئن لم تفعل لأعصين الله بترك طاعتك، و لأوطئن فراشك غيرك، أو يعلم منها العصيان في شيء من ذلك، فيجب و الحال هذه طلاقها».

و عن ابن حمزة «و ما يوجب الخلع أربعة أشياء: قول من المرأة أو حكمه، فالقول أن تقول: أنا لا أطيع لك أمرا، و لا أقيم لك حدا، و لا اغتسل لك من جنابة، و لأوطئنّ فراشك من تكرهه، و الحكم أن يعرف ذلك من حالها» و الأمر في ذلك سهل بعد ضعف القول المزبور على كل حال.

و يصح خلع الحامل مع رؤية الدم كما يصح طلاقها و لو قيل إنها تحيض لأنها إحدى الخمس التي يطلقن على كل حال، و قد عرفت أن الخلع طلاق أو كالطلاق في الأحكام، مضافا إلى

خبر زرارة و محمد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الخلع تطليقة بائنة و ليس فيه رجعة، قال زرارة: لا يكون إلا على مثل موضع الطلاق، إما طاهرا و إما حاملا بشهود»

فما عن بعض الأصحاب- من أنها إن حاضت لم يجز خلعها و إن جاز طلاقها- واضح الضعف و إن قيل: إنه مبنى على كونه فسخا مع عموم ما سمعته من الخبرين (2) لكنه كما ترى.

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 6.

(2) الوسائل الباب- 6- من كتاب الخلع و المبارأة الحديث 3 و 4.

47

و كذا التي لم يدخل بها و لو كانت حائضا، و تخلع اليائسة و أن وطأها في طهر المخالعة.

و يعتبر في العقد حضور أي شهادة شاهدين دفعة بمعنى سماعهما صيغة العقد على نحو ما سمعته في الطلاق الذي قد عرفت أن الخلع بإيجابه و قبوله فرد منه، بل إن لم نقل أنه فرد منه يعتبر فيه ذلك لإطلاق المنزلة، و النصوص (1) الخاصة التي مر عليك بعضها، فلا إشكال في المسألة و حينئذ ف لو افترقا لم يقع لكن في المسالك «و اعلم أن إثبات هذا المطلوب من النصوص على القول بكونه فسخا لا يخلو من إشكال، و لعل الاستناد إلى الإجماع أسهل» و فيه ما لا يخفى.

و يعتبر فيه أيضا تجريده عن شرط يقتضي تعليقه، للأدلة التي سمعتها في الطلاق و غيره، فما في المسالك من أن دليله غير صالح، و عموم الأدلة على مشروعيته يتناول المشروط، و ورود النص (2) بجواز تعليق الظهار على الشرط يؤنس كونه غير مناف للصحة في الجملة قد عرفت ما فيه في الطلاق، فلا حاجة إلى إعادته، و كفى بالإجماع المحقق هنا دليلا.

و يصح الخلع من المحجور عليه لتبذير أو فلس بلا خلاف بل و لا إشكال، لإطلاق الأدلة و عمومها السالمة عن معارضة الحجر الذي لا ينافي ذلك، سواء أذن الولي أم لم يأذن، و سواء كان العوض بقدر مهر المثل أو دونه، فان ذلك لا يزيد على الطلاق مجانا الذي هو نافذ منهما، لعدم منافاته للحجر في المال، فما عساه يظهر من قواعد الفاضل- من اعتبار كون المبذول عوض المثل، و عن التذكرة التردد في ذلك- في غير محله، لعدم الدليل على الحجر عليه في ذلك، بل ظاهر الأدلة خلافه.

نعم لا يجوز للمرأة تسليم المال إلى السفيه، بل تسلمه إلى الولي، فإن سلمته إلى السفيه و كان الخلع على عين أخذه الولي من يده، فان تلفت في يد السفيه قبل

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من كتاب الخلع و المبارأة.

(2) الوسائل الباب- 16- من كتاب الظهار.

48

علم الولي بالحال ففي المسالك و غيرها «رجع على المختلعة بمثلها أو قيمتها، لحصول التلف قبل قبض المستحق للقبض، و لو علم و تركها في يده حتى تلفت مع تمكنه من قبضها ففي ضمان الولي أو الدافع وجهان، أجودهما الثاني و إن أثم الولي بتركها في يده.

و إن كان الخلع على دين رجع الولي على المختلعة بمثله، لأنه لم يجر قبض صحيح تحصل به البراءة، و تسترد المختلعة من السفيه ما سلمته إليه، فإن تلف قبل رده ففي ضمانه له وجهان تقدما في بابه، و لا ضمان هنا على الولي و إن أمكنه انتزاعه منه بغير إشكال، لأنه ليس عين الحق. هذا كله إذا كان التسليم إلى السفيه بغير إذن الولي، فإن كان بإذنه ففي الاعتداد به وجهان: من أنه تسليم مأذون فيه ممن له الولاية فكان مبرئا، و من الشك في نفوذ مثل هذا الإذن إذ ليس للولي أن يفوض إلى السفيه الأمر في ماله إلا أن يفرض مراعاته له بحيث لا يخرج عن يده، فيتجه البراءة، و هذا التفصيل حسن، و أطلق في القواعد البراءة مع إذنه، و لا يخلو من إشكال».

قلت: قد تقدم تحقيق الحال في تصرفات السفيه في بابه، لكن المتجه هنا ضمان السفيه ما دفعته إليه، إذ ليس هو كالمجنون الذي يكون الدافع إليه أقوى في الإتلاف، لأنه عاقل، و قد دفع إليه المال على وجه مخصوص لا مجانا، فلا ريب في أنه أقوى من السبب، و من هنا كان المحكي عن التذكرة نفى البأس عن التضمين مطلقا بعد فك الحجر عنه.

و حينئذ فما في القواعد نحو ما سمعته من المسالك- من أنه ليس لها الرجوع على السفيه بعد فك الحجر عنه، لأنها سلطته على إتلافه بتسليمه- لا يخلو من نظر خصوصا مع الجهل بحاله، بل قد يقال: لها المطالبة لوليه بذلك قبل فك الحجر عنه، بل قد يقال بحصول التهاتر قهرا معها، لاشتغال ذمته لها بما اشتغلت ذمتها له، و بذلك يظهر لك أن ما في المسالك و كشف اللثام تبعا للقواعد لا يخلو من غبار فتأمل، هذا

49

كله في الخالع إذا كان سفيها أو مفلسا.

أما المختلعة السفيهة فلا ريب في فساد بذلها بدون إذن الولي كما في القواعد و غيرها، و كذا المفلسة مع فرض بذلها شيئا مما تعلق به حق الغرماء، نعم لو بذلت شيئا في ذمتها صح، بل قد يقال بصحة ذلك في السفيهة أيضا على وجه تتبعه به بعد فك الحجر عنه كالأمة.

و كذا يصح الخلع من الذمي بل و الحربي بلا خلاف و لا إشكال لإطلاق الأدلة و عمومها، بل لو كان البذل خمرا أو خنزيرا صح معاملة لهم بدينهم و إن لم يجز بين المسلمين نعم لو أسلما أو أحدهما قبل الإقباض ضمنت القيمة عند مستحليه للتعذر الشرعي المنزل منزلة التعذر الحسي، و قد يحتمل سقوط حقه منه لو كان المسلم هو، كما سمعت حكاية المصنف له قولا فيما لو أسلمت قبل قبض المهر و كان خمرا.

و لو ترافعا إلينا و كان الخلع بعوض صحيح قبل الإسلام أو بعده منهما أو من أحدهما قبل القبض أو بعده كلا أو بعضا أمضاه الحاكم و إن كان العوض فاسدا.

ثم إن ترافعا بعد التقابض فلا اعتراض و إن كان قبله لم يأمر الحاكم بقبضه، بل يوجب عليهما القيمة، و كذا لو أسلما ثم تقابضا ثم ترافعا أبطل القبض، و لا شيء عليهما إلا إذا كانا علما الحرمة، فيعزرهما كما عن المبسوط.

و كيف كان ف الشرط الذي يتوقف صحة الطلاق الخلعي على تجرده منه إنما يبطل إذا لم يقتضه العقد، فلو قال: فان رجعت رجعت لم يبطل ب هذا الشرط، لأنه مقتضى الخلع، و كذا لو شرطت هي الرجوع في الفدية الذي هو لها شرطت أو لم تشرط، بل في المسالك «الضابط في كل شرط لا يصح تعليق العقد عليه هو الشرط الخارج عن مقتضى العقد، فلو شرط ما هو مقتضاه- بمعنى أن مضمونه يتناوله العقد و إن لم يشترط- لم يضر و كان ذلك بصورة الشرط لا بمعناه، كقوله: إن رجعت في البذل رجعت في الطلاق، فان ذلك أمر ثابت مترتب على صحة الخلع شرط أم لم يشرط، و كذا قولها: على أن لي الرجوع فيه في العدة

50

و نحو ذلك» و قد تبعه غيره على هذا الكلام.

لكنه لا يخلو من غبار، ضرورة أنه إن كان المراد من الشرط في المقام هو ما يلزم به نحو الشرائط الإلزامية في العقود فهو خارج عما نحن فيه من الشرط التعليقي الذي قد تقدم اعتبار تجرد الطلاق عنه، و إنما هي مسألة أخرى لا مدخلية لها في اشتراط مقتضى العقد و عدمه، بل مبناها على قابلية الطلاق بل و غيره من الإيقاعات للشرائط الإلزامية على نحو العقود أو خصوص الخلع منه باعتبار مشابهته للعقد،

لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)

و عدمها إلا ما دل عليه الدليل في العتق، و لعل الأقوى عدم قبول الإيقاع و خصوص الطلاق الذي هو بمنزلة الإقالة في العقود و الفسخ بالعيب و نحوه حتى الخلع منه للشرط بالمعنى المزبور، و ذلك لأن الإيقاع معنى متحد يتحقق بانتهاء صيغته، و ليس هو كالعقد المركب من القصدين الذي يقع القبول فيه لما يذكر في الإيجاب من العوض و الشرط و غيرهما، و من هنا يتسلط على الفسخ بعدم الوفاء بالشرط في العقد، باعتبار كون المراد عند التحليل عدم الالتزام بالعقد إذا لم يحصل الشرط الذي هو فيه جزء من العوض أو المعوض، و هذا المعنى لا يمكن التزامه في الإيقاع، خصوصا في مثل الطلاق الذي هو بمنزلة الفسخ بالعيب و نحوه حتى الخلع منه، بناء على ما عرفت من عدم إرادة المعاوضة الحقيقية فيه. و على كل حال فهذه مسألة خارجة عما نحن فيه.

و إن كان المراد بالشرط هنا هو الذي يقتضي تعليق إنشاء الإيقاع، فتحقيق الحال فيه أن الإجماع بقسميه على اعتبار التنجيز في العقد و الإيقاع، و لا ريب في منافاة التعليق له، و قد ذكرنا في السابق أن وجه البطلان في المقتضى تأخير الأثر- سواء كان على أمر محتمل أو متيقن الحصول- هو منافاته لمقتضى التسبيب المستفاد من أدلة شرعية هذه الأسباب.

و أما لو علق على أمر مقارن كقول: «أنت طالق إن كانت الشمس طالعة»

____________

(1) الوسائل الباب- 20- من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.