جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج36

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
512 /
7

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

و الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين.

[القسم الرابع في الأحكام]

القسم الرابع من الأقسام التي بني عليها الكتاب في الأحكام، و هي اثنا عشر كتابا.

[كتاب الصيد و الذباحة]

كتاب الصيد و الذباحة أي كتاب التذكية بالصيد و الذباحة التي هي أعم من النحر، فيراد من الصيد حينئذ بقرينة الذباحة خصوص ما كان تذكية منه، فان له معنيين: أحدهما إثبات اليد على الحيوان الممتنع بالأصالة، و الثاني إزهاق روحه بالآلة المعتبرة فيه من غير ذبح، و كلاهما مباحان كتابا و سنة و إجماعا بقسميه عليه، بل ضرورة من المذهب أو الدين.

قال اللّه تعالى شأنه «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّارَةِ، وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» (1). «وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا» (2). «وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ» (3).

و أما السنة فهي متواترة (4) أو مقطوعة المضمون بأعلى مراتب القطع، و سيمر عليك جملة منها في أثناء المباحث إنشاء اللّه.

____________

(1)) سورة المائدة: 5- الآية 96.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 2.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(4) الوسائل- الباب- 1- و غيره- من أبواب الصيد.

8

و على كل حال فالمراد بالصيد هنا ما عرفت قبل، و هو غير العنوان المعروف بين الفقهاء حتى المصنف في النافع «كتاب الصيد و الذبائح المراد منه- كما في المسالك- معنى المصيد لا نفس الحدث الذي هو التذكية المذكورة بقرينة «الذبائح» فإنها جمع «ذبيحة» بمعنى أنها قد تذبح (مذبوحة خ ل) فيكون الكتاب معقودا لبيان الحيوان القابل للتذكية، لا لنفس التذكية، و هذا أقعد و أنسب بالمقصود».

قلت: يمكن أن يراد هذا المعنى أو ما يقرب منه من عنوان المتن، و ذكر الذباحة لا يقتضي خصوص التذكية الصيدية منه، و الأمر سهل.

[أما الصيد]

و كيف كان ف النظر في الصيد يستدعي بيان أمور ثلاثة:

[الأمر الأول فيما يؤكل صيده]

الأول فيما يؤكل صيده و إن قتل بعقر و نحوه و يختص من سائر أفراد الحيوان التي يصطاد بها بالكلب المعلم دون غيره من جوارح السباع و الطير على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة يمكن دعوى تحصيل الإجماع معها، بل عن الانتصار و الخلاف و الغنية و السرائر و ظاهر سلم المبسوط الإجماع على ذلك.

مضافا إلى النصوص المستفيضة المعمول عليها بين الأصحاب قديما و حديثا، ك

خبر أبي بكر الحضرمي (1) المروي في الكافي و التهذيب و تفسير علي بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سأله عن صيد البزاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصيد- الحديث 3.

9

و الصقورة و الكلب و الفهد؟ قال: لا تأكل صيد شيء من هذه إلا ما ذكيتموه إلا الكلب المكلب، قلت: فان قتله، قال: كل، لأن اللّه عز و جل يقول وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ. فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ» مع زيادة في الأخير «كل شيء من السباع تمسك الصيد على نفسها إلا الكلاب المعلمة، فإنها تمسك على صاحبها» (1).

و في صحيح الحذاء (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث:

«ليس شيء (يؤكل منه خ) مكلب إلا الكلب».

و في خبر زرارة (3) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث إنه قال:

«و أما خلاف الكلاب مما يصيده الفهود و الصقور و أشباه ذلك فلا تأكل من صيده إلا ما أدركت ذكاته، لأن اللّه عز و جل قال مُكَلِّبِينَ، فما كان خلاف الكلاب فليس صيده بالذي يؤكل، إلا أن تدرك ذكاته»

و غيرها من النصوص.

خلافا لابن أبي عقيل الذي استقر الإجماع بعده، بل لعله كذلك قبله، فأباح صيد غير الكلب من السباع المعلمة غير جوارح الطير، كالفهد و النمر و غيرهما و إن لم تدرك ذكاته، و لم أجد له دليلا على ذلك، فضلا عن كونه مقاوما لما عرفت.

و حينئذ فلو اصطاد بغيره كالفهد و النمر أو غيرهما من السباع لم يحل منه و إن كانت معلمة إلا ما يدرك ذكاته.

و كذا لو اصطاد بالبازي و العقاب و الباشق و غير ذلك من جوارح الطير معلما كان أو غير معلم نعم في جملة من النصوص حل الصيد بجوارح الطير كالباز و الصقر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الصيد- الحديث 3.

10

ك

خبر أبي مريم الأنصاري (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصقورة و البزاة من الجوارح هي؟ قال: نعم هي بمنزلة الكلاب».

و خبر عبد اللّه بن خالد بن نصر المدائني (2) « (أسألك خ) جعلت فداك البازي إذا أمسك صيده و قد سمي عليه فقتل الصيد هل يحل أكله؟

فكتب (عليه السلام) بخطه و خاتمه: إذا سميت (سميته خ ل) أكلته»

و غيرهما.

إلا أنها معارضة بغيرها من النصوص (3) الدالة على العدم، و أنه لا يحل من ذلك إلا ما أدركت ذكاته، بل يمكن دعوى القطع بها خصوصا بعد الاعراض عن هذه و العمل بتلك على وجه لم ينسب إلى أحد منا القول بذلك، فالمتجه حينئذ طرحها أو تأويلها بما لا ينافي تلك النصوص، أو حملها على التقية، كما صرح به في بعض النصوص أيضا.

قال أبان بن تغلب (4): «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان أبي يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي و الصقر فهو حلال، و كان يتقيهم، و أنا لا أتقيهم، و هو حرام ما قتل».

و قال الحلبي (5): «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كان أبي يفتي و كنا نفتي نحن و نخاف في صيد البزاة و الصقور، فأما الآن فلا نخاف، و لا نحل صيدها إلا أن تدرك ذكاته، و أنه لفي كتاب اللّه، إن اللّه قال: وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ، فسمى الكلاب».

و في أخرى (6) كون الفهد كالكلب في حل ما قتله، و ظاهرها

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصيد- الحديث 17.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصيد- الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصيد.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصيد- الحديث 12.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصيد- الحديث 3 مع اختلاف في اللفظ، و ذكره بعينه في الاستبصار ج 4 ص 73- الرقم 266.

(6) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الصيد.

11

اختصاص الحل فيهما، و هو لا يقول به، بل ربما احتمل كون الفهد من الكلب موضوعا بناء على أنه- كما عن القاموس- كل سبع، بل مقتضاه إدراج غيره فيه أيضا، لكن المعروف لغة و عرفا خلافه، ضرورة كون الكلب عبارة عن الحيوان المخصوص النابح، كما اعترف به بعض أهل اللغة.

و حينئذ فليس في شيء من النصوص على كثرتها ما يوافق ما ذكره ابن أبي عقيل و نصوص التسوية بين الفهد و الكلب لا بد من طرحها أو حملها على التقية أو غير ذلك مما لا ينافي. و بذلك كله ظهر لك أنه لا إشكال بحمد اللّه في المسألة.

نعم لا فرق في الكلاب بين السلوقي و غيره و الكردي و غيره و الأسود و غيره، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد، فحرم صيد الكلب الأسود البهيم ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (1): «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الكلب الأسود البهيم لا تأكل صيده، لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أمر بقتله»

الذي ينبغي حمله على الكراهة، لضعفه عن مقاومة عموم الكتاب و السنة و إجماع الأصحاب على حل صيد الكلب المعلم مطلقا، و المخالف شاذ معلوم النسب، مسبوق بالإجماع و ملحوق به، فلا عبرة بخلافه، نحو ما سمعته من ابن أبي عقيل، و اللّه العالم. هذا كله في صيد الحيوان.

و أما الصيد بغيره من الجمادات ف يجوز الصيد (الاصطياد خ ل) بالسيف و الرمح و السهام و كل ما فيه نصل بلا خلاف على ما حكاه بعض، بل عن آخر دعوى الإجماع عليه و إن كان قد يناقش الأول بأن المحكي عن الديلمي اشتراط التذكية في الصيد بالثلاثة و إن قال

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصيد- الحديث 2.

12

في الرياض: «إن عبارته المحكية عنه في المختلف توهم ذلك (و إن أوهمتها خ ل) إلا أنها كالصريحة في الموافقة للأصحاب في (من خ ل) الإباحة بدون التذكية، لكن مع الكراهة».

إلا أن عبارته هذه: «الصيد على ضربين: أحدهما يؤخذ بمعلم الكلاب أو الفهد أو الصقر أو البازي أو النشاب أو الرمح أو السيف أو المعراض أو الحبالة أو الشبك، و الآخر ما يصاد بالبندق و الحجارة و الخشب، و الأول كله إذا لحق منه ذكاته حل إلا ما يقتله معلم الكلاب فإنه حل أيضا، فإن أكل منه الكلب نادرا حل، و إن اعتاد الأكل لم يحل منه إلا ما يذكى، و الثاني لا يؤكل إلا ما يلحق ذكاته، و هو بخلاف الأول، لأنه يكره، و قد روي تحريم ما يصاد بقسي البندق (1) و قد روي (2) جواز أكل ما قتل بسيف أو سهم أو رمح إذا سمى القاتل».

و أولها و آخرها ظاهر في صدق الحكاية عنه، كما اعترف به في المختلف، نعم قوله: «بخلاف الأول، لأنه يكره» يخالفها، لكنه يقتضي خلافا آخر لم يحك عنه، و هو كراهة ما يقتل بالقسم الأول الذي منه الحبالة و الشبك و الصقر و البازي، و كيف كان فعبارته غير نقية.

و بأن المحكي عن أبي الصلاح (3) أنه لا يحل اصطياد الطير بغير النشاب حيث عد في الكافي قتل صيد الطير بغير النشاب من المحرمات، و نحوه ابن زهرة، بل ادعى الإجماع على ذلك، قال: «و لا يحل أكل ما قتل من صيد الطير بغير النشاب و لا به إذا لم يكن فيه حديد بدليل ما قدمناه» و أشار بذلك إلى الإجماع و طريقة الاحتياط، قال: «و ما عدا الطير من

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد.

(3) هذه الجملة عطف على قوله (قده) المتقدم في ص 11: «بأن المحكي عن الديلمي».

13

صيد البر يحل ما قتل منه بسائر السلاح و إن قتله بالعقر في غير الحلق و اللبة من بدنه بلا خلاف» بل ربما حكي ذلك أيضا عن ابن إدريس و إن كنا لم نتحققه.

نعم لا ريب في ضعف الجميع و مخالفتها لعموم النص و الفتوى من غير معارض،

قال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن قيس (1): «من جرح صيدا بسلاح و ذكر اسم اللّه عليه ثم بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع و قد علم أن سلاحه هو الذي قتله فليأكل منه إن شاء».

و عن الصدوق روايته بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) (2).

و قال (عليه السلام) أيضا في صحيح ابن مسلم (3): «كل من الصيد ما قتل السيف و الرمح و السهم».

و في صحيح الحلبي (4) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصيد يضربه الرجل بالسيف أو يطعنه بالرمح أو يرميه بالسهم فيقتله و قد سمى حين فعل، فقال: كل، لا بأس به».

و في خبر علي بن جعفر (5) عن أخيه موسى (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد «سألته عن رجل لحق حمارا أو ظبيا فضربه بالسيف و قطعه نصفين، هل يحل أكله؟ قال: نعم إذا سمى»

و قال أيضا (6): «سألته عن رجل لحق صيدا أو حمارا فضربه بالسيف فصرعه أ يؤكل؟

فقال: إذا أدرك ذكاته أكل، و إن مات قبل أن يغيب عنه أكله»

إلى

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) أشار إليه في الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 1 و ذكره في الفقيه ج 3 ص 204- الرقم 930.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 5.

14

غير ذلك من النصوص التي سيمر عليك جملة منها.

نعم لا فرق بين أنواع آلات الصيد (الاصطياد خ ل) من الثلاثة و غيرها مما يدخل تحت اسم السلاح كالخنجر و السكين و غيرهما مما فيه نصل حتى العصا الصغيرة التي في طرفها حديدة محددة.

بل الظاهر دخول ما يتجدد من أنواع السلاح إذا كان بالوصف المذكور الذي يقطع بحدة أو يشاك به، و إن احتمل الأردبيلي الاختصاص بالرمح المتعارف و السهم كذلك إلا أن الظاهر خلافه.

بل قد يحتمل القول بحل الصيد بآلات الحديد كالمخيط و الشك (1) و السفود و إن لم يستعمل سلاحا في العادة، لقوة الظن بإرادة ما يشمل ذلك من النصوص المزبورة، بل

صحيح حريز (2) منها شامل لغير ذلك قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرمية يجدها صاحبها من الغد أ يؤكل؟ فقال: إن كان يعلم أن رميته هي التي قتلته فليأكل، و ذلك إذا كان قد سمى».

اللهم إلا أن يكون المراد منه الرمية بالسهم، بل لعله الظاهر، و حينئذ فلا دليل على حل الصيد بها خصوصا بعد أصالة عدم التذكية و قول الباقر (عليه السلام) (3): «من جرح صيدا بسلاح»

في الخبر السابق الظاهر في كون ذلك شرطا، بل المتجه جعل المدار على ذلك.

نعم في الكفاية «في حل الصيد في مثل الآلة الموسومة بالتفنك المستحدثة في قرب هذه الأعصار تردد، و لو قيل بالحل لم يكن بعيدا لعموم

____________

(1) جاء في هامش المخطوط تفسيرا للشك هكذا «هو المسمى بالفارسية: دوك».

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 1.

15

أدلة الحل، و دخوله تحت عموم

قول أبي جعفر (عليه السلام) (1): «من قتل صيدا بسلاح».

و أخبار البندقة مصروفة إلى المعروف في ذلك الزمان. و يؤيده ما

ورد في الحديث (2) «أنها لا تصيد صيدا و لا تنكأ عدوا، و لكنها تكسر السن و تفقأ العين».

و فيه أنها غير نوع السلاح المتعارف، بل هي إن لم تدخل في البنادق السابقة فلا إشكال في اقتضاء فحوى النصوص المستفيضة (3) المتضمنة للنهي عن أكل ما يقتل بها و بالحجر اتحادها معها في الحكم، و إطلاق اسم السلاح عليها باعتبار أنها آلة يقتل بها- كالعمود من حديد و العصا و نحوهما- لا يقتضي إثبات الحكم المزبور، خصوصا بعد أصالة عدم التذكية، بل في الرياض أصالة الحرمة المستفادة من الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة الدالة عليها في الصيد الذي لم يعلم إزهاق روحه بالآلة المعتبرة و إن كانت له جارحة.

منها

الصحيحان (4) «عن الرمية يجدها صاحبها أ يأكلها؟ قال:

إن كان يعلم أن رميته هي التي قتله فليأكل»

و نحوهما

الموثق (5) بزيادة «و إلا فلا يأكل منه».

و في الصحيح (6) «صيد وجد فيه سهم و هو ميت لا يدري من قتله، قال: لا تطعمه»

و إن كان قد يناقش بأن أقصاها الدلالة على عدم الحل مع الشك في تحقق التذكية المعلومة، لا الدلالة على عدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 1 و فيه «من جرح صيدا.».

(2) سنن البيهقي- ج 9 ص 248.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 1 و 2.

(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصيد- الحديث 1.

16

حصولها بمثل الصيد بغير السلاح المعهود.

و بالجملة قد عرفت أن مقتضى

قول الباقر (عليه السلام) (1): «من جرح صيدا بسلاح»

الى آخره اعتبار الجرح بالسلاح في الحل، و الظاهر إرادة السلاح المعهود.

نعم لا بأس بما يتجدد من نوعه و إن اختلفت الهيئة، و لكن هو إما قاطع بحدة أو شاك به، بخلاف مثل بندق التفنك و عمود الحديد غير المحدد، إلا أن الظاهر عدم اعتبار كونه ذا نصل، كما عساه يظهر من المصنف و غيره، بل يكفي فيه كونه مصنوعا قاطعا بنفسه أو شاكا كذلك مما هو سلاح و إن لم يتلبس بعود و نحوه.

و هل يعتبر كونه من الحديد أو يكفي فيه غيره كالذهب و الفضة؟

الظاهر الثاني مع فرض عده سلاحا عرفا و اتخاذه على نوع السلاح المعهود من القطع بحدة أو الوخز به، لكن ستعرف اعتبار الحديد مع الاختيار في الذبح و النحر و إجزاء غيره مع عدمه و لو خشبة أو عظما، بل و السن و الظفر على الأصح و إن كانا متصلين إلا أنه لم يثبت اتحاد هذا النوع من التذكية مع النوع الآخر في ذلك، و لذلك اكتفي فيه بالمعراض و السهم و إن لم يكن فيه حديدا ذا خرق مع الاختيار و لم يجز فيها.

نعم قد يقال: إن المعهود من السلاح الحديد، فتصرف اليه الإطلاقات، و يبقى غيره على أصالة عدم التذكية إلا إذا خرق، إلحاقا له بالمعراض و نحوه مما ثبت بالأدلة، و لا ريب في أنه أحوط، و اللّه العالم.

و كيف كان ف لو أصاب معترضا السهم أو الرمح أو غيرهما مما هو سلاح فقتل حل بلا خلاف أجده فيه نصا

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 1.

17

و فتوى،

قال الحلبي في الصحيح (1): «سألت الصادق (عليه السلام) عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضا فيقتله، و قد كان سمى حين رمى و لم تصبه الحديدة، قال: إن كان السهم الذي أصابه هو الذي قتله فإذا أراده فليأكله» و عن الكليني روايته «فإذا رآه فليأكله».

و على كل حال هو دال على المقصود و إن كان الثاني موافقا ل

خبره الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (2) قال: «سألته عن الصيد يصيبه السهم معترضا و لم يصبه بحديدة، و قد سمى حين رمى، قال: يأكل إذا أصابه و هو يراه، و عن صيد المعراض، قال: إن لم يكن له نبل غيره و كان قد سمى حين رمى فليأكل منه، و إن كان له نبل غيره فلا».

و كذا لا خلاف في أنه يؤكل ما قتله المعراض (بالمعراض خ ل) الذي هو- كما قيل- خشبة لا نصل فيها إلا أنها محددة الرأس ثقيلة الوسط إذا خرق اللحم، و كذا السهم الذي لا نصل فيه إذا كان حادا فخرق اللحم

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي عبيدة (3): «إذا رميت بالمعراض فخرق فكل، فان لم يخرق و اعترض فلا تأكل».

نعم في جملة من النصوص تفصيل في المعراض و غيره مما لا نصل فيه، لكن لم أجد قائلا به، منها ما سمعته في خبر الحلبي السابق (4) و نحوه ما في صحيحه الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (5) «أنه سئل عما صرع المعراض من الصيد، فقال: إن لم يكن له نبل غير المعراض و ذكر اسم اللّه عليه فليأكل ما قتل، و إن كان له نبل غيره فلا».

و في خبر زرارة و إسماعيل الجعفي (6) أنهما سألا أبا جعفر (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 5.

18

«عما قتل المعراض، قال: لا بأس إذا كان هو مرماتك أو صنعته لذلك».

و في خبر زرارة (1) «أنه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

فيما قتل المعراض لا بأس به إذا كان إنما يصنع لذلك».

قال: «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إذا كان ذلك سلاحه الذي يرمي به فلا بأس» (2).

و في المرسل عن علي (عليه السلام) (3) «في رجل له نبال ليس فيها حديد، و هي عيدان كلها، فيرمي بالعود فيصيب وسط الطير معترضا فيقتله، و يذكر اسم اللّه و إن لم يخرج دم، و هي نبالة معلومة فيأكل منه إذا ذكر اسم اللّه عز و جل».

و الجميع كما ترى لا أجد أحدا من الأصحاب اعتبر ما فيها، فالمتجه حينئذ تنزيله على ما اتفقت عليه كلمة الأصحاب مما سمعته، و هو الحل باعتراض ذي النصل و إن لم تصبه الحديدة، و بخرق غيره إذا لم يكن فيه نصل، أو طرحه أو غير ذلك، على أن متن الأخير منها كما سمعت غير نقي، و اللّه العالم.

و كيف كان فلا خلاف نصا و فتوى كتابا (4) و سنة (5) في أنه يشترط في الكلب لإباحة ما يقتله أن يكون معلما بل هو

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 7. و ظاهر العبارة هنا أن هذا من تتمة الخبر السابق، و الضمير في «قال» يرجع إلى أبي جعفر (عليه السلام)، إلا أن الأمر ليس كذلك، بل هو مرسل مستقل كما جعل بينهما فصلا في الفقيه ج 3 ص 203.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 6.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(5) الوسائل- الباب- 1 و 3- من أبواب الصيد.

19

مجمع عليه، و المرجع في صدق ذلك الى العرف.

و لا ريب في أنه يتحقق ذلك عرفا بشروط ثلاثة: الأول أن يسترسل إذا أرسله بمعنى أنه متى أغراه بالصيد هاج عليه إذا لم يكن له مانع.

و الثاني أن ينزجر بزجره (إذا زجره خ ل) كما أطلقه غير واحد، إلا أنه يمكن تنزيله على ما في التحرير و الدروس بل و المسالك من تقييده بما إذا لم يكن بعد إرساله على الصيد، فلا يقدح عدم انزجاره بعده، لأنه من الفروض النادرة، بل قل ما يتحقق التعليم بهذا الوجه، فلو كان معتبرا لزم سقوط الانتفاع بصيده، مضافا إلى عدم منافاة مثل ذلك للتعليم عرفا.

و الثالث أن لا يأكل ما يمسكه على وجه الغلبة و الاعتياد فإن أكل نادرا لم يقدح في إباحة ما يقتله كما هو المشهور بين الأصحاب القدماء و المتأخرين، بل عن ظاهر الغنية الإجماع عليه، بل في المختلف بعد أن حكى عن الصدوقين و ابن أبي عقيل حل صيد الكلب أكل منه أو لم يأكل قال: «و هذا ليس مشهورا على إطلاقه، لأن عند علمائنا أنه إن كان يعتاد أكل الصيد لم يجز أكل ما يقتله و إن أكل نادرا جاز» بل في الدروس احتمال تنزيل كلام المخالف على الندرة، و حينئذ فيرتفع الخلاف في المسألة.

و كيف كان فقد احتج للتحريم بالأصل و عدم صدق اسم المعلم مع اعتياد الأكل، و قوله تعالى (1) «فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» و لا يتحقق الإمساك علينا مع اعتياد الأكل كما يكشف عن ذلك

صحيحة

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

20

رفاعة (1) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب يقتل، فقال: كل، فقلت: أكل منه، فقال: إذا أكل منه فلم يمسك عليك، و إنما أمسك على نفسه».

و خبر محمد (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عما قتل الكلب و الفهد؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): الكلب و الفهد سواء، فإذا هو أخذه فأمسكه فمات و هو معه فكل، فإنه أمسك عليك، و إذا أمسكه و أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه»

و هما حجة أخرى أيضا.

مضافا إلى

موثق سماعة بن مهران (3) قال: «سألته عما أمسك عليه الكلب المعلم للصيد، و هو قول اللّه وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ (4) قال: لا بأس أن تأكلوا مما أمسك الكلب ما لم يأكل الكلب منه، فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه».

لكن في مقابل ذلك نصوص كثيرة (5) فيها الصحيح و غيره دالة على الحل و إن أكل ثلثه أو نصفه أو ثلثيه، بل في بعضها ما يدل على أن القول بالحرمة قول العامة.

قال حكم بن حكيم الصيرفي (6): «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

ما تقول في الكلب يصيد فيقتله؟ قال: لا بأس بأكله، قلت: إنهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 17.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 18 عن أحمد بن محمد كما في التهذيب ج 9 ص 28- الرقم 113.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 16.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 1.

21

يقولون: إذا قتله و أكل منه فإنما أمسك على نفسه فلا تأكله، فقال:

كل، أو ليس قد جامعوكم على أن قتله ذكاته؟ قال: قلت: بلى، قال: فما تقول في شاة ذبحها رجل؟ أ ذكاها؟ قال: قلت: نعم، قال:

فان السبع جاء بعد ما ذكاها فأكل بعضها أتوكل البقية؟ قلت: نعم، قال: فإذا أجابوكم إلى هذا فقل لهم: كيف تقولون إذا ذكى ذلك و أكل منه لم تأكلوا و إذا ذكى هذا و أكل أكلتم؟!».

و صحيح ابن مسلم و غير واحد (1) عنهما (عليهما السلام) جميعا «أنهما قالا في الكلب يرسله الرجل، قالا: إن أخذه فأدركت ذكاته فذكه، و إن أدركت و قد قتله و أكل منه فكل ما بقي، و لا ترون ما يرون في الكلب».

و خبر سالم الأشل (2) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب يمسك على صيده و يأكل منه، فقال: لا بأس بما يأكل، هو لك حلال».

و خبره الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «سألته عن صيد كلب معلم قد أكل من صيده، قال: كل منه».

و خبر يونس بن يعقوب (4) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أرسل كلبه فأدركه و قد قتل، قال: كل و إن أكل».

و خبر زرارة (5) عنه (عليه السلام) أيضا «أنه قال في صيد الكلب إن أرسله الرجل و سمى فيأكل مما أمسك عليه و إن قتل، و إن أكل فكل ما بقي».

و خبر عبد الرحمن (6) عنه (عليه السلام) أيضا «سألته عن رجل

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 8.

22

أرسل كلبا فأخذ صيدا فأكل منه، آكل من فضله؟ قال: كل ما قتل الكلب إذا سميت عليه، فإذا كنت ناسيا فكل منه أيضا و كل فضله».

و صحيح الحلبي (1) عنه (عليه السلام) أيضا «أما ما قتله الكلب و قد ذكرت اسم اللّه عليه فكل منه و إن أكل منه».

و في مرسل الصدوق (2) عنه (عليه السلام) أيضا «كل ما أكل منه الكلب و إن أكل منه ثلثيه، كل ما أكل منه الكلب و إن لم يبق إلا بضعة واحدة».

و خبر مسعدة بن زياد (3) عنه (عليه السلام) أيضا «أما ما صاد الكلب المعلم و قد ذكر اسم اللّه عليه فكله و إن كان قد قتله و أكل منه».

و خبر الحسين بن علوان (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «إذا أخذ الكلب المعلم للصيد فكله أكل منه أو لم يأكل قتل أو لم يقتل».

و خبر أبان بن تغلب (5) عن الصادق (عليه السلام) أيضا «كل ما أمسك عليه الكلب و إن بقي ثلثه».

و خبر أبي سعيد المكاري (6) عنه (عليه السلام) أيضا «سألته عن الكلب يرسل على الصيد و سمى فيقتل و يأكل منه، فقال: كل و إن أكل منه».

و سأله (عليه السلام) الحلبي أيضا (7) «عن الكلب يصطاد فيأكل من صيده أ فآكل بقيته؟ قال: نعم».

إلا أنها حملت جميعا على الأكل نادرا و لو كان كثيرا جمعا بين الأخبار، بخلاف ما إذا كان مساويا أو غالبا، بل ربما كان في التعليل

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 12.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 13.

(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 14.

(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 15.

23

في الصحاح منها بعدم الإمساك عليكم حينئذ بل هو ممسك على نفسه إشعارا بذلك، و لعله أولى من حمل أخبار المنع على التقية أو الكراهة فإنه فرع التكافؤ، و هو منتف، فان التحريم هو المطابق للأصل و الاحتياط و ظاهر الكتاب و فتوى الأصحاب و الإجماع على اشتراط التعليم، و لا يحصل مع اعتياد الأكل كما قلنا، و لو تحقق فلا ريب في أن المعهود في تعليم الكلب تأديبه على الإمساك لصاحبه و زجره عن أكل الصيد، و إطلاقات الكتاب و السنة إنما تحمل على المعهود المتعارف، و العامة مختلفون في المسألة، لاختلاف الرواية عندهم، فالحمل على التقية قائم من الطرفين، و إن كان ظاهر الخبر الأول أنهم قائلون بالمنع، إلا أنه يمكن حمله على المنع عندهم و لو من النادر.

لكن الانصاف مع ذلك كله عدم خلو المسألة من إشكال في الجملة، لكثرة النصوص المزبورة مع خلوها عن الإشعار في شيء منها بوجه الجمع المزبور عدا ما سمعته من التعليل المزبور، و لو لم يكن إجماعا أمكن الجمع بينها بحمل أخبار المنع على الأكل النادر الذي لا ينافي كونه معلما كما لا ينافي سائر الملكات من ذوي العقول فضلا عن الحيوانات، و لا فرق في ذلك بين الأكل و الاسترسال و الانزجار، و أخبار الجواز على الكلب الذي كان في تعليمه الأكل مما يصيده، فإنه يكون حينئذ معلما على هذا الوجه.

و دعوى كونه خلاف المتعارف في التعليم لا ينافي كون الحكم الجواز مع فرض وقوعه، و يكون قوله تعالى (1) «أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» واردا مورد الغالب، لا أن المراد اشتراطه حتى لو علم الكلب على أكل بعض ما يصيده، خصوصا إذا كان تأديبه على أكل القليل منه و لم يتعده، بل

____________

(1) سورة المائدة: 5 الآية 4.

24

لعل المراد من «فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» كلا أو بعضا على حسب ما اقتضاه تأديبها و تعليمها، نعم لو اعتادت غير ما علمت خرجت عن كونها معلمة، فلا يحل صيدها.

و يمكن دعوى عدم منافاة ذلك للمشهور، ضرورة ظهور كلامهم في اعتياد الأكل المنافي للتعليم، بل جعل بعضهم ذلك دليلا للمسألة، نعم يظهر من بعض الأفاضل كون الحكم عندهم كذلك و إن علم، و لكنه لا يخلو من نظر.

كما أنه لا يخفى ضعف القول بالحل مع الاعتياد للأكل من دون تعليم، ضرورة اقتضائه طرح النصوص (1) الدالة على المنع مع استفاضتها و اعتضادها بما سمعت من الإجماع المحكي، بل و بالشهرة العظيمة التي كادت تكون كذلك، بل لعلها الآن كذلك، أو حملها على التقية مع أنك قد عرفت اختلاف العامة فيما بينهم، بل فيها المشتمل على المنع من صيد الفهد إلا أن تدرك ذكاته (2) و هو مناف لما عندهم، أو حملها على الكراهة، و هو فرع المكافئة المعلوم فقدها، و اللّه العالم.

و من ذلك يعلم أنه لا ينبغي الإشكال في أنه كذلك (كذا خ ل) لا يقدح في حل صيد الكلب لو شرب الدم (دم الصيد خ ل) و اقتصر إذا فرض تأديبه على ذلك، بل ظاهر المسالك المفروغية من عدم قدحه و إن لم يكن تعليمه كذلك و يقع منه غالبا، لأن الدم غير مقصود للصائد.

نعم قال: «في أكل حشوته وجهان: من أنها تؤكل كاللحم، و من أنها تلقى غالبا و لا تقصد كالدم» قلت: لعل الأقوى الأول،

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 16 و 17 و 18.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الصيد- الحديث 1 و 3.

25

و حينئذ فيراعى تأديبها على ذلك و عدمه.

هذا و عن ابن الجنيد أن في حكم أكله منه ما إذا أراد الصائد أخذ الصيد منه فامتنع و صار يقاتل دونه، لأنه في معنى الأكل من حيث إن غرضه ذلك، فلم يتمرن على التعليم من هذه الجهة، و لا بأس به.

نعم ما يحكى عنه- من التفصيل في أصل المسألة بين أكله منه قبل موت الصيد و بعده و جعل الأول قادحا دون الثاني- غير ظاهر الوجه مع فرض عدم تأديبه على ذلك، و إن قيل: لعله جمع بين الأخبار، إلا أنه كما ترى، ضرورة عدم شاهد عليه لا منها و لا من إجماع يحكى و نحوه، بل يمكن أن يكون في بعضها ما ينافيه، و اللّه العالم.

و كان ف لا بد من تكرار الاصطياد به متصفا بهذه الشرائط الثلاثة ليتحقق حصولها فيه على وجه يصدق عليه كونه معلما نحو غيره مما يتحقق به ملكة الصنائع و لو على وجه الظن الغالب.

و حينئذ ف لا يكفي اتفاقها مرة و إن كان لعله ظاهر محكي التبيان و مجمع البيان، قال في الأول: «قال أبو يوسف و محمد: حد التعليم أن يفعل ذلك ثلاث مرات، و قال قوم: لا حد لتعليم الكلاب، فإذا فعل ما قلناه فهو معلم و قد دل على ذلك رواية أصحابنا، لأنهم رووا أنه إذا أخذ كلب مجوسي فعلمه في الحال فاصطاد جاز أكل ما يقتله» و نحوه في المجمع، و ظاهرهما الاكتفاء بالمرة.

و أشار بالرواية إلى روايتي السكوني (1) و عبد الرحمن بن سيابة (2) عن الصادق (عليه السلام) الآتيتين في مسألة اعتبار إسلام المعلم المحمولتين على الامتحان دون التعليم، لأن الفرض كونه معلما، نعم في خبر زرارة (3)

____________

(1) الوسائل- 15- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(2) الوسائل- 15- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصيد- الحديث 2.

26

السابق عنه (عليه السلام) أيضا «و إن كان غير معلم فعلمه في ساعة ثم يرسله فليأكل منه، فإنه معلم»

و لكنه ليس نصا في المرة، لأن التكرار ممكن في ساعته، خصوصا مع كون المراد بها العرفية.

هذا و في المسالك «الأمور المعتبرة في التعليم لا بد أن تتكرر مرة بعد اخرى، ليغلب على الظن تأدب الكلب، و لم يقدر أكثر الأصحاب عدد المرات، و ذلك لأن المعتبر في التعليم العرف، و هو مضطرب، و طباع الجوارح مختلفة، و الرجوع في الباب إلى أهل الخبرة بطباع الجوارح و اكتفى بعضهم بالتكرار مرتين، لأن العادة تثبت بهما، و اعتبر آخرون ثلاث مرات، و الأقوى الرجوع إلى العرف» و مقتضى كلامه ثبوت القول بالمرة و المرتين للأصحاب، و لم أجد ذلك كما اعترف به بعض الأفاضل أيضا.

ثم إنه كما يعتبر التكرار في حصول التعليم فكذا في زواله، فيرجع فيه إلى العرف أيضا على المختار، و على القول بالمرتين أو الثلاث قيل يعتبر حصولهما، و على القول بالمرة فلو أكل منه بعدها حرم و لو في الأولى، و الأمر في ذلك كله سهل بعد وضوح الحال و كون تعليم الكلب الصيد على نحو تعليم العاقل الصناعة، فيكفي فيه إثباتا و نفيا ما يكفي في ذلك كما هو واضح، و اللّه العالم.

[و يشترط في المرسل للكلب أو السهم شروط]

و كيف كان ف يشترط في المرسل للكلب أو السهم مثلا شروط (أربعة خ):

[الأول أن يكون مسلما أو بحكمه]

الأول: أن يكون مسلما أو بحكمه كالصبي المميز الملحق به أو البنت المميزة كذلك، لأن الإرسال نوع من التذكية نصا (1) و فتوى، و ستعرف اشتراط ذلك فيها.

و حينئذ فلو أرسله المجوسي أو الوثني بل أو اليهودي أو النصراني أو غيرهم ممن هو غير مسلم، بل أو منه و لكن كان محكوما

____________

(1) الوسائل- الباب- 11 و 12 و 13- من أبواب الصيد.

27

بكفره و لو لنصب أو إنكار ضروري أو غير ذلك لم يحل أكل ما يقتله كما أنه لا يحل ما يذبحه أو ينحره و إن كان إذا أرسله اليهودي و النصراني فيه خلاف كما في تذكيتهما أظهره أنه لا يحل للأصل و غيره مما ستعرفه، بل عن الانتصار الإجماع على عدم الحل بإرسال الكافر، بل في المجوسي قول بالحل أيضا و إن كان ظاهر عبارة المصنف خلافه. اللهم إلا أن يكون في خصوص التذكية بالذبح، كما عن ظاهر الصدوق، و ستعرف الحال فيه في محله إنشاء اللّه تعالى.

كما أنه لا يخفى مجيء الخلاف في المخالف مطلقا باعتبار الخلاف في كفره و عدمه.

و كذلك لم يحل صيد غير المميز و المجنون، لعدم القصد المعتبر منهما، كما ستعرف ذلك في الذبح إنشاء اللّه، و اللّه العالم.

[الثاني أن يرسله للاصطياد]

الثاني: أن يرسله للاصطياد، فلو استرسل من نفسه أو رمى بسهم هدفا مثلا فأصاب صيدا، فضلا عما لو أفلت من يده فأصاب صيدا فقتله لم يحل مقتوله بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف الإجماع على الثاني الذي لا فرق بينه و بين الأول في الحكم المزبور.

مضافا إلى أصالة عدم التذكية المقتصر في الخروج عنها بالمتيقن، و هو الإرسال للصيد، خصوصا مع ملاحظة عدم الخلاف فيه التي لا إشكال في اقتضائها الشك في إرادة غيرها من بعض الإطلاقات التي مع ذلك لم تسق لبيان هذا الحكم.

28

و إلى

خبر القاسم بن سلمان (1) المنجبر دلالة بما عرفته، و سندا به أيضا و برواية المشايخ الثلاثة له، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كلب أفلت و لم يرسله صاحبه فصاد فأدركه صاحبه و قد قتله، أ يأكل منه؟ فقال: لا، و قال: إذا صاد و قد سمى فليأكل، و إن صاد و لم يسم فلا».

بل و إلى ما في ذيل

خبر أبي بكر الحضرمي (2) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) المتقدم سابقا، قال: «إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم اللّه عليه، فهو ذكاته».

و المناقشة في الأول- باحتمال استناد المنع فيه عن الأكل إلى عدم التسمية لا إلى الاسترسال، بل ربما كان في ذيله إشعار بذلك- مدفوعة بعد التسليم بالانجبار بما عرفت، على أن مجرد الاحتمال لا ينافي الظهور الذي هو مبنى أكثر الأحكام، و الذيل المزبور الظاهر في كون المعيار التسمية يمكن كون المراد منه الكناية عن اعتبارها مع الإرسال المصاحب لها، خصوصا على ما ستعرف من كون الأقوى أن وقتها عنده، و بالجملة لا وجه لهذه المناقشات بعد كون الحكم مفروعا منه.

نعم لو زجره عقيب الاسترسال فوقف ثم أغراه صح و حل ما يقتله بلا خلاف و لا إشكال لأن الاسترسال انقطع بوقوفه، و صار الإغراء إرسالا مستأنفا كالمبتدإ الواقع بعد إرسال سابق انقضى.

و لا كذلك لو استرسل فأغراه من دون أن يزجره و لا زاد إغراؤه في عدوه، ضرورة صدق عدم الإرسال منه، أما إذا زاد في عدوه ففي المسالك تبعا لغيره «وجهان: أحدهما الحل، لأنه قد ظهر أثر الإغراء، فيقطع الاسترسال، و يصير كأنه جرح بإغراء صاحبه،

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 11- من أبواب الصيد- الحديث 1 و ذيله في الباب- 12- منها- الحديث 1 عن القاسم بن سليمان كما في الكافي ج 6 ص 206.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصيد- الحديث 4.

29

و أصحهما المنع، لأنه قد اجتمع الاسترسال المحرم و الإغراء المبيح، فقتله بالسببين، فيغلب التحريم، و لو كان الإغراء و زيادة العدو بعد ما زجره فلم ينزجر فالوجهان، و أولى بعدم الحل، لظهور إبائه و ترك مبالاته بإشارة الصائد».

قلت: قد يقال: إن مقتضى

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1) السابق: «أما ما قتله الكلب و قد ذكرت اسم اللّه عليه فكل منه»

و في خبر مسعدة بن زياد (2): «أما ما صاد الكلب المعلم و قد ذكر اسم اللّه عليه فكله».

و غير ذلك من إطلاق الأدلة حل صيد الكلب مطلقا، إلا أنه خرج المسترسل لنفسه بالإجماع و نحوه، و بقي غيره الذي منه المفروض، إلا أن أصالة عدم التذكية- بعد الشك في إرادة الفر المزبور من الإطلاق المزبور الذي لم يسق لبيان ذلك المقيد بالإرسال في غيره- يقتضي عدم الحل، خصوصا بعد صدق عدم الإرسال و إن زاد في عدوه، و خصوصا مع عدم انزجاره بالزجر و إن قلنا بعدم اعتباره في التعليم بعد رؤية الصيد و الإرسال، فالأقوى ما ذكره حينئذ.

و حينئذ فلو أرسل كلبا معلما فأغراه مجوسي فازداد عدوه لم يؤثر في الحل، كما أنه لو أرسل المجوسي كلبا فأغراه المسلم و زاد عدوه بإغرائه لم يؤثر في الحرمة. نعم قد يأتي ذلك على الوجه الأول الذي قد عرفت ضعفه.

و كذا لو أرسله فأغراه فضولي فازداد عدوه لم يملك الصيد، بل هو للمرسل و إن كان غاصبا للكلب، و يأتي على الاحتمال الآخر ملك الفضولي له و إن كان غاصبا للكلب، لانقطاع حكم الإرسال الأول بالإغراء،

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 11.

30

و لكن لا يخفى عليك ما فيه، و كذا احتمال اشتراكهما في الملك، لحصوله بفعلهما، كما هو واضح. هذا كله في المسترسل لنفسه.

و أما المرسل لغير الصيد فصاد لم يحل بمقتضى الشرط المزبور، و ستعرف إنشاء اللّه تمام ما يتفرع على ذلك عند تعرض المصنف له، و اللّه العالم.

[الثالث أن يسمي عند إرساله]

الثالث: أن يسمي عند إرساله آلة الصيد كلبا أو سهما مثلا، بلا خلاف في أصل الشرطية، بل عليه الإجماع بقسميه، مضافا إلى نهي الكتاب عن أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه (1) و الأمر في خصوص صيد الكلب (2) و السنة التي ستسمع جملة منها.

و حينئذ فلو ترك التسمية عمدا لم يحل ما يقتله بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص المستفيضة، ك

صحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) «من أرسل كلبه و لم يسم فلا يأكله»

و خبر زرارة (4) «في صيد الكلب إن أرسله الرجل و سمى فليأكل»

و خبره الآخر (5) «إذا أرسل الرجل كلبه و نسي أن يسمي فهو بمنزلة من ذبح و نسي أن يسمي، و كذلك إذا رمى بالسهم و نسي أن يسمي».

و منه يعلم أنه لا يضر لو كان الترك لها نسيانا مضافا إلى الإجماع بقسميه عليه، و إلى

خبر عبد الرحمن (6) «و إن كنت ناسيا فكل منه أيضا و كل من فضله».

____________

(1) سورة الأنعام: 6- الآية 121.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصيد- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصيد- الحديث 4.

31

إنما الكلام في أن وقتها عند الإرسال على وجه لا يجزئ وقوعها من العامد ما بينه و بين الإصابة، فإن فيه قولين: (أحدهما) الاشتراط كما هو ظاهر المقنع و المقنعة و النهاية و الخلاف و المهذب و الغنية و السرائر و الجامع و الإرشاد و التبصرة و تلخيص المرام و المعالم و تلخيص الخلاف و غيرها مما عبر فيها كعبارة المصنف، ضرورة ظهوره في التوقيت.

و حينئذ ففي الخلاف و الغنية الإجماع عليه، لأنه قال في الأول:

«التسمية واجبة عند إرسال الكلب و إرسال السهم و عند الذبيحة» و احتج على ذلك بإجماع الفرقة و أخبارهم، و قال في الثاني: «التسمية شرط عند إرسال الكلب و السهم و عند الذبح بدليل إجماع الطائفة» و يشهد لهما فتوى المعظم بذلك، فهما الحجة حينئذ.

مضافا إلى أصالة التحريم في الصيد حتى يثبت الحل، و هو في الفرض معلوم إجماعا و نصا، فيقتصر عليه تمسكا بالأصل و أخذا بالمتيقن.

و إلى أن الإرسال منزل منزلة الذكاة، لأنها تجزئ عنه إجماعا، فلا تجزئ بعده كما لا تجزئ بعد الذكاة، و لأن التسمية يجب أن يقارن بها فعل المرسل كما يقارن بها فعل الذابح، و المرسل لا فعل له سوى الإرسال، فيجب اقتران التسمية به، و في الأخبار ما يلوح إلى ذلك، بل قيل يدل عليه.

ففي

صحيح الحذاء (1) «عن الرجل يسرح كلبه المعلم و يسمي إذا سرحه، فقال: يأكل مما أمسك عليه».

و صحيح سليمان بن خالد (2) «عن كلب المجوسي يأخذه الرجل المسلم فيسمي حين يرسله أ يأكل مما أمسك عليه؟ قال: نعم، لأنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصيد- الحديث 1.

32

مكلب قد ذكر اسم اللّه عليه».

و صحيح محمد الحلبي (1) «عن الصيد يضربه الرجل بالسيف أو يطعنه برمح أو يرميه بسهم فيقتله و قد سمى حين فعل ذلك، فقال: كل لا بأس به».

و صحيح الحلبي (2) «عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضا فيقتله و قد كان سمى حين رمى و لم تصبه الحديدة، فقال: إن كان السهم الذي أصابه هو الذي قتله فان أراده فليأكل».

لأن التوقيت بالإرسال و نحوه في هذه النصوص و إن وقع في كلام الرواة إلا أنه يدل على كون الحكم شائعا معروفا عندهم، و السائلون من فقهاء الأصحاب و أعاظمهم، فيبعد أخذهم لهذا القيد في السؤال من دون أن يكون له مدخل في الحل، و قد أقرهم الإمام (عليه السلام) على هذا القيد و لم ينكر عليهم في ذلك، فدل على أنه معتبر في حل الصيد.

و في رواية أخرى للحلبي (3) «عن الصيد يصيبه السهم معترضا و لم تصبه الحديدة و قد سمى حين رمى، قال: يأكله إذا أصابه و هو يراه، و عن صيد المعراض، فقال: إن لم يكن له نبل غيره و كان قد سمى حين رمى فليأكل منه، و إن كان له نبل غيره فلا»

و قد وقع فيها التقييد في كلام السائل و الامام (عليه السلام) و التقريب في الثاني ظاهر، و في الأول نحو ما سبق.

و في خبر الحضرمي (4) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) «إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم اللّه عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصيد- الحديث 4.

33

فهو ذكاته».

بل قد يؤيده أو يدل عليه النصوص (1) السابقة في صدر المسألة أيضا الظاهرة في أن وقت التسمية وقت الإرسال.

(و الثاني) عدمه، فيكفي التسمية قبل الإصابة، و هو ظاهر القواعد و التحرير و الشهيدين في الدروس و المسالك و الروضة، لإطلاق الكتاب (2) و السنة (3) التسمية عند الصيد من غير تعيين وقت، و لأنه إذا أجزأ التسمية عند الإرسال فبالأولى إجزاؤها بعد ذلك، و خصوصا عند الإصابة و الجرح، فإنه وقت التذكية حقيقة.

بل قد يؤيد ذلك أيضا تدارك الناسي لها ما بينه و بين الإصابة، فإنه لو لم يكن وقتا للتسمية لما وجب الإتيان بها فيه، بل كان مستحبا كالتسمية عند الأكل.

و فيه أن الإطلاق محمول على المعهود المتعارف الذي هو عند الإرسال و منع الأولوية، فإن التذكية فعل المرسل دون الآلة، و لا فعل له سوى الإرسال، فيكون إرساله بمنزلة التذكية، فيجب أن يقارنها التسمية كما ذكرناه، و تدارك الناسي لها فيه لا يقتضي الاجزاء في حال العمد، إذ يمكن كون ذلك وقتا للناسي دون العامد.

و من هنا بان لك أن الأول هو الأقوى و الأحوط و إن كان قد يظهر من بعض النصوص التي قدمناها في مسألة الحل مع أكل الكلب الاكتفاء بالتسمية عند قتل الكلب الصيد، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه.

نعم الظاهر الحل لو شك فيها كما عن ابن سعيد في جامعه، لأنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد- الحديث 7 و الباب- 12- منها- الحديث 2 و 5.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصيد.

34

أولى من الناسي، و للخبر (1) «أرمي بسهمي و لا أدري أ سميت أم لم أسم؟ فقال: كل لا بأس»

بل لعل أصل الصحة كاف في المقام مع فرض العلم بالإتيان بالفعل بقصد إرادة الصحيح أو ظاهره ذلك و لكن شك في بعض شروطه، فهو حينئذ كمن ذكى ثم شك في التسمية مثلا، أما إذا لم يعلم الإتيان بالفعل على الوجه المزبور و لا كان ظاهره ذلك فقد يشكل الحكم بأصل الصحة على وجه يقطع أصالة العدم بإمكان الإتيان بالفعل على غير الوجه الصحيح، بل كان لبعض الأغراض التي تجامع الفاسد.

و من ذلك لو شك في أنه ترك التسمية عمدا، لأنه لم يرد الصحيح، أو نسيانا أو لم يتركها، إذ دعوى أولوية ذلك من الناسي غير معلوم، بل قد يشك في مساواته له.

و منه يشك في الاجتزاء بالتدارك لو كان في الأثناء و إن اجتزئ به في الناسي، و الخبر المزبور (2) و إن كان مطلقا لكنه لا جابر له، بل يمكن دعوى انسياقه فيما ذكرناه أولا، فتأمل جيدا، فإن المسألة غير محررة.

و أما الجاهل بوجوبها فلا إشكال في الحل لو فعلها و إن لم يعتقد وجوبها، لعموم الكتاب (3) و السنة (4) المتضمنة لحل ما ذكر اسم اللّه عليه.

و لو تركها عمدا لاعتقاد عدم وجوبها فالمتجه عدم الحل، كما هو ظاهر الأصحاب على ما اعترف به في الدروس و إن أشكله بحكمهم بحل ذبيحة المخالف على الإطلاق ما لم يكن ناصبا، و بعضهم لا يعتقد وجوبها.

لكن يدفعه أن المقصود في هذا الحكم عدم التحريم من جهة الذابح فلا ينافي حينئذ الحكم بالتحريم من جهة عدم التسمية.

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصيد و الباب- 15- من أبواب الذبائح.

35

و نوقش بأنه ليس بحاسم لمادة الإشكال، فإن الغالب عدم العلم بمذهب الذابح، و قصر الحكم على من علم من مذهبه الاشتراط يقتضي سقوط فائدة هذا الحكم غالبا، على أن ذلك لو كان مرادا لنبهوا عليه و في ترك التنبيه عليه دليل على أنه غير مراد.

نعم يمكن أن يقال بأن الأصل حمل فعل المسلم على ما هو صحيح في الواقع، كما يقتضيه الحكم بإباحة الجلد المأخوذ من المسلم ما لم يعلم كونه ميتة. مضافا إلى السيرة المستمرة في الأعصار و الأمصار من الشيعة مع أهل الخلاف في العبادات و المعاملات مع تحقق الاختلاف في البين في شروطها بين الفريقين، و تظهر الفائدة حينئذ فيما علم انتفاء التسمية فيه، و هو فرض نادر لا مانع من خروجه عن اختلاف القوم.

أو يقال: إن التسمية و إن لم يوجبها جميع أهل الخلاف لكن القائل بعدم الوجوب يثبت الندب، و العادة المستمرة فيما بينهم الإتيان بها و إن لم تجب، فاكتفى بذلك في الذبيحة المجهولة، فتأمل جيدا.

و لو كان من عادته التسمية فنسيها فالظاهر الحل لدخوله في الناسي مع عدم تأثير مجرد الاعتقاد، لكن في النافع: «و يؤكل لو نسي إذا اعتقد الوجوب» و لعله لما قيل من اختصاص أدلة الإباحة مع نسيان التسمية بحكم التبادر بمعتقد وجوبها.

بل في الرياض «هذا القيد و إن لم يذكره في الشرائع و لا غيره عدا الشيخ في النهاية و الحلي في السرائر و القاضي، إلا أن الظاهر بحكم ما مر من التبادر إرادته و إن تركه حوالة على الظهور من الخارج، فما يظهر من التنقيح من التردد في اعتباره حيث حكم بأنه أحوط غير ظاهر الوجه».

قلت: وجهه إطلاق الأدلة بعد منع التبادر المزبور، ضرورة صدق النسيان على من كان عزمه الفعل، من غير فرق بين معتقد الوجوب

36

و عدمه، و لعله لذا جزم به العلامة الطباطبائي في مصابيحه، و اللّه العالم.

ثم إنه ذكر غير واحد من الأصحاب من غير خلاف يعرف فيه بينهم اعتبار كون التسمية من المرسل و حينئذ ف لو أرسل واحد و سمى آخر لم يحل الصيد مع قتله له للأصل و خبر محمد بن مسلم (1) بل في المسالك صحيحه و إن كنا لم نتحققه «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن القوم يخرجون جماعة إلى الصيد، فيكون الكلب لرجل منهم، و يرسل صاحب الكلب كلبه و يسمي غيره، أ يجزئ ذلك؟ قال:

لا يسمي إلا صاحبه الذي أرسل الكلب».

و في مرسل أبي بصير (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «لا يجزئ إلا الذي أرسل الكلب»

و القصور في السند منجبر بالعمل، على أن مضمونهما مقتضى الأصل المقتصر في الخروج منه على غير الفرض، و لو للتبادر.

و أولى بعدم الحل لو أرسل شخص و قصد الصيد آخر و سمى ثالث.

و كذلك يعتبر من غير خلاف يعرف فيه بينهم أيضا اتحاد السبب المزهق المحلل ف لو سمى شخص فأرسل كلبه و أرسل آخر كلبه و لم يسم و اشتركا في قتل الصيد لم يحل للأصل أيضا، بل لو لم يعلم الحال لم يحل أيضا، للأصل المزبور، فضلا عن العلم بالاشتراك، و هكذا الحال في كل سبب محلل اشترك معه غير المحلل إذا لم يعلم استناد الازهاق إلى المحلل.

ففي

خبر أبي عبيدة (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث صيد الكلب، قال: «و إن وجدت معه كلبا غير معلم فلا تأكل».

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصيد- الحديث 1.

37

و في خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سألته عن قوم أرسلوا كلابهم و هي معلمة كلها، و قد سموا عليها فلما مضت الكلاب دخل فيها كلب غريب لا يعرفون له صاحبا فاشتركن جميعا في الصيد، فقال: لا يؤكل منه، لأنك لا تدري أخذه معلم أو لا؟».

و في مرسل الفقيه (2) عن الصادق (عليه السلام) «إذا أرسلت كلبك على صيد و شاركه كلب آخر فلا تأكل منه».

و الأخير و إن كان مطلقا شاملا لاشتراك المحلل أيضا إلا أن صريح بعض و ظاهر غيره الاتفاق على الحل مع اشتراك الأسباب المحللة، بل كاد يكون صريح خبر أبي بصير السابق، بل لعله مقتضى مفهوم الخبر الأول، و اللّه العالم.

[الرابع أن لا يغيب الصيد و حياته مستقرة]

الرابع: أن لا يغيب الصيد عنه و حياته مستقرة بلا خلاف أجده فيه، و حينئذ فلو وجد مقتولا أو ميتا بعد غيبته لم يحل، لاحتمال أن يكون القتل لا منه، سواء وجد الكلب واقفا عليه أو بعيدا منه و سواء وجد السهم فيه مثلا أولا، للمعتبرة المستفيضة.

ك

خبر سليمان بن خالد (3) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرمية يجدها صاحبها أ يأكلها؟ قال: إن كان يعلم أن رميته هي التي قتلته فليأكل».

و خبر حريز (4) قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرمية يجدها صاحبها من الغد أ يأكل؟ قال: إن علم أن رميته هي التي قتلته فليأكل، و ذلك إذا كان قد سمى».

و خبر سماعة (5) «سألته عن رجل رمى حمار وحش أو ظبيا فأصابه

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 3.

38

ثم كان في طلبه فوجده من الغد و سهمه فيه، فقال: إن علم أنه أصابه و أن سهمه هو الذي قتله فليأكل منه و إلا فلا».

و خبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال:

أمير المؤمنين (عليه السلام) في صيد وجد فيه سهم و هو ميت لا يدري من قتله، قال: لا تطعمه».

و في النبوي عن عدي بن حاتم (2) «قلت: يا رسول اللّه إذا أهل صيد و الرجل يرمي الصيد فيغيب عنه الليلتين و الثلاث فيجده ميتا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إذا وجدت فيه أثر سهمك و لم يكن فيه أثر سبع و علمت أن سهمك قتله فكل»

إلى غير ذلك من النصوص المستفاد منها اعتبار العلم باستناد الازهاق إلى السبب المحلل، فكان المناسب التعبير بذلك، إذ لا مدخلية للغيبة فيه.

قال الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة (3): «إذا رميت فوجدته و ليس به أثر غير السهم و ترى أنه لم يقتله غير سهمك فكل، يغيب (غاب خ ل) عنك أو لم يغب».

و إليه يرجع

خبر الحسين بن علوان (4) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا رميت صيدا فيغيب عنك فوجدت سهمك فيه في موضع مقتل فكل»

باعتبار أن ذلك طريق علم باستناد الموت اليه.

و كذا

خبر عيسى القمي (5) في حديث «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أرمي فيغيب عني، و أجد سهمي فيه، فقال: كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) سنن البيهقي- ج 9 ص 242.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 4.

39

ما لم يؤكل منه، فان كان أكل منه فلا تأكل منه».

و خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن ظبي أو حمار وحش أو طير رماه رجل ثم رماه غيره بعد ما صرعه غيره، فقال: كله ما لم يتغيب إذا سمى و رماه».

و النبوي (2) «كل ما أصميت، و دع ما أنميت»

أي: كل ما قتله كلبك أو سهمك و أنت تراه، و «دع ما أنميت» أي: ما غاب عنك مقتله، ضرورة كون المراد من الجميع هو ما ذكرنا من أن المدار على العلم باستناد القتل إلى السبب المحلل، فيكفي في الحرمة الشك، فضلا عن العلم بالعدم، إلا أنه غالبا لا يحصل مع الغيبة و استقرار الحياة، لاحتمال عروض سبب آخر، و لا يكفي أصالة عدمه، للنصوص المزبورة و معارضته بأصالة عدم كون موته من رميته مثلا.

نعم الظاهر عدم إرادة العلم بمعنى اليقين، بل يكفي فيه الطمأنينة العادية، كما أومأ إليه

قوله (عليه السلام): «إذا وجدت سهمك فيه في موضع مقتل».

و أولى بالحل من ذلك لو غاب غير مستقر الحياة، بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكى من إطلاق النهاية الحرمة مع الغيبة المنزل على ذلك نحو ما سمعته من إطلاق بعض النصوص (3) اتكالا على الظهور، كما اعترف به في المختلف، و إن ناقشه الحلي فيه في المحكي عن سرائره، لكنه في غير محله، و اللّه العالم.

و كيف كان فلا خلاف نصا (4) و فتوى في أنه يجوز

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 7.

(2) مجمع الزوائد- ج 4 ص 30 راجع سنن البيهقي ج 9 ص 241.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد- الحديث 3 و 4.

(4) الوسائل- الباب- 22 و 23 و 24- من أبواب الصيد.

40

الاصطياد ب كل آلة ك الشرك و الحبالة و الشباك و الصقور و الفهود و الأحجار و البنادق و غيرها، و ما عن سلار من أنه روي (1) تحريم ما يصاد بقسي البندق إن أراد تحريمه مع قتله بالبندق فهو حق، و إن كان مع التذكية فهو ممنوع.

و عن المفيد عبارة موهمة، و هي «لا يجوز أكل الثعلب و الضب.

و لا يؤكل ما قتله البندق- إلى أن قال-:

و روي (2) أن الجلاهق- و هو قسير البندق- حرام»

و التحقيق ما عرفت، و في خبر غياث بن إبراهيم (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه كره الجلاهق».

و على كل حال فلا إشكال بل و لا خلاف يعتد به في أنه يحل الاصطياد- بمعنى جعل الحيوان الممتنع تحت اليد- بكل آلة و لكن لا يحل منه بغير ما عرفت إلا ما يدرك ذكاته و لو كان فيه سلاح لم يصدق عليه أنه رماه به و كذا السهم إذا لم يكن فيه نصل و لا يخرق و إنما يصيد بثقله.

قال سليمان بن خالد (4): «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عما قتل الحجر و البندق أ يؤكل؟ قال: لا»

و نحوه صحيح الحلبي (5) و خبر حريز (6) و خبر عبد اللّه بن سنان (7) عنه (عليه السلام) أيضا، و خبر محمد بن مسلم (8) عن أحدهما (عليهما السلام).

و في خبر الحسين بن علوان (9) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد.

(2) الموجود في المقنعة ص 90 ط حجر هكذا:

«و لا يجوز أكل الثعلب و الضب، و لا يؤكل ما قتله البندق من الطير و غيره، و رمي الجلاهق و هو قسي البندق حرام»

. (3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد الحديث 5.

(8) أشار إليه في الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد- الحديث 4 و ذكره في الكافي ج 6 ص 213.

(9) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصيد- الحديث 8.

41

عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا تأكل ما قتل الحجر و البندق و المعراض إلا ما ذكيت».

و في خبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) «ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه فإنه ميت، و كلوا ما أدركتم حيا و ذكرتم اسم اللّه عليه».

و في خبر عبد الرحمن (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت، و ما أدركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه».

و نحوه خبر زرارة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) إلى غير ذلك من النصوص التي مر عليك شطر منها، و فيها المشتمل على حصر الحل بقتل الكلب المكلب.

كما أنه مر عليك نصوص حل الصيد المقتول بالسلاح (4) و ذكرنا هناك تفصيل الحال فيه، و تفصيل الحال في السهم ذي النصل و غيره من المعراض و نحوه و أنه لا يدخل فيه الصيد بالآلة المسماة بالتفنك المستحدثة في قرب هذا الزمان، خلافا للكفاية، للعموم الذي قد عرفت البحث فيه هناك، و لا أقل من الشك، و الأصل الحرمة، كما تقدم الكلام فيه سابقا، و اللّه العالم.

و على كل حال فقد قيل و القائل الشيخ في محكي النهاية و ابنا حمزة و إدريس و يحيى بن سعيد على ما حكي عنهم يحرم أن يرمي الصيد بما هو أكبر منه ل

مرفوع محمد بن يحيى (5) قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا يرمي الصيد بشيء أكبر منه»

و لأنه إذا كان أكبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الصيد- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الصيد- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصيد- الحديث 1.

42

منه يقتله بثقله، أو يشترك الثقل و الحد في قتله، إلا أنه قاصر سندا عن إثبات الحكم المزبور،: قيل: بل و دلالة، خصوصا على حرمة الأكل و منع لزوم القتل بالثقل أو بمشاركته، نعم ربما احتمل الحرمة مع احتمال ذلك، للدخول في الوقيذ، مع أنه في محل المنع لما عرفت من النصوص على حل ما قتله السهم و إن أصاب بعرضه.

و من هنا قيل و القائل غير واحد بل لعله ظاهر الأكثر أو المشهور: لا يحرم، بل يمكن دعوى الإجماع عليه، نعم صرح غير واحد بأنه يكره و هو أولى لقبول المرفوع المزبور لإثبات الكراهة التي يتسامح فيها بخلاف الحرمة.

و من الغريب ما عن القائل المزبور من التصريح بتحريم الفعل و الصيد و هو ضعف في ضعف، ضرورة أن الخبر المزبور على فرض قابليته للعمل به لا يدل على أزيد من النهي عن الفعل، و هو لا يستلزم تحريم الصيد، كما هو واضح، و اللّه العالم.

[الأمر الثاني في أحكام الصيد]

الأمر الثاني في أحكام الصيد (الاصطيادخ ل) قد عرفت أن ظاهر النص (1) و الفتوى اعتبار استناد موت الصيد إلى السبب المحلل في حل الصيد. و حينئذ ف لو أرسل المسلم و الوثني مثلا آلتهما فقتلاه لم يحل لفوات الشرط، ضرورة استناد القتل إلى مجموعهما سواء اتفقت آلتهما مثل أن يرسلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصيد.

43

كلبين أو سهمين أو اختلفتا، كأن يرسل أحدهما كلبا و الآخر سهما، و سواء اتفقت الإصابة في وقت واحد أو وقتين إذا كان أثر كل واحدة من الآلتين قاتلا على وجه يستند القتل الخارجي و ينسب إليهما.

نعم لو اتخنه المسلم فلم تعد حياته مستقرة ثم ذفف عليه الآخر و جهز عليه حل، لأن القاتل المسلم.

و أما لو انعكس الفرض بأن كانت آلة الكافر هي الموجبة للازهاق و آلة المسلم المجهزة لم يحل بل و كذا لو اشتبه الحال لم يحل (الحالان حرم خ ل) تغليبا للحرمة باعتبار أصالة عدم التذكية بعد فرض الجهل بحصول شرطها المقتضي للجهل بالمشروط.

و من ذلك أيضا لو كان مع المسلم كلبان و أرسل أحدهما و استرسل الآخر فقتلا لم يحل و كذا لو اشتبه الحال نعم لو رمى سهما فأوصلته الريح إلى الصيد فقتله حل لصدق استناد القتل اليه و إن كان لو لا الريح لم يصل.

و كذا لو أصاب السهم الأرض مثلا ثم وثب فقتل بلا خلاف أجده، لأن ما يتولد من فعل الرامي منسوب إليه، لكن في المسالك الاشكال فيهما- إن لم يكن إجماعا- بالاستناد إلى سببين في الأول، و بعدم الجريان على وفق قصده في الثاني، إلا أنه قال بعد ذلك: «و كيف كان فالمذهب الحل» و هو كذلك لما عرفت بعد منع كون القتل بسببين على وجه ينافي مصداق الأدلة، و منع اعتبار الجريان على وفق القصد و هو واضح.

ثم إن الاعتبار في حل الصيد بالمرسل لا بالمعلم وفاقا للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة يمكن دعوى الإجماع معها، بل هو كذلك

44

كما اعترف به بعض الأفاضل، بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن الشيخ في المبسوط و كتابي الأخبار، مع أن الشيخ نفسه ادعى الإجماع في محكي خلافه على حل الصيد بكلب المجوسي المعلم، و هو الحجة.

مضافا إلى إطلاق الأدلة و عمومها و كون الكلب آلة كالسكين التي لا فرق فيها بين كونها لمسلم أو كافر.

و إلى

صحيح سليمان بن خالد (1) الذي رواه المشايخ الثلاثة «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كلب المجوسي يأخذه الرجل المسلم فيسمي حين يرسله أ يأكل مما أمسك عليه؟ فقال: نعم، لأنه مكلب و ذكر اسم اللّه عليه».

كل ذلك مع ضعف ما يذكر حجة للشيخ من الأصل المقطوع بما عرفت و ظاهر قوله تعالى (2) «وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ» الوارد مورد الغالب من كون كلب المسلم معلما له، فلا يكون حجة لضعفه.

و خبر (3) عبد الرحمن بن سيابة (4) «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت: كلب مجوسي أستعيره فأصيد به، قال: لا تأكل من صيده إلا أن يكون علمه مسلم»

الضعيف في نفسه القاصر عن معارضة الصحيح المزبور المعتضد بإطلاق الأدلة و عمومها، و بالإجماع بقسميه، فلا بأس بحمله على الكراهة التي يشهد لها

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(3) كلمة «و خبر» معطوفة على قوله (قده): «الأصل المقطوع.» الذي ذكر حجة للشيخ (قده).

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصيد- الحديث 2.

45

المرسل (1): «كلب المجوسي لا يؤكل صيده إلا أن يأخذه مسلم فيقلده و يرسله، قال: و إن أرسله المسلم جاز أكل ما أمسك و إن لم يكن علمه»

و كذا

قول الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (2): «كلب المجوسي لا تأكل صيده إلا أن يأخذه المسلم فيعلمه و يرسله، و كذا البازي و كلاب أهل الذمة و بزاتهم حلال للمسلمين أن يأكلوا صيده»

و غير ذلك.

و حينئذ فإن كان المرسل مسلما فقتل حل و لو كان المعلم مجوسيا أو وثنيا فضلا عن غيرهما و لو كان المرسل غير مسلم لم يحل و لو كان المعلم مسلما لما عرفت من كون المدار على الإرسال دون التعليم، و اللّه العالم.

و لو أرسل كلبه على صيد معين و سمى حين إرساله فقتل غيره حل بلا خلاف أجده فيه، بل و لا إشكال بعد إطلاق الأدلة و عمومها، و خصوص

خبر عباد بن صهيب (3) الوارد في الرمي الذي لا فرق بينه و بين إرسال الكلب في ذلك قطعا، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل سمى و رمى صيدا فأخطأ و أصاب صيدا آخر، قال: يأكل منه»

الذي منه و منهما يستفاد عدم اعتبار قصد عين الصيد و إن اعتبرنا قصد جنسه، لا على وجه لو رمى سهما في الهواء أو فضاء الأرض لاختبار قوته أو عبثا أو رمى إلى هدف فاعترض صيدا فأصابه و قتله من غير قصده، فإنه لا يحل و إن سمى عند إرساله، لأصالة عدم التذكية المقتصر في الخروج منها على المتيقن الذي هو الإرسال و الرمي بقصد جنس الصيد، أما الفرض فلا إشكال في حله.

____________

(1) المستدرك- الباب- 12- من أبواب الصيد- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصيد- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الصيد- الحديث 1.

46

و كذا لو أرسله على سرب ضباء و لم يقصد واحدا بعينه، أو أرسله على صيود كبار فتفرقت عن صغار فقتلها الكلب حلت إذا كانت ممتنعة لما عرفت من كون المدار على قصد جنس الصيد و لو في ضمن قصد شخص بعينه لا على خصوص ما قصد اصطياده.

و كذا الحكم في الآلة كالسهم و نحوه من السلاح الذي لا فرق بينه و بين الكلب في الحكم المزبور بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، مضافا إلى اتحاد مقتضى الأدلة فيهما بالنسبة إلى ذلك حلا و حرمة.

إنما الكلام في قول المصنف و غيره أما لو أرسله و لم يشاهد صيدا فاتفق إصابة الصيد لم يحل و لو سمى، سواء كانت الآلة كلبا أو سلاحا الذي مقتضاه اعتبار المشاهدة التي لو نزلت على إرادة مطلق العلم منها أمكن إشكالها بمنافاة ذلك لإطلاق الأدلة و عمومها الذي قد عرفت عدم زيادة مقتضاها على كون الإرسال أو الرمي للصيد المتحقق مع المشاهدة و عدمها، بل مع العلم و عدمه إلا أن قوله تعليلا للحكم المزبور لأنه لم يقصد الصيد فجرى مجرى استرسال الكلب يقتضي كون مراده بالأول غير القاصد لأصل الصيد.

اللهم إلا أن يكون مراده عدم إمكان تحقق قصد الصيد مع عدم المشاهدة أو ما يقوم مقامها من أسباب العلم، كما صرح به الفاضل في التحرير، قال: «و لو لم ير صيدا و لا علمه فرمى سهمه أو أرسل كلبه فصاد لم يحل و إن قصد الصيد، لأن القصد إنما يتحقق مع العلم» و لكن فيه منع واضح، ضرورة صدق قصد الصيد.

ثم قال: «و لو رأى سوادا و سمع صوتا فظنه آدميا أو بهيمة أو حجرا فرماه فبان صيدا لم يحل، سواء أرسل سهما أو كلبا، و كذا

47

لو ظنه كلبا أو خنزيرا، و لو ظن أنه صيد حل، و لو شك أو غلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يحل، و لو رمى حجرا فظنه صيدا فقتل صيدا احتمل الحل، لأن صحة القصد تبنى على الظن و عدمه، لأنه لم يقصد صيدا على الحقيقة».

و في القواعد «و لو أرسله و لم يشاهد صيدا و سمى فأصاب صيدا لم يحل» و مقتضى إطلاقه عدم الحل حتى لو كان قد أرسله للصيد و إن علم به أو ظن.

لكن في كشف اللثام «الوجه الاجتزاء بالعلم بل الظن، فيحل بإرسال الأعمى إذا علم أو ظن، للعمومات، و ربما احتمل الاجتزاء بالاحتمال» و كأنه أشار بذلك إلى ما في المسالك، قال: «و الأقوى عدم اشتراط مشاهدة الصيد، و الاكتفاء بالعلم به بل بظنه، لتوجه القصد اليه، بل يحتمل الاكتفاء بقصده إذا كان يتوقعه و بنى الرمي و الإرسال عليه، كما إذا رمى في ظلمة الليل و قال ربما أصيب صيدا فأصابه، و على هذا يتفرع صيد الأعمى، فإن أحس بالصيد في الجملة و لو ظنا فقصده بالرمي أو الإرسال فوافق حل» و ظاهرهما تحقق صدق قصد الصيد مع الاحتمال و هو كذلك.

لكن في مجمع البرهان بعد أن ذكر الأمثلة المجردة عن قصد الصيد كرمي السهم للهدف و إرسال الكلب للامتحان و نحوهما قال: «هكذا يذكرون هذه المسألة، و لا نعرف دليلها، نعم هي ظاهرة على تقدير ترك التسمية، و الظاهر تركها بناء على ظنه، إذ الفرض أنه ظن غير صيد و لا قصد، و أما على تقدير التسمية لاحتمال وقوعه على صيد اتفاقا و إن ظن عدمه فليست بظاهرة، بل الظاهر الحكم حينئذ بالحل، لعموم الأدلة، بل خصوصها، إذ ليس في الأدلة قصد الصيد، بل قتله مع

48

التسمية و سائر الشرائط، و فهم اشتراط القصد من مجرد أن الظاهر أن الذي يسمى إنما يقصد الصيد و لا يمكن بدون ذلك مشكل، إذ قد يظن عدمه، و يكون محتملا وجوده فيسمي. و بالجملة الفرض ليس بمحال، و إنما البحث معه، و لا يبعد حمل كلامهم على عدم التسمية» إلى آخره.

و فيه (أولا) أن بعض كلماتهم صريحة في التحريم مع التسمية كما سمعته من القواعد. و (ثانيا) أن مبنى الحل في ذلك ليس عدم اشتراط قصد الصيد، بل صدق تحققه مع الاحتمال، نعم لو لم يكن قد قصده أصلا بل كان مراده الامتحان و نحوه فصادف صيدا لم يحل و إن سمى لغرض من الأغراض، لما عرفته من أصالة عدم التذكية المقتصر في الخروج منها على المتيقن الذي هو الصيد المقصود دون غيره.

و منه يعلم مواضع النظر فيما سمعته من التحرير، و ربما يأتي لذلك زيادة عند تعرض المصنف لبعض هذه الأمثلة في الذباحة، و اللّه العالم.

و كيف كان ف الصيد الذي يحل بقتل الكلب له أو الآلة في غير موضع الذكاة هو كل ما كان ممتنعا وحشيا كان أو إنسيا توحش من الحيوان المحلل لحمه المحرم ميتته.

و كذلك ما يصول من البهائم أو يتردى في بئر و شبهها و يتعذر نحره أو ذبحه، فإنه يكفي عقرها في استباحتها (استباحته خ ل) و لا يختص العقر حينئذ بموضع من جسدها بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا.

بل في الرياض «كما حكاه جماعة- قال-: و هو الحجة مضافا إلى النصوص (1) الآتية في الأخير، لكن ليس فيها التعميم في الحيوان و الآلة، و العرف و اللغة في الوحشي الممتنع، إذ لا فرد للصيد أظهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح.

49

منه، فيدخل تحت عموم ما دل (1) على حله بالاصطياد بمطلق الآلة المعتبرة من غير تذكية، و أما الانسي المستوحش ففي صدق الصيد عليه فيهما حقيقة مناقشة، و الأصول تقتضي الرجوع في إباحته إلى مراعاة التذكية، لكن الإجماع و النصوص المزبورة في المتردي (2) ألحقاه بالصيد و إن اختلفا في الإلحاق كلا حتى في مقتوله بالكلب و نحوه كما يظهر من الأول، أو في الجملة كما يظهر من الثاني.

و أما أن غير الممتنع ليس بصيد فالأصل فيه العرف و اللغة، فيندرج تحت عموم ما دل (3) على توقف حل الحيوان على التذكية، مضافا إلى فحوى النصوص (4) الآتية في لزوم التذكية لحل الصيد بعد أن أدرك و فيه حياة مستقرة، و ليس ذلك إلا لزوال امتناعه الموجب لانتفاء حكم الصيد عنه، فإذا ثبت انتفاؤه عنه مع حصول الامتناع فيه في الجملة و صدق الصيد عليه حقيقة عرفا و لغة فثبوته عما ليس بممتنع بالأصل أولى، مع أن كون مثله صيدا يستلزم عدم وجود ما يحكم في حله بالتذكية بالذبح و النحر أصلا، و هو فاسد قطعا، و النصوص (5) بخلافه متواترة جدا».

و كأنه عرض ببعض ما ذكره بالمقدس الأردبيلي، فإنه بعد ذكر أن دليل وحشي الأصل واضح قال: «و كأن الثاني- أي الأهلي المستوحش- صيد شرعا، و يحتمل لغة أيضا، و لعل عموم ما يدل على جواز أكل ما قتله الآلات المذكورة مثل الكلب من الكتاب (6) و السنة (7) يشمله

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصيد.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 3.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصيد.

(5) الوسائل- الباب- 3 و 5- من أبواب الذبائح.

(6) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(7) الوسائل- الباب- 1 و 16- من أبواب الصيد.

50

فتأمل. و بالجملة هو مثل الوحشي في هذا الحكم لعله بالإجماع أو القياس، و الضرورة و رفع الحجر و عدم تضييع المال و العمومات مؤيدات، و كذا الخصوصيات الآتية، فتأمل».

قلت: لا يخفى عليك أن ذلك كله خال عن التحصيل بعد الاعتراف بالإجماع المحقق، بل في المسالك هو موضع وفاق منا و من أكثر العامة و خالف فيه مالك، فقال: لا يحل إلا بقطع الحلقوم، و منه يمكن دعوى اندراجه في إطلاق أو عموم قتيل الكلب و السلاح المقتصر في الخروج منه على الانسى غير الممتنع و إن لم يسم صيدا لغة و عرفا.

مضافا إلى

خبر أبي البختري (1) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) قال: إذا استصعبت عليكم الذبيحة فعرقبوها و إن لم تقدروا أن تعرقبوها فإنه يحلها ما يحل الوحش»

الذي هو كالصريح في اتحاد حكم المستوحش بالعارض و وحشي الأصل، و كفى به دليلا بعد انجباره بالعمل و الإجماع المزبور، بل و النبوي (2) و إن لم أجده في طرقنا «كل إنسية توحشت فذكها ذكاة الوحشية».

و منه يظهر المناقشة فيما سمعته من الرياض، بل قد يستفاد منه أن المراد بما في غيره من النصوص في المستعصي ذكر فرد من أفراد تذكية الوحشي لا الاختصاص بذلك.

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): «في ثور

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 9.

(2) كنز العمال ج 3 ص 241- الرقم 3792 و فيه

«إذا استوحشت الإنسية و تمنعت فإنه يحلها ما يحل الوحشية»

. (3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 1.

51

تعاصى فابتدره قوم بأسيافهم و سموا، فأتوا عليا (عليه السلام) فقال:

هذه ذكاة وحية (1) و لحمه حلال».

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر العيص بن القاسم (2): «إن ثورا بالكوفة ثار، فبادر الناس إليه بأسيافهم فضربوه، فأتوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبروه فقال: ذكاة و حية و لحمه حلال».

و في خبر الفضل بن عبد الملك و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (3) «إن قوما أتوا النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقالوا: إن بقرة لنا غلبتنا و استصعبت علينا فضربناها بالسيف، فأمرهم بأكلها».

بل في خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن امتنع عليك بعير و أنت تريد أن تنحره فانطلق منك فان خشيت أن يسبقك فضربته بالسيف أو طعنته بحربة بعد أن تسمي فكل إلا أن تدركه و لم يمت بعد فذكه»

الظاهر في كون الأمر أوسع من ذلك باعتبار الاكتفاء فيه بخوف السبق.

نعم نصوص المتردية لا عموم فيها على وجه يشمل التذكية بعقر الكلب مثلا، ففي

خبر إسماعيل الجعفي (5) «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

بعير تردى في بئر كيف ينحر؟ قال: يدخل الحربة فيطعنه بها و يسمي و يأكل».

و في خبر زرارة (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن بعير تردى في بئر ذبح من قبل ذنبه، فقال: لا بأس إذا ذكر اسم اللّه عليه».

و في خبر الحسين بن علوان (7) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر

____________

(1) أي سريعة (منه (رحمه اللّه)).

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح الحديث 6.

(7) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح الحديث 7.

52

ابن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «أنه سئل عما تردى على منخره فيقطع و يسمى عليه، فقال: لا بأس، و أمر بأكله».

و في خبره الآخر بالإسناد السابق (1) عنه (عليه السلام) أيضا «أيما إنسية تردت في بئر فلم يقدر على منحرها فلينحرها من حيث يقدر عليه و يسمى اللّه عليها و يأكل».

و في حسن الحلبي (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل ضرب بسيفه جزورا أو شاة في غير مذبحها و قد سمى حين ضرب.

أما إذا اضطر اليه و استصعب عليه ما يريد أن يذبح فلا بأس بذلك».

و في خبر أبي ثعلبة (3) المروي عن غير طرقنا «قلت: يا رسول اللّه إن بعيرا تردى فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله): إن لهذه أوابد كأوابد الوحش، فما عسر عليكم منها فاصنعوا به هكذا»

و الأوابد: المستوحشة.

و في آخر (4) «أنه (صلى اللّه عليه و آله) سئل عن بعير تردى في بئر فقال (صلى اللّه عليه و آله): لو طعنه في خاصرته لحل لك».

إلى غير ذلك من النصوص التي منها يظهر لك وجه المناقشة فيما ذكره الأردبيلي (رحمه اللّه) قال: «و أما المتردية فظاهر قوله تعالى (5): «وَ الْمُتَرَدِّيَةُ- إلى قوله- إِلّا ما ذَكَّيْتُمْ» تحريمه إلا مع التذكية، إلا أن يحمل على القتل بما أمكن» ثم ذكر بعض النصوص السابقة، و قال: «إنها لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبائح- الحديث 3.

(3) سنن البيهقي- ج 9 ص 246 و 247 عن رافع بن خديج.

(4) سنن البيهقي ج 9 ص 246 مع الاختلاف في اللفظ.

(5) سورة المائدة: 5- الآية 3.

53

تدل على غير البعير و البقر، و لا على جواز القتل بمطلق الآلة حتى الكلب و السهم، فيمكن الاقتصار على ما في الروايات، و التعدي لعدم الفرق و فهم العلة و ذكر الأصحاب من غير فرق و قائل بالفرق يدل على العموم في الغنم و غيره أيضا، و أما التعدي إلى الكلب فغير معلوم الجواز، بل لا يفهم من عباراتهم، نعم من الذين ذكروا أن حكمه حكم الصيد يفهم ذلك كأنه غير المتردي و غير الصائل، بل المستعصي، فتأمل. و بالجملة إن صدق أنه صيد فحكمه حكمه، و إلا فيقتصر فيه على ما علم جواز قتله به و أكله، مثل القتل بالرمح في المستعصي، فتأمل».

إذ لا يخفى عليك ما في كلامه من التشويش و عدم الإحاطة بجميع النصوص التي منها ما سمعته من قرب الاسناد و غيره، بل لا ينبغي الشك في دخول الصائل في المستعصي الذي قد سمعت

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): «إنها يحلها ما يحل الوحش».

و منه يمكن تنزيل إطلاق كلامهم على ذلك، حيث قالوا: و كذا الصائل و المتردي، مشيرين به إلى ما ذكروه سابقا من القتل بالكلب و الآلة في المستوحش و لو إنسيا، فيكون المراد من العقر في كلامهم ما يشمل العقر بالكلب و غيره.

مؤيدا ذلك بدعوى أن التأمل في النصوص المزبورة و غيرها يقتضي أن الشارع شرع فردين للتذكية: أحدهما الذبح و النحر في الحيوان المقدور على ذلك فيه و لو كان وحشيا قد استأنس أو جرح مثلا بحيث لا يستطيع الامتناع بفرار و نحوه، و ثانيهما العقر بكلب أو سلاح للحيوان الممتنع ذكاته بالكيفية المزبورة، و لو لاستيحاش بعد الاستيناس أو لصيرورة سبعية فيه بصول و نحوه، أو لتردي في بئر و نحوه، أو لدخول في جحر ضيق أو

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 9.

54

نحو ذلك، و حينئذ يكون الاستيحاش في وحشي الأصل سببا للتذكية المزبورة باعتبار كونه أحد أفراد عدم القدرة عليه لا لخصوصية فيه.

كما أنه بناء على ذلك لا مدخلية لصدق الصيد و عدمه في التذكية المزبورة، و هو قوي جدا خصوصا في الوحشي إذا تردى في بئر مثلا أو تحصن في غار و إن خرج بذلك عن الامتناع بالفرار، و لكن في تحصيله من كلام الأصحاب نوع صعوبة في خصوص الانسي المتردي، بل و الصائل فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد أن كان الأصل عدم التذكية.

نعم يلزم من كلام الأصحاب خصوصا ثاني الشهيدين منهم و صاحب الكفاية اختصاص هذا النوع من التذكية المزبورة بمأكول اللحم، دون غيره من طاهر العين الذي يخرج بتذكية الذبحية عن كونه ميتة، و يصح لبس جلده، و لعله لأن المنساق من الأدلة- خصوصا قوله تعالى (1):

«فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» و ما شابهه من السنة (2)- مباح الأكل، على أن الأصل في التذكية الذبح، و أن هذا النوع قائم مقامها، و لم يثبت قيامه في غير مأكول اللحم.

بل لو لا ظهور بعض النصوص (3) و الفتاوى لأمكن القول بأن هذا النوع من الميتة التي أحلها الشرع، و إلا فليس هو تذكية، فيقتصر على خصوص ما ثبت منه، لكن إطلاق بعض معاقد الإجماعات المحكية بل و بعض النصوص يقتضي كون هذا القسم كالذكاة الذبحية في المأكول و غيره.

بل في موثق سماعة (4) «عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: إذا

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصيد.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبائح- الحديث 1 و 2.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4.

55

رميت و سميت فانتفع بجلده، و أما الميتة فلا»

و إن اختص بالآلة الجمادية إلا أن الظاهر عدم الفرق بينها و بين الكلب في ذلك و إن كان الاحتياط لا ينبغي تركه فيه، بل و في الآلة الجمادية و إن كان ظاهرهم فيما يأتي المفروغية من ذلك، و اللّه العالم.

و كيف كان ف لو رمى فرخا لم ينهض فقتله لم يحل لعدم كونه من الحيوان الممتنع، فلا يكون صيدا و كذا لو أرسل كلبه على حيوان غير ممتنع كذلك.

و حينئذ ف لو رمى طائرا و فرخا لم ينهض فقتلهما حل الطائر دون الفرخ بلا خلاف و لا إشكال. لأن لكل واحد منهما حكم نفسه بسبب الامتناع الذي يدخله تحت اسم الصيد و عدمه.

قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الأفلح (1): «لو أن رجلا رمى صيدا في و كره فأصاب الطير و الفراخ جميعا فإنه يأكل الطير و لا يأكل الفراخ، و ذلك أن الفرخ ليس بصيد ما لم يطر، و إنما يؤخذ باليد، و إنما يكون صيدا إذا طار»

و هو صريح في المطلوب.

بل منه يستفاد أصل الحكم المزبور و إن كان يكفي في إثباته أن الأصل عدم التذكية أو عدم كون هذا النوع تذكية المقتصر في الخروج منه على غير الفرض، و لو لأنه المنساق من الأدلة كتابا و سنة، و اللّه العالم.

و لو تقاطعت الكلاب الصيد قبل إدراكه على وجه يكون إزهاق نفسه بالتقطيع المزبور لم يحرم لوجود شرط الحل و انتفاء المانع، إذ ليس إلا قطع الكلاب له، و هو تذكية لا مناف لها، بل في المسالك «لا فرق بين تقاطعهم إياه و حياته مستقرة و عدمه بخلاف ما لو تقاطعه الصائدون، فان حله مشروط بوقوع فعلهم بعد أن صار في حكم المذبوح

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الصيد- الحديث 1.

56

و الفرق أن ذكاته بالذبح معتبرة مع إمكانها بعد أخذ الكلب له لا بدونها فإذا أدركه الصائدون أو بعضهم مستقر الحياة صار حله متوقفا على الذبح فلا يحل بدونه، بخلاف تقاطع الكلاب له قبل إدراكه، فإن اعتبار ذبحه ساقط».

قلت: ستعرف عدم الفرق بين الصيد بالكلب أو بالسلاح في أنه متى قطع من الصيد قطعة و كان الباقي مستقر الحياة كان ما قطع منه قطعة مبانة من حي، فهي ميتة، و إلا كان حلالا، كما أنه لو تقاطعه الصائدون بسيوفهم و هو ممتنع حتى صار إزهاق نفسه بذلك كان حلالا مثل صيد الكلاب.

نعم لو فرض تقطيع بعض الكلاب له و كان الباقي ذا حياة مستقرة و لم يدركه الصائدون حتى قتله الكلب كان ذلك حلالا لا القطعة التي قطعها الكلب أولا، بخلاف الصائد، فإنه متى قطع منه قطعة و كان حياته مستقرة و أدرك ذكاته اعتبر في حله تذكيته، لخروجه عن الامتناع حينئذ، فيعتبر فيه ما يعتبر في غيره من الحيوان غير الممتنع، و ستسمع تفصيل الحال في ذلك إنشاء اللّه، و ربما كان ذلك هو مراده في المسالك، لا أنه خلاف في المسألة، فتأمل. و اللّه العالم.

و لو رمى صيدا فتردى من جبل أو وقع في الماء فمات لم يحل، لاحتمال أن يكون موته من السقطة مثلا، ضرورة كونه من اجتماع السببين المختلفين في التحليل و التحريم، و قد عرفت غلبة جانب التحريم حتى يعلم استناد الموت إلى السبب المحلل، و إلا حرم حتى لو ظن فضلا عن حال الشك أو الظن أو العلم بالعدم، لأصالة عدم التذكية، و ل

صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل رمى صيدا و هو على جبل أو حائط فيخرق فيه السهم فيموت، قال: كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الصيد- الحديث 1.