جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج37

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
475 /
7

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين الغر الميامين.

[كتاب الغصب]

كتاب الغصب و النظر في السبب و الحكم و اللواحق

[النظر الأول في السبب]

أما الأول

[تعريف الغصب]

فالغصب هو لغة أخذ الشيء ظلما، كما في القاموس و غيره قال في الأول: «غصبه يغصبه: أخذه ظلما كاغتصب، و فلانا على الشيء:

قهره» و في الصحاح «الغصب: أخذ الشيء ظلما، تقول: غصبه منه و غصبه عليه بمعنى، الاغتصاب مثله، و الشيء غصب و مغصوب» نعم في الإسعاد لبعض الشافعية زيادة «جهارا» لتخرج السرقة و نحوها، و عن ابن الأثير أنه أخذ مال الغير ظلما و عدوانا.

8

و إليه يرجع ما في الكتاب و القواعد و النافع و الإرشاد و الدروس و اللمعة و التنقيح من أنه الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدوانا بل في المسالك نسبته إلى الأكثر، إذ ليس فيها إلا تبديل الأخذ بالاستقلال نظرا إلى صدق الغصب بذلك و إن لم يكن أخذا، كما لو كان المال في يده فغصبه، مع أنه يمكن إرادة ما يشمل ذلك من الأخذ الموافق ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «على اليد ما أخذت».

و أبدل الاستقلال في التحرير و الإيضاح بالاستيلاء على مال الغير بغير حق، كما أنه في التبصرة و الروضة و غيرهما من كتب متأخري المتأخرين تبديل المال بالحق، فقالوا: «الاستيلاء على حق الغير عدوانا» و في الكفاية و المفاتيح «الاستيلاء على حق الغير بغير حق» و ستعرف الوجه في ذلك كله. و عن الوسيلة «الاحتواء على مال الغير بغير تراض».

و في التنقيح «أن الفقهاء يطلقون الغصب على ما في التعريف الأول و على ما يشبهه من المفهومات إما بالإتلاف مباشرة أو تسبيبا، و إما بالقبض بالبيع الفاسد» و نحوه قول بعض الشافعية: «إن كل مضمون على ممسكه مغصوب» و في المسالك «أن الأظهر إطلاقه على ما يقتضي الإثم و غيره و الأغلب الأول».

قلت: الذي يحضرني من استعمال لفظ الغصب في الكتاب و السنة قوله تعالى (2) «يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» و قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي ولاد (3) في شأن البغل الذي استأجره حيث قال: «فلي

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من كتاب الغصب- الحديث 4 و سنن البيهقي ج 6 ص 95.

(2) سورة الكهف: 18- الآية 79.

(3) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الغصب- الحديث 1.

9

عليه علفه؟ قال: لا، لأنك غاصب»

و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): «إذا اغتصب أمة فاقتضت فعليه عشر قيمتها»

و «الحجر المغصوب في الدار رهن على خرابها» (2)

و قول أبي الحسن (عليه السلام) (3) في ذكر ما يختص بالإمام: «و له صوافي الملوك ما كان في أيديهم على غير وجه الغصب، لأن الغصب كله مردود»

و في الخبر (4): «من غرس أو زرع في أرض مغصوبة فله الزرع و الغرس، و عليه الأجرة لصاحب الأرض».

و في آخر (5): «عن رجل اغتصب امرأة فرجها».

و في ثالث (6): «أول فرج غصبناه».

و في النبوي (7) «من غصب شبرا من أرض طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة».

و في آخرين (8) «من غصب أرضا»

و «غصب فدك» (9)

و «غصب على (عليه السلام) الخلافة»

و «غصب أولاده حقوقهم» (10).

و على كل حال فليس للغصب حقيقة شرعية قطعا، كما أنه ليس له أحكام مخصوصة زائدة على المضمون بقاعدة اليد

و «من أتلف»

كي يحتاج

____________

(1) الوسائل- الباب- 82- من أبواب نكاح العبيد و الإماء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الغصب- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الغصب- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الغصب و هو نقل بالمعنى.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النكاح المحرم- الحديث 1 من كتاب النكاح.

(6) الوسائل- الباب- 12- من أبواب ما يحرم بالكفر- الحديث 2 من كتاب النكاح، و فيه

«إن ذلك فرج غصبناه»

. (7) لم أعثر على مصدره من كتب الاخبار مع التتبع التام في مظانه، و إنما ذكره ابن قدامه في المغني ج 5 ص 378 و السرخسي في كتاب المبسوط ج 11- ص 49.

(8) كنز العمال ج 5 ص 328 الرقم 5741 و هو نبوي واحد، و فيه

«من غصب رجلا أرضا»

. (9) ورد في الزيارة المخصوصة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير:

«غصب الصديقة. فدكا»

. (10) جاء في البحار- ج 8 ص 388 من طبعة الكمباني «الذين غصبوا آل محمد (ص) حقهم».

10

إلى المتعبة في تنقيح معناه، و قولهم: «إن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال فيضمن القيمة و إن زادت عن دية الحر، و يكلف إذا أتلف المثلي بالمثل و إن تضاعفت قيمته» ستعرف تحقيق الحال فيه.

و على تقديره فالمتجه ملاحظة المعنى اللغوي لا الاصطلاحي بين الفقهاء الذي مبناه ملاحظة الضمان لا خصوص كونه غصبا، و إلا فليس المأخوذ غلطا أو نسيانا مغصوبا قطعا.

و من هنا يظهر لك الحال فيما أطنبوا فيه في المقام من المناقشة في التعريف الأول بعد أن ذكروا أن المراد بالاستقلال فيه الإقلال: أي الاستبداد به، و أنه احترز به عما لو أزعج المالك عن ماله و لم يستول عليه، فإنه لا يضمن لو تلف المال، و كذا لو هد مقود الدابة المركوبة لمالكها مع قوته على دفعه.

و بالمال عن إثبات اليد على ما ليس بمال كالحر، فإنه لا يضمن، نعم يشمل المال العين و المنفعة المجردة عنها، كما لو آجر داره ثم استولى عليها، فإنه يكون غاصبا للمنفعة، و يخرج منه منفعة البضع، فإنها و إن دخلت في المنفعة لكن لا تدخل في المال الذي ينقسم اليه العين و المنفعة، فالداخل هنا في المال منفعة خاصة، و هي منفعة المال لا مطلق المنفعة، كما أن المراد بالعين عين خاصة، و هي عين المال لا مطلق العين.

و بإضافة المال الى الغير عن مال نفسه، كما لو أثبت يده على ماله عدوانا، كالمرهون المشروط كونه في يد المرتهن مثلا، فإنه ليس بغاصب.

و بالعدوان عن إثبات يد المرتهن و الولي و الوكيل و المستأجر و غيرهم مما لا يكون عدوانا.

فأوردوا عليه- و إن كان لا يخفى عليك ما في بعضه أو جميعه- بأنه ينتقض في عكسه بما لو سكن مع المالك قهرا أو بغير إذنه و إن قدر

11

المالك على دفعه فلم يفعل، فإنه غير مستقل بإثبات اليد، لمشاركة المالك له في اليد، بل ربما كان المستقل بها في الثاني هو المالك.

بل ينتقض بما لو اشترك اثنان في غصب مال بحيث يعجز كل واحد عن الاستقلال به منفردا، فإنه لا استقلال لكل واحد بالمال، و إنما هو مركب منهما، مع أن كل واحد منهما محكوم بكونه غاصبا، و من ثم تخير المالك في تضمين من شاء منهما. و إلى ذلك نظر من بدل الاستقلال بالاستيلاء.

و بما لو أذن غير المالك لغيره في سكنى داره و الساكن جاهل بالحال، فإنه ليس بغاصب، لأنه غير متعد، و الآذن و إن كان متعديا بالاذن إلا أنه غير مستقل بإثبات اليد، مع أنه الغاصب شرعا، و الضمان راجع عليه.

و بما لو استقل بإثبات اليد على حر صغير أو مجنون فتلف بسبب، كلدغ حية أو وقوع حائط عند الشيخ كما سيأتي.

و بأن منفعة البضع قد تضمن، كما لو تعمدت الرضاع المحرم، أو رجع الشاهدان بالطلاق عنه.

و بما لو استولى المالك على ماله المرهون عدوانا، فإنه يضمنه مع التلف بالمثل أو القيمة، و يكون رهنا، و حق المرتهن لا يسمى مالا.

و بما لو استقل باليد على حق الغير في نحو المدرسة و الرباط و المسجد و التحجير، فإنه في جميع ذلك غاصب مع أنه لم يستول على ماله.

و بما لو غصب الوقف العام، فإنه ليس ملكا للغير أو الخاص على القول بانتقال ملكه إلى الله تعالى، و إليه نظر من بدل المال بالحق.

و بما سيأتي من الصور التي يضمن فيها المال بالتسبيب من دون أن تستقل يده، كما لو فتح قفص الطائر أو حل قيد الدابة و نحو ذلك.

و بمن ترتبت يده على يد الغاصب جاهلا، فقد سموه غاصبا،

12

و جوزوا الرجوع عليه، مع أنه غير عاد، و كذا من سكن دار غيره أو لبس ثوبه غلطا.

و من هنا عدلوا عن التعريف المزبور إلى ما سمعت، و إن اختلفت عباراتهم في المعدول إليه أيضا.

و في المسالك «و من تعريفاته أنه الاستيلاء على مال الغير بغير حق، و هو أعم من الأول، و سالم من كثير مما يرد عليه، و متناول لهذه الأسباب الأخيرة الموجبة للضمان مع عدم العدوان، فان عدم الحق أعم من العدوان لأن المستولي على مال الغير جهلا أو غلطا غير عاد و إن كان ذلك بغير حق، كما لا يخفى- إلى أن قال-: و عذر الأول أن الثابت في هذه المواضع حكم الغصب، لا حقيقته التي لا تتم إلا بالتحريم، و يبقى فيه مشاركته للأول في الاستيلاء على حق الغير مما ليس بمال، فكان الأجود على هذا عبارة ثالثة، و هي الاستيلاء يتناول مشاركة المالك في الانتفاع بماله و إن لم يكن مستقلا، و كذا المشارك في الغصب لغيره من غير أن يكون أحدهما مستقلا، و الحق يشمل المال من عين أو منفعة و غيره، كما ذكر في الأمثلة و غيرها، و بغير حق يشمل باقي أفراد الضمان الذي لم يتحقق معه العدوان، و الأظهر في الاستعمال إطلاق الغصب على ما يشمل المقتضى للإثم و غيره و إن كان الأغلب الأول».

قلت: و منه ما في الدروس و غيرها من «أن تحريم الغصب عقلي و إجماعي و كتابي و سني، قال الله تعالى «وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» (1). «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» (2).

____________

(1) سورة البقرة: 2 الآية 188.

(2) سورة المطففين: 83 الآية 1.

13

«الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» (1).

و قال النبي (صلى الله عليه و آله) (2): «إن دماءكم و أموالكم عليكم حرام. لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيب نفسه».

إلى آخره و نحوه غيره.

و منه يعلم عدم كون ما ذكر أخيرا من الجاهل و الناسي غاصبا، ضرورة عدم الإثم فيه، و إن ثبت له حكم الغصب الذي هو الضمان الناشئ من قاعدة «على اليد» الشاملة للغصب و غيره.

كما أنه من الجميع يعلم عدم الغصب في المتلف مباشرة أو تسبيبا من دون استيلاء و إن ضمنه بقاعدة الإتلاف أو الضرار.

بل مما ذكرنا يعلم الخبط في كثير، ضرورة عدم حقيقة شرعية للغصب، بل هو باق على المعنى اللغوي الموافق للعرفي الذي يمكن عدم اندراج السرقة فيه، و إليه نظر من اعتبر الجهار فيه، بل لا بد فيه من قهر و استعلاء و نحوهما.

و كأن الأكثر لم يلحظوا فيما سمعته من تعريفهم إلا كشف المعنى المزبور من حيث كونه سببا للضمان الذي يتعلق بالمال، و إن ذكروا غيره من أسباب الضمان معه في كتاب الغصب، و لم يختلط عليهم المعنى المزبور و إن اختلفت عباراتهم في تأديته نحو اختلاف عبارات أهل اللغة في تأدية المعنى اللغوي التي ربما يكون بعضها أوضح من الأخرى.

و الذي يسهل الخطب عدم أحكام شرعية معلومة زائدة على الضمان عنوانها الغصب كي يحتاج إلى التعب في تحقيق معناه إلا نادرا، كتكليف الغاصب بالرد و إن استلزم المشقة الشديدة بتلف المال و غيره.

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 10.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3 من كتاب القصاص.

14

و حينئذ لا ريب في الرجوع فيه إلى المعنى اللغوي الموافق للعرفي دون الاصطلاحي الذي سمعت نسبته في التنقيح إلى الفقهاء بعد تسليمه كما هو واضح.

و على كل حال ف لا يكفي في تحقق كون المال مغصوبا رفع يد المالك ما لم يثبت الغاصب يده كما صرح به الفاضل و غيره، بل عن التذكرة نفي الشك فيه، لما عرفت من كونه الأخذ أو الاستقلال أو الاستيلاء، و الجميع غير صادق و إن أطلق على الشخص نفسه أنه مغصوب بمعنى كونه مقهورا.

و حينئذ فلو منع غيره من إمساك دابته المرسلة فتلفت لم يضمن.

و كذا لو منعه من القعود على بساطه أو منعه من بيع متاعه فنقصت قيمته السوقية أو تلفت عينه كما في النافع و محكي التحرير و التبصرة و شرح الإرشاد للفخر و إن لم يذكر في بعضها تمام الأمثلة، بل في المسالك و غيرها نسبته إلى المشهور، للأصل بعد عدم تحقق الغصب بعدم إثبات اليد.

لكن عن التذكرة بعد أن نفى الشك عن عدم تحقق الغصب في الدابة المزبورة قال: «و هل يضمن؟ قال بعض علمائنا: لا يضمن، و فيه إشكال».

و منه يعلم أنه لا يلزم من عدم كونه غاصبا عدم كونه ضامنا، لإمكان سبب آخر غير الغصب.

و لعله لذا قال في المسالك و تبعه عليه غيره: «إنه ينبغي أن يختص ما ذكروه بما لا يكون المانع سببا في تلف العين بذلك بأن اتفق تلفها مع كون السكنى غير معتبرة في حفظها و المالك غير معتبر في مراعاة الدابة، كما يتفق لكثير من الدور و الدواب، أما لو كان متوقفا على

15

سكنى الدار و مراعاة الدابة لضعفها أو كون أرضها مسبعة مثلا فان المتجه الضمان، نظرا إلى كونه سببا قويا مع ضعف المباشر» و هو المحكي عن الشهيد في بعض فتاواه و الكركي، و استحسنه في الرياض،

لعموم «لا ضرر و لا ضرار» (1).

قال: «و من هنا يتوجه الحكم بضمان نقص القيمة السوقية للمتاع إذا حصل بمنع المالك عن بيعه و لو مع بقاء العين و صفاتها، و ذكر القائل المتقدم أنه لم يضمن قطعا، لأن الفائت ليس بمال بل اكتسابه، و هو كما ترى، لاتحاد وجه الحكم بالضمان هنا و فيما مضى، و هو صدق الإضرار المنفي شرعا، و ليس فيه ما يقتضي تخصيص الضرر المنفي بما يكون متعلقة مالا، و لعله لذا اختار الشهيد في بعض فتاواه الضمان هنا، و إن قوى في الدروس عدم الضمان مطلقا وفاقا للمشهور، كما في المسالك و الكفاية».

قلت: لا ينبغي التأمل في عدم ضمان نقصان القيمة السوقية، لعدم تفويت مال عليه بمباشرة أو تسبيب، و من هنا لم تضمن منافع الحر إجماعا، مع أن

قاعدة «لا ضرر و لا ضرار»

تأتي فيه.

على أن استفادة الضمان من القاعدة المزبورة متوقفة على الانجبار بفتوى الأصحاب، إذ لا اقتضاء لها إلا عدم مشروعية ما فيه الضرر و الضرار في الإسلام على معنى النهي عن إيجاده، و هو إنما يقتضي حرمة ذلك، لا الجبر بالضمان المتوقف على إرادة انتفاء وجوده في الدين المنزل على إرادة جبر ما يحصل منه فيه بالغرامة، لأنه أقرب المجازات إلى نفيه، بل يمكن دعوى إرادة ذلك حقيقة من النفي بلا تجوز.

إلا أن ذلك كله كما ترى لا يصلح دليلا لذلك من دون انجبار

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من كتاب إحياء الموات.

16

بفتوى الأصحاب فضلا عن الفتوى بخلافه، بل في الدروس و جامع المقاصد و الروضة لم يضمن في الفرض قطعا، مع حكمهم بالضمان في الأول مع فرض التسبيب.

و ما يحكى عن الشهيد في بعض فتاواه مع أنه لم نتحققه من الفتاوى المهجورة، خصوصا بعد اتفاقهم ظاهرا في أسباب الضمان الثلاثة على انحصار اقتضائها الضمان في تلف المال عينا أو منفعة، كما هو واضح.

نعم ما استحسنه من الضمان في الأول تبعا لمن عرفت في محله، مع فرض تحقق معنى السببية المقتضية للضمان في الصورة المفروضة، و الأصل فيه ما سمعته من الفاضل في محكي التذكرة و إليه أشار في الدروس بقوله: «و للفاضل وجه بالضمان و إن لم يسم غاصبا» و لكن ظاهرهما احتمال الضمان مطلقا، لا في خصوص صورة التسبيب التي قيد بها كلامهم من عرفت.

على أنه إن كان منشأه قاعدة نفي الضرر كما سمعته من الرياض يتجه إطلاق الضمان حتى في صورة عدم كونه سببا، ضرورة حصول الضرر بمنع إمساكه الذي اتفق تلف الدابة معه بأكل سبع في أرض غير مسبعة على وجه يكون سببا، و لا أظن أنه يلتزمه سيد الرياض، و منه يظهر ضعف كلامه زيادة على ما سمعت.

و على كل حال فعلى القول بالضمان في صورة التسبيب خاصة فالظاهر عدم اندراجها في إطلاق المشهور عدم الضمان المراد منه- بقرينة التفريع على ما ذكروا في معنى الغصب- عدمه من حيث الغصب الذي هو سبب في ضمان المغصوب و إن تلف بآفة سماوية، لكون اليد يد ضمان، فالغرض أنه بمجرد رفع يد المالك لا يدخل في ضمانه دخول المغصوب الذي لا يتحقق إلا بإثبات اليد مع ذلك.

17

بل يؤكد ذلك ما تسمعه من المشهور حتى المصنف من الجزم بالضمان أو التردد فيه فيما لو منعه من حراسة ماشيته حتى تلفت، فلا يتوجه ما وقع من هؤلاء الجماعة من دعوى تقييد المشهور بما ذكروه، فان مقتضاه قول المشهور بعدم الضمان في صورة الإتلاف التسبيبي المجمع على الضمان به كما ستعرف. و احتمال استثناء خصوص السبب المزبور منه واضح الفساد.

نعم قد يشك في حصول التسبيب في الصورة المزبورة و نظائرها من دعوى احتمال كون الثابت من السبب المقتضي للضمان ما لا يشمل الفرض المزبور، كما ستعرف تحقيق ذلك فيما يأتي إنشاء الله تعالى. هذا كله فيما إذا لم يحصل إلا منع المالك عن ماله.

أما لو قعد على بساط غيره أو ركب دابته ضمن لتحقق معنى الغصب الذي هو الاستقلال أو الاستيلاء أو الاحتواء بل أو الأخذ بذلك فيهما، بل في القواعد «و يتحقق إثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة، فيكفي الركوب، و في الفراش الجلوس عليه» و هو صريح في استثنائهما من المنقول، و إن كان هو كما ترى.

فلا إشكال في تحقق الغصب مع الجلوس على البساط و ركوب الدابة، سواء قصده أم لا، و سواء كان المالك حاضرا و أزعجه أم لا، لتحقق الاستيلاء عليه على وجه العدوان حيث نعتبره، أو مطلقا حيث يكتفى به في الضمان.

و ربما قيل باشتراط نقل المنقول في ضمانه، فلا يكفي مجرد ركوب الدابة من غير أن تنتقل به و الجلوس على البساط كذلك، نظرا إلى أن ذلك هو القبض في البيع و غيره لأمثاله من المنقولات.

و جوابه منع عدم تحقق القبض مطلقا بذلك، فان القبض له حكمان:

18

أحدهما دخوله في ضمانه، و هو حاصل بالركوب و الجلوس من غير نقل، و الثاني تمكينه من التصرف، و هذا يشترط في الركوب، و نحوه إذن المالك فيه، و لا فرق في هذا بين أن ينقله و عدمه، فلا وجه لإخراج التصرف بغير النقل من القبض على هذا التقدير.

و كأنه لا حاصل له، و إن كان الفاضل في محكي التذكرة قد ذكر أيضا «أن للقبض في البيع حكمين على ما سمعته من التفصيل إلا أن ذلك لا مدخل له في رد بعض الشافعية القائل بأن القبض هنا كالبيع لا يتحقق في المنقول إلا بنقله، حتى أن الكركي في باب تسليم المبيع أشكله بأنه لو أخذه المشتري بيده و لم ينقله بل تسلمه في موضعه الذي كان فيه ثم تلف لا يكون في ضمانه، مع أنه في يده، و خبر عقبة بن خالد (1) يدل على ذلك، إلا أن ما دل على ثبوت الضمان بإثبات اليد ينافيه، و الجواب يحتاج الى فضل تأمل، و تحقيق هذا موقوف على تحقيق معنى إثبات اليد» انتهى.

فكون القبض له حكمان لا مدخل له في ذلك، على أن مرجع الحكمين المزبورين إلى القبض و الإقباض، لا إلى اختلاف معنى القبض في المقام و في البيع.

فالتحقيق في الجواب عدم اعتبار النقل في قبض المنقول في المقامين بل في كل مقام اعتبر الشارع فيه القبض، لتحققه عرفا بإثبات اليد بتصرف بل و بدونه و إن لم يحصل فيه نقل، كما حققنا ذلك في كتاب البيع، فلاحظ و تأمل، و الله العالم.

و من الغريب ما يظهر من الفاضل في المقام من التفصيل في المنقول بين الدابة و الفراش و بين غيرهما. فيتحقق القبض في الأولين بالركوب

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الخيار- الحديث 1 من كتاب التجارة.

19

و الجلوس و إن لم يكن نقل، بخلاف غيرهما. و لا نعرف له وجها إلا دعوى العرف المردودة على مدعيها، ضرورة اتحاد الجميع فيه.

و أغرب منه دعوى كون القبض هنا كالقبض في البيع الذي ذكروا فيه أنه في المكيل و الموزون لا يحصل إلا بكيله و وزنه، فيقتضي حينئذ توقف الغصب على ذلك، و هو معلوم الفساد.

و على كل حال فلا خلاف و لا إشكال عندنا في أنه يصح غصب العقار و يضمنه الغاصب بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص (1) و إلى صحة بيعه و غيره مما يتوقف على تحقق القبض.

فما عن أبي حنيفة و تلميذه أبي يوسف- من عدم تصور غصبه لعدم تصور إثبات اليد فيه- واضح الضعف، بل و الفساد، ضرورة كونه يتحقق عرفا غصبه بإثبات اليد عليه مستقلا من دون إذن المالك من غير فرق بين أن يزعج المالك فيخرجه و يدخلها بقصد السكنى و عدمه بأن يستولي عليها و يتسلم مفاتيحها و إن لم يدخلها أصلا.

لكن في القواعد «أنه يتحقق الغصب في العقار بالدخول و إزعاج المالك، فإن أزعج و لم يدخل أو دخل لا بقصد الاستيلاء و لم يزعج لم يضمن».

و يمكن حمله على إرادة تحقق الغصب بذلك، خصوصا مع ملاحظة كلامه في التذكرة، لا توقفه عليه كما فهمه منه في المسالك، و أورد عليه بالساكن مع المالك، و بغصب العقار مع غيبة المالك.

ثم الظاهر أن تقييده بقصد الاستيلاء للاحتراز عن الداخل لا بقصده بل لينظر إليه ليتخذ مثله مثلا، فإنه ليس بغاصب عرفا قطعا.

____________

(1) المتقدمة في ص 9.

20

لكن لو انهدمت في تلك الحال فعن التذكرة في الضمان إشكال ينشأ من أنه قد حصل التلف في يده، كما لو أخذ منقولا من بين يدي مالكه لينظر إليه فتلف، فإنه يضمنه، و من الفرق بينهما بأن اليد على العقار حكمية لا حقيقة كاليد على المنقول، فلا بد في ثبوت اليد على العقار من أمر آخر، و هو قصد الاستيلاء.

و في جامع المقاصد بعد أن ذكر كلاما يوهم اعتبار الأمرين في غصب العقار، قال: «و ينبغي أن يقال: المزاحم للمالك في العقار إما أن يدخل عليه مستوليا أو لا، و على كل من التقديرين إما أن يزعجه أو لا، و على كل تقدير إما أن يكون الغير قويا و المالك ضعيفا أو بالعكس أو يكونان قويين، هذه عدة صور»:

من يدخل على المالك مستوليا و يزعجه أو لا يزعجه و لكل منهما قوة فيضمن النصف، لأن الإزعاج للمالك غير معتبر في الغصب للعقار كما ذكره في التذكرة.

و لا يعتبر قصد الاستيلاء إذا تحقق الاستيلاء و إن اعتبره هنا و في التحرير، لحصول اليد و الاستيلاء حقيقة، فهذه صورتان.

و لو دخل الضعيف على القوي بقصد الاستيلاء فليس بغاصب، إذ لا أثر لقصد شيء لا يتمكن من تحقيقه، و لو دخل القوي على الضعيف مستوليا (بحيث خ) اضمحلت يده، فالمتجه كونه غاصبا للجميع، و لا فرق في هذين الموضعين بين الإزعاج و عدمه، فهذه أربع صور اخرى.

و لو أزعج القوي لمثله و لم يدخل أو القوي الضعيف كذلك ففي تحقق الغصب إشكال، ينشأ من أن قبض العقار يكفي فيه التمكن من التصرف و التخلية و تسليم المفتاح كما سبق في البيع، و بذلك يدخل تحت

21

يد المشتري و في ضمانه، فيجب أن يكون هذا القدر كافيا في صدق الغصب، و من أن العرف قاض بأن الغصب إنما يتحقق بالدخول، لأن الاستيلاء به يحصل. و نحو ذلك قال في التذكرة هنا، و في التحرير جزم باشتراط الدخول، و المسألة موضع تردد، و لا يتصور إزعاج الضعيف القوي.

و لا أثر لانتفاء الدخول و الإزعاج إلا إذا كان المالك غائبا فأسكن غيره مع جهل الغير، فان في الدروس أن الآمر غاصب لأن يد المأمور كيده، و الساكن ليس بغاصب و إن ضمن المنفعة، و يشكل بما لو انهدمت الدار و هو فيها مثلا، فان عدم التضمين مع إثبات يده بغير حق و إن كان مغرورا بعيد، فان قال بثبوته و لم يسمه غاصبا فلا مشاحة في التسمية و هو ملخص ما ذكره في التذكرة كما أن ما فيها تلخيص ما في بعض كتب الشافعية.

و لعل الأولى من ذلك إيكال الأمر في صدق الغصب و صدق أخذ اليد إلى العرف الذي هو المرجع في نحو ذلك، ضرورة عدم حصول كشف العرف بما ذكره في صورة دخول الضعيف على القوي و استيلائه على ما تصرف فيه و ثبت يده عليه، فان عدم تحقق الغصب به بناء على أنه الاستيلاء ممنوع، إذ قوة المالك لا تنافي صدق الاستيلاء و إثبات اليد من الضعيف، و أوضح من ذلك استيلاء الضعيف دار المالك القوي الخالية عنه.

على أنه لو سلم عدم تحقق الغصب بناء على اعتبار القهر فيه أو الاستقلال المفقود في الصورة الأولى فلا ريب في الضمان من حيث قاعدة اليد و ان لم يكن غصبا.

و كذا ما ذكروه في صورة دخول القوي على الضعيف مستوليا من

22

اضمحلال يد المالك و كونه غاصبا للجميع، إذ يمكن منعه مع فرض بقاء تصرف المالك و عدم رفع يده، و قدرة القوي على رفع يده لا يقتضي استقلاله بإثبات اليد، و حينئذ فلا يتجه ضمانه الجميع على التقدير المزبور، و دعوى اختصاصه باليد ممنوعة كل المنع، اللهم إلا أن يفرض دخوله على وجه لم يبق له يد أصلا و كان الجميع في يد القوي و استيلائه، و ربما يشهد لذلك ما عن بعض النسخ من فرضه على هذا الوجه.

و كذا ما ذكروه في صورة الإشكال الذي لا ينبغي حصوله مع فرض كون الإزعاج لتحقق الاستيلاء الذي يكفي مثله في قبض العقار و صيرورته تحت يده، كما في غصب الملك دار بعض رعيته، فان احتمال توقف صدقه على دخوله واضح المنع في العرف.

كما أنه لا ينبغي حصوله بالازعاج الذي لم يقصد به الاستيلاء على الدار، فان هرب المالك و إزعاجه خوفا من الملك على نفسه لا يقتضي غصب الدار مع فرض عدم إرادة الاستيلاء عليها.

و بالجملة إيكال الأمر إلى العرف في صدق الغصب و القبض و إثبات اليد أولى من الإطناب في ذكر الأفراد المختلفة باعتبار خصوصياتها.

و من هنا لم يمكن كشف المعاني العرفية باعتبار عدم الإحاطة بخصوصياتها التي تدرك بالذوق و حسن الانتقاد في كل موضع بخصوصه، و لعل إلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: «و يتحقق» إلى آخره، ضرورة عدم ذكره زيادة على ما سمعته من التعريف، فليس المراد منه إلا الإيكال إلى العرف الذي لا ريب في تحققه بإزعاج المالك من داره و استيلائه عليها بأخذ المفاتيح مثلا و نحوه و إن لم يدخل إليها كما عرفت.

و كذا لو أسكن غيره فيها بعنوان الاذن منه و الرخصة، من غير فرق بين جهل الساكن بالحال و علمه، و إن كان في الثاني يكون

23

كل منهما غاصبا، كما أن كلا منهما ضامن في الأول و إن لم يكن الجاهل غاصبا، لعدم علمه بالحال إلا أنه ضامن بإثبات اليد و استيلائه على مال الغير بغير حق في الواقع، فهو كالغاصب في ضمان العين و المنفعة و إن لم يسم غاصبا اصطلاحا، لأن ضمان المأخوذ باليد بعد فرض تحقق صدقه عرفا لا يتوقف مع ذلك على صدق الغصب معه، لعموم قاعدة اليد، فنفي الضمان من بعضهم هنا عما لم يتحقق فيه الغصب و إن تحقق فيه إثبات اليد لا وجه له، أو يراد منه نفيه من حيث الغصب.

و على كل حال فلو سكن الدار مع مالكها قهرا لم يضمن الأصل أي جميع الدار، لعدم استقلاله لإثبات اليد، بل مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين ضعف المالك و قوته، لأن الفرض عدم رفع يده، بل هي باقية على نحو ما لو كان قويا.

و من هنا قال الشيخ: يضمن النصف مع فرض تساوى يديهما على الدار، و تبعه الأكثر بل المشهور، بل لا نجد فيه خلافا محققا.

و لكن في المتن و تبعه بعض من تأخر عنه فيه تردد، منشأه عدم الاستقلال من دون المالك فلا يتحقق الغصب الذي هو الاستقلال بإثبات اليد، و لم نجده لأحد ممن تقدمه فضلا عن الجزم بعدمه، و إن حكاه المصنف في النافع قولا، بل عن التنقيح نسبته إلى المبسوط إلا أنا لم نتحققه، و على تقديره فهو واضح الفساد، ضرورة صدق الغصب بذلك عرفا المقتضي لاعتبار الاستيلاء فيه دون الاستقلال أو للقول بتحققه هنا و لو بالنسبة إلى النصف.

و دعوى اعتباره فيه على معنى رفع يد المالك و لو على جهة المشاركة واضحة الفساد، لأن العرف أعدل شاهد بخلافها، بل مقتضى ذلك عدم

24

الضمان على الشخصين المشتركين في غصب شيء واحد على وجه الاستقلال لكل منهما، و هو معلوم الفساد اللهم إلا أن يفرق بين شركة المالك و غيره، و لكن العرف على خلافه قطعا.

و دعوى كون الغاصب حينئذ مجموعهما الذي حصل له وصف الاستقلال و تضمينه يقتضي التوزيع بينهما يدفعها إمكان القول بمثله في الفرض و إن سقط الضمان بالنسبة إلى المالك، باعتبار عدم تصور ضمان ماله لنفسه، بل إن لم يكن إجماعا أمكن القول بضمان الغاصب لجميع عين الدار مع فرض إثبات يده عليها جميعها بالتصرف و الانتفاع و نحوهما، و إن كان المالك أيضا متصرفا بها أجمع، فإن اجتماع اليدين على الكل بالمعنى المزبور غير ممتنع، و الحكم بالتنصيف في الملكية في مثله باعتبار عدم تعقل الحكم بملكية الجميع الذي هو مقتضى اليد لكل منهما، فليس حينئذ إلا التنصيف بينهما كالبينتين، لا لأن يد كل منهما على النصف كما أوضحنا ذلك في كتاب القضاء. أما في المقام فلا مانع من الحكم بضمان الغاصب لجميع العين باستيلائه على جميعها الذي لا ينافيه استيلاء المالك أيضا على جميعها، هذا بالنسبة إلى العين.

أما بالنسبة إلى المنفعة فيضمن الغاصب كل منفعة للعين التي صارت في يده و استيلائه، سواء استوفاها أو لا، نعم ما استوفاها المالك منها تسقط عن ضمانه باعتبار استيفاء المالك لها، فتأمل جيدا فإنه دقيق.

هذا و في الرياض تبعا للكفاية لا بد من التقييد بكونه متصرفا في النصف مثلا بحيث يمنع المالك من أنواع التصرفات فيه، كالبيع و الهبة و أمثالهما، لا مجرد السكنى.

و فيه أنه يكفي في ضمانه النصف إثبات يده بالسكنى على الإشاعة

25

و إن لم يمنعه عن التصرفات المزبورة، لصدق

«على اليد» (1).

و عن مجمع البرهان أن ذلك- أي ضمان النصف- إذا شاركه في كل موضع من البيوت، بحيث ما يزاحمه و لا يزعجه إلا عن النصف، ثم قال: «و يمكن أن يكون الحكم كذلك إذا شاركه في البيوت من غير تعيين نصف، بل يقول له: أنا و أنت نكون في هذه الدار مع إثبات يده على الكل و عدم منعه من شيء، مثل الشريكين بالنصف و أحدهما يأذن للآخر».

و استجوده بعض من تأخر عنه، و قال: «لا فرق بعد فرض تصرفه في قدر النصف أو أقل أو أكثر، لأن المتصرف في جميع الدار مثلا اثنان، فيحال الضمان عليهما كالجنايات، فلو جنيا عليه و مات من جنايتهما كانت الدية عليهما نصفين و إن كان أحدهما جرحه ألف جرح و الآخر جرحا واحدا».

قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الإحاطة بما ذكرناه، و أنه لا يقاص المقام الذي بناء الضمان فيه على قاعدة اليد على الجناية التي يصدق أنهما معا قتلاه و إن تعددت جناية أحدهما دون الآخر، بخلاف المقام الذي فرض فيه صدق الاستيلاء على الجميع و اليد على كل منهما، فيضمن الجميع من كانت يده يد ضمان دون الآخر، إذ ليس يد كل منهما على النصف حتى يختص ضمانه به.

و كذا لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه ما في المحكي عن أبي العباس في كتابيه من أن الغاصب لا يضمن من الأجرة إلا قدر ما ينتفع به من السكنى، إذ قد عرفت أن المتجه ضمانه لكل منفعة عدا

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من كتاب الغصب- الحديث 4. و سنن البيهقي ج 6 ص 95.

26

ما استوفاها المالك، من غير فرق بين ما استوفاها و ما لم يستوفها، لأن يده يد ضمان على العين و على المنفعة، بل القائل بالتنصيف يضمنه منفعة النصف و إن لم يستوفها.

بل قد يظهر لك بالتأمل فيما ذكرناه ما ذكره غير واحد من التفريع على القول بالتنصيف- منهم الفاضل المقداد في التنقيح- أنه لو كان المالك أكثر من واحد هل يلزم الغاصب النصف أيضا أو بالنسبة فلو كان اثنين لزمه الثلث، و ثلاثة لزمه الربع؟ الأقرب الأخير كما لو تعدد الغاصب. و التحقيق يقتضي الضمان على نسبة ما استولى عليه و استقل به إن نصفا فنصف و إن ثلثا فثلث، و إن ربعا فربع، و هكذا.

و ظاهره كون التحقيق غير ما جعله الأقرب أولا.

و في الرياض أن ظاهر العبارة و نحوها من عبائر الجماعة يقتضي عدم الفرق في ضمانه النصف بين وحدة المالك و تعدده، و يحتمل تخصيصها بالصورة الأولى و الرجوع في الثانية إلى الضمان بالنسبة، ثم حكى ما سمعته من التنقيح، و قال: هو جيد.

قلت: قد عرفت أن ضمان العين يتبع اليد و الاستيلاء، فمع فرض صيرورتها أجمع تحت يده على وجه لا ينافي كونها مع ذلك تحت يد المالك يتجه ضمان الجميع، نعم لو فرض تصور كون الداخل تحت يده النصف مشاعا أو الثلث كذلك من دون تصرف في الجميع اتجه حينئذ ضمان ذلك عليه خاصة.

و أما المنفعة فيضمن منها منفعة ما كان في يده من غير فرق بين ما استوفاه و غيره عدا ما استوفاه المالك، نعم لو فرض كون ما في يده النصف و لكن نسبة انتفاعه بها إلى انتفاع المالك ثلثان و ثلث اتجه حينئذ ضمان النصف للعين و الثلثين للانتفاع.

27

و بالجملة فالمسألة في غاية الغموض و محتاجة إلى التأمل التام. و الله العالم.

هذا كله في قهر الغاصب المالك لقوته بالنسبة إليه.

و أما لو كان الساكن ضعيفا عن مقاومة المالك لم يضمن من حيث الغصب قطعا بناء على اعتبار القهر في مفهومه الذي لا يتصور في الفرض، و أما ضمانه من حيث اليد فقد عرفت الحال فيه، و أن المتجه فيه الضمان.

و في الدروس «لو سكن الضعيف مع المالك القوي فهو ضامن للمنفعة، و في كونه غاصبا الوجهان» قلت: قد عرفت ضمانه العين أيضا لو تلفت، لقاعدة «على اليد» و إن لم نقل بكونه غاصبا.

و لو كان المالك غائبا ضمن بلا خلاف أجده فيه بيننا و إن كان الساكن ضعيفا، معللين له بأنه غاصب، لأن الاستيلاء حاصل في الحال، و أثر قوة المالك سهولة انتزاعه من يده و ليس بمتحقق.

و لكن لا يخفى عليك أن مثله آت في الحاضر القوي، ضرورة عدم الفرق في سكناه مع عيال المالك بين حضور المالك و غيبته، و كذا سكناه في دار المالك القوي الخالية التي صرح في التحرير بضمانها، إذ القهرية منتفية على كل حال، كما أن الاستيلاء حاصل على كل حال.

و لا يراد بالأخذ المستفاد من

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «على اليد ما أخذت»

أزيد من هذا، بل الظاهر عدم اعتبار قصد الغصبية فيه، و منه يعلم الوجه في ضمان المأخوذ للنظر و نحوه و ان استشكل فيه من عرفت.

بل في الدروس «لو رفع كتابا بين يدي المالك فان قصد الغصب

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من كتاب الغصب- الحديث 4. و سنن البيهقي ج 6 ص 95.

28

فهو غاصب، و إن قصد النظر إليه ففي كونه غاصبا الوجهان» مع أن منشأ الوجهين المذكورين في كلامه سابقا الشك في أن الغصب الاستقلال أو الاستيلاء، و هما معا في الفرض حاصلان.

نعم يمكن الشك في كون المراد بالأخذ المستفاد من

قوله (صلى الله عليه و آله): «على اليد ما أخذت»

الاستبداد بالشيء كالمالك أو الأعم منه و مما يشمل الأخذ للنظر و نحوه، الظاهر الثاني، بل لعله الموافق لكلمات الأصحاب في غير المقام التي لا تخلوا من تشويش نشأ من إطناب الشافعية في تنقيح أفراد الغصب عرفا، و لعله لأنه من حيث كون الغصب سببا للضمان عندهم. و أما نحن فقاعدة اليد أعم عندنا منه، و مساوية له في كيفية الضمان بالآفة السماوية و غيرها و إن كان هو أيضا سببا ل

قوله (عليه السلام) في الخبر السابق (1): «كل مغصوب مردود».

نعم ينبغي تنقيح قاعدة اليد، و لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه تحقيق القول فيها، و أنه لا بد في الضمان من إثباتها، لأنه هو معنى الأخذ، لكن يكفي فيه الأخذ المشترك و لو مع المالك، كما عرفت البحث فيه، و الأولى من ذلك إيكاله إلى العرف، و التمسك في محال الشك فيه بأصل البراءة و نحوه كما سمعته في الغصب و القبض، و الله العالم.

و كذا لو مد بمقود دابة فقادها بقصد الاستيلاء عليها أو ساقها كذلك ضمن و إن كان مالكها حاضرا لكن غير مثبت يده عليها، لأنه حينئذ غاصب بمعنى مستقل بإثبات يده و مستول و محتو و آخذ.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأنفال- الحديث 4 من كتاب الخمس و فيه

«الغصب كله مردود»

29

نعم في المتن لا يضمن لو كان صاحبها راكبا لها كما في محكي المبسوط، و مرادهما على الظاهر كونه مع ذلك قادرا على منع الغاصب، كما في القواعد و جامع المقاصد و المسالك و غيرها، لعدم صدق الاستيلاء فضلا عن الاستقلال و الأخذ.

و إليه يرجع ما في الإرشاد إلا أن يكون المالك راكبا إلا مع الإلجاء، بمعنى كونه ملجأ غير قادر على دفعه، كقوله في غيره: «و لو يمد بمقود دابة و صاحبها راكبها فلا استقلال إلا مع ضعفه عن المقاومة».

و لعل وجهه حينئذ صيرورة يده بمنزلة العدم في جنب القائد المفروض كونه قاهرا مستوليا نحو ما سمعته في الداخل القوي على مالك الدار الذي يده معه- لضعفه و ان لم يزعجه- بمنزلة العدم، فيضمن الجميع حينئذ، مع أنك قد عرفت الاشكال فيه سابقا مع صدق بقاء يده و تصرفه و إن كان الغاصب قادرا على رفعهما إلا أنه ما لم يتحقق لا يصدق الاستقلال و الاستيلاء للجميع، و مثله يأتي في المقام، و لعله لذا تأمل فيه المقدس الأردبيلي، خصوصا مع ملاحظة الحكم له باليد في مقام التنازع.

كما أنه قد يشكل ما ذكروه من عدم الضمان لو كان المالك الراكب قادرا بما تقدم لهم من ضمان النصف بدخول الساكن قهرا مع المالك، و لعله لذا لم يفرق بعضهم بين المسألتين، بل لعل حكاية العدم قولا في المسألة السابقة كما في النافع مأخوذ من هذه المسألة.

و ربما فرق بأن القائد لا استيلاء له مع المالك الراكب على نصف و لا ربع، لأنه أقوى يدا و أكثر تصرفا، و لهذا يحكم له بها عند التنازع.

و فيه أنه لا يتم على القول بالتنصيف عند التداعي، كما عن الخلاف و السرائر و ثاني المحققين و الشهيدين، بل عن ثاني الشهيدين التصريح في

30

باب الديات بأن جنايتها بيدها على القائد و الراكب بالتنصيف، فيضمن النصف أيضا هنا باعتبار إثبات يده مع يد المالك. كما لو ركبها معه.

بل قد يقال بضمانه الكل في الفرض باعتبار صدق الاستيلاء و الأخذ الذي لا ينافيه قدرة المالك على الدفع إذا لم يدفع، كما إذا لم يكن راكبا لها و كان حاضرا قادرا على الدفع، أقصاه إثبات يده، و لا ينافي ذلك يد الغاصب، بل و لا استقلاله و استيلاؤه و أخذه و احتواؤه، بل هو بقوده لها و عدم ممانعة المالك له استولى عليه و عليها، نحو ما سمعته في الساكن المتصرف بجميع الدار مع عدم إزعاج المالك، و لعل إيكال الأمر في ذلك إلى العرف المختلف باختلاف الأحوال و الخصوصيات أولى.

و على كل حال فلا خلاف و لا إشكال في ضمانه لها لو اتفق تلفها بقوده لها و إن كان الراكب قويا على الدفع، بل لا يبعد ضمانه لمنفعتها التي فاتت على المالك بقوده، و كذا لو ساق الدابة و كان لها جماح فشردت بسوقه فوقعت في بئر ضمن، و الله العالم.

و غصب الأمة الحامل مثلا غصب لحملها (لولدها خ ل) أيضا بلا خلاف و لا إشكال لثبوت يده بل استقلاله و استيلائه عليهما فيضمنهما حينئذ معا، و لو بضمان تفاوت قيمتها حاملا و حائلا لو أسقطت.

و إن تلفت و تلف بعد الوضع ففي المسالك ألزم بالأكثر من قيمة الولد و قيمتها حاملا إن اعتبرنا الأكثر و إلا فقيمته يوم التلف، و لعل المراد قيمة الولد يوم التلف فيكون المعنى أنه إذا تلف الولد بعد الوضع غرم الأكثر من قيمة الولد إلى يوم التلف، مضافا إلى الأكثر من تفاوت قيمتها حاملا و حائلا، و على القول باعتبار وقت التلف كان عليه قيمة الولد حينه و قيمة التفاوت كذلك إن كان.

31

و كأن ما في المسالك مأخوذ مما في التحرير، قال فيه: «لو غصب الأمة الحامل كان غاصبا للحمل، فلو تلف الحمل ألزم بقيمته، بأن يقوم الأمة حاملا و غير حامل، و يلزم بالتفاوت، و لو تلف بعد الوضع ألزم بالأكثر من قيمته وقت الولادة إلى يوم التلف، و كذا البحث في الدابة الحاملة.

و على كل حال فلا إشكال في ضمان الحمل و الحامل في الفرض.

بل في التذكرة و التحرير و كذا يضمن حمل الأمة المبتاعة بالبيع الفاسد

لعموم «على اليد» (1)

لكن في القواعد و الدروس و جامع المقاصد و المسالك و غيرها عدم الضمان، لعدم كونه مبيعا حتى يضمن بقاعدة ما يضمن بصحيحه، فهو حينئذ أمانة في يد المشتري.

و فيه أنه مع فرض عدم إذن من المالك إلا الاذن البيعية التي فرض عدمها يتبين الفساد، فيتجه الضمان حينئذ لعدم الاذن، و الأصل الضمان، و قاعدة ما يضمن بناء الضمان فيها على ذلك، و إلا فهي ليست من أسبابه من حيث نفسها، و حينئذ فلا حاجة إلى ما في الدروس من حمل القول بالضمان على إرادة اشتراط دخول الحمل.

نعم لا وجه للقول بضمان حمل المقبوض بالسوم مع فرض كون السوم على الحامل دون الحمل كما صرح به غير واحد، لكونه أمانة صرفة في يده، و ضمان الحامل على خلاف مقتضى القواعد، فيقتصر عليه.

لكن عن التذكرة التصريح بضمانه أيضا. و يمكن حمله على المفروض دخوله في السوم مع الحامل أو يقال بأنه مقتضى

عموم «على اليد»

الذي

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من كتاب الغصب- الحديث 4 و سنن البيهقي ج 6 ص 95.

32

لا ينافيه كونه بالاذن بعد انصراف الأمانة المنفي عنها الضمان إلى غير الفرض، فتأمل جيدا.

هذا و قال في الدروس: «و لو أثبت يده على مسجد أو رباط أو مدرسة على وجه التغلب و منع المستحق فالظاهر ضمان العين و المنفعة».

و قد يشكل الضمان في المسجد و نحوه من المشاعر مما لم تكن المنفعة فيه ملكا للناس و إن ملكوا الانتفاع به، إذ هو غير المنفعة، فلا مالية حينئذ حتى يتجه الضمان و إن تحقق الغصب في مثله.

و لعله لذا صرح بعض الشافعية بتحقق الغصب و الإثم بإقامة من قعد في مسجد أو موات أو استحق سكنى بيت برباط، و يجب الرد في الأعيان الاختصاصية، و في المنافع الاختصاصية بتعلق الإثم، ثم قال: «و لا ضمان في شيء من متعلقات الاختصاص». و هو جيد فيما ليس هو بمال كالمسجد.

أما ما كان ملكا للمسلمين أجمع كالطرق و نحوها فلا بأس بالقول بالضمان عينا و منفعة، بل المسجد الموقوف، لا المخلوق مشعرا كذلك أيضا إن قلنا بكونه ملكا للمسلمين عينا و منفعة، و إن كان هو لا يخلو من نظر، لقوة احتمال كونه كالتحرير في الخروج عن المالية.

و قد تقدم ما في المسالك من انتقاض التقييد في التعريف بمال الغير بما لو استولى المالك على ماله المرهون عدوانا، فإنه يضمنه مع التلف بالمثل أو القيمة، و يكون رهنا، و حق المرتهن لا يسمى مالا و إن نزل منزلته.

و بما لو استقل باليد على حق الغير في نحو المدرسة و الرباط و المسجد و التحجير، فإنه في جميع ذلك غاصب مع أنه لم يستول على ماله.

و بما لو غصب الوقف العام فإنه ليس ملكا للغير، أو الخاص على القول بانتقال ملكه إلى الله إلا أن يراد من الغير ما يشمل الله تعالى،

33

و هو بعيد.

و في الدروس «و إضافة المال إلى الغير- أي في التعريف- ليخرج به مال نفسه، فإنه لو أثبت يده على مال نفسه عدوانا كالمرهون في يد المرتهن فليس بغاصب، إلا أن ينزل استحقاق المرتهن منزلة المال، مع أنه لو تلف بعد التعدي ضمن قيمته أو مثله، و يكون رهنا».

قلت: لا إشكال في تحقق الغصب بمعنى القهر على غير الحق الذي هو نوع من الظلم في مثل ذلك، و أما الضمان فلا يكون إلا للمال، و وجوب دفع المثل أو القيمة لتكون رهنا لو أتلفه ليس ضمانا لحق الارتهان. بل هو حكم شرعي لدليله، و الله العالم.

و لو تعاقبت الأيدي الغاصبة على المغصوب تخير المالك في إلزام أيهم شاء أو إلزام الجميع أو البعض بدلا واحدا على حد سواء أو مختلفا بلا خلاف و لا إشكال، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، بل في مجمع البرهان دعواه، لأن كلا منهم غاصب مخاطب برد العين أو القيمة، ل

قوله (عليه السلام) (1): «كل مغصوب مردود».

و «على اليد ما أخذت» (2)

و قوله تعالى (3) «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ» و «جَزاءُ سَيِّئَةٍ» (4) و غيرهما مما دل على العقاب بمثل ما عوقب (5)

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأنفال- الحديث 4 من كتاب الخمس و فيه

«الغصب كله مردود»

. (2) المستدرك- الباب- 1- من كتاب الغصب- الحديث 4. و سنن البيهقي ج 6 ص 95.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 194.

(4) سورة يونس: 10- الآية 27.

(5) سورة النحل: 16- الآية 126.

34

و أن الْحُرُماتُ قِصاصٌ (1) و نحوه.

و لا فرق في تعاقب أيديهم بين كونه بصورة الضمان ببيع فاسد و نحوه و عدمه، نعم قرار الضمان على من تلف المغصوب في يده منهم، بمعنى أنه لو رجع المالك على غيره رجع هو عليه مع فرض عدم زيادة في العين يختص الأول بضمانها بخلاف ما لو رجع عليه نفسه، فإنه لا رجوع له على غيره، لأن ذمته المشغولة للمالك بالبدل و إن جاز له إلزام غيره باعتبار الغصب بأداء ما اشتغلت ذمته به، فيملك حينئذ من أدى بأدائه ما للمالك في ذمته بالمعاوضة الشرعية القهرية.

و بذلك اتضح الفرق بين من تلف المال في يده و بين غيره الذي خطابه بالأداء شرعي لا ذمي، إذ لا دليل على شغل ذمم متعددة بمال واحد، فحينئذ يرجع عليه و لا يرجع هو.

كما أنه اتضح لك أيضا جواز مطالبة الكل ببدل واحد على السواء و مختلفا، لأنه إذا جاز له مطالبة كل منهم بالجميع فالبعض بطريق أولى، و يرجع حينئذ غير من تلف المال في يده على من تلف المال في يده بمقدار ما أدى.

بل ظاهر عدم تقييد الأيدي بكونها غاصبة في النافع و اللمعة يقتضي عدم الفرق في الضمان بين الجاهل و العالم و إن افترقا في الإثم و عدمه و الغرور و عدمه. بل هو صريح المحكي عن المبسوط و التذكرة و التحرير و جامع المقاصد و المسالك و الروضة و الكفاية، بل لم يرد المصنف من التقييد المزبور إخراج الجاهل، لتصريحه بعد ذلك بالرجوع على الجاهل.

نعم ما تقدم في الدروس سابقا- من أن الساكن في البيت بأمر الغاصب جاهلا يضمن المنفعة- ظاهر في ضمانها خاصة، و من هنا نشأت

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 194.

35

الشبهة على المقدس الأردبيلي، فتردد أو مال إلى عدم الرجوع على الجاهل المغرور الذي لم يعلم اندراجه في قوله (صلى الله عليه و آله) في خبر سمرة بن جندب (1): «على اليد»

الذي لم تثبت صحته و لا تواتره بعد معلومية عدم كونه غاصبا، و إلا لكان آثما.

و فيه- بعد إمكان تحصيل الإجماع على خلافه- أن عدم تواتره بل و عدم صحته لا يقدح بعد العمل به الجابر له سندا و دلالة، بل نصوص المغصوب التي منها

قوله (عليه السلام) (2): «كل مغصوب مردود»

شاملة له، ضرورة صدق المغصوبية على ما في يده و إن لم يكن هو الغاصب.

و عدم كونه مخاطبا بالخطاب التكليفي لجهله لا يقتضي عدم كونه مخاطبا بالخطاب الوضعي، و قاعدة الغرور ظاهرة في الرجوع عليه و إن رجع هو على من غره فيما إذا لم تكن يده يد ضمان و لم يكن التلف مباشرة منه بغير غرور، كما لو أعاره الغاصب إياه عارية غير مضمونة أو أدعه إياه فتلف بآفة سماوية مثلا. أما إذا كانت يده يد ضمان أو باشر هو إتلافه بغير غرور فلا رجوع له، كما ستسمع تفصيله إنشاء الله تعالى عند تعرض المصنف له.

و المراد من عبارة الدروس ما ذكرناه سابقا من أن الضمان للمنفعة مستقر على الساكن بخلاف العين، فإنه يرجع به على الغار، كما صرح به في المقام، قال: «و تعاقب الأيدي العادية على العين يوجب تضمين كل واحد منهم، و قرار الضمان على من تلفت في يده، فيرجع غيره عليه لو رجع عليه، و لو كان فيهم يد غير عادية فقرار الضمان على الغار».

____________

(1) سنن البيهقي- ج 6 ص 95.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأنفال- الحديث 4 من كتاب الخمس و فيه«الغصب كله مردود»

36

و إن كان لا يتم إطلاقه فيما لو كانت اليد الأولى عادية غارة و الثانية مغرورة و الثالثة عادية لعلمها بالغصب مثلا، فلو رجع المالك على الثانية المغرورة لم يكن قرار الضمان على الغار الذي هو الأول، فالمتجه تقييد ذلك بما إذا كان التلف في يد المغرور لا مطلقا. حتى في مثل الفرض الذي لم يكن التلف في يده.

أو يقال باختصاص قاعدة الغرور بما إذا كان التلف في يده، و حينئذ يتجه في المثال الرجوع على من تلف المال في يده خاصة دون الأول، بخلافه على السابق، فان المتجه فيه التخيير بين الرجوع على الغار و إن رجع هو على من تلف المال في يده و بين الرجوع على من تلف المال في يده ابتداء جمعا بين القاعدتين، لعدم تنافيهما، هذا.

و مرادنا بما ذكرنا من رجوع الجاهل على غيره لو رجع عليه إذا كان مغرورا، أما مع عدم الغرور فلا رجوع له، بل هو حينئذ كالعالم في ذلك، بل مرادنا أيضا بالجاهل غير العالم بالغصب، من غير فرق بين الغافل و الناسي و غيرهما، و الله العالم.

و الحر لا يضمن بالغصب و لو كان صغيرا لا عينا و لا منفعة بلا خلاف محقق أجده فيه، على معنى كونه كغصب المال الموجب للضمان و إن مات حتف أنفه، بل و لا إشكال، ضرورة عدم كونه مالا حتى يتحقق فيه الضمان، و ما في النافع- من أنه لو كان أي التلف لا بسببه كالموت و لدغ الحية فقولان- لم نتحققه، و نحوه ما عن المفاتيح من نسبة ما في المتن إلى القيل و الكفاية إلى المشهور. و لذا قال في محكي المهذب و المقتصر: «إن الأصحاب على خلافه» أي القول المحكي في النافع كما عن التنقيح الاعتذار عنه بالمسامحة، بل فيه و في الروضة الإجماع على عدم ضمان الصغير إذا كان تلفه بالموت الطبيعي، و من هنا طفحت عباراتهم

37

بعدم ضمان الحر بالغصب، و أنه إنما يضمن عينا بالجناية عليه مباشرة أو تسبيبا و منفعة بالاستيفاء أو تسبيبا على الوجه الذي سيأتي إنشاء الله.

بل لو أصابه غرق أو حرق أو غيرهما فضلا من أن يصيبه موت في يد الغاصب من غير تسبيبه لم يضمنه للأصل، كما عن مبسوط الشيخ و إيضاح الفخر و غيرهما، بل في المسالك نسبته إلى الأشهر بل عن الكفاية إلى المشهور و ان كنا لم نتحققه.

بل قال الشيخ في كتاب الجراح من المبسوط:

يضمنه الغاصب إذا كان صغيرا أو مجنونا و تلف بسبب، كلدغ الحية و العقرب و وقوع الحائط.

بل في الدروس و محكي الخلاف و المختلف هو قوي، و عن المقتصر هو حسن، بل عن التبصرة و تعليق الإرشاد و غيرهما اختياره، و هو المحكي عن أبي حنيفة أيضا، و لا ترجيح في النافع و كشف الرموز و التحرير و الإرشاد و التذكرة في موضع منها. و غاية المراد و التنقيح و المهذب البارع و الروضة على ما حكي عن بعضها.

نعم لا وجه ظاهر يقتضي الضمان، إذ دعوى كونه بغصبه صار سببا شرعا لتلفه كحفر البئر واضحة المنع. و الخبر (1) «من استعار حرا صغيرا فعيب ضمن»

لا جابر له و لا عامل به، و مناسبة الضمان للعدوان- بل عدمه يفضي إلى الاحتيال في قتل الأطفال- مجرد اعتبار، و الضمان في نقل المملوك الصغير و المجنون إلى المسبعة أو المضيعة كما عن التذكرة لا يقتضي الضمان في الفرض، لظهور التسبيب فيه بخلافه.

و من الغريب ما عن الفاضل من الجزم في موضع من محكي التذكرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 2 من كتاب الديات.

38

بعدم الضمان في مثله و تردده في المقام، فالمتجه عدم الضمان مع فرض عدم تقصير منه في حفظه بالإهمال و نحوه، و ربما يحمل القول بالضمان على ما لو أهمل، بحيث يكون سببا في تلفه، لكونه غير قابل لحفظ نفسه، بخلاف ما إذا لم يهمل فاتفق تلفه بأمر لا مدخل لإهماله فيه، و حينئذ يكون النزاع لفظيا.

ثم إن الظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين الصغير و المجنون، كما صرح به جماعة.

بل في مجمع البرهان أن الظاهر عدم الفرق بينهما و بين الكبير إذا حبس بحيث لا يقدر على الخلاص منه ثم حصل في الحبس شيء أهلكه، لظلمته و عدم قدرته على الفرار من أذيته، إذ هو حينئذ كالطفل، بل كالحيوانات التي لا شعور لها، فعلة الضمان فيهما سواء.

و ربما كان في ذلك نوع إيماء إلى ما ذكرنا إذا كان المراد منه أن لحبسه على الوجه المزبور مدخلا في تلفه على وجه يكون سببا و إن كان كبيرا قابلا للدفع عن نفسه إلا أنه منعه عن ذلك على وجه صار كالصغير الغير القابل للدفع عن نفسه.

و كذا ما في جامع المقاصد و الروضة من أنه لو كان بالكبير خبل أو بلغ رتبة الصغير لمرض أو كبر ففي إلحاقه وجهان، ضرورة كون الوجه في الضمان ما عرفت، إذ لا خصوصية للصغير من حيث كونه كذلك، بل ليس إلا لعدم قابليته للدفع عن نفسه، فغيره مما كان كذلك في القصور مثله في الضمان مع الإهمال على الوجه المزبور، و الله العالم.

و لو استخدم الحر فعليه (لزمه خ ل) الأجرة بلا خلاف أجده فيه، بل و لا إشكال، لأن منفعته متقومة حينئذ، فهو كمن أخذ مال

39

غيره و لو لأن منفعته المزبورة تقابل بمال.

أما لو حبس صانعا لم يضمن أجرته ما لم ينتفع به فضلا عن غير الصانع بلا خلاف أجده فيه، بل في الكفاية هو مقطوع به في كلام الأصحاب، و إن عبر في التذكرة بلفظ الأقوى مشعرا باحتمال الضمان فيه، بل في مجمع البرهان قوة ذلك، لقاعدة نفي الضرر مع كونه ظالما و عاديا، فيندرج في قوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (1) و «جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ» (2) و غيرهما مما دل على المقاصة و العقاب بمثل ما عوقب (3) فالضمان حينئذ لذلك لا للغصب الذي لا يقتضيه، باعتبار عدم كون المغصوب مالا تتبعه منافعه و لو شرعا في الدخول تحت اليد و اسم الغصب و غيرهما.

و حكاه في الرياض عن خاله العلامة في حواشيه عليه، حيث قال:

«إن ثبت إجماع على ما ذكره الأصحاب و إلا فالأمر كما ذكره الشارح».

و مال إليه في الرياض حيث يكون الحابس سببا مفوتا لمنافع المحبوس.

ثم قال: «يحتمل قويا اختصاص ما ذكره الأصحاب بصورة عدم استلزام الحبس التفويت كما فرضناه بل الفوات، و ربما يستفاد ذلك من التذكرة حيث إنه مع تصريحه بما ذكره الأصحاب قال في عنوان البحث: منفعة بدن الحر تضمن بالتفويت لا بالفوات، انتهى. و يظهر الفرق بين المقامين فيما لو حبسه مدة لها اجرة في العادة، فإن كان لو لم يحبس لحصلها كان حبسه سببا لتفويتها. فيضمن هنا كما ذكراه، و إن كان لو لم يحبس لم يحصلها أيضا لم يكن حبسه سببا لتفويتها، و هذا هو مراد

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 194.

(2) سورة الشورى: 42- الآية 40.

(3) سورة النحل: 16- الآية 126.

40

الأصحاب في حكمهم بنفي الضمان فيه كما احتملناه من كلامهم، و لا شبهة فيه».

قلت: لا يخفى فساد الاحتمال المزبور على من لاحظ كلمات الأصحاب، بل فرضهم المسألة في حبس الصانع كالصريح في عدم الضمان و إن كان سببا.

و المراد بالتفويت في عبارة التذكرة الاستيفاء، كما يشعر به تفريع ذلك عليها فيها، قال: «منفعة بدن الحر تضمن بالتفويت لا بالفوات فلو قهر حرا و استعمله في شغل ضمن أجرته، لأنه استوفى منافعه، و هي متقومة، فلزمه ضمانها، كما لو استوفى منافع العبد، و لو حبسه مدة لمثلها اجرة و عطل منافعه فالأقوى أنه لا يضمن الأجرة، لأن منافعه تابعة لما لا يصح غصبه، فأشبهت ثيابه و أطرافه، و لأن منافعه في يده، لأن الحر لا يدخل تحت اليد، فمنافعه تفوت تحت يده فلم يجب ضمانها، بخلاف الأموال، و هو أصح وجهي الشافعية، و الثاني أنه يضمنها، لأن منافعه تتقوم بالعقد الفاسد. فأشبهت منافع الأموال، فقد فوتها بحسبه فضمنها كمنافع العبد، أما لو منعه من العمل من غير حبس فإنه لا يضمن منافعه وجها واحدا، لأنه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه، فالحر أولى».

و هو كالصريح فيما ذكرناه، على أن التسبيب الذي ذكره إنما يقتضي الضمان إذا تعلق بتلف الأموال، و منفعة الحر معدومة، فلا يتصور التسبيب لتلفها، كما أن قاعدة نفي الضرر و الضرار و غيرها مما ذكره من الآيات لو اقتضت الضمان على وجه تشمل الفرض لا تثبت فقها جديدا، ضرورة اقتضائها الضمان بالمنع عن العمل أو الانتفاع بماله و غير ذلك مما عرفت عدم القول به من العامة الذين مبنى فقههم على القياس

41

و الاستحسان فضلا عن الإمامية الذين مبنى فقههم على القواعد المقررة الثابتة عن أهل بيت العصمة، فلا وجه للضمان في الفرض كما قطع به الأصحاب لأن الحر لا يدخل تحت اليد على وجه تدخل منافعه معه كالمال و لو شرعا. بل منافعه في قبضته كثيابه باقية على أصالة عدم الضمان و إن ظلم و أثم بحبسه أو منعه عن العمل.

نعم لو استأجره لعمل في زمان معين فاعتقله و لم يستعمله فيه استقرت الأجرة عليه قولا واحدا كما عن المهذب البارع، و لا نزاع فيه كما في جامع المقاصد، و لعله- بعد إرادة الإجماع منه- الحجة بعد اقتضاء عقد الإجارة ملك الثمن، و عدم الاستيفاء إنما كان لتقصير من المستأجر، و قد فات الزمان، و الأصل عدم بطلانها، كما أن الأصل عدم قيام غير الزمان الذي هو متعلق العقد مقامه.

و لعل مثله ما قيل من أنهم ذكروا قرارها أيضا فيما لو استأجره لقلع ضرسه فبرأ بعد أن مضت مدة يمكنه القلع فيها باذلا الأجير نفسه فيها، و إنما كان التأخير من جانب المستأجر، و ذلك لما عرفت من اقتضاء العقد ملك الأجرة على الوجه الذي سمعته، و الفرض لم يبق محل للعمل.

و الأصل عدم الانفساخ و عدم قيام غير متعلق العقد مقامه، فهو حينئذ كالأجير الخاص، و كذا ما كان مثله، إذ ليس لقلع الضرس خصوصية.

أما لو استأجره على عمل فاعتقله مدة يمكن فيها استيفاء العمل و لم يستوفه و بدل الأجير نفسه للعمل كذلك و لم يستوفه منه ففي استقرار الأجرة تردد كما في التذكرة و القواعد و الإرشاد و غاية المراد و لكن الأقرب أن الأجرة لا تستقر كما في التحرير و جامع المقاصد و تعليق الإرشاد و المسالك و الروضة و الرياض و غيرها على ما حكي عن بعضها لمثل ما قلناه من أن منافع الحر تضمن

42

بالاستيفاء لا بالفوات، فمنفعته في المدة المزبورة غير مضمونة على الحابس و إن بذلت له، فالعمل باق على استحقاقه عليه بالعقد الذي يقتضي ملك الأجرة بملك العمل عليه و تسليمها بتسليمه الذي لم يحصل، و لا دليل على الاكتفاء عن تسليمه بالحبس المدة المزبورة و لا بالبذل فيها.

و لا كذلك لو استأجر دابة مثلا لنقل متاع مثلا فحبسها بقدر الانتفاع أو بذلك له كذلك فتسلمها و لم يستوف، لأن منفعتها حينئذ مضمونة عليه، فتقوم مقام المنفعة المستحقة له بعقد الإجارة و لو بالتهاتر القهري باعتبار كونه مستحقا عليه من منفعة الدابة المزبورة، لأنها مضمونة عليه في يده مقدار ما هو مستحق له، و هو أقرب من أجرة المثل التي هي بدل ما يفوت من المنفعة لو لم يكن له مقدار ما فات في يده مما هو مضمون عليه، فتأمل جيدا فإنه دقيق جدا.

و ربما كان في عبارة الأصحاب شهادة على ذلك، حتى عبارة المصنف و مع قطع النظر عن ذلك فالإجماع بقسميه على قيام تسليم العين المملوكة مقام تسلم المنفعة المستحقة بعقد الإجارة، بخلاف الحر.

فما عن إجارة التذكرة و المسالك من الاستقرار في الحر بذلك أيضا واضح الضعف و إن قواه الأردبيلي هنا، لما سمعته مما ذكروه في الاستئجار على القلع للضرس الذي قد عرفت الفرق بينه و بين المقام بعد تسليم الحكم فيه.

و لأن العقد موجب للعوضين، و قد بدل هذا عوضه، فيلزمه العوض الآخر. كما في نفقة الزوجة و المهر، فإنها لها إذا مكنت نفسها و إن لم يستمتع بها، و يجب عليها تسليم نفسها إذا تسلمت المهر الذي هو قياس لا يأتي في نحو المقام الذي هو من عقود المعاوضة المقتضية ملكا بملك و تسليما بتسليم. بخلاف التمكين الموجب للنفقة الذي هو من الأحكام،

43

و كذا تسليم نفسها بالمهر.

على أنه يكفي في الفرق ثبوت الدليل على وجوب التمكين بالنفقة و تسلم المهر، و لا دليل في المقام على الاكتفاء عن حصول العمل الذي هو مقتضى عقد الإجارة بالمدة المزبورة، خصوصا إذا لم ينو المحبوس و لا الحابس الوفاء و الاستيفاء عما عليه من العمل.

و في الإيضاح «و التحقيق إن هذا هل هو تمليك للمنافع، فإذا أهمل استعمالها حتى تلفت لم يضمن، أو هو كالدين في ذمة الحر، فلا يسقط إلا بالاستيفاء أو الإبراء؟ و الأشبه الثاني، لأن الحر يستحق عليه في ذمته و لا يملك عينه و لا منافعه، و لأنها معدومة، فيتبع الأصل في الملك أو اليد، و هما منفيان في الحر، و يرد استحقاق المستأجر الأول أجرة المثل على من استعمل الأجير الخاص».

و هما كما ترى ليس من التحقيق في شيء، خصوصا بعد أن أشكله بما ذكره أخيرا.

و من هنا قال في جامع المقاصد: «في هذا البناء نظر، إذ لا يلزم من ملك المنافع استقرار الأجرة بالحبس في المدة المذكورة، لأن العقد المملك إذا لم يوجب الاستقرار فلا دليل على ثبوته بمضي المدة المذكورة».

و مرجعه إلى ما ذكرناه من عدم الدليل على قيام الحبس أو البذل المدة المزبورة مقام تسلم العمل، بخلافه في المال و في الأجير الخاص.

لكن قال متصلا بما سمعت: «و وجه شيخنا الشهيد الاستقرار في بعض حواشيه بأن المنافع ملكها المستأجر و تلفها مستند الى فعله، و يؤيده الحكم باستقرار الأجرة على قلع الضرس مع البرء و سبق التمكين من قلعه».

قلت: هو كما ترى راجع إلى ما سمعته من الفخر، و يرد عليه

44

ما عرفت، و الله العالم.

و لا يضمن الخمر مع تلفها إذا غصبت من مسلم و كان الغاصب مسلما على الأشهر في محكي المختلف، بل المشهور في المسالك، بل بلا خلاف- أي بين المسلمين- في محكي الخلاف، بل إجماعا في التذكرة، فما عن أبي علي- من إطلاق ضمان الخمر المغصوبة بقيمتها خلا- واضح الضعف، و إن نزل على الخمر المتخذة للتخليل إلا أنه مناف لإطلاق معقد الإجماع و نفي الخلاف المزبورين، بل صريح الشهيدين و الكركي عدم ضمان المتخذة للتخليل و إن أثم، بل قيل يغرر، بل في المسالك أنه المشهور، لأنها على كل حال غير مملوكة للمسلم و إن سبق ملكه قبل الخمرية، فلا وجه لضمانها.

و ما عن المقدس الأردبيلي- من التأمل في أصل الخروج عن الملكية بذلك و في عدم ضمانها بالمثل أو بالخل- من الوسوسة، و كذا ما عن ظاهر المفاتيح أو صريحها من ضمان المتلف لها، ضرورة ظهور النصوص و الفتاوى في عدم ملكية المسلم للخمر مطلقا و إن كان المتخذ للتخليل منها محترما، بمعنى الإثم في غصبه و وجوب رد عينها و إن انقلبت خلا عند الغاصب.

و كذا لو غصبها الكافر من المسلم، كما صرح به غير واحد، بل عن الخلاف نفي الخلاف أيضا، لما عرفت مما هو مشترك بين الكافر و المسلم.

نعم تضمن إذا غصبت من الذمي متسترا و لو كان الذي غصبها منه المسلم بإجماع الفرقة و أخبارها في محكي الخلاف بل قيل: إن الإجماع أيضا ظاهر المبسوط و السرائر و التذكرة. أما المتظاهر فلا ضمان و إن كان الغاصب كافرا قولا واحدا.

45

و كذا الكلام في الخنزير بالنسبة إلى ضمانه و عدمه في المسلم و المتستر و المتظاهر و غير ذلك مما عرفت.

و ضمانه بالقيمة عند مستحيلة بلا خلاف و لا إشكال، و كذا الخمر يضمنها المسلم للذمي المتستر بها بالقيمة عند مستحليها بإجماع الفرقة و أخبارها في محكي الخلاف و التذكرة، و لا بحث فيه كما في جامع المقاصد، لاستحالة ثبوت الخمر في ذمة المسلم و إن كانت مثلية.

بل عن المبسوط و السرائر و التحرير و المختلف و غيرها ذلك أيضا إذا كان الغاصب كافرا، بل ظاهر التذكرة الإجماع عليه، بل عن الخلاف دعوى إجماع الفرقة و أخبارها عليه أيضا.

خلافا للمحكي عن القاضي في أحد قوليه من القول بضمان مثلها، و في جامع المقاصد و المسالك تقييد ضمان القيمة مما إذا ترافعوا إلينا، و في القواعد الإشكال في ذلك، كقول المصنف و يضمن الخمر بالقيمة عند المستحل لا بالمثل و لو كان المتلف ذميا على ذمي، و في هذا تردد.

و لعل منشأه أنها مال مملوك و هو مثلي، فيضمن بمثله، و قد أمرنا بإقرارهم على ما عندهم (1) و من أنه يمتنع في شرع الإسلام الحكم باستحقاق الخمر و إن كنا لا نعترضهم إذا لم يتظاهروا بها، فامتنع الحكم بالمثل للعارض، فيجب الانتقال إلى القيمة، كما إذا تعذر المثل في المثلي. و لعل هذا أقوى، خصوصا مع ملاحظة اشتراط التستر في احترامها، فمتى حكم لهم بها ظاهرا زال احترامها.

و ما عساه يقال- من أنه لا يلزم من الحكم باستحقاقها إظهارها- يدفعه أن الحكم باستحقاقها ظاهر في ذلك، خصوصا إذا الجر إلى الإظهار عند الامتناع من الأداء فحبس حتى يؤدي، و خصوصا مع ملاحظة

____________

(1) الوسائل- الباب- 68- من أبواب الجهاد- من كتاب الجهاد.

46

ما سمعت من الإجماع المحكي المعتضد بالشهرة بقسميها، و الله العالم.

[هنا أسباب أخر يجب معها الضمان]

و هنا أسباب أخر يجب معها الضمان غير الغصب جرت؟ ادتهم في البحث عنها في كتابه.

[السبب الأول مباشرة الإتلاف]

الأول: مباشرة الإتلاف بلا خلاف فيه بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل الإجماع بقسميه عليه إن لم يكن ضروريا سواء كان المتلف عينا، كقتل الحيوان المملوك و تخريق الثوب، أو منفعة كسكنى الدار و ركوب الدابة و إن لم يكن هناك غصب أي استقلال يد على أنه عدوان.

[السبب الثاني التسبيب]

الثاني: التسبيب، و هو كل فعل يحصل التلف بسببه كحفر البئر في غير الملك، و كطرح المعاثر في المسالك بلا خلاف أجده في أصل الضمان به، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه.

مضافا إلى

خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أخرج ميزابا أو كنيفا أو أوتد وتدا أو أوثق دابة أو حفر شيئا في طريق المسلمين فأصاب فعطب فهو له ضامن».

و صحيح الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا «سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمر به الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال: كل شيء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه».

و خبر أبي الصباح الكناني (3) عنه (عليه السلام) أيضا «من أضر بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن».

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 1 من كتاب الديات.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 1 من كتاب الديات.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 2 من كتاب الديات.

47

و صحيح زرارة (1) عنه (عليه السلام) أيضا «قلت له: رجل حفر بئرا في غير ملكه فمر عليها رجل فوقع فيها، فقال: عليه الضمان، لأن كل من حفر بئرا في غير ملكه كان عليه الضمان».

و موثق سماعة (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحفر البئر في داره أو في ملكه، فقال: ما كان حفر في داره أو ملكه فليس عليه ضمان. و ما حفر في الطريق أو غير ملكه فهو ضامن لما يسقط فيها».

إلى غير ذلك من النصوص التي منها المعتبرة المستفيضة الدالة على غرامة الشاهد إذا رجع عن شهادته بعد ما قضي بها للأول قدر ما أتلفه من مال الرجل (3) و على أنه يقتل إذا قتل بشهادته، و قال الشاهد:

تعمدت الشهادة عليه زورا (4) و على غرامة دية اليد مثلا لو شهد عليه بالسرقة و رجع و قال: إني اشتبهت (5) و على غرامة المهر لو شهد بطلاق زوجة ثم تزوجت، أو بموت زوجها ثم جاء زوجها، أو رجع الشاهد عن شهادته بالطلاق (6) و منها دل على رجوع المغرور (7) و منها ما دل على

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 1 من كتاب الديات.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 3 من كتاب الديات.

(3) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الشهادات.

(4) الوسائل- الباب- 12- من كتاب الشهادات.

(5) الوسائل- الباب- 14- من كتاب الشهادات.

(6) الوسائل- الباب- 13- من كتاب الشهادات.

(7) الوسائل- الباب- 88- من أبواب نكاح العبيد و الإماء- الحديث 5 و الباب- 2- من أبواب العيوب و التدليس. و الباب- 7- منها- من كتاب النكاح.

48

تسبيب الإكراه و غير ذلك المعلوم عدم خصوصية الطريق فيها، كمعلومية عدم خصوصية لما ذكر فيها من الأفراد، خصوصا بعد ملاحظة العموم في صحيح الحلبي منها و غيره.

نعم عبر الأصحاب عما فيها بالسبب و اختلفوا في تعريفه، فعرفه المصنف هنا بما سمعت، و في الديات بما لولاه لما حصل التلف عنده لكن علة التلف غيره، كحفر البئر و نصب السكين و إلقاء الحجر، فان التلف عنده بسبب العثار.

و في القواعد هنا «السبب إيجاد ما يحصل التلف عنده إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة، كالحافر و فاتح رأس الظرف. و المكره على الإتلاف، و المباشرة هي إيجاد علة التلف، كالقتل و الإحراق».

و قال في قصاصها: «أقسام المزهق ثلاثة: شرط و علة و سبب، فالشرط ما يقف عليه تأثير المؤثر و لا مدخل له في العلية، كحفر البئر بالنسبة إلى الوقوع، إذ الوقوع مستند إلى علته، و هي التخطي، و لا يجب به قصاص، و أما السبب فهو ما له أثر ما في التوليد، كما للعلة، لكنه يشبه الشرط من وجه، و مراتبه ثلاثة: الأول: الإكراه- و ذكر تفصيل الحال فيه- الثاني: شهادة الزور- ثم ذكر تفصيل الحال فيها- الثالث:

نحو تقديم الطعام المسموم إلى الضيف- و ذكر تفصيل الحال فيه-».

و قال في دياتها: «السبب هو كل ما يحصل التلف عنده بعلة غيره، إلا أنه لولاه لما حصل من العلة تأثير كالحفر مع التردي».

و قال في الإيضاح في وجه التردد في ضمان الولد بموته جوعا «لو حبس الشاة أو حبس المالك عن حراسة ماشيته فاتفق تلفها أو غصب دابة فتبعها ولدها: «ينشأ في الأول من أنه مات بسببه، لصحة إسناده

49

إليه عرفا، و لأن للسبب هو فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلة سواه، و هذا تفسير بعض الفقهاء، و زاد آخرون: و لولاه لما أثرت العلة، و هذا التفسير أولى، فعلى هذا ليس هو السبب، و لأنه يمكن اعتياضه بغيره فهو أعم، فليس بسبب و لا يد له عليه، و لا مباشرة و لا ضمان، و هذا منشأ النظر في الباقيين، و أيضا ينشأ في الثاني من أنه تصرف في المالك لا في المال، و من حيث إنه سبب عرفا، و أما في الثالث فمن حيث إنه سبب لحدوث ميل يشبه القسري لوجود ميل الولد إلى امه طبعا فهو سبب، و من الشك في كونه سببا شرعيا في الضمان، و الأصل البراءة».

و قال في غاية المراد في بيان الوجه في سببية دلالة السارق: «إن السبب على ما فسره الفقهاء هو إيجاد ملزوم العلة قاصدا لتوقع تلك العلة، و منهم من يفسره بأنه فعل ما يحصل عنده التلف لكن لعلة غيره، فهو أعم من الأول، لا مكان سبب آخر بدل منه».

و قال في جامع المقاصد: «عرف في الدروس السبب بأنه فعل ملزوم العلة، و قريب منه ما ذكره الشارح الفاضل، و المعنى قريب، و قول المصنف: إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة غير محتاج إليه، بل هو مضر، إذ حفر البئر قد لا يقصد الحافر به توقع العلة الموجبة للتلف و لا قصدها أكثري، مع الضمان قطعا للسببية، و كأنه أراد الاحتراز عما إذا كان حدوث المقتضي للتلف على تقدير ذلك الفعل نادرا، فإنه لا يعد سببا، و لعله أراد بقصده كون شأنه ذلك، و كان الأولى أن يقول: هو إيجاد ما يحصل التلف عنده لكن بعلة أخرى إذا كان السبب مما يتوقع معه علة التلف، بأن يكون وجودها معه أكثريا. و اعلم أن شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد فسر السبب بتفسيرين- ثم حكى عبارته السابقة و قال-: في الأول نظر، لأنه إنما يصدق في الغاصب إذا قدم

50

طعام الغير لآكل مبيحا له، لأنه قاصد حينئذ بالتقديم الأكل، و لا ريب أن حفر البئر سبب و طرح ما يتعثر به سبب بغير خلاف، و الظاهر أن مراد الجماعة كونه يقصد توقع العلة باعتبار الشأن، فيكون تقديره هكذا:

السبب إيجاد ملزوم العلة الذي شأنه أن يقصد معه توقع تلك العلة».

و قال في مجمع البرهان بعد أن حكى عن بعض زيادة قصد توقع تلك العلة على تعريفه بأنه إيجاد ملزوم العلة المتلفة: «نحن ما نقدر على فهم المذكور من دون زيادة فكيف مع الزيادة» و ذلك لأنه ذكر سابقا أن الملزومية غير ظاهرة، و إنما الظاهر كونه موقوفا عليه علية العلة، و أنها لم تتحقق إلا بعد تحققه، لا أنه لازمة لوجوده، فإنه معلوم عدم استلزام الحفر للتردي و الإلقاء. و لعل المراد بالملزومية ذلك المقدار فقط، إذ لا يحتاج إلى شيء بعد وجوده إلا المباشرة».

و قال في المسالك: «إن ما له مدخل في هلاك الشيء إما أن يكون بحيث يضاف إليه الهلاك في العادة إضافة حقيقية له أو لا يكون كذلك، و ما لا يكون كذلك إما أن يكون من شأنه القصد به ما يضاف إليه الهلاك أو لا يكون كذلك، و ما يضاف إليه الهلاك يسمى علة، و الإتيان به مباشرة. و ما لا يضاف إليه الهلاك و لكن يكون من شأنه أن يقصد بتحصيله ما يضاف إليه سمي سببا، و الإتيان به تسبيبا».

إلى غير ذلك من كلماتهم التي لم نعرف الداعي لهم إلى صدورها بعد خلو نصوصهم عن اللفظ المزبور عنوانا للحكم، و إنما الموجود في النصوص ما عرفت، و منه يتعدى إلى أمثاله بعد العلم بعدم الخصوصية للمذكور فيها، أو يستند إلى ما سمعته من العموم في بعضها، و الأصل البراءة فيما لا يضاف إليه الإتلاف حقيقة، و لا يندرج في الأمثال المزبورة بل مع الشك فيه كذلك أيضا.

51

و لعل المحصل منها الضمان على وجه يجعل ضابطا هو إيجاد ما يصلح أن يقصد حصول التلف به في بعض الأحيان و لو بواسطة غيره معه، سواء كان له مدخلية في علية العلة كالحفر أو في وجودها كالغرور و الإكراه، و مع فرض قصور العبارة عن تأديته لا يلتفت إليها.

و دعوى أن المحصل منها الضمان بمفهوم السبب الذي قد عرفت الخلاف في تعريفه على وجه بنوا الضمان و عدمه في بعض الفروع عليه واضحة الفساد، ضرورة كون الثابت خصوص بعض المصاديق التي لا ينتقل منها إلى جعل عنوان الحكم مفهوم السبب الذي ذكروه، خصوصا بعد العلم بأن ما سمعته من التعريف له من الأمور الاصطلاحية، لا أنه مفهوم عرفي.

بل لا يبعد كون المراد لهم ضبط ما استفادوا الضمان به من النصوص المزبورة، لا أن المراد كون المدار على صدق اسم السبب، خصوصا بعد أن لم يكن له معنى منقح عرفا.

بل ربما أطلق اسمه على المعلوم عدم الضمان به، و ليس في شيء من النصوص ما يقتضي جعل مفهومه عنوانا، بل السبب المذكور هنا غير موافق لمعنى السبب بمعنى العلة التامة و لا السبب الاصطلاحي الذي هو ما يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم لذاته، بل ليس هو إلا من الشرائط كما سمعت الاعتراف به من الفاضل.

فالتحقيق حينئذ كون المدار على المستفاد من النصوص المزبورة و غيرها مما صرح فيها بالضمان به، و التعدية منه إلى مشابهة في ذلك بالإجماع أو بفهم عرفي ينتقل منه إلى كون المذكور مثالا لما كان من سنخه، و لعل ذلك وجه التردد فيما سمعته من الأمثلة، و إلا فتعريف السبب المزبور صادق عليه، كصدق التسبيب بالمعنى العرفي.

52

و الظاهر عدم كون التعدي و التفريط الموجبين للضمان في الأمين من ذلك حتى يصح التعدي منها إلى ما ماثله في غير الأمين، فيكون دلالة السارق و فتح الباب و منع المالك حراسة ماشيته موجبا للضمان، باعتبار إيجاب مثله في الأمين الذي مدار ضمانه على التعدي و التفريط الصادق ثانيهما في المفروض إذا كان من الأمين دون غيره، فتأمل جيدا في جميع ما ذكرناه، فإنه دقيق نافع لم أجده محررا في كلامهم.

و منه يعلم عدم اعتبار قصد توقع العلة فيه و لا أكثرية ترتب التلف به و لا منشأيته، ضرورة إطلاق النصوص المزبورة الضمان بالأمور المذكورة من غير تقييد لشيء منها بشيء من ذلك، كضرورة كون مراد الأصحاب بما ذكروه من موجبات التضمين بالتسبيب هنا أن الضمان يكون به، لا أن المراد متى صدق السبب حصل الضمان، ضرورة وقوع حفر البئر الذي لا إشكال في كونه سببا نصا (1) و فتوى على وجوه عديدة لا ضمان فيها.

و لعله لذا و غيره قيد ما حكاه بعضهم من الإجماع على التضمين بالسبب بقوله: «في الجملة».

و قال في المسالك: «و اعلم أيضا أن تمثيل المصنف السبب بحفر البئر في غير الملك تخصيص للسبب الموجب للضمان، فإن حفره- و إن كان في ملك الحافر- يكون سببا في الهلاك لكنه غير مضمون، فالسبب المعرف سبب خاص، و هو الموجب للضمان و إن كان التعريف صادقا على ما هو أعم» و إن كان آخر كلامه لا يخلو من نظر في الجملة.

و على كل حال فقد أطلق المصنف و غيره كون حفر البئر في غير الملك سببا للضمان، و هو أعم من الحفر في طريق مسلوك أو في ملك الغير

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب موجبات الضمان- من كتاب الديات.

53

أو في ملك مشترك، بل عن ظاهر الغنية الإجماع على ذلك.

و مقتضى إطلاقهم عدم الفرق في المتردي بين أن يكون المالك أو غيره، و بين الداخل بإذنه أو غيره، و بين كون البئر مكشوفة أو مغطاة، بل مقتضى إطلاق غير واحد عدم الفرق بين كون ذلك لمصلحة المسلمين و غيره، بل عن الفخر التصريح بالأخير.

لكن عن الشيخ و الفاضل و ثاني الشهيدين و الأردبيلي عدم الضمان إذا كان الحفر في الطريق لمصلحة المسلمين، كالحفر للبالوعة و الاستقاء و نحو ذلك، و استحسنه المصنف.

إلا أن ما سمعته من النصوص المشتمل على العموم اللغوي. و ترك الاستفصال يقتضي الضمان مطلقا، بل قيل: إن المستفاد منها كون التعدي موجبا للضمان، فيشمل الحفر في الملك المشترك، مؤيدا بما حكي من إطلاق الفتاوى ضمان المتعدي بالحفر.

اللهم إلا أن يقال: إن المنساق من ذلك التعدي في جميع الحفر لا في مثل الفرض و إن وجب عليه الاجتناب فيه من باب المقدمة، فيبقى على أصالة البراءة، و ربما احتمل ضمان النصف مطلقا أو إن كان الشريك واحدا، و إلا فثلثان إن كانوا ثلاثة و هكذا.

و يأتي تمام الكلام في المسألة إنشاء الله تعالى في الديات. كما أنه يأتي إنشاء الله تعالى تمامه في الضمان بالمعاثر المصرح به في جملة من الكتب، و هي شاملة للدكة و القمامات كقشور البطيخ و نحوها.

بل عن المبسوط التصريح بالضمان في الأخير، نعم قيده المصنف و الفاضل في المحكي من تحريره و إرشاده بمن لم ير القمامة، و الأصل فيه ما سمعته من الصحيح (1) بل لا يبعد القول بالضمان فيما فعله لضرورته،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 1 من كتاب الديات.

54

إذ لا تنافي بين الجواز و الضمان. و على كل حال فلا خلاف و لا إشكال في التضمين بالتسبيب في الجملة.

لكن إذا اجتمع السبب و المباشر قدم المباشر في الضمان على ذي السبب، كمن حفر بئرا في ملك غيره عدوانا فدفع غيره فيها إنسانا فضمان ما يجنيه الدفع على الدافع لما عرفته من تقديم المباشرة على التسبيب الذي لم أجد فيه خلافا بينهم، بل أرسلوه إرسال المسلمات في المقام و في القصاص و الديات، بل عن كشف اللثام الإجماع عليه، بل في مجمع البرهان «إن من المعلوم عقلا و نقلا إسناد الفعل إلى القريب دون البعيد الذي هو سبب السبب و له مدخلية ما في ذلك الشيء، و هو ظاهر، و كأنه مجمع عليه».

قلت: و هو كذلك، بل لعل التضمين بما ذكروه من السبب الذي قد عرفت كونه من الشروط باعتبار قربه إلى علة التلف، فهو أقوى من غيره من الشرائط التي لها مدخلية في التلف أيضا، إلا أن القريب منها سموه بالسبب و جعلوا التضمين به، و لا ريب في أن المباشرة أقرب منه، بل السبب في الحقيقة قد صار من آلات المباشر في مباشرته، كقتله بالسيف و الدفع في البئر و إلقائه على السكين المغصوب مثلا، و اغراقه في الماء الذي وضعه الغير و هكذا.

إلا أنه مع ذلك كله قد ناقش فيه في الرياض بأن القوة لا تدفع الضمان عن السبب بعد وجود ما يقتضي ضمانه أيضا، و هو ما مر من حديث نفي الضرر (1) و لا امتناع في الحكم بضمانهما معا و تخير المالك في الرجوع إلى أيهما شاء كالغصب، فلولا الإجماع الظاهر المعتضد بالأصل لكان القول بضمانهما كترتب الأيدي في الغصب في غاية الحسن.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من كتاب إحياء الموات.

55

ثم قال: «و على هذا نبه خالي العلامة دام ظله في حاشيته على شرح الإرشاد، إلا أن ظاهره سلمه الله المصير اليه أو بقاؤه في شباك التردد من دون أن يقطع بما ذكره الأصحاب، و لعله لتوقفه في فهم الإجماع و تردده في قبول حكايته من ناقله، لعدم قطعه به، و هو حسن، و لكن الإجماع ظاهر، فالمصير إلى ما ذكروه متعين».

قلت: لا يخفى عليك ما فيه بعد التأمل فيما ذكرناه، ضرورة أن القوة إذا كانت على وجه لا يسند الفعل إلا إلى ذيها تدفع الضمان عن السبب الذي ظاهر ما دل على التضمين به انما هو فيما إذا لم يكن معه مباشر قوي.

نعم قد يشك في صورة ما لو قصدا الاشتراك في الإتلاف، بأن فعل ذو السبب سببه لإرادة مباشرة الإتلاف من المتلف، كما لو نصب سكينا في الأرض ليدفعه الآخر عليها مثلا، مع أن التحقيق فيها أيضا كون الضمان على المباشر الذي يسند الفعل إليه و إن كان ذلك معينا له و صار فعله من المعدات، كما هو واضح بأدنى تأمل في الفرق بين المعدات القريبة و البعيدة، و لعله لذا قالوا في القصاص: إنه يحبس ذو السبب الى أن يموت، و القصاص على المباشر، هذا كله في اجتماع المباشرة و التسبيب.

أما اجتماع السببين بأن يحفر واحد بئرا و يضع آخر عنده حجرا فيعثر به إنسان فيقع في البئر ففي المسالك «إن اتفقا في وقت واحد اشتركا في الضمان، لعدم الترجيح، و إن تعاقبا فالضمان على المتقدم في التأثير، لاستقلاله بالضمان أولا، فكان أولى، و هو سبب السبب، فيجب وجود المسبب عنده».

و كأنه أراد ما في التذكرة، قال: «و لو تعدد السبب فالضمان على المتقدم منهما إن ترتبا، كما لو حفر شخص بئرا في محل عدوانا

56

و وضع آخر حجرا فيه فعثر إنسان بالحجر فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر، لأنه السبب المؤدي إلى سبب الإتلاف، فكان أولى بالضمان، لأن المسبب يجب مع حصول سببه فيه، فوضع الحجر يوجب التردي، أما لو انتفى الترتيب فالضمان عليهما، كما لو حفر و وضع الحجر فان الضمان عليهما».

قلت: لا يخلو كلامهما من خفاء في الجملة، و الذي ذكره غيرهما أنه يقدم الأول في الجناية و إن تأخر حدوثه عن الآخر، و ربما احتمل ترجيح الأقوى، كما لو نصب سكينا في البئر المذكور، و قد يحتمل قويا تساوي السببين، لاشتراكهما في التلف الحاصل خارجا، و أنه لولا الحجر لم يحصل التردي في البئر، كما أنه لولا البئر لم يؤثر العثور بالحجر تلفا، بل لو فرض كون كل من السببين متلفا لو استقل إلا أنهما اشتركا فيما تحقق في الخارج من التلف يتجه أيضا فيه الاشتراك في الضمان. و تمام الكلام في ذلك في الديات إنشاء الله تعالى.

و كيف كان فقد استثنى غير واحد من الأصحاب من قاعدة تقديم المباشر ما إذا ضعف المباشر، و في الدروس و اللمعة الاقتصار على استثناء الغرور و الإكراه، بل في القواعد الاقتصار على الثاني منهما، كما في الإرشاد الاقتصار على الأول منهما، إلا أن الظاهر إرادة المثال، ضرورة ضعف الريح و الشمس و النار و السبع و غيرها مما لا عقل له و لا اختيار.

و لعله لذا قال في المسالك: «و له صور كثيرة تأتي جملة منها و قد تقدم منها مسألة الغرور بتقديم الطعام اليه جاهلا، فان الضمان يستقر على الآمر».

قلت: بل لو لم يكن منه أمر بل مجرد تقديمه له ضيافة و إن قال في التذكرة: من قال: كله و لم يقل إنه ملكي و لا طعام فلان غصبته