جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج38

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
389 /
7

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين الغر الميامين.

[كتاب إحياء الموات]

كتاب إحياء الموات من الأرض بفتح الميم و ضمها الذي اتفقت الأمة على جوازه بل استحبابه، و المرجع فيه العرف كغيره مما ليس له حقيقة شرعية.

و الأصل فيه

قول أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح (1): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أحيا مواتا فهو له».

و قوله (عليه السلام) أيضا و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في الحسن كالصحيح (2): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

من أحيا أرضا مواتا فهي له».

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات- الحديث 5.

8

و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر السكوني (1): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من غرس شجرا أو حفر واديا بديا لم يسبقه إليه أحد أو أحيا أرضا ميتة فهي له، قضاء من الله و رسوله».

و قوله (عليه السلام) أيضا في صحيح ابن مسلم (2): «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض و عمروها فهم أحق بها، و هي لهم».

كقوله (عليه السلام) أيضا في الصحيح الآخر (3): «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عمروها فهم أحق بها».

و في النبوي (4): «من أحاط حائطا على أرض فهي له».

و في آخر (5): «عادي الأرض لله و لرسوله ثم هي لكم مني».

و في ثالث (6): «موتان الأرض لله و لرسوله ثم هي لكم مني أيها المسلمون».

إلى غير ذلك من النصوص التي سيمر عليك بعضها إنشاء الله.

و كيف كان ف النظر في أطراف أربعة:

[الطرف الأول في الأرضين]

الأول في الأرضين بفتح الراء و هي إما عامرة و إما موات، فالعامر ملك لمالكه الذي هو في يده إذا كان على الوجه الشرعي الذي ستعرفه، مسلما كان أو كافرا، مباح المال كالحربي أم لا كالذمي و إن جاز أخذه قهرا من الحربي، فإن ذلك لا ينافي الملك كباقي أمواله.

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

(4) المستدرك- الباب- 21- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

(5) المستدرك- الباب- 21- من كتاب إحياء الموات- الحديث 5.

(6) سنن البيهقي- ج 6 ص 143 مع اختلاف في ذيله.

9

و حينئذ فالمراد من قول المصنف و لو بقرينة ما يأتي له لا يجوز التصرف فيه إلا بإذنه عدا ما يجوز للمسلمين تملكه من مال الحربي.

و كذا ما به صلاح العامر كالطريق و الشرب نهرا و غيره و القناة و نحوها، فان ذلك كله من العامر الذي هو ملك لمالكه.

و يستوي في ذلك ما كان من بلاد الإسلام و ما كان من بلاد الشرك، غير أن ما في بلاد الإسلام لا يغنم، و ما في (ما كان من خ ل) بلاد الشرك يملك بالغلبة عليه و ستعرف البحث في العامر في يد الكافر إذا كان بإحياء منه بعد أن صار للإمام (عليه السلام).

و أما الموات فهو الذي لا ينتفع به لعطلته إما لانقطاع الماء عنه أو لاستيلاء الماء عليه أو لاستئجامه أو غير ذلك من موانع الانتفاع على وجه يكون به ميتا فهو للإمام (عليه السلام) لا يملكه أحد و إن أحياه ما لم يأذن له الامام (عليه السلام) و إذنه شرط، فمتى أذن ملكه المحيي له إذا كان مسلما، و لا يملكه الكافر، و لو قيل: يملكه مع إذن الامام (عليه السلام) كان حسنا.

و تفصيل البحث في ذلك أن ما ذكره من الموات هو المطابق للعرف و عرفه به في النافع و جامع الشرائع و التحرير و الدروس و اللمعة و المسالك و الروضة و الكفاية على ما حكي عن بعضهم.

و لعله لا ينافيه ما في الصحاح و محكي المصباح من أنه الأرض التي لا مالك لها و لا ينتفع بها أحد. بل عن القاموس أنه اقتصر على الأول و عن النهاية أنها الأرض التي لم تزرع و لم تعمر و لا جرى عليها ملك أحد، بل و ما في التذكرة من أن الموات هي الأرض الخراب التي باد أهلها و اندرس رسمها، ضرورة كون مراد الجميع من الموات العطلة المزبورة سواء كان لها مالك سابقا أو لم يكن، فان ذلك لا مدخل له في صدق اسم الموات

10

كما أنه لا مدخل لبقاء رسوم العمارة و آثار الأنهار فيه أيضا.

و احتمال منع بقاء الآثار عن الاحياء كالتحجير مدفوع بالنص و الفتوى بعد حرمة القياس على التحجير المقارن لقصد العمارة.

قال الباقر (عليه السلام) في صحيح الكابلي (1): «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2) أنا و أهل بيتي الذين أورثنا الله تعالى الأرض، و نحن المتقون، و الأرض كلها لنا فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و يؤد خراجها إلى الامام (عليه السلام) من أهل بيتي، و له ما أكل منها، و إن تركها أو خربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها، فليؤد خراجها الى الامام (عليه السلام) من أهل بيتي، و له ما أكل حتى يظهر القائم (عليه السلام) من أهل بيتي بالسيف، فيحويها و يمنعها و يخرجهم منها، كما حواها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و منعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا فيقاطعهم على ما في أيديهم، و يترك الأرض في أيديهم»

و نحوه غيره في تحقق الاحياء مع العطلة و إن بقيت الآثار السابقة، لصدق الموات عليه، فإنه كالحي لا حقيقة لهما شرعا، و مرجعهما إلى العرف الذي ستسمع تعرض المصنف لما يصدق به عرفا، فأحدهما حينئذ مقابل للآخر.

نعم لا يكفي مطلق استيلاء الماء أو انقطاعه أو الاستئجام، بل لا بد من أن يكون ذلك على وجه يعد مواتا عرفا، و إلا فقد يتفق بعض ذلك في الأرض العامرة عرفا، كما هو واضح.

و أما أن الموات أصلا أو عارضا بعد أن باد أهله للإمام (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

(2) سورة الأعراف: 7- الآية 28.

11

فما لا خلاف فيه، بل الإجماع محصلا عليه، فضلا عن المنقول في الخلاف و الغنية و جامع المقاصد و المسالك صريحا، و ظاهرا في المبسوط و التذكرة و التنقيح و الكفاية على ما حكي عن بعضها عليه.

مضافا إلى النصوص التي يمكن دعوى تواترها (1) و فيها الدال على أنه من الأنفال (2) فتدل عليه حينئذ الآية (3) بل في جملة من النصوص (4) أن الأرض كلها للإمام (عليه السلام) و ذهب إليه بعض الرواة إلا أن التحقيق خلافه، كما حررنا ذلك في كتاب الخمس (5).

و أما أن إذنه شرط في تملك المحيا فظاهر التذكرة الإجماع، بل عن الخلاف دعواه صريحا، بل في جامع المقاصد «لا يجوز لأحد الاحياء من دون إذن الامام (عليه السلام) و أنه إجماعي عندنا» و في التنقيح الإجماع على أنها تملك إذا كان الإحياء بإذن الإمام (عليه السلام) و في المسالك «لا شبهة في اشتراط إذنه في إحياء الموات، فلا يملك بدونه اتفاقا».

مضافا إلى قاعدة حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، و في النبوي (6) «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه»

بل تقدم في كتاب الخمس (7) ما يدل على ذلك أيضا فلاحظ.

إنما الكلام في اعتبار كون المحيي مسلما كما هو ظاهر أول المتن، فلا يملكه الكافر بذلك و إن أذن له الامام (عليه السلام) بل ظاهر التذكرة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأنفال من كتاب الخمس.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأنفال من كتاب الخمس.

(3) سورة الأنفال: 8- الآية 1.

(4) الكافي- ج 1 ص 407.

(5) راجع ج 16 ص 117- 119.

(6) كنوز الحقائق المطبوع على هامش الجامع الصغير- ج 2 ص 77- 78.

(7) راجع ج 16 ص 134.

12

الإجماع عليه، قال فيها: «إذا أذن الامام (عليه السلام) لشخص في إحياء الأرض ملكها المحيي إذا كان مسلما، و لا يملكها الكافر بالاحياء و لا بإذن الإمام (عليه السلام) له في الاحياء، فان أذن له الامام (عليه السلام) فأحياها لم يملك عند علمائنا».

و في جامع المقاصد «يشترط كون المحيي مسلما، فلو أحياه الكافر لم يملك عند علمائنا و إن كان الإحياء بإذن الإمام (عليه السلام)».

لكن في الدروس «الشرط الثاني- أي للملك بالإحياء- أن يكون المحيي مسلما، فلو أحياها الذمي بإذن الإمام (عليه السلام) ففي تملكه نظر، من توهم اختصاص ذلك بالمسلمين، و النظر في الحقيقة في صحة إذن الامام له في الاحياء للتملك، إذ لو أذن كذلك لم يكن بد من القول بملكه و إليه ذهب الشيخ نجم الدين».

و في جامع المقاصد «و الحق أن الامام (عليه السلام) لو أذن له بالتملك قطعنا بحصول الملك له، و إنما البحث في أن الامام (عليه السلام) هل يفعل ذلك نظرا إلى أن الكافر أهل أم لا؟ و الذي يفهم من الأخبار و كلام الأصحاب العدم».

و في الروضة «و في ملك الكافر مع الاذن قولان، و لا إشكال فيه لو حصل، إنما الإشكال في جواز إذنه (عليه السلام) له نظرا إلى أن الكافر هل له أهلية ذلك أم لا؟» و نحوه في المسالك.

قلت: لا إشكال- بعد عصمة الامام (عليه السلام)- في حصول الملك له بالاذن له في التملك. ضرورة أنه لو لم يكن أهلا لذلك لم يأذن له، إلا أنه يمكن تحصيل الإجماع فضلا عن النصوص (1) على عدم اعتبار الاذن من الامام في التملك بالاحياء، بل يكفي الإذن منه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات.

13

بالإحياء الذي هو سبب حصول الملك مع فرض وقوعه على الوجه المعتبر.

إنما الكلام في اعتبار الإسلام مع الاذن و عدمه، فهو على تقديره شرط آخر لترتب الملك على الاحياء، و لا مانع عقلا و لا شرعا في عدم ترتب الملك على الاحياء للكافر و إن أذن في الاحياء الإمام (عليه السلام) إذ الاذن في أصل إيجاده غير الاذن في تملكه به، و ما أدري من أين أخذ ذلك الشهيد في الدروس؟! حتى أنه أوقع غيره في الوهم.

و قد سمعت دعوى الإجماع من الفاضل في التذكرة على عدم ترتب الملك على إحياء الكافر و إن أذن له الامام (عليه السلام) فيه. بل و في أثناء كلام الكركي أيضا، و إن كان التحقيق خلافه، لظهور النص (1) و الفتوى في كونه سببا شرعيا لحصول الملك مع حصول شرائطه التي منها الاذن أيضا، سواء كان المحيي مسلما أو كافرا.

بل هو صريح

صحيح محمد بن مسلم (2) «سألته عن الشراء من أرض اليهود و النصارى، فقال: ليس به بأس، و قد ظهر رسول الله (صلى الله عليه و آله) على أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الأرض في أيديهم يعملون بها و يعمرونها، و ما بها بأس إذا اشتريت منها شيئا، و أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عملوه فهم أحق بها، و هي لهم».

و صحيح أبي بصير (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء الأرضين من أهل الذمة، فقال: لا بأس بأن يشترى منهم إذا عملوها و أحيوها، فهي لهم، و قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين ظهر على خيبر و فيها اليهود خارجهم على أمر، و ترك الأرضين في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموت.

(2) الوسائل- الباب- 71- من أبواب الجهاد- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 4- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

14

أيديهم يعملونها و يعمرونها»

إلى غير ذلك من النصوص (1).

بل لو لا الإجماع على اعتبار الاذن لكان مقتضاها الملك بالاحياء مطلقا، نعم قد سمعت ما في المرسل (2) و صحيح الكابلي (3) إلا أن الأول غير حجة و الثاني لا ينافي ما دل على الأعم.

و أما الإجماع المزبور فلم نتحققه، بل لعل المحقق خلافه، فإن المحكي عن صريح المبسوط و الخلاف و السرائر و جامع الشرائع و ظاهر المهذب و اللمعة و النافع عدم اعتبار الإسلام.

قال في المبسوط: «الموات عندنا للإمام (عليه السلام) لا يملكها أحد بالاحياء إلا أن يأذن له الامام (عليه السلام)، و أما الذمي فلا يملك إذا أحيا أرضا في بلاد الإسلام إلا أن يأذن له الامام (عليه السلام)» و بعينه عبارة محكي السرائر.

بل عنه في الخلاف نسبة الخلاف في ذلك إلى الشافعي و أنه قال:

«لا يجوز للإمام (عليه السلام) أن يأذن له، فان أذن له فيه فأحياها لم يملك».

فمن الغريب دعوى الإجماع المزبور، و أغرب منه ما سمعته من جامع المقاصد من أن الذي يفهم من الأخبار و كلام الأصحاب أن الامام (عليه السلام) لا يأذن.

و قد عرفت أن هذا الخلاف غير محرر في كلام الأصحاب، بل لا وجه له، ضرورة كون الامام (عليه السلام) مع وجوده أعرف بالمصالح المقتضية لذلك و عدمها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و 4- من كتاب إحياء الموات.

(2) المتقدم في ص 11.

(3) المتقدم في ص 10.

15

كل ذلك مضافا إلى ما يمكن القطع به من ملك المسلمين ما يفتحونه عنوة من العامر في أيدي الكفار و إن كان قد ملكوه بالاحياء، و لو أن أحياءهم فاسد لعدم الاذن لوجب أن يكون على ملك الامام (عليه السلام) و لا أظن أحدا يلتزم به.

و مضافا إلى قوله بتملك الكافر حال الغيبة، مع أنه لا تفصيل في النصوص، قال: «لا يخفى أن اشتراط إذن الامام (عليه السلام) إنما هو مع ظهوره، أما مع غيبته فلا، و إلا لامتنع الاحياء، و هل يملك الكافر بالإحياء في حال الغيبة؟ وجدت في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد على القواعد في بحث الأنفال من الخمس أنه يملك به، و يحرم انتزاعه منه، و هو محتمل، و يدل عليه أن المخالف و الكافر يملكان في زمن الغيبة حقهم من الغنيمة، و لا يجوز انتزاعه من يد من هو بيده إلا برضاه، و كذا القول في حقهم (عليهم السلام) من الخمس عند من لا يرى إخراجه، بل حق باقي أصناف المستحقين للخمس لشبهة اعتقاد حل ذلك، فالأرض الموات أولى، و من ثم لا يجوز انتزاع أرض الخراج من يد المخالف و الكافر، و لا يجوز أخذ الخراج و المقاسمة إلا بأمر سلطان الجور، و هذه الأمور متفق عليها، و لو باع أحد أرضى الخراج صح باعتبار ما ملك فيها و إن كان كافرا، و حينئذ فتجري العمومات- مثل

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «من أحيا أرضا ميتة فهي له»

- على ظاهرها في حال الغيبة، و يقصر التخصيص على حال ظهور الامام (عليه السلام) فيكون أقرب للحمل على ظاهرها، و هذا متجه قوي متين».

قلت: لكن بعد الإغضاء عن البحث في جملة مما ذكره يقتضي

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

16

عدم الفرق بين حالي الحضور و الغيبة، لإطلاق النصوص المزبورة، و لا معارض لها بعد كون المرسل (1) غير حجة، و لا دلالة فيه على التخصيص بل لا ظهور يعتد به في صحيح الكابلي (2) على وجه يقاوم ما عرفت.

فالمتجه الملك بالاحياء مطلقا و لو لحصول الاذن منهم (عليهم السلام) في ذلك حال الحضور، و لعل المصلحة فيه إرادة تعمير الأراضي.

و احتمال أن جميع النصوص لبيان السبب الشرعي- الذي لا ينافيه توقفه بعد ذلك على شرائط أخر- يدفعه أنه لا منافاة فيه بين إرادة الإذن منه مع ذلك و لو بطريق من طرق الدلالة، مضافا إلى ظهور بعضها في الاذن كما أومأ إليه في التذكرة، قال في موات المفتوحة عنوة و ميت الغيبة: «و إن كان الاحياء حال الغيبة ملكها المحيي لما تضمنه كتاب علي (عليه السلام) (3) فكأن الاذن هنا محقق».

و حينئذ فلا وجه لدعوى سقوط الاشتراط في زمن الغيبة بدعوى أن دليله الإجماع و المسلم منه ما كان في زمن الحضور.

على أن مقتضى السقوط ملكهم حينئذ بالاحياء حقيقة، لا من باب الإقرار، لشبهة اعتقاد الحل.

و أيضا إن كان مقتضى العمومات المزبورة سقوط الشرطية فلا ريب في ظهورها في حال الحضور أيضا، بل لعله أظهر من حال الغيبة.

على أن دليل الشرطية غير منحصر في الإجماع، بل يكفي فيه قبح التصرف في مال الغير بغير إذن، و الشك في الملك بالإحياء بإذنه إن لم يكن ذلك معلوما مما ذكروه من الإجماع على اعتبارها فيه من غير إشارة

____________

(1) المتقدم في ص 11.

(2) المتقدم في ص 10.

(3) الوسائل- الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

17

إلى زمن الحضور و الغيبة التي لا فرق بينهما أيضا لو فرض حصول الاذن من هذه العمومات، و لكن الأمر سهل حيث لا فائدة تترتب على ذلك.

نعم لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه ما في المسالك و غيرها من تحرير أصل المسألة، و الله العالم و الهادي.

و لا فرق فيما ذكرنا بين الموات في بلاد الإسلام و غيره، لإطلاق الأدلة، خلافا لما يظهر من بعض، و لا بين الذمي و غيره من أقسام الكفار و إن كان لنا تملك ما يحييه الحزبي كباقي أمواله.

و كيف كان فلا خلاف أجده في أن عامر الأرض المفتوحة عنوة و قهرا وقت الفتح للمسلمين قاطبة بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، و لو من يتولد أو يدخل فيه إلى آخر الأمر، على معنى أنها لمجموعهم لا لكل واحد منهم، ف لا يملك أحد منهم بالخصوص رقبتها بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1).

و حينئذ ف لا يصح لأحد بخصوصه منهم فضلا عن غيرهم بيعها و لا رهنها و لا هبتها و لا غير ذلك مما يتوقف صحته على الملك، كما ذكرنا ذلك كله مفصلا في كتاب البيع (2) و منه ما وقع من بعض من ملكها تبعا لآثار التصرف أو أنها تنفذ التصرفات المزبورة فيها زمن الغيبة.

و ذكرنا أيضا في كتاب المكاسب (3) البحث في الخراج المتعلق بها

____________

(1) الوسائل- الباب- 71- من أبواب الجهاد- الحديث 1 من كتاب الجهاد و الباب- 21- من أبواب عقد البيع- الحديث 4 و 5 و 9 من كتاب التجارة.

(2) راجع ج 22 ص 347- 349.

(3) راجع ج 22 ص 180- 201.

18

و بغيرها، فلا حظ و تأمل.

و حينئذ ف لو ماتت لم يصح إحياؤها على وجه يترتب عليه الملك للمحيي لأن المالك لها بغير الاحياء معروف، و هو المسلمون قاطبة المغتنمون لها، و ستعرف اشتراط عدمه في الملك بالاحياء، للاستصحاب و غيره.

و ما كان منها مواتا (موات خ ل) وقت الفتح فهو للإمام (عليه السلام) بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه فضلا عن محكيه مستفيضا أو متواترا، مضافا إلى النصوص (1) التي أشرنا إليها آنفا، و مر كثير منها في كتاب الخمس (2).

و منه يعلم أنها ليست من الغنيمة، لأنها قد كانت مالا للإمام (عليه السلام) قبل الفتح، نعم في المسالك «يعلم كونها مواتا حينئذ بالنقل و القرائن و بوجودها ميتة الآن مع الشك في كونها عامرة وقت الفتح لأصالة عدم العمارة أصلا، بخلاف ما علم كونه معمورا قبل الفتح ثم خرب و شك في وقت خرابه، فإنه يحكم بعمارته فيه استصحابا بالحكم الموجود و عدم تقدم الحادث».

و قال فيها أيضا قبل ذلك: «و أنه يعلم- أي العامر وقت الفتح- بنقل من يوثق به و دلالة القرائن الكثيرة المفيدة للعلم أو الظن المتآخم له».

و في الروضة: «و يرجع الآن في المحيا منها و الميت في تلك الحال إلى القرائن، و منها ضرب الخراج و المقاسمة، فإن انتفت فالأصل يقتضي عدم العمارة، فيحكم لمن بيده منها شيء بالملك لو ادعاه».

قلت: لا يخفى أن واقع الأمر عدم قرائن تفيد ما ذكر في هذا

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب الأنفال- من كتاب الخمس.

(2) راجع ج 16 ص 117- 121.

19

الزمان الذي اشتبه الحال فيه، فلم يعلم المعمور منه وقت الفتح و مواته، فلا بد من تأصيل أصل يرجع إليه.

و قد يقال: إن الأصل الموات، فيكون كل ما لم يعلم كونه معمورا وقت الفتح للإمام (عليه السلام) من غير فرق بين ما لا يوجد فيه أثر عمارة و بين ما يوجد و لكن لم يعلم أنها وقت الفتح أو متجددة بعده، خصوصا بعد ملاحظة ما دل (1) على أن الأرض كلها لهم (عليهم السلام) فتأمل جيدا، و خصوصا بعد ظهور النصوص في كون الاحياء سببا للملك، خرج ما علم كونه مملوكا للغير بغير الاحياء، فيبقى ما عداه على مقتضى السببية المزبورة، و الله العالم.

و كذا له (عليه السلام) كل أرض لم يجر عليها ملك مسلم (لمسلم خ ل) بلا خلاف أجده فيه، بل قيل: إنه طفحت به عباراتهم، و في التذكرة الإجماع عليه، نعم في التحرير و عن غيره فرضه في موات أرض الإسلام.

و فيه أن إطلاق الأدلة و عمومها يقتضي أن الموتان جميعه للإمام (عليه السلام) من غير فرق بين بلاد الإسلام و غيره، على أنه منقوض بالذمي الذي ملك أرضا في بلاد الإسلام معمورة فماتت، كما أنه ينقض به من اقتصر على تقييدها بالموات من غير ذكر بلاد الإسلام.

و بالجملة هذه الكلية المزبورة مع تقييدها بما عرفت منقوضة بما سمعت و غيره فضلا عما لو بقيت على إطلاق المتن، مع أنه لا داعي لها من تعبير في نص و غيره، فالأولى إيكال التفصيل إلى المستفاد من الأدلة.

نعم الظاهر عدم الفرق بين الموات و بين المعدة للانتفاع في كونها معا للإمام (عليه السلام)، كما صرح به في المسالك و غيرها، لا لاندراجها

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب الأنفال- الحديث- 12- من كتاب الخمس.

20

في اسم الموات، فإنك قد عرفت عدمه عرفا، بل للنصوص (1) الواردة في تعداد الأنفال المصرحة بأن منها- مضافا إلى الموات- كل أرض لا رب لها، و لا ريب في شمولها للفرض الذي يمكن أن يكون منه شطوط الأنهار، و الله العالم.

و كل أرض جرى عليها ملك المسلم فما دامت عامرة فهي له أو لورثته بعده و ان ترك الانتفاع بها، بلا خلاف و لا إشكال، بل في المسالك الإجماع عليه، و هو كذلك، بل إن لم يكن لها مالك معروف كانت من مجهول المالك، بل في المسالك «و إن خربت فان كان انتقالها بالقهر كالمفتوحة عنوة بالنسبة إلى المسلمين أو بالشراء و العطية و نحوها لم يزل ملكه عنها أيضا إجماعا على ما نقله في التذكرة عن جميع أهل العلم».

قلت: الموجود فيما حضرني من نسخة التذكرة «لو لم تكن الأرض التي من بلاد الإسلام معمورة في الحال و لكنها كانت قبل ذلك معمورة و جرى عليها ملك مسلم فلا يخلو إما أن يكون المالك معينا أو غير معين، فان كان معينا فاما أن تنتقل إليه بالشراء أو العطية و شبهها أو بالإحياء، فإن ملكها بالشراء و شبهه لم تملك بالاحياء بلا خلاف، قال ابن عبد البر:

أجمع الفقهاء على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه» إلى آخره.

و هو كما ترى إنما حكى الإجماع عمن لا نعرفه، و إنما اقتصر هو على نفي الخلاف، فان تم إجماعا كان هو الحجة، و إلا فقد يشكل ما كان ملك البائع له مثلا بالاحياء

بما دل (2) على أن موتان الأرض لله

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأنفال من كتاب الخمس.

(2) المستدرك- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

21

و لرسوله،

فضلا

عما دل (1) على أن الأرض كلها لهم (عليهم السلام).

و لا يشكل ذلك باستصحاب الملك الذي لا يعارض الأدلة، خصوصا ما دل (2) منها على ملك المحيي الأرض الميتة بالاحياء و إن كان صاحبها موجودا من غير تفصيل بين كون ملكه لها بالإحياء أو غيره.

بل مقتضى ما ذكره أن من كان بيده أرض معمورة ثم ماتت و لم يعلم كيفية ملكه لها تبقى ملكا له، و لا يجوز إحياؤها بدون إذنه.

و بالجملة المسلم من الإجماع المزبور إذا ملكه بغير الاحياء كالشراء من الامام (عليه السلام) مثلا، أما إذا كان أصل الملك بالاحياء ثم باعه من آخر أو ورثه منه آخر فالظاهر جريان البحث في بقاء الملك لمن هو له على نحو الملك بالاحياء، إلا أنه يسهل الخطب بقاء الملك للمحيي الأول و إن ماتت الأرض كما ستعرف.

و على كل حال فان ماتت بعد أن كانت معمورة في يد مالكها و علم أن ملكه لها بالاحياء فضلا عمن لم يعلم و هو أو وارثه معلوم فالمحكي عن المبسوط و المهذب و السرائر و الجامع و التحرير و الدروس و جامع المقاصد أنها باقية على ملكه أو ملك وارثه، بل قيل: إنه لم يعرف الخلاف في ذلك قبل الفاضل في التذكرة، فإنه حكى نحو مالك ملك المحيي الثاني، ثم قال: «لا بأس بهذا القول عندي».

نعم قيل: ربما أشعرت به عبارة الوسيلة، و اختاره في المسالك و الروضة بعد أن حكاه عن جماعة منهم العلامة في بعض فتاواه، و مال إليه في التذكرة، و في الكفاية «أنه أقرب» و في المفاتيح «أنه أوفق بالجمع بين الأخبار» بل في جامع المقاصد «أن هذا القول مشهور بين الأصحاب».

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب الأنفال- الحديث 12- من كتاب الخمس.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات- الحديث 5.

22

و كيف كان فالعمدة للقول الأخير بعد العمومات السابقة و صحيح الكابلي (1) السابق خصوص

صحيح معاوية بن وهب (2) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيّما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها فان عليه الصدقة، فإن كانت أرض لرجل قبله فغاب عنها و تركها فأخربها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض لله و لمن عمرها».

و زاد في المسالك «أن هذه الأرض أصلها مباح، فإذا تركها حتى عادت إلى ما كانت عليه صارت مباحة، كما لو أخذ من ماء دجلة ثم رده إليها، و أن العلة في تملك هذه الأرض الاحياء و العمارة، فإذا زالت العلة زال المعلول، و هو الملك، فإذا أحياها الثاني فقد أوجد سبب الملك، فيثبت الملك له، كما لو التقط شيئا ثم سقط من يده و ضاع عنه ثم التقطه غيره، فإن الثاني يكون أحق».

إلا أنهما معا كما ترى لا يطابقان أصول الإمامية، و إنما ذكرهما الفاضل في التذكرة دليلا لمالك على أصوله.

بل قد يناقش في دلالة الصحيح المزبور باحتمال كون المراد أنها للأول الذي عمرها، خصوصا مع عدم فرض السؤال فيه عن وجود شخص آخر عمرها.

و أما العمومات فلا دلالة فيها على ذلك، بل لعل ظاهر التمليك المستفاد من ظاهر اللام فيها عدم انقطاعه بموتها بعد إحيائها، كما هي قاعدة الأملاك و مقتضى الاستصحاب الذي لا ينافيه سببية الإحياء للتمليك في الجملة، إذ من المحتمل كونه سببا للابتداء و الاستدامة و إن ماتت،

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

23

فانحصر الدليل حينئذ في صحيح الكابلي (1) الذي هو من جملة النصوص الدالة على أن الأرض كلها لهم (عليهم السلام) التي قد عرفت الحال فيها في الخمس (2).

على أنه يمكن أن يكون من المتشابه الذي ينبغي أن يرد علمه إليهم (عليهم السلام) ضرورة أنه إن كان المراد وجوب دفع الخراج على المحيي للأرض الميتة في زمن الغيبة التي لا إمام فيها من أهل البيت إلا القائم روحي له الفداء الذي ذكره الصحيح المزبور فهو لا يرجع إلى حاصل، خصوصا بعد استفاضة

النصوص (3) منهم (عليهم السلام) على أن من أحيا أرضا ميتة فهي له

الظاهرة في الملك للمحيي، فلا يستحق عليه الطسق الذي هو بمنزلة الأجرة، و إن كان المراد في مقام ظهور الأمر فهو أشد إشكالا من الأول.

كل ذلك مضافا إلى ما ذكروه من الإشكال في آخره من انتزاع الأرض من يد مالكها، و إلى ما عرفته من إعراض المشهور عنه.

و حينئذ فيكفي دليلا للمشهور أصالة بقاء الملك المستفاد من العموم الذي منه يعلم فساد الاستدلال به للثاني، مؤيدا بقاعدة دوام الملك و عدم معلومية كون الخراب مزيلا له.

و ب

خبر سليمان بن خالد (4) المنجبر بما سمعت أنه سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها فما ذا عليه؟ قال: الصدقة، قلت:

فان كان يعرف صاحبها، قال: فليؤد إليه حقه»

بناء على إرادة

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

(2) راجع ج 16 ص 116- 123.

(3) الوسائل- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات.

(4) الوسائل- الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

24

ما ينافي ملك الثاني من الحق فيها من أداء نفس الأرض أو الأجرة.

و بالنبوي (1) «ليس لعرق ظالم حق»

بناء على ما قيل في تفسيره بأن يأتي الرجل الأرض الميتة لغيره فيغرس فيها و إن كان قد يناقش بمنع كون الفرض ميتة للغير، فإنه محل البحث بعد تسليم التفسير المزبور الذي هو عن هشام بن عروة الذي لا حجة في قوله. إلا أنك قد عرفت الغنية عن ذلك كله باستصحاب الملك و غيره مما سمعت.

ثم إن مقتضى ذلك عدم جواز الاحياء بدون الاذن، و عدم ترتب الملك عليه لو فعل كما عن جماعة.

لكن في المسالك «عن المبسوط و المصنف في كتاب الجهاد و الأكثر جواز الاحياء، و صيرورة الثاني أحق بها، لكن لا يملكها بذلك، بل عليه أن يؤدي طسقها إلى الأول أو وارثه، و لم يفرقوا في ذلك بين المنتقلة بالاحياء و غيره من الأسباب المملكة حيث يعرض لها الخراب و تصير مواتا» و لعل مستندهم ما سمعت من خبر سليمان بن خالد (2) بناء على إرادة الطسق من الحق فيه.

و أوجب في الدروس على المالك أحد الأمرين: إما الاذن لغيره أو الانتفاع، فلو امتنع فللحاكم الاذن، و للمالك طسقها على المأذون، و لو تعذر الحاكم فالظاهر جواز الاحياء مع الامتناع من الأمرين، و عليه طسقها.

و في المسالك «إنما حاولوا في هذين القولين الجمع بين الأخبار بحمل أحقية الثاني في الأخبار الصحيحة على أحقية الانتفاع بها بسبب الاحياء و إن لم يكن مالكا و وجوب الطسق من خبر سليمان بن خالد (3)- إلى

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

25

أن قال:- و في قيود الشهيد مراعاة لحق المالك و حق الأخبار (الاحياء خ ل) و أما القول الأول ففيه اطراح الأخبار الصحيحة جملة، فكان ساقطا».

قلت: قد عرفت أنه لا نصوص دالة إلا صحيح الكابلي (1) الذي سمعت البحث فيه، مع أنه مشتمل على الطسق للإمام (عليه السلام) لا المحيي الأول، ك

صحيح عمر بن يزيد (2) «سمعت رجلا من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أخذ أرضا مما تركها أهلها فعمرها و أكرى أنهارها و بنى فيها بيوتا و غرس شجرا و نخلا، قال (عليه السلام) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له، و عليه طسقها يؤديه إلى الامام في حال الهدنة فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه».

و صحيح معاوية بن عمار (3) الذي هو مجمل أو كالمجمل، و خبر سليمان بن خالد (4) الذي يمكن بل قيل: إن الظاهر إرادة نفس الأرض من حقه منها، فلا مخرج عن قاعدة قبح التصرف في مال الغير، فضلا عن أن يترتب له أحقية بذلك على وجه لا يجوز للمالك انتزاعها منه، فالمتجه حينئذ ذلك، خصوصا بعد أن لم يكن شاهد على الجمع المزبور، سيما ما ذكره في الدروس.

بقي الكلام في وجه التقييد بالمسلم مع أن مثله جار في الذمي أيضا، لاشتراكهما معا في الأدلة المزبورة، و من ذلك يعلم ما في الكلية المزبورة كما أنه من التأمل فيما ذكرنا يعلم ما في غيرها من الكليات المذكورة في المقام و غيره، حتى ما في أول الكتاب، نحو قولهم الأرض قسمان:

عامر و موات، فالعامر ملك لأربابه، و الموات للإمام (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 4- من أبواب الأنفال- الحديث 13 من كتاب الخمس.

(3) الوسائل- الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 3- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

26

ضرورة احتياج ذلك إلى تفصيل، لا أنه كذلك مطلقا.

فكان الأولى ترك الكليات المزبورة و الاقتصار على تفصيل الأحكام المستفادة من المدارك المخصوصة مع عدم استقصاء أقسام الأرضين هنا التي منها ما صولحوا أهلها عليها، و منها ما انجلى أهلها عنها، و منها ما باد أهلها و غير ذلك مما هو مذكور في الجهاد.

و لكن على كل حال ينبغي أن يعلم أن الأدلة و خصوصا ما تقدم منها في كتاب الخمس (1) ظاهرة في الاذن منهم (عليهم السلام) للشيعة أو مطلقا بالتصرف في الأرض التي لهم من الأنفال، بل ظاهرة في ملك المحيي لها، و أنه لا شيء عليه غير الصدقة، أي الزكاة.

بل قد يستفاد الاذن منهم (عليهم السلام) أيضا فيما لهم الولاية عليه، كأرض الخراج فضلا عن غيره، و قد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في كتاب البيع (2) و في كتاب الخمس (3).

بل قد تقدم في كتاب الجهاد (4) ما يدل على صحة كلية كل أرض ترك أهلها عمارتها كان للإمام (عليه السلام) تقبيلها ممن يقوم بها و عليها طسقها لأربابها، و كلية كل أرض موات سبق إليها سابق فأحياها كان أحق بها، و إن كان لها مالك معروف فعليه طسقها، بل ستسمع في الإقطاع انتزاع الحاكم ما أقطعه إذا ترك المقطع العمارة، و هو مع بعض النصوص هناك مؤيد لذلك في الجملة، و الله العالم.

هذا و لا يخفى عليك أن ذلك كله إن كان للأرض

____________

(1) راجع ج 16 ص 134- 141.

(2) راجع ج 22 ص 186- 189.

(3) راجع ج 16 ص 156- 159.

(4) راجع ج 21 ص 176- 185.

27

المزبورة مالك معروف. و أما إذا لم يكن لها مالك معروف للجهل به أو لهلاكه و كانت ميتة فهي للإمام (عليه السلام) إجماعا محكيا عن ظاهر السرائر و التذكرة و جامع المقاصد و صريح المفاتيح في الثاني، و الخلاف في الأول.

إلا أن الجميع لم أتحققه، بل لم أعرف وجهه، ضرورة كونها من مجهول المالك مع فرض عدم زوال ملك الأول بالموات و عدم هلاكه. نعم لو مات هو و وارثه كانت للإمام (عليه السلام) باعتبار أنه وارث من لا وارث له.

و أولى من ذلك بذلك ما لو كانت حية، و إن أطلق في بعض العبارات كونها للإمام (عليه السلام) حتى المتن لو لا إشعار قوله و لا يجوز إحياؤها إلا باذنه. و لو بادر مبادر فأحياها من دون إذنه (عليه السلام) مع حضوره لم تملك في كون الأرض ميتة.

اللهم إلا أن يثبت من الأدلة إخراج خصوص الأرض من بين مجهول المالك في كونها للإمام (عليه السلام) و لو لاندراجها في الخربة التي ورد في النصوص (1) أنها من الأنفال أو فيما لا رب لها، خصوصا مع عدم العلم بوجود المالك، أو قلنا بخروجها عن ملك الأول بالموت إذا فرض أن ملكه لها بالاحياء، و لكن قد عرفت ما في الأخير.

كل ذلك مع أنك قد عرفت سابقا أن العمومات المزبورة تقتضي الاذن في الاحياء، فلا يكون حينئذ مورد لما ذكره المصنف إلا في الزمان السابق على صدورها أو بمنع دلالتها على الاذن، و فيه البحث السابق.

و مما ذكرنا يظهر لك ما في المسالك من الفرق بين الحية و الميتة مع

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب الأنفال- من كتاب الخمس.

28

جهل المالك، فأخرج الأولى عن ملك الامام (عليه السلام) بالخصوص بخلاف الثانية، هذا كله مع الحضور.

و أما مع الغيبة ففي المتن و بعض كتب الفاضل أنه إن كان الامام (عليه السلام) غائبا كان المحيي أحق بها ما دام قائما بعمارتها، فلو تركها فبادت آثارها فأحياها غيره ملكها، و مع ظهور الامام (عليه السلام) يكون له رفع يده عنها.

و لكن- مع أنه لا دليل له على ذلك- لا يخلو من تناف بين قوله أولا: «أحق» مشعرا بعدم الملك و بين قوله ثانيا: «ملكها» و لعله لذا فسرها في المسالك بأنه لم يملكها المحيي ملكا تاما، لأن للإمام (عليه السلام) بعد ظهوره رفع يده عنها، و لو ملكها ملكا تاما لم يكن له ذلك.

قلت: بل عن التذكرة التصريح بالأحقية و أنه لا يملكها، و مقتضاه عدم جواز التصرف فيها ببيع و نحوه مما يمكن القطع بخلافه و لو من السيرة القطعية فضلا عن النص و الفتوى.

فمع فرض إرادة نحو ذلك من عدم تمامية الملك التي سمعتها من ثاني الشهيدين كان واضح الفساد، و إن أريد بها ما لا ينافي انتزاع الامام (عليه السلام) لها بعد ظهوره خاصة و إلا فقبله يتصرف فيها تصرف الملاك فهو نزاع قليل الجدوى، إذ هو مع ظهوره أعلم بما يفعله.

و على كل حال فالمتجه بناء على ما ذكرناه سابقا ملك المحيي لها أولا، و بقاؤها على ملكه و إن تركها و بادت آثارها ما لم تكن على جهة الإعراض عنها بحيث يملكها غيره إن قلنا به، إما لحصول الاذن منهم (عليهم السلام) بالعمومات السابقة أو لسقوط اشتراط الاذن في زمن الغيبة.

و ربما قيل: إن مستند التفصيل المزبور النصوص المزبورة، و فيه

29

أنه ليس في شيء منها ما يدل على ذلك في الجملة إلا صحيح الكابلي (1) المشتمل على الطسق المؤدي للإمام (عليه السلام) من أهل البيت.

و لذا قال في المسالك: «إنه ظاهر في حال وجود الامام (عليه السلام)» و إن كان فيه أن

قوله (عليه السلام) بعد ذلك فيه: «إلى أن يظهر القائم»

إلى آخره ظاهر في زمن الغيبة، بل قد يدعى ظهوره في عدم الطسق حينئذ، نعم هو ظاهر في إبقائها في يد الشيعة بعد الظهور مع المقاطعة، و لم يشر إليه المصنف.

نعم في المسالك عن التحرير أنه اشترط ذلك، فقال: «إن للإمام (عليه السلام) رفع يده عنها إذا لم يتقبلها بما يتقبلها غيره».

و فيه أن ذلك غير مستفاد من الصحيح المزبور، نعم هو دال على خصوص لطف و إكرام للشيعة في المقاطعة المزبورة، لكن قد عرفت حال الصحيح المزبور.

بل يزيد ما ذكرنا أن مقتضاه عدم الفرق فيما ذكره بين الأراضي جميعها و بين حالي الحضور و الغيبة في عدم الملك أصلا، فالتحقيق ما ذكرناه.

كل ذلك مضافا إلى ما في ذلك من المنافاة لما ذكره أولا من أنه متى جرى عليها ملك مسلم كانت له و لورثته مع فرض كونه معينا، فكيف يملكها الثاني و لو ملكا تاما؟

و من هنا يظهر أن إرجاع الملكية في كلامه إلى الأحقية أولى، حتى يكون موافقا لأحد الأقوال السابقة و إلا كان خارجا، لكن المتجه دفع الأجرة للمحيي الأول، كما سمعته من القائل به.

و لعل هذا من جملة التشويش الذي أشرنا إليه في كلمات بعضهم،

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من كتاب إحياء الموات.

30

و مثله ما في القواعد، فإنه بعد أن ذكر أن الميت من الأراضي يملك بالأحياء، و أن المراد بالميت ما خلا عن الاختصاص و لا ينتفع به إما لعطلته أو لانقطاع الماء عنه أو لاستيلاء الماء عليه أو لاستئجامه أو لغير ذلك، و أنه للإمام (عليه السلام) خاصة لا يملكه الآخذ و إن أحياه ما لم يأذن له الامام (عليه السلام) فيملكه إن كان مسلما بالاحياء و إلا فلا قال: «و أسباب الاختصاص ستة: الأول العمارة، فلا يملك معمور، بل هو لمالكه و إن اندرست العمارة، فإنها ملك المعين أو للمسلمين إلا أن يكون عمارة جاهلية و لم يظهر أنها دخلت في أيدي المسلمين بطريق الغنيمة فإنه يصح تملكها بالاحياء، و لا فرق في ذلك بين الدارين، إلا أن المعمور الحرب يملك بما يملك به سائر أموالهم، و مواتها الذي لا يذب المسلمون عنه فإنها تملك بالاحياء، و لو استولى طائفة من المسلمين على بعض مواتهم ففي اختصاصهم بها من دون الاحياء نظر، ينشأ من انتفاء أثر الاستيلاء فيما ليس بمملوك».

مع أنه لا يخفى عليك ما في توقفه الأخير، ضرورة أن استيلاء الطائفة إن كان بإذن الإمام (عليه السلام) فهو من المفتوح عنوة و مواته للإمام (عليه السلام) إجماعا، و إلا فهو غنيمة بغير إذنه للإمام (عليه السلام) أيضا إجماعا.

و من هنا قال في الدروس: «موات الشرك كموات الإسلام، فلا يملك الموات بالاستيلاء و إن ذب عنه الكفار، بل و لا تحصل به الأولوية، و ربما احتمل الملك أو الأولوية تنزيلا للاستيلاء كالأحياء أو كالتحجر، و الأقرب المنع، لأن الاستيلاء سبب في تملك المباحات المنقولة و الأرضين المعمورة، و الأمران منتفيان هنا» إلى آخره.

31

نعم عن أحد وجوه الشافعية الملك كالمعمور، و عن آخر الاختصاص به كالتحجير، و الثالث كما قلناه من عدم الملك بذلك و عدم التحجير، بل قد يقال بعدم كونه من الغنيمة، ضرورة كونه ملكا للإمام (عليه السلام) و هو في أيدي الكفار، و أقصى ما حصل باستيلاء الطائفة المزبورة استخلاص المغصوب و رده إلى أهله.

و كذلك قوله قبل ذلك: «و مواتها» إلى آخره الصريح في الفرق بين موات الإسلام و الكفر بالنسبة للكافر، إذ فيه أنه لا دليل على ذلك.

بل المحكي عن الخلاف أنه قال: «الأرضون العامرة في بلاد الشرك التي لم يجز عليها ملك أحد للإمام (عليه السلام) خاصة لا يملكها أحد بالاحياء إلا أن يأذن له» ثم ادعى إجماع الفرقة و أخبارهم، و نحوه عن المبسوط.

بل في محكي التذكرة «و إن لم تكن- أي أرض بلاد الكفر- معمورة فهي للإمام (عليه السلام) لا يجوز لأحد التصرف فيها إلا بإذنه عند علمائنا» بل في الدروس إن ما لم يذبوا عنه كموات الإسلام قطعا.

كل ذلك مضافا إلى ما تقتضيه الأدلة السابقة التي لا فرق فيها بين موات الإسلام و موات الكفر و بين من بلغه الدعوى منهم و لم من تبلغه.

هذا مع ما في كلامه السابق أيضا من عدم الملك مع العمارة و إن اندرست، ضرورة عدم تماميته إذا باد المالك الأول و انتقل إلى الامام (عليه السلام) و كذا لو جهل أو لم يعلم حاله إن قلنا بأن مثله يكون للإمام (عليه السلام) أيضا.

كما أنه لا فرق فيها بين ما هو بقرب العامر من الموات و غيره، ف يصح حينئذ إحياؤه بلا خلاف أجده فيه بيننا،

32

و لا إشكال، لإطلاق الأدلة إذا لم يكن مرفقا للعامر و لا حريما له كما ستعرفه في الشرط الأول.

خلافا لأبي حنيفة و الليث، فمنعنا من إحيائه، لأنه قد يحتاجه العامر، و هو اجتهاد فاسد في مقابل إطلاق الأدلة، مضافا إلى ما

روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) من أنه أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق

الذي هو قريب من عمارة المدينة.

و المدار في القرب و البعد العرف، لكن عن أبي حنيفة تحديده بأنه الذي إذا وقف الرجل في أدناه و صاح بأعلى صوته لم يسمع المصغي إليه، و عن الليث تحديده بغلوة. و هو كما ترى اجتهاد في اجتهاد.

و المرفق كمسجد و مقعد و منبر من جملة الحريم الذي عرفه الشهيد كما قيل بأنه الموضع القريب من موضع معمور يتوقف انتفاع ذلك المعمور عليه و لا يد لغير مالك المعمور عليه ظاهرا حينئذ، فعطفه عليه من عطف العام على الخاص، و ربما قيل باختصاص الحريم و عموم المرفق، و الله العالم.

[يشترط في التملك بالإحياء شروط خمسة]

و يشترط في التملك بالإحياء زيادة على ما عرفته من اعتبار الاذن و ما تعرفه من انتفاء الحمى و من كيفية الإحياء شروط خمسة نعم زاد في الدروس على ذلك كله قصد التملك، و في المسالك أن المصنف أشار إليه بذكر الشرائط المزبورة للتملك الذي هو إرادة الملك، فيستلزم القصد بخلاف ما لو جعلها شرطا للملك.

و فيه أنه لا دليل على اشتراط ذلك، بل ظاهر الأدلة خلافه، و الإجماع مظنة عدمه لا العكس، كما أن دعوى الانسياق من النصوص و لا أقل من الشك واضحة المنع و إن مال إليه في الرياض لذلك.

____________

(1) سنن البيهقي- ج 6 ص 149.

33

و عدم ملك الوكيل و الأجير الخاص لا لعدم قصد تملكها و قصد تملك غيرهما، بل لصيرورة الاحياء الذي هو سبب الملك لغيرهما بقصد الوكالة و الإجارة، فيكون الملك له، فلا يستفاد من ذلك اشتراط قصد التملك كما توهم.

بل لا يستفاد منه اعتبار عدم قصد العدم فضلا عن القصد، ضرورة ظهور الأدلة في أنه متى وجد مصداق إحياء ترتب الملك عليه و إن قصد العدم، لأن ترتب المسبب على السبب قهري و إن كان إيجاد السبب اختياريا، اللهم إلا أن يشك في السبب حينئذ.

و فيه منع، لإطلاق الأدلة، بل لعل ما سمعته من ملك الموكل و المستأجر بفعل الوكيل و الأجير الخاص و إن لم يقصد الاحياء دليل على ما قلنا، فتأمل جيدا فإنه دقيق جدا، فالمتجه حينئذ إرادة الملك من التملك و إنكار ذلك شرطا، و الله العالم.

[الشرط الأول أن لا يكون عليها يد]

و كيف كان ف الأول أن لا يكون عليها يد تعرف لمسلم أو ما لم يعلم فسادها كي تكون محترمة فإن ذلك يمنع من مباشرة الإحياء لغير المتصرف بلا خلاف أجده بين من تعرض له.

نعم عن بعضهم ترك هذا الشرط معللا بأن اليد إن لم ترجع إلى أحد هذه الأمور لا أثر لها.

و فيه أن فائدتها تظهر مع اشتباه الحال، فإنها محكوم باحترامها ما لم يعلم فسادها و إن لم يعرف خصوص الموجب لها.

و عن حواشي الشهيد أن المراد باليد اليد المصاحبة للإحياء أو العمارة و لو بالتلقي ممن فعل ذلك أو أرض أسلم عليها أهلها طوعا لا مطلق اليد.

و فيه عدم انحصار جهة الاحترام بهما، إذ لعله بالحمى و نحوه.

نعم قيل: إن هذا الشرط مبنى على ما سبق من عدم بطلان الملك

34

بالموت مطلقا، أي في زمن الغيبة و الحضور، سواء كان الملك بالشراء أو الاحياء.

و فيه أنه على البطلان تكون حينئذ من اليد المعلوم فسادها كما صرح به في المسالك، و على عدمه هي ملك للأول و إن اندرست آثاره و لم يبق له يد عليها.

نعم ربما أبدل اليد في الشرط المزبور بالملك كما وقع في بعض كتب الفاضل، و كأنه من اقتضاء اليد ذلك مع عدم العلم بالفساد، و ربما كان حينئذ لبناء الشرط المزبور على المسألة وجه.

و لكن فيه أن الدليل كما ستعرف يقتضي عدم ترتب الملك بإحياء ما كان في اليد المحترمة و إن لم يعلم الملك بها، بل كانت محتملة له و للحق.

بل يمكن دعوى ذلك حتى مع العلم بعدم كونها مالكة و لكن محتملة للحقية التي هي غير الملكية، لأصالة احترام اليد، و للشك في ترتب الملك بالاحياء معه إن لم يكن ظاهر الأدلة عدمه، خصوصا بعد ملاحظة الفتوى و مفهوم

المرسل (1) «من أحيا ميتة في غير حق مسلم فهي له»

و إن لم يكن موجودا في طرقنا، و لكنه منجبر بالعمل، فيمكن أخذه دليلا مستقلا، فضلا عن حصول الشك به، مضافا إلى فحوى ما تسمعه في التحجير و الحمى و نحوهما و صدق الظلم و نحوه، و الله العالم.

[الشرط الثاني أن لا يكون الموات حريما لعامر]

الشرط الثاني أن لا يكون الموات حريما لعامر: بستان أو دار أو قرية أو بلد أو مزرع أو غير ذلك مما يتوقف الانتفاع بالعامر عليه كالطريق و الشرب و حريم البئر و العين و الحائط بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل في التذكرة «لا نعلم خلافا بين علماء الأمصار أن كل ما يتعلق بمصالح العامر كالطريق و الشرب و مسيل

____________

(1) سنن البيهقي- ج 6 ص 142.

35

ماء العامر و مطرح قمامته و ملقى ترابه و آلاته، أو لمصالح القرية كقناتها و مرعى ماشيتها و محتطبها و مسيل مياهها لا يصح لأحد إحياؤه، و لا يملك بالاحياء، و كذا حريم الآبار و الأنهار و الحائط و كل مملوك لا يجوز إحياء ما يتعلق بمصالحه، لمفهوم المرسل المزبور (1) و لأنه لو جاز إحياؤه أبطل الملك في العامر على أهله، و هذا مما لا خلاف فيه» بل عن جامع المقاصد الإجماع عليه.

و هو الحجة بعد قاعدة الضرر و المرسل المزبور و صحيح أحمد بن عبد الله (2) على الظاهر «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون له الضيعة و يكون لها حدود تبلغ حدودها عشرين ميلا و أقل و أكثر يأتيه الرجل فيقول له: أعطني من مراعي ضيعتك و أعطيك كذا و كذا درهما فقال: إذا كانت الضيعة له فلا بأس»

و نحوه صحيح إدريس بن يزيد أو خبره (3).

بل ربما كان ظاهرهما الملكية بناء على إرادة البيع و نحوه من الإعطاء فيهما، كما عن الشيخ و بني البراج و حمزة و إدريس و سعيد و الفاضل و ولده و غيرهم، بل في المسالك أنه الأشهر.

مضافا إلى أنه مكان استحقه بالاحياء فملك كالمحيي، و لأن معنى الملك موجود فيه، لدخوله مع المعمور في بيعه، و ليس لغيره إحياؤه و لا التصرف فيه بغير إذن المحيي، و لأن الشفعة تثبت في الدار بالشركة في الطريق المشترك المصرح في النصوص المزبورة (4) ببيعه معها، و لإمكان

____________

(1) سنن البيهقي ج 6 ص 142.

(2) الوسائل الباب- 9- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب عقد البيع- الحديث 1 عن إدريس بن زيد.

(4) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الشفعة.

36

دعوى كونه محيا باعتبار أن إحياء كل شيء بحسب حاله.

خلافا لظاهر جماعة أو صريحهم من عدم الملك، بل هي من الحقوق لعدم الاحياء الذي يملك به مثلها.

و فيه ما عرفت من منع عدم حصول الإحياء الذي لا يعتبر فيه مباشرته كل جزء جزء، فان عرصة الدار تملك ببناء الدار دونها، و منع توقف الملك على الاحياء، بل يكفي فيه التبعية للمحيا، و تظهر الثمرة في بيعها منفردة.

إلا أنه ينبغي أن يعلم أن السيرة المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار تقتضي عدم اجتناب بعض ما هو حريم للقرية مثلا.

بل لعلها تقتضي في ابتداء حدوث القرية أن لكل أحد النزول قريب الآخر و ان اقتضى ذلك بعدا في مرمى قمامته مثلا، كما إذا اتفق نزول أحد في مرعى ماشية البلد أو القرية أو محطبهم لم يكن عليه اعتراض بعد استبعاد نزول أهل البلد و القرية المتجاورين، و حقوق بلدهم و قريتهم خارج عنهم دفعة، فليس هو إلا لما ذكرنا من عدم التسلط على منع التنازل و ان استلزم بعد بعض الحقوق، و إلا لكان بين كل واحد أو جماعة مسافة بعيدة. اللهم إلا أن يقال بعدم العلم بالحال مع كون المدار على الضرر، و الله العالم.

و على كل حال ف حد الطريق لمن ابتكر ما يحتاج إليه أي الطريق في الأرض المباحة خمس أذرع بمعنى على المحيي بعد الأول التباعد عنه بذلك، كما يومئ إليه قوله بعد ذلك:

«فالثاني يتباعد».

لكن فيه أن التحديد المزبور للأعم من ذلك، حتى لو أراد المحيي الأول أن يحيي بعد ما أحياه أولا شيئا آخر يحتاج معه إلى الطريق، أو

37

كان الاحياء من الاثنين مثلا دفعة، بل و من مباح كان يستطرق أو لا و لكن بإحيائه يستعد للاستطراق.

و بالجملة متى احتيج إلى الطريق في الأرض المباحة التي يراد إحياؤها فحده خمس أو سبع. و يمكن حمل عبارة المتن على ذلك أيضا.

و في النافع وصف الطريق بالمبتكر، و لعله يريد ما ذكرناه من وضع طريق لما هو معد للاستطراق لما يريد إحياؤه من الموات و إن لم يكن في السابق هذا الموات مستطرقا، نعم فيه أيضا أن الأمر أعم من ذلك مع إمكان إرادته له أيضا.

و في الرياض تفسير المبتكر بالملك المحدث في المباح من الأرض إذا تشاح أهله، فحده خمس أذرع.

و فيه أن المسألة غير خاصة في صور التشاح، بل لو اتفق المالكان على الأقل لم يجز لهم ذلك في الطريق العام.

و على كل حال فظاهر المصنف اختيار الخمس، كالفاضل في بعض كتبه و محكي المقتصر خاصة. لكن عن الفخر نسبته إلى كثير، بل الحواشي و الإرشاد نسبته إلى الأكثر و إن كنا لم نتحققه،

للموثق (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا تشاح قوم في طريق فقال بعضهم:

سبع أذرع و قال بعضهم: أربع أذرع، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

بل خمس أذرع»

مؤيدا بما في المسالك من أصالة البراءة من الزائد، و الظاهر إرادته براءة ذمة المحيي الثاني عن وجوب اجتناب الأزيد من الخمس، و حينئذ فيوافقه إطلاق الاذن في الاحياء المقتصر في المنع منه على المتيقن، و هو الخمس.

لكن فيه أنه يمكن معارضته بأصالة حل المنع من الأول عن مقدار

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من كتاب الصلح.

38

السبع التي هي المتيقن في جواز إحياء ما تعلق به حق الغير، و من هنا جعل ذلك في الرياض دليلا للتحديد بالسبع و إن كان هو لا يخلو من شيء.

و قيل و القائل الشيخ و القاضي و التقي و الحلي و يحيي بن سعيد و الفاضل في جملة أخرى من كتبه و ولده و الشهيدان و الكركي و غيرهم على ما حكي عن بعضهم سبع أذرع و حينئذ فالثاني يتباعد هذا المقدار

لخبر مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الطريق إذا تشاح عليه أهله فحده سبع أذرع»

و نحوه

خبر السكوني (2) و النبوي (3) «إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبع أذرع».

و في جامع المقاصد «و قد ينزل خبر البقباق (4) على ما إذا لم تدع الحاجة إلى أزيد من الخمس إن لم يلزم من ذلك إحداث قول ثالث، فان لزم فالعمل على السبع».

و لكن في المسالك «و يمكن حمل اختلاف الروايات على اختلاف الطرق، فان منها ما يكفي فيه الخمس، كطرق الأملاك و التي لا تمر عليها القوافل و نحوه غالبا، و منها ما يحتاج إلى السبع؛ و قد يعرض احتياج بعضها إلى أزيد من السبع، كالطريق التي يمر عليها الحاج بالكنائس و نحوها، فيجب مراعاة قدر الحاجة بالنسبة إلى الزائد على المقدر، أما النقصان فلا».

و هو أولى بكونه إحداث قول ثالث و إن نفى عنه البعد في الكفاية و مال إليه في المفاتيح، بل هو كأنه من الاجتهاد في مقابل إطلاق الأدلة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات- الحديث 5.

(3) سنن البيهقي- ج 6 ص 154.

(4) الوسائل- الباب- 15- من كتاب الصلح- الحديث 1.

39

مضافا إلى ما فيه من منع عدم جواز النقصان مع فرض الانحصار فيهما فان الحق لهما.

لكن في الدروس «لا فرق بين الطريق العام أو ما يختص به أهل قرى أو قرية في ذلك، نعم لو انحصر أهل الطريق فاتفقوا على اختصاره أو تغييره أمكن الجواز، و الوجه المنع، لأنه لا ينفك من مرور غيرهم و لو نادرا».

و فيه أن الملك أو الحق لهم دون غيرهم، و الناس مسلطون على أموالهم، نعم لا يجوز ذلك في الطريق العام، فيلزموا به أجمع مع التساوي و إلا فالمحيي الثاني، بل إن لم يكن حاكم يلزمه بذلك وجب على المكلفين من باب الحسبة، و لو أدى نظر الحاكم إلى تغييره أو تبديله فالظاهر الجواز.

و لو زادوها على السبع و استطرقت ففي الدروس جواز إحياء ما زاد على السبع.

و فيه- مع منافاته لقاعدة تعلق حق الغير بإحيائه- أنه مناف

للموثق (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قلت له: الطريق الواسع هل يؤخذ منه شيء إذا لم يضر بالطريق؟ قال: لا».

و احتمال حمله على ما إذا كان سبعا لا داعي له، و لعله لذا جزم في المسالك بعدم جواز إحداث ما يمنع المارة في الزائد.

و الظاهر زوال حرمة الطريق باستئجامها و انقطاع المرور عليها و إن توقع عودها، خلافا للدروس و المسالك فضلا عما لو استطرق الناس غيرها و أدى ذلك إلى الأعراض عن الأول رأسا لكون الثانية أسهل و أخصر الذي وافق في المسالك على أن الظاهر لحوق حكم الموات للأول مع شهادة القرائن على

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب عقد البيع- الحديث 1 من كتاب التجارة.

40

استمرار الأول على الهجران و إن كان فيه أنه لا حاجة إلى شهادة القرائن، و الله العالم.

و حريم الشرب بكسر أوله الذي هو هنا النهر و القناة و نحوهما بمقدار مطرح ترابه و المجاز على حافتيه للانتفاع به و لإصلاحه على قدر ما يحتاج إليه عادة بلا خلاف أجده فيه، و يومئ إليه- مضافا إلى أنه المحتاج إليه في تنقيته لإجراء مائه-

مرفوع إبراهيم بن هاشم (1) «حريم النهر حافتاه و ما يليهما».

و لو كان النهر في ملك الغير فادعى الحريم قضي له به مع يمينه في وجه لأنه يدعي ما يشهد به الظاهر من الحريم الذي لا ينفك عن النهر غالبا.

و لكن فيه تردد لأن يد مالك الأرض على ملكه الذي من جملته موضع التحريم، و هو مانع من إثباته، و من ثم لم يثبت الحريم للأملاك المتجاورة، و لأن ثبوت الحريم موقوف على التقدم في الاحياء أو المقارنة، و كلاهما غير معلوم، فسبب استحقاق الحريم حينئذ غير متحقق، و لا يد لصاحب النهر إلا على النهر، و إنما اليد لصاحب الأرض، و هي أقوى من اقتضاء النهر الحريم على بعض الأحوال، فلا يترك المعلوم بالمحتمل، و لعله الأقوى.

و لا ينافي ذلك تبعية الحقوق لإطلاق البيع مثلا، فان ذلك لا يقضي بتبعيتها لمطلق الملك الذي يمكن حصوله مجردا عن جميعها.

فمع فرض العلم بكون النهر في ملك الغير و يمكن كونه مملوكا بلا حريم كما لو باعه إياه كذلك يكون حينئذ هو المدعي، و صاحب الملك هو المنكر، لأنه الذي يدعي عليه استحقاق الزائد، و هو معنى فرض

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات- الحديث 4.

41

النهر في ملك الغير بلا يد لذي النهر على حافتيه و لا تصرف، و إلا فلو فرض كونه كذلك خرج عن موضوع المسألة، و كذا لو فرض كون النهر مملوكا لشخص و ما جاوره من الأرض ملكا لآخر، إنما الكلام فيما لو علم كون النهر في ملك الغير خاصة، فتأمل جيدا، فإنه دقيق جدا، و الله العالم.

و حريم بئر المعطن بكسر الطاء التي يستقى منها لشرب الإبل أربعون ذراعا من كل جانب. و بئر الناضح و هو البئر الذي يستقى عليه للزرع و غيره ستون ذراعا، فلا يجوز لأحد إحياء المقدار المزبور بحفر بئر أخرى أو غيره كزرع أو شجر أو نحوهما و إن ظهر من بعض النصوص (1) و الفتاوى خصوص حفر بئر أخرى إلا أن المتجه الأعم، ضرورة اشتراك الجميع في الضرر على ذي البئر المزبورة، بلا خلاف معتد به أجده عندنا في التقدير المزبور و إن استفاض حكاية الشهرة عليه على وجه يظهر منه الاعتداد بالمخالف.

بل في التذكرة نسبة ذلك إلى علمائنا، مشعرا بالإجماع عليه كقوله في التنقيح: «عليه عمل الأصحاب» بل عن الخلاف الإجماع على أن حريم البئر أربعون ذراعا.

و في الغنية «روى أصحابنا أن حد ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن أربعون ذراعا، و ما بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا، و ما بين بئر العين إلى بئر العين في الأرض الصلبة خمسمائة ذراع، و في الرخوة ألف ذراع، و على هذا لو أراد غيره حفر بئر إلى جانب بئره ليسرق منها الماء لم يكن له ذلك بلا خلاف، و لا يجوز له الحفر إلا أن يكون بينهما الحد الذي ذكرنا».

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات- الحديث 5.

42

كل ذلك مضافا إلى

خبر عبد الله بن مقفل (1) المنجبر بما سمعت عن النبي (صلى الله عليه و آله) «من احتفر بئرا فله أربعون ذراعا حولها لعطن ماشيته».

و قوي السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن أربعون ذراعا، و ما بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا، و ما بين العين إلى العين خمسمائة ذراع».

و عن قرب الاسناد (3) أنه روي مثل ذلك إلا أنه زاد «و حريم البئر المحدثة خمسة و عشرون ذراعا».

و في الفقيه (4) «قضى رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن البئر حريمها أربعون ذراعا لا يحفر إلى جنبها بئر أخرى لعطن أو غنم».

و حينئذ فما في صحيح حماد بن عثمان (5) المروي في الكافي «سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: حريم البئر العادية أربعون ذراعا حولها».

قال: «و في رواية أخرى (6) خمسون ذراعا إلا أن تكون إلى عطن أو طريق، فيكون أقل من ذلك إلى خمسة و عشرين ذراعا».

لا عامل به.

و كأنه أشار إلى

خبر وهب بن وهب (7) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول:

حريم البئر العادية خمسون ذراعا إلا أن تكون إلى عطن أو إلى طريق، فيكون أقل من ذلك خمسة و عشرين ذراعا».

و على كل حال هو غير واضح المعنى و إن قال في المسالك: «و نسبة

____________

(1) كنز العمال- ج 3 ص 517 ط عام 1370.

(2) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات الحديث 8.

43

البئر إلى العادية إشارة إلى إحداث الموات، لأن ما كان في زمن عاد و ما شابهه فهو موات غالبا، و خص عادا بالذكر لأنها في الزمن الأول كان لها آثار في الأرض فنسب إليها كل قديم- ثم قال-: و بسبب اختلاف الروايات و عدم صحتها جعل بعضهم حريم البئر ما يحتاج إليه في السقي منها، و موضع وقوف النازح و الدولاب، و تردد البهائم، و مصب الماء، و الموضع الذي تجتمع فيه لسقي الماشية و الزرع من حوض و غيره، و الموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منه بحسب العادة».

و كأنه مال إليه و تبعه عليه في المفاتيح إلا أنا لم نجد ذلك لأحد منا و إن حكاه في الكفاية عن أبي علي، لكن في المختلف عنه أنه «لو كان بقرب المكان الذي يريد الحافر حفر البئر فيه بئر عادية محفورة قبل الإسلام و ماؤها نابع يمكن شربه بالنزع فقد

روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1) أنه قال: حريم البئر إذا كانت حفرت في الجاهلية خمسون ذراعا، و إن كانت حفرت في الإسلام فحريمها خمس و عشرون ذراعا- ثم قال-: و لو كان البلاد مما لا يسقى الماء فيها إلا بالناضح كان حريم بئر الناضح قدر عمقها من الناضح،

و قد جاء في الحديث (2) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن حريم بئر الناضح ستون،

و قد يحتمل أن ذلك قدر عمق الآبار في تلك البلاد التي حكم بذلك فيها».

و هو كما ترى أجنبي عن ذلك، بل في المسالك حكى عن ابن الجنيد في الناضح ما سمعته أيضا، نعم هو محكي عن الشافعي.

و دعوى أنه المتجه جمعا بين النصوص يدفعها عدم التكافؤ، و بعد تسليم الانتقال إلى الجمع المزبور و عدم الاحتياج إلى الشاهد فلا محيص حينئذ عما عليه الأصحاب المحتمل كون حكمة تعبد التقدير فيه رفع النزاع الذي ربما

____________

(1) المستدرك- الباب- 8- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

(2) المستدرك- الباب- 8- من كتاب إحياء الموات- الحديث 4.

44

يؤدي إلى تلف النفوس و غيرها، و لو لا ذلك لأمكن الجمع بوجوب الأقل و أولوية الزائد أو بغير ذلك، إلا أن ذلك بعد النص و الفتوى لا وجه له خصوصا بعد ظهور حكمة التعبد الرافع للاختلاف.

و منه تحديد حريم العين ب ألف ذراع في الأرض الرخوة و في الصلبة خمسمائة ذراع الذي في محكي الخلاف عليه إجماع الفرقة و أخبارهم، و التذكرة عند علمائنا، و في التنقيح عليه عمل الأصحاب، و في جامع المقاصد إطباق الأصحاب.

و في خبر عقبة بن خالد (1) المنجبر بما عرفت و برواية المشايخ الثلاثة له عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يكون بين البئرين إذا كانت أرضا صلبة خمسمائة ذراع و إن كانت أرضا رخوة ألف ذراع».

و به يقيد ما في

مرسل حفص (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي في الكافي «يكون بين العينين ألف ذراع»

و ما في خبر مسمع (3) عنه (عليه السلام) أيضا «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما بين العين إلى العين خمسمائة ذراع»

و ما في خبر السكوني (4) عنه (عليه السلام) أيضا: «ما بين العين إلى العين يعني القناة خمسمائة ذراع».

و لكن مع ذلك قيل و القائل الإسكافي حد ذلك أن لا يضر الثاني بالأول و نفى عنه البأس في المختلف، و في المسالك أنه أظهر و إن كان الأول أشهر و مال إليه بعض أتباعه.

و ربما يشهد له

صحيح محمد بن الحسين (5) قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

(2) الوسائل الباب- 13- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 14- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

45

يحفر قناة أخرى إلى قرية أخرى كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر بالأخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقع (عليه السلام) على حسب أن لا تضر إحداهما بالأخرى إنشاء الله تعالى».

و نحوه

خبر محمد بن علي بن محبوب (1) قال: «كتب رجل إلى الفقيه (عليه السلام)

بأدنى تفاوت في الألفاظ، و ما فيه من جهالة الكاتب بعد نقل الثقة المكتوب اليه غير قادح.

مؤيدا ذلك كله ب

خبر عقبة بن خالد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل أتى جبلا فشق فيه (منه خ ل) قناة جرى ماؤها سنة، ثم إن رجلا أتى ذلك الجبل فشق منه قناة أخرى فذهبت قناة الآخر بماء قناة الأول، قال: فقال: يتقايسان (يتقاسمان خ ل) بحقائب البئر ليلة ليلة، فينظر أيهما أضرت بصاحبتها، فإن رأيت الأخيرة أضرت بالأولى فلتعور».

و في الوسائل و رواه الصدوق بإسناده عن عقبة بن خالد (3) نحوه، و زاد «و قضى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) بذلك، و قال: إن كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأول سبيل».

و في خبر عقبة (4) أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في

____________

(1) أشار إليه في الوسائل- الباب- 14- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1 و ذكره في الفقيه- ج 3 ص 150 الرقم 659.

(2) الوسائل- الباب- 16- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1 و هذا مروي بطريق الكليني (قده) و ليس في الوسائل و الكافي ج 5 ص 294

قوله (عليه السلام):

«جرى ماؤها سنة .. فشق منه قناة أخرى»

و هذه القطعة مذكورة في رواية الصدوق (قده) التي أشار إليها (قده) بعد هذه الرواية.

(3) الوسائل- الباب- 16- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 16- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

46

رجل احتفر قناة و أتى لذلك سنة، ثم إن رجلا احتفر إلى جانبها قناة فقضي أن يقاس الماء بحقائب (بجوانب خ ل) البئر ليلة هذه و ليلة هذه، فان كانت الأخيرة أخذت ماء الاولى عورت الأخيرة، و إن كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأول شيء».

و بأن الموجود في خبر المشهور البئر، و هو غير محل النزاع، و لا ريب في قوته لو لا الشهرة العظيمة و الإجماع المزبوران الجابران للأخبار المذكورة سندا و دلالة، مضافا إلى غيرهما من القرائن على إرادة العين من البئر التي قد تطلق عليها.

و يمكن مراعاة التحديد المزبور عند عدم معرفة الضرر، و لو لاختلاف أهل الخبرة في ذلك ان لم يكن ذلك إحداث قول على وجه يكون مخالفا للإجماع.

ثم إنه لا يخفى عليك ظهور النص فيما صرح به غير واحد من أن الحريم هنا يمنع إحداث عين اخرى، فلا يضر حينئذ إحياء ما زاد على ما تحتاج إليه العين من نزح و نحوه، بخلاف بئر المعطن التي قد عرفت الحال فيها، و الله العالم.

و حريم الحائط في المباح مقدار مطرح ترابه و آلاته بلا خلاف أجده فيه، بل في التذكرة عندنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه نظرا إلى إمساس الحاجة إليه لو استهدم.

و قيل و القائل المشهور على ما في المسالك و غيرها للدار حريم هو مقدار مطرح ترابها و قمامتها و رمادها و ثلجها و مصب مائها و مسلك الدخول و الخروج و نحو ذلك مما يحتاج إليه عادة.

و لكن ظاهر نسبة المصنف إلى القيل التردد فيه، بل في المسالك و غيرها عن بعضهم التصريح بعدم حريم لها، و إن كنا لم نتحققه لأحد منا

47

و إنما هو لبعض الشافعية.

و لعل وجهه عدم الدليل عليه، بل فعل الناس في سائر البلدان على خلافه، لاستبعاد اتفاق أحيائهم دفعة.

و فيه (أولا) أن مثله جار في الحائط الذي اعترف بثبوت الحريم له. و (ثانيا) بعدم معلومية حال الواقع في البلدان الجاري في الحيطان أيضا من التراضي أو الإحياء دفعة أو غير ذلك.

فالمتجه ثبوت الحريم لها الذي يرجع في أصل ثبوته و مقداره إلى العرف و لو بمراعاة قاعدة الضرر و الضرار، فلا يحتاج إلى دليل خاص سيما بعد ما ورد من الحريم لما عرفت المشعر بأن ذلك حق لكل ما يحتاجه و منه ما

ورد (1) «أن حريم المسجد أربعون ذراعا من كل ناحية، و حريم المؤمن في الصيف باع، و روي عظم الذراع»

و حريم النخلة طول سعفها (2).

اللهم إلا أن يقال: إن ذلك كله يقتضي ثبوت الحريم لما أحدثه في المباح كالجدار و النخلة و نحوهما، لا مثل الدار التي مرجع الحريم المفروض الى الساكن فيها لا نفسها، إذ ليس المراد جدرانها التي لا إشكال في ثبوت الحريم لها، ضرورة كونها من الحائط، بل المراد ما يكون من القمامة و نحوها التي تكون من الساكن لا مما أحدثه في المباح.

و لعله لذا توقف المصنف فيه.

نعم ينبغي على هذا تخصيص محل التوقف بالحريم لما يحتاج إليه الساكن مما لا يعد من حقوق الدار، بخلاف ما كان كذلك كالتراب الصائر منها و نحوه مما يرجع إليها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب إحياء الموات الحديث 10.

(2) الوسائل الباب- 10- من كتاب إحياء الموات الحديث 2.

48

على أن ما يحتاجه الساكن فيها راجع إليها أيضا، نحو بئر المعطن المحتاجة إلى الحريم باعتبار الإبل و الماشية التي تسقى منها، فتأمل جيدا.

و ربما يؤيده ما في الدروس من «أن حريم القرية مطرح القمامة و التراب و الوحل و مناخ الإبل و مرابض الخيل و النادي و ملعب الصبيان و مسيل المياه و مرعى الماشية و محتطب أهلها مما جرت العادة بوصولهم إليه، و ليس لهم المنع فيما بعد من المرعى و المحتطب بحيث لا يطرقونه إلا نادرا، و لا المنع مما لا يضر بهم مما يطرقونه، و لا يتقدر حريم القرية بالصيحة من كل جانب، و لا فرق بين قرى المسلمين و أهل الذمة» إذ هو كما ترى كثير منه مما يرجع إلى الساكن، بل هو نحو ما يذكر للدار.

هذا و في المسالك «و المراد بمسلك الدخول و الخروج في الصوب الذي يفتح فيه الباب، لا بمعنى امتداد الممر في قبالة الباب على امتداد الموات، بل إيصاله إلى الطريق السالك و لو بازورار و انعطاف، لأن الحاجة تمس إلى ذلك».

و هو معنى ما في جامع المقاصد قال: «ليس المراد من استحقاق الممر في صوب الباب استحقاق الممر في قبالة الباب على امتداد الموات بل يجوز لغيره إحياؤها في قبالة الباب إذا أبقي له الممر، فان احتاج إلى ازورار و انعطاف جاز، لأن الحاجة تمس إلى ذلك، ذكره في التذكرة.

لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يحصل ضرر كثير عادة، لاستدعائه إفراط طول الطريق و نحوه».

قلت: قد يتوقف في إحياء ذلك بعد فرض اعتياد استطراقه الذي هو من الاحياء أو بحكمه.

ثم إن الظاهر اعتبار التحديد المزبور فيه، لإطلاق الأدلة، و إن كان هو للسلوك إلى داره لا طريقا عاما، و الله العالم.

49

و كيف كان ف كل ما ذكرنا من ثبوت ذلك الحريم له إنما يثبت له حريم إذا ابتكر في الموات، أما ما يعمل في الأملاك المعمورة فلا بلا خلاف أجده فيه، كما عن الشيخ و ابني زهرة و إدريس الاعتراف به، بل في الكفاية نسبته إلى الأصحاب مشعرا بالإجماع عليه، و لعله لقاعدة تسلط الناس على أموالهم و غيرها، و لأنها متعارضة باعتبار عدم أولوية أحدهما من الآخر به، و لذا كان المشاهد في البلدان عدم الحريم لأحدهم و إن كان يمكن أن يكون لتساويهم في الاحياء أو لغيره.

و من هنا صرح في القواعد و غيرها بأن لكل منهم التصرف في ملكه بما شاء و إن تضرر صاحبه، و أنه لا ضمان عليه لو جعل ملكه بيت حداد أو قصار أو حمام على خلاف العادة.

نعم في التذكرة «هذا إذا احتاط و أحكم الجدران بحيث يليق بما يقصده، فان فعل ما يغلب على الظن فيه أنه يؤدي إلى خلل في حيطان جاره فأظهر الوجهين عند الشافعية الجواز، و ذلك كما إذا يدق الشيء في داره دقا عنيفا ينزعج منه الحيطان، أو حبس الماء في ملكه بحيث تنتشر منه النداوة إلى حيطان الجار، و لو اتخذ داره مدبغة أو حانوته مخبزة حيث لا يعتاد فان قلنا لا يمنع في الصورة السابقة فهنا أولى، و إن قلنا بالمنع فهنا يحتمل عدمه، لأن الضرر من حيث التأذي بالدخان و الرائحة الكريهة، و أنه أهون، و كذا البحث في إطالة البناء و منع الشمس و القمر، و الأقوى أن لأرباب الأملاك التصرف في أملاكهم كيف شاؤوا، إذ لو حفر في ملكه بئر بالوعة و فسد بها ماء بئر الجار لم يمنع منه، و لا ضمان، و لكنه قد يكون فعل مكروها، و به قال الشافعي، و قال مالك: يمنع، فان فعل و تلف شيء ضمنه».

و تبعه في الدروس و المسالك في جميع ذلك، لكن قال في الأخير

50

«نعم له منع ما يضر بحائطه من البئر و الشجر و لو ببروز أصلها إليه و الضرب المؤدي إلى ضرر الحائط و نحوه».

و فيما حضرني من نسخة جامع المقاصد «قال في التذكرة: هذا إذا احتاط و أحكم الجدران بحيث يليق بما يقصده، فان فعل ما يغلب على الظن أنه يؤدي إلى خلل في حيطان جاره ففي منعه تردد، فلو دق دقا عنيفا أحدث به نقصا في جدران جاره أو حبس الماء بحيث انتشرت منه النداوة إليها أو حصل ذلك من ماء الحمام ففي الضمان تردد».

و ظاهره حكاية ذلك عن التذكرة التي سمعت ما فيها، إلا أن المحكي عن الجامع المزبور التردد، و لعل النسخة غير صحيحة.

و على كل حال فالتردد المزبور في المسألة حاصل، بل في الكفاية «يشكل هذا الحكم في صورة تضرر الجار تضررا فاحشا نظرا إلى تضمن الأخبار نفي الضرر و الإضرار (1) و هو الحديث المعمول به بين الخاصة و العامة المستفيض بينهم، خصوصا ما تضمن الأخبار المذكورة من نفي الضرر الواقع في ملك المضار».

و قد يناقش بأن حديث نفي الضرر المستفيض معارض بمثله من الحديث (2) الدال على ثبوت السلطنة على الإطلاق لرب المال، و هو أيضا معمول به بين الفريقين، و التعارض بينهما تعارض العموم من وجه، و الترجيح للثاني بعمل الأصحاب كما اعترف به، و لا سيما إذا استلزم منع المالك عن التصرف ضررا عليه أشد من ضرر الجار أو مساويا أو أقل بحيث لم يتفاحش معه ضرره.

بل في الرياض «و ينبغي القطع في هذه الصورة بما عليه الأصحاب

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من كتاب إحياء الموات.

(2) البحار- ج 2 ص 272- الطبع الحديث.

51

قال-: و أما فيما عداها فالظاهر أيضا ذلك، لما ذكر و إن كان الأحوط عدم الإضرار على الإطلاق، و أما الأخبار الدالة على نفي الإضرار في ملك المضار فمع قصور سند بعضها و عدم مكافئته لما مضى يمكن حملها على ما إذا قصد المالك بالتصرف الإضرار دون دفع الحاجة، كما يشعر به بعض تلك الأخبار (1) ثم على تقدير تسليم ترجيح نفي الضرر فلا وجه لتخصيصه بصورة تفاحش الضرر مع عمومه و شموله للغير».

قلت: لا يخفى عليك ما في المسالك من الجزم بالمنع فيما يضر الحائط مع ذكره سابقا جواز حفر البالوعة التي تفسد بئر الغير.

كما أنه لا يخفى عليك ما في التذكرة من اعتباره أولا إحكام البناء لما يقصده و إطلاقه جواز التصرف للمالك في ملكه ثانيا مع التردد في بعض الصور.

بل قد سمعت ما في جامع المقاصد مما هو ظاهر في عدم كون المسألة إجماعية، بحيث يكون التفصيل مخالفا للإجماع، على أن المنساق من العامين المزبورين تحكيم قاعدة الضرر، كما في جميع نظائره و إن كان بينهما تعارض العموم من وجه.

و ربما يشهد له نصوص سمرة بن جندب (2) و قول الصادق (عليه السلام) (3): «إن الجار كالنفس غير مضار و لا آثم»

على أن باب المقدمة يقتضي وجوب ترك التصرف تحصيلا لامتثال النهي عن إضرار الغير، إذ لا تعارض بين الإباحة و الحرمة.

بل قد ذكرنا في كتاب الغصب (4) في مسألة من أجج نارا في

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من كتاب إحياء الموات- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 12- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1 و 3 و 4.

(3) الوسائل- الباب- 12- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

(4) راجع ج 37 ص 59- 62.

52

ملكه أو أرسل ماء كذلك فأتلف مال الغير ما يعلم منه عدم الإجماع على جميع صور المسألة.

بل قد تقدم أيضا مسألة تدلي أغصان الشجرة في ملك الغير، و تلفت بفعل المالك.

و بالجملة فالغرض أن المسألة لم يكن فيها إجماع محقق على جهة الإطلاق فيمكن أن يقال بمنع التصرف في ماله على وجه يترتب عليه الضرر في مال الغير مثلا بتوليدية فعله، بحيث يكون له فعل و تصرف في مال الغير و إتلاف له يتولد من فعله فعل في مال الغير، لا تلف خاصة بلا فعل منه، و خصوصا مع زيادته بفعله عما يحتاج إليه و غلبة ظنه بالسراية، و قاعدة التسلط على المال لا تقتضي جواز ذلك و لا رفع الضمان الحاصل بتوليد فعله.

نعم لو كان تصرفه في ماله لا توليد فيه على الوجه المزبور و إن حصل الضرر مقارنا لذلك لم يمنع منه، و ربما كان فيما ذكرنا سابقا من مسألة الضمان بتأجيج النار في ملكه إشارة إلى ذلك، فلا حظ و تأمل، بل مر لنا في غير ذلك ماله نفع في المقام، و الله العالم.

[فرع لو أحيا أرضا و غرس في جانبها غرسا تبرز أغصانه لم يكن لغيره إحياؤه]

فرع:

لو أحيا أرضا و غرس في جانبها غرسا تبرز أغصانه لو بقي إلى المباح أو تسري عروقه إليه كذلك لم يكن لغيره إحياؤه لأنه من الحريم التابع للملك الذي يرجع في مثله إلى العرف.

و حينئذ ف لو حاول الاحياء كان للغارس منعه

53

و إن لم يكن بعد برزت الأغصان أو سرت العروق، فان الاستعداد كاف بلا خلاف أجده بين من تعرض له.

و لعل

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «حريم النخل طول سعفها»

ظاهر في ذلك، بل هو صريح

خبر عقبة بن خالد (2) «إن النبي (صلى الله عليه و آله) قضى في هوار النخل أن تكون النخلة و النخلتان للرجل في حائط الآخر فيختلفون في حقوق ذلك، فقضى فيها أن لكل نخلة من أولئك من الأرض مبلغ جريدة من جرائدها حين بعدها».

و كذلك لو باع البستان و استثنى شجرة، فإنه يتبع مدى أغصانها في الهواء و المدخل و المخرج و غيرهما من الحقوق التي تتبع الإطلاق المزبور.

نعم ظاهر المصنف و غيره ثبوت الحريم المزبور للغرس، أما لو أعد الأرض لها و هيأها لذلك أو غرس جملة منها فهل يكفي ذلك في ثبوت الحريم للغرس الذي بعد لم يغرس أو يبقى على أصل الموات؟ وجهان، أولهما لا يخلو من قوة، و الله العالم.

[الشرط الثالث أن لا يسميه الشرع مشعرا للعبادة كعرفة و منى و المشعر]

الشرط الثالث: أن لا يسميه الشرع مشعرا للعبادة، كعرفة و منى و المشعر و غيرها من الأماكن المشرفة و المواضع المحترمة التي جعلها الله تعالى شأنه مناسك للعبادة و شرفها كما شرف بعض الأزمنة الخاصة، فهي في الحقيقة ليست من الموات الذي هو بمعنى المعطل عن الانتفاع فضلا عن وضع يد سائر المسلمين عليها و تعلق حقوقهم بها، بل هي أعظم من الوقف الذي يتعلق به حق الموقوف عليهم بجريان الصيغة من الواقف فان الشرع الذي هو المالك الحقيقي قد دل على اختصاصها موطنا للعبادة من دون إجراء صيغة، و منها ما جعله الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من كتاب إحياء الموات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 10- من كتاب إحياء الموات- الحديث 1.

54

مسجدا كمسجد الحرام و مسجد الكوفة و نحوهما من مراقد الأئمة (عليهم السلام) التي أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه.

فالتعرض لتملكها حينئذ مناف للجعل المزبور من رب العزة، بل فيه تفويت لتلك المصلحة من غير فرق بين جميع أجزائها في ذلك، و بين زيادة سعتها لذلك و عدمه، ضرورة أن الله تعالى شأنه جعل كل جزء جزء منها كذلك.

فمن الغريب ما وقع من المصنف من قوله أما لو عمر فيها ما لا يضر و لا يؤدي إلى ضيقها عما يحتاج إليه المتعبدون كاليسير لم أمنع منه بل كاد يكون كالمنافي للضروري، بل فتح هذا الباب فيها يؤدي إلى إخراجها عن وضعها.

و أغرب منه موافقة بعض من تأخر عنه على ذلك بتخيل أن المنع من جهة مزاحمة الناسكين، فمع فرض عدمها كاليسير يتجه الجواز حينئذ لانتفاء العلة المزبورة. و فيه ما لا يخفى بعد ما ذكرناه.

و أعجب من ذلك تفريعهم على التقدير المزبور الذي هو معلوم الفساد أنه هل يجوز للناسك الوقوف بها مع عدم الاذن أو مع النهي أو لا يجوز مطلقا أو مع وجود غيره من المكان بخلاف ما لو تضيق؟! مع أن القول بالملك يأبى القول بالجواز مطلقا إلا أن يجعله مراعى بعدم الإضرار، فيتجه التفصيل حينئذ إلا أن ذلك كله كما ترى لا ينبغي أن يسطر، و الله العالم.

[الشرط الرابع أن لا يكون مما أقطعه إمام الأصل]

الشرط الرابع: أن لا يكون مما أقطعه إمام الأصل و لو كان مواتا خاليا من تحجير الذي لا خلاف في أن له ذلك، كما عن المبسوط بل و لا إشكال، ضرورة كون الموات من ماله الذي هو مسلط عليه، مع أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

55

كما أقطع النبي (صلى الله عليه و آله) عبد الله بن مسعود الدور (1) و هي اسم موضع بالمدينة بين ظهراني عمارة الأنصار و يقال: المعني أنه أقطعه ذلك ليتخذها دورا.

و أقطع وابل بن حجر أرضا بحضرموت (2).

و أقطع الزبير حضر فرس ه أي عدوه، بل قيل: إن الزبير أجرى فرسه حتى قام الفرس رمى بسوطه طلبا للزيادة،

فقال (صلى الله عليه و آله) «أعطوه من حيث بلغ السوط» (3).

و أقطع بلال بن الحارث العقيق (4) فإنه إن لم يفد الملك فلا ريب بل لا خلاف في أنه يفيد اختصاصا مانعا من المزاحمة، فلا يصح دفع هذا الاختصاص بالاحياء بل عن المبسوط نفيه كذلك بين المسلمين، و كذا ليس لأحد نقضه.

و ما

عن عمر من أنه لما تولى قال لبلال: «ما أقطعت العقيق لتحجبه، فأقطعه الناس» (5)

لا حجة فيه، و كم له من أخذ فدك و نحوها.

على أنه يمكن ذلك كما تسمعه في التحجير إذا لم يحي المحجر، كما صرح به في جامع المقاصد، و إن كان ذكر المصنف و غيره ذلك في التحجير دونه يشعر بالعدم، بل لو لا ظهور الاتفاق عليه هناك لأمكن إشكاله بتعلق الحق الذي يقتضي استصحابه عدم الزوال و إن عطل.

و كأن ما ذكر من الاختصاص المزبور مبني على عدم تملك الموات

____________

(1) نيل الأوطار ج 6 ص 59.

(2) سنن البيهقي- ج 6 ص 144.

(3) سنن البيهقي- ج 6 ص 144.

(4) سنن البيهقي- ج 6 ص 149.

(5) رواه ابن قدامة في الشرح الكبير المطبوع في ذيل مغني ابن قدامة ج 6 ص 169.

56

بغير الاحياء، و لكن فيه منع واضح إن لم يكن إجماعا، و حينئذ فلا بد من تنزيل الإقطاع المزبور على وجه الاختصاص و الأحقية بالاحياء، و إلا فلو فرض كونه على جهة التمليك جاز إن لم يكن إجماعا، و ليس لأحد حينئذ الاعتراض عليه بتعطيله و إن تمادى الزمان على إشكال، لاحتمال جواز إحياء الغير له بأجرة على نحو ما سمعته في الأرض التي ملكت بالاحياء فأهملها حتى ماتت.

هذا و يمكن الاستغناء عن هذين الشرطين بل و السابق و اللاحق بالأول، بناء على إرادة ما يشمل الحق الحاصل من الإقطاع و التحجير و كونه مشعرا من اليد فيه، و الأمر سهل.

[الشرط الخامس أن لا يسبق إليه سابق بالتحجير]

الشرط الخامس: أن لا يسبق إليه سابق بالتحجير، فان التحجير عندنا كما في التذكرة يفيد أولوية و اختصاصا لا ملكا للرقبة التي لا تملك إلا بالإحياء الذي هو غير التحجير و إن ملك به التصرف في المحجر و منع الغير حتى لو تهجم عليه من يروم الاحياء كان له منعه و دفعه عن ذلك، بل لو قاهره فأحياه لم يملك بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، كما أنه يمكن تحصيله على غير ذلك مما سمعته.

بل في الرياض عليه الإجماع في كلام جماعة كالمسالك و غيرها، و إن كنا لم نتحققه في غير المفاتيح التي حكاه فيها على إفادته الأولوية دون الملك إلا أنه يمكن تحصيله.

و عدم ذكره في الدروس شرطا مستقلا لإدراجه إياه فيما ذكره من الشرط الرابع، و هو أن لا يكون مملوكا لمسلم أو معاهد، إلى أن قال:

«و المحجر كالمملوك على ما تقرر» بل ذكر سابقا أن التحجير يفيد الأولوية لا الملك، فلا يصح بيعه، نعم يورث عنه، و يصح الصلح