جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج40

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
520 /
7

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله و صلى الله على محمد و آله

[كتاب القضاء]

كتاب القضاء بالمد و قد يقصر الذي هو لغة لمعاني كثيرة ربما أنهيت إلى عشرة:

الحكم و العلم و الاعلام- و عبر عنه بعضهم بالانهاء- و القول و الحتم و الأمر و الخلق و الفعل و الإتمام و الفراغ.

قال الله تعالى «ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ» (1).

«إِلّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها» (2). «وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ» (3).

قيل: و منه أيضا «وَ اللّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ» (4) و الأولى جعله من الأول.

«فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ» (5) أي حتمنا. «وَ قَضى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ» (6)

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 65.

(2) سورة يوسف: 12- الآية 68.

(3) سورة الحجر: 15- الآية 66.

(4) سورة غافر: 40- الآية 20.

(5) سورة سبأ: 34- الآية 14.

(6) سورة الإسراء: 17- الآية 23.

8

«فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» (1). «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (2). «فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ» (3). «أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ» (4). «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ» (5) و إن كان يمكن إرجاع بعضها إلى بعض.

كما أنه يمكن إرجاع القضاء المقابل للأداء و الموت و قضاء الدين و نحو ذلك إليها و إلا كانت زائدة و في القاموس «القضاء: الحكم و الصنع و الحتم و البيان، و قضى: مات و. عليه: قتله، و. وطره: أتمه و أدامه، و. عليه عهدا: أوصاه و أنفذه، و. إليه: أنهاه، و. غريمه دينه أداه، و سم قاض: قاتل».

لكن قيل: و يسمى القضاء قضاء لأن القاضي يتم الأمر بالفصل و يمضيه و يفرغ منه.

و فيه أنه بمعنى الحكم- الذي أول المعاني في الصحاح و القاموس- أولى من ذلك، بل في كشف اللثام «هو فصل الأمر قولا أو فعلا» و الأمر سهل.

و عرفا ولاية الحكم شرعا لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينين من البرية بإثبات الحقوق و استيفائها للمستحق، كما في المسالك و التنقيح و كشف اللثام و غيرها، بل في الأول منها نسبة تعريفه بذلك إليهم.

____________

(1) سورة فصلت: 41- الآية 12.

(2) سورة طه: 20- الآية 72.

(3) سورة القصص: 28- الآية 29.

(4) سورة القصص: 28- الآية 28.

(5) سورة يوسف: 12- الآية 41.

9

و في الدروس «ولاية شرعية على الحكم و المصالح العامة من قبل الامام (عليه السلام)» و لعله أولى من الأول، ضرورة أعمية مورده من خصوص إثبات الحقوق كالحكم بالهلال و نحوه و عموم الصالح.

و لعل المراد بذكرهم الولاية- بعد العلم بعدم كون القضاء عبارة عنها- بيان أن القضاء الصحيح من المراتب و المناصب كالامارة، و هو غصن من شجرة الرئاسة العامة للنبي (صلى الله عليه و آله) و خلفائه (عليهم السلام) و هو المراد من قوله تعالى (1) «يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ» إلى آخرها، بل و من الحكم في قوله تعالى (2):

«وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا».

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح (3): «قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي»

و قال الصادق (عليه السلام) (4): «اتقوا الحكومة، إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل بين المسلمين كنبي أو وصي».

و بالجملة هي من مناصب محمد (صلى الله عليه و آله) و أهل بيته (عليهم السلام) الذين هم ولاة الأمر و المستنبطون، و به يشعر

قوله (عليه السلام) (5): «فاني قد جعلته قاضيا و حاكما»

و قاضي التحكيم ليس من المناصب العامة.

و حينئذ فالمراد من الولاية في التعريف الأعم من كونها من الله أو

____________

(1) سورة ص: 38- الآية 26.

(2) سورة مريم: 19- الآية 12.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صفات القاضي- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صفات القاضي- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1 و 6 إلا أن في الأول

«فإني قد جعلته عليكم حاكما»

و في الثاني

«فإني قد جعلته عليكم قاضيا»

10

منهم أو خصوص ما كانت منهم كما هو مقتضى التعريف الثاني، بل هو الظاهر من الأول أيضا.

هذا و قد ذكر غير واحد أن من خواصه عدم نقض الحكم فيه بالاجتهاد، بل يجب على غيره من القضاة تنفيذه و إن خالف اجتهاده ما لم يخالف دليلا قطعيا، و أن له ولاية على كل مولى عليه مع فقد وليه و مع وجوده في مواضع يأتي بعضها إنشاء الله، و أن به يلزم حكم البينة لمن شهدت عليه و الشهود، فأما من شهدت عليه فيلزمه الحق، و أما الشهود فيغرمهم إياه لو رجعوا عن الشهادة، و هو جيد.

لكن قد يشكل الاستثناء في الأول فيما إذا كان الدليل القطعي نظريا لم يثبت قطعيته عند القاضي الأول بإطلاق ما دل (1) على النهي عن رده، كما أنه يشكل تنفيذه من القاضي الآخر بكونه غير ما أنزل الله تعالى.

و من هنا أمكن القول بعدم جواز رده و عدم وجوب تنفيذه، بمعنى إجراء الحكم الواقع عليه في حقه، و يأتي إنشاء الله تمام الكلام في ذلك.

و أما الولاية على المولى عليه أو على المصالح العامة فالظاهر عدم لزومها للنصب للقضاء، فهي حينئذ أمر آخر تتبع عبارة النصب.

و على كل حال ففي التحرير و غيره «أن القضاء واجب على الكفاية، بل في الرياض نفي الخلاف فيه بيننا، قال: لتوقف نظام النوع الإنساني عليه، و لأن الظلم من شيم النفوس، فلا بد من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم، و لما يترتب عليه من النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف».

و فيه أن ذلك من قاعدة اللطف المقتضية نصب الامام المتوقف عليه استقامة نظام نوع الإنسان، و ليس هو من الواجب الكفائي بالمعنى المصطلح، نعم من السياسة الواجبة على الامام (عليه السلام) نصب ما يستقيم به

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1 و 17 و 48.

11

نظام نوع الإنسان، كما أنه يمكن القول بوجوب مقدار الصالح لذلك فيهم، و بوجوب فعل القضاء من المنصوبين له على الكفاية، و بوجوب تولي القضاء من الامام (عليه السلام) و يكون كغسل الميت المتوقف صحته على الاذن من الولي.

و لعل ذلك و نحوه مرادهم من الوجوب على الكفاية، و إن كان في قولهم: هو واجب على الكفاية- بعد تعريفهم له بالولاية التي قد عرفت معناها- نوع تسامح، ضرورة عدم صلاحيتها بمعنى كونها منصبا من المناصب للاتصاف بذلك، كما هو واضح، نعم يتجه ذلك على مذهب العامة الذين لا إمام منصوب لهم من الله تعالى شأنه.

و من ذلك كله ظهر لك أن القضاء الذي هو من توابع النبوة و الإمامة و الرئاسة العامة في الدين و الدنيا غير محتاج ثبوته إلى دليل، خصوصا بعد قوله تعالى «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (1) و «إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ» (2). «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ» (3) إلى آخرها و غير ذلك، و أما النصب منهم للقضاء فهو معلوم أيضا، بل متواتر.

و على كل حال ف النظر في صفات القاضي، و آدابه و كيفية الحكم، و أحكام الدعاوي.

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 65.

(2) سورة النساء: 4- الآية 105.

(3) سورة النساء: 4- الآية 59.

12

[النظر الأول في الصفات]

الأول في الصفات و يشترط فيه أي القاضي الذي يراد نصبه منهم (عليهم السلام) البلوغ و كمال العقل و الايمان و العدالة و طهارة المولد و العلم و الذكورة بلا خلاف أجده في شيء منها، بل في المسالك «هذه الشرائط عندنا موضع وفاق» بل حكاه في الرياض عن غيرها أيضا، و عن الأردبيلي دعواه فيما عدا الثالث و السادس، و الغنية في العلم و العدالة، و نهج الحق في العلم و الذكورة.

و حينئذ فلا ينعقد منصب القضاء لصبي و لو مراهق و لا مجنون و لو أدوارا حال جنونه، لسلب أفعالهما و أقوالهما و كونهما مولى عليهما، فلا يصلحان لهذا المنصب العظيم، و منصب الإمامة ليحيى (عليه السلام) و للصاحب روحي له الفداء إنما كان لنوع من القضاء الإلهي، نحو عيسى بن مريم (عليه السلام).

و لا لكافر، لأنه ليس أهلا للأمانة و لم يجعل الله له سبيلا على المؤمن (1) إذ الإسلام يعلو و لا يعلى عليه (2).

و كذا غير المؤمن الذي هو كافر في الجملة أيضا، لما

____________

(1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة النساء: 4- الآية 141.

(2) إشارة إلى قوله (صلى الله عليه و آله) المروي في الوسائل- الباب- 1- من أبواب موانع الإرث- الحديث 11 من كتاب الفرائض.

13

تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضاتهم (1) بل هو من ضروريات مذهبنا.

بل لا يصلح لهذا المنصب الفاسق الإمامي فضلا عن غيره، لما هو المعلوم من النص (2) و الفتوى من قصوره عن مرتبة الولاية على يتيم و نحوه فضلا عن هذا المنصب الجليل.

و لا يخفى عليك أنه يدخل في ضمن العدالة التي قد تقدم البحث فيها في كتاب الصلاة (3) اشتراط الأمانة و المحافظة على الواجبات ضرورة عدمها في غير الأمين و تارك الواجب، كما هو واضح.

و كذا لا ينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقق حاله، كما لا تصح إمامته و لا شهادته في الأشياء الجليلة و غيرها، كما هو واضح بناء على كفره، أما على غيره فالعمدة الإجماع المحكي و فحوى ما دل على المنع من إمامته و شهادته إن كان و قلنا به، مؤيدا بنفر طباع الناس منه، و إلا فمقتضى العمومات دخوله.

نعم لا ريب في اعتبار العلم،

قال الباقر (عليه السلام) (4): «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه»

و قال الصادق (عليه السلام) (5): «أنهاك عن خصلتين فيهما هلاك الرجال: أنهاك أن تدين الله بالباطل،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب عقد البيع من كتاب لتجارة و الباب- 88- من كتاب الوصايا.

(3) راجع ج 13 ص 270 و 304.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صفات القاضي- الحديث 2.

14

و تفتي الناس بما لا تعلم»

و نحوه غيره (1) و في الخبر (2) «القضاة ثلاثة:

واحد في الجنة و اثنان في النار، فالذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به، و اللذان في النار رجل عرف الحق فجار في الحكم، و رجل قضى للناس على جهل».

و أما الذكورة فلما سمعت من الإجماع و النبوي (3) «لا يفلح قوم وليتهم امرأة»

و في آخر (4) «لا تتولى المرأة القضاء»

و في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) المروية في الفقيه بإسناده عن حماد (5) «يا علي ليس على المرأة جمعة- إلى أن قال-: و لا تولي القضاء»

مؤيدا بنقصها عن هذا المنصب، و أنها لا يليق لها مجالسة الرجال و رفع الصوت بينهم، و بأن المنساق من نصوص النصب في الغيبة (6) غيرها، بل في بعضها (7) التصريح بالرجل، لا أقل من الشك و الأصل عدم الاذن.

و من ذلك يعلم الوجه في كثير من الشرائط، ضرورة كونهم أعلم بمن يجوز نصبه مع الحضور، و في زمن الغيبة المدار على ما وصل إلينا عنهم (عليهم السلام) من عبارة النصب (8) و مع فرض الشك

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب صفات القاضي.

(2) سنن البيهقي- ج 10 ص 116.

(3) سنن البيهقي ج 10 ص 118 و فيه

«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»

. (4) البحار ج 103 ص 254

عن أبي جعفر (عليه السلام) «. لا تولي المرأة القضاء.»

. (5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1.

(6) الوسائل الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 5 و الباب- 11- منها الحديث 1 و 6 و 9.

(7) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي الحديث 6.

(8) الوسائل الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 5 و الباب- 11- منها الحديث 1 و 6 و 9.

15

فلا ريب في أن الأصل العدم.

و كذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى، و لا يكفيه فتوى العلماء بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك و غيرها الإجماع عليه من غير فرق بين حالتي الاختيار و الاضطرار، بل لا بد أنه يكون عالما بجميع ما وليه أي مجتهدا مطلقا كما في المسالك، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض. على القول بتجزي الاجتهاد.

قلت قد يقال: إن المستفاد من الكتاب و السنة صحة الحكم بالحق و العدل و القسط من كل مؤمن، قال الله تعالى «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها، وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (1).

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ، وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلّا تَعْدِلُوا» (2).

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ، إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللّهُ أَوْلى بِهِما، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا، وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (3).

و مفهوم قوله تعالى (4) «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» و في أخرى (5) «هُمُ الْكافِرُونَ» إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. و قال الصادق (عليه السلام) (6): «القضاة أربعة، ثلاثة في

____________

(1) سورة النساء: 4 الآية 58.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 8.

(3) سورة النساء: 4 الآية 135.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 47.

(5) سورة المائدة: 5- الآية 44.

(6) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صفات القاضي- الحديث 6 و فيه

«و قال (عليه السلام)

بدل «و قال علي (عليه السلام).».

16

النار و واحد في الجنة: رجل قضى بجور و هو يعلم، فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم أنه قضى بجور، فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم، فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة و قال علي (عليه السلام): الحكم حكمان: حكم الله و حكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية».

و قال أبو جعفر (عليه السلام) (1): «الحكم حكمان: حكم الله و حكم الجاهلية؛ و قد قال الله عز و جل (2) «وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» و أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية».

إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالة على أن المدار الحكم بالحق الذي هو عند محمد و أهل بيته (صلوات الله عليهم) و أنه لا ريب في اندراج من سمع منهم (عليهم السلام) أحكاما خاصة مثلا و حكم فيها بين الناس و إن لم يكن له مرتبة الاجتهاد و التصرف.

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي خديجة (3): «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه»

بناء على إرادة الأعم من المجتهد منه، بل لعل ذلك أولى من الأحكام الاجتهادية الظنية بل قد يقال باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد الصحيح

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صفات القاضي- الحديث 8.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 50.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 5.

17

أو التقليد الصحيح و حكم بها بين الناس كان حكما بالحق و القسط و العدل.

نعم قد يقال بتوقف صحة ذلك على الاذن منهم (عليهم السلام) ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر سليمان بن خالد (1): «اتقوا الحكومة، إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين: نبي أو وصي».

و قوله (عليه السلام) أيضا في خبر إسحاق بن عمار (2): «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي».

و ما عساه يشعر به

قوله (عليه السلام) في نصب نائب الغيبة (3): «فإني قد جعلته حاكما».

و غير ذلك مما يقتضي توقف صحة الحكم و ترتب أثره عليه على الاذن و النصب، فتقيد تلك الآيات و النصوص بذلك أو تحمل على إرادة الأمر بالمعروف و نحوه مما ليس فيه قضاء و فصل.

اللهم إلا أن يقال بأن النصوص دالة على الاذن منهم (عليهم السلام) لشيعتهم المتمسكين بحبلهم الحافظين لأحكامهم في الحكم بين الناس بأحكامهم الواصلة إليهم بقطع أو اجتهاد صحيح أو تقليد كذلك، فإنهم العلماء و شيعتهم المتعلمون و باقي الناس غثاء.

و في خبر عبد الله بن طلحة (4) الوارد في اللص الداخل على المرأة و قتل ولدها و أخذ ثيابها عن الصادق (عليه السلام) أمر السائل بالقضاء بينهم بما ذكره الامام، و لعل غيره أيضا كذلك.

و إنما شدة الإنكار في النصوص على المعرضين عنهم المستغنين عنهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صفات القاضي- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب صفات القاضي- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1.

(4) الوسائل الباب- 23- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2 من كتاب القصاص.

18

بآرائهم و قياسهم و استحسانهم و نحو ذلك من الباطل الذي لفقوه.

قال الحلبي (1): «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منا، فقال: ليس هو ذاك، إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط».

و لو سلم عدم ما يدل على الاذن فليس في شيء من النصوص ما يدل على عدم جواز الاذن لهم في ذلك، بل عموم ولايتهم تقتضي ذلك.

بل قد يدعى أن الموجودين في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) ممن أمر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد و إنما يقضون بين الناس بما سمعوه من النبي (صلى الله عليه و آله).

فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل، بل ظاهر الأدلة خلافها، بل يمكن دعوى القطع بخلافها، و نصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناء على ظهور النصوص فيه لا يقتضي عدم جواز نصب الغير.

و يمكن بناء ذلك- بل لعله الظاهر- على إرادة النصب العام في كل شيء على وجه يكون له ما للإمام (عليه السلام) كما هو مقتضى

قوله (عليه السلام) (2): «فاني جعلته حاكما»

أي وليا متصرفا في القضاء و غيره من الولايات و نحوها.

بل هو مقتضى

قول صاحب الزمان روحي له الفداء (3): «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنهم حجتي عليكم، و أنا حجة الله»

ضرورة كون المراد منه أنهم حجتي عليكم في جميع ما أنا فيه حجة الله عليكم إلا ما خرج، و هو لا ينافي الإذن لغيره في الحكم

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 9.

19

بخصوص ما علمه من الأحكام الخاصة، و ليس له هذه الرئاسة العامة أو يكون من قبيل قاضي التحكيم.

و حينئذ فتظهر ثمرة ذلك بناء على عموم هذه الرئاسة أن للمجتهد نصب مقلده للقضاء بين الناس بفتاواه التي هي حلالهم و حرامهم، فيكون حكمه حكم مجتهده و حكم مجتهده حكمهم، و حكمهم حكم الله تعالى شأنه، و الراد عليه راد على الله تعالى.

و لا يخفى وضوح ذلك لدى كل من سرد نصوص الباب المجموعة في الوسائل و غيرها، بل كاد يكون من القطعيات، خصوصا مع احتمال أن كثيرا من هذه الشرائط للعامة، كما لا يخفى على من لاحظ كتبهم و رأى إكثارهم من ذكر شرائط لا دليل لها سوى استحسان مستقبح أو قياس باطل أو نحو ذلك.

و من المعلوم أن المقبول مما ذكروه ما يكون موافقا لنصوصنا دون غيره، و لعل منه هذا الشرط المذكور المقتضي عدم جواز نصب الامام قاضيا يقضي بالحق و إن لم يكن مجتهدا.

و أما دعوى الإجماع التي قد سمعتها فلم أتحققها، بل لعل المحقق عندنا خلافها، خصوصا بعد أن حكى في التنقيح عن المبسوط في المسألة أقوالا ثلاثة أولها جواز كونه عاميا و يستفتي العلماء و يقضي بفتواهم و لم يرجح، و لعل مختاره الأول مع أنه أسوأ حالا مما ذكرناه، ضرورة فرضه عاميا حين نصبه ثم يستفتي بعد ذلك، مع ظهور الأدلة في اعتبار كونه عالما بما وليه حين التولية و لو بالتقليد بناء على ما ذكرناه من كون فتاوى المجتهد أحكامهم، فالقضاء حينئذ بها خصوصا إذا قلنا إن القضاء في زمن الغيبة من باب الأحكام الشرعية لا النصب القضائي و إن ذلك هو المراد من

قوله (عليه السلام): «جعلته قاضيا و حاكما»

فان الفصل

20

بها حينئذ من المقلد كالفصل بها من المجتهد، إذ الجميع مرجعه إلى القضاء بين الناس بحكم أهل البيت، و الله العالم.

و من ذلك يظهر لك النظر في جملة مما هو مذكور هنا حتى قول المصنف هنا و يدخل فيه أن يكون ضابطا، فلو غلب عليه النسيان لم يجز نصبه ضرورة عدم الدليل بالخصوص، بل مقتضى ما فيه من مفروض العدالة تجنب ما يحتمل النسيان فيه، و أنه لا يقضي إلا بما هو ضابط له بكتابة و نحوها، إذ لا يخفى عليه حاله الذي هو غلبة نسيانه، بل ربما كان قضاؤه أضبط من قضاء غيره، نعم لو كان كثير الغلط و الاشتباه و لا يعلم به على وجه يرتفع الوثوق بما يزعم أنه مضبوط له أمكن القول حينئذ بعدم نصبه بناء على عدم قبول ما ينقله من فتاواه و أخباره.

و كذا قوله و هل يشترط علمه بالكتابة؟ فيه تردد نظرا إلى اختصاص النبي (صلى الله عليه و آله) بالرئاسة العامة مع خلوه في أول أمره من الكتابة.

و أغرب من ذلك قوله و الأقرب اشتراط ذلك لما يضطر إليه من الأمور التي لا تتيسر لغير النبي (صلى الله عليه و آله) المحفوظ بالعصمة عن السهو و الغلط و غيرهما بدون الكتابة بل في المسالك نسبته إلى الشيخ و أكثر الأصحاب، إذ هو كما ترى لا دليل عليه سوى الاعتبار المزبور الذي لا ينطبق على أصولنا، بل إطلاق دليل النصب في نائب الغيبة يقتضي عدمه، على أنه يمكن الاستغناء بوضع كاتب، بل و غير الكتابة من طرق الضبط، بل ربما لا يحتاج إليها.

نعم لا ينعقد القضاء للمرأة و إن استكملت الشرائط لما عرفته سابقا من النص (1) السابق.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1.

21

و كذا قوله و في انعقاد قضاء الأعمى تردد و خلاف أظهره و أشهره كما في المسالك أنه لا ينعقد، لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم و تعذر ذلك مع العمى إلا فيما يقل و عمى شعيب (عليه السلام) على تقدير تسليمه ليس بحجة في شرعنا و لا على القاضي غير النبي لانجبار النبوة بالعصمة، إذ هو أيضا كما ترى مخالف لما عرفت، لمجرد اعتبار لا ينطبق على أصولنا، و يمكن رفعه بوضع مميز أو بغيره، إذ طرق التمييز غير منحصرة في البصر، و ربما لا يحتاج إلى ذلك، كما هو واضح.

و على كل حال ف هل يشترط الحرية؟ قال في المبسوط:

نعم بل في المسالك نسبته إلى الأكثر، لقصور العبد عن هذا المنصب العظيم و استغراق وقته بحقوق المولى و الأقرب أنه ليس شرطا لما عرفت، بل إطلاق دليل نصب نائب الغيبة يقتضي خلافه، و الفرض إذن المولى في ذلك فلا استغراق لوقته.

و لا يخفى عليك بعد ما ذكرنا الحكم في كثير من الشرائط المذكورة في كتب العامة التي لم يذكرها الأصحاب، كالنطق فلا يصح قضاء الأخرس، و السمع فلا قضاء للأصم، و غير ذلك مما ليس في أدلتنا ما يشهد له.

نعم ذكر بعض أفاضل المتأخرين أن كل ما شك في اشتراطه في ذلك فأصالة عدم ترتب الأثر و نحوها يقتضيه.

و لكن فيه أنه إن كان المراد اعتباره في نائب الغيبة فلا ريب في انقطاعه بإطلاق دليله أو عمومه، و مع فرض الشك على وجه لا يتناوله الإطلاق المزبور فلا ريب في أن الأصل يقتضي عدم وقوع الاذن له بعد فرض انحصارها في الدليل المفروض.

و إن كان اعتباره في من ينصبه الامام (عليه السلام) حال حضوره

22

ففيه أولا أنه أدري في هذا الحال. مضافا إلى أن مقتضى عموم ولايته و أن الحكومة له- فهو مسلط عليها كتسلط الملاك على أملاكهم- جواز ذلك له، كما هو واضح.

هذا و قد يظهر من الروضة اعتبار جميع هذه الشرائط في الفتوى أيضا، و هو مبني على انحصار دليل قبولها بدليل قبول الحكم، فيعتبر فيها حينئذ ما يعتبر فيه.

لكن لا يخفى عليك ما فيها، ضرورة منع انحصار دليلها في ذلك، بل هو العقل بعد كون الفتوى الصحيحة مما أنزل الله و من القسط و العدل و الحق و غير ذلك مما وجب على الناس قبوله عقلا و نقلا، فجميع ما دل على الأمر بالمعروف و الأخذ بما أنزل الله و القيام بالعدل دال عليه و إن فقد شرط منصب القضاء بعدم الكتابة مثلا أو بالعمى أو بالذكورة أو نحو ذلك مما لا مدخلية لاندراج فتواه فيما عرفت قطعا، كما هو واضح بأدنى التفات. و من هنا كانت شرائط الفتوى غير شرائط القضاء، كما لا يخفى على من لاحظ كتب أصحابنا في الأصول و الفروع.

بل مما ذكرنا يظهر أن قبول الفتوى بعد اندراجها في الحق و العدل و القسط و نحو ذلك لا يحتاج إلى إذن من الامام (عليه السلام) بل الكتاب (1) و السنة (2) بل و العقل متطابقة على وجوب الأخذ بها، و حينئذ فدليل التقليد غير دليل القضاء.

نعم قد يستفاد من دليل الثاني أن الفتوى بكلي الواقعة المخصوصة من الحق و مما أنزل الله و من حكمهم و من العدل و القسط و نحو ذلك، ضرورة التلازم بين كون الحكم بالخصوصية كذلك و بين كون الحكم الشرعي

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 58 و 135 و سورة المائدة: 5- الآية 8.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي.

23

في كلي تلك الخصوصية الذي هو فتوى المجتهد كذلك.

و بذلك ظهر لك أن دليل التقليد حينئذ هو جميع ما في الكتاب (1) و السنة (2) من الأمر بأخذ ما أنزل الله تعالى و القيام بالقسط و العدل و نحو ذلك، و اختلاف المجتهدين بسبب اختلاف الموازين التي قررها صاحب الشرع لمعرفة الأحكام غير قادح في كون الجميع مما أنزل الله تعالى شأنه من الحكم، فإن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم كما هو مقرر في محله.

[مسائل]

و كيف كان ف هنا مسائل:

[المسألة الأولى يشترط في ثبوت الولاية إذن الإمام (عليه السلام)]

الأولى لا خلاف عندنا بل الإجماع بقسميه عليه في أنه يشترط في ثبوت الولاية للقضاء و توابعه إذن الإمام (عليه السلام) أو من فوض إليه الإمام ذلك، لما عرفت من أن منصب الحكومة له.

و حينئذ ف لو استقضى أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته عندنا و لم ينفذ حكمه نعم قد ذكر غير واحد من الأصحاب، بل لم يذكر أحد فيه خلافا، بل ظاهر بعضهم و صريح آخر الإجماع عليه أنه لو تراضى الخصمان بواحد من الرعية فترافعا إليه فحكم لزمهما حكمه و إن كان هناك قاض منصوب، بل و إن كان إمام، بل و على أنه لا يشترط رضاهما بعد الحكم منه.

لكن في الروضة و غيرها في اشتراط تراضي الخصمين بالحكم بعده قولان، بل في بعض القيود أنه للشيخ في بعض أقواله، بل في التحرير و لو تراضى خصمان بواحد من الرعية و ترافعا إليه فحكم لم يلزمهما الحكم

____________

(1) سورة النساء:- الآية 58 و 135 و سورة المائدة: 5- الآية 8.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي.

24

بل في بعض قيوده و إن كان فيه شرائط الاجتهاد مع ظهور الامام (عليه السلام).

و كيف كان فهذه المسألة كما ذكرها الخاصة ذكرها العامة أيضا، قال في الروضة من كتبهم: «الخامسة: هل يجوز أن يحكم الخصمان رجلا غير القاضي؟ و هل لحكمه بينهما اعتبار؟ قولان، أظهرهما عند الجمهور نعم، و خالفهم الامام و الغزالي، فرجحا المنع، و قيل: القولان في الأموال فقط، فأما النكاح و اللعان و القصاص و حد القذف و غيرها فلا يجوز فيها التحكيم قطعا، و المذهب طرد القولين في الجميع، و به قطع الأكثرون و لا يجري في حدود الله على المذهب، إذ ليس لها طالب معين، و في التهذيب و غيره ما يقتضي ذهاب بعضهم إلى طرد الخلاف فيها، و ليس بشيء، و قيل: القولان في التحكيم في حقوق الآدميين مخصوصان بما إذا لم يكن في البلد قاض فان كان لم يجز، و قيل: هما إن كان قاض و إلا فيجوز قطعا، و المذهب طردهما في الحالين، فإذا جوزنا التحكم اشترط في المحكم صفات القاضي، و لا ينفذ حكمه إلا على من رضي بحكمه، حتى لا يضرب دية الخطأ على العاقلة إذا لم يرضوا بحكمه، و لا يكفي رضا القاتل، و قيل:

يكفي و العاقلة تبع له، و الصحيح الأول، قال السرخسي: الخلاف مخصوص بقولنا: تجب الدية على الجاني ثم تحملها العاقلة، فإن قلنا يجب عليها ابتداء لم تضرب عليهم إلا برضاهم قطعا، و هذا أحسن، قال السرخسي:

و إنما يشترط رضا المتحاكمين إذا لم يكن أحدهما القاضي نفسه، فان كان فهل يشترط رضا الآخر؟ فيه اختلاف نص، و المذهب أنه لا يشترط، و ليكن هذا مبنيا على جواز الاستخلاف إن جاز، فالمرجوع إليه نائب القاضي، قال: و يشترط على أحد الوجهين كون المتحاكمين بحيث يجوز للمحكم أن يحكم لكل واحد منهما، فان كان أحدهما ابنه أو أباه لم يجز، و ليس للمحكم الحبس، بل غايته الإثبات و الحكم، و قيل: يحبس و هو

25

شاذ، و هل يلزم حكمه بنفس الحكم كحكم القاضي أم لا يلزم إلا بتراضيهما بعد الحكم؟ فيه قولان، و يقال: وجهان، أظهرهما الأول، و متى رجع أحدهما قبل الحكم امتنع الحكم حتى إذا أقام المدعي شاهدين، فقال المدعى عليه:

عزلتك لم يكن له أن يحكم، و قال الإصطخري: إن أحس المدعى عليه بالحكم فرجع ففي تمكينه من الرجوع وجهان خرجهما، و المذهب الأول».

إلى غير ذلك مما ذكروه في كتبهم مما هو مبني على استحسان أو قياس أو مصالح مرسلة أو

رواية غير ثابتة عندنا عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «من حكم بين اثنين فتراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة الله تعالى».

قال في المسالك: «و لو لم يكن لحكمه اعتبار و لزوم لما كان لهذا التهديد معنى، و لكان التحذير على فعله لا على عدم العدل، و لأن التهديد على عدم العدل يدل على أن العلة عدم عدله، و لو لم يكن جائزا كان التهديد بالأعم أولى».

و فيه أن الاستدلال حينئذ بنحو قوله تعالى (2) «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ» و غيره مما ورد في الكتاب (3) و السنة (4) أولى، و لذا استدل على مشروعيته بها في كشف اللثام، و بنصوص (5) نائب الغيبة، و بما دل (6) على الأمر بالمعروف.

____________

(1) ذكره ابن قدامة في المغني ج 11 ص 484.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 44 و 45 47.

(3) سورة النساء: 4- الآية 85 و 105.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صفات القاضي الحديث 7 و 8.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي الحديث 5 و الباب- 11- منها الحديث 1 و 6 و 9.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأمر و النهي من كتاب الأمر بالمعروف.

26

لكن قد عرفت تقييد تلك العمومات بإذن الإمام (عليه السلام) لأن الحكومة له، و دعوى أن المنصب له لا خصوص الحكم في واقعة مخصوصة رضي المتنازعان فيها بحكم من حكماه كما ترى مناف لظاهر الدليل المزبور المعتضد بقوله تعالى (1) «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ» و بالأمر (2) بالرد فيما تنازعوا فيه إلى الله و رسوله و أولي الأمر الذين هم الأئمة (صلوات الله و سلامه عليهم)، فإنهم أدرى باستنباطه من غيرهم.

و نصوص نائب الغيبة منافية لفرض موضوعه الذي هو فقد الاذن له، كما هو واضح. و أدلة الأمر بالمعروف لا تقتضي الحكومة.

و أغرب من ذلك الاستدلال عليه في المسالك بوقوعه في زمن الصحابة و لم ينكر أحد منهم ذلك، مع أن من المعلوم عندنا انقلاب الأمر بعد موت النبي (صلى الله عليه و آله) حتى صار المنكر المعروف و الباطل المألوف.

و بذلك ظهر لك أن ما ذكره العامة من مشروعية قاضي التحكيم فضلا عما ذكروه من الفروع التي سمعتها يشكل انطباقه على أصولنا و إن ذكرها الأصحاب الذين هم أدرى منا بكيفية تطبيق ذلك.

نعم في خبر أحمد بن الفضل الكناسي (3) المروي عن الكشي قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): أي شيء بلغني عنكم؟ قلت: ما هو؟ قال: بلغني أنكم أقعدتم قاضيا بالكناسة، قال: قلت: نعم جعلت فداك، رجل يقال له عروة القتاب، و هو رجل له حظ من عقل نجتمع عنده فنتكلم و نتسائل ثم يرد ذلك إليكم، قال: لا بأس»

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 65.

(2) سورة النساء: 4- الآية 59 و 83.

(3) الوسائل الباب- 11- من أبواب صفات القاضي الحديث 31.

27

إلا أنه كما ترى ظاهر في إرادة تعرف الحكم في أحاديثهم من القضاء فيه لا فصل الخصومات الظاهر في إنكاره عليهم، و لو سلم فهو مؤيد لما ذكرناه سابقا من الاذن سابقا في الفصل بين الناس بأحكامهم و أنه يكون في الحقيقة فضلا منهم و إن ناب الشيعي في ذكره عنهم باجتهاد أو تقليد صحيحين.

و على كل حال فتجشم الاذن له مما عرفت أو مشروعيته و إن لم يكن بإذن خاصة و إنشاء نصب كذلك يقتضي نفوذ حكمه في جميع ما يقع فيه التداعي من المال و النكاح و القصاص و الحدود و غيرها كما نسبه في المسالك إلى ظاهر الأصحاب.

لكن في القواعد الإشكال في أهلية الحبس له و استيفاء العقوبة، و الجزم بأنه لا ينفذ حكمه على غير المتراضيين حتى لا يضرب دية الخطأ على عاقلة الراضي بحكمه.

و وجه الإشكال في الأول في كشف اللثام من عموم أدلة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أدلة التحكيم الناهية عن الرد لمن له أهلية القضاء و إفضاء تعطيلها إلى الفساد، و قول الصادق (عليه السلام) لحفص بن غياث (1): «إقامة الحدود إلى من إليه الحكم»

و هو خيرة السيد و الشيخ في التبيان و جماعة، و من الاحتياط في الدماء و عصمتها، و اشتراك الحدود بين حق الله و حق الناس، و التحكيم إنما هو في حق الناس، و هو قول الشيخ في النهاية و الاقتصاد و سلار و جماعة.

قلت: و لا يخفى عليك ما في الثاني بعد فرض صحة الأول.

كما أنه لا يخفى عليك النظر في جملة من الفروع المذكورة، خصوصا ما ذكر من اعتبار رضاهما به قبل الحكم ما لم يكن أحد المتخاصمين قاضيا و إن كان منصوبا له، ضرورة كون المفروض رضاه بالمرافعة عنده،

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب مقدمات الحدود- الحديث 1 من كتاب الحدود.

28

و هو أعم من نصبه الذي لا بد من تقييده مع ذلك بكونه مأذونا له في النصب، و خصوصا دعوى كون قاضي التحكيم منصوبا من المتحاكمين المعلوم عدم أهليتهما لذلك.

بل و فيما ذكروه هنا من أنه يشترط فيه جميع ما يشترط في القاضي المنصوب عن الامام (عليه السلام) عدا الاذن، ضرورة أنه إذا كان المدرك له الإطلاق المزبور، فليس في شيء منه إيماء إلى الشرائط المزبورة، خصوصا مثل الكتابة و البصر و نحوهما، نعم يتجه اعتبار ما كان دليله عاما لمثله من الشرائط كالبلوغ و الإسلام و نحوهما.

و لكن هذا الكلام سهل الخطب في المسألة عندنا كما أومأ إليه في المسالك حيث قال: «و اعلم أن الاتفاق واقع على أن قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط التي من جملتها كونه مجتهدا، و على هذا فقاضي التحكيم مختص بحال حضور الامام (عليه السلام) فيفرق بينه و بين غيره من القضاة بكون القاضي منصوبا و هذا غير منصوب من غير الخصمين، أما في حال الغيبة فسيأتي أن المجتهد ينفذ قضاؤه، لعموم الاذن، و غيره لا يصح حكمه مطلقا فلا يتصور حالتها قاضي التحكيم».

و مراده بحال الغيبة ما يشمل زمان الصادق (عليه السلام) أيضا لأن نصب مطلق المجتهد كان فيه، و هو من زمان الحضور، و لا يتصور فيه قاضي التحكيم، نعم يتصور فيما قبله مما لا إذن فيه لمطلق المجتهد، كزمن النبي (صلى الله عليه و آله) بل لعله خاص فيه أيضا، لظهور دليل نصب المجتهد في جميع زمان الجور الذي نهينا فيه عن المرافعة إلى قضاتهم (1) من حيث غلبة الجائرين، فيكون نصب الصادق (عليه السلام) مبنيا على نصب من قبله و أن هذا من قبيل الحكم الشرعي المتفق عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي.

29

فيما بينهم، و حكم آخرهم كحكم أولهم، و لو سلم عدم دلالته على ذلك فأقصاها إلحاق هذا الزمان إلى زمن نصب الصادق (عليه السلام) بزمن النبي (صلى الله عليه و آله) و يختص به تصور قاضي التحكيم، و ربما احتمل تصوره في زمن الغيبة بالمرافعة إلى المفضول مع وجود الأفضل بناء على اختصاص النصب له دونه، لكن- مع ما في الاحتمال المزبور من النظر- ستعرف أن التحقيق نصب الجميع.

و بالجملة فقد ظهر لك بالتأمل في جميع ما ذكرناه انحصار دليل مشروعية التحكيم بالإجماع المدعى، و هو حجة على من لم يتبين خلافه، أو إطلاق تلك الأدلة الذي إن لم يقيد بما سمعته من اعتبار إذن الامام (عليه السلام) في مطلق الحكومة ينفتح منه باب عظيم لا يختص بقاضي التحكيم، كما أومأنا إليه في أول البحث، و خصوصا إذا قلنا إن ذلك من المأذون فيه، و لو لا دعوى الإجماع لأمكن القطع باستفادة نفوذ الحكم بالعدل الذي هو حكم الامام (عليه السلام) من جميع شيعته.

قال أبو بصير (1): «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله تعالى في كتابه «وَ لا تَأْكُلُوا» (2) إلى آخرها فقال: يا أبا بصير إن الله قد علم أن في الأمة حكاما يجورون، أما إنه لم يعن حكام أهل العدل، و لكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، و هو قول الله عز و جل «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ» (3) إلى آخرها».

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 3.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 188.

(3) سورة النساء: 4- الآية 60.

30

و قال (عليه السلام) أيضا في خبره الآخر (1): «أي رجل كان بينه و بين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه و بينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال الله تعالى:

«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ» (2) إلى آخرها».

و في الآخر (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منا، فقال:

ليس هو ذاك، إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط».

إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة و الصريحة في الاذن بالحكم بالحق و العدل، و هو الذي عندهم، و شيعتهم أجمع نواب عنهم في ذلك، لأن المدار على الحكم بين الناس بحكمهم.

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) في وصيته لكميل بن زياد «يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل، و لا نقل إلا من إمام فاضل، يا كميل هي نبوة و رسالة و إمامة، ليس بعد ذلك إلا موالين متبعين أو مناوئين مبتدعين، إنما يتقبل الله من المتقين».

و قال الصادق (عليه السلام) في خبر جميل (5): «يغدوا الناس على ثلاثة أصناف: عالم و متعلم و غثاء، فنحن العلماء، و شيعتنا المتعلمون، و سائر الناس غثاء».

و قال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (6): «ليس عند أحد من الناس حق و لا صواب و لا أحد من الناس يقضي بقضاء

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 2.

(2) سورة النساء: 4- الآية 60.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب صفات القاضي- الحديث 35.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صفات القاضي- الحديث 18.

(6) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صفات القاضي- الحديث 20.

31

حق إلا ما خرج من عندنا أهل البيت»

الخبر.

و في الدعائم عن علي (عليه السلام) (1) «كل حاكم يحكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت، و قرأ «يُرِيدُونَ» إلى آخرها (2) ثم قال: و الله فعلوا و تحاكموا إلى الطاغوت و أضلهم الشيطان ضلالا بعيدا، فلم ينج من هذه الأمة إلا نحن و شيعتنا، و قد هلك غيرهم، فمن لم يعرف حقهم فعليه لعنة الله»

فلاحظ و تأمل جيدا.

هذا و قد بان لك الحال في أنه بناء على المشروعية يعم الجواز كل الأحكام و الله العالم.

و كيف كان ف سمع عدم حضور الامام (عليه السلام) كما في هذا الزمان ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت الجامع للصفات المشترطة في الفتوى المذكورة في كتب الأصول و بعض كتب الفروع بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه لقول أبي عبد الله (عليه السلام)

(7)- في خبر أبي خديجة (3): «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا

فاجعلوه بينكم قاضيا، فاني جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه

(8)-». و خبره الآخر (4) قال: «بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو ترادى بينكم في شيء من الأخذ و العطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا ممن قد عرف حلالنا و حرامنا، فاني قد جعلته قاضيا،

____________

(1) المستدرك- الباب- 4- من أبواب صفات القاضي- الحديث 7.

(2) سورة النساء: 4- الآية 60.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 6.

32

و إياكم أن يتحاكم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر».

و مقبول ابن حنظلة (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك؟ فقال: من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقه ثابتا، لأنه أخذ بحكم الطاغوت، و قد أمر الله أن يكفر به، قلت: كيف يصنعان؟ قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حاكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف و علينا رد، و الراد علينا الراد على الله، و هو على حد الشرك بالله، قال: فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم، فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: فقلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، قال: فقال:

ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، و إنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيه فيجتنب، و أمر مشكل يرد حكمه إلى الله و إلى الرسول، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): حلال بين

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1 و بعده و ذيله في الباب- 9- منها- الحديث 1 و قطعة منه في الباب- 12- منها الحديث 9 مع الاختلاف في بعض قطع الحديث. راجع الكافي ج 1 ص 67 و ج 7 ص 412 و التهذيب ج 6 ص 218 و 301.

33

و حرام بين و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، و هلك من حيث لا يعلم، قال:

قلت: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم، قال:

ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة أخذ به، قال:

قلت: جعلت فداك فان وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لها بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: بما يخالف العامة، فإن فيه الرشاد، قلت:

جعلت فداك فان وافقها الخبران جميعا، قال: ينظر إلى ما حكامهم إليه أميل و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر، فقلت: فان وافق حكامهم و قضاتهم الخبران جميعا، قال: إذا كان كذلك فأرجه حتى تلق إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

و قد سمعت المروي عن صاحب الزمان روحي له الفداء (1).

و خبر داود بن الحصين (2) «في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في الحكم وقع بينهما فيه اختلاف فرضيا بالعدلين، و اختلف العدلان بينهما، عن قول أيهما يمضي الحكم؟ فقال: ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر».

و خبر النميري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حق يتفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما، قال: و كيف يختلفان؟ قلت: حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان، فقال: ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين الله فيمضي حكمه».

فهو حينئذ مأذون منهم و منصوب من قبلهم في الحكم بين الناس

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صفات القاضي- الحديث 20.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صفات القاضي- الحديث 45.

34

بحكمهم، لا أن هذا الشرط ساقط في زمن الغيبة، كما توهمه عبارة المسالك، بل ظاهر خبر أبي خديجة الاكتفاء بتجزي الاجتهاد في الحكومة، لصدق معرفة شيء من قضائهم.

و المناقشة بعدم المعرفة لشيء مطلقا إلا للمجتهد المطلق يدفعها الوجدان الصحيح، للتجزي في الملكة و الفعل على وجه يساوي معرفة المجتهد المطلق، بل قد يزيد عليها.

و احتمال إرادة الملكة العامة من الشيء- لأن غير الامام و إن كان مجتهدا مطلقا ليس عنده إلا شيء من الأحكام، إذ معرفتها أجمع مختصة بالإمام- مناف لظاهر الخبر (1) الذي لا معارضة بينه و بين المقبولة (2) بناء على ظهورها في المجتهد المطلق، لعموم الجمع المضاف فيها، لأن أقصى الخبرين الاذن لكل منهما في ذلك.

هذا مضافا إلى ما سمعته من تلك المطلقات التي لا إشعار في شيء منها باعتبار الاجتهاد فضلا عن كونه مطلقا.

و من ذلك يعلم حينئذ أن فتوى المتجزى حجة له و لغيره، ضرورة اقتضاء نفوذ حكمه الخاص صحة فتواه الكلية التي بني عليها الحكم الخاص، و أنها مندرجة في القسط و العدل و الحق و فيما أنزل الله، و أنها من حكمهم.

نعم لو كان دليل التجزي الرجحان العقلي لظنه الاجتهادي على تقليده اتجه اختصاص ذلك به دون غيره، لكن قد عرفت أن السمع واف بالدلالة عليه على الوجه المزبور، بل صدق معرفة الحكم الشرعي بطرقه المقررة عنهم (عليهم السلام) لا تحتاج إلى دليل، ضرورة كونها كمعرفة غيره من العلوم، و بها يكون معلومه من أحكامهم (عليهم السلام) و من

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

35

العدل و القسط و الحق، كما هو واضح بأدنى تأمل و نظر.

و على كل حال ف لو عدل إلى قضاة الجور و الحال هذه كان مخطئا آثما قطعا، لما سمعته من النصوص المعتبرة (1) نعم لو توقف حصول حقه عليه و لو لامتناع خصمه عن المرافعة إلا إليهم جاز، كما يجوز الاستعانة بالظالم على تحصيل حقه المتوقف على ذلك، و الإثم حينئذ على الممتنع، كما هو ظاهر ما سمعته من النصوص (2) الظاهرة في اختصاصه بالإثم.

و أشكله في الكفاية بأن حكم الجائر بينهما فعل محرم و الترافع إليه يقتضي ذلك، فيكون إعانة على الإثم، و هي منهي عنها (3).

و يدفعه منع كونه إعانة أولا و منع حرمتها ثانيا، خصوصا بعد ظهور النصوص فيما ذكرنا، و خصوصا إذا كان الخصم منهم، فإنه لا ينبغي التوقف في جواز أخذ الحق منه بحكم قضاتهم.

بل لعله المراد من

خبر علي بن محمد (4) قال: «سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم؟ فكتب يجوز لك ذلك إنشاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقية و المداراة لهم»

بناء على ما في الوافي من أن «المراد هل يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضاتهم كما يأخذون منا بحكم قضاتهم، يعني إذا اضطر إليه، كما إذا قدمه الخصم إليهم».

و يمكن كون المراد أخذ نحو الشفعة بالجوار و العصبة منهم كما يأخذون منا، أو غير ذلك مما لا يندرج فيه الأخذ بغير حق منهم، فإنه غير جائز، كما صرح به في خبر البغل (5) المتقدم في الغصب.

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب صفات القاضي.

(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب صفات القاضي.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 2.

(4) التهذيب ج 6 ص 224- الرقم 535 و الوسائل- الباب 11 من أبواب آداب القاضي- الحديث 1.

(5) الوسائل الباب- 17- من كتاب الإجارة- الحديث 1.

36

و في خبر ابن فضال (1) قال: «قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني (عليه السلام) و قرأته بخطه سأله ما تفسير قوله تعالى (2):

«وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ» فكتب إليه بخطه: الحكام: القضاة، قال: ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم أنه ظالم»

بل ربما كان ذلك مقطوعا به، فليس المراد حينئذ إلا ما ذكرناه أولا من الوجهين.

و قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر عطاء بن السائب (3): «إذا كنتم في أئمة الجور فامضوا في أحكامهم، و لا تشهروا أنفسكم فتقتلوا، و إن تعاملتم بأحكامنا كان خيرا لكم».

و قد يستفاد من هذا الخبر- مضافا إلى كون التقية دينا- صحة المعاملة بأحكامهم تقية على نحو الصحة في العبادة و إن افترقا بقاعدة الاجزاء في الثانية دون الأولى، لكن هذا الخبر- مع كون التقية دينا- يقتضي الأعم إلا أنه لم يحضرني الآن كلام للأصحاب بالخصوص، نعم في رسالة منسوبة للكركي الحكم بالبطلان في العبادة و المعاملة إلا ما نص فيه على الصحة كالوضوء و نحوه، و لا ريب في فساده في العبادة، أما المعاملة فمحل نظر.

هذا و في الكفاية أيضا أنه يستفاد من الخبرين عدم جواز أخذ شيء بحكمهم و إن كان له حقا، و هو في الدين ظاهر، و في العين لا يخلو من إشكال، لكن مقتضى الخبرين التعميم، و كأن فرقه بين الدين و العين باحتياج الأول إلى تراض في التشخيص، و الفرض جبر المديون بحكمهم، بخلاف العين.

و فيه أن الجبر و إن كان إثما فيه لكن لا ينافي تشخص الدين بعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 9.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 188.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب صفات القاضي- الحديث 7.

37

فرض كونه حقا، على أن في صدر أحد الخبرين المنازعة في دين أو ميراث، فلا بد من حمل الخبرين على الأعم من ذلك، لكن على معنى أن أصل ثبوت الاستحقاق للدين أو العين قد كان بحكمهم الباطل، لا أنهما ثابتان بالحكم الحق و أخذهما قد كانا بحكم الطاغوت، مع احتمال التزام الحرمة فيهما أيضا في ذلك، لكن على معنى حرمة التصرف و إن كانا مملوكين، فيكونان بحكم السحت في الإثم و لو باعتبار المقدمة، فتأمل جيدا، و الله العالم.

[المسألة الثانية تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه]

المسألة الثانية تولي القضاء ممن له القضاء كالنبي و الامام مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه لعظم الفوائد المترتبة عليه المعلوم رجحانها عقلا و نقلا، و لذا تولاه النبي (صلى الله عليه و آله) و غيره من الأنبياء و في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح (1): «و إياك و التضجر و التأذي في مجلس القضاء الذي أوجب فيه الأجر و أحسن فيه الذخر لمن قضى بالحق».

الحديث. و نحوه غيره (2) لكن خطره عظيم، ف

في الخبر «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين، قيل: و ما الذبح؟ قال: نار جهنم» (3)

و أنه «يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره قط» (4)

و «أن النواويس (5) شكت إلى الله تعالى شدة حرها،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب آداب القاضي- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1 و غيره من أبواب آداب القاضي.

(3) المستدرك الباب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث 4.

(4) سنن البيهقي- ج 10 ص 96 و فيه «في تمرة قط».

(5) هي موضع في جهنم أو مقابر النصارى.

38

فقال لها: اسكني إن موضع القضاة أشد حرا منك» (1)

و غير ذلك- خصوصا ما رواه الثمالي (2) عن الباقر (عليه السلام) في قاض من بني إسرائيل عوقب لموضع هواه قد كان مع من كان الحق له- مما صار سببا لامتناع جماعة من أكابر التابعين و غيرهم عنه، و لكنه محمول على أولوية تركه لمن لم يثق من نفسه بالقيام بشرائطه، كما أنه يحرم على من علم بفقده لها.

و ربما وجب تولي القضاء مقدمة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و للقيام منه بالقسط و لكن يكون وجوبه حينئذ على الكفاية لعموم الخطابات المعلوم إرادة حصوله من مجموعهم لا من مباشر بعينه و لو جميعهم. نعم قد يتعين فرد للانحصار أو لمصلحة اقتضت تعيين الامام (عليه السلام) له أو غير ذلك مما لا ينافي كون وجوبه الذي هو مفاد الخطابات الشرعية كفائيا، كما هو واضح.

و لا ينافي ذلك توقف صحته على إذن الامام (عليه السلام) نحو ما تقدم في نحو غسل الميت الذي هو كفائي، و صحته موقوفة على إذن الولي.

هذا و لكن في المسالك «أن حكم المصنف باستحبابه لمن يثق بنفسه محمول على طلبه من الامام ممن لم يأمره به إذا كان من أهله، أو على فعله لأهله في حال الغيبة حيث لا يتوقف على إذن خاص».

و في الأخير أنه واجب و إن زاد أهله على قدر الكفاية و سقط بفعله عن الباقين، و أما الأول فهو مخالف لما ذكره في الصورة السادسة.

و كأنه أشار به إلى ما في الدروس «و لو لم يوجد سوى واحد تعين، و لو وجد غيره ففي استحباب تعرضه للولاية نظر، من حيث الخطر

____________

(1) المستدرك الباب- 6- من أبواب آداب القاضي الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 9- من أبواب آداب القاضي الحديث 1.

39

و عظم الثواب إذا سلم، و الأقرب ثبوته لمن يثق من نفسه بالقيام به».

و في الروضة «و لو لم يعلم الامام لزمه الطلب، و في استحبابه مع التعدد عينا قولان: أجودهما ذلك مع الوثوق».

و تبعه في كشف اللثام، قال: «و يستحب التولية على الأعيان إلا من وجبت عليه عينا، لأنه أمر مرغوب عقلا و شرعا».

و أوضح ذلك في الرياض، فقال: «و استحبابه- أي قبوله- عيني، فلا ينافي ما قدمناه من أنه واجب كفائي».

و فيه أن التنافي بينهما ظاهر، ضرورة تبعية القبول و التعرض و نحوهما مما هو مقدمة لفعل القضاء، فمع فرض كون وجوبه كفائيا تكون مقدمته كذلك.

نعم قد يقال: إنه لو فرض تلبس من تقوم به الكفاية من الناس بها أمكن القول بسقوطها حينئذ عن الباقين، و لا يكفي في السقوط نفس وجود الغير من دون تلبس، كما في غير المقام من الكفائي، و حينئذ يمكن الكلام في الدليل على الاستحباب، إذ لا دليل على رجحان تحصيل منصب القضاء لنفسه، و إنما رجحانه إن كان فهو ليس إلا مقدمة للقضاء المفروض كونه واجبا كفائيا و لم يقم به أحد، فإن التلبس بمنصبه و الاستعداد له لا يقتضي فعله المتوقف عليه السقوط عن الباقين. و من هنا لو وقع ممن تأخر عن الأولين في التلبس بمنصبه كان أداء واجب.

بل قد يقال لذلك: إن الواجب الكفائي لا يسقط وجوب مقدمته بالتلبس بها عن الباقين، بل هي باقية على الوجوب، و إن زاد من تلبس بها على قدر الكفاية، ضرورة بقاء الخطاب بذيها، لعدم الدليل على سقوطه بالتلبس بمقدماته، بل ظاهر الأدلة خلافه.

و من ذلك ظهر لك أنه لا مناص عن القول باختصاص منصب القضاء من حيث إنه كذلك بالإمام (عليه السلام) و خطاب وجوبه

40

متوجه إليه خاصة، و أما غيره فيستحب له توليه منه لما فيه من الفوائد.

و ربما يجب ذلك إذا كان مقدمة للأمر بالمعروف الذي هو واجب كفائي، لا من حيث كونه قضاء الذي قد عرفت اختصاص خطاب وجوبه بالإمام (عليه السلام) نعم قد يجب كفاية أو عينا أيضا من حيث أمر الإمام (عليه السلام) به.

و بذلك حينئذ يظهر الوجه في الاستحباب المزبور مع قولهم بوجوب القضاء كفاية، فتأمل جيدا فإنه دقيق جدا، ضرورة تعدد موضوع الاستحباب و الوجوب، بل ظاهر المتن أنه مستحب ذاتي و ربما عرض له الوجوب، و حينئذ يكون كفائيا، و لعل مراده ما ذكرناه، و الله العالم.

و إذا علم الامام (عليه السلام) أن بلدا خال من قاض مع الحاجة إليه لزمه نصب قاض فيه ب أن يبعث له أو يأمر أحدا قابلا له من أهله به، لأنه من السياسة اللازمة له و يأثم أهل البلد بالاتفاق على منعه لما فيه من مخالفة الإمام (عليه السلام) و منع قيام كلمة الحق و اختلال النظام، بل يحل قتالهم طلبا للإجابة كما في كل مخالف للإمام (عليه السلام) في سياسة الرعية.

و لو وجد من هو بالشرائط فامتنع عن قبول القضاء لم يجبر مع وجود مثله لعدم توقف السياسة حينئذ عليه، و لو امتنعوا أجمع فسقوا و خرجوا عن قابلية منصب القضاء و إن كان لا يسقط الوجوب عنهم بذلك، للقدرة على التوبة.

و لو ألزم الإمام (عليه السلام) أحدهم قال في الخلاف:

لم يكن له الامتناع، لأن ما يلزم به الامام واجب و رده المصنف بأنا نحن نمنع الإلزام به مع عدم تعيينه إذ الإمام (عليه السلام) لا يلزم بما ليس لازما.

41

و فيه كما في المسالك و غيرها أنه قد يلزم به لمصلحة من المصالح، و يدفع بانحصار الأمر فيه حينئذ مع عدم حصولها في غيره.

اللهم إلا أن يقال: إنها تكفي في أمر الإمام (عليه السلام) بخصوصه له لا من حيث اقتضائها الوجوب عليه، بل له إلزامه به اقتراحا بناء على ما عرفت من أن القضاء لا خطاب به لأحد غير الامام (عليه السلام) و أن وجوبه على غيره إنما هو من جهة أمره الذي قد يكون تعيينا و قد يكون كفائيا نحو أمر السادة للعبيد بعد أن كان أمر السياسة الدينية إليه و الأمر بطاعته.

أما إذا لم يكن من هذه الحيثية و نحوها فالظاهر كما ذكر المصنف أنه لا يلزم بما ليس لازما عند الله في أفراد الواجب المخير و الموسع و الكفائي إذ أمره أمر الله تعالى شأنه، و في الدعائم (1) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: «ولاية أهل العدل الذين أمر الله بولايتهم و توليتهم و قبولها و العمل لهم فرض من الله و طاعتهم واجبة، و لا يحل لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلف عن أمرهم»

إلى آخره، هذا كله مع وجود غيره.

أما لو لم يوجد غيره تعين هو للانحصار و حينئذ فإذا أمره الإمام (عليه السلام) لزمه الإجابة و ليس له الامتناع، فان امتنع فسق و خرج عن أهلية القضاء لذلك و إن كان لا يسقط الوجوب عنه لقدرته على تحصيل الشرط بالتوبة.

بل لو لم يعلم به الامام (عليه السلام) وجب أن يعرف نفسه لأن فعل القضاء من باب الأمر بالمعروف غالبا فيجب تحصيل مقدمته، و لا ينافي ذلك ما قدمناه من كون منصب القضاء للإمام (ع)

____________

(1) المستدرك الباب- 1- من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

42

و لو تعدد القابلون له و لم يعلم بهم الإمام فأعلمه أحدهم على وجه قام به سقط عن الباقين، بل في استحبابه لهم إشكال.

بل في استحباب الابتداء بذلك تعرضا للولاية عند الحاجة ذلك أيضا، بل

عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال لعبد الرحمن بن بكرة (1): «لا تسأل الامارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، و إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها».

نعم لا يبعد رجحان طلب ذلك إذا وثق من نفسه و كان قصده إقامة كلمة الحق، كما عرفته سابقا و لو ببذل مال لجائر أو عادل لبيت المال إن قلنا بجوازه على ابتداء التولية أو استدامتها، بل ربما وجب، إذ احتمال أنه رشوة أو كالرشوة لا وجه له، و إن حكى عن بعض ذلك.

لكن لا يخفى عليك ما فيه، خصوصا بعد الإحاطة بما تقدم في مكاسب الكتاب (2) بل لا بأس ببذل المال على عزل من هو ليس أهلا للقضاء.

و مما ذكرنا ظهر لك الحال في جميع صور المقام و إن أطنب بها في المسالك حتى قول المصنف و هل يجوز أن يبذل مالا ليلي القضاء؟

قيل: لا لأنه كالرشوة و الله العالم.

[المسألة الثالثة إذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة فيهما فان قلد الأفضل جاز]

المسألة الثالثة:

إذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة في القاضي فيهما فان قلد الامام الأفضل منصب القضاء جاز قطعا و إن كان المفضول أورع، لأن ما عند الأفضل من العدالة يكفي في منعه من التهجم على المحارم و يبقى فضله خاليا عن المعارض،

____________

(1) سنن البيهقي ج 10 ص 100 عن عبد الرحمن بن سمرة.

(2) راجع ج 22 ص 145- 149.

43

نعم مع تساويهما في العلم يقدم الأعدل، لكونه أرجح حينئذ، فيكون الحاصل حينئذ ترجيح أعلم الورعين و أورع العالمين، لقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح.

و على كل حال ف هل يجوز العدول إلى المفضول مع وجود الأفضل؟ فيه تردد من الاشتراك في الأهلية، و لما هو المعلوم من إفتاء الصحابة مع اختلافهم في الفضيلة و عدم النكير عليهم، فيكون ذلك إجماعا منهم، و لما في تكليف العامي بذلك من العسر و الحرج، لعدم تأهله لمعرفة الأفضل من غيره.

و من أن الظن بقول الأعلم أقوى فيجب أتباعه، إذ أقوال المفتين بالنسبة إلى المقلد كالأدلة بالنسبة إلى المجتهد في وجوب اتباع الراجح، و لخبر عمر بن حنظلة (1) و غيره المتقدمة سابقا المنجبر اسنادها بالتعاضد و تلقي الأصحاب لها بالقبول.

و فعل الصحابة بعد إعراضهم عن الامام (عليه السلام) ليس حجة عندنا. و تعرف الأفضل ممكن بشهادة أهل الخبرة كتعرف أصل الأهلية.

و لكن مع ذلك كله ف الوجه عند المصنف الجواز، لأن خلله إن كان ينجبر بنظر الامام (عليه السلام) الذي نصبه. و فيه أنه إنما يتم مع قربه منه و اطلاعه على أحكامه لا مع بعده عنه على وجه لا يعلم شيئا من وقائعه، و فرض المسألة أعم من الأول، على أن أصل فرضها فيما ذكر خال عن الثمرة، ضرورة كونه أعلم بما يفعل مع حضوره.

إنما الكلام في نواب الغيبة بالنسبة إلى المرافعة إلى المفضول منهم و تقليده مع العلم بالخلاف و عدمه، و الظاهر الجواز، لإطلاق أدلة

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

44

النصب المقتضى حجية الجميع على جميع الناس، و للسيرة المستمرة في الإفتاء و الاستفتاء منهم مع تفاوتهم في الفضيلة.

و دعوى الرجحان بظن الأفضل يدفعها- مع إمكان منعها في كثير من الأفراد المنجبر نظر المفضول فيها في زمانه بالموافقة للأفضل في الأزمنة السابقة و بغيرها- أنه لا دليل عقلا و نقلا في وجوب العمل بهذا الرجحان في خصوص المسألة، إذ لعل الرجحان في أصل شرعية الرجوع إلى المفضول و إن كان الظن في خصوص المسألة بفتوى الفاضل أقوى نحو شهادة العدلين.

و مع فرض عدم المانع عقلا فإطلاق أدلة النصب بحاله، و نفوذ حكمه في خصوص الواقعة يستلزم حجية ظنه في كليها، و أنه من الحق و القسط و العدل و ما أنزل الله، فيجوز الرجوع إليه تقليدا أيضا، و النصوص (1) السابقة إنما هي في المتنازعين في حق و قد حكما في أمرهما رجلين دفعة فحكم كل واحد منهما لكل واحد منهما، و لا وجه للتخيير هنا، كما في أصل المرافعة و التقليد، ضرورة تحقق فصل الدعوى بقول أحدهما، لاتفاق النصوص (2) على ذلك، و أنه لا يبطل حكم كل منهما بحكم الآخر، فليس حينئذ إلا الترجيح للحكم في كلي الواقعة بالمرجحات التي ذكرها الامام (عليه السلام) و قال: إنه مع فرض فقدها أجمع يقف حتى يلقى الامام، و هذا غير أصل التخيير في الترافع و التقليد المستفاد من إطلاق أدلة النصب المعتضد بالعمل في جميع الأعصار و الأمصار.

بل لعل أصل تأهل المفضول و كونه منصوبا يجري على قبضه و ولايته مجرى قبض الأفضل من القطعيات التي لا ينبغي الوسوسة فيها، خصوصا بعد ملاحظة نصوص (3) النصب الظاهرة في نصب الجميع الموصوفين

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب صفات القاضي.

(2) الوسائل الباب- 11- من أبواب صفات القاضي.

(3) الوسائل الباب- 1- من أبواب صفات القاضي الحديث 5 و الباب- 11- منها الحديث 1 و 6.

45

بالوصف المزبور لا الأفضل منهم و إلا لوجب القول «انظروا إلى الأفضل منكم» لا «رجل منكم» كما هو واضح بأدنى تأمل، و خصوصا بعد إطلاق ما حكوه من الإجماع على قاضي التحكيم، بل لعل التأمل في نحو المقبولة (1) من النصوص يقضي بجواز المرافعة إلى المفضول قبل تحقق الخلاف فيه.

و من ذلك يعلم أن نصوص الترجيح (2) أجنبية عما نحن فيه من المرافعة ابتداء أو التقليد كذلك مع العلم بالخلاف و عدمه. و من الغريب اعتماد الأصحاب عليها في إثبات هذا المطلب، حتى أن بعضا منهم جعل مقتضاها ذلك مع العلم بالخلاف الذي عن جماعة من الأصوليين دعوى الإجماع على تقديمه حينئذ لا مطلقا فجنح إلى التفصيل في المسألة بذلك.

و أغرب من ذلك الاستناد إلى الإجماع المحكي عن المرتضى في ظاهر الذريعة و المحقق الثاني في صريح حواشي الجهاد من الشرائع على وجوب الترافع ابتداء إلى الأفضل و تقليده، بل ربما ظهر من بعضهم أن المفضول لا ولاية له أصلا مع وجود الأفضل، ضرورة عدم إجماع نافع في أمثال هذه المسائل، بل لعله بالعكس، فإن الأئمة (عليهم السلام) مع وجودهم كانوا يأمرون الناس بالرجوع إلى أصحابهم من زرارة و محمد بن مسلم و أبي بصير و غيرهم، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يولي القضاء بعض أصحابه مع حضور أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أقضاهم، قال في الدروس: «لو حضر الإمام في بقعة و تحوكم إليه فله رد الحكم إلى غيره إجماعا».

على أنه لم نتحقق الإجماع عن المحقق الثاني، و إجماع المرتضى مبنى على مسألة تقليد المفضول الإمامة العظمى مع وجود الأفضل، و هو غير

____________

(1) الوسائل الباب- 9- من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 9- من أبواب صفات القاضي.

46

ما نحن فيه، ضرورة ابتنائها على قبح ترجيح المرجوح على الراجح، فلا نصب من الله تعالى شأنه لها مع وجود الأفضل، و لا مدخلية لهذه المسألة فيما نحن فيه قطعا، و ظني و الله أعلم اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك.

و لا يخفى عليك أنه لا مدخلية للتوسعة فيما نحن فيه منهم (عليهم السلام) في جواز الرجوع إلى رواة أحاديثهم و فقهاء شرعهم و إن تفاوتوا في تلك المسألة بوجه من الوجوه، كما هو واضح بأدنى تأمل، خصوصا بعد أن كان لا مانع عقلا و النقل يقتضيه، فيجوز حينئذ نصبه و الترافع إليه و تقليده مع العلم بالخلاف و عدمه.

نعم لو فرض أن المتخاصمين قد حكموا رجلين فصاعدا في أمرهم فاختلف الحكم الصادر منهم في ذلك رجح بالمرجحات المذكورة، و دعوى اقتضاء ذلك الترجيح في أصل المرافعة و في التقليد ابتداء مع العلم بالخلاف أو مطلقا ممنوعة كل المنع، و الله العالم.

ثم إنه بناء على تقدم الأفضل فهل هو من حكم المانع أو الشرط؟

وجهان، لا يخفى عليك الثمرة بينهما، كما أنه لا يخفى عليك ظهور النص (1) في مضي حكم المفضول مع الترافع إليه خاصة و إن علم بعد حكم الفاضل بخلافه سيما إذا لم يعلم بكونه أفضل إلا بعد ذلك.

و الظاهر أن المدار على الفضيلة في الفقه و لو باعتبار الفضيلة في المقدمات على وجه يعد كونه أفقه، أما ما لا مدخلية له فيه فلا عبرة به.

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

47

[المسألة الرابعة إذا أذن الامام (عليه السلام) له في الاستخلاف]

المسألة الرابعة:

إذا أذن الامام (عليه السلام) له في الاستخلاف مطلقا أو على وجه خاص عنه نفسه أو عن الامام جاز، و لو منع عنه لم يجز و إن صعب عليه القيام بما فوضه إليه لسعته بلا خلاف في شيء من ذلك، بل و لا إشكال، لأن الحكومة حق له، فهو مسلط عليها تسلط المالك على ملكه من غير فرق بين الاحتياج لذلك لسعة الولاية أو لا، كما لو أذن للوكيل في التوكيل أو نهاه.

و مع إطلاق التولية نظر إن كان هناك أمارة تدل على الاذن في ذلك مثل سعة الولاية التي لا تضبطها اليد الواحدة جاز الاستنابة لشهادة الحال بالاذن فيها، و هل يستخلف حينئذ في القدر الزائد على ما يمكنه القيام به أو في الكل؟ وجهان تقدما في توكيل الوكيل.

و إلا تكن هناك أمارة فلا يجوز الاستنابة استنادا إلى أن القضاء موقوف على الاذن و الفرض حصولها له دون غيره على نحو ما سمعته في الوكيل بخلاف الأول الذي قد عرفت شهادة الحال بالاذن، لكن هل هي في النيابة عنه أو عن الامام (عليه السلام)؟ كما سمعته في التوكيل و إن كان الأقوى الأول، اللهم إلا أن يقال: فرق بين المقام و بين الوكيل بتحقق الولاية فيه نحو الوصاية، بل و أقوى، بل هو ظاهر نصب الغيبة المساوي في الكيفية لنصب الحضور، و حينئذ يكون التوكيل مع الإطلاق.

لكن في المسالك- بعد أن احتمله مستدلا له بأنه ناظر في المصالح

48

العامة فيمكن من الاستنابة كالإمام، و لأنه قد وثق بنظره الذي من جملته الاستنابة- قال: «و يضعف الأول بأنه قياس مع وجود الفارق، و إنما رضي بنظره في القضاء بنفسه لا مطلقا».

و فيه أن الدليل ما عرفت إلا أن يمنع اقتضاء النصب للقضاء في زمن الحضور أزيد من معنى التوكيل بخلاف النصب في زمن الغيبة، فإنه إحداث ولاية كما هو مقتضى جعله حجة عليهم، كما أنه حجة الله.

و حينئذ يتجه التفصيل في النصب بين أن يكون على معنى التوكيل فليس له الاستنابة إلا بالاذن، و بين أن يكون على معنى الولاية، فيجوز كما في نصب الغيبة.

و دعوى عدم جواز النصب بالمعنى الثاني- لمنافاته كون الحكومة من الله للإمام (عليه السلام) ضرورة عدم صلاحيته للغير ولاية لا نيابة، و إنما جاز التوكيل في زمن الغيبة لظهور الأدلة في معنى الوكالة المطلقة- يدفعها أن ذلك هو المراد بالولاية، فلا منافاة بين كون الحكومة له و بين توليته غيره على حسب ولاية الأب و الجد اللذين جاز لهما إثباتها لغيرهما بالوصاية.

فلا ريب في أن التحقيق أن النصب للقضاء يقع على الوجهين المزبورين و إن كانا هما معا بمعنى الاستنابة، إلا أنها بالمعنى الثاني استنابة خاصة هي للولاية أقرب منها للوكالة في مثل نصب الغيبة، كما هو واضح بأدنى تأمل.

و لا يخفى عليك ما يتفرع على ذلك و لا ما يتفرع على الاستنابة عنه أو عن الامام (عليه السلام) التي قد مر كثير منها في وكيل الوكيل.

و على كل حال فحيث يجوز الاستخلاف للقضاء فلا ريب في أنه يعتبر فيه ما يعتبر في المنصوب الأصيل، ضرورة كونهما منصوبين له، فلا بد من كونه مجتهدا بناء على اعتباره في القضاء.

49

نعم في المسالك «إلا أن يفوض إليه أمرا خاصا لا يتوقف على الاجتهاد كسماع البينة و نقلها إليه، و في التحليف بعد أن سمع الحاكم البينة دون الحكم، فيكفيه العلم بشرائط ذلك- قال-: و من هنا يظهر أن المجتهد في حال الغيبة لا يمكنه تولية أحد الحكم بين الناس مطلقا، لأن النائب إن كان مجتهدا كان أصلا كالمستنيب، و إن كان المستنيب أعلم و قلنا بترجيحه حيث لا يشترط الأفضلية أو حذر الوصول إلى الأفضل و إن كان مقلدا لم ينفذ حكمه مطلقا، و إنما يتصور ذلك في القاضي المنصوب من قبل الامام (عليه السلام) إذا استناب مجتهدا غير منصوب».

قلت: قد يقال: إن لم يكن إجماع لا مانع من التوكيل في إنشاء صيغة الحكم من قول: «حكمت» و نحوه، نحو إنشاء صيغة الطلاق الذي هو بيد من أخذ بالساق، فان عمومات الوكالة سواء في تناولهما، بل لعل شمولها لنحو ذلك أولى من شمولها لسماع البينة و للتحليف و نحوهما، اللهم إلا أن يراد عدم قبول الحكم الذي هو بمعنى الفصل للتوكيل، و هو مصادرة.

كما أنه قد يقال- إن لم يكن إجماع- بجواز تولية الحكم للمقلد على أن يحكم بفتوى مقلده مثلا، لما عرفته سابقا من العمومات السالمة عن المعارض، و اختصاص النصب في زمن الغيبة بالمجتهد بناء على ظهور دليله في ذلك لا يقتضي عدم جواز تولية هذا المنصوب على الإطلاق و أنه الحجة من الامام (عليه السلام) على الناس كما أن الامام حجة الله عليهم، بل قد عرفت كونه وليا.

بل لعل ظاهر الدليل أن حجيته على حسب حجيته، فله حينئذ استنابته و له تولية الحكم بفتاواه التي هي عدل و قسط و حكم بما أنزل الله تعالى، كما أشرنا إليه سابقا، و لعله لذا حكي عن الفاضل القمي جواز

50

توكيل الحاكم مقلده على الحكم بين الناس بفتاواه على وجه يجري عليه حكم المجتهد المطلق، و هو قوي إن لم يكن إجماع، كما لهجت به ألسنة المعاصرين و ألسنة بعض من تقدمهم من المصنفين إلا أن الانصاف عدم تحققه، نعم قد يقال: إن المسلم من اختصاص النصب في زمن الغيبة للمجتهد ل

قوله (عليه السلام): «عرف قضاءنا و نظر في حلالنا و حرامنا» (1)

و هو لا ينافي المفروض، كما عرفت.

ثم إنه قد يتصور أيضا في زمن الغيبة على تقدير الشرط المزبور بتولية المفضول بناء على اختصاص النصب بالأفضل و أنه لا حكم له معه، و إن كان قد عرفت ضعف القول به بما لا مزيد عليه، بل قد يمنع تصوره عليه أيضا، لعدم حكم له مع الأفضل، و حينئذ لا يكون للاستخلاف موضوع في زمن الغيبة بناء على الشرط المزبور.

لكن قد يستفاد من مفروغية مشروعيته في الجملة و لو في زمن الحضور جواز نصب نائب الغيبة قيما على نحو الوقف و الأطفال على معنى إحداث ولاية لهم على ذلك، كما صرح به غير واحد، ضرورة كونه من توابع الاستخلاف في القضاء المفروض جوازه في الحضور، فيجوز ذلك لنائب الغيبة، لظهور ما دل على ولايته في الأعم من ذلك.

بل قيل بعدم انعزال من ينصبه قيما للأطفال مثلا بموته، بل ليس له عزله و إن كان لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة كونهم فروعه الذين ينعزلون بانعزاله بموت و نحوه، إذ هو ليس أزيد من الامام (عليه السلام) الذي ينعزل نوابه بموته، نعم لو قلنا بجواز تولية ذلك من قبل الامام (عليه السلام) أمكن حينئذ عدم انعزالهم بموته، لكونهم من فروع

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب صفات القاضي- الحديث 1 و فيه

«نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا»

51

الإمام حينئذ، لكن جواز ذلك لا يخلو من نظر، للشك في أصل ثبوت الولاية لهم على الوجه المزبور، و على تقديره فالمتجه جواز عزله له، إذ كما أن له ولاية على النصب له ولاية على العزل، لإطلاق الدليل، إلا أن الانصاف الشك في ذلك، و الأصل العدم.

و كذا الشك في استفادة الولاية لكل حاكم على عزل نائب الآخر، بل لعل المستفاد عدم ولاية لأحدهم على ما دخل في ولاية الآخر، و لا أقل من الشك، و الأصل العدم، و الله العالم.

[المسألة الخامسة إذا ولي من لا يتعين عليه القضاء فإن كان له كفاية من ماله فالأفضل أن لا يطلب الرزق من بيت المال]

المسألة الخامسة:

إذا ولي من لا يتعين عليه القضاء لوجود غيره فان كان له كفاية من ماله فالأفضل أن لا يطلب الرزق من بيت المال توفيرا لغيره من المصالح و لو طلب جاز، لأنه من المصالح المعد لها التي من جملتها القضاء الذي فيه قيام نظام النوع و المعروف، لكن قد يشكل ذلك بأنه يؤدي واجبا و إن لم يكن متعينا عليه، فلا يجوز أخذ العوض عنه. بل لو قلنا بكون القضاء من العبادات كما عساه يظهر من بعضهم أشكل أخذ العوض عليه مطلقا أيضا، لما فيه من الجمع بين العوض و المعوض عنه.

كل ذلك مضافا إلى إمكان دعوى اختصاص بيت المال المجتمع من نحو الزكاة و الصدقات و غيرهما بذوي الحاجات لا الأغنياء.

و كذا إن تعين عليه القضاء بتعيين الامام (عليه السلام) و لعدم وجود غيره و لم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق من بيت المال، لمكان حاجته حينئذ و اشتغاله بأمر متعين عليه فيه قيام نظام النوع.

52

و أما إن كان له كفاية قيل بل في المسالك أنه الأشهر لا يجوز له أخذ الرزق، لأنه يؤدي فرضا فلا يجوز له أخذ العوض عنه كغيره من الواجبات.

و الثاني الجواز، لعدم خروجه بالوجوب عن كونه من المصالح التي يؤخذ الرزق عليها و إن وجبت كالجهاد، فيكون الارتزاق من بيت المال مسببا للقيام بمصلحة من مصالح المسلمين، سواء كانت واجبة أم لا، و سواء كان القائم محتاجا إليه أم لا.

و لكن الانصاف عدم خلو ذلك عن الاشكال، لعدم الدليل، و إنما المسلم الارتزاق مع الحاجة إليه و لو بسبب القيام بالمصلحة المانع له من التكسب، سواء تعين عليه ذلك أو لا، و ليس هو في الحقيقة عوض معاملي، بل لأن بيت المال معد للمحاويج سيما القائمين بمصالح المسلمين الذين يمنعهم القيام بذلك عن التكسب للمعاش، و في الدعائم (1) عن علي (عليه السلام) أنه قال: «لا بد من إمارة و رزق للأمير، و لا بد من عريف و رزق للعريف، و لا بد من حاسب و رزق للحاسب، و لا بد من قاض و رزق للقاضي،

و كره أن يكون رزق القاضي على الناس الذين يقضي لهم، و لكن من بيت المال»

و هو و إن كان مطلقا و لكن لا جابر له على إطلاقه، هذا كله في الارتزاق.

أما لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و قد ذكرنا التحقيق فيه في المكاسب (2) و أنه لا يجوز مطلقا، و لكن قال المصنف هنا و الوجه التفصيل بين من لم يتعين عليه و كان مضطرا إليه

____________

(1) ذكر صدره في المستدرك- الباب- 28- من أبواب كيفية الحكم- الحديث 3 و ذيله في الباب- 8- من أبواب آداب القاضي- الحديث 2.

(2) راجع ج 22 ص 122- 124.

53

و بين غيره، فيجوز في الأول دون الثاني و إن كان الأولى الامتناع أيضا.

و إلى ذلك أشار بقوله فمع عدم التعيين و حصول الضرورة قيل:

يجوز، و الأولى المنع و إن كانت عبارته قاصرة التأدية، و لعل الوجه في ذلك اقتضاء عدم الجواز تعطيل الوظيفة الدينية أو تحمل الضرر و الحرج المنفيين عقلا و شرعا، بل ربما كان من تكليف ما لا يطاق في بعض أفراده.

و فيه أن ذلك إن تم اقتضى جوازه حتى مع التعين، لأن وجوبه لا يدفع الضرر الناشئ من ترك السعي على ضرورة الرزق و الصبر على الجوع و الجهد، بل قد يناقش في أصل ذلك بأن القضاء إن كان مما يقبل العوض بإجارة أو جعالة جاز و إن لم يكن محتاجا إلى ذلك، و إلا لم يجز و إن كان محتاجا، ضرورة عدم اقتضاء الحاجة انقلاب الموضوع، و قد تقدم التحقيق في المكاسب (1).

هذا و في المسالك «ثم على تقدير جوازه بوجه ففي جواز تخصيص أحدهما به أو جعله على المدعى أو التشريك بينهما أوجه، من الشك في أنها تبع للعمل أو للمنفعة الحاصلة، فعلى الأول هو عليهما و على الثاني يجب على المحكوم له أو على المدعي».

و فيه أن هذه الوجوه لا تأتي بعد فرض كون دفع الجعل عنه معاملة، ضرورة تبعيتها لمن وقعت معه، نعم لو قلنا بوجوب دفع ذلك عوضا عنه شرعا أمكن جريان هذه الاحتمالات، هذا كله في القاضي.

أما الشاهد فلا يجوز له أخذ الأجرة على أدائها لا لتعين الإقامة عليه مع التمكن بل للوجوب عليه و إن كان كفائيا، و من هنا أطلق الأصحاب على ما اعترف به في المسالك عدم جواز أخذها له

____________

(1) راجع ج 22 ص 122- 124.

54

معه كما اعترف به في المسالك، نعم لو احتاج السعي لها إلى معونة في سفر جاز له أخذها، لأن الواجب الإقامة كما دلت عليه الآية (1) لا السعي لها مع أنه استشكله في المسالك أيضا بأن السعي حينئذ مقدمة الواجب المطلق فيكون أيضا واجبا كأصله، و لكن قد يدفع بظهور الأدلة في وجوبه بدنا لا مالا، أما التحمل فمع عدم تعينه عليه قد يقال بجواز الأخذ عليه، لكن الأولى تركه، و قد تقدم في المكاسب (2) ما يستفاد منه تحقيق الحال فيه.

و كيف كان فلا إشكال في أنه يجوز للمؤذن و القاسم و كاتب القاضي و المترجم له و صاحب الديوان أي الكتاب الذي يجمع فيه أسماء الجند و القضاة و المدرسين و غيرهم من المرتزقة و الكتبة و نحوهما و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال المعد للمصالح التي هذه منها، بل أهمها و إن لم يجز بعضهم أخذ الأجرة كما تقدم في المكاسب (3) إذ الارتزاق ليس أجرة و إن كان هو عوض.

و كذا من يكيل للناس و يزن و من يعلم الآداب و السنن (4) و غيرهم ممن يقوم بمصالح المسلمين، نعم قد عرفت احتمال اشتراط ذلك بالحاجة و اشتغالهم بهذه المصالح عن التكسب للمعاش، و لا ريب في أولوية التعفف مع الاستغناء، و الله العالم.

____________

(1) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(2) راجع ج 22 ص 124.

(3) راجع ج 22 ص 123- 124.

(4) و في الشرائع: «و من يعلم القرآن و الآداب».

55

[المسألة السادسة تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة]

المسألة السادسة:

تثبت ولاية القاضي ب ما يثبت به غيرها من سماع إنشائها و الإقرار به أو البينة على ذلك أو الاستفاضة التي تسمى بالشياع الذي يحصل غالبا منه سكون النفس و اطمئنانها بمضمونه، خصوصا قبل حصول مقتضى الشك، بل لعل ذلك هو المراد بالعلم في الشرع موضوعا أو حكما، و حينئذ فلا ريب في الاكتفاء به قبل حصول مقتضى الشك، أما معه فقد يشك فيه لكن في غير الولايات التي جرت السيرة بالاكتفاء بها بمثل ذلك.

و كذا غيرها أيضا مما جرت السيرة في أنه يثبت بالاستفاضة من النسب و لو من طرف الأم على الأصح و الملك المطلق و الموت و النكاح و الوقف و العتق و الرق و نحوها، لا لبعض ما ذكره غير واحد من الاعتبارات كعسر إقامة البينة عليها و نحوه مما لا يصلح أن يكون مدركا لحكم شرعي، بل للسيرة فيما قامت عليه منها مؤيدة بما قيل من أن المراد بظاهر الحكم في مرسل يونس (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الاستفاضة، قال فيه: «سألته عن البينة إذا أقيمت على الحق أ يحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ قال: فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و الذبائح و الشهادات و المواريث، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» و في

____________

(1) الوسائل الباب- 22- من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

56

الفقيه (1) «الأنساب» مكان «المواريث» كما أن فيما حضرني من بعض نسخ التهذيب (2) «الحال» بدل «الحكم»

بل هو الذي رواه عنه في الوافي و الوسائل، و لعله بناء على أن المراد بظاهر الحكم هو ما ظهر بين الناس من الحكم، بمعنى نسبة المحمول إلى الموضوع في الأمور المذكورة، إذ هو معنى الشياع و الاستفاضة المذكوران، بل هما ظاهر الحال أيضا.

كما أن المراد من الاكتفاء به في الشهادات أنه تجوز الشهادة بما يحصل منه بمعنى، كما يقول: «دار زيد وقف و عمرو بن خالد» و نحو ذلك مما هو متعارف بين الناس من الحكم في ذلك إذا كان شائعا كما يومئ إليه الصحيح الآتي، أو أن المراد متعلق الشهادة من عدالة أو جرح. و على كل حال فلا ريب في أنه مؤيد لما عرفت.

و في صحيح حريز (3) قال: «كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله (عليه السلام) دنانير و أراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن، فقال إسماعيل: يا أبه إن فلانا يريد الخروج إلى اليمن و عندي كذا و كذا دينارا أ فترى أن أدفعها يبتاع لي بها بضاعة من اليمن: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا بني أما بلغك أنه يشرب الخمر؟ فقال إسماعيل:

هكذا يقول الناس، فقال: يا بني لا تفعل، فعصى أباه و دفع إليه دنانيره، فاستهلكها و لم يأت بشيء منها، فخرج إسماعيل و قضى أن أبا عبد الله (عليه السلام) حج و حج إسماعيل تلك السنة فجعل يطوف البيت و هو يقول: اللهم أجرني و اخلف علي، فلحقه أبو عبد الله (ع)

____________

(1) راجع الفقيه ج 3 ص 9- الدقم 29.

(2) راجع التهذيب ج 6 ص 288- الرقم 798.

(3) الوسائل الباب- 6- من كتاب الوديعة- الحديث 1.