جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج41

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
672 /
7

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[كتاب الشهادات]

كتاب الشهادات المستفيض في الكتاب (1) و السنة (2) ذكرها و ذكر أحكامها:

جمع شهادة، و هي لغة: الحضور، و منه قوله تعالى (3) «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ» أو العلم الذي عبر بعضهم عنه بالاخبار عن اليقين، و شرعا إخبار جازم عن حق لازم للغير واقع من غير حاكم، و قد تقدم لنا في كتاب القضاء (4) كلام في ذلك و أن المرجع فيها العرف الذي يصلح فارقا بينها و بين غيرها من الأخبار، و يأتي إن شاء الله.

نعم في المسالك و غيرها «أن بالقيد الأخير يخرج إخبار الله و رسوله (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و إخبار الحاكم حاكما آخر، فان ذلك لا يسمى شهادة».

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 282 و سورة النساء: 4- الآية 6 و 15 و سورة النور: 24- الآية 4 و 6 و 13 و سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- و غيره من كتاب الشهادات.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 185.

(4) راجع ج 40 ص 107.

8

و فيه منع عدم تسمية الأخير شهادة، و لو قيل بخروج إخباره بالحق حال إرادة إنشاء الحكم به لكان أولى، ضرورة عدم تسمية مثله شهادة عرفا، من غير فرق بين الحاكم و غيره، اللهم إلا أن يقال: إن ذلك من نحو إخباره بالأحكام الشرعية، فإنها ليس شهادة قطعا، و الأمر سهل بعد معلومية كون مرجع هذا التعريف إلى تحقيق المعنى العرفي للشهادة.

و من هنا كان الأصوب إيكال ذلك إلى العرف، للقطع بعدم معنى شرعي مخصوص لها، و الغالب في المعاني العرفية عدم إمكان ذكر حد تام لها شامل لجميع أفرادها، و لذا أطنب القمي في قوانينه بعد أن ذكر التعريف المزبور عن أول الشهيدين في قواعده، و ذكر عنه الإشكال في بعض الأفراد أنها شهادة أو رواية، كرؤية الهلال و المترجم و المقوم و القاسم و المخبر عن طهارة الثوب و القبلة و الوقت بعد أن جعل موضوع الشهادة الأمر المخصوص و موضوع الرواية الأمر العام، و أطال في النقض عليه و تحرير كلامه، و لكنه لم يأت بالمميز العام بينهما، حتى ارتكب تأصيل أصل غير أصل للأحكام المترتبة عليها من اعتبار التعدد و نحوه.

و الأولى ما ذكرناه من إيكال الفرق بينهما إلى العرف، فكل ما عد فيه أنه من الشهادة اعتبر فيه التعدد و غيره من الأحكام الثابتة لها، و إلا كان من غيرها، و الظاهر وفاء العرف بذلك من غير مدخلية لاعتبار الحاكم و غيره من القيود المزبورة، و الله العالم.

و كيف كان ف النظر يقع في أطراف خمسة:

9

[الطرف الأول في صفات الشهود]

الأول في صفات الشهود و يشترط ستة أوصاف:

[الوصف الأول البلوغ]

الأول البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي غير المميز إجماعا بقسميه و لا غيره ما لم يصر مكلفا في غير الدماء.

و قيل: تقبل مطلقا إذا بلغ عشرا، و هو متروك بل اعترف غير واحد بعدم معرفة القائل به و إن نسب إلى الشيخ في النهاية، و لكنه وهم.

نعم يدل عليه- مضافا إلى إطلاق الشهادة كتابا (1) و سنة (2) و أولوية غير الدم منه-

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر طلحة ابن زيد (3) «شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم»

و خبر أبي أيوب الخراز (4) «سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلت: و يجوز أمره؟

فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) دخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره و جازت شهادته».

____________

(1) راجع التعليقة (1) من ص 7.

(2) الوسائل- الباب- 1- و غيره من كتاب الشهادات.

(3) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

10

و فيه أن الإطلاق بالتبادر و غيره مخصوص بالبالغ، و معارض بعموم كثير من النصوص الدالة على اعتبار أمور كثيرة في الشاهد منفية في الصبي قطعا كالعدالة و نحوها، و منع الأولوية المزبورة.

و الخبران- مع ضعف سنديهما و لا جابر- محتملان للحمل على الصورة الآتية، على أن الثاني منهما لم يسند إلى معصوم، بل لا يخفى عليك ما في متنه، فان حكم الرجل و المرأة لا يجب أن يكون واحدا في كل شيء، ألا ترى إلى الأمر الذي جعل جامعا؟ فان صاحب العشر سنين من الرجال لا يتأتى منه النكاح غالبا، و مع ذلك كله معارضان بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبار البلوغ في قبول شهادة الصبيان التي تحملوها حال الصغر (1) و على عدم قبول شهادتهم إلا في القتل (2) كما ستسمع، و لا ريب في رجحانها عليها من وجوه: منها سلب عباراته، حتى أنه لا يقبل إقراره على نفسه، و منها عدم الوثوق بقوله، لعلمه بعدم مؤاخذته على الكذب، و لعل حملهما على إرادة بيان إمكان جواز أمر الغلام بالعشر لاحتلام و نحوه أو في الجملة و لو من الدماء أولى.

و على كل حال ففي المسالك أنه نقل جماعة منهم الشيخ فخر الدين الاتفاق على عدم قبول شهادة من دون العشر حتى في الدم، و إنما الخلاف في من زاد عن ذلك و إن كنا لم نتحققه، بل في الكفاية أن الموجود في الإيضاح أن من لم يبلغ العشر لا تقبل شهادته في غير القصاص و القتل و الجراح إجماعا، و ظاهره عدم الإجماع على ذلك في القتل و الجراح، و ربما كان ظاهر جملة من العبارات التي جعل فيها العنوان الصبي، كما عن الخلاف و الإسكافي.

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من كتاب الشهادات.

(2) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات.

11

و كيف كان فقد اختلفت عبارات الأصحاب في قبول شهادتهم في الجراح و القتل تبعا لاختلاف النصوص فروى جميل في الحسن كالصحيح (1)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) تقبل شهادتهم في القتل و يؤخذ بأول كلامهم قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تجوز شهادة الصبيان، قال: نعم في القتل، يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثامنة»

و مثله

روى محمد بن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا بطريق فيه العبيدي عن يونس (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة الصبي، قال:

فقال: لا إلا في القتل يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني».

و قال الشيخ في النهاية: تقبل شهاداتهم في الجراح و القصاص و قال في الخلاف: تقبل شهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا إذا اجتمعوا على مباح بل اقتصر غير واحد كالمصنف في النافع و غيره على الجراح، بل هو معقد إجماع محكي الخلاف و الانتصار بل و الغنية، لكن زيد فيها الشجاج، كما زيد في محكي المقنعة و المراسم و الجامع، نعم عن النهاية كما سمعت و السرائر و الوسيلة الشجاج و القصاص، و يمكن اتحاد المراد في الجميع بدعوى إرادة ما يشمل القتل من الجراح و الشجاج و بالعكس، خصوصا بعد النظر إلى استدلال من عبر بالجراح بنصوص القتل (3) كما عن الانتصار و الغنية إلا أنه في التحرير و الدروس قد صرح باشتراط أن لا يبلغ الجراح النفس.

و لكن قد يشكل بأن النصوص في القتل كالخبرين السابقين و في ما كتبه

الرضا (عليه السلام) في العلل التي كتبها لمحمد بن سنان (4) في شهادة

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات.

(4) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 50.

12

النساء «لا تجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة، مثل شهادة القابلة و ما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه كضرورة تجوز شهادة أهل الكتاب إذا لم يكن غيرهم، و في كتاب الله عز و جل (1) «اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ- أي مسلمين- أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» كافرين، و مثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم».

و في خبر السكوني (2) عن الصادق (عليه السلام) أنه «رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ستة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنهما غرقاه، و شهد اثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فقضى بالدية ثلاثة أخماس على الاثنين و خمسين على الثلاثة»

و من هنا أشكله في المسالك بأن مراعاة النصوص تقتضي دخول القتل، و طرحها يقتضي إخراج الجراح أيضا.

بل من ذلك ينقدح النظر في مختار المصنف، فإنه قال و التهجم على الدماء بخبر الواحد خطر، فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح بناء على إرادة ما لا يشمل القتل من الجراح في كلامه بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر و بقاء الاجتماع إذا كان على مباح لغيرهم كالرمي و نحوه تمسكا بموضع الوفاق.

اللهم إلا أن يقال: إن مقصود المصنف طرح النصوص و الرجوع إلى الإجماع، و المتيقن منه الجراح بالشروط الثلاثة، إذ قد عرفت اختلاف الأصحاب في التعبير عن ذلك، و لعل ذلك أيضا الوجه في ما سمعته من التحرير و الدروس، ضرورة عدم انحصار الدليل في النصوص المزبورة، بل يمكن طرحها و الرجوع إلى إجماع الأصحاب، و المتيقن من جهة الاختلاف المزبور الجراح مع الشروط الثلاثة.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 106.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 1 من كتاب الديات.

13

نعم قد يناقش فيه بمنع كون ذلك هو المتيقن، بل لا بد مع ذلك من اعتبار أن لا يوجد غيرهم كما سمعته عن الرضا (عليه السلام) في ما كتبه لمحمد بن سنان (1) و اعتبار الأخذ بأول كلامهم الذي حكاه في كشف اللثام عن الشيخين في المقنعة و النهاية و المرتضى و سلار و بني حمزة و زهرة و إدريس و يحيى و المصنف في النافع، و جعله في التحرير و الدروس رواية، بل هو أولى من الاجتماع على المباح الذي قد اعترف غير واحد بعدم معرفة دليله بخلافه، فإنك قد عرفت اشتمال الخبرين المزبورين (2) عليه. و دعوى استفادته من فحوى العلة التي في البالغين كما ترى. بل و أولى من الشرطين الآخرين اللذين قد عرفت ضعف سند دليلهما.

بل قد يناقش أيضا باحتمال اختصاص الحكم المزبور في ما بينهم، كما هو مقتضى المحكي من عبارة الخلاف و خبر طلحة المتقدم (3) بل يمكن تنزيل إطلاق كثير من الأصحاب عليه، بل قد يؤيده في الجملة خبر السكوني (4) السابق المشتمل على الدية، بل بناء على فهم القيدية منه يدل على عدم قبول شهادتهم على غيرهم، فيتجه الجمع حينئذ بينه و بين الخبرين (5) المزبورين بالإطلاق و التقييد.

بل منه ينقدح حينئذ اختصاص قبول شهادتهم في الدية، لأن عمدهم خطأ، و هذا هو المناسب لعدم التهجم على الدماء بشهادتهم على وجه يقتص بها من البالغين في نفس أو طرف، كما أنه المناسب لشدة الأمر في الدماء و عدم إبطالها، فيختص حينئذ قبول شهادتهم في ما بينهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من كتاب الشهادات- الحديث 50.

(2) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب موجبات الضمان- الحديث 1 من كتاب الديات.

(5) الوسائل- الباب- 22- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

14

لإيجابها الدية و لو كان المشهود به القتل، و لعل ذلك هو الموافق للنصوص و غيرها، ضرورة أن رفع اليد من القتل و قصر الحكم على الجراح الذي لم يصل إلى حد القتل مع اشتمال الخبرين المعتبرين اللذين هما الأصل في هذا الحكم المفتي به عند الأصحاب عليه مما لا وجه له، على أن الجراح الذي يشهدون به قد يسري إلى النفس.

و دعوى بطلان شهادتهم حينئذ واضح البطلان، بل رفع اليد عن ذلك شبيه رفع اليد عن النصوص و الفتاوى، و القول بعدم قبول شهادة الصبيان في قتل أو جراح للأصول و العمومات المقتضية عدم قبول شهادة غير البالغ لفقد وصف العدالة و غيرها، كما يحكى عن فخر المحققين، و ربما مال إليه بعض الناس. لكن لا يخفى عليك ما فيه من إمكان دعوى منافاته للمقطوع به من النصوص و الفتاوى، بل نفى الخلاف غير واحد عن قبول شهادتهم في الجناية في الجملة كما حكى الإجماع على ذلك غير واحد أيضا، بل يمكن دعوى تحصيله.

و بذلك كله ظهر لك أن ما ذكرناه هو الأقوى و إن قل المصرح به لكن لا وحشة مع الحق و إن قل القائل به، على أنك قد عرفت اختصاص عبارة الشيخ الذي هو الأصل في إخراج الفروع من أصولها بجناية بعضهم على بعض، و أنه يمكن تنزيل إطلاق غيره عليه.

بل من ذلك ينقدح النظر في ما ذكره غير واحد من أن الوجه في الشرط الثالث الاقتصار على المتيقن في أمر الدماء، إذ قد عرفت أن الأمر راجع إلى مال و إن تعلق بالدماء، فيتجه حينئذ اعتبار ما اقتضته الأدلة المعتبرة دون غيره مما ينفيه إطلاقها، كما أنه بان لك النظر في كثير من الكلمات المسطورة في هذا المبحث.

و على كل حال فظاهر النصوص و الفتاوى اختصاص الحكم

15

في شهادة الصبيان دون الصبية الباقية على مقتضى الأصول و العمومات الدالة على عدم قبول شهادتها.

[الوصف الثاني كمال العقل]

الوصف الثاني: كمال العقل، فلا تقبل شهادة المجنون المطبق إجماعا بقسميه، بل ضرورة من المذهب أو الدين على وجه لا يحسن من الفقيه ذكر ما دل على ذلك من الكتاب و السنة.

أما من يناله الجنون أدوارا ف هو كالمطبق حال جنونه نعم لا بأس بشهادته في حال إفاقته لاندراجه في الأدلة حينئذ كتابا (1) و سنة (2) لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه و استكمال فطنته و إلا طرح شهادته بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بل و لا إشكال، بل صريح كشف اللثام اعتبار ذلك حال التحمل و الأداء، و فيه أن المعتبر الثاني، إذ العدالة و الضبط و التيقظ ترفع القدح فيه و إن كان قد تحملها في حال جنونه، مضافا إلى تناول إطلاق أدلة قبولها له.

و كذا من يعرض له السهو غالبا فربما سمع الشيء و أنسى بعضه فيكون ذلك مغيرا لفائدة اللفظ و ناقلا لمعناه كما شاهدناه في بعض الأولياء فحينئذ يجب الاستظهار عليه حتى يستثبت ما يشهد به على وجه يطمئن الحاكم بعدم غفلته في ما شهد به و لو لكون المشهود به مما لا يسهى فيه، بل عبارة المتن و القواعد و غيرهما صريحة في اعتبار يقين الحاكم بذلك، لكنه لا يخلو من إشكال.

و كذا المغفل الذي في جبلته البله فربما استغلط، لعدم تفطنه لمزايا الأمور و تفاصيلها و يدخل عليه الغلط و التزوير من حيث لا يشعر

____________

(1) راجع التعليقة (1) من ص 7.

(2) الوسائل- الباب- 1- و غيره من كتاب الشهادات.

16

ف الأولى بل الواجب الاعراض عن شهادته ما لم يكن المشهود به من الأمر الجلي الذي يتحقق الحاكم استثبات الشاهد به و أنه لا يسهو في مثله

و في الخبر (1) عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى (2) «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» قال: «ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته و تيقظه في ما يشهد به و تحصيله و تمييزه فما كل صالح مميز محصل و لا كل مميز صالح».

[الوصف الثالث الايمان]

الوصف الثالث: الايمان بالمعنى الأخص الذي هو الإقرار بإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) فلا تقبل شهادة غير المؤمن و إن اتصف بالإسلام لا على مؤمن و لا على غيره إلا ما ستعرف لاتصافه ب الكفر فضلا عن الفسق و الظلم المانع من قبول الشهادة بلا خلاف أجده فيه، بل عن جماعة الإجماع عليه، بل لعله من ضروري المذهب في هذا الزمان، للأصل بعد اختصاص إطلاقات الكتاب و السنة و لو للتبادر و غيره بالمؤمن، خصوصا نحو «رِجالِكُمْ» (3) و «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ» (4) بناء على المعلوم من مذهب الإمامية من اختصاص الخطاب بالمشافهين دون غيرهم، و ليس المخالف بموجود في زمن الخطاب و لو سلم العموم فقد عرفت الخبر (5) المفسر لقوله تعالى «تَرْضَوْنَ» برضا دينه، و لا ريب في كونه غير مرضي الدين.

هذا كله على القول بإسلامه أما على القول بالكفر كما هو مذهب جماعة قد حكى بعضهم الإجماع عليه فلا إشكال في عدم قبول شهادته لكفره، فلا يدخل في إطلاق ما دل (6) على شهادة المسلم، و لو سلم فهو

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 23.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(4) سورة البقرة: 2- الآية 282.

(5) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 23.

(6) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 18 و 22.

17

معارض بإطلاق ما دل على عدم قبول شهادة الكافر، بناء على أن إطلاق الكفر عليهم لكونهم كفارا حقيقة، أو لجريان أحكامهم عليهم التي منها عدم قبول الشهادة، و لو سلم التعارض فالرجوع إلى الأصل متعين.

كل ذلك مضافا إلى ما ورد في النصوص من لعن المخالفين و الدعاء عليهم (1) و أنهم مجوس هذه الأمة (2) و شر من اليهود و النصارى (3) و أنهم لغير رشدة (4).

و بالجملة لا يمكن إحصاء وجوه الدلالة في النصوص على عدم قبول شهادتهم: منها إطلاق الكفر، و منها الفسق، و منها الظلم، و منها كونهم غير رشدة، و منها رد شهادة الفحاش و ذي المخزية في الدين، و منها ممن ترضون دينه و أمانته، و منها اعتبار العدالة التي قد ذكر في النصوص (5) ما هو كالصريح في عدم تحققها في مخالفي العقيدة إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة بل الصريحة عند متتبعي آثارهم و العارفين بلسانهم و لحن خطابهم و رمزهم، و خصوصا في الأمر المخالف للتقية إذا أرادوا الجمع بينها و بين الواقع.

و لعل من ذلك ما في الصحيح (6) «قلت للرضا (عليه السلام):

رجل طلق امرأته و أشهد شاهدين ناصبيين، قال: كل من ولد على فطرة الإسلام و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته»

إذ من المعلوم عدم إرادته بذلك بيان قبول شهادة الناصب الذي هو كافر بلا خلاف

____________

(1) البحار- ج 27 ص 222 و 228 و 235.

(2) راجع ج 36 ص 94 التعليقة (2).

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الماء المضاف- الحديث 5 من كتاب الطهارة.

(4) البحار- ج 27 ص 147- الرقم 9 و ص 156 الرقم 30.

(5) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات.

(6) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 5.

18

و لا إشكال، بل

قوله (عليه السلام): «كل من ولد على فطرة الإسلام»

إلى آخره كالصريح في إرادة الشيعة و لو بضميمة

قولهم (عليهم السلام) (1): «ما على فطرة إبراهيم غيرنا و غير شيعتنا»

على أن معرفة الصلاح في نفسه لا يكون إلا في الشيعة، بخلاف المخالفين الذين هم عين الفساد.

هذا و لكن في المسالك بعد أن اعترف أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على اشتراط الايمان، قال: «و ينبغي أن يكون هو الحجة» ثم ذكر الاستدلال بصدق الفاسق و الظالم عليه إلى أن قال: «و فيه نظر، لأن الفسق إنما يتحقق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أما مع عدمه بل مع اعتقاده أنها طاعة بل من أمهات الطاعات فلا، و الأمر في المخالف للحق في الاعتقاد كذلك، لأنه لا يعتقد المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات، سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد، و مع ذلك لا يتحقق الظلم أيضا، و إنما يتفق ذلك ممن يعاند الحق مع علمه به، و هذا لا يكاد يتفق و إن توهمه من لا علم له بالحال و العامة مع اشتراطهم العدالة في الشاهد يقبلون شهادة المخالف لهم في الأصول ما لم يبلغ خلافه حد الكفر أو يخالف اعتقاده دليلا قطعيا بحيث يكون اعتقاده ناشئا من محض التقصير، و الحق أن العدالة تتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم، و يحتاج في إخراج بعض الأفراد للدليل، و سيأتي في شهادة أهل الذمة في الوصية ما يدل عليه و على ما ذكره المصنف من فسق المخالف، فاشتراط الايمان بخصوصه مع ما سيأتي من اشتراط العدالة لا حاجة إليه، لدخوله فيه».

و هو من غرائب الكلام المخالف لظاهر الشريعة و باطنها، إذ من

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأنفال- الحديث 14 من كتاب الخمس.

19

ضرورة المذهب عدم المعذورية في أصول الدين التي منها الإمامة، بل ما حكاه من العامة لا يوافق ما ذكره، ضرورة المخالفة في الفرض للدليل القطعي الناشئ عن تقصير، و من الغريب دعوى معذورية الناشئ اعتقاده عن تقليد، و بالجملة لا يستأهل هذا الكلام ردا، إذ هو مخالف لأصول الشيعة، و من هنا شدد النكير عليه الأردبيلي، و في كشف اللثام أنه من الضعف بمكانة.

نعم في الرياض «و أما الجواب عن الاستدلال بالفسق و الظلم بأن الفسق إنما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به فحسن إن اختير الرجوع في بيان معنى الفسق و الظلم إلى العرف، حيث إن المتبادر منهما مدخلية الاعتقاد في مفهومهما، و أما إن اختير الرجوع إلى اللغة فمنظور فيه، لعدم مدخلية الاعتقاد في مفهومهما فيها» معرضا بما سمعته منه.

و قد عرفت أن التدبر في مجموع كلامه يقتضي نفيه المعصية، و ليس مبنى كلامه على إطلاق اسم الفسق و الظلم عليهما، و إلا فلا وجه للنظر بناء على ما ذكره، ضرورة تقدم المعنى العرفي على اللغوي، نعم المتجه منع عدم صدق الفاسق على المخالف في العقيدة و الفرض عدم معذوريته في الاعتقاد المزبور الذي دخل به في قسم الكافرين فضلا عن الفاسقين و الظالمين و أي فسق أعظم من فساد العقيدة التي لم يعذر صاحبها، و على كل حال فلا تقبل شهادة غير المؤمن.

نعم تقبل شهادة الذمي خاصة في الوصية كذلك إذا لم يوجد من عدول المسلمين، من يشهد بها للكتاب (1) و السنة (2)

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 106.

(2) الوسائل- الباب- 40- من كتاب الشهادات و الباب- 20- من كتاب الوصايا.

20

و الإجماع بقسميه كما فصلنا ذلك في كتاب الوصايا (1).

و لا يشترط في ذلك كون الموصى في غربة كما عن المتأخرين و ظاهر أكثر القدماء، بل لعل قول المصنف هنا كالمحكي عن التحرير و باشتراطه رواية مطرحة مشعر بالإجماع عليه، و أراد بالرواية

خبر حمزة بن حمران (2) عن الصادق (عليه السلام) «اللذان منكم مسلمان و اللذان من غيركم من أهل الكتاب، و إنما ذلك إذا كان الرجل المسلم في أرض غربة فيطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين أشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما»

و عن الإسكافي و الحلبي صريحا و المبسوط و الغنية ظاهرا العمل بها، بل ربما يفهم من الأخيرين الإجماع عليه.

و لكن الأقوى في النظر ورود ذلك فيها- كالآية (3) و غيرها من نصوص (4) المسألة- مورد الغالب، فلا تعارض إطلاق كثير من النصوص (5) بل في الرياض و عموم جملة معتبرة منها باعتبار تضمنها التعليل

(6) بأنه «لا يصلح ذهاب حق أحد»

و لا أقل من التعارض بين مفهوم التعليل و بين مفهوم الحصر و الشرط، و لا ريب في أن الترجيح للأول و لو للشهرة العظيمة، و إن كان فيه ما فيه، ضرورة عدم كون ذلك علة يرجع إليها، بل هي من الحكمة و لكن ما عرفته سابقا كاف في إثبات المقصود، مضافا إلى ما يظهر بالتأمل الجيد في نصوص المسألة من عدم مدخلية السفر في ذلك، فلاحظ و تأمل.

____________

(1) راجع ج 28 ص 347- 352.

(2) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا- الحديث 7.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 106.

(4) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا.

(6) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا.

21

و على كل حال فلا يلحق بأهل الذمة فساق المسلمين في الحكم المزبور لحرمة القياس عندنا، لكن عن التذكرة «لو وجد مسلمان فاسقان فان كان فسقهما بغير الكذب و الخيانة فالأولى أنهما أولى من أهل الذمة، و لو كان فسقهما يتضمن اعتماد الكذب و عدم التحرز عنه فأهل الذمة أولى».

و قال أيضا: «و لو وجد مسلمان مجهولا العدالة فهما أولى من شهود أهل الذمة» و مال إليه في المسالك.

و لا يخفى عليك ما فيه، و إن وجه أول كلامه بأنهما شاركا الذميين في الفسق، و فسق الكفر أعظم، بل يمكن إرادة الصدق و الامانة من العدل في الآية، و الأخير بأن الكفر معلوم الفسق فيقدم عليه المستور، خصوصا إذا قلنا: إن الأصل في المسلم العدالة.

هذا مع أن الأخبار اشترطت عدم وجود المسلمين، ضرورة كون ذلك كله لا يوافق أصول الإمامية، و النصوص محمولة على إرادة عدم مقبولي الشهادة من المسلمين لا مطلقا كما هو واضح، و قد تقدم تمام الكلام في المسألة في كتاب الوصايا (1).

و كيف كان ف يثبت الإيمان بمعرفة الحاكم أو قيام البينة أو الإقرار لكن في المسالك «و مرجع الثلاثة إلى الإقرار، لأن الإيمان أمر قلبي لا يمكن معرفته من معتقده إلا بالإقرار، و لكن المصنف اعتبر الوسائط بينه و بين المقر» و فيه أنه و إن كان أمرا قلبيا لكن له آثار و لوازم يمكن بها معرفته بدون الإقرار كما هو مشاهد في كثير من الناس، بل السيرة القطعية عليه كغيره من الأمور الباطنة، و لهذا قال المصنف ما سمعت لا لما ذكره، و الأمر سهل.

و كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا أنه تقبل شهادة المؤمن الجامع

____________

(1) راجع ج 28 ص 347- 352.

22

للشرائط الآتية على جميع الناس و لهم بلا خلاف و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه، بل لعل في قوله تعالى (1) «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ» إشعارا به، و في النبوي (2): «لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دين إلا المسلمين، فإنهم عدول على أنفسهم و غيرهم»

و في الصحيح (3): «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل و لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين»

و في آخر (4): «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب».

و أما الكافر الحربي فلا تقبل شهادته على غيره و لو من أهل ملته فضلا عن المسلمين بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الإيضاح الإجماع عليه.

و هل تقبل شهادة الذمي على الذمي؟ قيل و القائل المشهور:

لا تقبل و كذا على غير الذمي بل عن جماعة الإجماع على عدم قبوله على المسلم في غير الوصية، بل لا خلاف معتد به أيضا في عدم قبولها على غير أهل ملته للأصل و غيره، و خصوص

موثق سماعة (5) سأل الصادق (عليه السلام) «عن شهادة أهل الذمة، فقال: لا تجوز إلا على أهل ذمتهم»

مضافا إلى النبوي السابق (6) و الصحيح الآتي (7).

خلافا للمحكي عن أبي علي، فأجاز شهادة الكفار بعضهم على بعض و إن اختلف الملتان مع العدالة في دينهم، و هو مع شذوذه لا مستند

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 143.

(2) المستدرك- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 38- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 38- من كتاب الوصايا- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا- الحديث 5.

(6) المستدرك- الباب- 32- من كتاب الشهادات- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 40- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

23

له إلا

صحيح الحلبي (1) في الجملة سأل الصادق (عليه السلام) «هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملتهم؟ قال: نعم إن لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة غيرهم أنه لا يصلح ذهاب حق أحد».

و في خبر ضريس الكناسي (2) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة أهل ملة هل تجوز على رجل من غير أهل ملتهم؟ فقال:

لا إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية، لأنه لا يصلح ذهاب حق امرء مسلم، و لا تبطل وصيته».

و هما- مع عدم دلالتهما على تمام المدعى بل الثاني منهما لا يوافق إطلاق الخصم- محمولان على إرادة بيان قبول خصوص شهادتهم على المسلم في خصوص الوصية، كما صرح به في الخبر الثاني، بل لعل التعليل في الأول يرشد إلى ذلك بقرينة وجوده في نصوص (3) قبول شهادتهم في الوصية.

و لكن مع ذلك كله قال في كشف اللثام: «و هو قوي إذا كان الشاهد ذميا و المشهود عليه حربيا، كما هو ظاهر الخبر لصحته، و لأن علينا رعاية الذمة، فلا علينا أن نحكم لهم بشهادتهم على أهل الحرب» و فيه- مع ما عرفت و تعرف أيضا- أنه لا يصلح معارضا لما دل على عدم قبول شهادتهم من الأدلة العامة و الخاصة بعد أن عرفت عدم العمل به من أحد إلا من الإسكافي.

نعم قيل و القائل الشيخ في محكي الخلاف و النهاية تقبل شهادة كل ملة على ملتهم بل في الخلاف نسبته إلى أصحابنا و لكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا.

24

اشترط الترافع إلينا و هو استناد إلى

رواية سماعة (1) عن الصادق (عليه السلام) «سأله عن شهادة أهل الذمة، فقال: لا تجوز إلا على ملتهم (أهل ذمتهم خ ل)».

و في كشف اللثام «هو قوي إلزاما لأهل كل ملة بما تعتقده و إن لم يثبت عندنا لفسق الشاهد و ظلمه عندنا».

و لكن مع ذلك لا ريب أن المنع كما هو المشهور على ما اعترف به غير واحد أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها معلومية اشتراط الإسلام و الايمان و العدالة في الشاهد المعلوم انتفاؤها إجماعا في الفرض، فالخبر المزبور و إن قلنا: إنه من الموثق لا يصلح مخصصا لذلك، سيما مع موافقته للمحكي عن أبي حنيفة و الثوري، و عدم العمل به إلا من الشيخ الذي مقتضى المحكي عنه ضعفه عنده، لأن في سنده العبيدي، و قد قال: «إنه ضعيف استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال نوادر الحكمة، و قال: إني لا أروي ما يختص بروايته» مع أن المحكي عن مبسوطة أيضا اختيار المنع مطلقا، بل قد سمعت اشتراطه في محكي الخلاف بالترافع إلينا.

و قد قال في محكي المختلف: «إنما نقول به لأنه إذا ترافعوا إلينا و عدلوا الشهود عندهم فإن الأولى هنا القبول».

بل عن المقداد في التنقيح الميل إليه أيضا بالمعنى المزبور، قال بعد أن حكى عن الخلاف ما سمعت: «و هذا في الحقيقة قضاء بالإقرار، لما تقدم أنه إذا أقر الخصم بعدالة الشاهد حكم عليه» و قد سمعت ما في كشف اللثام، و إن كان قد يناقش في الأخير بأن ذلك عند القائل به مع الجهل بحالهما لا مع العلم بفسقهما كما هو المفروض، بل هو من مسألة رضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من كتاب الوصايا- الحديث 5.

25

الخصم بالحكم عليه بشهادة الفاسقين، و قد عرفت عدم جواز الحكم بذلك و إن رضي.

بل التحقيق أيضا ذلك في الأول أيضا، لاشتراط العدالة، و في الأولين بأن ليس الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى من أحكام الذمة، بل و لا من إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم في ما بينهم، ضرورة كون الأحكام مشتركة بين الجميع وضعيها و تكليفيها، فمتى ترافعوا إلينا وجب إقامة الحكم الثابت شرعا عليهم، لأن خلافه حكم بغير ما أنزل الله، و إنما مقتضى الذمام عدم التعرض لهم في أحكامهم في ما بينهم، كما أن مقتضى الإلزام بما ألزموا به أنفسهم الاذن لنا في تناول ما يقتضيه دينهم فيهم إلزاما لهم بذلك لا الحكم في ما بينهم بما هو في دينهم المنسوخ الذي هو في زمان نبينا (صلى الله عليه و آله) حكم بغير ما أنزل الله تعالى، فالمتجه حينئذ عدم القبول مطلقا من غير فرق بين الشهادة عليهم و لهم، و الله العالم.

[الوصف الرابع العدالة]

الوصف الرابع: العدالة كتابا (1) و سنة (2) مستفيضة أو متواترة و إجماعا بقسميه إذ لا طمأنينة مع التظاهر بالفسق الذي قد تواتر عنهم (عليهم السلام) رد شهادته (3) و قد مر الكلام مفصلا في المراد منها و في طريق إثباتها و في البحث عن الكبائر و الصغائر و في اعتبار المروة فيها و غير ذلك في كتاب الصلاة (4) و تقدم بعض الكلام فيها أيضا في كتاب القضاء (5).

____________

(1) سورة الطلاق: 65- الآية 2.

(2) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات.

(3) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات.

(4) راجع ج 13 ص 275- 323.

(5) راجع ج 40 ص 111- 113.

26

و لا خلاف و لا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر كالقتل و الزنا و اللواط و غصب الأموال المعصومة و نحوها مما علم من الشرع عظم معصيته.

و كذا بمواقعة الصغائر مع الإصرار فعلا بالإكثار منها بلا توبة أو حكما بالعزم على فعلها بعد الفراغ منها، لما

ورد عنهم (عليهم السلام) (1) «لا صغيرة مع الإصرار، كما لا كبيرة مع الاستغفار».

و عن أبي بصير (2) أنه سمع الصادق (عليه السلام) «يقول:

لا و الله لا يقبل الله شيئا من طاعة الله على الإصرار على شيء من معاصيه».

و قال الباقر (عليه السلام) في خبر جابر (3): «الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله تعالى و لا يحدث نفسه بتوبة، فذلك الإصرار».

و عن سماعة (4) «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول:

لا تستقلوا قليل الذنوب، فان قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا».

و في خبر زياد (5) عن الصادق (عليه السلام) «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: ائتونا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها حطب، قال:

فليأت كل انسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هكذا تجتمع

____________

(1) الوسائل- الباب- 47- من أبواب جهاد النفس- الحديث 11 و الباب- 48- منها الحديث 3 من كتاب الجهاد.

(2) الوسائل- الباب- 48- من أبواب جهاد النفس الحديث 1 من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل- الباب- 48- من أبواب جهاد النفس الحديث 4 من كتاب الجهاد.

(4) الوسائل- الباب- 43- من أبواب جهاد النفس- الحديث 2 من كتاب الجهاد.

(5) الوسائل- الباب- 43- من أبواب جهاد النفس- الحديث 3 من كتاب الجهاد.

27

الذنوب، ثم قال: إياكم و المحقرات من الذنوب، فان لكل شيء طالبا ألا و إن طالبها يكتب ما قدموا و آثارهم و كل شيء أحصيناه في إمام مبين».

و عن أبي بصير (1) أنه سمع الباقر (عليه السلام) يقول: «اتقوا المحقرات، فان لها طالبا، يقول أحدكم: أذنب و أستغفر، إن الله عز و جل يقول (2) نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ».

أو بفعل الصغائر في الأغلب فإنه بحكم الإصرار المستمر، بل في كشف اللثام «و إن أظهر الاستغفار عنها كلما فعلها لدلالته على قلة المبالاة و عدم الإخلاص في التوبة».

و لعل ذلك أحد الأقوال في الإصرار الذي قيل فيه: إنه الإكثار منها، سواء كان من نوع واحد أو أنواع مختلفة، و قيل: إنه المداومة على واحد منها، و قيل: يحصل بكل منهما.

و قيل: إنه عدم التوبة، و لعله

للخبر (3) الوارد في تفسير قوله تعالى (4) وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا» قال: «الإصرار من يذنب الذنب و لا يستغفر و لا يحدث نفسه بتوبة»

لكنه ضعيف السند، على أنك قد عرفت وقوع الصغيرة مكفرة لا تحتاج إلى توبة، بل ستسمع من الفاضل أنه لا يمكن وقوع العزم على عدم الصغيرة منه التي لا زالت تقع من الإنسان.

بل لعله مخالف لكلام أهل اللغة، فعن الجوهري «أصررت على

____________

(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب جهاد النفس الحديث 4 من كتاب الجهاد.

(2) سورة يس: 36- الآية 12.

(3) الوسائل- الباب- 48- من أبواب جهاد النفس الحديث 4.

(4) سورة آل عمران: 3- الآية 135.

28

الشيء: أي أقمت و دمت عليه» و عن ابن الأثير «أصر على الشيء:

إذا ألزمه و داومه و ثبت عليه» و عن القاموس «أصر على الأمر لزم» و نحوه عن ابن فارس.

و يمكن إرجاع الخبر و كلام أهل اللغة إلى ما عن الشهيد من أن «الإصرار فعلي، و هو الدوام على نوع واحد بلا توبة أو الإكثار من جنس الصغائر بدونها، و حكمي و هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ» بل يمكن دعوى العرف على كون الإصرار على الفعل بالمعنى المزبور.

و على كل حال فلا خلاف أجده كما اعترف به بعضهم في أن الإكثار من الصغائر و لو من أنواع مختلفة من دون توبة قادح في العدالة، بل عن التحرير الإجماع عليه.

إنما الكلام في الصغيرة التي قد عزم على فعلها مرة أخرى أو العزم على إيقاع الصغائر، و الظاهر عدم إحراز وصف العدالة معه و لو للشك في وجودها معه كما ستعرف تحقيق هذا الأصل في كل معصية لم يعلم كونها كبيرة أو صغيرة، هذا كله في الصغيرة على الحال الذي عرفت.

أما لو كان وقوعها في الندرة فقد قيل بل هو المشهور لا يقدح و إن لم تعلم التوبة، لوقوعها مكفرة باجتناب الكبائر و لعدم الانفكاك منها إلا في ما يقل، فاشتراطه التزام للأشق المنافي لقوله تعالى (1) «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» و نحوه.

و قيل و القائل ابن إدريس يقدح بناء على ما ذهب إليه من عدم الصغائر إلا بالإضافة و لا عسر لإمكان التدارك بالاستغفار و التوبة المقدورين للإنسان في كل زمان.

____________

(1) سورة الحج: 22- الآية 78.

29

و فيه أن تعرف ذلك منه يحتاج إلى زمان طويل، بل عن الفاضل رده بأن التوبة من شرطها العزم على ترك المعاودة، و لا شك أن الصغائر لا ينفك منها الإنسان فلا يصح منه هذا العزم غالبا، فلا يمكن التوبة في أغلب الأحوال. و في صحيح ابن أبي يعفور (1) اقتصر على اجتناب الكبائر في تعريف العدل.

كل ذلك مضافا إلى ما عرفته من أن الصغائر في الندرة من اللمم الذي يقع مكفرا باجتناب الكبائر و بفعل الطاعات كما هو مقتضى الكتاب و السنة، فلا حاجة حينئذ إلى التوبة. نعم لا ينبغي منه العزم على العود الذي به يكون مصرا، و قد عرفت أنه لا صغيرة مع الإصرار كما لا كبيرة مع الاستغفار، بل هذا الخبر مشعر بعدم الحاجة إلى الاستغفار للصغيرة من دون إصرار كما هو واضح.

و من ذلك كله و غيره ظهر لك أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده.

هذا و ربما توهم واهم من أصحابنا أن الصغائر لا تطلق على الذنب إلا مع القول ب الإحباط الذي هو بمعنى الموازنة بين الأعمال الصالحة و المعاصي، فكل ذنب يحبط بالطاعة فهو صغيرة، و كل ذنب يحبط الطاعة هو كبيرة.

و هذا بالاعراض عنه حقيق ضرورة أن المعروف بين الإمامية عدم القول بالإحباط، كما أن المعروف بينهم تقسيم الذنب إلى كبير و صغير فلا مدخلية للقول المزبور بذلك قطعا فإن إطلاقها أي الصغائر عند الفقهاء بالنسبة إلى غيرها من الكبائر، سواء قلنا بكون كل معصية كبيرة أو معاص مخصوصة و هو واضح.

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

30

نعم لا تمنع اصطلاح القائلين بالإحباط على ذلك، إذ لكل فريق اصطلاح و لكن عليه لا تتحقق الصغيرة في نوع من أنواع المعاصي، ضرورة أن القائل به يعتبر الأكثر من الطاعة و المعصية فيثبته أجمع أو يثبت منه ما زاد عن مقابله من أي نوع كان من أنواع المعاصي، فربما كانت المعصية المخصوصة تحبط عن شخص و تبقى على آخر.

و كيف كان ف لا يقدح في العدالة ترك المندوبات و لو أصر مضربا عن الجميع إذ الورع و العدالة في ما يجب عليه و يحرم نعم قال المصنف و الفاضل و غيرهما ما لم يبلغ ذلك حدا يؤذن بالتهاون بالسنن بل في المسالك «لو اعتاد ترك صنف منها كالجماعة و النوافل و نحو ذلك فكترك الجميع، لاشتراكهما في العلة المقتضية لذلك، نعم لو تركها أحيانا لم يضر».

و لكن الانصاف عدم خلوه من البحث إن لم يكن إجماعا، ضرورة عدم المعصية في ترك جميع المندوبات أو فعل جميع المكروهات من حيث الاذن فيهما فضلا عن ترك صنف منها و لو للتكاسل و التثاقل منه، و احتمال كون المراد بالتهاون الاستخفاف فيه يدفعه أن ذلك من الكفر و العصيان و لا يعبر عنه ببلوغ الترك حد التهاون، كما هو واضح.

بقي شيء: و هو أن المصنف لم يتعرض للمروة في قادح العدالة و كأنه لم يجعل تركها قادحا أو يتوقف في ذلك، و هو قول محكي عن بعض العلماء من حيث إن منافيها مناف للعادة لا الشرع، و المحكي عن الأشهر اعتبارها في الشهادة، سواء جعلناها شطرا من العدالة كما هو المشهور بناء على أن العدل هو الذي تعتدل أحواله دينا و مروة و حكما أم خارجة عنها و صفة برأسها.

قال في محكي المبسوط: «العدالة شرعا أن يكون عدلا في الدين

31

و في المروة و في الأحكام، أما العدل في الدين أن يكون مؤمنا لا يعرف منه شيء من أسباب الفسق، و في المروة أن يكون مجتنبا للأمور التي تسقط المروة مثل الأكل في الطرقات و مد الرجل بين الناس و لبس الثياب المصبغة و ثياب النساء و ما أشبه ذلك، و في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا لنقص أحكام الصبي و المجنون».

و قد أغرب في القواعد حيث جعلها جزء من العدالة و عرفها بأنها كيفية نفسانية تبعث على ملازمة التقوى و المروة، ثم جعلها شرطا آخر لقبول الشهادة بعد ذلك.

و في المسالك «و كيف كان فالوجه أنه لا تقبل شهادة من لا مروة له، لأن طرح المروة إما أن يكون لخبل و نقصان أو قلة مبالاة و حياء، و على التقديرين يبطل الثقة و الاعتماد على قوله، أما الأول فظاهر، و أما قليل الحياء فمن لا حياء له يصنع ما شاء، كما ورد في الخبر (1)».

و على كل حال فالمروة لغة: الإنسانية كما عن الصحاح، أو الرجولية أي الكمال فيهما كما عن العين و المحيط، و في الاصطلاح كما في كشف اللثام هيئة نفسانية تحمل الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق و جميل الأفعال و العادات.

و في المسالك «في ضبط المروة عبارات متقاربة: منها أن صاحبها هو الذي يصون نفسه من الأدناس، و لا يشينها عند الناس، أو الذي يتحرز عما يسخر منه و يضحك به، أو الذي يسير بسيرة أمثاله في زمانه و مكانه، فمن ترك المروة لبس ما لا يليق بأمثاله، كما إذا لبس الفقيه مثلا لباس الجندي و تردد به في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء فيها بلبس هذا النوع من الثياب، و كما إذا لبس التاجر ثوب الحمالين و نحوهم بحيث

____________

(1) البحار- ج 71 ص 333 و 335 و 336.

32

يصير مضحكة، و منه المشي في الأسواق و المجامع مكشوف الرأس مثلا إذا كان الشخص ممن لا يليق به مثله، و كذا مد الرجلين في مجالس الناس، و منه الأكل في الأسواق إلا أن يكون الشخص سوقيا أو غريبا لا يكترث بفعله، و منه أن يقبل الرجل زوجته أو أمته بين يدي الناس أو يحكي لهم ما يجري في الخلوة، أو يكثر من الحكايات المضحكة، و منه أن يخرج من حسن العشرة مع الأهل و الجيران و المعاملين، و يضايق في اليسير الذي لا يستقصي فيه، و منه أن يبتذل الرجل المعتبر بنقل الماء و الأطعمة إلى بيته إذا كان ذلك عن شح و ظنة، و لو كان عن استكانة أو اقتداء بالسلف التاركين للتكلف لم يقدح ذلك في المروة، و كذا لو كان يلبس ما يجد و يأكل حيث يجد، لتقلله و براءته من التكلفات العادية و يعرف ذلك بما يناسب حال الشخص في الأعمال و الأخلاق و ظهور محامل الصدق عليه» إلى غير ذلك مما ذكره غيره أيضا، و قد تقدم منا في العدالة جملة من الكلام فيها.

و نقول هنا زيادة على ذلك: إنه لا إشكال في رد الشهادة بمنافيها إذا رجع إلى محرم أو خبل، لمنافاة الأول للتقوى، و الثاني لكمال العقل و أما ما لا يرجع إلى ذلك فقد يشكل اعتباره في الشهادة أو العدالة بإطلاق الأدلة.

اللهم إلا أن يكون مستنده- بعد فتوى المعظم- فحوى ما ورد في رد شهادة السائل بكفه سيما

صحيح ابن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «رد رسول الله (صلى الله عليه و آله) شهادة السائل الذي يسأل بكفه، قال أبو جعفر (عليه السلام): لأنه لا يؤمن على الشهادة، و ذلك لأنه إن أعطي رضي و إن منع سخط».

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

33

و لعل منه ينقدح اندراجه في الظنين الذي استفاضت النصوص في رد شهادته، منها:

خبر ابن سنان (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

ما يرد من الشهود؟ قال: فقال: الظنين و المتهم، قال: قلت:

فالفاسق و الخائن، قال: ذلك يدخل في الظنين».

مضافا إلى ما استدل به أيضا من

قول الكاظم (عليه السلام) (2): «لا دين لمن لا مروة له، و لا مروة لمن لا عقل له»

و إن كان لا يخلو من نظر، ضرورة إرادة الكمال الزائد على وصف العدالة منه.

على أن المروة في النصوص غير ما ذكره الأصحاب مما سمعته، فإنها في بعضها (3) إصلاح المعيشة،

و في آخر (4) «أنها ستة: ثلاثة منها في الحضر، و هي: تلاوة القرآن و عمارة المساجد و اتخاذ الاخوان، و ثلاثة في السفر، و هي: بذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير معاصي الله سبحانه»

و نحوه آخر (5) و هي كما ترى ليس ما سمعته من الأصحاب.

نعم قيل: إنه يشعر به ما في بعض

النصوص (6) «من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته، و وجبت أخوته، و حرمت غيبته».

و فيه أيضا ما لا يخفى، فالعمدة حينئذ ما ذكرناه، مؤيدا بفتوى المعظم، و بنحو هذه الأمور، و بأصالة عدم ترتب أحكام العدالة على فاقدها بعد عدم الوثوق بإطلاق يتناوله و لو لما عرفت، خصوصا بعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(2) أصول الكافي ج 1- ص 19.

(3) روضة الكافي ص 241- الرقم 331 ط طهران.

(4) الوسائل- الباب- 49- من آداب السفر- الحديث 14.

(5) الوسائل- الباب- 49- من آداب السفر- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 15.

34

إمكان إرادته من السداد و التمييز و التحصيل و نحوها مما وجد في نصوص (1) العدالة و قبول الشهادة، بل قد يقال: إن فاقدها غير مرضي الشهادة عرفا، فلا يدخل في قوله تعالى (2) «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ» بل إن جعلت العدالة الاستواء في أمثال ذلك خرج الفاقد لها قطعا، ضرورة خروجه عن الاعتدال الذي عليه غالب الناس، فتأمل.

هذا و لكن لم يحرروا أنه بم تعود العدالة أو قبول الشهادة لمن وقع منه شيء مما ينافيهما أو لا يقدح اتفاق وقوع ذلك منه إلا إذا كان كثيرا أو مصرا و لو بالعزم على فعل أمثاله، فمتى لم يكثر منه ذلك و لا عزم على استدامة فعله قبلت شهادته، فيكون حكمه حكم الصغيرة حينئذ، و لا يبعد ذلك، و الله العالم.

[هنا مسائل]

و كيف كان ف هنا مسائل:

[المسألة الأولى كل مخالف في شيء من أصول العقائد ترد شهادته]

الأولى كل مخالف في شيء من أصول العقائد ترد شهادته، سواء استند في ذلك إلى التقليد أو إلى الاجتهاد لعدم معذوريته على كل حال، من غير فرق بين أصولها و فروعها الاعتقادية و غيرهما مما علم ضرورة من الدين أو المذهب، لاشتراك الجميع في عدم المعذورية الموجبة للكفر فضلا عن الفسق.

نعم لا ترد شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحق إذا لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من كتاب الشهادات- الحديث 23.

(2) سورة البقرة: 2- الآية: 282.

35

يخالف الإجماع المعلوم أو الخبر المتواتر كذلك أو غيرهما من الأدلة القطعية و لا يفسق و إن كان مخطئا باجتهاده الذي يكتب له حسنة مع خطأه.

و المراد بالإجماع الذي علم دخول المعصوم (عليه السلام) فيه على وجه لم يكن للاجتهاد محل. و قد يلحق بذلك ما اتفق عليه فقهاء الفرقة المحقة و استقرت عليه كلمتهم مع اختلاف الأعصار و الأمصار، بناء على أن مثل ذلك كاشف عن الواقع الذي لم يتخلف عنه الامام (عليه السلام) إذ هو مع الحق و الحق معه، فتارة يعلم الحق بقوله، و أخرى يعلم الحق بغيره من الطرق، فيعلم أنه قول الامام (عليه السلام) لعدم تخلفه.

بل قد يقال بعدم جواز خلافهم و إن لم يعلم الواقع بذلك، و لكن يعلم منه أنه موافق للاجتهاد الصحيح على وجه يفسد معه كل اجتهاد بمعنى كشفه عن وجود دليل معتبر لا يجوز مخالفته باجتهاد، و لعله على ذلك جرت سيرة سائر المليين في الإنكار على كل من خالف ما استقرت عليه شرائعهم، و عد أنه من المبدعين في الدين.

هذا و لكن في المسالك «المراد بالأصول التي ترد شهادة المخالف فيها أصول مسائل التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة و المعاد، و أما فروعها من المعاني و الأحوال و غيرهما من فروع علم الكلام فلا يقدح الخلاف فيها لأنها مباحث ظنية و الاختلاف فيها بين علماء الفرقة الواحدة كثير شهير، و قد عد بعض العلماء جملة مما وقع الخلاف فيه منها بين المرتضى و شيخه المفيد فبلغ نحوا من مائة مسألة فضلا عن غيرهما، و المراد بالفروع التي لا تقدح فيها المخالفة المسائل الشرعية الفرعية، لأنها مسائل اجتهادية، و لأن الأصول التي تبنى عليها من الكتاب و السنة كلها ظنية، و ينبغي أن يراد بالإجماع الذي تقدح مخالفته فيها إجماع المسلمين قاطبة أو إجماع الإمامية

36

مع العلم بدخول قول المعصوم (عليه السلام) في جملة قولهم، لأن حجية الإجماع في قولهم على أصولهم لا مطلق إجماعهم، إذ لا عبرة بقول غير المعصوم منهم مطلقا، و ما لم يعلم دخول قوله في قولهم فلا عبرة بقولهم و إن كثر القائل، و قد تمادى بعضهم فسمى مثل ذلك إجماعا بل سمى المشهور و مخالفة مثل ذلك غير قادح بوجه من الوجوه، كما تقتضيه قواعدهم الدالة على حجية الإجماع، فتنبه لذلك لئلا تقع في الغلط اغترارا بظاهر الاصطلاح و اعتمادا على الدعوى».

و لا يخفى عليك محال النظر من كلامه بعد الإحاطة و التأمل في ما ذكرناه، و قد تنبه لبعضها المقدس الأردبيلي (رحمه الله) فناقشه في قوله: «كلها ظنية» فقال: «المسائل الأصولية التي تبتنى عليها الفروع الفقهية ليست كلها ظنية، بل منها يقينية و منها ظنية، و لا يجوز الخلاف في الأولى، و يجوز في الثانية لدليل أقوى، و إنما أطلقوا أنه يجوز الخلاف في الفروع و أنه لا يخرج عن العدالة و عن قبول الشهادة دون الأصول لأن الأغلب في الأول ذلك و في الثاني بالعكس».

قلت: و أولى بالمناقشة ما ذكره في فروع الأصول من المعاني و الأحوال و أنها مباحث ظنية مع أن أكثرها قطعي بالتواتر و بالضرورة أو غيرهما، خصوصا بالنظر إلى هذا الزمان، فإنه قد يصير النظري قطعيا كعصمة الأئمة (عليهم السلام) عن السهو و النسيان و إن خالف في ذلك الصدوق و كنفي الجسمية في الواجب تعالى و غير ذلك.

37

[المسألة الثانية لا تقبل شهادة القاذف]

المسألة الثانية:

لا تقبل شهادة القاذف مع عدم اللعان أو البينة أو إقرار المقذوف بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه مضافا إلى الكتاب (1) و السنة المستفيضة (2) نعم لو تاب و أصلح قبلت توبته بلا خلاف أيضا، بل الإجماع بقسميه عليه مضافا إلى الكتاب (3) و السنة المستفيضة (4) التي ستسمع جملة منها.

نعم قد يظهر من

خبر القاسم بن سليمان (5) خلاف العامة في ذلك قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدا ثم يتوب و لا يعلم منه إلا خيرا تجوز شهادته، قال: نعم ما يقال عندكم؟ قلت: يقولون توبته في ما بينه و بين الله تعالى، و لا تقبل شهادته أبدا، فقال: بئس ما قالوا، كان أبي يقول: إذا تاب و لم يعلم منه إلا خيرا جازت شهادته»

و من ذلك اتجه حمل

خبر السكوني (6) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «ليس أحد يصيب حدا فيقام عليه ثم يتوب إلا جازت شهادته إلا القاذف، فإنه لا تقبل شهادته، إن توبته كان في ما بينه و بين الله تعالى»

على التقية على أن الاستثناء المزبور قد اختص به بعض نسخ التهذيب، و قد خلا عنه البعض الآخر و الكافي الذي هو أضبط من التهذيب، فلا إشكال في المسألة من هذه الجهة.

____________

(1) سورة البقرة: 24- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات.

(3) سورة البقرة: 24- الآية 5.

(4) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات.

(5) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات- الحديث 6.

38

و إنما الكلام في حد التوبة فعن الصدوقين و العماني و الشيخ في النهاية و الشهيدين و المقداد و غيرهم بل في الرياض الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين بل المتقدمين، بل عن الشيخ أنه الذي يقتضيه مذهبنا، إذ لا خلاف بين الفرقة أن من شرط ذلك أن يكذب نفسه، و حقيقة الإكذاب أن يقول: كذبت في ما قلت، بل في أول كلامه نفي الخلاف بيننا و بين أصحاب الشافعي أن من شرط التوبة منه إكذاب نفسه و عن ابن زهرة الإجماع عليه أن يكذب نفسه و إن كان صادقا و يوري باطنا

للنبوي (1) «توبة القاذف إكذاب نفسه».

و لخبر أبي الصباح الكناني (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته؟ قال: يكذب نفسه، قلت:

أ رأيت إن أكذب نفسه و تاب أ تقبل شهادته؟ قال: نعم».

و مرسل يونس عن بعض أصحابه (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «سأله عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب، قال:

نعم، قلت: و ما توبته؟ قال: يجيء فيكذب نفسه عند الامام، و يقول: قد افتريت على فلانة و يتوب مما قال».

و صحيح ابن سنان (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحدود إذا تاب أتقبل شهادته؟ فقال: إذا تاب، و توبته أن يرجع في ما قال، و يكذب نفسه عند الامام و عند المسلمين، فإذا فعل فان على الامام أن يقبل شهادته بعد ذلك».

و لا يشكل هذا بأن فيه كذبا، إذ لعله صادق في قذفه، لما عرفت

____________

(1) تفسير الدر المنثور ج 5- ص 20.

(2) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 37- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

39

من إمكان التخلص منه بالتورية، و لو بقصد ما في الآية الشريفة (1) الدالة على كذب القاذفين إذا لم يأتوا بالشهداء و ان كانوا صادقين.

و من ذلك يظهر لك ضعف ما قيل و القائل الشيخ في محكي المبسوط و ابن إدريس و يحيى بن سعيد و الفاضل: إن الحد في توبته أن يكذبها إن كان كاذبا و يخطئها في الملإ إن كان صادقا فيقول:

القذف باطل و لا أعود الى ما قلت تخلصا من الكذب و قد عرفت أن الأول مروي (2) (5)- بالطريق الصحيح و غيره من عندنا و عند العامة، فكان خلافه من الاجتهاد في مقابلة النص، بل في المسالك هو تعريض بقذف جديد غير الأول، فلا ريب حينئذ في أن الأقوى الأول، ثم لا يخفى عليك أن التدبر في كلماتهم يقتضي قولين في المسألة، كما هو المحكي أيضا عن أصحاب الشافعي، فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين- من أن في المسألة أربعة أقوال: أحدها المشهور، و الثاني قول: القذف باطل و لا أعود مطلقا سواء كان صادقا أو كاذبا، و الثالث- و هو الذي اختاره الفاضل- التفصيل بين الصادق و الكاذب، فالأول يقول ذلك، و الثاني يعترف بتكذيب نفسه، و الرابع ما عن ابن حمزة من أنه إن كان صادقا قال: الكذب حرام و لا أعود إلى مثل ما قلت و أصلح، و إن كان كاذبا قال: كذبت في ما قلت- لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة أن الذي حكاه عن الفاضل حتى رده بأنه إحداث قول آخر هو الذي حكاه المصنف في المتن، و الظاهر أنه أراد حكايته عن الشيخ (رحمه الله).

كما أنه لا يخفى عليك أيضا عدم الاكتفاء بإكذاب نفسه خاصة عن

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 13.

(2) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات و تفسير الدر المنثور ج 5 ص 20.

40

التوبة و إن أوهمه بعض النصوص (1) السابقة، و لكنه محمول على البعض الآخر.

نعم يحكى عن العماني و جماعة اعتبار كون الإكذاب عند الامام، بل عن الأول زيادة و جماعة من المسلمين، بل في الرياض يظهر من الإيضاح و التنقيح و الصيمري عدم الخلاف في اعتبار ذلك، حيث قالوا:

و على الأقوال كلها لا بد من إيقاع ذلك عند من قذف عنده و عند الحاكم الذي حده، فإذا تعذر ففي ملأ من الناس.

قلت: إن النصوص المزبورة و إن كان بعضها مطلقا و الآخر مقيدا بكونه عند الامام و الثالث بكونه عنده و عند المسلمين إلا أن الظاهر إرادة إجهاره بذلك لا كونه شرطا في التوبة فضلا عما ذكروه من اشتراط كون اعترافه عند من قذف عنده و عند الحاكم الذي حده كما هو واضح، و كذلك ما عساه يظهر من أكثر النصوص أيضا من اعتبار وقوع الحد الذي لا يقع في مثل زماننا قبل التوبة، فإن ظاهر الفتاوى و بعض النصوص تحققها من دون ذلك.

و كيف كان ف في اشتراط إصلاح العمل زيادة عن التوبة تردد و خلاف، فعن الخلاف و جامع المقاصد و متشابه القرآن لابن شهراشوب أنه لا بد مع التوبة التي هي الإكذاب من ظهور عمل صالح منه و إن قل، قيل: و هو ظاهر الغنية و الإصباح، و في المبسوط و السرائر أنه لا بد منه إذا قذف سب لا إذا قذف قذف شهادة، لافتراقهما في ثبوت فسق القاذف قذف سب بالنص و فسق الآخر بالاجتهاد.

و عن الوسيلة و ظاهر المقنع و النهاية ما هو الأقرب عند المصنف من الاكتفاء في إصلاح العمل بالاستمرار، لأن

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

41

بقاءه على التوبة إصلاح و لو ساعة و عن الفاضل في المختلف جعل النزاع لفظيا، لأن البقاء على التوبة شرط في قبول الشهادة و هو كاف في إصلاح العمل لصدقه عليه، و في كشف اللثام هو بعيد عن عبارات الشيخ و ابني إدريس و سعيد.

قلت: الأصل في ذلك قوله تعالى (1) «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا» و التأمل الجيد بعد معلومية عدم افتراق كلامهم (عليهم السلام) عن القرآن حتى يردا الحوض يقتضي كون المراد بالإصلاح إكذاب نفسه بين الناس الذي يكون به إصلاح لما أفسده من عرض المقذوف بقذفه، و ذلك لظهور النصوص (2) أو صراحتها في مغفرة ذنب القاذف بالتوبة و إكذاب نفسه، و أنه لا يحتاج بعد ذلك الى أمر آخر، و الآية ذكرت التوبة و الإصلاح، فيعلم حينئذ كون المراد ذلك، لأن كلامهم (عليهم السلام) كالتفسير لها.

و بذلك يظهر لك النظر في جملة من الكلمات حتى عبارة المصنف و الفاضل و غيرهما الظاهرة في اعتباره أيضا، و لكن يكفي فيه استمرار التوبة و لو ساعة، بل و ما في الرياض أيضا، فإنه بعد أن ذكر اشتراط الإصلاح بعد التوبة قال: «و فسره الأكثر بالاستمرار عليها و لو ساعة» ثم حكى عن فخر الإسلام أنه قال: «هذا المعنى متفق عليه، و إنما الخلاف في الزائد عليه، و هو إصلاح العمل، فقال ابن حمزة: يشترط مطلقا أي في الصادق و الكاذب، و لم يشترط الشيخ في النهاية مطلقا، و قال في المبسوط: في الكاذب لا الصادق، و هو اختيار ابن إدريس، احتج المصنف بأن الاستمرار على التوبة و الإكذاب إصلاح، و فيه نظر لوجوب

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 5.

(2) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات.

42

حمل المطلق على المقيد مع اتحاد القضية» انتهى.

و ظاهره الميل إلى قول ابن حمزة، لما ذكره من حمل مطلق الرواية على الآية المقيدة، و هو حسن إلا أن الاشكال في تعيين المراد من الإصلاح هو إصلاح العمل أو إصلاح الحال و النفس بمنعها عن ظهور ما ينافي العدالة بكل وجه، و التبادر للأول، و الإطلاق للثاني، و لعله أظهر، لأصالة الإطلاق مع الشك في التبادر المقيد له ببعض أفراده، و مع ذلك أشهر، و ربما يشير إليه

الخبر (1) القريب من الصحيح المتضمن لقوله (عليه السلام):

«إذا تاب و لم يعلم منه إلا خير جازت شهادته»

إلى آخره، بل فيه مواضع للنظر.

و التحقيق ما عرفت من عدم اعتبار أزيد من التوبة و إكذاب النفس حتى الاستمرار المزبور فضلا عما ذكره من إصلاح النفس بالمعنى الذي بينه إن كان مراده به زيادة على ما ذكرناه، كما هو مقتضى استحسانه حمل المطلق على المقيد على معنى تقييد إطلاق النص بالتقييد في الكتاب المجيد، و إلا فمع الإغضاء عما ذكرناه لا إشكال في انسياق اعتبار عمل صالح زائد على التوبة إن لم نجعل العطف فيها تفسيريا، و الله العالم.

و كيف كان ف لو أقام القاذف بينة ب ما أوقعه من القذف عند الحاكم أو صدقه المقذوف بناء على كونه كالبينة أو أعظم فلا حد عليه و لا ترد شهادته كما أنه كذلك لو كان القذف موجبا للعان و قد لاعن.

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

43

[المسألة الثالثة اللعب بآلات القمار كلها حرام كالشطرنج و النرد]

المسألة الثالثة لا ريب و لا خلاف في أن اللعب بآلات القمار كلها حرام كالشطرنج و النرد الذي في بعض الأخبار أنه أشد من الشطرنج (1) و أن اللاعب به كمثل الذي يأكل لحم الخنزير (2) و الأربعة عشر و هي قطعة من خشب فيها حفر في ثلاثة أسطر و يجعل في الحفر حصى صغار مثلا للعب بها و غير ذلك كالخاتم الذي يلعب به في زماننا و نحوه سواء قصد الحذق أو اللهو أو القمار ففي خبر الحسين بن زيد (3) و السكوني (4) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أن النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن اللعب بالنرد و الشطرنج».

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) أنه قال لقوم كانوا يلعبون

____________

(1) المستدرك- الباب- 29- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

(2) المستدرك- الباب- 83- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 104- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 6 من كتاب التجارة.

(4) الوسائل- الباب- 102- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 9 من كتاب التجارة عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله).

(5) المستدرك- الباب- 81- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 6 من كتاب التجارة.

44

بالشطرنج «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ».

و عن جابر (1) عن الباقر (عليه السلام) «لما أنزل الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه و آله) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ (2) قالوا: يا رسول الله ما الميسر؟

فقال: كل ما تقومر به حتى الكعاب و الجوز»

و قد ورد (3) أيضا «أن اتخاذها كفر بالله العظيم، و أن اللعب بها شرك، و تقليبها كبيرة موبقة، و السلام على اللاهي كفر، و مقلبها كالناظر إلى فرج أمه، و مثل الذي يلعب بها من غير قمار كمثل الذي يضع يده في الدم و لحم الخنزير، و أن مثل الذي يلعب بها كمثل الذي يصر على الفرج الحرام».

و في خبر أبي بصير (4) «الشطرنج و النرد هما الميسر».

و عن الرضا (عليه السلام) في رسالته إلى المأمون المروية في عيون أخبار الرضا (5) بأسانيد متعددة لا تخلو عن اعتبار على ما قيل عد الميسر و هو القمار من الكبائر.

و عن النبي (صلى الله عليه و آله) (6) «من لعب بالنرد فقد عصى الله تعالى و رسوله».

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4 من كتاب التجارة.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 90.

(3) المستدرك- الباب- 82- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 و الباب 83- منها- الحديث 2 من كتاب التجارة.

(4) الوسائل- الباب- 104- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

(5) الوسائل- الباب- 46- من أبواب جهاد النفس- الحديث 33 من كتاب الجهاد.

(6) المستدرك- الباب- 83- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4 من كتاب التجارة.

45

و قال الصادق (عليه السلام) لزيد الشحام و غيره (1): «الرجس من الأوثان الشطرنج».

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر عمر بن زيد (2): «إن لله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار إلا من أفطر على مسكر أو مشاحن أو صاحب شاهين، قال: و أي شيء صاحب الشاهين، قال: الشطرنج».

و في خبر العلاء بن سيابة (3) «سمعته يقول: لا تقبل شهادة صاحب النرد و الأربعة عشر، و صاحب الشاهين يقول: لا و الله و بلى و الله مات و الله شاه و قتل و الله شاه و ما مات و لا قتل»

إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على رد شهادة اللاعب بالشطرنج و النرد و المقامر.

و من الغريب بعد ذلك ما في المسالك «و ظاهر النهي أنها من الصغائر، فلا تقدح في العدالة إلا مع الإصرار» و تبعه عليه في الرياض معللا له بضعف النصوص المقتضية لكونه من الكبائر و لا جابر، إذ قد عرفت التصريح بأنها كبيرة موبقة.

مضافا إلى ما عرفت من أن الكبيرة ما كانت كذلك عند أهل الشرع و لا ريب في أن القمار عندهم من أعظم المعاصي، و يكفي في الجابر تعاضد النصوص و الفتاوى على أن الأصل في كل معصية أن يكون كبيرة، لأن الأصل عدم تكفيرها، و لعموم الأمر (4) بالتوبة من كل معصية إلا ما علم أنها صغيرة، و لا يعارض ذلك باستصحاب العدالة، لأنا نقول:

إنها عندنا اجتناب الكبائر في نفس الأمر، و لا يتم ذلك إلا باجتناب

____________

(1) الوسائل- الباب- 102- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1.

من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 102- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4.

من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 33- من كتاب الشهادات- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 86- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

46

المشكوك فيه أنه منها، و لا وجه لاستصحاب حال الاجتناب السابق عن الجميع إلى حال ارتكاب المشكوك فيه، ضرورة أنه حال آخر، على أن الأول إنما كان العلم بحصول العدالة للعلم باجتناب الكبائر التي قد كان في ضمن اجتناب الجميع، و لا علم هنا قطعا حال ارتكاب المجهول كونها كبيرة، فلا استصحاب قطعا بناء على معنى العدالة عندنا الذي هو عبارة عن الاجتناب المزبور، و على أن الكبيرة العظيمة عند الشارع و تارة أخرى يخفى حالها (1) نعم ما علم من الشرع من الذنوب المحقرة هي لا تقدح في العدالة إلا مع الإصرار الذي قد عرفت فتأمل، فإن هذا الأصل نافع في كثير من المواضع.

و بذلك كله ظهر لك الحال في المسألة و غيرها، بل قوله في المسالك:

«ظاهر النهي» إلى آخره لا يكاد يفهم له معنى، و أغرب منه ما عن الشافعي من عدم تحريم الشطرنج و النرد، و إنما هما مكروهان، و الثاني أشد كراهة من الأول، و الله العالم.

[المسألة الرابعة شارب المسكر ترد شهادته و يفسق]

المسألة الرابعة:

شارب المسكر ترد شهادته و يفسق بلا خلاف فيه عندنا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو منصفا أو فضيخا و لو شرب منه قطرة خلافا لما عن الشافعي، فقال: من شرب يسيرا من النبيذ أحده و لا أفسقه

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية المبيضة، و في النسخة المخطوطة بقلمه الشريف: «و تارة و أخرى يخفى حالها» و العبارة علي كل حال مشوشة.

47

و لا أرد شهادته، بل عن أبي حنيفة لا أحده و لا أفسقه و لا أرد شهادته.

و كذا الفقاع الذي هو خمر قد استصغره الناس.

و كذا العصير العنبي إذا غلا من نفسه أو بالنار و إن لم يشتد على الأصح فإنه حرام عندنا و لو لم يسكر إلا أن يغلي حتى يذهب ثلثاه فيحل حينئذ.

و أما غير ه من العصير كالمتخذ من الزبيب أو التمر فالأصل على أنه حلال ما لم يسكر كما حققناه في محله فضلا عن غيرهما.

و لا بأس باتخاذ الخمر للتخليل نصا (1) و فتوى سواء كان بعلاج أو غيره، بل لعل الظاهر ما في كشف اللثام من أنه لا يحكم بفسق متخذ الخمر إلا إذا علم أنه لا يريد به التخليل، و الله العالم

[المسألة الخامسة مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله]

المسألة الخامسة لا خلاف في أن الغناء و هو عند المصنف و الفاضل في الإرشاد و التحرير مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله و ترد شهادته، و كذا مستمعه بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه،

قال الصادق (عليه السلام) (2) في خبر عنبسة: «استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع»

و في خبر أبي الصباح و محمد بن

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأشربة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(2) الوسائل- الباب- 101- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

48

مسلم (1) في قوله تعالى (2) «وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» قال:

«الغناء»

سواء استعمل في شعر أو قرآن أو دعاء أو تعزية و لو على سيدنا الحسين (عليه السلام) أو غيرها لإطلاق النهي عنه، بل قد فسر به «الزُّورَ» (3) و «قَوْلَ الزُّورِ» (4) في كثير من الأخبار (5) و في كثير منها (6) لَهْوَ الْحَدِيثِ (7).

و قال الصادق (عليه السلام) في خبر أسامة (8): «الغناء عشر النفاق»

و في خبره الآخر (9) «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، و لا تجاب فيه الدعوة، و لا تدخله الملائكة».

و قال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (10): «الغناء مما وعد الله به النار، و تلا هذه الآية وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (11)».

____________

(1) الوسائل- الباب- 99- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 5 من كتاب التجارة.

(2) سورة الفرقان: 25- الآية 72.

(3) سورة الفرقان: 25- الآية 72.

(4) سورة الحج: 22- الآية 30.

(5) الوسائل- الباب- 99- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 و 3 و 5 و 8 و 9 و 20 و 26 من كتاب التجارة.

(6) الوسائل- الباب- 99- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 6 و 7 و 11 و 16 و 20 و 25 من كتاب التجارة.

(7) سورة لقمان: 31- الآية 6.

(8) الوسائل- الباب- 99- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 10 من كتاب التجارة عن أبي أسامة و فيه

«الغنا عش النفاق»

إلا ان في بعض نسخ الكافي

«عشر النفاق»

. (9) الوسائل- الباب- 99- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

(10) الوسائل- الباب- 99- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 6 من كتاب التجارة.

(11) سورة لقمان: 31- الآية 6.

49

و أما ما روي من

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»

فقد يراد به الاستغناء كما

روي (2) أن «من قرأ القرآن فهو غني لا فقر بعده».

و عن الصدوق «و لو كان كما يقوله أنه الترجيع بالقراءة و حسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك ذلك و أن من لم يرجع صوته بالقراءة فليس من النبي (صلى الله عليه و آله) حيث قال: ليس منا» إلى آخره، و لا بأس بالحداء قولا و استماعا للأصل و أمر النبي (صلى الله عليه و آله) (3) به، و هو قسيم الغناء، أو المراد ما لم يصل إلى حد الغناء، و حينئذ هو كغيره من أنواع الإنشاد.

و يحرم من الشعر و غيره ما تضمن كذبا أو هجاء مؤمن أو تشبيبا بامرأة معروفة غير محللة أو غلام بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه. مضافا إلى ما في الكتاب (4) و السنة (5) من تحريم إيذاء المؤمنين و إغراء الفساق بالامرأة و الولد، نعم لا بأس بهجو أعداء الدين، و قد ورد (6) أنه (صلى الله عليه و آله) أمر حسانا بهجو المشركين، و قال: «إنه أشد عليهم من رشق النبل».

و عن المبسوط كراهة التشبيب بالزوجة و الأمة، و لا ترد الشهادة بذلك، و كذا من شبب بامرأة مبهما، و عن بعضهم رد الشهادة بالتشبيب

____________

(1) المستدرك- الباب- 20- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 8 و 9 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب قراءة القرآن- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(3) سنن البيهقي ج 10 ص 227.

(4) سورة الأحزاب: 33- الآية 58.

(5) الوسائل- الباب- 145- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(6) سنن البيهقي- ج 10 ص 238.

50

بالامرأة، لما فيه من سقوط الامرأة، قلت: قد يقال بحرمته مع فرض تأذيها بذلك و هتك حرمتها.

و ما عداه مباح إنشاء و إنشادا، و قد كان للنبي (صلى الله عليه و آله) شعراء يصغي إليهم، فيهم حسان بن ثابت و عبد الله بن رواحة و استنشد الشريد شعر أمية بن أبي الصلت فاستمع إليه (1) بل قد يستحب بل قد يجب.

و لكن الإكثار منه من حيث نفسه مع قطع النظر عن جهة أخرى ترجحه مكروه للنهي خصوصا ليلة الجمعة و يومها و للصائم (2) بل عن الخلاف كراهة إنشاده مطلقا مستدلا عليه بالإجماع و ب

قوله (صلى الله عليه و آله) (3): «لأن يمتلئ بطن الرجل (جوف أحدكم خ ل) قيحا أحب إلى من أن يمتلئ شعرا»

قال: «فان قالوا: المعني منه ما كان فحشا أو هجوا، و قال أبو عبيدة: معناه الاستكثار منه بحيث يكون الذي يتعلمه من الشعر و يحفظه أكثر من القرآن و الفقه قلنا: نحن نعمله على عمومه و لا نخصه إلا بدليل، و قوله تعالى (4):

«وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ» يدل على ذلك، و قد مر تفصيل الكلام في كثير من هذه الأحكام في كتاب المكاسب (5).

____________

(1) سنن البيهقي- ج 10 ص 226 و 227.

(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1 من كتاب الصلاة و المستدرك الباب- 43- منها- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 3 من كتاب الصلاة و المستدرك الباب- 43- منها الحديث 1 و سنن البيهقي ج 10 ص 244.

(4) سورة الشعراء: 26- الآية 224.

(5) راجع ج 22 ص 60- 62.

51

[المسألة السادسة العود و الصنج و غير ذلك من آلات اللهو حرام]

المسألة السادسة لا خلاف أيضا في أن العود و الصنج و غير ذلك من آلات اللهو حرام بمعنى أنه يفسق فاعله و مستمعه بل الإجماع بقسميه عليه:

قال الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (1): «لما مات آدم (ع) شمت به إبليس و قابيل، فاجتمعا في الأرض، فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم (عليه السلام) فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك».

و في خبر السكوني (2): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

أنهاكم عن الزمر و المزمار و عن الكوبات و الكبرات».

و في خبر إسحاق بن جرير (3) «أن شيطانا يقال له القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحا بالبربط و دخل عليه الرجال وضع ذلك الشيطان كل عضو منه على مثله من صاحب البيت، ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساءه فلا يغار».

و عن النبي (صلى الله عليه و آله) (4) «أن الله حرم على أمتي الخمر و الميسر و النرد و المرز و الكوبة و القنين»

إلى غير ذلك من النصوص، و عن المبسوط و المرز: شراب الذرة، و الكوبة: الطبل، و القنين: البربط.

و كيف كان فعن الخلاف و المبسوط يكر الدف في الاملاك و الختان خاصة ل

قول النبي (صلى الله عليه و آله) (5):

____________

(1) الوسائل- الباب- 100- من أبواب ما يكتسب به: الحديث 5 من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 100- من أبواب ما يكتسب به: الحديث 6 من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 100- من أبواب ما يكتسب به: الحديث 1 من كتاب التجارة.

(4) سنن البيهقي ج 7 ص 290.

(5) سنن البيهقي ج 7 ص 290.

52

«أعلنوا النكاح و اضربوا عليه بالغربال»

يعنى الدف،

و قوله (صلى الله عليه و آله) (1) أيضا: «فصل ما بين الحرام و الحلال بالضرب بالدف عند النكاح»

و ربما قيد الدف هنا بما خلا عن الصنج، و عن ابن إدريس ما عن التذكرة من أن الأقوى الحرمة، لعموم النصوص الناهية و كثرتها و عدم صلاحية ما ذكر لتخصيصها، و قد مر الكلام فيه في المكاسب (2).

[المسألة السابعة الحسد معصية]

المسألة السابعة لا خلاف في أن الحسد و هو تمني زوال النعمة عن الغير أو هزوله معصية

تأكل الايمان كما تأكل النار الحطب (3)

و أن آفة الدين الحسد و العجب و الفخر (4)

و أن الحاسد ساخط لنعم الله تعالى صاد لقسمته بين عباده (5)

و أن ستة يدخلون النار قبل الحساب بستة منهم العلماء بالحسد (6).

و كذا بغضة المؤمن للنهي (7) عن التعادي و التهاجر، و الأمر (8) بالتحاب و التعاطف في النصوص التي لا تحصى، و لكن الظاهر أن ما يجده الإنسان من الثقل من بعض إخوانه لبعض أحوال و أفعال أو

____________

(1) سنن البيهقي- ج 7 ص- 289.

(2) راجع ج 22 ص 49- 50.

(3) الوسائل- الباب- 55- من أبواب جهاد النفس- الحديث 1 من كتاب الجهاد.

(4) الوسائل- الباب- 55- من أبواب جهاد النفس- الحديث 5 من كتاب الجهاد.

(5) الوسائل- الباب- 55- من أبواب جهاد النفس- الحديث 6 من كتاب الجهاد.

(6) الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس- الحديث 6 من كتاب الجهاد.

(7) الوسائل- الباب- 136 و 144- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

(8) الوسائل- الباب- 124- من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

53

لغير ذلك ليس من البغض إن شاء الله فإنه لا ينفك عنه أحد من الناس.

هذا و في كشف اللثام و غيره أنه لما كان كل منهما قلبيا قال:

و التظاهر بذلك قادح في العدالة بل في المسالك «و إن كانا محرمين بدون الإظهار» و لكن في محكي المبسوط «إن ظهر منه سب و قول فحش فهو فاسق، و إلا ردت شهادته للعداوة».

قال الصادق (عليه السلام) في خبر حمزة بن حمران (1): «ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق و الطيرة و الحسد، إلا أن المؤمن لا يستعمل الحسد»

فيمكن أن يقال: إن التظاهر بهما محرم، و يؤيده ما تسمعه من الأصحاب من عدم اقتضاء العداوة الدنيوية- المفسرة عندهم بسرور كل منهما بمساءة الآخر و بالعكس- فسقا، كما ستعرف إن شاء الله، و تفصيل الحال في الحسد و ما يتولد منه و ما يداوي به و أقسامه التي فيها الخفي جدا في كتب الأخلاق.

[المسألة الثامنة لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرم]

المسألة الثامنة:

لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرم بإجماع علماء الإسلام و نصوصهم ف ترد به الشهادة مع الإصرار أو بدونه، كما هو ظاهر المتن و القواعد و الإرشاد و محكي التحرير و التلخيص، لأنه كبيرة عند أهل الشرع أو بحكمها، للأصل الذي عرفته.

و في خبر ليث المرادي (2) عن الصادق (عليه السلام) «أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 55- من أبواب جهاد النفس- الحديث 8 من كتاب الجهاد.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

54

رسول الله (صلى الله عليه و آله) كسى أسامة بن زيد حلة حرير فخرج فيها، فقال: مهلا يا أسامة، إنما يلبسها من لا خلاق له، فاقسمها بين نسائك».

و منه ينقدح احتمال اندراج لابس الحرير في نصوص المتشبهين بالنساء.

و كيف كان ف في التكأة عليه و الافتراش له فضلا عن التدثر به تردد و لكن الأقوى الجواز للأصل، بل هو مروي (1) أيضا خلافا للشافعي و أحمد، و قد مر تمام الكلام في ذلك في لباس المصلى (2).

و كذا يحرم التختم بالذهب بل و مطلق التحلي به للرجال بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (3) التي مرت في لباس المصلى (4) و ذكرنا هناك حرمته و لو طليا أو تمويها، و منه الأعلام في الثياب كما عن الذكرى الاعتراف به، خلافا للمحكي عن المبسوط فأحل المموه و المجرى فيه إذا اندرس و بقي الأثر، و عن ابن حمزة حل المموه من الخاتم و المجرى فيه الذهب، فلاحظ و تأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) راجع ج 8 ص 127- 128.

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب لباس المصلى- الحديث 6 و الباب- 30- منها من كتاب الصلاة.

(4) راجع ج 8 ص 111.

55

[المسألة التاسعة اتخاذ الحمام للأنس و الاستفراخ ليس بحرام]

المسألة التاسعة:

اتخاذ الحمام للأنس و إنفاذ الكتب و الاستفراخ ليس بحرام بلا خلاف أجده فيه على ما اعترف به غير واحد للأصل و غيره، بل قد يستفاد من النصوص استحباب اتخاذها، ففي

النبوي (1) «أن رجلا شكا إليه (صلى الله عليه و آله) الوحدة، فقال: اتخذ زوجا من حمام»

و عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «ما من بيت فيه حمام إلا لم يصب ذلك البيت آفة من الجن، إن سفهاء الجن يمضون إلى البيت فيعبثون بالحمام و يدعون الإنسان»

و قال عبد الكريم بن صالح (3): «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فرأيت على فراشه ثلاث حمامات خضر، فقلت: جعلت فداك هذا الحمام يقذر الفراش، فقال: لا إنه يستحب أن يسكن في البيت».

و إن اتخذها للفرجة و التطيير فهو جائز أيضا وفاقا للمشهور، بل عن ظاهر المبسوط الإجماع عليه، للأصل و خبر العلاء (4) «سمعته يقول: لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام»

و خبره الآخر (5) «سأل الصادق (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام، قال لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق، قال: فان من قبلنا يقولون: قال عمر: هو الشيطان، فقال: سبحان الله أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال:

إن الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الخف و الحافر و الريش

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب أحكام الدواب- الحديث 15 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب أحكام الدواب- الحديث 8 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب أحكام الدواب- الحديث 1 من كتاب الحج.

(4) الوسائل- الباب- 54- من كتاب الشهادات- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 54- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

56

و النصل فإنها تحضره»

بناء على إرادة الطير من الحمام فيه لا الخيل كما يحكى عن لسان أهل مكة و إن كان قد يشهد له ما في ذيله، كما ذكرنا ذلك في كتاب السبق (1).

و لكنه على كل حال مكروه لما فيه من العبث و اللعب و تضييع العمر في ما لا يجدي، بل قد يكون في بعض الأحوال أو الأزمنة أو الأمكنة من منافيات المروة، خلافا للمحكي عن ابن إدريس، فعد اللعب به فسقا مسقطا للعدالة، و كذا اللعب بكل شيء. و فيه منع واضح.

نعم الرهان عليها قمار لما عرفته في كتاب السبق (2) من اختصاص جوازه بالخف و الحافر من الحيوان. و قيل: «إن حفص بن غياث (3) وضع للمهدي العباسي في حديث «لا سبق» «أو ريش» ليدخل فيه الحمام تقربا إلى قلب الخليفة حيث رآه يحب الحمام، فلما خرج من عنده قال: أشهد أن قفاه قفا كذاب، ما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «أو ريش» و لكن أراد التقرب إلينا بذلك، ثم أمر بذبح الحمام» و منه يعلم ما في ذيل خبر العلاء (4) السابق، و قد تقدم تفصيل ذلك في كتاب السبق و الرماية (5) و كتاب المكاسب.

و قد عرفت حرمة اللعب بآلات القمار و إن لم يكن عوض بل أريد بها الحذق أو اللهو، كما أنك عرفت حرمته في غير موضوع السبق و الرماية، أما المغالبة بلا عوض في غير ما أعد للهو و اللعب، و المقامرة فقد ذكرنا

____________

(1) راجع ج 28 ص 217.

(2) راجع ج 28 ص 217.

(3) المستدرك- الباب- 4- من كتاب السبق و الرماية- الحديث 4 و فيه «جناح» بدل «ريش».

(4) الوسائل- الباب- 54- من كتاب الشهادات- الحديث 3.

(5) راجع ج 28 ص 217.