جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج42

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
433 /
7

[تتمة القسم الرابع في الأحكام]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين

[كتاب القصاص]

كتاب القصاص بالكسر فعال من قص أثره إذا تتبعه، و المراد به هنا استيفاء أثر الجناية من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، فكان المقتص يتبع أثر الجاني فيفعل مثل فعله، و يقال: اقتص الأمر فلانا من فلان إذا اقتص له منه.

و الأصل فيه- و قبل الإجماع و السنة المتواترة (1) قوله تعالى «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (2).

«مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً، وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً» (3).

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- و غيره من أبواب القصاص في النفس.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 179.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 32.

8

«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ، فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» (1).

«وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلّا بِالْحَقِّ» (2).

«وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً، فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً» (3).

«وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ» (4).

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على المطلوب و لو بالعموم، نحو قوله تعالى «وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ» (5).

«وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ» (6).

«وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ» (7).

«وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ» (8).

____________

(1) سورة البقرة: 2 الآية- 178.

(2) سورة الأنعام: 6- الآية 151.

(3) سورة الإسراء: 17- الآية 33.

(4) سورة المائدة: 5- الآية 45.

(5) سورة شورى: 42- الآية 40.

(6) سورة شورى: 42- الآية 40.

(7) سورة النحل: 16- الآية 126.

(8) سورة البقرة: 2- الآية 194.

9

و على كل حال فالقتل للمؤمن ظلما من أعظم الكبائر، قال الله تعالى (1) «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً» الآية.

و في خبر جابر بن يزيد (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «أول ما يحكم الله عز و جل فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف ابني آدم فيفصل بينهما ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى أحد من الناس بعد ذلك حتى يأتي المقتول بقاتله يشخب دمه في وجهه، فيقول: أنت قتلته فلا يستطيع أن يكتم الله حديثا».

و مر النبي (صلى الله عليه و آله) (3) بقتيل فقال: «من لهذا؟

فلم يذكر له أحد، فغضب ثم قال: و الذي نفسي بيده لو اشترك فيه أهل السماء و الأرض لأكبهم الله في النار».

و عنه (صلى الله عليه و آله) أيضا (4): «لو اجتمعت ربيعة و مضر على قتل امرئ مسلم قيدوا به».

و عن الصادق (عليه السلام) (5) «أنه وجد في ذؤابة سيف رسول الله (صلى الله عليه و آله) صحيفة، فإذا فيها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم إن أعتى الناس على الله يوم القيامة من قتل غير قاتله و ضرب غير ضاربه».

و عنه (عليه السلام) أيضا (6) «في رجل قتل رجلا مؤمنا قال:

يقال له: مت أي ميتة شئت: إن شئت يهوديا و إن شئت نصرانيا و إن شئت مجوسيا».

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 93.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 6.

(3) المستدرك- الباب- 2- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 5.

(4) المستدرك- الباب- 2- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 3- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

10

و عنه (عليه السلام) أيضا (1) «لا يدخل الجنة سافك دم و لا شارب خمر و لا مشاء بنميم».

و «لا يزال المؤمن في فسحة من ذنبه ما لم يصب دما حراما، قال: و لا يوفق قاتل المؤمن عمدا للتوبة» (2).

و عن ابن مسلم (3) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ- الآية- فقال: له مقعد لو قتل الناس جميعا لم يرد إلا ذلك المقعد».

و في آخر (4) عنه (عليه السلام) أيضا قلت له: «كيف كأنما قتل الناس جميعا و إنما قتل واحدا؟ فقال: يوضع في موضع من جهنم إليه ينتهي شدة عذاب أهلها، لو قتل الناس جميعا لكان إنما يدخل ذلك المكان، قلت: فإنه قتل آخر، قال: يضاعف عليه».

و نحوه

خبر حنان بن سدير (5) عن الصادق (عليه السلام) في تفسيرها أيضا قال: «هو واد في جهنم لو قتل الناس جميعا كان فيه، و لو قتل نفسا واحدة كان فيه».

إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على المبالغة في أمر القتل، بل و على تفسير الآية المزبورة بما عرفت، و لعله أوجه من جميع ما قيل فيها من الوجوه في التشبيه المعلوم عدم إرادة حقيقته، ضرورة منافاته الحس و العقل و العدل، و حاصله المبالغة في شأن القتل و الاحياء، و لا ينافي ذلك زيادة العقاب و الثواب على من فعل المتعدد منهما كما أشار (ع)

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 8 و فيه «في فسحة من دينه.».

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 10.

11

إليه بقوله: «يضاعف عليه» و إن اتحدوا جميعا في واد واحد و في مقعد كذلك.

و كيف كان ف هو قسمان:

[القسم الأول في قصاص النفس]

الأول في قصاص النفس و النظر فيه يستدعي فصولا:

[الفصل الأول في الموجب]

الأول في الموجب و هو إزهاق النفس المعصومة و إخراجها من التعلق بالبدن المكافئة و المساوية لنفس المزهق في الإسلام و الحرية و غيرهما من الشرائط الآتية أو الأعلى عمدا عدوانا.

و ترك الأخير في النافع، قيل: و لعله للاستغناء عنه بالمعصومة، فان المقتول قصاصا أو دفاعا غير معصوم الدم بالنسبة إلى القاتل و إن كان معصوما بالنسبة إلى غيره، فلا يصدق على نفسه إطلاق المعصومة المنساق منه الكل، و الصبي و المجنون خارجان بالعمد الذي لا يتحقق منهما بعد أن كان عمدهما خطأ، كما اعترف به فيما يأتي من كلامه.

و لكن فيه أنه حينئذ لا يشمل المقتول ظلما و إن كان عليه قصاص لغير القاتل، فالأولى إرادة العصمة ذاتا، فلا بد حينئذ من زيادة العدوان و لو لأنه حينئذ أوضح من احتمال إرادة المعصومة بالنسبة إلى القاتل المحتاج إلى قيد، و الأمر سهل.

12

و حينئذ فلو قتل غير معصوم الدم كالحربي و الزاني المحصن و المرتد و كل من أباح الشرع قتله فلا قصاص و إن أثم في بعض الصور، باعتبار كون قتله حدا مباشرته للحاكم و إن كان غير معصوم الدم في نفسه، و كذا لو قتل غير المكافىء له، كالمسلم يقتل الذمي و الحر العبد و الأب الابن بخلاف العكس الذي يكون المقتول فيه أعلى.

و على كل حال فلا إشكال و لا خلاف في أنه يتحقق العمد بقصد البالغ العاقل إلى القتل ظلما بما يقتل غالبا بل و بقصده الضرب بما يقتل غالبا عالما به و إن لم يقصد القتل، لأن القصد إلى الفعل المزبور كالقصد إلى القتل، بل قيل يفهم من الغنية الإجماع عليه، و لعله كذلك، بل يعضده المعتبرة المستفيضة.

كالصحيح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يرفع عنه الضرب حتى مات أ يدفع إلى أولياء المقتول؟ قال: نعم، و لكن لا يترك يعبث به، و لكن يجهز عليه بالسيف»

و نحوه خبر سليمان بن خالد (2) و خبر موسى بن بكير (3) و غيرهما من النصوص الشاملة بإطلاقها لمن قصد القتل بالمفروض الذي هو مما يقتل مثله غالبا و عدمه و لكن قصد الفعل.

بل يكفي قصد ما سببيته معلومة عادة و إن ادعى الفاعل الجهل به، إذ لو سمعت دعواه بطلت أكثر الدماء، كما هو واضح.

بل الظاهر عدم تحقق العمد الذي هو عنوان القصاص إلا مع جمع القيود المزبورة عدا الأخير، ضرورة كون عمد الصبي و المجنون خطأ شرعا و كذا لو قتله بعنوان أنه حيوان أو جماد أو نحو ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس الحديث 10.

13

نعم لو قصد القتل بما يقتل نادرا فاتفق القتل به ف ان فيه على ما قيل قولين، و لكن الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها صدق إطلاق الأدلة أن عليه القصاص بل الأشهر، بل لعل عليه عامة المتأخرين، كما اعترف به في الرياض، بل لم أجد فيه خلافا و إن أرسل، بل في كشف اللثام نسبته إلى ظاهر الأكثر، و لكن لم نتحققه.

نعم يظهر من اللمعة نوع تردد فيه، و لعله مما عرفت و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1) «العمد كل ما اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة فهذا كله عمد، و الخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره».

و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (2) «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يخالف يحيى بن سعيد قضاتكم؟ قلت: نعم، قال: هات شيئا مما اختلفوا فيه، قلت: اقتتل غلامان في الرحبة فعض أحدهما صاحبه، فعمد المعضوض إلى حجر فضرب به رأس الذي عضه فشجه فكبر فمات، فرفع ذلك إلى يحيى بن سعيد فأقاده، فعظم ذلك على ابن أبي ليلى و ابن شبرمة و كثر فيه الكلام، و قالوا: إنما هذا الخطأ فوداه عيسى بن علي من ماله، قال: فقال: إن من عندنا ليقيدون بالوكزة، و إنما الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره».

و في صحيحه الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «إنما الخطأ أن تريد شيئا فتصيب غيره، فأما كل شيء قصدت إليه فأصبته فهو العمد».

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(3) لم نعثر على هذه الصحيحة في كتب الأخبار، و ليس لعبد الرحمن في تفسير قتل العمد و الخطأ إلا روايتان: الأولى ما تقدمت، و الثانية ما ستأتي عن تفسير العياشي.

14

و في خبره المروي عن تفسير العياشي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إنما الخطأ أن تريد شيئا فتصيب غيره، فأما كل شيء قصدت إليه فأصبته فهو العمد».

و قول أحدهما (عليهما السلام) في المرسل (2) كالصحيح: «قتل العمد كل ما عمد به الضرب فعليه القود، و إنما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره».

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (3): «لو أن رجلا ضرب رجلا بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمدا»

مؤيدا ذلك كله بعدم مدخلية الآلة لغة و عرفا في الصدق.

و من

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي العباس (4) «قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله، قال: هذا خطأ، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشاة فأصيب رجلا، قال:

هذا الخطأ الذي لا شك فيه، و العمد الذي يضرب بالشيء يقتل بمثله».

و المرسل عن ابن سنان (5) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطأ شبه العمد أن يقتله بالسوط أو بالعصا أو بالحجارة: إن دية ذلك تغلظ، و هي مائة من الإبل».

و خبر زرارة و أبي العباس (6) عنه (عليه السلام) أيضا قال:

«إن العمد أن يتعمده فيقتله بما يقتل مثله، و الخطأ أن يتعمده و لا يريد أن يقتله فقتله بما لا يقتل مثله، و الخطأ الذي لا شك فيه أن يتعمد شيئا آخر فيصيبه».

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 18.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 11.

(6) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 13.

15

و مرسل ابن أبي عمير (1) المروي عن تفسير العياشي عن أحدهما (عليهما السلام) «مهما أريد تعين القود، و إنما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره»

فان الحصر المزبور ظاهر في المطلوب، بل قوله (عليه السلام): «مهما» إلى آخره كذلك أيضا بناء على أن المراد ما يراد به القتل عادة منه فتأمل.

و خبر زرارة (2) المروي فيه أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الخطأ أن تعمده و تريد قتله بما لا يقتل مثله، و الخطأ ليس فيه شك أن تعمد شيئا آخر فتصيبه».

و خبره الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «العمد أن تعمده فتقتله بما مثله يقتل».

و مرسل يونس (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إن ضرب رجل رجلا بعضا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو شبيه العمد، فالدية على القاتل، و إن علاه و ألح عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله فهو عمد يقتل به، و إن ضربه ضربة واحدة فتكلم ثم مكث يوما أو أكثر من يوم فهو شبيه العمد».

مؤيدا ذلك كله بالاحتياط، و بأن الآلة لما كانت مما لا تقتل عادة فمجامعة القصد معها كعدمه، بل هو كالقصد بلا ضرب، و بإمكان حمل

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 16 و فيه «كلما أريد به ففيه القود.» كما في البحار ج 104 ص 395 و تفسير العياشي ج 1 ص 264.

(2) الوسائل الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 17 و فيه «إن الخطأ أن يعمده و لا يريد قتله.» كما في المستدرك- الباب- 11- من تلك الأبواب- الحديث 5 و البحار ج 104 ص 395 و تفسير العياشي ج 1 ص 264.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 20.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 5.

16

العمد في النصوص المتقدمة على شبيه العمد، لمقابلته بالخطإ المحض.

لكن لا يخفى عليك أن الاحتياط لا يجب مراعاته بعد ظهور الأدلة، و ربما كان معارضا لحق الغير، و التعليل المزبور لا حاصل له، و أن الجمع المزبور مناف لما تضمنه بعضها من التصريح بالقود في العمد، و أنه ليس بأولى من حمل هذه النصوص على صورة عدم القصد إلى القتل، كما هو الغالب في الضرب بما لا يقتل إلا نادرا و إن كان في بعضها «يريد قتله» بل هذا أولى من وجوه لا تخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه، و بعد ضعف جملة منها و لا جابر، و معتبر السند منها غير مقاوم لتلك من وجوه أيضا.

و قد بان لك من ذلك كله أن العمد يتحقق به كسابقه.

و هل يتحقق أيضا مع القصد إلى الفعل الذي يحصل به الموت و إن لم يكن قاتلا في الغالب إذا لم يقصد به القتل أو قصد العدم كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف؟ فيه روايتان (1) أشهرهما عملا كما في النافع و المسالك أنه ليس بعمد يوجب القود بل لا أجد فيه خلافا بين المتأخرين، بل عن الغنية الإجماع عليه، للنصوص السابقة (2) المنجبرة و المعتضدة هنا بما سمعت مضافا إلى ظهورها في ما نحن فيه و لو من الغلبة التي ذكرناها، فترجح حينئذ بذلك كله على إطلاق النصوص الأولة المقابلة لها أو عمومها، فتقيد أو تخصص بها.

خلافا للمحكي عن المبسوط من أنه عمد أيضا كالسابق، إما مطلقا كما حكاه عنه بعض، لا طلاق النصوص السابقة المعارض لإطلاق الأخرى المرجح عليه هنا بالاعتضاد بالشهرة و الإجماع المحكي، و إما في الأشياء المحددة خاصة، كما هو مقتضى عبارته المحكية عن مبسوطة في كشف اللثام

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس.

17

على طولها، فان محصلها كما اعترف هو به الفرق بين المحدد و غيره، فلا يعتبر في عمد الأول القصد بخلاف الثاني.

و هو شيء غريب إن أراد به من حيث العرف، و إن أراد من حيث الشرع فلم نجد ما يشهد له سوى

خبر عبد الله بن زرارة (1) عن الصادق (عليه السلام) «إذا ضرب الرجل بحديدة فذلك العمد»

الذي لا يصلح به نفسه الخروج عما عرفت من وجوه مع احتماله القصد إلى القتل بذلك أيضا، و أما بعض النصوص السابقة المطلقة فلا إشارة في شيء منها إلى التفصيل المزبور، و من ذلك يعلم الاتفاق على عدم العمل به، فلا بد من تقييده بذلك أو بما عليه الأصحاب من الحمل على صورة القصد إلى القتل، و لعل الثاني أولى لما عرفته من الوجوه السابقة.

و لكن الانصاف مع ذلك كله عدم خلو الفرق بين الصورتين بالقصد و عدمه من الاشكال بعدم مدخلية القصد في صدق القتل عرفا.

اللهم إلا أن يقال هو كذلك في صدق القتل بخلاف العمد إلى القتل، فإنه مع عدم القصد إليه و لا إلى فعل ما يحصل به القتل غالبا لا يصدق العمد إليه، بل لا يقال قتله متعمدا أي إلى قتله.

أو يقال: إنه لا فرق بينهما في الصدق العرفي، و لكن الأدلة الشرعية تكفي في الفرق بينهما في الأحكام، فأجرت على الأخير حكم الخطأ شبه العمد بخلاف الأول.

و العمدة في تنزيل إطلاق النصوص المزبورة على ذلك الشهرة المحققة و المحكية و الإجماع المحكي و لو لا ذلك لكان المتجه فيه القصاص، لصدق القتل عمدا على معنى حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدوانا الذي حصل

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 9 و هو خبر الفضل ابن عبد الملك بسند الصدوق (قده) كما في الفقيه ج 4 ص 77- الرقم 239.

18

به القتل و إن كان مما يقتل نادرا، إذ ليس في شيء من الأدلة العمد إلى القتل، بل و لا العرف يساعد عليه، فإنه لا ريب في صدق القتل عمدا على من ضرب رجلا عاديا غير قاصد للقتل أو قاصدا عدمه فاتفق ترتب القتل على ضربه العادي منه المتعمد له.

و ربما يشهد لذلك ما تسمعه منهم من إجراء حكم العمد على الضرب بالآلة التي لا يقتل مثلها و لكن اتفق سرايتها حتى قتلت، و ليس ذلك إلا للصدق المزبور و ليس في الأدلة ما يخرجه كما ستسمع تحريره.

و قد تحصل من ذلك أن الأقسام ثلاثة: عمد محض، و هو قصد الفعل الذي يقتل مثله، سواء قصد القتل مع ذلك أو لا، و قصد القتل بما يقتل نادرا، و شبه العمد قصد الفعل الذي لا يقتل مثله مجردا عن قصد القتل، و الخطأ أن لا يقصد الفعل و لا القتل أو يقصده بشيء فيصيب غيره.

ثم العمد قد يحصل بالمباشرة، و قد يحصل بالتسبيب و أما الشرط فلا يجب به قصاص أصلا، و لكن قد تجب به الدية بالشروط التي ستعرفها إنشاء الله، و لعله لعدم صدق القتل به عمدا، إذ المراد به ما يقف عليه تأثير المؤثر، و لا مدخل له في العلة للزهوق، أي لا تأثير له، كحفر البئر بالنسبة إلى الوقوع فيها، إذ الوقوع مستند إلى علته، و هي التخطي، بخلاف العلة التي يستند الازهاق إليها ابتداء، أو بواسطة، كالجراحات القاتلة بالسراية، فإنها تولد السراية، و السراية مولدة للموت أو بوسائط، كالرمي المولد للجرح المولد للسراية المولدة للموت.

و ربما قيل: إنها المباشرة، و لكن الظاهر أن المراد بها إيجاد أقرب العلل إلى الزهوق، أي المؤدية إليه ابتداء.

و أما السبب فهو ماله أثر في التوليد للموت كما للعلة، و لكن يشبه الشرط من وجه، و مراتبه ثلاثة: الإكراه و شهادة الزور و تقديم الطعام

19

المسموم للضيف، و سيأتي للمصنف التعرض لها في الأثناء و إن أطنب الفاضل في القواعد فيها.

و لكن التحقيق عدم الثمرة لذلك بعد صدق اسم القتل عمدا أو خطأ بهما، إذ ليس في شيء من الأدلة عنوان الحكم بلفظ المباشرة و السبب، و إنما الموجود، «قتل متعمدا» و نحوه، فالمدار في القصاص مثلا على صدقه، نعم ما لا يحصل فيه الصدق المزبور يحتاج إلى الدليل في ضمانه القصاص أو الدية، و ينبغي الاقتصار عليه و على ما يلحق به مما يستفاد من فحوى دليله أو من الإجماع أو من غيره كما أطنبنا في ذلك في كتاب الغصب (1) فلاحظ و تأمل، فإن المقام قريب منه.

و كان ذكر السبب و المباشرة هنا لفائدة الاشتراك في الثاني و غيره مما تعرفه في مطاوي البحث، و إلا فمع صدق القتل بهما عمدا لا فرق بينهما، كما هو واضح.

[أما المباشرة]

أما المباشرة فكالذبح و الخنق باليد و سقي السم القاتل بإيجاره في حلقه و الضرب بالسيف و السكين و المثقل و الحجر الغامز و الكابس على البدن لثقله و الجرح في المقتل و لو بغرز الإبرة و نحو ذلك مما يرجع إلى صدق القتل مباشرة.

و لكن أطنب في القواعد و شرحها للاصبهاني فيها و قالا: «إنها نوعان: الأول أن يضربه بمحدد، و هو ما يقطع و يدخل في البدن كالسيف و السكين و السنان و ما في معناها مما يحدد فيجرح و يقطع من الحديد و الرصاص و النحاس و الذهب و الفضة و الزجاج و الحجر و القصب و الخشب، فهذا كله إذا جرح به جرحا كبيرا يقتل مثله غالبا، فهو قتل عمدا إذا تعمده، و إن جرحه بأحد ما ذكر جرحا صغيرا لا يقتل مثله غالبا كشرطة

____________

(1) راجع ج 37 ص 46- 53.

20

الحجام أو غرزة بإبرة أو شوكة فإن كان في مقتل كالعين و الفؤاد و الخاصرة و الصدغ و أصل الاذن و الأنثيين و المثانة و نقرة النحر فمات فهو عمد أيضا، لأنه مما يقتل غالبا، و إن كان في غير مقتل فان كان قد بالغ في إدخالها فهو كالكبير من الجرح، لأنه قد يشتد ألمه و يفضى إلى القتل، فإذا بالغ مبالغة كذلك فقد فعل ما يقتل غالبا و إن كان الغرز يسيرا أو جرحه جرحا يسيرا كشرطة الحجام فإن بقي المجروح من ذلك ضمنا- أي مريضا زمنا- حتى مات أو حصل بسببه تشنج أو تأكل أو ورم حتى مات فهو عمد كما في المبسوط، لتحقق العلم بحصول القتل بفعله، كما إذا سرى الجرح فمات، فإنه يوجب القصاص، فالضابط في القصاص العلم العادي بتسبب موت المقتول من فعله المعتمد به. الثاني أن يضربه بمثقل يقتل مثله غالبا كاللت- أي الدبوس و هو فارسي- و المطرقة و الخشبة الكبيرة و الحجارة الكبيرة أو يضربه بحجر صغير أو عصا، أو يلكزه بها في مقتل أو في حال ضعف المضروب بمرض أو صغر أو في زمن مفرط في الحر و البرد، و بالجملة بحيث يقتله بتلك الضربة غالبا بحسب الزمان و حال المضروب و محل الضرب، أو يكرر الضرب عليه حتى يقتله بما يقتل من العدد غالبا عادة، و هو أيضا يختلف باختلاف الزمان و باختلاف حال المضروب كما في المبسوط، و كل ذلك يوجب القود و إن لم يقصد القتل بذلك أو ادعى الجهل بإفضائه إلى القتل عادة، فإنه لو سمع منه ذلك أدى إلى إهدار دماء المسلمين، أما لو ضربه بشيء صغير جدا كالقلم و الإصبع في غير مقتل أو مسه بالكبير من غير ضرب و لا مس عنيف و لم يكن مما يقتل مثله- و بالجملة فعل ما لا يحتمل استناد القتل إليه عادة و لا نادرا- فلا قود و لا دية، لأنه لم يقتل عمدا و لا خطأ، و إنما اتفق موته مع فعل من أفعاله، و كذا يجب القصاص بالذبح و نحوه مما لا يدخل في الضرب بمحدد أو مثقل،

21

و الخنق الذي هو كذلك».

و لكن ذلك كله كما ترى لا يرجع إلى محصل بعد ما عرفت أن المدار على صدق القتل عمدا، سواء كان مباشرة أو تسبيبا، بل لم نجد شيئا منهما عنوانا في شيء من الأدلة، كما أن جملة مما ذكروه في السبب يعد مباشرة عرفا، و قد ذكر الفاضل الخنق تارة بالمباشرة و أخرى بالتسبيب، و نحوه وقع للمصنف، نعم ما سمعته من الضابط المزبور في القصاص موافق لما ذكرناه، هذا كله في المباشرة.

[أما التسبيب]

و أما التسبيب فله مراتب:

[المرتبة الأولى انفراد الجاني بالتسبيب المتلف]

الأولى انفراد الجاني بالتسبيب المتلف، و فيه صور:

[الصورة الأولى لو رماه بسهم فقتله قتل]

الأولى لو رماه بسهم فقتله قتل لا لأنه مما يقصد به القتل غالبا ضرورة كونه أعم من ذلك، بل لما سمعته من صدق القتل عمدا و إن لم يقصد القتل به، بل و إن قصد عدمه فاتفق القتل، بل لو أراد برميه غير المقتل فأصاب المقتل، فان ذلك كله من العمد الموجب للقصاص لما عرفته، و لا يرد التأديب و نحوه مما لم يكن عدايا فيه، نعم خرج من ذلك الصورة المزبورة خاصة للأدلة المذكورة.

و كذا لو رماه بحجر المنجنيق، و كذا لو خنقه بحبل و لم يرخ عنه حتى مات أو أرسله منقطع النفس و إن لم يكن ميتا أو غير منقطع بل تردد و لكن بقي ضمنا زمنا في جسده بلاء من الخنق المزبور حتى مات بل في كشف اللثام «طالت المدة قدرا يقتل الخنق في مثله غالبا أو لا، قصد القتل أو لا لما عرفت» أي من الضابط المزبور.

لكن في المتن متصلا بذلك أما لو حبس نفسه يسيرا لا يقتل مثله لمثله غالبا ثم أرسله فمات ففي القصاص تردد ينشأ مما سمعته سابقا.

و لكن الأشبه بأصول المذهب و قواعده القصاص إن قصد القتل، و الدية إن لم يقصد أو اشتبه القصد لما تقدم، إذ ذلك

22

فرع من المسألة السابقة كما اعترف به في المسالك و غيرها، بل قد عرفت عدم الخلاف فيه بناء على أن المحكي عن الشيخ إنما هو في المجدد دون غيره، نعم لو كان ضعيفا لمرض أو صغر يموت بمثله فهو عمد و إن لم يقصد القتل، كما صرح به بعضهم.

و في القواعد «و كذا لو داس بطنه أو عصر خصيتيه حتى مات أو أرسله منقطع القوة أو ضمنا حتى مات» و في كشف اللثام «فالقصاص أتى منهما بما يقتل غالبا أو لا، قصد القتل أو لا، و إن أتى بما يقتل نادرا و مات عقبه من غير أن يتعقبه ضمنه، فان قصد القتل فالقصاص و إلا الدية، و هما يختلفان بالشدة و الضعف و طول المدة و قصرها، و ضعف المقتول و قوته».

و هذا صريح في الفرق في ما لا يقتل مثله بين أن يعقب مرضا و عدمه، فالأول القصاص و إن لم يقصد القتل به، و إلا فإن قصد فالقصاص، و مع عدمه الدية، و ربما كان ظاهر المصنف أيضا و ستسمع تحقيقه.

[الصورة الثانية إذا ضربه بعصا مكررا ما لا يحتمله مثله بالنسبة إلى بدنه و زمانه]

الصورة الثانية: إذا ضربه بعصا مكررا ما لا يحتمله مثله بالنسبة إلى بدنه و زمانه من حيث الضعف و المرض و الصغر و نحوها و الحر البرد فمات فهو عمد بلا خلاف نصا و فتوى و لا إشكال سواء قصد القتل أو لا.

قال الصادق (عليه السلام) في مرسل يونس (1) السابق: «و إن علاه و ألح عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله فهو عمد يقتل به».

و في الصحيح (2) «سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلا بعضا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات أ يدفع إلى المقتول فيقتله؟

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2.

23

قال: نعم».

و نحوهما غيرهما من النصوص (1).

و لو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضا و مات فالبحث فيه كالأول و في القواعد و شرحها التصريح بأن عليه القصاص كالمخنوق المرسل ضمنا حتى مات.

و في المسالك «لأن ضربه و إن لم يكن قاتلا غالبا و لا قصده إلا أن أعقابه للمرض الذي حصل به التلف صير الأمرين بمنزلة سبب واحد، و هو مما يقتل غالبا و إن كان الضرب على حدته مما لا يقتل، و يؤيده ما سيأتي من أن سراية الجرح عمدا يوجب القود و إن كان الجرح غير قاتل، و هذا من أفراده، لأن المرض مسبب من الجرح، و منه نشأ الهلاك، فكان في معنى السراية، و بهذا الحكم صرح في القواعد و التحرير، و لا يخلو من إشكال، لأن المعتبر كما تقدم إما القصد إلى القتل أو فعل ما يقتل غالبا، و المفروض هنا خلاف ذلك، و إنما حدث القتل من الضرب و المرض المتعقب له، و المرض ليس من فعل الضارب و إن كان سببا فيه، و لأجل هذا الاشكال فسر بعضهم «الأول» في قول المصنف: «فالبحث كالأول» بما فصله سابقا في الصورة الأولى من قوله: «أما لو حبس نفسه يسيرا لا يقتل مثله غالبا- إلى قوله-: أشبهه القصاص إن قصده القتل، و الدية إن لم يقصد» فيكون الحكم هنا أن الضرب المتعقب للمرض عمدا إن قصد به القتل فالقصاص، و يوجب الدية إن لم يقصد، لا أنه عمد مطلقا، و هذا التفسير و إن وافق الظاهر من الحكم إلا أنه غير مراد للمصنف، لأنه حكمه و حكم غيره في خصوص هذه المسألة بكونه عمدا مطلقا، و العلامة فرض المسألة على وجه لا يحتمل سوى ذلك، و إن كانت عبارة المصنف بقرب المسألة الأخرى محتملة احتمالا مرجوحا».

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب القصاص في النفس.

24

قلت: هو كذلك حتى لو كانت السراية فيه نادرة، و لكن لعل الوجه فيه ما ذكرناه من كون الجميع عمدا لما عرفته من الصدق العرفي من غير اعتبار قصد القتل و لا كون الشيء مما يقتل مثله غالبا، إذ ذلك عمد إلى القتل لا قتله عامدا، و العنوان في الأدلة الثاني الذي تشهد له النصوص السابقة لا الأول الذي و إن شهدت له النصوص الأخر في الجملة إلا أنه لا جابر لها، لكن خرج عن ذلك صورة عدم تعقب المرض، للنصوص المزبورة، و بقيت هي تحت الضابط و لو لعدم انجبار تلك النصوص بالنسبة إلى هذه الصورة المؤيدة بنصوص سراية الجرح الغير القاتل مثله و الاتفاق ظاهرا هنا، لا ما سمعته من كونه مع السراية مما يقتل غالبا و لا فحوى سراية الجرح، إذ هما معا كما ترى، و الله العالم.

و مثله لو حبسه و منعه الطعام و الشراب فان كان مدة لا يحتمل مثله البقاء فيها صحة و مرضا و شبعا و جوعا و ريا و عطشا فمات فهو عمد بلا خلاف و لا إشكال، و إن لم يكن كذلك، بل كان مدة يحتمل مثله البقاء فيها و لكن أعقبه ذلك مرضا علم أنه مسبب عنه مات به أو ضعف قوة كذلك حتى تلف فيه فهو عمد و إن لم يرد القتل، لما عرفته و إن لم يكن تولد ذلك غالبا منه، و يختلف ذلك باختلاف الناس قوة و حالا و زمانا.

نعم في ثبوت القصاص مع جهل الجاني بالحال في القواعد إشكال، و لعله من تحقق القتل مما يقتل مثله عادة و تعمده، و من الجهل بأنه ممن يقتله. و فيه أن مقتضى ما ذكرناه القصاص، ضرورة صدق العمد إلى فعل يترتب عليه الموت.

بل فيها أيضا «فإن نفيناه ففي إيجاب كل الدية أو نصفها إحالة للهلاك على الجوعين إشكال» و نحوه في جريان الإشكالين ضرب المريض

25

بما يقتله مع الجهل بحاله.

و لكن فيه أن مقتضاه عدم القصاص فيه في صورة العلم إلا مع رد نصف الدية في متابعة الجوع الأول الذي هو غير مضمون على الجاني، و هو معلوم العدم، فالتحقيق ثبوت الدية كلا للصدق مع عدم دليل على التوزيع في مثله، و لعله لذا استضعف النصف في محكي التحرير، و الله العالم.

[الصورة الثالثة لو طرحه في النار فمات قتل به]

الصورة الثالثة: لو طرحه في النار فمات قتل به إذا كان على وجه لا يتمكن من التخلص لكثرتها أو لضعفه، أو لأنه في وهدة أو نحو ذلك، أو لأنه منعه هو منه.

بل في المتن و لو كان قادرا على الخروج بمعنى عدم مانع ظاهر من نحو ما عرفت و لكن يمكن عدم خروجه لأنه قد يشده و يدهش لأن النار قد تشنج الأعصاب بالملاقاة مثلا فلا يتيسر الفرار و مقتضاه ثبوت القصاص حينئذ كالمحكي عن الإرشاد و التلخيص.

و في المسالك توجيهه بعد فرض موضوع المسألة في من مات فيها و اشتبه الحال هل كان قادرا فتركه تخاذلا أم لا بأن «التسبب المقتضى للضمان و هو الإلقاء متحقق مع الشك في المسقط، و هو القدرة على الخروج مع التهاون فيه، و لا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يعلم التخاذل عن الخروج، لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهشة و تحير أو تشنج أعضائه و نحو ذلك».

و على كل حال فمقتضى الجميع ثبوت القصاص، و لكن عن الخلاف القطع بعدمه، بل هو ظاهر القواعد أو صريحها أيضا، قال: «و لو تركه في نار فتمكن من التخلص منها لقلتها أو لكونه في طرفها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص، و في الضمان للدية إشكال، أقربه السقوط إن علم أنه ترك الخروج تخاذلا، و لو لم يعلم ذلك ضمنه و إن

26

قدر على الخروج، لأن النار قد ترعبه و تدهشه و تشنج أعضاءه بالملاقاة، فلا يظفر بوجه التخلص».

و من هنا قال في كشف اللثام: «إنها تعطي القطع بعدم القصاص مطلقا و التردد في سقوط الدية، ثم استقربه إذا علم الإهمال تخاذلا- ثم قال-: و مبني الوجهين على تعارض ظاهرين و أصلين، فان الظاهر من حال الإنسان أن لا يتخاذل عن الخروج حتى يحترق و ظاهر النار المفروضة سهولة الخروج عنها، و أنه لا يحترق بها إلا من تعمد اللبث فيها، و الأصل براءة الذمة، و الأصل عدم الشركة في الجناية، و الاحتياط يقوى ما في الكتاب».

قلت: قد يقال: إن مبنى المسألة على تحقق صدق قتله، فان حصل اتجه القصاص حينئذ مع فرض كونه الشيء مما يقتل مثله غالبا و إلا فمع قصد القتل به أو إذا لم يقصد عدم القتل به و إن لم يحصل فالمتجه سقوطها معا.

و دعوى أن مجرد الإلقاء سبب للضمان واضحة المنع، ضرورة عدم دليل على كونه كذلك، فليس هنا إلا صدق قتله، و الاحتياط في الدماء لو سلم عدم اقتضائه للقصاص و لو للشبهة بناء على أنه كالحد في ذلك لكنه لا يقتضي ضمان الدية مع عدم العلم بالترك تخاذلا، فالتحقيق مراعاة الصدق المذكور على الوجه المزبور و لو بملاحظة الظاهر الذي لا ينافيه بعض الاحتمالات، هذا كله مع عدم العلم.

أما لو علم أنه ترك الخروج تخاذلا بالقرائن أو بإقراره فلا قود قطعا لأنه هو الذي أعان على نفسه بلبثه الذي هو كون غير كون الإلقاء، فيستند القتل إليه لا إلى الجاني.

و منه يقدح أن لا دية له أيضا، لأنه مستقل بإتلاف

27

نفسه و إن كان الجاني قد جنى عليه بالإلقاء فيها، إلا أن ذلك ليس سببا مقتضيا للضمان مع فرض قدرته على التخلص.

و لا كذلك لو جرح فترك المداواة فمات المتفق على ضمان الجاني فيه لأن السراية المزهقة للنفس مع ترك المداواة من آثار الجرح المضمون على الجاني ابتداء و سراية، و التقصير بترك المداواة لا ينافي استناد السراية إلى الجرح و كونها من آثاره.

و أما التلف بالنار ف ليس بمجرد الإلقاء و لا بأثره بل بالإحراق بالنار المتجدد بعد الإلقاء الذي لو لا المكث لما حصل فهو شيء غير الأول، نعم على الملقى ضمان ما شيطته النار عند وصوله إليها إلى أن يخرج منها في أول أوقات الإمكان.

و لو لم يمكنه الخروج إلا إلى ماء مغرق فخرج فغرق ففي القواعد في الضمان إشكال، و لو لم يمكنه إلا بقتل نفسه فالإشكال أقوى، و الأقرب الضمان، لأنه صيره في حكم غير مستقر الحياة، و وافقه عليه في ظاهر كشف اللثام، لكن فيه- مع فرض بقائه على اختياره- عدم صدق نسبة القتل إلى الأول لا مباشرة و لا تسبيبا، ضرورة عدم كون ذلك من توليد الأول.

و كذا البحث لو طرحه في اللجة فإن كان على وجه لا يتمكن من التخلص من الغرق فعمد قطعا، و لو ألقى العالم بالسباحة في ماء مغرق فترك السباحة حتى مات و لكن لم يعلم أنه عن تخاذل أو عن دهشة و نحوها ففيه البحث السابق الذي منه يعلم الحكم في باقي الصور، إذ لا فرق بين النار و الماء.

و لو غرقه آخر لقصد التخليص من التلف أو من زيادة الألم ففي القواعد الأقرب الحوالة بالضمان على الأول، فإن كان وارثا منع من

28

الإرث، و كذا في صورة ضمان الثاني.

و فيه أنه لا وجه للمنع من الإرث بعد عدم صدق أنه القاتل، و خصوصا على تقدير ضمان الثاني الذي مبناه أنه القاتل لا الأول، و دعوى كون المانع له التهمة و إزالة استقرار الحياة حكما لا حاصل لها بعد عدم ثبوت عنوان الممنوع، كما أنه لا حاصل لدعوى كون الضمان على الأول و إن كان الذي غرقه الثاني، لأنه الذي صيره غير مستقر الحياة بخلاف الثاني الذي هو محسن، ضرورة حصول الموت بفعل الثاني لا الأول الذي زال أثر فعله، فهو في الحقيقة كما لو قتله الآخر لتخليصه من زيادة الألم، فإنه لا إشكال في كون الضمان عليه إلا الأول، و الله العالم.

و لو فصده فترك هو شده فنزف دما حتى مات أو ألقاه في ماء فأمسك نفسه تحته مع القدرة على الخروج فلا قصاص و لا دية بلا خلاف و لا إشكال في الأخير، لأنه القاتل دون الملقي باعتبار أن الكون المتأخر عن كون الإلقاء مستند إليه.

و أما الأول ففي القواعد الاشكال فيه، و في كشف اللثام «من استناد الموت إلى تفريط، و كون الفصد غير مهلك عادة، و أصل عدم وجوب الشد على الفصاد إلا مع نقص المفصود لصغر أو جنون أو إغماء، و هو خيرة الإرشاد و التخليص، و من استناده إلى سراية الجرح فهو كغيره من الجراحات التي يهمل المجروح مداواتها، و ربما احتمل تضمين الطبيب إذا كان بأمره، فإنه معالجة» و نحوه في المسالك و مجمع البرهان.

قلت: ظاهر المصنف و غيره ممن ذكر المسألة هنا فرض المسألة في الفصد عدوانا لا مداواة، و لعل الفرق بينه و بين السراية بترك المداواة أن الفصد بنفسه غير قاتل، و إنما الذي قتله خروج الدم المستند كونه إلى إبقائه، فهو كاللبث في النار في استناد الموت إلى أمر لم يكن من فعل

29

الجاني و لا من آثاره، بخلاف سراية الجرح نفسه التي هي من آثار الجرح و إن ترك المداواة إثما، أو يقال: إن الفارق بينهما العرف، و الله العالم.

[الصورة الرابعة السراية عن جناية العمد توجب القصاص مع التساوي]

الصورة الرابعة: السراية عن جناية العمد توجب القصاص مع التساوي بلا خلاف أجده فيه، بل الظاهر الاتفاق عليه، كما اعترف به في كشف اللثام، بل فيه أن إطلاقهم يشمل كل جراحة، قصد بها القتل أم لا، كانت مما تسري غالبا أم لا.

و على كل حال فلو قطع يده عمدا فسرت قتل الجارح، و كذا لو قطع إصبعه عمدا بآلة تقتل غالبا فسرت لكن لم يظهر لنا وجه للتقييد المزبور، كما اعترف به الكركي في حاشية الكتاب، و ذلك لما عرفت من إيجاب السراية القصاص على كل حال من غير فرق بين الآلات و الجراحات و النيات.

و لعله لذا غير الفاضل في القواعد التعبير المزبور، قال: «لو سرت جناية العمد ثبت القصاص في النفس، فلو قطع إصبعه عمدا لا بقصد القتل فسرت إلى نفسه قتل الجارح» نعم في كشف اللثام «و لكن فيه نظر».

و قد سبقه إلى ذلك في المسالك، فإنه بعد أن ذكر أن مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين كون الجناية مما توجب السراية غالبا أو القتل كذلك و عدمه، و لا بين أن يقصد بذلك القتل و عدمه، و أن الفاضل صرح بهذا التعميم قال: «و تمشية هذا الإطلاق على قاعدة العمد السابقة لا تخلو من إشكال».

قلت: قد مضى ما يستفاد منه ذلك و إن كان الانصاف عدم خلوه عن النظر أيضا.

[الصورة الخامسة لو ألقى نفسه من علو على انسان عمدا و كان الوقوع مما يقتل غالبا فهلك الأسفل فعلى الواقع القود]

الصورة الخامسة: لو ألقى نفسه من علو على انسان عمدا و كان

30

الوقوع مما يقتل غالبا أو أنه قصد القتل به فهلك الأسفل فعلى الواقع القود لما عرفت و لو لم يكن يقتل غالبا و لا قصد به القتل كان خطأ شبيه العمد، فيه الدية مغلظة و على كل حال دم الملقى نفسه هدر.

لكن لا يخفى عليك ما في إطلاقه، اللهم إلا أن يريد به البناء على ما سبق، و من هنا صرح بالتقييد في القواعد «و لو وقع لا عن عمد فلا شيء» كما في كشف اللثام.

ل

خبر عبيد بن زرارة (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن رجل وقع على رجل فقتله، فقال: ليس عليه شيء».

و في صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، قال: لا شيء عليه، قال: و من قتله القصاص فلا دية له».

و في خبر عبيد بن زرارة الآخر (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما، قال: ليس على الأعلى شيء و لا على الأسفل شيء».

و ظاهر الجميع عدم شيء عليه حتى الدية، و لعله لعدم صدور فعل منه ينسب إليه و لو خطأ، بخلاف النائم و الساهي و نحوهما ممن يصدر الفعل منهم و لو من دون شعور، و ربما يأتي إن شاء الله زيادة تحقيق لذلك.

و لو ألقاه غيره قاصدا للأسفل أن يقتله أقيد الدافع به و بالواقع إن كان الوقوع مما يقتل الواقع غالبا أو قصد قتله أيضا، و لو قصد قتله بالدفع أو كان الوقوع مما يقتل غالبا و لم يقصد إيقاعه على الأسفل ضمن

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3.

31

ديته، لأنه من الخطأ المحض و قتل بالواقع.

و لكن في خبر ابن رئاب و عبد الله بن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل دفع رجلا على رجل فقتله، فقال: الدية على الذي وقع على الرجل فقتله لأولياء المقتول، قال: و يرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه، قال: و إن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضا».

و في كشف اللثام هو محمول على أنه لم يعلم إلا وقوعه و لم يعلم تعمده و لا دفع غيره له.

و لكنه كما ترى، ضرورة صراحة الخبر في خلافه أو لا، و عدم وجوب الدية على الوجه المزبور بعد التسليم ثانيا، خصوصا بعد ما سمعته منه من عدم شيء عليه مع الوقوع لا عن عمد و هذا منه، لأن الفرض كونه مدفوعا للغير، فالوجه الرجوع بالدية على الدافع، خصوصا بعد معلومية مثل ذلك في المال، بل ذكروا في كتاب الغصب أن الضمان من أول وهلة على المكره دون المكره بالفتح و إن كان قد أتلف هو المال و لكن بالإكراه، و ليس هو كقاعدة الغرور، فلاحظ و تأمل. اللهم إلا أن يقال: إن ذلك هنا كذلك تعبدا، و ربما يأتي إن شاء الله في الأثناء تتمة له.

هذا و في صحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره و يعقر دابة رجل آخر، قال: هو ضامن لما كان من شيء»

و هو موافق للضوابط.

و لكن في خبر أبي بصير (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3.

32

- عن رجل كان راكبا على دابة فمس رجلا ماشيا حتى كاد أن يوطئه فزجر الماشي الدابة عنه فخر عنها فأصابه موت أو جرح، قال: ليس الذي زجر بضامن، إنما زجر عن نفسه».

و قد يشكل بأن زجره عن نفسه لا ينافي ضمانه بعد نسبة الفعل إليه إذ الإذن الشرعية إنما تدفع الإثم، نحو ما سمعته في تأديب الولد و غيره، و ليس ذا من الدفاع الذي لا يتعقبه ضمان سيما بعد إمكان تنبيه صاحب الدابة و إمكان التنحي عنها و غير ذلك، اللهم إلا أن يقال: إن ذلك كتقصير الراكب المكلف بعدم إضرار دابته الغير فتأمل، و ربما يأتي إن شاء الله زيادة تحقيق لذلك، و الله العالم.

[الصورة السادسة قال الشيخ: لا حقيقة للسحر]

الصورة السادسة: قال الشيخ: لا حقيقة للسحر لقوله تعالى (1) «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ» و قوله تعالى (2):

«يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى» و قوله تعالى (3) «سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ» بل عن التبيان له «كل شيء خرج عن العادة الجارية لا يجوز أن يتأتى من الساحر، و من جوز للساحر شيئا من هذا فقد كفر، لأنه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوة، لأنه أجاز مثله من جهة الحيلة و السحر».

و لكن في الأخبار ما يدل على أن له حقيقة و أن منه ما هو من المطبب تأثيرا و علاجا (4) بل فيها ما يدل على وقوعه في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) حتى قيل: انه سحر بحيث يخيل إليه

____________

(1) سور البقرة: 2 الآية 102.

(2) سورة طه: 20- الآية 66.

(3) سورة الأعراف: 7- الآية- 116.

(4) البحار- ج 63 ص 21.

33

كأنه فعل الشيء و لم يفعله، و فيه نزلت المعوذتان (1) بل لعله قوله تعالى (2):

«فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ» دال عليه، بل تأثيره أمر وجداني شائع بين الخلق قديما و حديثا.

و التحقيق كما ذكرناه في محله أنه أقسام: فمنه تخييلى و منه مؤثر حقيقة، و لا ينافي ذلك الإقرار بالمعجزات التي يجب على الله تعالى بيان حالها عند الدعوى الكاذبة، على أن التخييلي منه أيضا مؤثر و لو تأثيرا تخييليا، و هو شيء وجداني و إن كان ما يراه هو ليس كما يراه في الواقع.

و لكن مع ذلك قال المصنف و لعل ما ذكره الشيخ قريب، غير أن البناء على الاحتمال أقرب.

و على كل حال فلو سحرة فمات لم يوجب قصاصا و لا دية على ما ذكره الشيخ، و كذا لو أقر أنه قتله بسحره لأن المفروض عدم الحقيقة له، فهو كما لو قال: قتلته بنظري أو نحو ذلك مما يعلم عدم أثر له.

و على ما قلناه من الاحتمال يلزمه الإقرار لعموم دليله، بل في المسالك «لا طريق إلى معرفته بالبينة، لأن الشاهد لا يعرف قصده و لا شاهد تأثير السحر، و إنما يثبت بإقرار الساحر، فإذا قال: قتله سحري فمن قال لا تأثير له لم يوجب بالإقرار عليه شيئا، و الأقوى الثبوت على القولين، عملا بإقراره و إلغاء للمنافي على القول به، ثم من قال مع ذلك: إن سحرة مما يقتل غالبا فقد أقر بالعمد، و إن قال: نادرا استفسر، فان أضاف إليه قصده قتله فهو عمد أيضا، و إلا فهو شبيه العمد، و إن قال: أخطأت من اسم غيره إلى اسمه فهو إقرار بالخطإ، فيلزمه حكم ما أقر به، و لكن في صورة الخطأ لا يلزم إقراره العاقلة،

____________

(1) البحار- ج 63 ص 25.

(2) سورة البقرة: 2- الآية 102.

34

بل تجب الدية في ماله، نعم لو صدقوه أخذناهم بإقرارهم».

قلت: قد يناقش (أولا) بإمكان إثباته بالبينة برؤية عمل السحر الذي يشاهد أثره و يعرفه من له معرفة بالسحر من الثقات أيضا، و حينئذ فلا يحتاج إلى تعرف قصده و استفساره و لا إلى غير ذلك مما ذكر (و ثانيا) بأن ما ذكره من الأقوى خروج عن المسألة، ضرورة عدم كون البحث في العبارة المزبورة المشتملة على تعقب الإقرار بما ينافيه، إذ يمكن تفسيرها على وجه لا يصدر منه إلا نسبة القتل إلى سحرة.

و من الغريب ما في مجمع البرهان من تبعيته في ثبوت القصاص به على التقديرين و إن لم يكن بالعبارة المزبورة، أخذا

بعموم «إقرار العقلاء» (1)

مع جواز القتل به خوفا و إن لم يكن له حقيقة، و هو كما ترى واضح الوهم و إن نشأ مما في المسالك، لكن قد عرفت أن مراده مسألة تعقب الإقرار بالمنافي، لا أن السحر قد يقتل خوفا و إن قلنا بأنه لا حقيقة له، فإنه بناء على أنه لا حقيقة له لا يؤثر شيئا حتى الخوف فضلا عن أن يؤدي إلى القتل و إن كان القول المزبور قد عرفت ما فيه، على أنه يمكن فرض المسألة لو قال: قتلته بسحر لم يحدث فيه خوفا و لكن أحدث فيه موتا أو مرضا قاتلا له و إن كان هو في بلاد بعيدة عن الساحر.

و بالجملة التحقيق ما عرفته.

و لو قال: قتله دعائي أو حسدي أو نحو ذلك فلم أجد به تصريحا لكن الأصل البراءة من الضمان بذلك، لعدم معرفته، و على تقديرها لا يخلو القول بالضمان من وجه، بل قد يثبت القصاص.

اللهم إلا أن يقال: إن ذلك و نحوه ليس من الأسباب المتعارف

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الإقرار- الحديث 2 و المستدرك- الباب- 2- منه- الحديث 1.

35

التضمين بها، بل يمكن نحو ذلك القول في السحر مع القول بتأثيره، إلا أن ظاهرهم الإنفاق على الضمان به مع القول بأنه مؤثر و العلم بحصول الأثر فيه و لو بالإقرار، و مثله يأتي في الدعاء و الحسد و نحوهما، هذا تفصيل الكلام في السحر من حيث إطلاق الأدلة.

و أما ما في الأخبار (1) من أنه يقتل الساحر ففي المتن و قال الشيخ في الخلاف: يحمل ذلك على قتله حدا لفساده، لا قودا و هو كذلك، لعدم تقييد قتله بذلك، بل ظاهرها قتله من حيث سحرة و إن لم يقتل به أحدا، و الله العالم.

[المرتبة الثانية أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه]

المرتبة الثانية من مراتب السبب أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه، و فيه أيضا صور:

[الصورة الأولى لو قدم له طعاما مسموما فان علم و كان مميزا فلا قود و لا دية]

الأولى: لو قدم له طعاما مسموما بما يقتل مثله غالبا أو قصد القتل به أو أعقب مرضا فمات به الآكل فان علم به و كان مميزا و إن لم يكن بالغا بل و مختارا كما تعرف ذلك في المرتبة الرابعة فلا قود و لا دية بلا خلاف و لا إشكال، لكونه هو القاتل نفسه بمباشرته عالما بالحال لا المقدم و و إن كان تقديمه مؤثرا في الجملة، لكن تأثير شرطية كمناولته السكين لمن ذبح نفسه بها عاقلا (و ما وقع من الحسن و الرضا (عليهما السلام) (2) من الاقدام على الطعام المسموم محمول على علم خارج عن علم التكليف أو غير ذلك مما هو مذكور في محله) (3).

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب بقية الحدود من كتاب الحدود و التعزيرات.

(2) البحار- ج 44 ص 153- 154 و ج 49 ص 294 و 301.

(3) ما بين القوسين جاء في النسخة الأصلية المبيضة بعد قوله: «بالغرور واضح الضعف» الآتي في ص 36، و في النسخة الأصلية المخطوطة بقلم المصنف (قده) جاءت هذه الجملة في الهامش، لكن أشير بالعلامة لموضوع التخريج في موردين:

أحدهما ما جاء في هذه الطبعة، الثاني ما جاء في سائر الطبعات و النسخة الأصلية المبيضة، و الموضع المناسب لها هو ما جاء في هذه الطبعة.

36

نعم لو (إن خ ل) لم يعلم بالحال فأكل فمات فللولي القود عندنا لأن حكم المباشرة سقط بالغرور سواء خلطه بطعام نفسه و قدمه إليه أو أهداه إليه أو خلطه بطعام الآكل و لم يعلم أو بطعام أجنبي و ندبه إليه من غير شعور أحد من الآكل و الأجنبي، و لو علم الأجنبي و شارك في التقديم كان شريكا في الجناية، فما عن الشافعي من قوله بنفي القود ترجيحا للمباشرة التي عرفت سقوطها بالغرور واضح الضعف.

هذا و في مجمع البرهان «لو قدم شخص إلى غيره طعاما مسموما فأكله ذلك الغير عالما بالسم و كونه قاتلا لا شيء على المقدم من القصاص و الدية، لأنه السبب القوي بل المباشر، فهو القاتل لنفسه لا غير، و إن جهل أحدهما يكون المقدم قاتل عمد، فعليه القصاص مع علمه بهما، و الدية عليه مع جهله بأحدهما».

و فيه منع كون المقدم قاتل عمد مع فرض علم المتناول بأن في الطعام شيئا قاتلا و لكن لم يعلم أنه سم، ضرورة عدم مدخلية جهله بالسم في إقدامه على قتل نفسه، بل قد يشك في ذلك لو علم بأن فيه سما خاصة، حيث إنه أقدم على ما يحتمل فيه القتل.

و كذا منع ثبوت الدية مع جهل المقدم بالحال بأن كان الواضع غيره، للأصل و أولوية المباشرة مع التساوي، و ضمان الطبيب للمريض المختار في التناول إنما هو للدليل، و لا ينافي ذلك ما تسمعه من المصنف و الفاضل و غيرهما من ثبوت الدية في ما لو حفر بئرا في داره فدعا غيره فوقع في

37

البئر و إن كان ناسيا لضعف المباشرة بالغرور، لوضوح الفرق بينهما بكونه الفاعل للسبب و إن كان قد نسيه، بخلاف الفرض الذي هو أولى أو مساو لما ذكروه من عدم الضمان على الدافع الجاهل لشخص فوقع في البئر المحفورة بالطريق عدوانا، معللين له بقوة السبب الذي هو حفر البئر على دفع الجاهل و وقوع المدفوع.

و من ذلك يعلم النظر في ما سمعته منه إن أراد ما يشمل ذلك من الجهل بأحدهما، بل لا يخفى عليك ما فيه من إطلاق ثبوت الدية بذلك مع أن من أفراده ما لو علم بكونه قاتلا و لكن لم يعلم أنه سم، فان المتجه فيه القصاص لا الدية، بل و كذا لو علم بأنه سم و جهل بكونه قاتلا و قصد القتل به أو أعقب مرضا أدى إلى ذلك اتجه أيضا القول بالقصاص.

و لو كان السم الموضوع في الطعام مما لا يقتل غالبا و لم يقصد القتل به و لم يعقب مرضا أدى إلى موته به ففيه البحث السابق.

و لو اختلف هو و الولي في جنسه أو قدره فالقول قوله، و على الوالي البينة، فإن قامت و ثبت أنه مما يقتل غالبا فادعى الجهل بأنه كذلك فعن التحرير احتمل القود، و لأن السم من جنس ما يقتل غالبا فأشبه ما لو جرحه و قال: لم أعلم أنه يموت به، و عدمه لجواز خفائه، فكأن شبهة في سقوط القود، فتجب الدية، و في كشف اللثام «الأقوى الثاني إذ حصلت الشبهة».

قلت: قد يقال، إن الأقوى الأول بعد فرض ثبوت العمد إلى القتل منه، لعموم «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1) و صدق القتل عمدا و غير ذلك.

و لو قصد بالتقديم قتل غير الآكل بأن قدم إليه بظن أنه الغير لكونه في ظلمة أو من وراء حجاب أو نحو ذلك ضمن دية الآكل، لأنه خطأ.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 45.

38

و لو جعل السم القاتل مثله غالبا في طعام صاحب المنزل أو مع قصد ذلك به أو المعقب مرضا يترتب عليه الموت فوجده صاحبه فأكله فمات قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: عليه القود بل في المسالك نسبته إلى الأشهر لضعف المباشرة بالغرور، و لصدق القتل عامدا لغة و عرفا، بل لعله نحو التقديم الذي هو ليس إلجاء، و إنما هو داع للأكل و الطريق المتعارف في القتل بالسم الذي هو كالآلة.

و من هنا قال في مجمع البرهان: «و ينبغي التفصيل، و هو أنه إن كان الملقي عالما بأنه سم قاتل و أكل الآكل جاهلا بذلك فعليه القصاص، لأنه تعمد القتل أو أدى إليه غالبا، لأن إلقاءه مع عدم مانع من أكله بمنزلة فعل السبب، و لأنه لو لم يكن مثل هذا موجبا للقود للزم منه وجود قتل كثير مع عدم القصاص، بل يلزم عدم القود في مقدم الطعام المسموم أيضا، إذ لا إلجاء أيضا، و كذا في أمثال ذلك، و هو ظاهر البطلان و فتح للفساد و القتل الكثير، و هو مناف لحكمة شرع القصاص، فتأمل.

و إن أكل عالما لا شيء عليه، فان الآكل هو القاتل نفسه لا غير، و إن فعل جاهلا فعليه الدية، لعدم قصد القتل و لا إلى موجبه التام و لو نادرا، فلا يكون عامدا، مع ثبوت عدم إبطال دم امرء مسلم، و عدم اعتبار القصد و العمد في الدية، فتأمل». و إن كان لا يخلو بعضه من نظر يعلم مما قدمناه سابقا إلا أنه جيد في ثبوت القصاص و إن قال المصنف فيه إشكال لقوة المباشرة و عدم إلجائه إلى الأكل و لا قدمه إليه.

نعم تثبت الدية لترتب القتل على فعله و عدم بطلان دم امرء مسلم، فهو حينئذ كحفر البئر إن لم يكن أقوى و إن كان لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه. و أضعف منه ما عن بعض العامة من القول

39

بانتفاء الضمان رأسا.

نعم هو كذلك لو جعل السم في طعام نفسه و جعل في منزله فدخل إنسان فأكله عاديا، فلا ضمان بقصاص و لا دية، للأصل بعد أن كان الآكل متعديا بدخول دار غيره و أكله من طعامه، بل لو قصد قتله بذلك لم يكن عليه شيء، مثل أن يعلم أن ظالما يريد هجوم دار فيترك السم في الطعام ليقتله مع فرض توقف دفعه على ذلك.

بل لعله كذلك لو دخل رجل بإذنه فأكل الطعام المسموم بغير إذنه، لأنه المتعدي بأكله، بل في كشف اللثام و إن كان ممن يجوز له الأكل من بيوتهم، و لكن لا يخلو من نظر، نعم لا ضمان لو سم طعاما و وضعه في منزل الآكل و لم يخلطه بطعامه و لا جعله حيث يشتبه عليه بل أكله و هو يعلم أنه ليس له، و لو جعله بحيث يشتبه عليه كان عليه الدية، كما في كشف اللثام.

[لصورة الثانية لو حفر بئرا بعيدة في الطريق و دعا غيره مع جهالته فوقع فمات فعليه القود]

الصورة الثانية: لو حفر بئرا بعيدة القعر في الطريق مثلا يقتل الوقوع فيها غالبا و دعا غيره مع جهالته على وجه يسقط فيها بمجيئه فجاء فوقع فمات فعليه القود، لأنه مما يقصد به القتل غالبا و لأن ذلك و نحوه كيفية القتل به عادة، فيندرج في عنوان القاتل عمدا، بل و كذا إن كان مما يقتل نادرا و قصد به القتل أو أعقبه مرضا مات به، أما إذا لم يقصد و لم يعقبه زمانة ففيه البحث السابق، و كذا الكلام لو جعل البئر في ملك الواقع، إذ هو نحو وضع السم في طعام الغير.

و لو كان دعاؤه إياه لا على وجه يقتضي وقوعه فيه و لا تقصد ذلك إلا أنه اتفق مجيئه في طريق وقع فيه بلا شعور منه فالظاهر الدية و إن كان قد أطلق المصنف و غيره، بل ربما منه وقع إشكال للأردبيلي،

40

حيث قال: «لكن يرد على أمثاله شيء، و هو أن الموجب للقصاص هو قتل العمد المحض، و هو قصد القتل أو الفعل القاتل غالبا، و تحققهما في كل ما أوجبوا فيه القتل محل التأمل، فتأمل» و فيه أن ذلك كله كذلك مع ملاحظة التقييد المزبور، و الله العالم.

[الصورة الثالثة لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمي فإن كان مجهزا فالأول جارح و القاتل هو المقتول]

الصورة الثالثة: لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمي ف في المسالك «إن كان الجرح الأول متلفا و قد انتهى المجروح إلى حركة المذبوح فالأول هو القاتل» و هو كذلك مع فرض صحة الفرض و إن لم يكن كذلك بل لم يكن الجرح متلفا بنفسه و إنما كان الدواء السمي مجهزا على وجه يسند القتل إليه فالأول جارح و القاتل هو المقتول ف لا قصاص حينئذ بل و لا دية له و لكن لوليه القصاص في الجرح إن كان الجرح يوجب القصاص و إلا كان له أرش الجراحة لعدم جناية له غير ذلك، فهو مثل ما لو جرحه شخص و قتله آخر، فان الجارح عليه جرحه و على القاتل القتل.

و إن لم يكن مجهزا و كان الغالب فيه السلامة فاتفق الموت به و بالجرح الأول سقط ما قابل فعل المجروح لعدم ضمانه على الجارح و هو نصف الدية كما في نظائره و حينئذ ف للولي قتل الجارح بعد رد نصف الدية لأن ذلك هو الثابت شرعا في كيفية استيفاء نصف القتل الذي هو مقتضى جنايته.

و كذا لو كان غير مجهز و كان الغالب معه التلف لما عرفت و تعرف إن شاء الله من الاشتراك في الجناية بين الجانيين لا الجنايات و إن تعددت من واحد و اتحدت من آخر من غير فرق بين القوي و الضعيف فيها بعد العلم باستناد الموت إليهما أو عدم العلم باستناده إلى أحدهما بناء

41

على إسناده حينئذ إلى الجميع عرفا لانتفاء المرجح و إن كان لا يخلو من نظر.

نعم عن العامة قول بنفي القصاص، لأن إحدى الجنايتين غير مضمونة، و آخر بنفي القصاص إذا كان الغالب مع السم السلامة، لحصول الموت من عمد و خطأ شبيه به، و لا ريب في ضعفهما.

و كذا الكلام (البحث خ ل) لو خاط نفسه أو غيره بأمره جرحه في لحم حي فسرى منهما فمات فان كانت مجهزة فلا قود و إلا سقط بإزائها ما قابل فعل المجروح، و كان للولي قتل الجارح بعد رد نصف الدية لما عرفت، و للعامة ما سمعت، و لو كانت الخياطة في لحم ميت فالظاهر عدم السراية لها، و الله العالم.

[المرتبة الثالثة أن ينضم إليه مباشرة حيوان]

المرتبة الثالثة: أن ينضم إليه مباشرة حيوان، و فيه صور:

[الصورة الأولى إذا ألقاه إلى البحر فالتقمه الحوت قبل وصوله فعليه القود]

الأولى: إذا ألقاه إلى البحر الذي يقتل مثله غالبا أو قصد به القتل فالتقمه الحوت قبل وصوله إليه فعليه القود عند الشيخ و الفاضلين و غيرهما لأن الإلقاء في البحر إتلاف بالعادة و إن لم يبتلعه الحوت، فهو كما لو ألقى من علو يقتل مثله فأصابته سكين فقتلته، فكأنه ابتلعه بعد الغرق، و لأن القصد إلى السبب المعين يستلزم القصد إلى مطلق القتل، ضرورة وجود المطلق في المقيد و مطلق القتل صادق في المعين.

و قيل و إن كنا لم نتحقق القائل منا قبل المصنف لا قود، لأنه لم يقصد إتلافه بهذا النوع الذي هو المتيقن من عنوان القود، فهو حينئذ كما لو رمى من شاهق فاستقبله غيره فقده. و من هنا قال المصنف هو قوى نعم تتعين الدية.

لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه من صدق القاتل

42

عمدا على مثله فضلا عن قوله تعالى (1) «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» و نحوه مما لا إشكال في شموله لمثل ذلك الذي هو في الحقيقة كما لو وصل إلى البحر فالتقمه الحوت بعد وصوله الذي صرح الفاضل بكونه عمدا و إن استشكل في الأول لوصوله قبله إلى المهلك، بل لعل التلف بالإلقاء إلى البحر من أفراده ذلك و إن كان الغالب منها الغرق.

نعم لو اختطفه طير و نحوه مما لا مدخلية له في التلف بالإلقاء في البحر أمكن حينئذ عدم القود، و تعين الدية على إشكال فيه بعد أن كان المقصود الفعل القاتل و إن قتل بغيره مما هو نادر أيضا فضلا عن الغالب، و لعل الفرق بين المقام و بين المقدود نصفين بعد إلقائه من شاهق كون القاد قابلا للضمان قصاصا أو دية بخلافه في الفرض الذي هو كفصل في البئر، اللهم إلا أن يدعى عدم الفرق عرفا في نسبة القتل بين الجميع، و فيه منع.

نعم لو ألقاه في ماء قليل لا يغرق غير قاصد بذلك قتله فأكله سبع لوقوعه فيه أو التقمه حوت أو تمساح كان عليه الدية للتسبيب، دون القود، لعدم قصده ما يقتله، هذا كله في قصد الإلقاء إلى البحر.

أما لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فعليه القود بلا خلاف و لا إشكال لأن الحوت ضار بالطبع فهو كالآلة التي يصدق معها اسم القتل عمدا، كما هو واضح.

[الصورة الثانية لو أغرى به كلبا عقورا فقتله فالأشبه القود]

الصورة الثانية: لو أغرى، به كلبا عقورا مثلا مما يقتل غالبا أو قصد القتل به مع ندرته فضلا عن عدم العلم بحاله فقتله فالأشبه بأصول المذهب و قواعده أن عليه القود، لأنه كالآلة التي لا ينسب القتل إليها، فالقاتل عمدا هو لا هي و إن كان الكلب له شبه اختيار به ينسب القتل ظاهرا إليه، لكن القاتل حقيقة المغري عرفا دونه.

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 45.

43

و كذا لو ألقاه إلى أسد ضار مثلا بحيث لا يمكنه الاعتصام منه و لو بفرار و نحوه فقتله سواء كان في مضيق أو برية خلافا لبعض العامة، ففرق بينهما، و هو واضح الضعف بعد وضوح نسبة القتل إليه عرفا، و كون الأسد كالآلة نحو ما سمعته في إغراء الكلب، نعم لو كان الأسد لا يفترس غالبا كان الإلقاء إليه من الأسباب النادرة، أما لو جهل حاله و لم يقصد القتل أمكن كونه كالضاري، لأن فيه صفة الافتراس، و لصدق أنه قاتل عمدا، و خروج النادر للدليل لا يقتضي خروج المجهول كما عرفت تحقيقه في ما تقدم.

هذا و في القواعد متصلا بما عرفت «و لو فعل به الأسد ما لا يقتل غالبا ضمن الدية و لا قصاص» و في كشف اللثام «إذ لم يصدر منه مباشرة للقتل و لا تسبيب لما يقتل غالبا إلا إذا قصد به القتل فكما تقدم غير مرة».

و فيه أن مفروض البحث الإلقاء و الجمع المؤديان إلى ذلك غالبا، فهو حينئذ كالضرب بالسيف قاصدا المقتل فاتفق وقوعه في ما لا يقتل إلا نادرا لو مات به.

[الصورة الثالثة لو أنهشه حية قاتلا فمات قتل به]

الصورة الثالثة: لو أنهشه حية نهشا قاتلا بأن قبضها و ألقمها شيئا من بدنه ضغطها أم لا فمات قتل به و إن لم يقصد القتل بذلك، لكونه مما يقتل غالبا.

و كذا لو طرح عليه حية طرحا قاتلا فنهشته فهلك ف ان الأشبه أيضا وجوب القود، لأنه مما جرت العادة بالتلف معه بل هو الكيفية المتعارفة في القتل بها، فيصدق حينئذ أنه القاتل عمدا، بل و كذا لو جمع بينه و بينها في مضيق لا يمكنه الفرار منها، خلافا لما عن العامة من عدم القود به، لأنها تهرب من

44

الأسنان في المضيق بخلاف السبع، بل في كشف اللثام هو ظاهر المبسوط، و قد أشار في التحرير إلى احتماله لقوله: «فالأشبه ذلك» يعني القود، و لكن في الجميع ما لا يخفى، و الله العالم.

[الصورة الرابعة لو جرحه ثم عضه الأسد و سرتا لم يسقط القود]

الصورة الرابعة: لو جرحه ثم عضه الأسد و سرتا لم يسقط القود عندنا خلافا لبعض العامة.

و لكن هل يرد فاضل الدية أي النصف؟

الأشبه نعم لاستناد موته إلى سببين إنما فعل أحدهما، و قد يحتمل العدم، لأن الجرح الآخر غير مضمون، و هو واضح الضعف، و حينئذ فإن عفا الولي على الدية فإنما عليه نصفها، و لو نهشته مع ذلك حية فمات من الجميع فعليه الثلث من الدية مع العفو، و إن اقتص منه رد عليه الثلثان، لاستناد الموت إلى أسباب ثلاثة، و قد يحتمل أن يكون عليه النصف، و لا ينظر إلى عدد الحيوان، لاشتراك الكل في عدم الضمان، فيعد غير المضمون من الجراحات و إن تكثرت واحدة إلا أنه خلاف ما عليه الأصحاب، بل و خلاف الاعتبار، نعم هو كذلك في الجراحات المتعددة من حيوان واحد نحو ما سمعته في الإنسان.

و كذا لو شاركه في الجناية أبوه الذي لا يقتص منه أو اشترك عبد و حر في قتل عبد فان القصاص يجب على الأجنبي و العبد، خلافا لأبي حنيفة دون الأب و الحر، لكن يؤخذ منهما نصف الدية أو نصف القيمة و تدفع إلى المقتص منه، و لو عفا الولي على الدية أخذ من كل نصفها، و كذلك العامد إذا شاركه الإنسان المخطئ فيدفع عاقلة المخطئ نصف الدية إلى العامد و يقتص منه، خلافا للمحكي عن ابن سعيد.

[الصورة الخامسة: لو كتفه و ألقاه في أرض مسبعة فافترسه الأسد اتفاقا فلا قود]

الصورة الخامسة: لو كتفه و ألقاه في أرض مسبعة فافترسه

45

الأسد اتفاقا فلا قود، و لكن فيه الدية و نحوه في القواعد و في كشف اللثام «فإن الإلقاء المذكور ليس مما يغلب أداؤه إلى الافتراس» و في المسالك: «لأن فعل السبع يقع باختياره، و طبعه مختلف في ذلك اختلافا كثيرا، فليس الإلقاء في أرضه مما يقتل غالبا، نعم تجب الدية لكونه سببا في القتل».

و فيه أن ذلك يجري حتى لو ألقاه إلى السبع، كما أن في الأول أن فرض كونها مسبعة يقتضي ذلك، و لو سلم فالمتجه القصاص أيضا مع قصد احتمال حصول الافتراس، لصدق أنه القاتل عمدا عرفا، بل هو كذلك أيضا لو لم يفترسه الأسد و لكن جرحه جرحا لا يقتل مثله و مات بسرايته، و لعله لذا قال في مجمع البرهان: «و يحتمل القود أيضا، لأنه قتل نفسا بالتسبيب، فيدل «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1) عليه، و هو بعيد إذا لم يكن قاصدا للقتل و إلقائه في فم السبع، و إلا فليس ببعيد، فإن إلقاء المربوط في محل السبع و لو كان مجيئه إليه نادرا لا يخلو عن قصد القتل، بل و لو ثبت عدم قصده، فان فعله موجب لذلك، و ينبغي التأمل في ذلك، و هو فرع التأمل في معنى العمد، و قد مر فنذكر» و إن كان لا تخلو عبارته من تشويش في الجملة.

[المرتبة الرابعة أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر]

المرتبة الرابعة: أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر، و فيه صور:

[الصورة الأولى لو حفر واحد بئرا فوقع آخر بدفع ثالث فالقاتل الدافع دون الحافر]

الأولى: لو حفر واحد بئرا فوقع آخر بدفع ثالث فالقاتل الدافع دون الحافر بلا خلاف أجده فيه، لأنه المباشر للقتل بما يقتل و هو الإلقاء، دون الحافر الذي هو السبب البعيد و بمنزلة الشرط.

و كذا لو ألقاه من شاهق فاعترضه آخر فانقد بسيف مثلا نصفين قبل وصوله إلى الأرض ف ان القاتل

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية- 45.

46

عرفا هو المعترض و إن كان لو لم يعترضه لقتل أيضا بسقوطه إلى الأرض إلا أنه صار كالشرط بعد أن طرأ عليه مباشرة مستقلة، و من هنا لم يكن فرق بين علم الملقي بالحال و عدمه إلا إذا قصد اعتراضه بالسيف و كان المعترض مجنونا مثلا فان القود حينئذ عليه، إذ هو كالقائه إلى السبع، و هو واضح.

و لو أمسك واحد و قتل الآخر فالقود على القاتل لأنه المباشر دون الممسك لكن الممسك يحبس أبدا بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل عن الخلاف و الغنية و غيرهما الإجماع عليه، للمعتبرة المستفيضة.

منها

صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجلين أمسك أحدهما و قتل الآخر قال:

يقتل القاتل، و يحبس الآخر حتى يموت غما، كما كان حبسه عليه حتى مات غما».

و خبر سماعة (2) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل شد على رجل ليقتله و الرجل فار منه فاستقبله رجل آخر فأمسكه عليه حتى جاء الرجل فقتله، فقتل الرجل الذي قتله، و قضى على الآخر الذي أمسكه أن يطرح في السجن أبدا حتى يموت فيه، لأنه أمسك على الموت»

و غيرهما من النصوص.

و عن المقنعة بعد أن ينهك عقوبة، و في خبر أبي المقدام (3) «أن الصادق (عليه السلام) أمر به فضرب جنبه، و حبسه في السجن، و وقع على رأسه يحبس عمره، و يضرب كل سنة خمسين جلدة».

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2.

(3) المستدرك الباب- 16- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1 عن دعائم الإسلام مرسلا.

47

و لو نظر لهما ثالث أي كان عينا لهم و ربية لم يضمن لكن تسمل عيناه أي تفقأ بالشوك أو تكحل بمسمار محمي، للإجماع في محكي الخلاف، و ل

خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المنجبر بعمل الأصحاب، بل قيل: إنه مقطوع به في كلامهم، قال فيه: «إن ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): واحد منهم أمسك رجلا، و أقبل الآخر فقتله، و الآخر رآهم، فقضى في الرؤية- و في نسخة «الرئية» و في الثالثة «الربيعة»- أن تسمل عيناه، و في الذي أمسك أن يسجن حتى يموت كما أمسك، و قضى في الذي قتل أن يقتل»

و الله العالم.

[الصورة الثانية إذا أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر]

الصورة الثانية: إذا أكرهه على القتل بأن توعده الظالم القادر بالقتل مثلا إن لم يقتله ف الحكم فيه عندنا نصا (2) و فتوى بل الإجماع بقسميه عليه أن القصاص على المباشر الكامل دون الآمر المكره بل و لا دية، بل و لا كفارة، بل و لا يمنع من الميراث و إن استشكل فيه في القواعد، و ذلك لأن الإكراه و إن ولد في المكره داعية القتل التي سببها من المكره و لكن الأصل في القصاص كونه على المباشر الذي هو المكره، لأنه القاتل لغة و عرفا.

بل لا يتحقق الإكراه شرعا عندنا في القتل بعد استحقاق القتل شرعا على المباشر، فلم يدفع عنه شيئا شرعا بفعل ما أكره عليه كي يكون من الإكراه المرفوع عن الناس حكمه و لكن يتحقق في ما عداه من قطع اليد و الجرح و نحوهما بخلاف القتل، فإنه إنما يتحقق إذا جاز دفع الخوف بفعل المكره عليه و لا يخاف من شيء أعظم

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب القصاص في النفس.

48

من القتل و لا يجوز هنا دفع الخوف على النفس بذلك، بل في الصحيح (1) «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء، فإذا بلغ الدم فلا تقية»

و نحوه الموثق (2) فهو حينئذ قاتل عمدا ظلما لاستبقاء نفسه كقتل شخص ليأكله في المخمصة الذي لا يعد به أنه مضطر.

نعم في رواية على بن رئاب الصحيحة عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) يحبس الآمر بقتله حتى يموت

- قال: «في رجل أمر رجلا بقتل رجل فقتله، قال: يقتل به الذي ولي قتله، و يحبس الآمر بقتله في الحبس حتى يموت»

و لا بأس بالعمل بها بعد صحتها و عمل غير واحد من الأصحاب بها، فما عساه يظهر من المتن من التوقف في ذلك في غير محله.

و لو وجبت الدية للعفو أو عدم التكافؤ كانت على المباشر أيضا، و من العامة من نفى عنهما القود و الدية، و منهم من أوجب القود على المكره وحده، و للشافعي قولان: أحدهما اشتراكهما في الجناية، فعليهما القصاص، و عند العفو الدية نصفين، و الآخر القود على المكره، و على المباشر نصف الدية، و عند العفو على المكره أيضا نصف الدية، و ضعف الجميع واضح عندنا.

نعم هذا الحكم الذي ذكرناه إذا كان المقهور بالغا عاقلا، و أما لو كان غير مميز كالطفل و المجنون فالقصاص على المكره بلا خلاف و لا إشكال لأنه ما بالنسبة إليه كالآلة في نسبة القتل، و لا يرد عدم القطع على السيد لو أمرهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 1 من كتاب الأمر بالمعروف.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأمر و النهي- الحديث 2 من كتاب الأمر بالمعروف.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

49

بالسرقة، لوضوح الفرق بعدم صدق السرقة عليه بالأمر بخلاف صدق القتل الذي يحصل بالمباشرة و التسبيب.

و يستوي في ذلك الحر و العبد لكن في خبر إسحاق بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل أمر عبده أن يقتل رجلا فقتله، فقال: يقتل السيد به»

و في خبر السكوني (2) عنه (عليه السلام) أيضا: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أمر عبده أن يقتل رجلا فقتله، فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام): و هل عبد الرجل إلا كسوطه أو كسيفه؟ يقتل السيد و يستودع العبد في السجن» و في الفقيه «حتى يموت»

بعد أن رواه بإسناده إلى قضايا علي (عليه السلام).

بل عن الخلاف «اختلفت روايات أصحابنا في أن السيد إذا أمر عبده بقتل غيره فقتله فعلى من يجب القود، فروي في بعضها أن على السيد القود، و في بعضها أن على العبد القود، و لم يفصلوا- إلى أن قال-:

و الوجه في ذلك أنه إن كان العبد مميزا عاقلا يعلم أن ما أمر به معصية فإن القود على العبد، و إن كان صغيرا أو كبيرا لا يميز و اعتقد أن جميع ما يأمر به سيده واجب عليه فعله كان القود على السيد».

و جعلهما في التهذيب مخالفين للقرآن حيث نطق أن «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (3) ثم أولهما بمن كانت عادته أن يأمر عبده بقتل الناس و يغريهم بذلك و يلجئهم إليه، فإنه يجوز للإمام أن يقتل من هذا حاله، لأنه مفسد في الأرض، قيل: و وافقه الحلبيان على ذلك، كما أنه المحكي عنه في الاستبصار، و يكون جمعا بينهما و بين الصحيحة السابقة.

إلا أنه كما ترى في غاية البعد، مع أنه إنما يرفع التعارض بالإضافة

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 2.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 45.

50

إلى ما دلا عليه من قتل السيد، و أما بالإضافة إلى ما دلا عليه من تخليد العبد في السجن فلا، بل ظاهر الصحيحة يقتضي قتله دونهما، و الأوفق بالأصول ترجيح الصحيحة و إن حمل الخبران على صورة إفساد السيد فإن إفساد بمجرده لا يدرأ القتل عن العبد بعد مباشرته له، مضافا إلى منع اقتضاء فعل الإفساد المزبور القتل حدا إلا أن يكون محاربا.

و لعله لذا قال الكاشاني في الوافي: «أقول: في مخالفتهما للقرآن نظر، و لا سيما بعد تعليله (عليه السلام) بأن العبد بمنزلة الآلة، و في التأويل بعد، بل لا ينافيان شيئا من المحكمات حتى يحتاج إلى مثل هذه التكلفات، للفرق البين بين العبد و الأجنبي» إلى آخره و إن كان لا يخفى عليك ما فيه أيضا.

بل و ما في ذلك كله بعد المفروغية من الحكم المزبور حتى ما في الخلاف من معذورية الجاهل و أن القود على السيد، و الخبران المزبوران مطرحان أو محمولان على ما قيل من كون العبد صغيرا كالآلة و إن كان فيه أنه لا يتم في أحدهما المشتمل على تخليد العبد في السجن، إذ لم نجد.

قائلا به كذلك في العبد الصغير الذي هو مع تمييزه عمده خطأ فضلا عما إذا كان آلة لفقده التمييز أو غير ذلك، و الله العالم.

و لو كان المباشر مميزا عارفا غير بالغ و هو حر فلا قود على أحد منهما، كما في القواعد و غيرها، لعدم بلوغ المباشر و عدم كونه آلة و لكن الدية على عاقلة المباشر الذي عمده خطأ إلا أنه قد يناقش بأن الظاهر تحقق الإكراه بالنسبة إليه فإنه لا يقاد منه إذا قتل، و إذا تحقق فالسبب أقوى، فينبغي القود، نعم إذا لم يتحقق إلا الأمر اتجه ما ذكر، فتأمل جيدا.

و قال بعض الأصحاب كالشيخ في محكي المبسوط و النهاية

51

و ابن البراج في محكي المهذب و الجواهر يقتص منه إن بلغ عشرا مستندا في الأول إلى أنه قضية عموم أخبارنا، بل يؤيده ما دل (1) على جواز عتقه و صدقته و طلاقه و وصيته، و عن الوسيلة «أن المراهق كالعاقل» و عن المقنع و المقنعة «يقتص منه إن بلغ خمسة أشبار، ل

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني (2): «إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، و إذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قضي بالدية».

و هو مع أنه ضعيف مطرح عند المعظم كالقول الأول، للأصل و الاحتياط و عموم النصوص الناطقة بأن

«عمد الصبي و خطأه واحد (3)

و «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ» (4)

و نصوص حد البلوغ (5) و غير ذلك، فالعمل حينئذ على المشهور، هذا كله في الحر المميز غير البالغ.

و أما الكلام في المملوك المميز غير البالغ فالذي يقتضيه أصول المذهب و قواعده أن حكمه نحو ما ذكرناه في الحر، فان كان مكرها كان القصاص على المكره الذي هو أقوى من المباشر و إلا ف تتعلق الجناية برقبته، و لا قود عليه لأن الفرض عدم بلوغه، و لا على الآمر لعدم مباشرته و لا إكراهه، و ليست هي حينئذ إلا كغيرها من جناية الخطإ الصادرة منه بالغا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من كتاب الوقوف و الصدقات- الحديث 1 و الباب- 44- من كتاب الوصايا و الباب- 32- من أبواب مقدمات الطلاق- الحديث 2 و 6 من كتاب الطلاق.

(2) الوسائل- الباب- 36- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب العاقلة- الحديث 2 من كتاب الديات.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب مقدمات العبادات- الحديث 10.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب مقدمة العبادات و الباب- 12- من كتاب الحجر.

52

و لكن في الخلاف و محكي السرائر إن كان المملوك صغيرا أو مجنونا سقط القود عنهما معا و وجبت الدية على السيد الآمر و إلا أطلنا دم المقتول.

و عن المبسوط أنه اضطرب كلامه، فتارة أوجب القود على الآمر حرا كان المأمور أو عبدا، و أخرى أوجب الدية على عاقلة المأمور حرا أو عبدا.

و عن الوسيلة «أن المأمور إن كان حرا بالغا عاقلا أو مراهقا اقتص منه، و إن كان حرا صبيا أو مجنونا و لم يكره لزمت الدية عاقلته، و إن أكره كان نصف الدية على عاقلته و نصفها على الآمر المكره، و إن كان عبدا للآمر صغيرا أو كبيرا غير مميز اقتص من الآمر و إلا فمن القاتل- قال-: و إذا لزم القود المباشر خلد الآمر في الحبس، و إن لزم الآمر خلد المباشر فيه إلا أن يكون صبيا أو مجنونا».

و عن أبي علي «لو أمر رجلا عاقلا عالما بأن الآمر ظالم بقتل رجل أقيد القاتل به و حبس الآمر في السجن حتى يموت، و إن كان المأمور عبدا أو جاهلا أو مكرها لا يأمن بمخالفته إتلاف نفسه أزلت القود عنه و أقدت الآمر و حبست القاتل حتى يموت بعد تعزير له، و أمرته بالتكفير لتولي القتل بنفسه».

و لا يخفى عليك ما في الجميع من النظر من وجوه، خصوصا بعد أن لم نعثر على مستند لذلك و لا لبعضه إلا الخبرين (1) المزبورين في العبد المعارضين بالأقوى منهما من وجوه، و لذا قال المصنف و الأول أظهر لكن قد عرفت ما في إطلاقه و غيره في الحر و العبد المميزين غير البالغين، و التحقيق ما سمعته.

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1 و 2.

53

بل الظاهر تخليد السيد في السجن بأمره، لما عرفته من النص السابق، اللهم إلا أن يمنع شموله لنحو الفرض، و فيه أن الظاهر، تخليد الآمر مطلقا في السجن حتى في صورة عدم القود من المباشر لصغره و إن توقف فيه بعض الأفاضل، و لكن في غير محله، و الله العالم.

[فروع]

فروع:

[الأول لو قال اقتلني أو لأقتلنك لم يسغ القتل]

الأول:

لو قال كامل لآخر مثلا اقتلني أو لأقتلنك لم يسغ القتل بلا خلاف بل و لا إشكال لأن الإذن لا ترفع الحرمة الحاصلة من نهي المالك الحقيقي و لكن لو أثم و باشر لم يجب القصاص عند الشيخ في محكي المبسوط و الفاضل في التلخيص و الإرشاد، بل في المسالك أنه الأشهر لأنه أسقط حقه بالاذن فلا يتسلط الوارث الذي هو فرع على المقتول.

و منه ينقدح عدم الدية حينئذ التي تنتقل من الميت و لو في آخر جزء من حياته إلى الوارث لا ابتداء، بدليل نفوذ وصاياه و قضاء ديونه منها، إذ لو كانت للوارث ابتداء لم يكن كذلك.

نعم قد يناقش في أصل سقوط القصاص بكون الاذن غير مبيح فلا يرتفع به العدوان، كما لو قال: اقتل زيدا و إلا قتلتك، فيدخل في عموم أدلة القصاص، نحو ما لو أكره على قتل الغير، اللهم إلا أن يشك في شمول أدلة القصاص بل و الدية لمثله، و الأصل البراءة، و لا أقل من أن يكون ذلك شبهة يسقط بها قتله بناء على أنه كالحدود في ذلك، لكن لا يخفى عليك ما في الجميع، إلا أن يندرج في الدفاع، فيتجه حينئذ

54

سقوط القصاص و الدية و الإثم.

و لو قال الكامل للناقص ذلك لم يكن قصاص، لنقصه لا لقوله، و الدية على البحث السابق، و بالعكس لا إشكال في ثبوت القصاص، و أما الناقصان فالثابت الدية، كما هو واضح.

و لو كان الآمر المكره هو الوارث للمقتول كان له القصاص، لعموم الأدلة، و لا يسقط حقه بإكراهه.

[الثاني لو قال اقتل نفسك فان كان مميزا فلا شيء على الملزوم]

الثاني:

لو قال: اقتل نفسك من غير إكراه له على ذلك ففعل فان كان المأمور مميزا فلا شيء على الملزوم أي الآمر و إن كان سببا إلا أن المباشر أقوى منه و إلا يكن مميزا فعلى الملزم القود كما في القواعد و غيرها، لقوة السبب حينئذ على المباشر، و خصوصا مع الإكراه المتصور في حقه و إن كان في تحقق إكراه العاقل هنا إشكال باعتبار أنه لا معنى للاضطرار إلى قتل نفسه خوفا من قتله.

لكن في المسالك و كشف اللثام «نعم لو كان التخويف بنوع من القتل أصعب من النوع الذي قتل به نفسه فدفعه به اتجه حينئذ تحقق الإكراه، و ترتب القصاص حينئذ على المكره الذي هو أقوى من المباشر».

و قد يناقش بأن ذلك لا يقتضي جواز قتله لنفسه المنهي عنه، فلا حكم لاكراهه المزبور، و حينئذ يكون المباشر أقوى من السبب، و احتمال الجواز باعتبار شدة الأمر المتوعد به مناف لإطلاق دليل المنع، و إلا لجاز للعالم بأنه يموت عطشا مثلا أن يقتل نفسه بالأسهل من ذلك، فتأمل جيدا.

55

[الثالث يصح الإكراه في ما دون النفس]

الثالث:

يصح الإكراه في ما دون النفس لعموم دليله المقتصر في تخصيصه على المتيقن الذي هو النفس فلو قال: اقطع يد هذا و إلا قتلتك كان له قطعها دفعا لإتلاف نفسه بما ليس إتلافا فلا قصاص حينئذ عليه، لعدم العدوان، نعم هو على المكره الذي هو أقوى حينئذ من المباشر.

لكن في القواعد الاشكال فيه من ذلك و من عدم المباشرة، فتجب عليه الدية دون القصاص، و فيه أن وجوبها ليس إلا لقوة السبب على المباشرة، و هو مقتض للقصاص دونها، كما هو واضح.

و لو قال: اقطع يد هذا أو هذا أو لأقتلنك فاختار المكره أحدهما ففي القصاص على الآمر تردد، منشأه أن التعيين، عرى عن الإكراه فيكون المباشر مختارا في ذلك، إذ الأمر بالكلي الذي منه الأمر الإكراهي ليس أمرا بجزئي من جزئياته على التعيين و إن كان هو لا يتحقق إلا بأحدهما.

و لكن الأشبه بأصول المذهب ثبوت القصاص على الآمر كما عن التحرير لأن الإكراه تحقق، و التخلص غير ممكن إلا بأحدهما فاختياره حينئذ من ضرورة الإكراه الملجإ إلى إبراز الكلي في الوجود الذي لا يتم إلا بإيجاده في شخص معين، نحو الإكراه على معين من غير تعيين وقت فاختاره المكره، و مع الإغضاء عن ذلك كله فالعرف كاف في ثبوت المطلوب، كما هو واضح.

[الرابع لو أكرهه على صعود شجرة مثلا فزلق رجله و مات وجب الضمان على المكره]

الرابع لو أكرهه على صعود شجرة مثلا فزلق رجله و مات وجب

56

الضمان على المكره، و لكن الأقرب ثبوت الدية لا القصاص كما عن التحرير، نعم إن كان الغالب في مثل الفرض السقوط المهلك فالإكراه عليه كالإكراه على تناول السم، و إلا فان لم يقصد به القتل فلا إشكال في سقوط القصاص عنه، و إن قصد فبناء على ما تقدم عليه القصاص، و يحتمل الفرق بين فعل ما يقتل نادرا و الإكراه عليه، و الله العالم.

[الصورة الثالثة لو شهد أربعة بما يوجب رجما أو قتلا و ثبت أنهم شهدوا زورا لم يضمن الحاكم و كان القود على الشهود]

الصورة الثالثة: لو شهد اثنان مثلا بما يوجب قتلا كالقصاص و الارتداد و نحوهما أو شهد أربعة بما يوجب رجما كالزنا و ثبت أنهم شهدوا زورا بعد الاستيفاء لم يضمن الحاكم الآمر و لا الحداد المباشر و كان القود على الشهود، لأنه تسبيب متلف بعادة الشرع فكان أقوى من المباشرة التي أخرجها التسبيب المزبور عن كونها عدوانا، و كانت هي من توليده.

و في مرسل ابن محبوب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: إن قال الراجع: وهمت ضرب الخد و غرم الدية، و إن قال: تعمدت قتل».

و في خبر مسمع (2) عنه (عليه السلام) أيضا «أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في أربعة شهدوا على رجل أنهم رأوه مع امرأة يجامعها فرجم ثم رجع واحد منهم، قال: يغرم ربع الدية إذا قال: شبه علي فان رجع اثنان و قالا: شبه علينا غرما نصف الدية، و إن رجعوا و قالوا: شبه علينا غرموا الدية، و إن قالوا: شهدنا بالزور قتلوا جميعا».

____________

(1) الوسائل- الباب- 63- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 64- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 1.