كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء - ج1

- الشيخ جعفر كاشف الغطاء المزيد...
391 /
5

مقدّمة التحقيق

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي خلق الإنسان لعبادته، و جعل الفقاهة في الدين أفضل العبادة و مفتاحاً لها، و طريقاً إلى نيل السعادة الأبديّة.

و الصلاة و السلام على حججه في البريّة و سادتها و هداتها، محمّد و آله المعصومين المكرّمين خير الأنام و أفضل الكرام، سيّما مهديّ الأُمّة و هاديها و ملاذها و منجيها، الحجّة الثاني عشر عجّل اللّه فرجه محيي الشريعة و الأيّام، و رافع الجور و الآثام، و اللعن على أعدائهم اللئام. و نسأل اللّه و نستعينه على صدق البدء و حسن الختام.

المؤلّف و كلمات الفقهاء في شأنه:

إنّ من الفقهاء العظام الذين عاشوا في القرن الثالث عشر من الهجرة النبويّة على مهاجرها (صلّى اللّه عليه و آله) آلاف التحيّة و الثناء أية اللّه و المرجع الديني الكبير، الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر بن يحيى بن مطر بن سيف الدين المالكي القناقي الجناحي النجفي.

و المالكي نسبة إلى بني مالك، و هم المعروفون اليوم في العراق بال عليّ، و يقال إنّ نسبهم يرجع إلى مالك الأشتر النخعي من حواريّي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كما قال السيد صادق الفحّام في رثاء الشيخ حسين أخي المترجم

6

يا مُنتَمِي فَخراً إلى مالِكِ * * * ما مالِكِي إلاك في المعنَيَين

و الجناجي، نسبة إلى جناجية أو جناجيا قرية من أعمال الحلّة، أصلهم من آل عليّ المقيمين فيها، و أصل اسمها قناقيا و يلفظها العرب جناجياً على قاعدتهم في إبدال القاف جيماً.

و لقب الشيخ المعروف: «كاشف الغطاء» و صار هذا لقباً للعائلة، نسبة إلى كتابه: كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء (1) و للتعرّف على شخصيّته الفقهيّة و الأُصوليّة و الأخلاقيّة و الاجتماعيّة و السياسيّة، ننقل هنا كلام جماعة من أعاظم العلماء في شأنه:

1 قال تلميذه المحقّق صاحب مفتاح الكرامة في أوّل كتابه: امتثلت أمر سيّدي و أُستاذي و من عليه بعد اللّه سبحانه و أوليائه معوّلي و اعتمادي، الإمام العلّامة، المعتبر المقدّس، الحبر الأعظم الشيخ جعفر، جعلني اللّه فداه، و أطال اللّه تعالى للمؤمنين بقاءه. (2).

2 و قال المحقّق التستري في كتابه مقابس الأنوار: الأُستاذ السعيد، و الشيخ الأعظم، الأعلم الأعصم، قدوة الأنام، سيف الإسلام، عَلَم الأعلام، علّامة العلماء الكرام، خِرّيت طريق التحقيق و التدقيق، مالك أزمّة الفضل بالنظر الدقيق، مهذّب مسائل الدين الوثيق، مقرّب مقاصد الشريعة من كلّ فجّ عميق، وحيد العصر و فريد الدهر، و مدار الفصل و الوصل و منار الفخر و الفضل، خاتمة المجتهدين و أسوة الأفاضل المعتمدين، و حامي بيضة الدين، و ماحي آثار المفسدين، بدر النجوم، بحر العلوم، المؤيّد المسدّد من الحيّ القيّوم، شيخي و أُستاذي و معتمدي و استنادي و جدّ أولادي الموفّقين المحروسين المهذّبين بعين عناية اللّه الباري، الهادي الأجلّ، الرضي المرضي، الذكي الوفي الصفي، الخائض المغمور في عواطف بحار لطف اللّه الجلي الخفي الشيخ جعفر ابن المرحوم المبرور الشيخ خضر النجفي، أدام اللّه ظله العالي على رؤوس العالمين، و زيّن به كراسي العلم للعالمين، و جزاه اللّه عنّي يوم الدين خير جزاء المحسنين و المعلّمين.

____________

(1) راجع أعيان الشيعة 4: 99.

(2) مفتاح الكرامة 1: 2.

7

و هو صاحب كتاب «كشف الغطاء» الذي هو باسط العطاء على أُولي الذكاء و الصفاء و الوفاء، و على غيرهم في غاية الغموض و الخفاء. و شرح أوائل متاجر قواعد العلّامة، و العقائد الجعفريّة، و رسائل عديدة سديدة في الأُصول و العبادات، محتوية على إيجازها على غرائب التنبيهات و التفريعات و عجائب التحقيقات (1).

3 و قال المحقّق الخوانساري في كتابه روضات الجنّات: أُستاذ الفقهاء الأجلّة، و شيخ مشايخ النجف و الحلّة. كان (رحمة اللّه عليه) من أساتذة الفقه و الكلام و جهابذة المعرفة بالأحكام، معروفاً بالنبالة و الإحكام، منقّحاً لدروس شرائع الإسلام، مفرّعاً لرؤوس مسائل الحلال و الحرام، مروّجاً للمذهب الحقّ الاثني عشري كما هو حقّه، و مفرّجاً عن كلّ ما أشكل في الإدراك البشري، و بيده رتقه و فتقه، مقدّما عند الخاصّ و العامّ، مُعظّماً في عيون الأعاظم و الحكّام، غيوراً في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وقوراً عند هزائز الدهر و هجوم أنحاء الغِيَر، مطاعاً للعرب و العجم في زمانه، مفوّقاً في الدنيا و الدين على سائر أمثاله و أقرانه. و من صفاته المرضيّة أنّه (رحمه اللّه) كان شديد التواضع و الخفض و اللين، و فاقد التجبّر و التكبّر على المؤمنين، مع ما فيه من الصولة و الوقار و الهيبة و الاقتدار.

فلم يكن يمتاز في ظاهر هيئته عن واحد الأعراب، و ترتعد من كمال هيبته فرائص أُولي الألباب.

كان أبيض الرأس و اللحية في أزمنة مشيبة، كبير الجثّة، رفيع الهمّة، سَمِحاً شجاعاً، قويّاً في دينه، بصيراً في أمره.

كان يرى استيفاء حقوق اللّه من أموال الخلائق على سبيل الخرق و القهر، و يباشر صرف ذلك بمحض القبض إلى مستحقّيه الحاضرين من أهل الفاقة و الفقر (2).

4 و قال المحدّث النوري في حقّه: و هو من آيات اللّه العجيبة التي تقصر عن دركها العقول، و عن وصفها الألسن، فإن نظرتَ على علمه فكتابه «كشف الغطاء» الذي ألّفه في سفره ينبؤك عن أمر عظيم، و مقام عليّ في مراتب العلوم الدينيّة، أُصولًا و فروعاً.

و إن تأمّلت في مواظبته للسنن و الاداب و عباداته و مناجاته في الأسحار و مخاطبته

____________

(1) مقابس الأنوار: 19.

(2) روضات الجنّات 2: 200.

8

بقوله: كنت جعيفراً، ثمّ صرت جعفراً، ثمّ الشيخ جعفر، ثمّ شيخ العراق، ثمّ رئيس الإسلام؛ و بكائه و تذلّله، لرأيته من الذين وصَفَهم أمير المؤمنين (عليه السلام) من أصحابه للأحنف بن قيس. و مع ما اشتهر من كثرة أكله و إن كان «(رحمه اللّه)» ما كان يأكل إلا الجشب و لا يلبس الله الخشن فلا تورثه الملل و الكسل، عمّا كان عليه من التضرّع و الإنابة و السهَر.

و إن تفكّرت في بذله الجاه العظيم الذي أعطاه اللّه تعالى من بين أقرانه، و المهابة و المقبوليّة عند الناس على طبقاتهم من الملوك و التجّار و السوَقَة للفقراء و الضعفاء من المؤمنين، و حضّه على طعام المسكين، لرأيت شيئاً عجيباً، و قد نقل عنه في ذلك مقامات و حكايات لو جمعت لكانت رسالة طريفة نافعة (1).

5 و قال العلّامة السيّد محسن الأمين العاملي في كتابه أعيان الشيعة:

قد انتهت إليه رئاسة الإماميّة الدينيّة في عصره و الزمنيّة في قطرة، فهو الفقيه الأكبر مفتي الإماميّة، رجع إليه الناس و أخذوا عنه، و رأس بعد وفاة شيخه السيّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي سنة (1212 هق) و اشتهر باعتدال السليقة في الفقه، و قوّة الاستنباط من الأدلّة، فكان أُعجوبة في الفقه، و لقوّة استنباطه اشتهر من باب الملح أنّ الشيخ جعفر عنده دليل زائد، و هو دليل الشمّ، و كان مع ذلك أديباً شاعراً (2).

6 و قال المحقّق الصمداني الآقا بزرك الطهراني في كتابه الكرام البررة: هو شيخ الطائفة جعفر الشهير بالشيخ الأكبر. زعيم الإماميّة الميمون، و مرجعها الأعلى في عصره، و من فطاحل فقهاء الشيعة إلى أن قال: و الحقّ أنّه من الشخصيّات العلميّة النادرة المثيل، و أنّ القلم لقاصر عن وصفه و تحديد مكانته، و إن بلغ في التحليل و في شهرته و سطوع فضله غِنى عن إطراء الواصفين، و قد ارتوى الكلّ من نمير فضله، و اعترف الجميع بغزارة علمه و تقدّمه و تبحّره و رسوخ قدمه في الفقه، و ماثره الجمّة كفيلة بالتدليل على ذلك.

و أمّا الرئاسة، فقد بلغ المترجم ذُروَتها. فقد كان مطاعاً معظّماً محبوباً مقدراً، امتدّ نفوذه و سمت مكانته، فأفاض العلم و نشر الدعوة الإسلاميّة و أقام معالم الدين و شاد دعائمه. و كان أمراء آل عثمان يرمقونه بعين التعظيم و الإكبار، و بذلك كانت له الموفّقيّة بالحصول على غايات

____________

(1) مستدرك الوسائل 3: 398 397.

(2) أعيان الشيعة 4: 100.

9

شريفة قلّ من ضاهاه فيها (1).

7 و قال العلّامة الرجالي ملا عليّ العلياري في بهجة الآمال:

جلالة شأنه و غزارة علمه، لا تحتاج إلى البيان، لما هو محسوس بالعيان، و الإنصاف أنّ من زمان الغيبة إلى زماننا هذا لم يوجد أحد في الإحاطة تحت فلك القمر، كما قال أعلى اللّه مقامه و رفع في الخلد أعلامه: الفقه باق على بكارته لم يمسّه أحد الله أنا و الشهيد و ابني موسى.

و ينبئ عن هذا قوله (رحمه اللّه): إنّي باحثت الشرائع ثلاثمائة مرّة. و قال أيضاً: لو مُحي كلّ كتب الفقه أكتب من أوّل الطهارة إلى الديات. و الشاهد على ذلك مصنّفاته و تأليفاته المنيفة، مثل كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء (2).

8 و في «ماضي النجف و حاضرها» ناقلًا عن «الروضة البهيّة» (3): الشيخ المكرّم المعظّم، ملجأ العرب و العجم، ملاذ كافّة الأُمم، منبع الفضائل الجليلة، و معدن السجايا العليّة، ناهج المناهج السويّة، بالغ المقاصد العليّة، مهذّب المعالم الدينيّة، المشتهر في جميع الأمصار و الآفاق.

و هذا الشيخ أفضل أهل زمانه في الفقه، لم يرَ مثله، مبسوط اليد في الفروع الفقهيّة و القواعد الكليّة، قويّ في التفريع غاية القوّة، مقبول عند السلطان و الرعيّة، كان العرب يطيعونه غاية الإطاعة.

و يطيعه السلطان فتح علي شاه قاجار غاية الإطاعة، و كذا كلّ أكابر دولته و أبنائه، و يأخذ من السلاطين و الأكابر من العجم و أرباب الثروة و الغنى مالًا كثيراً، و يعطيه الفقراء بتمامه في مجلس الأخذ و في يومه.

كان (رحمه اللّه) قد جمع صفات الأبدال، و حاز فضل الفطاحل من الأعلام، و تقدّم على كثير من العلماء (4).

____________

(1) الكرام البررة 1: 248.

(2) بهجة الآمال 2: 533.

(3) الروضة البهية في الإجازة الشفيعيّة للسيّد محمّد شفيع ابن السيّد علي أكبر الحسيني الموسوي الجابلقي المتوفّى (1280 ه. ق). و هي على حذو اللؤلؤة ذكر فيها تراجم كثيرة ممن تأخر عن صاحب اللؤلؤة. الذريعة 11: 292.

(4) ماضي النجف و حاضرها 3: 133.

10

9- و قال في موضع آخر من الكتاب: وقفت على عدّة رسائل من الشيخ محمَّد بن راضي بن شويهي يخاطب بها الشيخ (رحمه اللّه) بكلّ تبجيل و احترام، منها تُعرف مكانة الرجل و أهميّته في المجتمع:

منها: ما يقول فيها: أيّها المرجع للخلق و المتكلّم بالحق و الناطق بالصدق، و المحيي علوم المرسلين و المقتفي آثار الأئمّة الطاهرين.

و منها: الحمد للّه الذي أقام الدين بسيوفكم، و قمع شوكة العصاة بكفوفكم، فأعلى اللّه مقامكم، و أجزل في الخلد إكرامكم.

و منها: التي يقول فيها: حرسك اللّه قطب العلماء، و سنام الفضلاء، و وجه الشيعة، و محيي الشريعة، و مصباح الأُمّة، و المنصوب من قبل الأئمّة، و بهجة الزمان، و قمر الأقران، و صدر المحقّقين، و قوام المتبحّرين، و مرجع الفقراء و ملاذ الضعفاء، و والد المشتغلين و أخو الفقراء و المساكين (1).

10 و قال السيّد علي الطباطبائي «صاحب الرياض» في حقّه حيث كتب إجازةً للشيخ عبد علي بن اميد الرشتي الغروي:

لقد أجزته أدام اللّه تعالى توفيقه كما أجازه أخونا علّامة العلماء فريد الدهر، و وحيد العصر، الشيخ جعفر، حرسه اللّه، ملتمساً منه الدعاء بالعافية و حسن العاقبة (2).

مشايخه:

و تشهد لعلوّ فقاهته الأساتذة الكرام الذين استفاد الشيخ (رحمه اللّه) من نور علومهم، و التلامذة الذين استضاؤوا من شعاع علمه. و نحن نذكر نبذة منهم باختصار:

1 أوّل مشايخه، والده المكرّم،

الشيخ خضر (المتوفى 1180 ه. ق) قال المترجَم له في حقّ والده: و عرف بالصلاح و التقوى و الفضيلة، و كان الفضلاء و الصلحاء يتزاحمون على الصلاة خلفه (3).

و قال المحدّث النوري في شأنه: كان الشيخ خضر من الفقهاء المتبتّلين و الزهاد المعروفين،

____________

(1) ماضي النجف و حاضرها 3: 138.

(2) أعيان الشيعة 8: 30.

(3) روضات الجنّات 2: 203.

11

و علماء عصره كانوا يزدحمون على الصلاة خلفه (1).

2 الآقا محمّد باقر بن محمّد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (1116 1205 ه. ق).

وصفه تلميذه السيّد مهدي بحر العلوم في بعض إجازاته بقوله: العالم العامل العلّامة، و أُستاذنا الحبر الفاضل الفهّامة، المحقّق النحرير و الفقيه العديم النظر، بقيّة العلماء و نادرة الفضلاء، مجدّد ما اندرس من طائفة الفقهاء، معيد ما انمحى من آثار القدماء، البحر الزاخر، و الإمام الباهر الشيخ محمّد باقر ابن الشيخ الأجلّ الأكمل، و المولى الأعظم الأبجل، المولى محمّد أكمل، أعزّه اللّه تعالى برحمته الكاملة، و ألطافه السابغة الشاملة. و له خمسة عشر من الآثار العلميّة، منها: شرح المفاتيح من الأوّل إلى آخر الصلاة في مجلّدين كبيرين (2).

3 السيّد مهدي الطباطبائي (1155 1212 ه. ق)

قال صاحب الأعيان في شأنه: هو الإمام العلّامة الرُّحَلَة، رئيس الإماميّة و شيخ مشايخهم في عصره، نادرة الدهر و إمام العصر، الفقيه الأُصولي الكلامي، المفسّر المحدّث الرجالي، الماهر في المعقول و المنقول، المتضلّع بالأخبار و الحديث و الرجال، التقيّ الورع الأديب الشاعر، الجامع بجميع الفنون و الكمالات، الملقّب ببحر العلوم عن جدارة و استحقاق، ذو همّة عالية، صاحب «المصابيح في الفقه» ثلاثة مجلّدات و «الفوائد في الأُصول» و «مشكاة الهداية» لم يخرج منه إلا الطهارة، عليه شرح لتلميذه الشيخ جعفر باقتراح منه، و كتاب «الرجال» و «الدرّة النجفيّة».

و قال المحدّث النوري في حقّه:. أية اللّه بحر العلوم صاحب المقامات العالية و الكرامات الباهرة. و قد أذعن له جميع علماء عصره و من تأخّر عنه بعلوّ المقام و الرياسة في العلوم النقليّة و العقليّة، و سائر الكمالات النفسانيّة، حتّى أنّ الشيخ الفقيه الأكبر، الشيخ جعفر النجفي مع ما عليه من الفقاهة و الزهادة و الرياسة كان يمسح تراب خُفّه بحنك عمامته، و هو من الذين تواترت عنه الكرامات و لقاؤه الحجّة (صلوات اللّه عليه) (3).

4 السيّد صادق الحسيني الأعرجي النجفي المعروف بالفحّام (1122 1205 ه. ق)

____________

(1) مستدرك الوسائل 3: 397.

(2) أعيان الشيعة 9: 182.

(3) رجال السيّد بحر العلوم 1: 46.

12

و هو كما في الأعيان: كان ذا همّة عالية، كريم اليد و النفس، له منزلة سامية بين أقرانه، حسن المناظرة، جيّد الكلام، لا يملّ منه و كان غالب لياليه في المطالعة و الكتابة، و كان إماماً في العربيّة، لا سيّما في اللغة، دُعي قاموس لغة العرب.

و له مراسلات و محاورات أدبيّة مع شعراء عصره، غاية في الحسن و الظرافة.

و له شرح «شرائع الإسلام» وجد منه مجلّد في الطهارة، و شواهد القطر، و ديوان شعر ضخم، و «الرحلة الحجازيّة» منظومة، و «الرحلة الرضويّة» نثراً (1).

5 الشيخ محمّد مهدي الفتوني العاملي النجفي

و في الأعيان: قال السيّد بحر العلوم في حقّه: شيخنا العالم العامل المحدّث الفقيه، أُستاذنا الفاضل الوجيه النبيه، شيخ مشايخ عصره، و واحد علماء دهره، الشيخ البهي الرضي المرضي أبو صالح محمَّد مهدي العاملي الفتوني (قدّس اللّه لطيفه و أجزل تشريفه). (2).

6 الشيخ محمّد تقي الدَّورقي النجفي (المتوفى 1186 ه. ق).

و هو كما قال القزويني: من أعلام الفضلاء، و من أفراد العلماء، جمع بين العلوم العقليّة و النقليّة، مع تحقيق رائق و تدقيق فائق، و عمل كامل، و زهد شامل.

انتشر فضله في العراق و أخذ منه علماء الأطراف، و سكن النجف الأشرف، و استفاد منه جميع الأقطار بدون استنكاف، كان له ذهن دقيق، و فكر عميق، و عَمِل بجدّ و سَعى بكدّ، ففاق أهل عصره، و استعلى أهل دهره (رحمه اللّه) (3).

تلاميذه:

تتلمذ عند الشيخ جمّ غفير، و روى عنه جمع كثير، نذكر نبذة منهم؛ شكراً لمساعيهم الجميلة في الحوزات العلميّة و المجتمع الإسلامي:

1 ولده الشيخ موسى النجفي (المتوفّى 1242 ه. ق تقريباً).

هو أجلّ أنجال الشيخ الكبير الأربعة شأناً و أنبههم ذكراً، و أعلاهم صيتاً و أرفعهم جاهاً و

____________

(1) أعيان الشيعة 7: 360.

(2) المصدر السابق 10: 67.

(3) تتميم أمل الآمل: 87.

13

أطولهم باعاً في العلوم الفقهيّة، و أخبرهم بفنون المعقول و المنقول. و كان من المبرّزين في العلم و الفضل مدقّقاً، فهو علّامة عصره و فريد دهره، فقيه مجتهد، و قد سئل أبوه: من أفقه الناس؟ فقال: أنا و ولدي موسى و الشهيد الأوّل. و كان الشيخ محمّد حسن ياسين و السيّد علي الطباطبائي و غيرهما من العلماء يفضّلونه على أبيه في الدقّة و المتانة، انتهت إليه المرجعيّة العامّة بعد والده فهو الزعيم الديني المطاع، و العلّامة الذي ملأ صيته الأصقاع (1).

و قال صاحب الروضات في حقّه: و كان خلاقاً للفقه، بصيراً بقوانينه، لم تبصر نظيره الأيّام، و كان أبوه يقدّمه في الفقه على من عدا المحقّق و الشهيد المرحومين. و له شرح رسالة أبيه من أوّل الطهارة إلى آخر الصلاة في مجلّدين (2).

2 ولده الشيخ علي النجفي (المتوفى 1253 هق)،

و هو أحد أنجال الشيخ الأربعة الأعلام الذين نهضوا بأعباء الزعامة و التحفوا بأبراد المجد و الكرامة، كان عالماً فاضلًا، تقيّاً، ورعاً، زاهداً، مجتهداً، ثقة، عدلًا، جليل القدر، عظيم المنزلة، إليه انتهت الرئاسة العلميّة، و رجعت إليه الفتيا و القضاء بعد أبيه و أخيه الشيخ موسى، من كافّة الأقطار الشيعيّة.

و كان ذا همّة عالية و حزم و إقدام، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، كثير الذكر، دائم العبادة، مواظباً على الطاعات، امراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، له مناقب جمّة و كرامات باهرة، تنسب له ملاقاة الحجّة «عجّل اللّه فرجه». و له كتاب في الخيارات و رسالة في حجّيّة الظنّ مفصّلًا و القطع و البراءة و الاحتياط، على الطريقة التي تابعه عليها تلميذه «العلّامة الأنصاري»، و له رسائل كثيرة متفرّقة، و له تعليقة على رسالة والده: «بغية الطالب» لعمل المقلّدين (3).

3 ولده الشيخ حسن كاشف الغطاء (1201 1262 ه. ق).

و هو البارز في عصره، انتهت إليه رئاسة الشيعة الإماميّة. كان عَلَماً في الفقه، و مناراً في الأُصول، زاهداً عابداً، و هو على جانب عظيم من حسن الخلق و طيب المفاكهة، لا تحصى مفاخره، و لا تستقصى ماثره.

____________

(1) ماضي النجف و حاضرها 3: 199.

(2) روضات الجنّات 2: 201.

(3) ماضي النجف و حاضرها 3: 168، 170.

14

سُئل عنه بعض من عاصره من الفقهاء الأعلام فقال فيه: هو أفضل من أبيه، اجتهد و عمل برأيه قبل أن يبلغ العشرين من عمره.

و من أشهر مؤلّفاته أنوار الفقاهة، و له شرح مقدّمة كشف الغطاء لوالده، و له رسالة عمليّة و رسالة في الإمامة و تأليف أُخرى (1).

4 ولده الشيخ محمّد كاشف الغطاء (1195 1247 ه. ق).

و هو أحد أنجال الشيخ المعظّم الأربعة، و كان من أعيان العصر و وجهاء زمانه. و هو المقدّم في الطائفة الجعفريّة بعد أبيه و أخويه الشيخ موسى و الشيخ عليّ. هاجر بعد وفاة والده إلى الحلّة و مكث فيها بُرهة من الزمان، و كانت له الرئاسة بها، تخشاه الحكّام و تخافه الأُمراء (2).

5 الشيخ أسد اللّه الكاظمي (المتوفى 1220 ه. ق).

كان عالماً فاضلًا متتبّعاً من أهل التحقيق و الفهم و المهارة في الفقه و الأُصول و كان غالب تَتَلمُذِه على شيخ مشايخنا الآقا محمّد باقر البهبهاني، و السيّد محمّد مهدي الطباطبائي النجفي، و الشيخ جعفر النجفي، و يعبّر عنه في كلماته، بشيخي و أُستاذي و جدّ أولادي، و ذلك لكونه صهراً للشيخ المذكور على ابنته.

و من كتابه المسمّى ب«مقابس الأنوار و نفائس الأبرار في أحكام النبي المختار و عترته الأطهار» يظهر منه غاية فضله، و تمام مهارته في الفقه و إحاطته بالأدّلة و الأقوال.

و له أيضاً كتاب «كشف القناع عن وجوه حجيّة الإجماع» و كتاب «منهج التحقيق في حكم التوسعة و التضييق» و كتاب «نظم زبدة الأُصول» (3).

و في الأعيان: قال الشيخ جعفر النجفي في إجازته له: أمّا بعد فلمّا كان من النعم التي ساقها اللّه إليّ و تلطّف بها من غير استحقاق، على توفيقي تربية قرّة عيني، و مهجة فؤادي، و الأعزّ عليّ من جميع أحبّائي و أولادي، و من أفديه بطارفي و تلادي، معدوم النظير و المثيل، آغا أسد اللّه، نجل مولانا العالم العامل الحاج إسماعيل، فإنّه سلّمه اللّه قد قرأ عليّ جملةً

____________

(1) ماضي النجف و حاضرها 3: 147، 149.

(2) المصدر السابق 3: 179.

(3) روضات الجنّات 1: 99.

15

من المصنّفات، و طائفة من العلوم النقليّات، فرأيت ذهنه كشعلة مِقباس، و فكره لا يصل إليه فحول الناس، و كانت ساعته بشهر و شهره بدهر (1).

6 الشيخ محمّد حسن ابن الشيخ باقر النجفي (صاحب جواهر الكلام) (المتوفّى 1266 ه. ق)

قال صاحب الروضات في حقّه: هو واحد عصره في الفقه الأحمدي و أوحد زمانه الفائق على كلّ أوحدي.، لم يرَ مثله إلى الان في تفريع المسائل، و لا شبهه في توزيع نوادر الأحكام على الدلائل.

و لمّا يستوف المراتب الفقهيّة أحد مثله، و لا حام في تنسيق القواعد الأُصوليّة أحد حوله، أو في توثيق المعاقد الاستدلاليّة مجتهد قبله.

كيف و له كتاب في فقه المذهب من البدء إلى الختام سمّاه «جواهر الكلام» في شرح شرائع الإسلام، قد أرخى فيه عنان البسط في الكلام، و أسخى فيه بنان الخطّ بالأقلام إلى حيث قد أناف على الثّلاثين مجلّداته.

و نقل أنّ عدّة فقهاء مجلسه المسلّم لديه اجتهادهم، يناهز ستّين رجلًا، و ليس ذلك ببعيد.

و كان غالب تَتَلمُذه كما استفيد لنا على من كان من تلامذة مولانا المروّج البهبهاني مثل صاحب «كشف الغطاء» بل و ولده الشيخ موسى و السيد جواد العاملي صاحب «شرح القواعد الكبير» المعين على تأليف «الجواهر» كثيراً (2).

و قال صاحب الأعيان في حقّه: فقيه الإماميّة الشهير و عالمهم الكبير، مربّي العلماء، و سيّد الفقهاء، أخذ عن الشيخ جعفر و ولده الشيخ موسى و عن صاحب المفتاح الكرامة.

و رزق في التأليف حظّا عظيماً، قلّما اتّفق لسواه، و اشتهرت كتبه اشتهاراً يقلّ نظيره، و هو يدلّ على غزارة مادّته، و تبحّره في الفقه، أشهرها «جواهر الكلام» في شرح شرائع الإسلام، لم يؤلّف مثله في الإسلام. (3).

____________

(1) أعيان الشيعة 3: 283.

(2) روضات الجنّات 2: 304.

(3) أعيان الشيعة 9: 149.

16

7 الشيخ محمّد تقي الأصفهاني (المتوفى 1248 ه. ق).

صاحب «حاشية المعالم» أحد رؤساء الطائفة و محقّقي الإماميّة، المؤسّسين في هذا القرن [الثالث عشر].

هاجر في أوائل شبابه إلى العراق بعد تكميل المبادئ و المقدّمات، فحضر في الكاظميّة على السيّد محسن الأعرجي، و في كربلاء على الأُستاذ الوحيد محمد باقر البهبهاني، و السيّد عليّ صاحب «الرياض».

و في النجف على السيّد مهدي بحر العلوم، و الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، لازم الأخير زماناً و صاهره أخيراً على كريمته و استمرّ على الاكتساب من معارف الشيخ و أقرانه حتّى فاز بدرجة عالية من العلم و العمل، معقولًا و منقولًا، فقهاً و أُصولًا.

و للمترجم آثار هامّة جليلة، أشهرها: حاشية المعالم سمّاها «هداية المسترشدين» في شرح أُصول معالم الدين. قال المحدّث النوري في خاتمة المستدرك عند ذكر هذا الكتاب: أنّه في كتب الأُصول كالربيع من الفصول. (1).

8 الشيخ عبد الحسين الأعسم النجفي (حدود 1177 1247 ه. ق)

و هو كما قال العلّامة السيّد محسن الأمين في حقّه: كان عالماً فقيهاً أُصوليّاً ثقة محقّقاً مدقّقاً مؤلّفاً أديباً شاعراً.

تخرّج على أساتذة أبيه: السيّد مهدي بحر العلوم، و الشيخ جعفر صاحب «كشف الغطاء» و قرأ على المحقّق السيّد محسن الأعرجي الكاظمي صاحب «المحصول» و شرح منظومات والده الثلاث في المواريث و الرضاع و العُدَد بأمره.

و له كتاب «ذرائع الأفهام إلى أحكام شرائع الإسلام» برز منه كتاب الطهارة في ثلاثة أجزاء (2).

9 الشيخ عبد عليّ بن أُميد عليّ الرشتي الغروي. (المتوفى بعد 1226 ه. ق).

قال صاحب الأعيان في حقّه: عالم فاضل فقيه صالح، من مصنّفاته: شرح كتاب الطهارة من الشرائع، شرحاً مزجيّاً يدلّ على فضله، توجد نسخة بخطّه و على ظهرها تقريظ

____________

(1) الكرام البررة 1: 215.

(2) أعيان الشيعة 7: 452.

17

و إجازة من الشيخ جعفر صاحب «كشف الغطاء» و من السيّد عليّ الطباطبائي صاحب «الرياض» و صورة ما كتبه الشيخ بعد البسملة و التحميد:

لقد أجاد و أفاد و جاء بما فوق المراد، قرّة العين، مهجة الفؤاد، من نسبته إلى نسبة الأولاد إلى الإباء و الأجداد، العالم العلّامة و الفاضل الفهّامة و الورع التقي، ذو القدر الجلي، عالي الجناب الشيخ عبد العلي، فيا له من كتاب جامع و مصنّف لطالب العلوم، قد شهد لمصنّفه بطول الباع و دقّة الفكر و كثرة الاطّلاع. إلى آخر الإجازة (1).

10 الشيخ خضر بن شلال العفكاوي النجفي (المتوفى 1255 ه. ق).

كان عالماً فقيهاً زاهداً ورعاً، تنسب إليه كرامات، من أجلّ تلامذة الشيخ جعفر صاحب «كشف الغطاء».

و وَصَفه المحدّث النوري في كتابه «دار السلام» بالشيخ المحقّق الجليل العالم المدقّق النبيل، صاحب الكرامات الباهرة المعروفة، كان من أعيان هذه الطائفة و علمائها الربّانيّين الذين يضرب لهم المثل في الزهد و التقوى و استجابة الدعاء. انتهى.

و من مؤلّفاته «التحفة الغرويّة في شرح اللمعة الدمشقيّة» كبير في عدّة مجلّدات، إلى آخر الحجّ. و «أبواب الجنان و بشائر الرضوان» و «جنّة الخلد» و هي رسالة لعمل المقلّدين مترتبة على مطلبين: الأوّل في أصول الدين و الثاني في فروعه من الطهارة إلى آخر الصلاة. و كتاب «المعجز» (2)، و تآليف اخرى.

11 السيّد عبد اللّه الشبّر الكاظمي (1192 1242 ه. ق).

و في الأعيان: حكي عن تلميذه الشيخ عبد النبي الكاظمي صاحب تكملة الرجال، بأنّ السيّد عبد اللّه حاز جميع العلوم: التفسير و الفقه، و الحديث و اللغة.

و صنّف في أكثر العلوم الشرعيّة من التفسير و الفقه و الحديث و اللغة و الأُصولين و غيرها، فأكثر و أجاد و انتشرت كتبه في الأقطار و ملأت الأمصار، و لم يوجد أحد مثله في سرعة التصنيف و جودة التأليف.

قرأ على والده في مشهد الكاظمين (عليهما السلام)، و على السيّد محسن الأعرجي،

____________

(1) أعيان الشيعة 8: 30.

(2) أعيان الشيعة 6: 322.

18

و يروي بالإجازة عنه و عن الشيخ جعفر.

و كان سريع الكتابة مع التصنيف. كتب في آخر بعض مصنّفاته: شرعت فيها عند العشاء و تمّت عند نصف الليل. و نافت مؤلّفاته على الاثنين و الخمسين مؤلّفاً (1).

12 السيّد باقر الحسيني القزويني (المتوفى 1246 ه. ق).

قال صاحب الأعيان في حقّه: أنّه من أجِلة العلماء في النجف علماً و عملًا و معرفة، عالم عابد مشهور، من ذوي الكرامات و هو عمّ السيّد مهدي القزويني الشهير، و أُمّه أُخت السيّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي.

أخذ عن خاله المذكور و عن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء و يروي بالإجازة عنهما، و أخذ عنه جماعة منهم ابن أخيه السيّد مهدي. له من المصنّفات: «الوجيز» في الطهارة و الصلاة متن فقهيّ، «الوسيط» استدلال في بعض الطهارة، «حواشي كشف اللثام»، و «جامع الرسائل في الفقه» (2).

13 السيّد صدر الدين العاملي (1193 1263 ه. ق).

قال العلّامة الطهراني في شأنه: حضر في النجف على السيّد مهدي بحر العلوم فاختاره لعرض «الدرّة» عليه، لقوّته في الأدب، و مهارته في الشعر، و حضر على الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء أيضاً و صاهره على ابنته.

و له آثار كثيرة تدلّ على جلالة قدره، و كونه من أعيان الفقهاء و المجتهدين، منها: «أُسره العترة» و «القسطاس المستقيم» و «المستطرفات» و «شرح منظومة الرضاع» من نظمه أيضاً و «التعليقة على منتهى المقال» و «قرّة العين» في النحو، و «شرح مقبولة ابن حنظلة»، و «رسالة حجيّة الظنّ»، و «مسائل ذي الرأسين» و «قوت لا يموت» و «المجال في الرجال» و «تعليقة على نقد الرجال»، و يروي عن أكثر من أربعين عالماً (3).

14 الحاج محمّد المشهدي (المتوفى 1257 ه. ق)

قرأ على صاحب الرياض، و شريف العلماء و الشيخ جعفر صاحب «كشف الغطاء» و له

____________

(1) أعيان الشيعة 8: 82.

(2) أعيان الشيعة 3: 529.

(3) الكرام البررة 2: 668.

19

شرح على منظومة بحر العلوم، و كتاب في شرح الأحاديث و الآيات و كتاب في أصول الفقه (1).

15 الشيخ محمّد إبراهيم الكلباسي (1180 1261 ه. ق)

هاجر المترجم إلى العراق فأدرك الوحيد البهبهاني، و السيّد مهدي بحر العلوم و الشيخ كاشف الغطاء و مؤلّف «الرياض» و المقدّس الكاظمي، فاشتغل عندهم و حضر عليهم مدّة طويلة.

و له تصانيف نافعة هامّة في الفقه و الأُصول:

منها: «الإيقاظات» أوّلًا و «الإشارات» ثانياً و «شوارع الهداية» إلى شرح الكفاية «للسبزواري» و «منهاج الهداية» و «إرشاد المسترشدين» و «الإرشاد» و «النخبة» في العبادات انتخبها من الإرشاد فارسياً و «مناسك الحجّ» فارسيّ و غيرها من الرسالات (2).

و غيرهم من الفقهاء الذين استضاؤا من علمه رضوان الله تعالى عليهم.

مدرسته الفقهيّة:

كان عصر الشيخ كاشف الغطاء، عصر النهضة العلميّة و ازدهار الفقه و الأصول. و مبدأ هذه الحركة هو الأستاذ الأكبر الآقا محمّد باقر المعروف بالوحيد البهبهاني، و تكاملت في عصر كاشف الغطاء و السيّد مهدي بحر العلوم، و استمرّت إلى عصر العلامة الشيخ الأنصاري.

و في ذلك القرن الثالث عشر من الهجرة النبويّة كثرت هجرة طلاب العلم من بلاد الهند و باكستان و إيران و أفغانستان و تركيا و تبّت و لبنان و سوريا و الأحساء و الخليج و غيرها إلى النجف الأشرف، حتى بلغوا خمسة آلاف من روّاد العلم.

و مع ذلك كانت الحوزات العلميّة و العلماء، في معرض هجمة الأعداء و أياديهم، و في مقابلهم اشتدّ دفاع العلماء عن النجف و الحوزات العلميّة، و كان في مقدّمتهم و في الصف الأوّل من هذا الدفاع المشروع و الجهاد ضدّ أعداء الدين الميرزا محمّد تقي الشيرازي، و الشيخ

____________

(1) أعيان الشيعة 10: 56.

(2) الكرام البررة 1: 14.

20

جعفر كاشف الغطاء، و من نتائج الازدهار العلمي في هذا العصر اجتماع عدّة من فطاحل الفقهاء فيه و تأليف موسوعات فقهيّة قيّمة، كالمصابيح للسيّد بحر العلوم، و مفتاح الكرامة للسيّد جواد العاملي، و كشف الغطاء لكاشف الغطاء، و مقابس الأنوار للشيخ أسد اللّه التستري، و مستند الشيعة في أحكام الشريعة، للمولى أحمد النراقي و غيرها (1).

و إنّه لمّا رجع الشيخ جعفر جدّ أُسرة آل كاشف الغطاء من الحجّ أجمع العلماء على أن يجعلوا أمر التدريس للسيّد مهدي (رحمه اللّه) و أمر الفتوى و التقليد للشيخ جعفر، حتّى أنّ المرحوم السيّد مهدي أمَرَ أهله بتقليد الشيخ جعفر. و أمر صلاة الجماعة للشّيخ حسين نجف، فلم يكن سواه إماماً في النجف الأشرف و كانت العلماء تقتدي به، حتّى السيّد مهدي و الشيخ جعفر يصلّيان خلفه أغلب الأوقات.

و لم يبق للسيّد مهدي (رحمه اللّه) إلا أيّاماً قليلة حتّى انتقل إلى جوار ربّه، و أصبح التدريس منحصراً بالشيخ جعفر، و ذكر المؤرّخون أنّه كان يحضر درسه من المجتهدين ما لا يحصى عددهم، فضلًا عن المراهقين للاجتهاد (2).

و قد تعرّض الشيخ الأعظم الأنصاري ((رحمه اللّه)) في مصنّفاته كثيراً لآرائه الفقهيّة و الأُصوليّة و كان يعبّر عن كاشف الغطاء كثيراً ببعض الأساطين و عن صاحب الجواهر ببعض المعاصرين. و كذا كان يذكره أيضاً صاحب الجواهر في جواهره بشيخنا، و الأُستاذ المعتبر، و الأُستاذ الأكبر.

آثارة العلميّة:

و للمترجَم له (رحمه اللّه) تأليف قيّمة مشحونة بالتحقيق و التدقيق، و هي:

1 كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء، و سيأتى الكلام فيه.

2 مختصر كشف الغطاء (3).

3 غاية المأمول في علم الأصول (4).

____________

(1) موسوعة النجف الأشرف 6: 175 179.

(2) المصدر السابق 6: 150.

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 20: 205.

(4) الذريعة 16: 16.

21

4 غاية المراد في أحكام الجهاد (1).

5 بغية الطالب في معرفة المفروض و الواجب، رسالة عمليّة، اقتصر فيها على ذكر مجرّد الفتاوى، مرتّب على مطلبين: أوّلهما في أصول العقائد و ثانيهما في فروع الأحكام، خرج منه من أوّل الطهارة إلى آخر الصلاة. (2).

6 مشكاة المصابيح في شرح منثور الدرّة، الموسوم ب«مشكاة الهداية» (3).

7 الرسالة الصوميّة، على ظهرها خطّ السيّد جواد بن محمّد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة» مصرّحاً بأنّها له مع ألقاب كثيرة منها قوله: الشيخ المعتبر و العقل الحادي عشر جناب شيخنا الشيخ جعفر لا زال له من التوفيق دوام. و كأنّها تتميم لبغية الطالب حيث إنّه انتهى إلى آخر الصلاة (4).

8 سؤال و جواب (5).

9 الحقّ المبين في تصويب المجتهدين و تخطئة جهّال الأخباريّين، ألّفه في أصفهان لولده الشيخ علي بن جعفر. بيّن فيه حقيقة مذهب الطرفين و أنّ عقائدهما في أُصول الدين متّحدة سواء و في فروع الدين، مرجعهما جميعاً إلى ما روي عن الأئمّة (عليهم السلام). فالمجتهد إخباري و الأخباري مجتهد، فضلاء الطرفين ناجون، و الطاعنون هالكون. (6).

10 مجموعة فقهيّة (7).

11 التحقيق و التنقير فيما يتعلّق بالمقادير (8).

12 كشف الغطاء عن معايب ميرزا محمّد عدوّ العلماء، و هي رسالة لطيفة في الطعن على الميرزا محمّد بن عبد النبيّ النيسابوري الشهير بالأخباري أرسلها إلى فتح على شاه، أبان فيها قبائح أفعال ذلك الرجل و اعتقاداته الكفريّة، و في معارف الرجال و الكرام البررة:

____________

(1) الذريعة 16: 16.

(2) الذريعة 3: 133.

(3) الذريعة 21: 61.

(4) الذريعة 11: 205.

(5) الذريعة 12: 244.

(6) الذريعة 7: 37.

(7) الذريعة 20: 92.

(8) الذريعة 3: 485.

22

كاشف الغطاء.

13 رسالة مناسك الحجّ.

14 العقائد الجعفريّة في أُصول الدين.

15 شرح الهداية للعِمة الطباطبائي، خرج منه كتاب الطهارة فقط.

16 إثبات الفرقة الناجية.

17 أحكام الأموات.

18 رسالة في الدماء الثلاثة.

19 القواعد الجعفريّة في شرح بعض أبواب المكاسب. و هو كما قال صاحب الروضات: كتاب كبير مشتمل على قواعد فقهيّة و فقاهة إعجازيّة، لم ترَ مثلها عين الزمان. انتهى. وصل فيه إلى بيع الصرف.

20 كتاب الطهارة. قال في الروضات: و هو كتاب كبير في الطهارة، كتبه في مبادئ أمره لجمع عبائر الأصحاب و الأحاديث الواردة في ذلك الباب.

و قال في الأعيان: من أوّل الطهارة إلى خشبة الأقطع و هو شرح الشرائع.

21. منهج الرشاد لمن أراد السداد في ردّ الوهّابيّة (1).

سيرته الأخلاقيّة:

كان للشيخ كاشف الغطاء سيرة و مُثلُ أخلاقيّة بارزة، نشير إلى بعضها:

أ التهجّد و العبوديّة

و هو مع كثرة اهتماماته العلميّة و الاجتماعيّة، كان يقوم قسطاً من الليل بالصلاة و المناجاة و التضرّع.

و نقل عن الشهيد الثالث قوله: إنّي كنت في بلد قزوين ليلة، في دار أخي الحاج ملّا محمّد صالح، الواقعة في بستانه نائماً في ناحية من البستان، فأيقظني الشيخ و ناداني:

انهض و صلّ صلاة الليل. فلمّا انتبهت وجدت الشيخ في غاية التضرّع و البكاء

____________

(1) نقلنا رقم 12 إلى 21 من مقدّمة منهج الرشاد. طبعة «المجمع العالمي لأهل البيت (ع)» من تحقيق السيّد مهدي الرجائي. و استفدنا منه كثيراً، جزاه اللّه خير الجزاء.

23

و النحيب، مشغولًا بالمناجاة مع اللّه تعالى. (1).

فقد كان الشيخ يقوم في كلّ ليلة و يوقظ أهله لصلاة الليل أيضاً.

ب عنايته بالتفقّه

و كان من دأبه أن يأمر بتهيئة الطعام ليجتمع أولاده في الأكل ثم يباحثون بعده في علم الفقه (2).

ج على منبر الوعظ و الإرشاد

جاء في قصص العلماء ما معناه: مرّ الشيخ يوماً على مدينة رشت من مدن إيران فأراد الناس الاقتداء به في صلاة الجماعة و لم تكن المساجد تسع الحاضرين، فاجتمعوا في بعض ساحات المدينة، و بعد الصلاة طلبوا من الشيخ أن يعظهم فقال: إنّي لا أجيد الفارسيّة، و لكنّ الناس أصرّوا عليه، فرقي المنبر و تكلّم بكلمات مفادها:

أيّها الناس! الشيخ يموت و أنتم تموتون، ففكّروا في آخرتكم. أيّها النّاس! إنّ مدينتكم رشت، تشبه الجنّة، فكما أنّ في الجنّة قصوراً عالية، و بساتين و أنهاراً و حورَ عينٍ. فهكذا مدينتكم، و كما أنّ جميع التكاليف من الصلاة و الصوم و سائر العبادات مرفوعة عن أهل الجنّة، فكذا بلدكم كأنّ الصلاة و الصوم و جميع العبادات مرفوعة عنكم!! ثمّ قال للقارئ: انهض و اذكر مصيبة الحسين (عليه السلام) و نزل من المنبر (3).

د حمايته للضعفاء و الفقراء و المساكين،

و نذكر نبذة من ذلك كما في قصص العلماء ما معناه:

1 كان من دأب الشيخ (رحمه اللّه) كلّما صلّى بالجماعة أن يأخذ طرف ردائه و يدور بين الصفوف و يجمع الدراهم و الدنانير و يعطيها للفقراء و المساكين.

2 ربما كان يحضر مجلس الضيافة لبعض التجار فلا يأكل و لا يأذن لأحد في الأكل حتّى يقوّم ما فيها فيبيعها لصاحب المجلس، و يأخذ ثمنها ثمّ يأمر بالأكل و يعطي الثمن للمستحقين. و إنّما كان يعمل ذلك، لعلمه بوجود حقّ الفقراء في ذلك المال.

____________

(1) قصص العلماء للتنكابني: 193.

(2) بهجة الآمال 2: 540.

(3) قصص العلماء: 190.

24

3- و نقل أنّ الشيخ ورد أصفهان فأقام فيها أيّاماً، ثمّ أراد الخروج منها فركب، فحينئذ حضر أحد من السادة و أخذ لجام فرس الشيخ و قال: أنا سيّد محتاج إلى مائة دينار و لا أخلّيك إلا أن تعطيها! و كان أمين الدولة في تلك الأيّام حاكماً في أصفهان فقال الشيخ للسيّد: اذهب إلى أمين الدولة و قل: الشيخ يأمرك أن تعطيني مائة دينار. فقال السيّد أخاف أن لا يعطيني.

قال الشيخ أنا واقف هنا حتّى يعطيك فذهب السيّد و بلّغ المقالة، فقال أمين الدولة أين الشيخ؟ قالوا: راكب للترحّل. فقال للملازمين هاتوا مائة دينار. فأحضروا كيساً و أرادوا عدّها فقال: أعطوا الكيس له، أخاف أن يطول و يصير تعباً للشيخ، فأخذ السيّد و رجع إلى الشيخ و أمر بعدّه فوجدوا فيه مأتي دينار فأعطى للسيّد مائة و أنفق الباقي للفقراء، ثمّ ارتحل.

4 و قالوا: إنّ الشيخ قسّم أموالًا بين فقراء أصفهان و بعد نفادها قام للصّلاة، فطلب منه سيّد بين الصلاتين أن يساعده. فقال له الشيخ: جئت متأخّراً و لم يبق شيء. فاغتاظ السيّد و أهانه بصق على لحيته! فقام الشيخ و أخذ طرف ردائه و دار بين الصفوف و هو يقول: من يحبّ لحية الشيخ فليساعد السيّد، فاجتمع في ردائه كثير من المال فأعطاه للسيّد و أقام صلاة العصر.

5 و حكي أنّه نزل في مدينة قزوين على عالمها الكبير الحاج عبد الوهّاب. فاستدعى جمع من التجار أن يدخل الشيخ حجراتهم في خان الشاه، و كلّ استدعى أن يرد حجرته أوّلًا فلمّا بلغت المنازعة إلى الشيخ جلس و قال: من أعطاني أكثر من المال نزلت حجرته أوّلًا، فقدّم له بعضهم إناءً مملوءاً من النقود، فدعا الشيخ الفقراء و قسّمها بينهم أوّلًا ثمّ دخل حجرة ذلك الشخص و زاره (1).

مكانته الاجتماعيّة:

كانت للشيخ كاشف الغطاء الكبير مكانة اجتماعيّة سامية، تشهد لها قضايا مهمّة في طول حياته الاجتماعيّة، نُشير إلى أهمّها:

منها: إذنه لفتح عليّ شاه القاجاري في أمر الدفاع عن حوزة الإسلام و المسلمين،

و الذي اقتضاه أمور حدثت في عصره كثورة فرنسا الكبرى و هجوم نابليون و وقوع الحروب بين تزار

____________

(1) راجع قصص العلماء: 183 195.

25

روسيا و إيران و استحلالها مناطق من بلاد القفقاز، و مقاصدها التوسّعيّة، استباق فرنسا و الإنجليز إلى التسرّب في دولة إيران و التحرّكات الداخليّة تجاه الدولة المركزيّة، من ناحية بقايا الحكومات الأفشاريّة و الزنديّة و أبناء ملوك القاجار، و تلف النفوس، و هتك الأعراض في الحروب الداخليّة و غير ذلك (1).

و لأجل هذه الأُمور و غيرها أذِنَ الشيخ لفتح علي شاه و قوّى موضعه في أمر الدفاع، رعايةً لمصلحة المسلمين العامّة، و كتب له الإجازة الموجودة في كتاب الجهاد من كشف الغطاء.

و هاك عمدة مواضع:

1 الإذن في إدارة الجيش و تدبيره و تقوية الحكومة من حيث العِدّة و العُدّة للدفاع عن أراضي المسلمين و أعراضهم.

2 وجوب إطاعة السلطان في ذلك؛ حيث أنّه مأذون من قبل الحاكم الشرعي و الفقيه الجامع للشرائط.

3 توصية السلطان و عمّال الحكومة برعاية التقوى و العدل و المساواة و الشفقة، و أن يكونوا للرعيّة كالأب الرؤوف و الأخ العطوف.

4 لزوم حفظ الأسرار و عدم إذاعتها للأغيار.

5 توظيف المعلّمين لتعليم الصلاة و مسائل الحلال و الحرام و أحكام العبادات؛ ليجعلوا الجيش في زمرة حزب اللّه.

6 إقامة الشعائر الإسلاميّة، و تعيين المؤذّنين، و أئمّة الجماعات و المحافظة على الصلاة و الصيام في جيش المسلمين.

7 نصب الوعّاظ العارفين باللغة الفارسيّة و التركيّة في صفوف الجيش، للوعظ و ترويج مفهوم الشهادة في سبيل اللّه تعالى.

8 وجوب قيام المجتهدين في مقام الجهاد الدفاعي عن حوزة الإسلام و المسلمين

____________

(1) راجع الكتب المؤلّفة حول تاريخ إيران، منها: «إيران در دوره سلطنت قاجار» صفحات 121 إلى 153، تأليف دكتر على أصغر شميم.

26

أو المأذون منهم. حيث قال المؤلّف: «و يجب تقديم الأفضل أو مأذونه في هذا المقام، و لا يجوز التعرّض في ذلك لغيرهم. و يجب طاعة الناس لهم، و من خالفهم فقد خالف إمامهم.

فإن لم يكونوا، أو كانوا و لا يمكن الأخذ عنهم و لا الرجوع إليهم. وجب على كلّ بصير صاحب رأي و تدبير، عالم بطريق السياسة عارف بدقائق الرئاسة، صاحب إدراك و فهم، و ثبات و جزم و حزم، أن يقوم بأحمالها، يتكلّف بحمل أثقالها، وجوباً كفائيّاً مع مقدار القابلين، فلو تركوا ذلك، عوقبوا أجمعين. و مع تعيّن القابليّة، وجب عليه عيناً مقاتلة الفرقة الشنيعة الأُروسيّة و غيرهم من الفرق العادية البغيّة.

و تجب على الناس إعانته و مساعدته إن احتاج إليهم (1) و نصرته. و من خالفه فقد خالف العلماء الأعلام، و من خالف العلماء الأعلام فقد خالف و اللّه الإمام. و من خالف الإمام فقد خالف رسول اللّه سيّد الأنام، و من خالف سيّد الأنام فقد خالف الملك العلام».

ثمّ أجاز الشيخ سلطان زمانه فتح عليّ شاة، في أخذ ما يتوقّف عليه تدبير العساكر و الجنود و ردّ أهل الكفر و الطغيان و الجحود، بأخذ الخراج المقرّر في الإسلام و الزكاة من الموارد التسعة، فإن ضاقت عن الوفاء و لم يكن عنده ما يدفع به هؤلاء الأشقياء، جاز له التعرّض لأهل الحدود، بالأخذ من أموالهم، إذا توقّف عليه الدفع عن أعراضهم و دمائهم، فإن لم يفِ أخذ من البعيد بقدر ما يدفع به العدوّ المَريد.

ثمّ قال: «و يجب على من اتّصف بالإسلام و عزم على طاعة النبي و الإمام (عليهما السلام)، أن يمتثل أمر السلطان، و لا يخالفه في جهاد أعداء الرحمن فيتّبع أمر من نصبه عليهم و جعله دافعاً عمّا يصل من البلاء إليهم، و من خالفه في ذلك فقد خالف اللّه، و استحقّ الغضب من اللّه.

و الفرق بين وجوب طاعة النبي و وجوب طاعة السلطان الذابّ عن المسلمين و الإسلام، أنّ وجوب طاعة الخليفة الرسول و الإمام (عليهما السلام) بمقتضى الذات، لا باعتبار الأغراض و الجهات و طاعة السلطان إنّما وجب بالعرض لتوقّف تحصيل الغرض فوجوب طاعة السلطان كوجوب تهيئة الأسلحة و جمع الأعوان من باب وجوب المقدّمات الموقوف عليها

____________

(1) في المصدر احتاجهم.

27

الإتيان بالواجبات.» انتهى (1).

و منها: دفاعه عن النجف في الحوادث الدامية،

كحادثة الشمرت و الزقرت المشهورة التي أخذت دوراً مهمّا و هي أعظم حادثة يحتفظ بها تاريخ النجف و دافع المترجم له عنها مع زمرة من أهل العلم الذين مرّنهم على حمل السلاح و الرمي. و قد كانت داره الكبيرة الشهيرة، مذخرا للأسلحة و ثكنة للجنود الذين قرّر لهم الرواتب و درّبهم على القتال. فكان الشيخ جعفر أبا النجف البار و قائدها الروحي يرجع إليه في الملمّات و الحوادث و يستغاث به عند النوازل (2).

و لم تكن النجف يومذاك يطيب بها مسكن و لا يألفها ساكن، فهو بحزمة و عزمه و شدّة صولته و نفوذ أمره، كان يذبّ عن الضعفاء و يحرس الفقراء فكان لهم حرزاً منيعاً و سوراً رفيعاً (3).

و قد قام الشيخ (رحمه اللّه) على تمصير النجف، فبنى لها سوراً، و أسكن بها جملة صالحة من بيوت العرب و العجم؛ لتَعَلّم العلوم الدينيّة فيها. و تولّى الزعامة الدينيّة، و أصبحت له المرجعيّة العامّة في التقليد.

و بلغ من حرصه على تقدّم الثّقافة و نموّها أن استدعى جملة من المهرة في سائر العلوم للنّجف، و تصدّى لصدّ هجمات الأعراب عليها، و التزم بإعاشة الطلاب فيها، حتّى اشترى لهم الدور و المساكن و بذل لهم حتّى مصارف الأعراس فضلًا عن اللوازم و الضرورات (4).

و منها: مكانته عند سلاطين المسلمين في العراق و إيران.

قال العلّامة الطهراني: و قضيّة واحدة تعطينا صورة واضحة عن تركّز المترجَم و مدى التقدير الذي حصل عليه. قال في روضة الصفا عند ذكر أحوال السلطان فتح عليّ شاه القاجاري ما ترجمته، أنّه في جمادى الأُولى سنة 1221 ه. ق ولّى السلطان ولده الأكبر «محمَّد علي ميرزا» تمام محالّ كردستان من كرمانشاه إلى خانقين، و من خرّمآباد إلى حدود البصرة. و ذلك حين تعدّى علي باشا والي بغداد على إيران و جنّد ثلاثين ألفاً

____________

(1) راجع كتاب الجهاد، من كشف الغطاء.

(2) الكرام البررة 1: 251.

(3) ماضي النجف و حاضرها 3: 138.

(4) راجع موسوعة النجف الأشرف 6: 150.

28

بقيادة ابن أخيه سليمان باشا كهيا الكرجي الرومي، فتجاوزوا من خانقين إلى شهرزور، و منها إلى بحيرة مريوان، فتلاقوا هناك، و اشتعلت نيران الحرب بينهما، حتّى انكسر عسكر الروم، و انهزم إلى حدود الموصل و بغداد عن ثلاثة آلاف قتيل، و أكثر منهم أسيراً و فيهم القائد كهيا المذكور.

فالتجأ عليّ باشا والي بغداد إلى شيخ الجعفريّة الشيخ جعفر النجفي، فقبل الشيخ التماسه، و ذهب إلى محمَّد عليّ ميرزا، شفيعاً للأسراء فقبل شفاعته ما عدا كهيا، فأطلقهم جميعاً، و بعث كهيا مقيّداً إلى السلطان فتح عليّ شاه، فأمر بحفظه و فكّ قيده، إلى أن تهيّأ الشيخ للسفر إلى طهران، فوصل إلى السلطان مكرّماً مقبول الشفاعة فأخذه معه و رجع إلى بغداد.

و كان تشفّع في كهيا يوسف باشا والي أرزنة الروم، و بعث معتمدة الفيضي محمود أفندي مع عريضة إلى عبّاس ميرزا، فلم يقبل شفاعته، و إنّما قبل شفاعة الشيخ تكريماً له (1).

و منها: تصلّبه في النهي عن المنكر و ردّ أهل البدع.

و نكتفي في ذلك بذكر رسالة أرسلها إلى أهل خوي، من مدن إيران، لمّا توسّعت دعوة الصوفيّة فيهم، و كان فيها توبيخ و تهديد و تحذير، و استعطاف و هي:

«بسم اللّه و الحمد للّه و الصلاة على محمّد و إله. من المعترف بذنبه المقصّر في طاعة ربّه، أقلّ الأنام، كثير الذنوب و الاثام، الأقلّ الأحقر عبد اللّه جعفر، إلى الإخوان الكرام و الأخلاء العظام، أعاظم أهل خوي و أعيانها و أساطينها و أركانها.

أمّا بعد: فقد صحّ الكلام المأثور و المثل المشهور أنّه ما يثنّى إلا و قد يثلّث. فقد حصل ثالث الأديان في بلادكم، المذهب الوهّابي و بيكجان، فهنيئاً لكم على هذا الدين الجديد، و المذهب السديد، و ظهور هؤلاء الأنبياء الذين يخاطبون بصفات جبّار السماء، بل كانوا عين اللّه، و كان اللّه عينهم، و لا فرق بينه و بينهم!! فدقّوا الطبول، و غنّوا بالمزامير، و أظهروا العشق للّطيف الخبير، و أكثروا النظر إلى الأمرد الحسان. فإنّه يتّحد بهم الرحيم الرحمن، و دعوا الصلاة و الصيام و جميع العبادات بالتمام، فإنّكم نلتم درجة الوصول، فلمن تعبدون؟! و أنتم مع اللّه متّحدون فلمن تسجدون؟ إنّما يعبد

____________

(1) الكرام البررة 1: 250.

29

من لم يبلغ الوصول إلى تلك الرتب، كمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) سيّد العرب، أمّا من لم يكن في جبّته غير اللّه فليس عليه صيام و لا صلاة.

فالحمد للّه الذي أعطاكم أنبياء متعدّدين، و أَبان غَلَطنا في أنّ محمّداً (صلّى اللّه عليه و آله) خاتم النبيّين، و الشكر للّه الذي بعث إليكم رسلًا لا يعرفون أصلًا و لا فرعاً، فلو سألت أكبرهم عن أفعال الشكّ لتحيّر، أو عن أحكام السهو لما تدبّر، أو عن بعض الفروع الفقهيّة لوجدتموه جاهلًا بالكلّية.

و على كلّ حال فلكم الهناء، و قد بلغتم من معرفة الدين كلّ المنى، و نحن لنا عليكم حقّ يجب عليكم فيه الأداء، و لا يتمّ ذلك إلا بإرسال هؤلاء الأنبياء، ليعلّمونا كما علّموكم، و يفهّمونا كما فهّموكم، لنصل إلى بعض ما وصلتم إليه، و نقف على بعض ما وقفتم عليه. حلواى تنتنانى تا نخورى نداني (1).

فأقسمت عليكم باللّه أن تطعمونا من هذه الحلواء التي ما ذاقها الأنبياء، و لا الأوصياء، و لا العلماء من المتأخّرين و القدماء، و لا وصفت أجزاؤها في كتاب منزل و لا على لسان نبي مرسل.

فإمّا أن لا يكونوا علموها و لا وصلوا إليها و لا فهموها، أو وجدوها حلواء ميشومة، بأنواع السمّ مسمومة، تقتل آكليها بحرارتها، و تقطع أمعائهم لشدّة مرارتها.

و اللّه إنّي أُخبرت و اختبرت أهل هذه الأقاويل، فوجدتهم بين من يسلك هذه الطريقة ليتيسّر له تحصيل ملاذّ الدنيا: من النظر إلى وجوه الأمرد الحسان، و التوصّل إلى ضروب العصيان، و بين من يريد جلالة الشأن و ليس من أهل العلم حتّى ينال ذلك في كلّ مكان، فيدلّس نفسه في اسم طاعة الرحمن، و بين ناقص عقل قد امتلأ من الجهل.

و إلا فكيف يخفى على الطفل الصغير فضلًا عن الكبير السيرة النبويّة، و الطريقة المحمّديّة و الجادّة الإماميّة، حتّى يشتبه عليه التدليس، و ما عليه إبليس و جنود إبليس؟! اللّهم إنّي أنذرت، اللّهمّ إنّي أخبرت، اللهمّ إنّي وعظت، اللهمّ إنّي نصحت، فلا تؤاخذني بذنوب أهل خوي و أمثالهم يا أرحم الراحمين» (2).

____________

(1) من الأمثال الفارسيّة بمعنى: من لم يذق لم يدر.

(2) مقدمة منهج الرشاد: 34.

30

تحريضه على الوهّابيّين

بعد ظهور بدعة محمَّد بن الوهّاب و انتشار مذهب الوهّابيّة في طائفة عنزة اعتنق هذا المذهب سعود بن عبد العزيز، و به عظمت شوكة الوهّابيّين و كانت له هجمات وحشيّة على العراق فضربوا في الهمجيّة و الوحشيّة الرقم القياسي، فإنّ وحشيّتهم تنفر منها آكلة لحوم البشر، كلّ ذلك عداوة و نفوراً عن الحقّ و دليله.

و طالما عانت منهم العتبات المقدّسة في سفك الدماء و نهب الأموال، فقد عاثوا في كلّ كربلاء المقدّسة، إلا أنّهم لم يستطيعوا أن يفعلوا في النجف ما فعلوه في غيرها ببركة هذا الشيخ و أمثاله.

ففي سنة «1217 هق» غار عبد العزيز الوهّابي على الحرمين الشريفين النجف و كربلاء و قتل جماعة من العلماء و المجاورين، و من جملة من قتلهم العالم الفاضل الكامل ملّا عبد الصمد الهمداني صاحب بحر المعارف.

و لمّا بلغ أهل النجف نبأ توجهه إلى البلدة، و أنّه قاصد مهاجمتها على كلّ حال، فأوّل ما فعلوه أنّهم نقلوا خزانة الأمير (عليه السلام) إلى بغداد خوفاً عليها من النهب كما نهبت خزانة الحرم النبوي، ثمّ أخذوا بالاستعداد له و الدفاع عن وطنهم و حياتهم.

و كان القائم بهذا العبء، و المتكفّل شؤون الدفاع هو العلّامة الزعيم الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء «(رحمه اللّه)»، و ساعده بعض العلماء، فأخذ بجمع السلاح، و بجلب ما يحتاج إليه في الدفاع، فما كانت إلا أيّام حتّى ورد الوهّابي بجنوده و نازل النجف ليلًا، فبات تلك الليلة، و عزم على أن يهجم على البلدة نهاراً، و يوسّع أهلها قتلًا و نهباً.

و كان الشيخ «(رحمه اللّه)» قد أغلق الأبواب، و جعل خلفها الصخور و الأحجار، و كانت الأبواب يومئذٍ صغيرة، و عيّن لكلّ باب عدّة من المقاتلة، و أحاط باقي المقاتلين بالسور من داخل البلدة، و كان السور يومئذٍ واهي الدعائم، بين كلّ أربعين أو خمسين ذراعاً منه قولة أي حصار و كان قد وضع في كلّ قولة ثلّة من أهل العلم شاكين بالسلاح، فكان جميع ما في البلدة من المقاتلة لا يزيدون على المأتين؛ لأنّ أغلب الأهالي خرجوا هاربين حينما وقفوا على توجّه العدوّ، و استجاروا بعشائر العراق، فلم يبقَ مع الشيخ إلا ثلّة من مشاهير العلماء،

31

كالشيخ حسين نجف، و الشيخ خضر شلال، و السيّد جواد صاحب مفتاح الكرامة، و الشيخ مهدي ملّا كتاب، و غيرهم من المشايخ الأخيار.

ثمّ إنّ الشيخ و أصحابه وطّنوا أنفسهم على الموت لقلّتهم و كثرة عدوّهم، فاستغاثوا بأميرالمؤمنين (عليه السلام)، و استجاروا بحامي الجار، فأجارهم و هزم المنافقين و شتّت شملهم، و ما أصبح الصباح إلا و هم قد انجلوا عن البلدة المشرفة و تفرّقوا (1).

و ذكرها العلّامة السيّد جواد العاملي في آخر المجلّد الخامس من مفتاح الكرامة حيث قال: و في سنة «1221 هق» في الليلة التاسعة من شهر صفر قبل الصبح بساعة هجم علينا في النجف الأشرف و نحن في غفلة، حتّى أنّ بعض أصحابه صعدوا السور و كادوا يأخذون البلد، فظهرت لأمير المؤمنين (عليه السلام) المعجزات الظاهرة، و الكرامات الباهرة، فقتل من جيشه كثيراً و رجع خائباً، و له الحمد على كلّ حال (2).

موقفه أمام الأخباريّين

ناهض المترجم له (رحمه اللّه) الأخباريّين و رأسهم في ذلك العصر، الميرزا محمّد الأخباريّ أكبر خصوم علماء العراق الأصوليّين، بعد أن تمكن من نشر دعوته، و استلفت إليها أنظار الناس خصوصاً في إيران، حيث انتظر تغلّب مذهب الأخباريّين. فخرج المتَرجم (رحمه اللّه) من أجل ذلك إلى الري و بلاد الجبال، و ألّف رسائله الشهيرة في الردّ عليهم، و أهدى بعضها إلى فتح علي شاه القاجاري، سنة 1222 ه. ق.

و كان شيخ الأخباريّة المتقدّم قد اتّصل به و ألّف له الرسائل، فلم يزل المترجم له (رحمه اللّه) إلى أن قضى على هذه الحركة (3).

و له كتاب «الحقّ المبين» في الردّ على الأخباريّين، و رسالة لطيفة في الطعن على الميرزا محمّد عبد النبي النيسابوري، الشهير بالأخباري، سمّاها أيضاً ب«كشف الغطاء» عن معايب ميرزا محمّد عدوّ العلماء. أرسلها إلى السلطان فتح علي شاه القاجار، و دلّل فيها قبائح أفعال

____________

(1) ماضي النجف و حاضرها 1: 326 و ج 3: 137.

(2) مفتاح الكرامة 5: 512.

(3) أعيان الشيعة 4: 101.

32

ذلك الرجل و مفاسد اعتقاداته الكفريّة، بما لا مزيد عليه و ذلك حين التجائه إلى حريم ذلك الملك، خوفاً على نفسه الخبيثة و فراراً من أيدي علماء العراق.

و قد أرّخها مخاطِباً لأهل طهران: ميرزا محمّدكم لا مذهب له، و فيها مخاطباً لذلك الرجل: اعلم و اللّه إنّك نقصت اعتبارك، و أذهبت وقارك و تحمّلت عارك، و أجّجت نارك، و عرفت بصفات خمس هي أخسّ الصفات و بها نالتك الفضيحة في الحياة و تنالك بعد الممات:

أوّلها: نقص العقل، ثانيها: نقص الدين. ثالثها: عدم الوفاء، رابعها: عدم الحياء، خامسها: الحسد المتجاوز للحدّ. و على كلّ واحد منها شواهد و دلائل لا تخفى. إلى آخر الرسالة (1).

حجّه و رحلاته

تشرّف المترجم له (رحمه اللّه) بزيارة بيت اللّه الحرام مرّتين:

الأُولى: سنة (1186 ه. ق) و قد مدحه معاصره و أستاذه العلامة السيّد صادق الفحّام بقصيدة، و أرّخ عام حجّه، فقال من مطلعها:

للّهِ دَرّكَ من عَميدٍ لم تَزَل * * * بالصالحاتِ مُتَيّماً معمُوداً

حقّ الركاب يَؤمّ بيتاً لم يزل * * * للناس من دون البيوت قصيداً

إلى أن قال مؤرخاً:

و بذلت أقصى الجهد في تاريخه * * * «نلت المنى بمنى و جئت حميداً»

و الثانية: سنة (1199 ه. ق) و معه الأعلام من السادة كالسيّد محسن الأعرجي صاحب المحصول، و السيّد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة، و الشيخ محمّد عليّ الأعسم، فقد مدحه الشعراء بحجّه هذا (2).

و سافر إلى أكثر مدن إيران، كزنجان و جيلان و قزوين و لاهيجان و طهران و أصفهان و له قضايا في هذه الأسفار مذكورة في محلّه نشير إلى قضية واحدة تعدّ من كراماته (قدّس سرّه):

____________

(1) أعيان الشيعة 4: 101.

(2) ماضي النجف و حاضرها 3: 134.

33

و هي: أن شخصاً ابتلي بوجع العين و عجز الأطباء و الجراحون عن علاجه، و كان الشيخ يومئذٍ في مدينة لاهيجان، فحضر عنده ذلك الشخص، فدعا له الشيخ و تفل في عينه، فبرء (1).

أدبه و نبذة من إشعاره:

كان المترجَم له شاعراً أديباً، و له أشعار و مطارحات مشهورة مع أُدباء عصره و علمائه. و من شعره مادحا أُستاذه السيّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي:

إليك إذا وجّهتُ مَدحِي وَجَدتُه * * * مَعيباً و إن كان السليمُ مِنَ العَيبِ

إذا المدحُ لا يَحلو إذا كان صادقاً * * * و مدحُكَ حاشاه مِنَ الكذبِ و الريب

و قال أيضاً في مدحه:

لساني عن إحصاء فضلك قاصر * * * و فكري عن إدراك كنهك حاسر

جَمَعتَ من الأخلاق كلّ فضلية * * * فلا فضل إلا عن جَناحِك صادر

يكلفني صَحبي نَشيدَ مديحكم * * * لزعمهم أنّي على ذاك قادر

فقلتُ لهم هيهات لستُ بناعت * * * لشمس الضحى يا شمس ضوؤك ظاهر

و ما كنت للبدر المنير بناعت * * * له أبداً بالنور و الليل عاكر

و لا للسماء بشراك أنت رفيعة * * * و لا للنجوم الزهر هنّ زواهر

و قال مؤرخاً شفاءه السيد مهدي المذكور من مرض أصابه:

الحمد لله على عافية * * * كافية لخلقه شافيتك

قد ذاب قلب الوجد في تاريخها * * * شفاء داء الناس في عافيتك

و له قصيدة طويلة في رثاء أُستاذه السيّد مهدي الطباطبائي و إليك بعضها:

إنّ قلبي لا يستطيع اصطبارا * * * و قراري أبي الغداة قراراً

غشي الناس حادث فترى الناس * * * سكارى و ما هُم بسكارى

غشيتهم من الهموم غواش * * * هشّمت أعظما و قدّت فقارا

لمصاب قد أورث الناس حزناً * * * و صغاراً و ذلّة و انكساراً

____________

(1) بهجة الآمال 2: 540.

34

و كسا رونق النهار ظَلاماً * * * بعد ما كانت الليالي نهاراً

ثَلُمَ الدين ثلمة مالها سدّ * * * و أولى العلوم جرحاً جباراً

لِمُصاب العلامة العلم المهدي * * * من [هو] بحر علمه لا يجارى

خلف الأنبياء زبدة كلّ * * * الأصفياء الذي سما أن يبارى (1)

و من إشعاره:

أنا أشعرُ الفقهاء غَير مدافع * * * في الدهر بل أنا أفقه الشعراء

شعري إذا ما قلت دونه الوَرى * * * بالطبع لا بتكلّف الإلقاء

كالصوت في قلل الجبال إذا * * * علا للسمع هاج تجاوُب الأصداء

و إلى غير ذلك (2).

مولده و وفاته و مدفنه

وُلِدَ المترجم (قدّس سرّه) في النجف الأشرف سنة 1156 من الهجرة النبويّة. كما صرّح بذلك العلامة الطهراني في الطبقات.

و زاد في الهامش: و قيل (1146) و قيل (1154) و الصحيح ما ذكرناه.

و قد صرّح به حفيده الشيخ عليّ بن محمّد رضا بن موسى بن جعفر في (الحصون المنيعة)، و هو أعرف بولادة جدّه من غيره (3).

و توفّى يوم الأربعاء عند ارتفاع النهار في 22 أو 27 رجب سنة 1228 ه. ق، كما في مستدركات الوسائل. أو سنة 1227 كما في روضات الجنات، و يدلّ عليه ما قيل في تاريخ وفاته: العلم مات بيوم فقدك جعفر. و دفن في تربته المشهورة في محلّة العمارة بالنجف (4).

و في «ماضي النجف و حاضرها» توفّى يوم الأربعاء قبل الظهر، في أواخر شهر رجب سنة 1228، و دفن في مقبرة أعدّها لنفسه، و هي قطعة من ساحة كبيرة أوقفها عليه أمان اللّه خان السنوي المتوفّى سنة 1241، و أجرى صيغة الوقف عليها في اليوم الثاني و العشرين من

____________

(1) أعيان الشيعة 1: 104.

(2) العقبات العنبرية: 135.

(3) الكرام البررة 1: 249.

(4) أعيان الشيعة 4: 99.

35

شهر ربيع الأوّل سنة 1228 ه. ق، و قد عمّر منها مقبرة و مسجداً محاذياً لها، و المدرسة المعروفة بمدرسة المعتمد (1).

و في الروضات: و كان قد توفّى في أرض الغري السري، و دفن أيضاً بها من أولاده و عشيرته المنتجبين رضوان اللّه عليهم أجمعين و ذلك في أواخر رجب المرجّب المبارك من شهور سنة سبع و عشرين و مأتين بعد الألف أعلى اللّه تعالى مقامه و أجزل برّه و إنعامه أمين ربّ العالمين (2).

كشف الغطاء و كلمات الفقهاء فيه

و هنا ذكر نبذة من أقوال العلماء في كشف الغطاء:

1 قال صاحب الروضات: و من جملة مصنّفات صاحب العنوان، كتابه المعروف المشهور المسمى ب«كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء».

و قد خرج منه أبواب الأصولين أصول الدين و أُصولُ الفقه و من الفقه ما تعلّق بالعبادات إلى أواخر أبواب الجهاد. و لم يكتب أحد مثله. ثمّ ألحق به كتاب الوقف و توابعه، ينيف ما خرج منه على أربعين ألف بيتٍ، إلا أنّه فائق على كلّ من تقدّمه من كتب الفنّ. مع أنّه إنّما صنّفه في بعض الأسفار و هو في بيت السرير، و لم يكن عنده من كتب الفقه غير القواعد للعِمة كما نقله الثّقات (3).

2 و قال العلامة الطهراني: و آثارة غرّة ناصعة في جبين الدهر، أشهرها و أهمّها: «كشف الغطاء عن خفيّات مبهمات الشريعة الغرّاء». و هو الذي اشتهر به و لقّبت بعده ذريّته و قد طبع في إيران على الحجر مراراً، و هو أمر عظيم ألّفه في السفر و لم يكن معه غير القواعد للعِمة الحلّي (4).

3 و قال المحدّث النوري: كان الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه اللّه) يقول ما معناه: من

____________

(1) ماضي النجف و حاضرها 3: 140.

(2) روضات الجنّات 2: 206. راجع العبقات العنبرية في الطبقات الجعفريّة: 18030 تأليف العلامة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، تحقيق الدكتور جودت القزويني لمزيد الاطلاع على حياة المؤلّف.

(3) روضات الجنّات 2: 202.

(4) الكرام البررة 1: 251.

36

أتقن القواعد الأُصوليّة التي أودعها الشيخ في كشفه فهو عندي مجتهد. انتهى.

ثمّ قال: و حدّثني الأُستاذ الشيخ عبد الحسين الطهراني (رحمه اللّه) قال قلت لشيخي صاحب جواهر الكلام: لم أعرضت عن شرح كشف الغطاء، تؤدّي حقّ صاحبه و هو شيخك و أُستاذك، و في كتابه من المطالب العويصة و العبارات المشكلة ما لا يحصى؟ فقال: يا ولدي أنا عجزان من أووات الشيخ، أي لا أقدر على استنباط مدارك الفروع المذكورة فيه: أو كذا أو كذا (1).

و موجز القول: أن الشيخ جعفر يبدو في هذا الكتاب، و كأنّه محيط بالمسائل في عرض البعض، و كأنّها حاضرة في ذهنه مع بعض، فيجمع بين متشابهاتها المتناثرة، و يستوفي شروط مشروطاتها و يكثر تقسيم منقسماتها و يفرّع كيف يحلو له، لا يكترث بالترتيب السائد أو التقسيم المشهور.

و قد خاض في استنباط الأحكام على غير المتعارف، و استدلّ كيف استدلّ، لا يذكر أية و لا يذكر رواية، بل معان كلية استلهمها من منابعها و صاغها بما يختصرها و يجمعها فهو استدلال لا مردود لمتانته و لا مقبول لغرابته.

فَقَهَ وَ كَتَبَ و ما نقل فانْتَقل، فهو أُعجوبة دهره بثاقب فكره.

و تراه يختار ضيّق الطريق بوفد عريض و يكثر الاستدلال لما ليس إليه سبيل، و لا عليه دليل، و ذكر فروعاً في الخنثى و ذوي الرأسين لم يسبقه إليه مثيل، و ما لأحد فيه كثير و لا قليل.

و كلّما تعمّقت في هذا الكتاب لازددت عجباً و اعتقدت أنّ العلم و الفقه لا كما عقدا، و أنّ الفقيه هو من يستلهم طريقاً صعدا، و لا يتكأكأ و لا يكبو أبدا، فلمثل هذا فليعمل العاملون.

و بالجملة فللكتاب ميزتان:

الأُولى: من حيث سبك التأليف؛ لأنّه مشتمل على الأُصول الاعتقاديّة في الفنّ الأوّل منه مع الدلائل المتقنة و البراهين الساطعة في التوحيد و العدل و النبوّة و المعاد، بإيجاز و اختصار. و لكن ذكر المؤلّف مبحث الولاية و الإمامة بتفصيل.

____________

(1) مستدرك الوسائل 3: 398.

37

و استدلّ لها بالأدّلة العقليّة و النقليّة من الكتاب و السنّة القطعيّة، و أشار إلى أكثر من عشرين أية نزلت في شأن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من بعده (عليهم السلام).

و كذا نقل أكثر من خمسين رواية متواترة نقلها الفريقان من العامّة و الخاصّة في ذلك كحديث الثّقلين، و حديث المنزلة و حديث الراية و حديث خاصف النعل و حديث الإخاء و حديث الطير المشويّ و غيرها.

و قال: «و قد روي من طريق أهل السنّة في هذا المعنى أمر الإمامة في أهل البيت (عليهم السلام) أكثر من ستّين حديثاً كلّها تشتمل على ذكر الاثني عشر و في بعضها ذكر أسمائهم» (1).

الثانية: من جهة تحكيم المباني الأُصوليّة في استنباط الأحكام الشرعيّة، حيث أنّ المسلك الأخباريّ صار ضعيفاً بالأدّلة القويمة التي أقامها أوّلًا الوحيد البهبهاني، ثم استحكمها و قوّاها الشيخ جعفر كاشف الغطاء و هو من أجِلة تلامذة الوحيد و من عاصره من الفقهاء العظام في ذلك العصر كالسيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم مؤلف «المصابيح» و السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي صاحب «مفتاح الكرامة» و الشيخ محمد حسن النجفي صاحب «جواهر الكلام» و السيّد عليّ الطباطبائي صاحب «رياض المسائل» و أبي القاسم بن محمّد حسن القمي صاحب «قوانين الأصول» و «غنائم الأيّام»، و غيرهم من الفقهاء الأُصوليّين. جزاهم اللّه عن الإسلام و أهله خير الجزاء.

و ذكر المؤلّف في الفنّ الثاني من الكتاب ستّاً و خمسين مبحثاً من المباحث الأصوليّة الدقيقة و القواعد المشتركة بين الفقه و الأُصول التي قال فيها الشيخ الأعظم العلامة الأنصاري: من أتقن القواعد الأُصوليّة التي أودعها الشيخ جعفر في كشفه فهو عندي مجتهد. كما ذكرنا أنفاً.

مراحل تحقيق الكتاب:

الأُولى: و هي الحصول على النسخ المخطوطة له، و قد حصلنا على نسخ معتبرة كتبت

____________

(1) ص 72 من هذا الكتاب.

38

قريباً من حياة المؤلّف، بالإضافة إلى النسخة الحجريّة المعروفة، و النسخ هي:

ألف النسخة الخطّيّة من مكتبة المسجد الأعظم. بقم المقدّسة المرقّمة 1585 و قد أشرنا إليها برمز «س».

ب النسخة الخطيّة من المكتبة الرضويّة في مشهد، و المرقّمة 132 و قد أشرنا إليها برمز «م».

ج و نسخة خطيّة أُخرى من المكتبة الرضويّة، المرقّمة 12661 التي أشرنا إليها برمز «ص» و تبتدأ من العبادات المالية.

الثانية: صفّ الحروف و مقابلة النسخ الخطيّة، و تثبيت موارد الاختلاف.

الثالثة: استخراج الآيات القرآنيّة و الأحاديث المرويّة عن النبيّ الكريم و الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) و الأقوال من مصادرها.

الرابعة: تقويم النصّ و هو أهمّ المراحل الذي يشمل تصحيح المتن عن الأخطاء العلميّة و المعنويّة و النحويّة و الإملائيّة حيث وجدت، و تزيينه بالفواصل المطلوبة، و انتخاب النسخة الصحيحة، و الإشارة إلى سائر النسخ حيث لزم، و تفسير بعض الكلمات الصعبة، مع صياغة الهامش و تنظيمه.

الخامسة: المراجعة النهائيّة، فقد تمّت مراجعة الكتاب مرّات عديدة لتجنّب الكبوة. و قد يتبقّى من الأخطاء ما يغتفر، فإنّه من ملازمات طبع البشر. و يكون الكتاب حسب تجزئتنا في أربع مجلدات.

كلمة شكر و ثناء:

و في الختام نقدّم جزيل الشكر و الثناء إلى كلّ المساعدين الذين ساهموا في تحقيق هذا السفر القيّم.

و نخصّ بالذكر منهم المحقّق المفضال حجّة الإسلام الشيخ عباس تبريزيان لمساعدته المستمرّة و إرشاداته في جميع مراحل العمل و إشرافه على عمل اللجان و كان على عاتقه تقويم النصّ و المراجعة النهائية في الجزأين الأخيرين من الكتاب.

كما و نخصّ بالشكر المحقّق الفاضل حجّة الإسلام الشيخ محمّد رضا طاهريان الذاكري

39

الذي تابع عمل اللجان و نسّق بينها و راجع الكتاب نهائيّاً و قوّم نصّه و رتّب فهارسه في الجزأين الأوّلين و أعدّ مقدّمة التحقيق.

و نخصّ أيضاً الأخ المفضال حجّة الإسلام الشيخ عبد الحكيم ضياء لجهده البليغ في تقطيع النصّ و تخريج الآيات و الروايات و الأقوال.

و كذا الأخوة الأفاضل السيّد جواد الحسيني و الشيخ عبد الحليم الحلّي و عادل البدري لمشاركتهم في مقابلة النسخ الخطيّة و النسخة الحجريّة للكتاب.

و كذا السيّد بلاسم الموسوي الحسيني الذي شارك في عمل التحقيق و كذا كان على عاتقه تنضيد الحروف و تصحيح الأخطاء و تنظيم الصفحات بكلّ دقّة و عناية.

و المرجوّ من المولى الكريم أن يتقبّله بقبول حسن. و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

قسم إحياء التراث مكتب الإعلام الإسلامي فرع خراسان

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

مقدّمة المؤلّف

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و به ثقتي الحمد للّه الذي اختصّ بالأزليّة و القِدم و (غمر الخلائق بالنعم، و شمل الكائنات باللطف الجميل و الكرم، بعد أن) (1) أبرز نور الممكنات (2) من ظلمة العدم، و جعل شريعة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بين الشرائع كنارٍ على عَلَم، و فضّله على جميع من تأخّر من الأنبياء أو تقدّم، و أكمل دينه بخلافة ابن عمّه سيّد العرب و العجم، و أولاده القائمين في الإمامة على أرسخ قدم، (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، ما غسق ليل و أظلم، و ما انفجر صبح من الظلام و ضحك أو تبسّم.

أمّا بعدُ، فإنّي بعد ما صنّفت رسالة مختصرة لبيان أحكام الشريعة الطاهرة المطهّرة، يرجع إليها عامّة المكلّفين؛ للتقليد في أُمور الدين، (عزمت) (3) أن أكتب كتاباً حاوياً لفروع المسائل، معلّماً كيفيّة الاستنباط من الشواهد و الدلائل؛ لينتفع به المبتدئ و الواسطة و الواصل، و يكون مرجعاً لفحول العلماء، و ميداناً لسباق المحصّلين و الفضلاء (4).

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «س».

(2) في «ح» المكنونات.

(3) بدل ما بين القوسين في «ح»: سألني ولدي الطاهر المطهّر، قرّة عيني و مهجة فؤادي موسى بن جعفر أطال اللّه تعالى بقاءه، و جعلني ليكون خلفاً لي فداءه.

(4) جاء في هامش «ح»: أن أكتب رسالة مبسوطة وافية في بيان فروع الأحكام كافية شافية؛ لتكون مرجعاً لفحول العلماء، و ميداناً لسباق المحصّلين و الفضلاء، فأجبته إلى مأموله و مراده، راجياً من اللّه تعالى أن ينتفع بها جميع خلقه و عباده، و أجزت له أن يضيف إليها ما زاغ البصر، و قَصُرَت عن الوصول إليه دقائق الفكر. كذا في بعض النسخ.

44

(فلم أتمكّن من ذلك؛ لشغل البال، و تشويش الفكر و اضطراب الخيال) (1) إلى أن دخلتُ في مملكةٍ صفا فيها (بالي، و استقرّ بحمد اللّه فيها فكري و خيالي، حيث) (2) رأيت العلماء قد ارتفع مقدارهم، و غلت بعد نهاية الرخص أسعارهم، بأيّام دولة فاق ضوؤها ضوء القمر، و انجلت في أيّامها الغبرة عن وجوه البشر (3) الدولة المحميّة بحماية ملاك القضاء و القدر، و بشفاعة خاتم الأنبياء و المرسلين محمّد سيّد البشر (الدولة الفائقة ما تقدّمها من الدول أو تأخّر) (4) التي شاع صيتها في جميع الممالك (دولة القاجار لا زالت محميّة بعين اللّه من كلّ بؤس و ضرر. و قد تمّت لطائف النعم، و عمّ السرور جميع الأُمم) (5) بانقياد أزمّة الدولة السلطانيّة، و المملكة العظيمة الخاقانيّة، لصاحب الهمّة العليا، الموفّق لخير الآخرة و نعيم الدنيا (6) ذي السيف البتّار، و الرمح النافذ في قلوب الكفّار، و المتضعضع لهيبته سكّان الفيافي و القِفار، و مَن حلّ في السواحل أو في جزائر البحار (7).

له في الحرب وثبة الأسد الغضنفر، و في محلّ الإمارة نور الروض إذا أزهر، إذا تكلّم تبسّم، و إن أجاب كان جوابه نعم، إذا رأيت خُلقه و طبعه السليم، قلت «ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ».

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ح»: و حيث كنت في أرض كثرت همومها، و تزايدت على مرور الزمان غمومها، و لم يكن فيها من يشتري العلم من أهله، و لا من يفرّق بين العالم في علمه و الجاهل في جهله، فتأخّرت في إجابته، و لم أُبادر في جواب مسألته.

(2) بدل ما بين القوسين في «م»، «س»: ذهني، و ارتفع بحمد اللّه عند حلولي فيها همّي و حزني، حيث لم أرَ فيها شاكياً و لا شاكيةً، و لا باكياً و لا باكيةً، بل رأيت جميع الرعايا بين داعٍ و داعية و.

(3) في «ح» زيادة: دولة أدام اللّه أيّامها و قوامها، على رغم أنف من طغى و فجر، و تجبّر و تكبّر، و ما آمن بل كفر.

(4) في «س»، «م»:. دولة الطائفة الفائقة من تقدّم من السلاطين و من تأخّر.

(5) بدل ما بين القوسين في «ح»: و أطراف الأرض دولة القجر، لا زالت محميّة بحماية اللّه من كلّ بؤس و ضرر. ثمّ قد تمّت لطائف النعم، و شمل السرور جميع طوائف العرب و العجم.

(6) في «ح» زيادة: صاحب الآراء السديدة، و المكارم العديدة، و الأخلاق الحميدة.

(7) في «ح» زيادة: إن جالس العلماء كان مقدّمهم، أو اختلى بالوزراء كان مدرّسهم و معلّمهم، إن عارض رأيه الآراء كان رأيه الصائب، أو خالف فكره الأفكار كان فكره الثاقب، حتّى أنسى أياساً و ذكاءه، و حاتماً و سخاءه، و السموأل و وفاءه، و الأحنف و حلمه، و المنصور و حزمه، و كعباً و رياسته، و النعمان و سياسته، و عنتراً و شجاعته، و فاق على الإسكندر في الرأي و البأس، و على الريّان في العزم و الحدس.

45

شمس قد أشرق نورها على جميع الآفاق، و عمّ ضوؤها أقاليم المسلمين على الإطلاق، قد تولّدت منها أهلّة بقيت تحت الشعاع؛ فترتّب عليها تمام الانتفاع، و أهلّة خرجت من تحت شعاعها، فصارت بدوراً عمّ ضوؤها جميع البقاع؛ فتلألأت أنوارُها، و أشرقت غاية الإشراق في أذربيجان و خراسان و فارس و العراق، إذا رأيت تمكينهم و وقارهم، قلت: سبحان العزيز الحق، من غمرني بالفضل و الشفقة و الإحسان، و قدّمني من غير قابليّة على جميع الأمثال و الأقران، و طار به اسمي في جميع (ممالك بني عثمان) (1)؛ شاه هذا الزمان، و الفائق من يكون من الملوك، أو كان (2)؛ السلطان ابن السلطان، و الخاقان ابن الخاقان، من لم أُصرّح باسمه تعظيماً، و عبّرت عنه بالإشارة تبجيلًا و تفخيماً، من جرى فتح الممالك على يديه، و عليّ سيّده و مولاه معينه عليه، فكان اسمه الفتح مضافاً إلى عليّ، و عليّ مضاف إليه.

لا زال في حماية الملك الديّان، حتّى تتّصل دولته بدولة مولاه و مولاي و مولى الإنس و الجانّ، صاحب العصر و النصر و الأمر و النهي، صاحب الزمان (عجّل اللّه تعالى فرجه).

فلمّا دخلتُ في أطراف مملكته منّ اللّه عليّ و على سائر المسلمين بدوام بقائه، و استقامة دولته (أخذت) (3) في تصنيف كتاب يتضمّن أوجز كلام و أبلغ خطاب، مشتمل على بيان (4) الأحكام الشرعيّة الجعفريّة، و على مقدّماتها ممّا يتعلّق بالاعتقادات الأُصوليّة، و نبذة من مهمّات الأُصول الفقهيّة.

ثمّ أُوصله إلى حضرته «برسم پيشكش» المسمّى بلغة العرب هديّة، لأنّي لم أجد مشترياً سواه؛ (5) و لم يكن لي محرّك على تصنيفه لولاه، فجاء من يُمنه و سُعُوده و إقباله جامعاً لمهمّات الأحكام الصادرة عن محمّد و إله. فالرجاء من حضرة سلطان الزمان أن يتلقّاه بالرضا و القبول، على ما فيه من الخلل و النقصان، فإنّما هو بمنزلة جرادة أُهديت إلى سليمان.

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ح»: الممالك من بني عثمان و غير بني عثمان.

(2) في «ح» زيادة: سلطان إيران و خراسان و آذربايجان، من كان فتح الممالك على يديه بحكم اللّه، فطابق اسمه الشريف مفهومه و معناه.

(3) بدل ما بين القوسين في «ح»: و عندها صار في بالي، و جرى في فكري و خيالي أن أشرع.

(4) في «ح» زيادة: أسرار الشريعة المصطفوية و.

(5) في «ح» زيادة: و لا طالباً لمطالب العلوم إلا إياه.

46

شعر:

ليس الهديّة قدر من تُهدى له * * * إنّ الهديّة قدر من يهديها

و باللّه المستعان، و هو حسبي و عليه التكلان. و سمّيته «كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء»، و رتّبته على ثلاثة فنون:

الفنّ الأوّل: فيما يتعلّق ببيان الأُصول الإسلاميّة، و العقائد الإيمانيّة الجعفريّة.

الفنّ الثاني: فيما يتعلّق ببيان بعض المطالب الأُصوليّة الفرعيّة، و ما يتبعها من القواعد المشتركة بين المطالب الفقهيّة.

الفنّ الثالث: فيما يتعلّق بالفروع الدينيّة، و هو على أربعة أقسام: عبادات، و عقود، و إيقاعات، و أحكام.

47

الفنّ الأوّل في الاعتقادات

و فيه مباحث

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

المبحث الأوّل: في التوحيد

بمعنى أن يعرف أنّ اللّه تعالى واحد في الربوبيّة، و لا شريك له في المعبوديّة، و يتبعه النظر في الصفات من الثبوتيّات و السلبيّات.

و يكفي في هذا المقام ما يغني عن الخوض في مباحث الكلام، من إمعان النظر في الآثار، و اختلاف الليل و النهار، و نزول الأمطار، و جري الأنهار، و ركود البحار، و حركة السماء، و اضطراب الهواء، و تغيّر الأشياء، و إجابة الدعاء، و ما نزل على سالف الأُمم من البلاء، و إيجاد الموجودات، و صنع المصنوعات، و تكوين الأبدان، و تقضّي الزمان، و استقامة النظام، و اصطكاك الغمام.

و كفى بصنع الإنسان فضلًا عن سائر أنواع الحيوان دليلًا قاطعاً، و برهاناً ساطعاً، خلقه من تراب، ثمّ أودعه الأصلاب نطفةً، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ عظاماً، ثمّ كسا العظام لحماً، ثمّ أخرجه خلقاً سويّاً، و خلق له لبناً صافياً، و جعله غذاءً وافياً، ينجذب إذا جذبه، و يحتبس إذا رفع فمه، و لولاه لم يتغذّ بمأكول و لا مشروب؛ للطافة بدنه، و ضعف هاضمته، و أودع محبّته في قلب امّه، فتحمّلت سهر الليل، و ثقل الحمل، و كلفة التطهير و الغسل.

ثمّ لمّا كملت قوّته، و عظمت إلى ما غلظ من المأكل حاجته، خلق له أسناناً يقتدر بها على طحن المأكول، و جعلها على مبدأ الدخول، و ألهمه الفكر الصحيح، و علّمه

50

المنطق الفصيح، ليتعرّض لتحصيل مطالبه، و اكتساب مأربة، و حبّبه إلى أبيه لاحتياجه حينئذٍ إليه، حيث لا مُعوّل له بعد اللّه إلا عليه.

حتّى إذا بلغ الكمال و ملّت أهاليه من تربيته في تلك الحال، أودعه قوّة يقتدر بها على المعاش، و اقتناء اللباس و الغطاء و الفراش، بعد أن شقّ له سمعاً قسّمه على الجانبين، و حرسه من لطفه بحوّاطتين تحرسانه عن وصول ما يسدّه من القذارات، و حصّنه بمُرّ الوسخ عن بلوغ مؤذيات الحيوانات، و بصراً في محلّ مكشوف، ليتمكّن من الإبصار، و سوّره بجفنين يحفظانه من المضارّ.

و جعل له أمعاء و شهوة الغذاء، و مجرى الشراب و الطعام و الهواء، و أودعه قوّة جاذبة ترسل ذلك إلى ماسكة مصحوبة بهاضمة، مناولة لدافعة، و خلق له مدخلًا و مخرجاً، و يداً للبطش، و رجلًا للمشي، و آلة و إمناءً، و رحماً يحفظ تلك النطفة إلى حيث يشاء.

فتبارك اللّه الذي خلق الأشياء (1) بلا مثال، و أقام الخلائق على أحسن اعتدال، فلو تأمّلت في نفسك التي بين جنبيك، و تفكّرت بجسمك الذي هو محطّ عينيك، فضلًا عن أن توجّه حواسّ الإدراك إلى عجيب صنع الأفلاك، و ما أحاطت به الأرضون و السماوات من عجائب المخلوقات من الملائكة المقرّبين، و ضروب الجنّ و الشياطين، لأنبأك هذا النظام المستقيم الجاري على النهج القويم؛ أنّ هناك مُوجِداً لا يُعارض، و حاكماً لا يناقض، عالماً بحقائق الأشياء، قديراً على ما يشاء، و لو دخله الجهل أو العجز فسد النظام، و لم يحصل للصنع ذلك الإحكام.

و علومه الذاتيّة نسبتها إلى المعلومات بالسويّة.

و قدرته عامّة لجميع المقدورات؛ لأنّها ثابتة بمقتضى الذات.

و العلم و القدرة برهانان على حياة الجبّار. و جري الأفعال على وفق المصالح أبينُ شاهد على أنّه فاعل مختار، قديم أزليّ، لم يُسبق بعدم أصليّ، و إلا لم يكن قادراً،

____________

(1) في «ح»: الإنسان.

51

بل مقدوراً عليه، مع أنّ مقتضى الذات لا يجوّز الاختلافات بالنسبة إليه.

أبدي سرمديّ، إذ مقتضى القِدم عدم إمكان العدم؛ و قد تقرّر في العقول أنّ معلول الذات لا يحول و لا يزول، و لا يمكن استناده إلى العلل الخارجات؛ لأنّ ذلك ملزوم لحدوث الذات.

مُريد للحَسَن، كاره للقبيح؛ لاستغنائه عنهما، مع علمه بالجهتين اللتين نشأ الوصفان منهما.

مُدرك للمدركات؛ لانكشافها لديه، و لأنّ الإدراك علم خاصّ دلّ صريح الكتاب و السنّة عليه.

مُتكلّم؛ لحُسن صدور الكلام منه، و شهادة إعجاز القرآن بصدوره عنه.

صادق منزّه عن الكذب و الافتراء، متعالٍ عن الاتّصاف بنقائص الأشياء.

فقد اتّضح لك في هذا المقام ثبوت صفات الجمال و الإكرام، و هي الثمانية المعدودة في علم الكلام:

أوّلها: القدرة و الاختيار.

ثانيها: العلم.

ثالثها: الحياة.

رابعها: الإرادة و الكراهة.

خامسها: الإدراك.

سادسها: القِدم و الأزليّة و البقاء و السرمديّة.

سابعها: الكلام.

ثامنها: الصدق، و يلزم من إثبات القدم لذاته، و استحالة إدخال الوصف القبيح في صفاته، نفي التركيب من الأجزاء، و إلا توقّف عليها، و سلب الجسميّة و العرضيّة عنه، و إلا لازَمَ الأمكنة و احتاج إليها.

و حيث تنزّه عن مداخلة الأجسام، استحال عليه لوازمها من اللذّات و الآلام. و امتنع الإبصار بالنسبة إليه. و لم يَجُز فعل القبيح و الإخلال بالواجبات عليه.

52

و لا يقبل التأثير و الانفعال، فيستحيل عليه حلول الحوادث و الأحوال، و يستحيل عليه الاحتياج إلى مخلوقاته، و إلا لزم عدمُ قدم ذاته.

و ليست صفاته الأصليّة مغايرة له زائدة عليه، و إلا لزم التعدّد بالنسبة إليه.

و ثبوت الشريك يستلزم فساد النظام، و عدم ثبوت علّيّة الوجود له على وجه التمام. و بتحقيق هذا المقال يتّضح لك طريق إثبات صفات الجلال، و هي السبعة التي ذكرها المتكلّمون:

أحدها: نفي التركيب.

ثانيها: نفي الجسميّة و العرضيّة.

ثالثها: نفي كونه محلّا للحوادث.

رابعها: نفي الرؤية عنه.

خامسها: نفي الشريك.

سادسها: نفي المعاني و الأحوال.

سابعها: نفي الاحتياج.

و جميع ذلك معروف ممّا ذكرناه، و مبرهن عليه ممّا سطرناه، و يكفي في إثبات كثير من تلك الصفات محكمُ الآيات و متواتر الروايات.

53

المبحث الثاني: في النبوّة

و الواجب على أهل كلّ ملّة معرفة نبيّها المبعوث إليها لإبلاغ الأحكام، و تعريف الحلال و الحرام، و أنّه الواسطة بينهم و بين المعبود، و الموصل لهم بطاعته إلى غاية المقصود؛ لأنّ تقريب الناس إلى الصلاح و إبعادهم من الفساد واجب على ربّ العباد.

و لا يمكن ذلك بتوجيه الخطاب من ربّ الأرباب بخلق الأصوات؛ لكثرة الوجوه فيها و الاحتمالات، فلا يحصل لهم كمال الاطمئنان؛ لتجوّز أنّها أصوات صدرت من بعض الجانّ.

و لا بإرسال من لا يدخل تحت قسم من الناس من الملائكة أو الجنّ أو النسناس؛ لأنّ النفوس لا تركن إليه، و فعل المعاجز ربما لا يُحال عليه.

فالنبي المبعوث إلينا، و المفروض طاعته من اللّه علينا، أعلى الأنبياء قدراً، و أرفع الرسل في الملإ الأعلى ذكراً، الذي بَشّرت الرسل بظهوره، و خُلِقت الأنوار كلّها بعد نوره، علّة الإيجاد، و حبيب ربّ العباد، محمّد المختار (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أحمد صفوة الجبّار، ذو المعجزات الباهرة، و الآيات الظاهرة التي قصرت عن حصرها ألسن الحُسّاب، و كلّت عن سطرها أقلام الكُتّاب:

كانشقاق القمر، و تظليل الغمام، و حنين الجذع، و تسبيح الحصى، و تكليم الموتى، و مخاطبة البهائم، و إثمار يابس الشجر، و غرس الأشجار على الفور في

54

القفار، و قصّة الغزالة مع خشفيها (1).

و خروج الماء من بين أصابعه، و انتقال النخلة إليه بأمره، و إخبار الذراع له بالسمّ، و النصر بالرعب بحيث يخاف من مسير شهرين. و نوم عينيه من دون قلبه، و أنّه لا يمرّ بشجر و لا مدر إلا سجد له، و بلع الأرض الأخبثين من تحته، و عدم طول قامة أحد على قامته.

و أنّ رؤيته من خلفه كرؤيته من أمامه، و إكثار اللبن في شاة أُمّ معبد، و إطعامه من القليل الجمّ الغفير، و طيّ البعيد إذا توجّه إليه، و شفاء الأرمد إذا تفل في عينيه، و قصّة الأسد مع أبي لهب، و نزول المطر عند استسقائه، و دعائه على سراقة فساخت قوائم فرسه، ثمّ عفا عنه فدعا فأُطلقت، و إخباره بالمغيّبات، كإنبائه عن العترة الطاهرة، واحداً بعد واحد، و ما يجري عليهم من الأعداء في وقعة كربلاء و غيرها.

و إخباره عن قتل عمّار، و أنّه تقتله الفئة الباغية، و وقعة الجمل، و خروج عائشة، و نباح كلاب الحوأب، و وقعة صفّين، و إخباره عن أهل العقبة و أهل السقيفة، و تخلّف من تخلّف عن جيش أُسامة، و أهل النهروان، و بني العبّاس، إلى غير ذلك (2)، و إخبار الأحبار عنه (عليه السلام) قبل ولادته بسنين و أعوام (3).

و من ذلك ما ظهر له من الكرامات عند ميلاده: كارتجاج إيوان كسرى حتّى سقط منه أربع عشرة شرافة، و غور بحيرة ساوة، و خمود نار فارس؛ و لم تخمد قبل بألف سنة (4).

____________

(1) الخشف: ولد الغزال، المصباح المنير 1: 207، كتاب العين 4: 171.

(2) لاحظ صحيح مسلم 4: 461 484 كتاب الفضائل و ج 5: 430 ح 2916، كتاب الفتن، و سنن ابن ماجة 2: 1366 ح 4082، و سنن الترمذي 5: 5 83 597، و مستدرك الحاكم 2: 618 620، و منتخب كنز العمّال في هامش المسند 4: 270 315، و دلائل النبوّة: 340 402، و صفة الصفوة 1: 100، و روضة الواعظين للنيسابوري: 60، و إعلام الورى: 18 46، و كشف الغمّة 1: 20 27، و المناقب لابن شهرآشوب 1: 78 137، وص 140، و مسند أحمد 6: 97، و الإمامة و السياسة: 63، و التاج الجامع للأُصول 3: 246 250، وص 276 290، و جامع الأُصول 11: 316 ح 8879.

(3) السيرة النبويّة لابن كثير 1: 286، الخصائص الكبرى 1: 45 75، جامع الأُصول 11: 259 ح 8836.

(4) الخصائص الكبرى 1: 113 132، المنتظم 2: 250، السيرة الحلبيّة 1: 183، بحار الأنوار 15: 257.