كتاب الزكاة (للشيخ الأنصاري)

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
449 /
1

شرح [كتاب الزكاة من] إرشاد الأذهان

2

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

3

و هي في اللّغة بمعنى النموّ، و الطهارة، و الصلاح (1)، قيل: و من الأوّل قوله تعالى ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ (2) و قوله تعالى تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها (3) بناء على ترجيح التأسيس على التأكيد (4). و أمّا الثاني فكثير (5). و امّا (6) الثالث قوله تعالى خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (7).

و في الشرع، أو عند اهله- على ما عرّفه الأكثر-: قدر مخصوص يطلب إخراجه من المال بشروط مخصوصة (8).

و عن المبسوط: أنّه إخراج ذلك القدر (9)، و عن الفائق: أنها من

____________

(1) لسان العرب 6: 65- 64 مادة «زكا»، النهاية لابن الأثير 2: 307، و ذكر من معانيه: البركة و المدح.

(2). البقرة: 2- 232.

(3) التوبة: 9- 103.

(4) و الا كان بمعنى التطهير أيضا.

(5) منه قوله تعالى يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ آل عمران: 3- 164 الجمعة: 62- 2.

(6) في «ج» و «ع»: من الثالث.

(7) الكهف: 18- 81.

(8) كأنه قدس سره لخص تعاريف الأكثر بهذا التعريف.

(9) المبسوط 1: 190.

4

الألفاظ المشتركة بين العين و المعنى، كلفظ الذكاة في قوله (عليه السلام): «ذكاة الجنين ذكاة امه» (1) و استشهد له بقوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (2) (3) و في التنظير بلفظ ذكاة نظر، فإنّ الظاهر انّ لفظ الذكاة لم يستعمل في العين أصلا، و في الاستشهاد منع (4) كون الزكاة ها بمعنى التزكية. و الأولى التنظير بلفظ الصدقة و الاستشهاد بقوله تعالى وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ (5) إن لم يحمل على العمل الصالح.

ثمّ المعنى الشرعي مناسب للمعاني اللغويّة الثلاثة، لأنّ الزكاة ينمي المال و ينمو ثوابه، و يطهّره عن الخبث الحاصل من وجود الشبهة فيه، و من الرذالة الحاصلة فيه عند المنع، و صاحبه عن إثم المنع و رذيلة الشحّ، و يصلح المال و العمل و النفس، كلّ ذلك مستفاد من الأخبار (6).

ثمّ إنّ المذهب قد استقر على عدم وجوب حقّ في المال سوى الزكاة الماليّة و الفطرة، و ربما يحكى عن ظاهر كلام الصدوق (رحمه اللّه) ما يستفاد من كثير من الأخبار: من وجوب حقّ يفرضه الرجل على نفسه في كلّ يوم أو أسبوع أو شهر على قدر وسعه (7). و لكن من نظر في تلك الأخبار بعين الاعتبار

____________

(1) الوسائل 16: 271 الباب 18 من أبواب الذبائح، الحديث 12.

(2) المؤمنون: 23- 4.

(3) في «الفائق في غريب الحديث» 1: 536: و هي من الأسماء المشتركة تطلق على عين- و هي الطائفة من المال المزكى بها- و على معنى- و هو الفعل الذي هو التزكية- كما أن الذكاة هي التذكية في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ذكاة الجنين ذكاة امه».

(4) في بعض النسخ: مع.

(5) مريم: 19- 31.

(6) راجع الوسائل 6: الباب 1 و 2 و 3 و 4 و 5 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

(7) الفقيه 2: 48 باب الحق المعلوم الحديث 1666، و الحاكي هو المحقق السبزواري قدس سره في الذخيرة: 420، و انظر الجواهر 15: 10.

5

يقطع (1) بسياقها مساق الاستحباب، بل لا يبعد ذلك أيضا في كلام الصدوق.

نعم حكي عن الشيخ في الخلاف (2): وجوب حقّ الحصاد مدّعيا عليه الإجماع و الأخبار، و نفى عنه البعد المرتضى (رحمه اللّه) (3) للآية (4) و الأخبار الكثيرة (5).

و الأقوى استحباب ذلك أيضا كما سيجيء في زكاة الغلّات ان شاء اللّه تعالى (6).

و تحقيق مطالب هذا الباب يتوقّف على النظر في أمور ثلاثة (7)

____________

(1) في «ف» و «ج» و «ع»: يعطى.

(2) الخلاف 2: 5.

(3) الانتصار: 76.

(4) و هي قوله تعالى وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ الأنعام: 6- 141.

(5) الوسائل 6: 134 الباب 13 من أبواب زكاة الغلات.

(6) في «ف» و «ج» و «ع» زيادة: من الاخبار.

(7) من هنا يبدأ شرح «إرشاد الأذهان».

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[الأوّل: في زكاة المال]

الأوّل: في زكاة المال

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

و فيه مقاصد:

[المقصد الأوّل: في شرائط الوجوب و وقته]

المقصد الأوّل: في شرائط الوجوب و وقته و إنّما تجب على العاقل البالغ الحر المالك للنصاب المتمكّن من التصرف، فلا زكاة على الطفل في نقديه إجماعا إلّا ما يظهر من ظاهر إطلاق ابن حمزة (1)، و هو محمول أو شاذّ، لاستفاضة حكاية الإجماع، و رواية الأخبار على خلافه (2)، مع كفاية الأصل في المقام.

و قد يستدلّ: بأنّها تكليف منفيّ عن الصبي، و فيه: أنّ الخطاب حينئذ (3) للولي كالاستحباب إذا اتجر بماله.

ثم إنّ ظاهر أخبار المسألة مثل قوله (عليه السلام): «ليس على مال اليتيم»

____________

(1) الوسيلة: 121.

(2) في «ف»: كفاية.

(3) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: حينئذ.

10

زكاة» (1) هو عدم تعلق الزكاة بهذا العنوان، فلا يجري في الحول ما دام كونه مال اليتيم نظير قوله (عليه السلام): «ليس على مال الغائب صدقة، و لا على الدين صدقة حتى يقع في يديك» (2)، و غير ذلك من العنوانات التي نفى الشارع الزكاة عنها، فلا يكفي بلوغه في آخر حول التملّك بلا خلاف ظاهر.

و ما في الكفاية: من الإشكال في حكم المتأخرين باستئناف الحول عند البلوغ (3)، في غير محلّه.

نعم قد يستدلّ للمشهور بما دلّ على اعتبار حول الحول على المال في يد المالك (4)، و الصغير ليس له يد. و فيه ما لا يخفى، فإنّ تلك الأدلّة تدلّ على اعتبار التمكن من التصرف في مقابل الغائب و المفقود و المغصوب، و لا ريب أنّ تمكن الولي كتمكن الوكيل، و لذا تجب الزكاة على السفيه إجماعا، و تستحب الزكاة في غلات الطفل و مال تجارته بل و مواشيه- مع اعتبار الشروط كلا في الزكاة المستحبة كالواجبة- فكلّ (5) من الصغر و الجنون مانع مستقل غير العجز عن التصرف كما لا يخفى.

و قريب منه في الضعف، التمسك برواية أبي بصير: «ليس في مال اليتيم زكاة، و لا عليه صلاة، و ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، و إن بلغ (6) فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل زكاة حتى يدرك، فإذا أدرك

____________

(1) الوسائل 6: 55 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

(2) الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6. و في بعض النسخ: يدك.

(3) كفاية الأحكام: 34.

(4) الوسائل 6: 63 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 3، و الصفحة 82 الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 و 2 و 3، و الصفحة 115 الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 3.

(5) في «ف» و «ج» و «ع»: و كل.

(6) في «ع»: بلغ اليتيم.

11

كان عليه زكاة (1)، ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من الناس .. الحديث» (2) بناء على أنّ الموصول في قوله: «لما مضى» يشمل الأحوال المتعددة، و الحول الواحد إلّا أياما (3)، إذ الظاهر أنّ المراد بالموصول: الزمان المستقبل في استحباب الزكاة لو لا الصغر، لا مطلق الزمان الماضي، و لذا يقبح أن يقال: ليس عليه- لليوم الماضي، أو للشهر الماضي- زكاة، فالمراد: الحول الذي هو السبب في إيجاب الزكاة لو لا المانع.

و لا تجب أيضا على المجنون مطلقا لا في نقديه، و لا في غيرهما على رأي سيجيء تقويته.

و إطلاق العبارة كغيرها، بل المحكي عن جميع الأصحاب من المفيد إلى زمان المصنف (قدّس سره): عدم التعرض للمطبق و ذي الأدوار منه، و صرّح المصنف في التذكرة و غيرها على ما حكي: بأنّه يستأنف الحول (4) حين الإفاقة (5)، و لعلّه لما ذكرنا: من أنّ المستفاد من النصوص الآتية و الفتاوى النافية للزكاة في مال المجنون أنّ هذا العنوان لا تتعلق به الزكاة، كمال الغائب، و الدين، و المفقود، و غيرها ممّا لا تتعلق به الزكاة بمعنى عدم ملاحظة شروط الزكاة فيه، فلا يجري في الحول ما دام كذلك، مع أنّ ظاهر كلام الأصحاب من اشتراط وجود الشرائط طول (6) الحول كالصريح في ذلك، و بذلك يندفع نظير ما يقال في الطفل: من أنّه لا مانع من توجّه الخطاب إليه بعد الإفاقة و البلوغ، نعم يتوجه هذا في المغمى عليه، حيث انّه لم يرد دليل على عدم تعلّق الزكاة بمال المغمى عليه حتّى يلحق

____________

(1) في «ع» و المصدر زيادة: واحدة.

(2) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11 مع اختلاف يسير، و التهذيب 4: 29 الباب 8. من أبواب زكاة الأطفال، الحديث 73.

(3) في النسخ زيادة: الحديث، و الظاهر انها سهو، راجع المستمسك 9: 6.

(4) في «م»: من حين الإفاقة.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 201 و حكاه عنه في الذخيرة: 421.

(6) في «ف» و «ج» و «ع»: بحول.

12

بالمجنون كما عن المصنف قدس سره في التذكرة و غيرها (1).

و ربّما يستدلّ بأنّه غير متمكن من التّصرف، و فيه نظر، فالحكم بالسقوط فيه مشكل، و لذا اختار عدمه في المدارك (2) و الكفاية (3).

و أمّا النائم و الساهي و شبههما فالظاهر: عدم منعهما ابتداء و استدامة و إن خرجا عن المعتاد.

و يستحب لمن اتجر بمالهما أي الصبيّ و المجنون بولاية لهما إخراجها عند اجتماع شروط زكاة (4) التجارة، بلا خلاف أجده في الطفل. و عن المعتبر و غيره: الإجماع عليه (5)، لأخبار كثيرة ظاهرها كعبارة المقنعة (6): الوجوب، إلّا أنّ الكلّ محمول على الاستحباب، بقرينة الأخبار الصريحة في نفي الوجوب، مضافا إلى ما سيجيء من استحباب زكاة التجارة على البالغين، وفاقا لما صرّح به المفيد (رحمه اللّه) (7) و هو دليل على إرادته هنا: الاستحباب المؤكد، كما حمله عليه الشيخ في التهذيب (8).

و حمل تلك الأخبار على التقيّة لا ينافي إرادة الاستحباب، لأنّ التقيّة تتأدّى بظهور الكلام في الوجوب الذي هو مذهب المخالفين [في مال التجارة] (9)،

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 201، نهاية الإحكام 2: 300.

(2) مدارك الأحكام 5: 16.

(3) كفاية الاحكام: 34، و في «ع» و «م»: و استجوده في المناهل.

(4) كذا في «ع» و «م»، و لكنها غير موجودة في «ف» و «ج».

(5) المعتبر 2: 487، نهاية الإحكام 1: 299 و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة) و المستند 2: 6.

(6) المقنعة: 236.

(7) راجع المقنعة: 247.

(8) تهذيب الأحكام 4: 27.

(9) الزيادة من «ع» و «م».

13

و إرادة الاستحباب بقرينة خارجية.

و بما ذكرنا يظهر ضعف ما حكي عن الحلّي (1)، و المدارك (2) من عدم الاستحباب.

و المراد بالطفل هو المولود إلى أن يبلغ، فلا يصدق على الجنين، مضافا إلى دعوى الإجماع في الإيضاح (3) على عدم ثبوت الحكم- هنا- للحمل قبل الانفصال.

ثمّ إنّ الخسارة الحاصلة من التجارة على اليتيم، للأصل و قاعدة عدم ضمان المأذون و المحسن، و رواية الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع- و هو غير موثّق، لكن له كتاب يرويه (4) ابن مسكان- قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل في يده مال لأخ له يتيم، و هو وصيّه، أ يصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم يعمل به كما يعمل بمال غيره و الربح بينهما، قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا إذا كان ناظرا له» (5)، خلافا للمحكي عن جماعة (6) من تضمين الولي؛ لإطلاق بعض الأخبار (7) المقيّد بصورة عدم الولاية، أو تقصير الولي.

و يستفاد من الرواية و غيرها، جواز أخذ الولي الأجرة [خلافا للمحكي عن الحلّي (8)] (9).

____________

(1) السرائر 1: 441، و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة).

(2) مدارك الأحكام 5: 18.

(3) إيضاح الفوائد 1: 167.

(4) في النسخ: مروية، و الظاهر انها تصحيف.

(5) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

(6) راجع الفقيه 2: 9، و المقنعة: 238، و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 و 7 (كتاب الزكاة) عنهما و عن غيرهما.

(7) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

(8) راجع السرائر 2: 211.

(9) ما بين المعقوفتين من «م».

14

و أمّا المجنون فالمشهور أيضا الاستحباب في مال تجارته، بل عن المعتبر (1)، و المنتهى (2): أنّ عليه علماءنا أجمع.

و يدلّ عليه صحيحة ابن الحجّاج: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

امرأة من أهلنا مختلطة، لها مال، عليها زكاة؟ قال: إن كان عمل به (3) فعليها زكاة، و إن لم يعمل به فلا» (4).

و مثلها خبر موسى بن بكر: «قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة مصابة، و لها في يد أخيها مال؟ فقال (عليه السلام): إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة (5)» (6).

و الكلام في كون الربح للمجنون و الخسران عليه، كما تقدم في الصبي.

و إن اتّجر بمال الطفل أو المجنون متّجر لنفسه بأن نقل المال إلى نفسه بناقل كالقرض و نحوه فإن كان وليّا مليّا، فالربح له (7) لأنّه نماء ملكه، كما أنّ الخسران و الزكاة المستحبة عليه بلا خلاف في ذلك كما ذكره غير واحد، و لا إشكال بعد فرض جواز نقل مال الطفل إلى الوليّ المليّ بالاقتراض و نحوه، و المعروف جوازه و إن لم يكن فيه مصلحة لليتيم؛ للأخبار الكثيرة:

____________

(1) المعتبر 2: 487.

(2) منتهى المطلب 1: 471.

(3) العبارات مختلفة في النسخ.

(4) الوسائل 6: 59 الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

(5) في بعض النسخ: تزكيته.

(6) الوسائل 6: 59 الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

(7) في الإرشاد 1: 278: «و لو اتجر لنفسه و كان وليا مليا كان الربح له».

15

منها صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل ولّى مال يتيم، أ يستقرض منه؟ قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره» (1).

و نحوها رواية أخرى حاكية لاستقراضه (عليه السلام) (2) ظاهرة في إرادة بيان الجواز الذي هو محل حاجة السائل دون مجرد الحكاية.

و رواية منصور الصيقل: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مال اليتيم يعمل به؟ قال: إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح و أنت ضامن للمال، و ان كان لا مال لك و عملت به فالربح للغلام و أنت ضامن [للمال]» (3).

و ما عن الكافي، عن البزنطي، عن أبي الحسن (عليه السلام): «قال: سألته عن الرجل يكون في يده مال لأيتام فيحتاج إليه فيمدّ يده فيأخذه و ينوي أن يردّه؟

فقال: لا ينبغي له أن يأكل إلا القصد، و لا يسرف، فان كان من نيته أن لا يردّه [عليهم] فهو بالمنزل الذي قال اللّه عزّ و جل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً .. الآية (4).

و خالف في ذلك الحلّي، فقال- فيما حكي عنه-: «إنّه لا يجوز للوليّ التصرّف في مال الطفل إلّا بما يكون فيه صلاح المال، و يعود نفعه إلى الطفل دون المتصرف فيه، و هذا الذي تقتضيه أصول المذهب» (5) و يظهر ذلك من المحكيّ عن المبسوط أيضا، قال: و من يلي أمر الصغير و المجنون خمسة: الأب

____________

(1) الكافي 5: 131، الحديث 6.

(2) الكافي 5: 131، الحديث 5، و عنه: الوسائل 12: 192 الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

(3) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7، و الزيادة من المصدر.

(4) الكافي 5: 128 الحديث 3، و عنه: الوسائل 12: 192 الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 و الآية من سورة النساء: 4- 10.

(5) السرائر 1: 441 و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة).

16

و الجد و وصيّ الأب و الجد و الامام (عليه السلام) (1) و من يأمره الإمام- ثمّ قال:- فكل هؤلاء الخمسة لا يصحّ تصرّفهم إلّا على وجه الاحتياط و الحظّ (2) للصغير؛ لأنّهم إنّما نصبوا لذلك، فإذا تصرّف فيه على وجه لا حظّ فيه كان باطلا، لأنّه خلاف ما نصب له (3) (انتهى).

و يؤيّد ذلك: أن نقل المال إلى الذمم معرض للتلف بالإعسار أو الإنكار أو الموت أو غير ذلك مما يغلب على الاحتمالات القائمة في صورة بقاء العين، و لذا يظهر من المسالك (4) في باب الرهن: التردّد في جواز اقتراض الولي مال الطفل، ثم حكى عن التذكرة (5): اشتراط جواز الاقتراض بالمصلحة مضافا إلى الولاية و الملاءة.

و كيف كان فالقول بالمنع، و إلحاق اقتراض الولي لنفسه بإقراضه لغيره- الذي اتفقوا ظاهرا على أنه لا يجوز إلّا مع المصلحة- قوي، إلّا أنّ العمل بتلك الأخبار المجوّزة المنجبرة بما حكي لعلّه أقوى.

و ربما يدّعى الجواز، بناء على أنّ أصل جعل المال في ذمّة الوليّ المليّ مصلحة، فيجوز.

و فيه نظر ظاهر؛ و لذا منعوا من جواز إقراض الولي إيّاه لغيره و إن كان غنيا (6) إلّا مع خوف التلف و نحوه (7).

____________

(1) في «ع»: و الحاكم و من يأمره.

(2) في «م»: أو الخط.

(3) المبسوط 2: 200 (كتاب الرهن).

(4) المسالك 1: 182: (كتاب الرهن).

(5) تذكرة الفقهاء 2: 80 مسألة الضابط في تصرف المتولي و 81 مسألة قرض مال الطفل و المجنون.

(6) في «م»: مليا.

(7) في هامش «م» ما يلي: هنا بياض بقدر أسطر.

17

ثم المراد بالملاءة ما تضمّنته رواية أسباط بن سالم- المروية في الكافي-:

«قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كان لي أخ هلك فوصّى إلى أخ أكبر منّي، و أدخلني معه في الوصية، و ترك ابنا له صغيرا و كان له مال، أ فيضرب به أخي فما كان له من فضل سلّمه لليتيم و ضمن له ماله؟ فقال: إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف فلا بأس به، و إن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم» (1).

و في رواية أخرى لأسباط: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شيء غرمه له، و إلّا فلا يتعرّض لمال اليتيم» (2).

و فيها دلالة على أنّ الغرض من اعتبار المال المحيط هو تعجيل الغرامة له عند التلف، و إلّا فأصل الغرامة تجب على المتصرّف المعسر أيضا عند الإيسار، و حينئذ فيمكن القول بالاكتفاء في الملاءة بمجرد الاطمئنان بتحقّق الغرامة عند التلف و لو بسبب كونه وجيها يقرضه الناس، أو يرهنون له عند من يقرضه، أو يطمئن بحصول الهدايا أو الزكوات أو الأخماس له و نحو ذلك، و لعلّ إليه يرجع ما عن المبسوط (3) و النهاية (4) من أنّ المراد بالملاءة: أن يكون متمكنا في الحال من ضمانه، و لكن عن جماعة: اعتبار أن يكون له مال بقدر مال الطفل، (5) و زاد في المسالك (6): كونه فاضلا عن المستثنيات في الدين.

و الأولى: التقييد بقابلية المال لوجوب الغرامة منه، ليخرج مع المستثنيات الممنوع من التصرّف منه شرعا أو عقلا أيضا.

و لو فقد المتّجر من شرطي الولاية و الملاءة أحدهما فإن كان الأوّل كان ضامنا، لحرمة التصرف في مال الغير بغير الولاية الشرعية المفروض

____________

(1) الوسائل 12: 190 الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) الوسائل 12: 190 الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(3) المبسوط 1: 234.

(4) النهاية: 361.

(5) مفتاح الكرامة 3: 7 (كتاب الزكاة).

(6) المسالك 1: 39.

18

فقدها في المقام، فيلزمه الضمان؛ لأدلّة ضمان اليد العادية.

و لو كان في التصرف مصلحة و تعذّر استئذان الولي، ففي الكفاية (1): لا يبعد الجواز.

قلت: أمّا الجواز مع الاضطرار إلى التصرف المذكور فمما لا ريب فيه؛ لأنّه وليّ حينئذ؛ لعموم ما دلّ على جواز التصرف مع المصلحة من الكتاب و السنة، خرج صورة التمكّن من الرجوع إلى الولي لأدلّة ولايته، بل الظاهر أنّ هذا ممّا لا خلاف فيه.

و امّا الجواز مع عدم الاضطرار- الذي هو مراد الكفاية ظاهرا، و وافقه في المناهل (2) حاكيا له عن جدّه (رحمه اللّه) في شرح المفاتيح (3)- ففيه إشكال:

من عموم الكتاب و السنة المستفيضة في عموم جواز التصرف مع المصلحة، و من أنّ ظاهر الأصحاب انحصار التصرف في الولي كما اعترف به في شرح المفاتيح، على ما حكي.

و يؤيّده ما تقدّم من رواية أبي الربيع (4) المتقدمة الدالّة بمفهومها على الضمان إذا لم يكن المتّجر ناظرا لليتيم، إلّا أن يحمل النظارة فيها على النظر في المصلحة و المداقّة فيها، في مقابل المسامحة و التّقصير.

و يؤيّده أنّ مورد الرواية كون العامل وصيّا فلا معنى للتفصيل بين الوصيّ و غيره، اللّهم إلّا أن يرجع إلى التفصيل بين كونه وصيّا على الطفل و غيره، أو يكون الشرط مسوقا لبيان علّة الحكم، يعني: أنّه حيث فرض كون العامل ناظرا لليتيم فلا ضمان عليه.

و أمّا حكم الربح و زكاة التجارة فتوضيحه: أنّ العامل إمّا أن يكون قد

____________

(1) كفاية الأحكام: 34.

(2) لم نقف عليه في المناهل

(3) و هو مصابيح الظلام للوحيد البهبهاني (مخطوط).

(4) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

19

اشترى بعين مال الطفل، أو بالذمة (1) و دفع مال الطفل عوضا عمّا في ذمته، فإن اشترى بالعين و أجاز وليّ الطفل فالربح له، و يخرج العامل عن الضمان سواء كان الشراء لنفسه أو للطفل، إذ لا فرق في قابليّة صرف العقد إلى المالك بين قصد العاقد نفسه أو المالك، كما صرّح به جماعة في عقد الفضولي.

و إن لم يجز الولي فمقتضى قاعدة الفضولي: بطلان المعاملة إلّا إذا فرض المصلحة في البيع و جوّزنا التصرّف مع المصلحة، و تعذّر استئذان الولي، فإنّ العقد حينئذ يقع لازما لا يقدح فيه ردّ الولي بعد الاطّلاع، إلّا أن يكون تيسّر استيجاز الولي كتيسّر استئذانه، فيقع العقد معه موقوفا.

و كيف كان فإجراء أحكام الفضولي متّجه، إلّا أنّ ظاهر كثير من الروايات إطلاق الحكم بكون الربح لليتيم و الخسران على العامل كما هو ظاهر المصنّف و غيره، ففي صحيحة زرارة- المروية عن الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام)-: «قال ليس على مال اليتيم زكاة إلّا أن يتّجر به، فإن اتّجر به ففيه الزكاة و الربح لليتيم و على المتاجر ضمان المال» (2).

و رواية سعد السمان: «ليس في مال اليتيم زكاة إلّا أن يتجر به فإن اتّجر به فالربح لليتيم، و إن وضع فعلى الذي يتّجر به» (3).

فإنّ الحكم فيها بثبوت الزكاة في مال اليتيم مع التجارة قرينة على وقوع الشراء له، و الحكم بالضمان قرينة على عدم ولاية التاجر، فدلّ بإطلاقه على ثبوت الربح لليتيم بمجرّد تجارة غير الولي، و تقييدهما (4) بما إذا أجاز (5) الولي

____________

(1) ليس في بعض النسخ: أو بالذمة.

(2) الفقيه 2: 16، الحديث 1599 و الوسائل 6: 85، الحديث 8.

(3) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

(4) في بعض النسخ: تقييدها.

(5) في النسخ: جاز.

20

بعيد، و تطبيق مسألتي الربح و الخسران على قاعدة الفضولي دونه خرط القتاد.

و اختصاص الروايتين بصورة وقوع الشراء للطفل لا يقدح، مع عدم القول بالفصل و اتّحاد طريق المسألتين بعد فرض صحّة العقد في نفسه، سواء قصد المالك أو قصد نفسه.

و ممّا يؤيّد عدم ابتنائه على مسألة الفضولي حكم الحلّي في محكي السرائر (1) و فخر الإسلام في حاشية الإرشاد (2): بكون (3) الربح هنا لليتيم مع حكمهما ببطلان معاملة الفضولي (4) تبعا للشيخ في المبسوط (5)، و ابن زهرة (6)، و ظاهر الحلبي (7)، بل و القول الآخر للشيخ في الخلاف في كتاب النكاح (8) حيث إنّ ظاهره هناك بطلان الشراء الفضولي، و إن صحّح البيع الفضولي.

و على القول بالتوقّف على الإجازة، فهل يجب على الولي الإجازة مع ظهور الربح؟ وجهان: من أنه عرفا تفويت للمنفعة فهو في قوّة فسخ العقد الخياريّ الذي فيه المصلحة، بل هذا أولى مما حكي عن المصنّف (قدّس سره) في نكاح التذكرة (9) من وجوب بيع متاع الطفل إذا طلب بزيادة و شراء الرخيص له، و هو الموافق لبعض نسخ القواعد على ما عن جامع المقاصد في باب الحجر (10).

____________

(1) السرائر 1: 441، و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 7- 6: (كتاب الزكاة).

(2) مخطوط.

(3) في النسخ: كون.

(4) راجع السرائر 2: 275 و إيضاح الفوائد 1: 417.

(5) المبسوط 2: 158 في بيع الغرر.

(6) الغنية (الجوامع الفقهية): 523.

(7) الكافي في الفقه: 352.

(8) الخلاف: كتاب النكاح: المسألة 11.

(9) التذكرة 609: القسم الثاني مما يجب على الولي.

(10) جامع المقاصد 5: 189 (كتاب الحجر).

21

و من عدم الدليل على وجوب فعل الأصلح للطفل، و تمام الكلام في محلّه.

و لو اشترى في الذمّة و دفع مال اليتيم عمّا في الذمّة، فمقتضى القاعدة:

صحّة المعاملة لنفسه (1) سواء قصد عند المعاملة دفع مال اليتيم عمّا في الذمة، أو اتّفق ذلك بعد المعاملة، و حينئذ فالربح له و الزكاة المستحبة عليه، و عليه ضمان مال اليتيم.

لكن قد يقال: إنّ ظاهر الأخبار (2) الحاكمة بثبوت الربح لليتيم، و الخسارة على العامل، يشمل هذه الصورة، فإن الاتّجار بمال اليتيم و إن كان حقيقة في الاتّجار بالعين إلّا أنّه عرفا يصدق على الاتّجار بما في الذمّة مع قصد دفع مال اليتيم عوضا، فترى العرف يطلقون: إنّ فلانا يتّجر بما في يده أو بمال فلان، مع أنّه لا يقع منه إلّا الاتّجار بما في الذمّة إذا عزم على دفع المال عنه، بل قلّما يتّفق معاملة بالعين، بل لو وقعت في السلعتين يخصّونها باسم المعاوضة دون البيع، و من هنا استجود سيد مشايخنا (3) إلحاق هذه الصورة الشراء بالعين بعد ما حكى عن جدّه قدس سره في شرح المفاتيح (4): أنّه الأظهر.

و قد يقال: إنّ هذه الأخبار- على فرض شمولها- ليس الخروج عن القاعدة بها أولى من العكس، بل العكس أولى.

و فيه: إنّه إن أراد التكافؤ بين الأخبار و القاعدة من جهة النسبة، فلا يخفى أنّ النسبة و إن كانت بالعموم من وجه إلّا أنّ تقييد هذه الأخبار بالشراء بالعين

____________

(1) في نسخة «ف»: نفسه، و في «ع» و «ج»: معاملة نفسه.

(2) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2 و 8.

(3) لم نقف عليه في المناهل

(4) شرح المفاتيح (مخطوط) و فيه: مع أن المعصوم ترك الاستفصال في كل واحد من هذه الاخبار و هو مفيد للعموم، سيما و البيع و الشراء بالذمة هو الأغلب تحقيقا، بل بنفس العين في غاية الندرة، سيّما إذا نوى كونه لصاحب العين أو عوض هنا بعين من غير إرادة شخص، بل الأظهر أن يقال بالعموم.

22

تقييد بالفرد النادر.

و دعوى: عدم نهوض هذه الأخبار لتخصيص مثل هذه القاعدة الثابتة بالأدلّة القطعية، ممنوعة بإمكان رفع اليد عنها بالأخبار الكثيرة المعتضدة بإطلاق فتاوى جماعة كالمصنّف و المحقّق (1) و نحوهما، كما خرجنا بها عن قاعدة الفضولي في الصورتين السابقتين، مع إمكان أن يقال: إنّ العامل إذا قصد ابتداء دفع مال الغير فكأنه أوقع العقد عليه ابتداء، فعدم قصد دفع الكلّي (2) إلّا في ضمن هذا الفرد بمنزلة المعاوضة على هذا الفرد، و من هنا قد يستقرب اطّراد هذا الحكم في غير مال الصغير و تعديته إلى كلّ مال قصد عند العقد دفعه عمّا في الذمة بدون رضى مالكه، و يدلّ عليه مضافا إلى أخبار مال اليتيم روايات:

منها: ما عن الكليني بسند فيه إرسال، عن أبي حمزة الثمالي: «قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الزكاة تجب عليّ في موضع لا يمكنني أن أؤدّيها؟ قال:

اعزلها، فإن اتّجرت بها فأنت لها ضامن، و لها الربح، و إن نويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها (3) في تجارة فليس عليك، فإن لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك فلها تقسيطها من الربح و لا وضيعة عليها» (4).

و منها: رواية مسمع بن يسار «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه، و حلف لي عليه، ثم إنّه جاءني بعده بسنين بالمال الذي كنت استودعته إيّاه، فقال: هذا مالك فخذه، و هذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك مع مالك، اجعلني في حلّ، فأخذت المال منه و أبيت أن آخذ الربح منه، و أوقفت المال الذي كنت استودعته و أتيت حتى أستطلع رأيك،

____________

(1) المعتبر 2: 487.

(2) في «ع» و «ج»: الكل.

(3) في النسخ: تشتغلها.

(4) الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3، و وردت الكلمة في النسخ: بقسطها.

23

فما ترى؟ قال: فخذ نصف الربح، و أعطه النصف [و أحلّه]، إنّ هذا رجل تائب و اللّه يحب التّوابين» (1).

و عن المختلف: «إنّ الودعي إذا اتّجر بالوديعة من دون إذن المالك كان ضامنا، و الرّبح للمالك» (2)، و حكاه عن الشيخين و سلّار و القاضي و أبي الصلاح و غيرهم، هذا و مع ذلك كلّه فلا مناص عن حمل كلامهم كالرّوايات على صورة الشّراء بالعين، كما صرّح به في المختلف، قال في مسألة تجارة الغاصب في الاستدلال لمن قال بكون الرّبح للغاصب: إنه إن اشترى في الذمّة ملك المشتري المبيع، و كان الثمن في ذمّته بلا خلاف (3) انتهى، و لكن محلّ كلماتهم ما إذا اتّفق دفع مال الغير عوضا- لا على ما إذا قصد دفع مال الغير عوضا لا غير- و تحمل الروايات على صورة قصد دفع مال الغير عوضا، و المسألة في غاية الإشكال، إلّا أنّ ثبوت الرّبح للعامل لا يخلو عن قوّة.

و إن كان التاجر وليا غير مليّ فلا خلاف و لا إشكال في جواز شرائه للطفل مطلقا، و قد تقدّم ذلك في كلام المصنّف (قدّس سره).

و إن كان الشراء لنفسه فإن كان بعين مال الطفل فالظاهر وقوع الشراء للطفل، فالربح له و الخسارة على العامل، لفحوى ما تقدّم من أنّ تجارة غير الولي كذلك، من غير احتياج إلى إجازة، و إنّ مسألة التجارة بمال الطفل خارجة عن مسألة الفضولي.

و أمّا بناء على عدم إخراجها عن قاعدة الفضولي فالظاهر- أيضا- وقوع الشراء للطفل مع تحقّق المصلحة، و لا يقدح في ذلك نيّة الشراء لنفسه، لأنّ الشراء وقع بعين مال الطفل، و لو أثّر ذلك لأثّر في مطلق عقد الفضولي إذا قصد العقد لنفسه و لم تنفع الإجازة.

____________

(1) الوسائل 13: 235 الباب 10 من أبواب الوديعة، مع اختلاف يسير، و الزيادة من المصدر.

(2) المختلف: 445.

(3) المختلف: 482.

24

و الظاهر عدم احتياجه إلى إجازة مستأنفة من الولي العامل، و لا من الولي الذي هو بعده في المرتبة، فهو نظير الوكيل إذا أوقع العقد على مال الموكّل لنفسه، فإنّ وقوع العقد ممّن له الإجازة كاف عنها.

نعم قد يشكل فيما إذا تعلّق غرض آخر لنقل المال إلى العامل بالخصوص، فإنّ خصوصية المالك و إن لم تكن ركنا في العقد- و بهذا يفترق البيع عن النكاح- إلّا أنّه لا يبعد مدخليتها إذا لاحظها المتبائعان أو أحدهما، إلّا أنّ الذي يسهّل الأمر ما عرفت من خروج هذه المعاملة عن مسألة الفضولي، و أنّ مجرد وقوع العقد بمال اليتيم مع عدم الإذن شرعا يوجب كون الربح لليتيم.

مضافا- في مسألتنا هذه- إلى الأخبار المتقدّمة (1)، منها: خبر الصيقل (2) الدالّ على كون الربح لليتيم إذا لم يكن للعامل مال، فإنّ المراد منها بقرينة نفي الضمان عن العامل مع إطلاقه الملاءة (3) منطوقا في خبر الصيقل، و مفهوما في غيره، هو: كون العامل وليا.

نعم الحكم بعدم التوقّف على الإجازة مطلقا في عقد الوليّ و الوكيل إذا أوقعاه لأنفسهما، مع ملاحظة المتعاقدين بخصوصيتهما لا يخلو من إشكال؛ لأنّ العقد الواقع الخاص- أعني: إنشاء نقل المال إلى نفس العاقد- لا يؤثّر بنفسه في إفادة نقل الملك إلى المالك، لأنّه غير مدلوله، غاية الأمر أنّه قابل لأن يسلب عنه الخصوصية الملحوظة فيه، من كون المنتقل اليه هو العاقد، لكن السلب لا يتحقّق فعلا إلّا بما يصرفه إلى المالك، و لو كان مجرد كون العين ملكا له كافيا في صرف البيع (4) إليه لم يحتج إلى الإجازة، فلما علمنا أنّ المال لا ينتقل إلى الغير

____________

(1) في بعض النسخ: المتقدم.

(2) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

(3) الملاءة: ليس في «ع» و «ج» و «ف».

(4) في «ع» و «ج» و ظاهر «م»: صرف المبيع اليه.

25

الّا برضاه أو برضى وليّه بالانتقال إليه، لعدم كون العقد مملّكا قهريا، و المفروض إن الولي لم يرض بالانتقال إليه و إنّما رضي بالانتقال إلى نفسه، و يمتنع اجتماع الرضاءين، فلم يتحقّق في هذه المعاملة رضى بالانتقال إلى الطفل من أحد، فلا يلزم العقد إلّا بعد رضي الولي، و هذا العقد أحوج إلى الإجازة ممّا لو باع ملك غيره ثمّ ملكه، و ممّا لو باع ملك غيره ثمّ تبيّن أنّه ملكه، و قد صرح المحقّق في المعتبر باحتياج الأوّل إلى إجازة مستأنفة في فروع مسألة تعلّق الزكاة بالعين (1).

و تمام الكلام في محلّه.

و بما ذكرنا ظهر اندفاع ما ربما يتوهّم من أنّ إجازة الولي إذا أثّرت في إلغاء قصد العاقد العقد لنفسه- مع أنّه رفع- فوقوع العقد من الولي أولى بإلغاء قصد الولي العقد لنفسه، لأنّه دفع.

وجه الاندفاع: انّ الإجازة إنّما ترفع قصد الخصوصية من حيث كونه رضى بمضمون العقد المعرّى من ملاحظة خصوصية المنتقل إليه، فما لم يحصل هذا الرضى لا يحصل إلى المتّجر أو من هو في حكمه.

و إن كان الشراء لنفسه بالعين مع ضمانه بأحد الوجوه الناقلة فلا إشكال في تملّك الربح، حيث يجوز له الضمان، و حيث لم نجوزه فحكمه كالصورة السابقة، كما أنه لو اشترى حينئذ بما في الذمّة و دفعه عوضا فحكمه كما تقدّم في غير الولي.

فالشأن في جواز الضمان للولي الغير المليّ، و قد عرفت كلام الحلّي (2) و الشيخ (3) في المنع عن التصرّف إلّا بما فيه غبطة و مصلحة و أنّ غير ذلك باطل، بل في شرح الروضة: إنّ المتقدّمين عمّموا الحكم باعتبار المصلحة من غير

____________

(1) المعتبر 2: 563.

(2) السرائر 1: 441.

(3) المبسوط 2: 200 (كتاب الرهن).

26

استثناء (1)، و لا ريب أنّ نقل الولي المعسر مال الطفل إلى ذمّته خلاف المصلحة، بل هو قريب من إتلافه، بل قد يكون إتلافا عرفا و بمنزلة الأخذ مجّانا، و قد دلّت الأخبار المستفيضة التي تقدّم بعضها على اعتبار الملاءة فيمن يقترض مال اليتيم، لكن موردها مختصّ بغير الأب و الجدّ، و لذا حكي عن المتأخّرين كافّة، بل عن الأصحاب كافّة- كما في الحدائق (2)، و عن مجمع الفائدة (3)- استثناء الأب و الجد من ذلك، فجوّزوا لهما الاقتراض مع الإعسار، و لعلّه لما ورد في حق الوالد بالنسبة إلى ولده ما ورد حتى قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لرجل: «أنت و مالك لأبيك» (4) و قال الصادق (عليه السلام)- في رواية محمد بن مسلم-: «إنّ الوالد يأخذ من مال ولده ما شاء» (5)، و في رواية سعيد بن يسار: «إنّ مال الولد للوالد» (6) و خصوص ما ورد من أخبار تقويم جارية الولد على نفسه (7)، و غير ذلك.

و يشكل: انّ ظاهر هذه الأخبار غير مراد إجماعا، فيحمل على جواز أخذ مقدار النفقة من مال ولده، صغيرا كان أو كبيرا، إذا لم ينفق الكبير عليه.

و أمّا النبوي، فيوهن التمسك به ما رواه الشيخ عن الحسين بن أبي العلاء: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما يحلّ للرّجل من مال ولده؟ قال:

قوته بغير سرف إذا اضطر إليه. قال: فقلت له: فقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للرّجل الذي أتاه فقدّم أباه، فقال له: أنت و مالك لأبيك، فقال: إنّما جاء بأبيه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: يا رسول اللّه هذا أبي قد ظلمني ميراثي من أمّي،

____________

(1) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط). 4 ذيل قول المصنّف: «و لو اتجر الولي، أو المأذون للطفل».

(2) الحدائق 12: 25.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 4: 14.

(4) الوسائل 12: 194 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(5) الوسائل 12: 194 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

(6) الوسائل 12: 195 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(7) الوسائل 12: 198 الباب 79، الحديث 1 و 2.

27

فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه و على نفسه، فقال له: أنت و مالك لأبيك، و لم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يحبس الأب للابن؟» (1).

و يشهد أيضا لما ذكرنا من الجمع، و من الإشكال في اطراحه (2) مال الولد (3) مع الإعسار الذي هو بمنزلة الإتلاف و الأخذ مجّانا، مصحّحة أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لرجل: أنت و مالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): لا نحبّ (4) أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه ممّا لا بد منه، إنّ اللّه لا يُحِبُّ الْفَسادَ» (5).

فإنّ التعليل بالآية (6) يدلّ على عدم جواز الإفساد في ماله، و أيّ فساد أشدّ من أخذه قرضا مع الإعسار سيّما إذا لم يرّج اليسار؟

و أمّا أخبار تقويم الجارية، فنقول بمقتضاها و لا نتعدّى عنه، كما اعترف به الحلّي (7)- أيضا- فيما حكي عنه، مع إمكان أن يقال: إنّ إطلاقها وارد في مقام بيان حكم أصل جواز التقويم، إمّا لدفع توهّم المنع، أو لدفع توهّم جواز التصرّف في الجارية بغير تقويم، على حدّ غيرها من الأموال.

ثمّ لو سلم ما ذكروه في الأب فلا يخفى عدم الدليل على الحكم في الجدّ، بل مقتضى عموم الآية (8): التحريم، و دعوى: أنّه أب حقيقة كما ترى، و مثله

____________

(1) الوسائل 12: 196 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8، و في «م» للدين بدل للابن.

(2) كذا في «ف» و «ج» و لعل أصلها: اقتراضه.

(3) في بعض النسخ: الوالد.

(4) في الوسائل: ما أحب.

(5) الوسائل 12: 195 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

(6) كذا في «م»، و في سائر النسخ: في الآية.

(7) السرائر 2: 208- 209.

(8) أي قوله تعالى وَ إِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة: 2- 205.

28

دعوى الإجماع المركّب.

و اعلم انّ المشهور- كما قيل (1)-: إنّ حكم التجارة في مال المجنون حكم الصبيّ في جميع ما تقدّم و كذا اختار المصنف (قدّس سره) في صورة فساد (2) ضمان الولي لهما: أنّ الربح لهما و استظهر سيد مشايخنا (3) الاتفاق على ذلك، لكن في جريان ما خالف الأصول من الأحكام المتقدّمة بالنسبة إليه إشكال.

و أمّا حكم الزّكاة إذا اتّجر لنفسه بمال الطفل و المجنون فتوضيحه: إنّ مقتضى عمومات زكاة التجارة (4) ثبوتها على الولي حيث اتّجر لنفسه، و وقعت التجارة له، بأن كان في الذمة، أو كان بالعين و قلنا بجواز ضمان الأب و الجد له من غير ملاءة، و كذا ثبوت زكاة التجارة في مال الطفل إذا اتّجر له غير الولي، كما دلّ عليه صحيحة بكير و زرارة المتقدّمة (5).

و أمّا إذا اتّجر التّاجر لنفسه، و حكم بوقوعها عن الطفل إمّا تعبّدا كما ذكرنا، أو مع كون العامل وليّا، أو مع إجازة الولي، فالأقوى أنّه لا زكاة، أمّا على الطفل فلأنّ ظاهر أخبار استحباب الزكاة في مال التجارة للطفل، ما إذا اتّجر له، لا ما إذا وقعت التجارة له بالإجازة، أو بحكم الشرع، و أمّا على التاجر، فلعدم سلامة الربح له، لرواية سماعة: «عن الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتّجر به أ يضمنه؟ قال: نعم، قلت: فعليه زكاة؟ قال: لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين: الضمان و الزكاة» (6).

____________

(1) راجع الجواهر 15: 28 و مفتاح الكرامة 3: 9 (كتاب الزكاة).

(2) ليس في بعض النسخ: فساد.

(3) لم نقف عليه في المناهل.

(4) الوسائل 6: 45 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه.

(5) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8.

(6) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

29

قيل (1) و عن الشهيدين، و المحقّق الثاني في كلّ موضع يقع الشراء للطفل (2)، و هو مشكل، لظهور الأخبار في غير ذلك، و لا فرق في الإشكال بين جعل الإجازة كاشفة أو ناقلة.

و تستحبّ الزكاة في غلّات الطفل، و لا تجب، وفاقا للمصنف (3) قدس سره، و المحقّق (4)، و الشهيدين (5)، و المحقق الثاني (6)، و حكي عن القديمين (7)، و السيد (8)، و سلّار (9)، و عن التحرير: حكايته عن أكثر الأصحاب (10)، و عن غيره:

حكايته عن المتأخّرين كافّة (11)، قيل: و عن تلخيص الخلاف: نسبته إلى أصحابنا (12).

و عن كشف الحق (13): انّ الإمامية ذهبت إلى أنّ الزكاة لا يجب على الطفل و المجنون، للأصل و عموم ما تقدّم من الأخبار النافية للزكاة في مال اليتيم، و قوله (عليه السلام): «لا زكاة على يتيم» (14) و خصوص قوله (عليه السلام): في رواية

____________

(1) قاله في الجواهر 15: 24.

(2) المسالك 1: 39 ذيل قول المصنف (رحمه اللّه): «اما لو لم يكن مليا»، و البيان: 165، و الدروس: 57، و جامع المقاصد 3: 5.

(3) التذكرة 1: 201.

(4) الشرائع 1: 140.

(5) الدروس 1: 229، البيان 165، الروضة البهية 2: 12.

(6) جامع المقاصد 3: 5.

(7) حكي عنهما في السرائر 1: 429- 430.

(8) الناصريات (الجوامع الفقهية: 241.

(9) المراسم (الجوامع الفقهية): 580.

(10) تحرير الأحكام 1: 57.

(11) مفتاح الكرامة 3: 4 (كتاب الزكاة).

(12) تلخيص الخلاف 1: 276، المسألة 36.

(13) نهج الحق و كشف الصدق: 456، المسألة 7.

(14) الوسائل 6: 55 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.

30

أبي بصير المتقدّمة: «و ليس على جميع غلاته من نخيل أو زرع أو غلة، زكاة» (1).

خلافا للمحكي عن الشيخين (2)، و أتباعهما. و عن الناصرية أنّه ذهب أكثر أصحابنا إلى أنّ الإمام يأخذ الصدقة من زرع الطفل و ضرعه (3) (انتهى).

لعموم أدلّة الزكاة في الغلات، و خصوص صحيحة ابن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا: «ليس على مال اليتيم في الدين (4) و المال الصامت شيء، فأمّا الغلّات فعليها الصدقة واجبة» (5)؛ فإنّ الوجوب إمّا بمعناه المصطلح عندنا، و إمّا بمعنى الثبوت و الاستقرار، فيثبت اللّزوم على التقديرين، سيّما بمعونة لفظة «على».

و يضعّف بوجوب تخصيص العمومات بما دلّ على نفي الزكاة عن اليتيم، و بحمل الصحيحة على الاستحباب المؤكّد، جمعا بينها و بين رواية أبي بصير (6) المعتضدة، أو (7) المنجبرة بالشهرة العظيمة.

و أمّا ما حكاه في الناصريات عن أكثر أصحابنا، فهو لا يدلّ على الوجوب كما لا يخفى؛ لأنّ أخذ الزكاة المستحبّة من مال الطفل فيه مصلحة له و للفقراء، هذا مضافا إلى موافقة مضمون الصحيحة لمذهب فقهاء الجمهور كافّة كما عن المنتهى (8) و إن حكي عن التذكرة (9) حكاية القول بعدم الوجوب عن

____________

(1) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.

(2) المقنعة: 238 و الخلاف 2: 40.

(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

(4) في «ج» و «ع» و «م» العين.

(5) الوسائل 6: 54 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

(6) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.

(7) كذا في «ج» و «م»، و اما في «ف» فلا توجد كلمة «أو».

(8) منتهى المطلب 1: 472.

(9) لكن الموجود في التذكرة (1: 201) هو نقل قول أبي حنيفة بوجوب الزكاة في غلات الطفل، نعم في الخلاف 2: 40 نقل قوله بعدم وجوبها بلا تفصيل.

31

أبي حنيفة و جماعة، إلّا أنّ الظاهر أنّ المشهور بينهم، و ما إليه ميل سلاطينهم هو الوجوب.

ثمّ إنّ المعروف بين الأصحاب هو ثبوت الرجحان كما عرفت من عبارة الناصريات (1)، و استظهر سيّد مشايخنا (2): الاتّفاق عليه بعد أن حكى عن الأردبيلي (3): التصريح بالإتّفاق على الاستحباب، و صرّح بعدم الخلاف في الرياض (4)- أيضا- و يظهر ذلك- أيضا- من النافع (5) حيث جعل الوجوب أحوط، و عن المدارك (6)، و الكفاية (7): أنّه مذهب عامّة المتأخرين و جمهورهم.

و يدلّ عليه الصحيحة السابقة بالحمل السّابق (8)، و لا ينافيه الحمل على التقية لما عرفت غير مرّة من أنّ التقية تتأدّى بما ظاهره موافق للعامّة، و إن أريد خلافه بقرينة منفصلة.

و بعد ذلك فمن الغريب ما عن العلّامة الطباطبائي (9): من إنكار الاستحباب مدّعيا بأنّه لم يصرّح أحد بالندب قبل الفاضلين (10).

و هل يلحق بغلّات اليتيم مواشيه؟ ظاهر المحكي عن الوسيلة،

____________

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

(2) لم نقف عليه في المناهل

(3) مجمع الفائدة 4: 11.

(4) الرياض 1: 262 ذيل عبارة الماتن: في وجوب الزكاة في غلات الطفل.

(5) المختصر النافع: 53.

(6) مدارك الأحكام 5: 22.

(7) كفاية الأحكام: 34.

(8) أي حمل صحيحة ابن مسلم المتقدّمة آنفا على الاستحباب.

(9) راجع الجواهر 15: 26.

(10) راجع الشرائع 1: 140 و التذكرة 1: 201.

32

نعم، حيث ادّعى الإجماع المركّب (1)، إلّا أنّ الحكم بالاستحباب بمجرّد هذا مشكل و إن كان إجماعا منقولا معتضدا بما تقدّم عن الناصريات (2)، و في الرياض: أنّ ظاهر جماعة من الموجبين و المستحبين عدم الفرق بين الغلّات و المواشي (3)، إلّا أنّ في الاكتفاء بمثل ذلك في التهجّم على مال اليتيم إشكالا، و لذا مال جماعة من المتأخّرين إلى العدم و هو الأحوط، و أشكل من ذلك الحكم باستحباب الزكاة في غلّات المجنون فضلا عن مواشيه، و إن ادعى في الرياض (4) أنّ ظاهر من عدا المحقّق، و بعض من تأخّر عنه (5) عدم الفرق بين الطفل و المجنون.

و لا زكاة على المملوك و إن قلنا بكونه مالكا مطلقا، أو في الجملة على الخلاف المذكور في محلّه، أمّا على القول بعدم الملك كما هو المشهور- ظاهرا- بل ظاهر بعض العبائر المحكية الإجماع عليه (6)، فعدم الزكاة عليه واضح، بل يخرج عن قيد اعتبار ملكية النصاب كما فعله في الغنية (7).

و أمّا على القول بالملك، فلحسنة ابن سنان- بابن هاشم-: «قال: ليس على مال المملوك شيء و لو كان له ألف ألف، و لو احتاج (8) لم يعط من الزكاة

____________

(1) لم نجده في الوسيلة و لكن حكي عنه في إيضاح الفوائد 1: 167 و في مفتاح الكرامة 3:

4 ما يلي: «و نقل عن ابن حمزة، و لعله في الواسطة، انه قال: فتجب في الأنعام بالإجماع المركب».

(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

(3) رياض المسائل 1: 262، ذيل قول الماتن: قيل تجب في مواشيهم.

(4) نفس المصدر، ذيل قول الماتن: و لا تجب في مال المجنون.

(5) كصاحب المدارك في ذيل قول المحقق: و قيل حكم المجنون حكم الطفل، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 298.

(6) الخلاف 2: 43 المسألة 45، و حكاه عنه مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة).

(7) الغنية (الجوامع الفقهية): 505.

(8) في «ج»: و لو احتاج له.

33

شيئا» (1) و نحوها رواية أخرى لابن سنان (2).

و من العجيب ما حكي عن المنتهى (3) كإيضاح النافع، (4) تبعا للمعتبر (5)، و المبسوط (6): من وجوب الزكاة عليه على القول بالملك، مع أنّ ظاهر المحكي عنه في المنتهى (7) و التذكرة (8): اتّفاق أصحابنا، بل غير شاذ من العامة على عدم الزكاة عليه، لكن الظاهر أنّه (قدّس سره) فهم من الأصحاب استنادهم في ذلك إلى عدم الملك، و حينئذ فيمكن أن يوجّه الحكم- في الروايتين بنفي الزكاة- بعدم الملكية، للأدلّة الدالّة على عدم مالكية العبد، فيكون إضافة المال إليه في الروايتين (9) بمجرد الملابسة لا التمليك، كما يفصح عنه رواية ثالثة لابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قلت له: مملوك في يده مال، أ عليه زكاة؟ قال:

لا، قلت: فعلى سيده؟ قال: لا، لانّه لم يصل إلى سيده، و ليس هو للملوك» (10).

و قد يستدلّ على فرض الملكية بعدم (11) تمكنه من التصرف للحجر عليه، و بنقص (12) ملكه؛ لأنّ للمولى انتزاعه منه متى شاء إجماعا كما في المختلف (13)

____________

(1) الوسائل 6: 59: الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

(2) الوسائل 6: 60: الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.

(3) منتهى المطلب 1: 472- 473، و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة).

(4) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة).

(5) المعتبر 1: 489.

(6) المبسوط 1: 206.

(7) منتهى المطلب 1: 473 و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 10.

(8) التذكرة 1: 201 و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 10.

(9) الروايتان المتقدمتان آنفا.

(10) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4، و فيه: «لا، لانه لم يصل».

(11) في بعض النسخ بعد.

(12) في النسخ: نقض.

(13) المختلف 2: 624.

34

و عن غيره (1).

و يرد على الأوّل: منع عدم التمكّن من التصرّف؛ إذ له التصرّف كيف شاء على تقدير الملكية، كما نصّ عليه في المعتبر (2) على ما حكي عنه، لكن هذا إنّما يستقيم لو وجد القول بالملكيّة على هذا الوجه، للإجماع على الحجر عليه و لو ملك.

فالأولى الجواب بمنع الحجر إذا صرفه مولاه فيه، و فوّض أمر المال إليه، كما يشعر به رواية علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام): «ليس على المملوك زكاة إلا بإذن مواليه» (3)، و منع كون الحجر مانعا على الإطلاق كما في السفيه، فتأمل.

و يرد على الثاني: منع كون هذا التزلزل مانعا من وجوب الزكاة كالبيع (4) في زمن خيار البائع، بل المنتقل بالعقود الجائزة.

فالأقوى: الاعتماد على ما تقدم من النص الظاهر في كون المملوكية (5) بنفسها مانعة عن وجوب الزكاة، كما أنّها مانعة عن أخذها، فمرجع الروايات إلى أنّه لا عبرة بغنى المملوك و لا بفقره، و هذا هو الظاهر من كلام أكثر الأصحاب حيث لم يقنعوا عن اعتبار الحرّية باعتبار الملكية (6)، أو اعتبار التمكّن من التصرّف.

و أمّا رواية علي بن جعفر، فهي مطروحة أو مؤوّلة.

و هل تجب زكاة ما في يده على المولى مطلقا، أو ليس عليه كذلك، أو تبنى

____________

(1) راجع الجواهر 24: 172.

(2) المعتبر 2: 489.

(3) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

(4) في بعض النسخ: كالمبيع.

(5) في بعض النسخ: الملكية.

(6) في «م»: المالكية.

35

على القول بالملكية (1)؟ ظاهر المحكيّ عن القواعد (2) و التحرير (3): الأوّل، قيل:

لأنّه مال مملوك لأحدهما فلا يسقط زكاته عنهما معا، و لأنّه مال مستجمع لشرائط الزكاة، فإذا لم تجب على العبد (4) وجبت على السيّد، و لأنّ المولى لما كان له انتزاعه من يده متى شاء كان ك«مال» في يد الوكيل (5).

و في الجميع ما لا يخفى.

و ظاهر الرواية الثالثة (6): الثاني، و فيه: اشتمالها على التعليل لعدم وصول المال إليه، فإن كان في مورد يثبت عدم الوصول حقيقة كما إذا كان غائبا أو مثل ذلك من مسقطات الزكاة، [كان أخص من المدّعى] (7).

و إن أريد أنه بمجرد كونه في يد العبد غير واصل إلى سيّده، ففيه: أنّ يد العبد أضعف من يد الوكيل الذي بمنزلة يد الموكل، و حمل ذلك على إعراض المولى- حيث دفعها الى العبد ليخصّ به و ينتفع به أو ينفقه (8) على نفسه، فهو (9) ك«مال النفقة» إذا غاب الشخص، و سيجيء عدم وجوب الزكاة عليه- تكلّف لا يصار إليه في مقام تخصيص الأدلّة القطعيّة الموجبة للزكاة على المال المستجمع للشرائط، و لذا نسب في المنتهى (10) وجوب الزكاة على المولى إلى أصحابنا مشعرا

____________

(1) و لعل المراد: على القول بملكية العبد و عدمها، كما في الجواهر 15: 33.

(2) قواعد الاحكام 1: 51.

(3) تحرير الاحكام 1: 57.

(4) في «ج» و «ع»: المملوك.

(5) في «ف»: الموكل.

(6) و هي الرواية الثالثة لابن سنان المتقدّمة في الصفحة 33 و انظر الهامش 10 هناك.

(7) ما بين المعقوفتين زيادة اقتضتها العبارة، و أخذناها ممّا نقله العلّامة المامقاني قدس سره في كتابه منتهى مقاصد الأنام، 26 (كتاب الزكاة).

(8) كذا في «م»، و في سائر النسخ: ببعضه.

(9) في «ع»: فهي.

(10) منتهى المطلب 1: 473.

36

بدعوى الإجماع، فالأقوى هو الوجه الثالث.

و لا فرق فيما ذكر بين القنّ، و المدبّر، و أمّ الولد، و المكاتب المشروط عوده رقّا إن لم يؤدّ مال الكتابة و المطلق الذي لم يؤدّ شيئا بلا خلاف ظاهر في الجميع، حتّى المكاتب بقسميه، و عن التذكرة (1): نسبته إلى علمائنا، بل عن المنتهى (2): نسبته إلى العلماء كافّة عدا أبي حنيفة، و أبي ثور، مضافا إلى ما ورد في المكاتب: من الحجر عن التصرف فيما بيده بالاكتساب (3) حتّى ورد: «أنّه لا يصلح له أن يحدث في ماله إلّا الأكلة من الطعام» (4)، و يرتفع الإشكال رأسا لو قلنا بعدم ملكيته كغيره من الأقسام كما عن المصنّف في النهاية (5)، و المحقّق في المعتبر (6).

و ممّا ذكرنا كلّه ينجبر ضعف رواية البختري (7) عن الصادق (عليه السلام):

«ليس في مال المكاتب زكاة» (8)، و نحوه النبويّ (9).

و أمّا الاستدلال بروايتي عبد اللّه بن سنان المتقدّمتين (10)، فغير صحيح- ظاهرا- لاشتمالهما على منع المملوك من الزكاة، مع أنّ المكاتب يعطى من

____________

(1) التذكرة 1: 201.

(2) المنتهى 1: 473، و لكن ليست في النسخة التي بأيدينا من المنتهى النسبة إلى العلماء كافّة.

(3) في «م»: الا بالاكتساب.

(4) الوسائل 16: 90 الباب 6 من أبواب المكاتبة، الحديث الأول.

(5) نهاية الإحكام 2: 301.

(6) المعتبر 2: 489.

(7) كذا في النسخ، و لكن في الوسائل: «أبي البختري» و هو الصحيح.

(8) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

(9) راجع الخلاف 2: 42، المسألة 43 و رواه الدارقطني في سننه 2: 108 و البيهقي في سننه 4: 109.

(10) في الصفحة 32.

37

الزكاة، فموردهما لا يشمله.

و كما لا يجب على المكاتب كذلك لا يجب على مولاه و إن قلنا بملكيته؛ لأنّ المولى ممنوع من أخذه منه إلّا على وجه استيفاء مال الكتابة ما لم يعجز، سواء جعلنا العجز كاشفا أو ناقلا.

و عن المبسوط: «إنّ المكاتب المشروط لا زكاة على ماله و لا على سيّده، لأنّه ليس ملكا لأحدهما ملكا صحيحا، لأنّ العبد لا يملكه عندنا و المولى لا يملكه إلّا بعد عجزه» (1) (انتهى). و ظاهره نفي ملك المولى (2)، و نفي استقلال العبد بقرينة ما عنه في باب الكتابة: من أنّ كسبه ماله (3) و ظاهر ما تقدّم عن المصنف، و المحقّق (قدّس سرهما) عكس ذلك (4).

و على كلّ تقدير فالحكم واضح، و الرجوع إلى العمومات لمالكية المكاتب و ضعف رواية البختري ضعيف.

نعم لو تحرّر من المكاتب المطلق شيء و لو جزء يسير وجبت الزكاة في نصيبه إن بلغ نصابا بلا خلاف ظاهر، و عن الحدائق: انّه محلّ اتّفاق (5) و في شرح الروضة: قطع به الأصحاب و إنّ وجهه واضح (6) و هو كذلك، لأنّ نصيبه مال جامع لشرائط الزكاة، و أدلّة نفي الزكاة عن مال المملوك لا تشمله، و لذا لا يجري على هذا النصيب شيء من أحكام مال المملوك.

ثمّ إنّ ظاهر روايتي ابن سنان المتقدّمتين (7) عدم جواز إعطاء المملوك من

____________

(1) المبسوط 1: 205 مع اختلاف يسير.

(2) في «م» زيادة: رأسا.

(3) المبسوط 6: 82.

(4) تقدّم قولهما عن النهاية و المعتبر في الصفحة السابقة.

(5) الحدائق 12: 29.

(6) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 6.

(7) في الصفحة 32.

38

الزكاة، و ظاهرهما عدم قابليته.

و ربما يحمل على صورة عدم الإذن، و يحكم بجوازه مع إذن المولى في الأخذ فيصير ملكا للمولى، فيعتبر فيه الاستحقاق.

و لو كان في سبيل اللّه لا بقصد الملك لم يملكه المولى.

و لو كان العبد مشتركا بين مستحقّين فإن أذنا له ملكا (1) القرض (2) بنسبة الملك، و إن كان وكيلا عنهما ملكاه بالسوية، و لو كان أحدهما مستحقّا ملك مقدار حصته. و جميع ذلك مبني على ما عرفت.

و لا بد في مال الزكاة من تمامية الملك في جميع الحول فيما يعتبر فيه الحول، و قبل تعلّق الوجوب فيما لا يعتبر فيه، و يتحقّق عدمهما بأمور:

الأوّل (3) عدم قرار الملك بمعنى تزلزله من حيث الحدوث، لتوقّفه على شرط لم يقع، أو لم يعلم وقوعه، و أمّا المتزلزل من حيث البقاء فلا يقدح كما سيجيء، فلا يجري (4) الموهوب في الحول إلّا بعد القبض سواء قلنا بكون القبض ناقلا أو كاشفا، كما صرّح به في المسالك (5)، و إن أورد عليه في المدارك (6): بأنّ القول بكشف القبض غير مذكور في باب الهبة، و إنّ هذا الخلاف غير واقع، إلّا أنّ الذي يحكى عن بعض هو أنّ مراد القائلين باعتبار القبض في اللّزوم هو الكشف لا اللّزوم المصطلح، ضرورة أنّ الهبة لا تصير بالقبض من العقود اللّازمة، إذ بعد القبض يجوز الرجوع في الهبة اتّفاقا إلّا في المواضع المخصوصة، و انّه (7) لم يجعل

____________

(1) كذا في «ف» و «ج» و «ع»، و في «م»: ملك.

(2) كذا في «ف» و «ج» و «ع»، و في «م»: المقرض، و الظاهر: القرض.

(3) لم يصرّح بالثاني و .. فيما يلي من الأمور.

(4) كذا في النسخ، و لكن في المطبوعة من الإرشاد و مجمع الفائدة: فلا يجزي.

(5) المسالك 1: 40، ذيل قول الماتن: لم يجر في الحول الا بعد القبض.

(6) مدارك الاحكام 5: 27.

(7) في «ف» و «ج»: «إذ».

39

أحد القبض من الملزمات، و أنّه قد صرح المحقّقون: بأنّ مرادهم من كون القبض شرطا في اللزوم ليس المعنى المعروف، بل قالوا: إنّ العقد يوجب ملكية (1) مراعاة بتحقّق القبض، فإنّ تحقّق أتمّ من حين العقد. (2) (انتهى المحكي) و هذا نصّ فيما ذكره في المسالك.

و كيف كان فلا إشكال في أصل المسألة، كما لا إشكال في جريانه في الحول بعد القبض و إن كان متزلزلا من حيث البقاء لاحتمال الرّجوع.

نعم لو رجع الواهب قبل الحول (3) سقطت الزكاة بلا إشكال، و لو رجع بعد الحول، فإن كان بعد إمكان الأداء- و إن لم يؤدّه- قدّم حقّ الفقراء، و إن كان قبله ففي التذكرة (4) و كشف الالتباس (5): سقوط الزكاة.

و قد يستشكل (6): بأنّ التمكن من الأداء معتبر في الضمان دون الوجوب، فالزكاة تتعلّق بمجرّد اجتماع الشرائط، و إن لم يكلف المالك منجزا بالإخراج للعجز، فيكون رجوع الواهب على مال تعلّق به حقّ الفقراء، فيقدّم، سيّما على القول بتعلّق الشركة.

و كذا لا يجري النصاب الموصى به في الحول إذا كان حوليّا إلّا بعد القبول و بعد الوفاة لأنه قبل ذلك إمّا غير مملوك للموصى له، أو غير متمكّن من التصرّف فيه، و لو لعدم العلم بملكيته بناء على أحد وجهي الكشف في القبول.

____________

(1) في «ف»: ملكيته.

(2) راجع الجواهر 15: 37 و مفتاح الكرامة 3: 15.

(3) في «م»: الحلول.

(4) التذكرة 1: 203.

(5) نقله في مفتاح الكرامة 3: 26 (كتاب الزكاة).

(6) راجع الجواهر 15: 38.

40

و لا الغنيمة إلا بعد القسمة، أمّا على القول بتوقّف الملك عليها كما عن المشهور فواضح، و أمّا على القول بحصول التملّك بالحيازة، فلعدم التمكّن من التصرّف قبل قسمة الإمام، و لعدم استقرار الملك، لأنّ للإمام أن يقسّم بينهم بتحكّم، فيعطي كلّ واحد من أيّ الأصناف (1) شاء، فلم يتمّ ملكه عليه- كذا عن المنتهى- (2) لكن المحكيّ عن ظاهر كلام الشيخ في الخلاف (3):

منع ذلك، و إنّ لكلّ غانم نصيبا من كلّ صنف من الغنيمة، فليس للإمام منعها، مع أنّ منع الإمام لعلّة (4) بمنزلة المزيل للملك الحاصل بمجرد الحيازة، فهو غير مانع كالخيار، مع أنّه مختص بصورة تعدّد أصناف الغنيمة، و أمّا مع اتحاد جنسها فالغانمون كالورثة يملك كلّ منهم نصيبا معيّنا منها، و اعتبار التمكّن من التصرّف لا يوجب إلّا اعتبار التمكّن من القسمة قسطا لبعض الغانمين، فإن قبضه فلا إشكال، و إلّا فإن كان غائبا فلا يجري إلّا بعد وصوله إليه، أو إلى وكيله إلّا إذا قبض عنه الإمام بالولاية.

و إن كان حاضرا، فالظاهر أنّه موقوف على قبض الغانم أيضا إلّا إذا قلنا بالتملّك بالحيازة، و كفاية عزل الإمام في تعيين الملك (5)، و رفع الحجر عن التصرف، لكنّه مشكل لعموم ما دلّ على عدم جريان الحول إلّا على ما وقع في يده. و تمام الكلام في محلّه من كتاب الجهاد.

و لا يجري القرض أيضا إلّا بعد القبض (6) بناء على ما عن الأكثر

____________

(1) كذا صححناه على ما في المنتهى 1: 477 ففيه: من أيّ أصناف المال شاء، و لكن في النسخ:

الأوصاف.

(2) المنتهى 1: 477.

(3) الخلاف 2: 114.

(4) في «ف» و «ج»: لعلّه.

(5) في «م»: التملّك.

(6) في الإرشاد 1: 278 و القرض حين القبض.

41

من أنّه وقت حصول الملك (1)، و على قول الشيخ (2) فيجري من حين التصرف و هو ضعيف يردّه- مضافا إلى ما سيجيء في باب القرض- ما في حسنة زرارة:

«انّ زكاة القرض على المقترض إن كان موضوعا عنده حولا» (3) و ظاهرها وجوب الزكاة مع عدم التصرف أيضا.

و أمّا المبيع ذو الخيار فإنّما يجري في الحول من حين البيع و لا يتوقّف على انقضاء زمان الخيار بناء على القول المشهور: من عدم توقف الملك على انقضاء زمان الخيار، و يشكل ذلك في خيار البائع لو قلنا بمنعه للمشتري من التصرّفات المنافية للخيار.

و ربما يحمل كلامهم- هنا- على إرادة مجرّد بيان عدم توقّف جريان المبيع (4) في الحول من حيث الملكية حين العقد، و إن كان له مانع آخر في مدّة الخيار من حيث عدم تمامية الملك، و هو محمل بعيد في نفسه، مضافا إلى ما قيل:

إنّه حكي عن غير واحد: وجوب الزكاة بعد الحول، و إن كان الخيار باقيا، فيسقط البائع من الثمن بنسبة ما أخرجه المشتري من الزكاة (5).

و مثله في البعد حمل هذا الكلام على تجويز (6) تصرّف المشتري في زمان خيار البائع، فيرجع البائع بعد الفسخ إلى قيمة المبيع، أو يبطل ما وقع من التصرف كالشفيع.

____________

(1) راجع الجواهر 25: 23 و مفتاح الكرامة 5: 48.

(2) راجع الصفحة السابقة.

(3) الوسائل 6: 67 الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب، الحديث الأول، و الرواية منقولة بالمعنى.

(4) في «ف»: البيع.

(5) راجع الجواهر 15: 39.

(6) في «ف»: تجوز.

42

و قد أطلق المصنّف (قدّس سره)- هنا- الجريان في الحول من حين العقد مع حكمه بعدم جواز التصرف (1) المنافي لخيار البائع. و الشهيد (قدّس سره) في البيان عدّ خيار البائع من الأمور الّتي ظنّ أنّها مانعة عن الزكاة، و ليست مانعة (2) مع تردّده في الدروس في جواز تصرف المشتري بما ينافي خيار البائع (3)، فيحتمل أنّ المنع من التصرف المنافي (4) أعني:- النّقل أو الإتلاف- لا ينافي وجوب الزكاة عندهم، لأنّه يصدق على المبيع أنّه مال حال عليه الحول في يد مالكه، بخلاف مال الرهن، فإنّ الراهن لا يستقلّ في التصرّف فيه و ان لم يكن ناقلا فتأمّل، فانّ في الفرق بين منذور الصدقة (5) بعينه نذرا مشروطا بما يحتمل الحصول فضلا عمّا يقطع بحصوله، و بين المبيع في أيام الخيار و الحكم بمانعية النذر دون الخيار إشكالا، بل تحكّما.

و لا زكاة في المغصوب بلا خلاف في الجملة، لعموم ما دلّ على اعتبار حولان الحول على المال مع وقوعه في يد المالك، و كونه عند ربّه، و فحوى سقوطها عن مال الغائب.

و مقتضى (6) إطلاق النص و الفتوى: عدم الفرق بين ما لو تمكّن من إخراج مقدار الزكاة من المغصوب باستئذان الغاصب أو مع عدم اطّلاعه و بين غيره، بل يعمّ الحكم لما إذا أذن الغاصب المالك في التصرف في المغصوب مع بقاء يد العدوان عليه، و هو قويّ.

____________

(1) في «ج» و «ع»: بعدم جواز المنافي لخيار البائع.

(2) البيان: 169.

(3) الدروس: 361 كتاب الخيار (الطبعة القديمة).

(4) في «م» زيادة للخيار.

(5) في «م»: «التصرف التصدق» بدل: «الصدقة».

(6) في «م»: بمقتضى.

43

نعم ربما يوهم الاختصاص: الاستدلال بأنّه لو كلّف بالزكاة مع عدم التمكّن من التصرف لكان مكلّفا بإخراجها من غير ذلك المال، و هو معلوم البطلان.

لكن التحقيق: انّ هذا الاستدلال لا يفي بأصل المطلب فضلا عن عمومه، ضرورة أنّه يقتضي اعتبار التمكن وقت الإخراج لا في تمام الحول، مع إمكان المناقشة في الملازمة (1) بمنع التنافي بين ثبوت الزكاة في العين، و عدم وجوب الإخراج منها و لا من غيرها لما (2) سيجيء من أنّ التمكّن من الأداء شرط الضمان لا الوجوب، بل المناقشة في بطلان التكليف بالإخراج من غير النصاب، كيف و قد حكي عن الشيخ في أحد أقواله (3): وجوب الزكاة في المال المرهون، و تكلّف (4) المالك بالإخراج من غيره لو كان له مال غيره، و حكي ذلك عن الجامع (5) أيضا و إن ضعّفه في المعتبر (6).

و كيف كان، فالعمدة هو إطلاق النص و معاقد الإجماعات. نعم قيّده بما إذا لم يتمكّن تخليصه و لو ببعضه، و لو بالاستعانة بظالم، و إلّا وجبت فيما زاد على الفداء، و لعلّه لتحقّق الشرط الذي هو التمكّن من التصرّف، و لموثّقة زرارة: «في رجل ماله عنه غائب، لا يقدر على أخذه؟ قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين» (7).

____________

(1) في «ف» بالملازمة.

(2) في بعض النسخ: كما.

(3) المبسوط 1: 208، و حكاه عنه في الجواهر 15: 54.

(4) كذا في النسخ، و الظاهر: تكليف.

(5) الجامع للشرائع 1: 131.

(6) المعتبر 2: 563.

(7) الوسائل 6: 63 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

44

دلّت الرواية بصدرها على تفريع نفي الزكاة على عدم القدرة على أخذ المال الغائب، و بذيلها على ثبوت الزكاة مع ثبوت القدرة، و حينئذ فتحمل الروايات الظاهرة في اعتبار الحضور الفعلي و اليد الحالية على مجرد القدرة على الأخذ و التصرف، و لو بواسطة أمر مقدور، في مقابل ما لم يقع تحت القدرة.

و يؤيّده ورود بعض تلك الأخبار (1) في مقام نفي الزكاة عن المال الذي لم يملك في تمام الحول. و قد قوّى الشيخ في الخلاف وجوب الزكاة في المال المرهون مستدلا بأنّ الراهن قادر على التصرف فيها بأن يفكّ رهنها، و المال الغائب إذا كان متمكّنا منه، يلزمه زكاته بلا خلاف (2) (انتهى).

و كلامه صريح، إلّا أنّ هذا ليس بأولى من إبقاء تلك على ظاهرها من اعتبار الوقوع في اليد بالفعل سيّما مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان:

«ليس على الدين صدقة، و لا على المال الغائب حتى يقع في يدك» (3) الظاهر بل الصريح في اليد الفعلية فيحمل الموثّقة (4) المشتملة على القدرة على الأخذ، على القدرة الحاصلة على الوجه المتعارف، مثل الوكيل في القبض و نحوه، لا إيجاد أسباب التّمكّن كتخليص المغصوب ببعضه و نحو ذلك.

نعم التمكّن من أخذه خفية لا يبعد عدّه من التّمكن، فيكون العبرة بالتمكّن و التسلّط [فعلا لا القدرة على ذلك، و يؤيّد هذا الحمل انّ تقييد المال الغائب- في أدلّة نفي الزكاة- بما لا يقدر على التسلّط] (5) عليه و التمكّن- و لو ببذل بعضه- لرفع المانع تقييد بالفرد النادر.

____________

(1) راجع الوسائل 6: 61 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

(2) الخلاف 2: 111.

(3) الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

(4) المتقدمة في الصفحة السابقة.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

45

و لو قيل: إنّ المال الغائب عنوان مستقلّ في نفسه لا يلحق به المغصوب، لعدم تنقيح المناط، سقط التمسّك بالأخبار من الطرفين، لأنّ مورد الكلّ (1) في المال الغائب. لكن الظاهر: أنّ المعيار في الكلّ واحد و هو: العجز عن الأخذ، و لذا استدلّ بتلك الأخبار لاشتراط التمكّن بلا فرط في شرح الروضة (2)، فاستدلّ له بما ورد من وجوب الزكاة في الدّين إذا قدر صاحبه عليه، و تركه متعمّدا (3) مع عدم عمله (قدّس سره) بمضمونها، من (4) ثبوت الزكاة في الدين المقدور على أخذه.

هذا؛ و لكن التحقيق: الرجوع في معنى القدرة على الأخذ- الواردة في النص-، و التمكّن من التصرف- الوارد في معقد الإجماع- إلى العرف، لأنّه المحكّم في مثله، و الظاهر صدق القدرة على الأخذ بمجرّد القدرة على الأسباب و لو كانت بعيدة. و أمّا التمكّن فهو و إن كان في صدقه على التمكّن من أسباب التمكّن خفاء، بل منع (5) إلّا أنّ الذي يظهر من ملاحظة فتاواهم، بل معاقد (6) إجماعاتهم هو ما يعمّ هذا المعنى، و لا أقلّ من أن يحصل الشك في مراد الكلّ أو البعض، فيجب الرجوع حينئذ إلى القدر المتيقّن من تخصيص العمومات الموجبة للزكاة، و خصوص ما أوجبها بمجرد القدرة على الأخذ.

و المتيقّن هو: اعتبار التمكّن بالمعنى الأعم المساوي للقدرة التي نيط بها (7) الحكم فيما عرفت من الموثّقة و غيرها.

____________

(1) ليس في «ف»: الكل.

(2) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 6 ذيل القول الماتن: كالراهن غير المتمكن من فكّه.

(3) الوسائل 6: 64 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 و 7.

(4) في «م»: في.

(5) في «ف» و «ج»: منعا، و الصحيح ما أثبتناه.

(6) في «ج» و «ع»: و معاقد.

(7) في «ف»: به.

46

كيف و سيجيء في المرهون ما يدلّ على أنّ مراد أكثرهم من التمكّن هو المعنى الأعم، مضافا إلى أنّ أدلّتهم على اعتبار التمكّن من الروايات و غيرها لا يدلّ على اعتبار أزيد منه.

و يلحق بالمغصوب: المجحود إذا لم يتمكّن من استنقاذه، قال في البيان:

و لو أمكن الاستنقاذ وجبت، و لو صانعه ببعضه وجب في المقبوض و في إجراء إمكان المصانعة مجرى التمكّن نظر، و كذا الاستعانة (1) بظالم، أمّا الاستعانة بالعادل فتمكّن (2) (انتهى). و في شرح الروضة: وجه النظر هو أن تخليص المغصوب بالمال بمنزلة ابتياع ما يجب فيه الزكاة، و كما أنّ تحصيل الملكية لا يجب كذلك تحصيل التمكّن الذي هو شرط وجوب الزكاة (3).

و يعلم ما في هذا، و في استشكال المحقّق الثاني في كفاية التمكّن من استنقاذ المجحود بالبيّنة (4) مما ذكرنا: من أنّه لا دليل على اعتبار أزيد من القدرة على الأخذ و التمكّن من التصرف و لو بواسطة الأسباب، إلّا أنّ في انصراف إطلاقها إلى ما احتاج إلى صرف بعضه أو صرف مال غيره تأمّلا.

و لو كان الفداء كثيرا مساويا للمفدّى أو أزيد فالإشكال أوضح، بل منع الزكاة أقوى.

و كيف كان ففيما ذكره الشهيد من الفرق بين الظالم و العادل (5) نظر، و إن أمكن توجيهه بأنّ العادل حيث أنّه من الأسباب التي شرعها اللّه لردّ المظالم، و أوجب عليه ذلك، فهو بمنزلة الوكيل الأمين من طرف المالك بل الوليّ من طرف

____________

(1) في «ج» و «ع»: في الاستنقاذ، و ما أثبتناه مطابق للمصدر.

(2) البيان: 167.

(3) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 8- 9.

(4) في «ف»: بالمال و في «ج» و «ع»: بالنية، و الصحيح ما أثبتناه كما في جامع المقاصد 3: 6.

(5) ذكره الشهيد في البيان آنفا.

47

الغاصب و المالك، فقدرته بمنزلة قدرة المالك. [بخلاف الظالم الذي ليس التوسل به إلّا من حيث الاضطرار فهو من قبيل التسبيب إلى التمكّن بخلاف الأوّل] (1).

و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في المال الغائب عن المالك و أنّه لا زكاة فيه إجماعا نصّا و فتوى، إلّا أن يقدر على أخذه فيجب، و إن لم يكن بالفعل في يده أو يد وكيله.

نعم ظاهر إطلاق المتن و غيره: اعتبار فعليّة اليد، لكن لا يبعد إرادة ما ذكرنا من التقييد. ففي المدارك: انّ عبارات الأصحاب ناطقة بوجوب الزكاة في المال الغائب إذا كان صاحبه متمكّنا (2) و هو المعتمد، لما تقدّم من الموثّقة (3) المخصصة لعموم أدلّة النفي عن مال الغائب حتّى يقع في يده، بحمل الوقوع في اليد على كونه تحت القدرة، و إن كان هذا الحمل بعيدا في صحيحة ابن سنان المتقدّمة (4).

نعم قيل: باشتراط مضيّ زمان يمكن فيه قبضه أو قبض وكيله و لا بأس به.

و اعلم أنّه ألحق جماعة من المتأخّرين منهم المصنّف (قدّس سره) بالمالك وكيله فأوجبوا الزكاة (5): عن المالك إذا كان في يد وكيله، و ظاهرهم ذلك و إن لم يقدر المالك على التصرف فيه و أخذه، و المحكي عن جماعة: الاقتصار على المالك فقط (6)، و لعلّه الأوفق بإطلاق الأخبار، و أدلّة اشتراط التمكّن من

____________

(1) ما بين المعقوفتين من «ج» و «م».

(2) المدارك 5: 35.

(3) تقدّم ذكرها في الصفحة 43.

(4) في الصفحة 44.

(5) في «ع» و «م»: في المال الغائب.

(6) السرائر 1: 443 و مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة).

48

التصرّف، إلّا أن يدّعى صدق المتمكّن (1) على المالك عرفا بتمكّن وكيله، و في اطّراد هذه الدعوى إشكال.

نعم لو أريد عدم الفرق في التمكّن بين أن يتمكّن بنفسه أو بوكيله فلا إشكال في التعميم.

و لو غاب الرجل عن ماله فإن كان في يد وكيله فكما سبق، و إن كان موضوعا في بيته فالظاهر أيضا وجوب الزكاة لصدق كونه متمكنا منه عرفا، بل كونه عند ربّه و في يده و إن كان عاجزا عن بعض التصرّفات فيه أو كلّها لبعض العوارض.

نعم لو انقطع عن ماله بالكلية بحيث لا يصدق عليه ما ذكر اتّجه سقوط الزكاة؛ قال في المنتهى (2): إنّه لو أسر في بلاد الشرك و له مال في بلاد الإسلام لم يجب عليه زكاة، محتجّا بأنّه غائب عن ماله، و الغيبة تتحقّق من الطرفين (3).

و نحوه عن القاضي في جواهر الفقه (4).

و في البيان: لو حبس عن ماله من غير إثبات اليد عليه وجبت زكاته لنفوذ تصرّفه فيه. نعم لو كان سائمة لا راعي لها و لا حافظ احتمل السقوط؛ لاشتراطهم في الغائب كونه في يد الوكيل (5) (انتهى).

و لا يبعد أن يقال: إنّ الظاهر من الأدلّة هو اعتبار عدم قصور في المال- إمّا لعدم حدوث تمام التمكّن فيه كالإرث الذي لم يصل إلى الوارث، و إمّا لحدوث مانع فيه، إمّا لتعلّق حقّ شرعي به، أو يد عرفي، أو غيبة منقطعة- لا عدم

____________

(1) في بعض النسخ: التمكن.

(2) في «ف»: محكيّ المنتهى.

(3) منتهى المطلب 1: 475.

(4) جواهر الفقه (الجوامع الفقهية): 415.

(5) البيان: 167.

49

قصور المالك عن التصرف فيه لمرض، أو حبس، أو غيرهما. قال في كشف الغطاء: و لا يخرج عن التمكن لعروض شيء من قبله كإغماء أو جنون أو نذر أو عهد أو نحوها من الموانع الشرعية الاختيارية المانعة عن التصرّف في وجه قويّ، أمّا ما تعلّق بالمخلوق كأن يشترط عليه في عقد لازم أن لا يتصرّف فيه حيث يصحّ، فالظاهر الحكم بانقطاع الحول و استئنافه بعد ارتفاع الموانع (1) (انتهى).

و نظر فيما ذكروه بعض المعاصرين (2)، و الإنصاف أنّ المسألة لا تخلو من إشكال.

فالتحقيق: أن يحكم بنفي الزكاة في جميع ما ورد النصّ بنفي الزكاة عنه، كالإرث الغير الواصل إلى صاحبه و المال المفقود و نحوهما، و يرجع في غير الموارد (3) إلى صدق التمكّن من التصرف المصرح باعتباره في الفتاوى، فإن صدق فلا إشكال في وجوب الزكاة؛ للإجماع على عدم اشتراط أزيد منه في تمامية الملك.

و إن لم يتحقّق صدق التمكّن من التصرف- لاشتباه مراد المجمعين كلّا أو بعضا- فإن تحقّقت القدرة على الأخذ، المصرح باعتبارها في الموثّقة المتقدّمة (4) فيحكم بوجوب الزكاة أيضا، كما يحكم بنفيه لو علم تحقّق عدمها، و إن اشتبه التحقّق فالواجب الرجوع إلى عمومات الوجوب، لعدم العلم بتخصيصها بأزيد من القدر المتيقن.

و يحتمل ضعيفا: الرجوع إلى الأصل، لسراية إجمال عنوان المخصّص إلى

____________

(1) كشف الغطاء: 346 المبحث التاسع من مباحث كتاب الزكاة.

(2) راجع الجواهر 15: 53.

(3) في «ج» و «ع»: موارده.

(4) تقدّم ذكرها في الصفحة 43.

50

العمومات. و على أيّ تقدير فلا إشكال.

و اعلم أنّ التمكّن من التصرّف معتبر في جميع الحول- فيما يعتبر فيه الحول من الأجناس الزكوية- و أمّا في الغلّات فظاهر اتّحاد سياقه مع سائر الشروط: اعتباره في زمان تعلّق الوجوب (1)، و ربما مال جماعة من المتأخرين إلى كفاية تحقّقه بعد ذلك (2) لإطلاق الأدلّة، و اختصاص أدلّة اعتبار التمكّن بما يعتبر فيه الحول.

و فيه نظر، إلّا أنّ المسألة لا تخلو عن اشكال.

و لا زكاة في عين الوقف بلا خلاف ظاهرا- كما عن الكفاية (3)- لعدم جواز التصرّف فيه إلّا بالاستنماء، بل لعدم الملكيّة في الوقف العام، و تعلّق حقّ البطون اللاحقة في الخاص، لكن المحكيّ عن وقف التذكرة بعد نقل الخلاف في انتقال ملكيّة الوقف إلى الموقوف عليه: انّه يظهر فائدة الملك في وجوب الزكاة في الغنم الموقوفة (4).

و كيف كان فلو نتجت الأنعام الموقوفة و ملك الموقوف عليه منه نصابا، و حال عليه الحول وجبت الزكاة بلا إشكال ظاهرا.

و كذا لا إشكال في نفي الزكاة عن الحيوان الضالّ و المال المفقود بالنص و الإجماع.

نعم حكي عن غير واحد: انّه يعتبر في مدّة الضلال: إطلاق الاسم، فلو حصل لحظة أو يوما لم ينقطع (5)، و في اليوم، بل اللحظة إذا حصل اليأس.

____________

(1) راجع المسالك 1: 40 ذيل قول الماتن: و لا تجب الزكاة في المغصوب.

(2) راجع: المدارك 5: 34، الذخيرة: 425.

(3) الكفاية: 35.

(4) التذكرة 2: 440.

(5) المسالك 1: 40، مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة)، الجواهر 15: 56.