كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
615 /
25

[شرح كتاب الصّلاة من الإرشاد]

كتاب الصّلاة و النّظر في المقدّمات و الماهيّة و اللّواحق

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

[النّظر الأوّل في المقدّمات]

النّظر الأوّل في المقدّمات و فيه مقاصد

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

[المقصد الأوّل: في أقسامها]

الأوّل: في أقسامها و هي واجبة، و مندوبة. فالواجبات تسع: اليومية، و الجمعة، و العيدان، و الكسوف، و الزلزلة، و الآيات، و الطواف، و الأموات، و المنذور و شبهه.

و المندوب: ما عداه.

فاليومية خمس: الظهر، و العصر، و العشاء- كلّ واحد أربع ركعات في الحضر، و نصفها في السفر- و المغرب ثلاث فيهما، و الصبح ركعتان كذلك.

و نوافلها في الحضر: ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، و أربع بعد المغرب، و ركعتان من جلوس- تعدّان بركعة- بعد العشاء، و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل، و ركعتا الفجر، و تسقط نوافل الظهرين و الوتيرة في السفر.

30

[المقصد الثاني: في أوقاتها]

المقصد الثاني: في أوقاتها فأوّل وقت الظهر: إذا زالت الشمس، المعلوم بزيادة الظل بعد نقصه، أو ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن للمستقبل إلى أن يمضي مقدار أدائها، ثم تشترك مع العصر إلى أن يبقى للغروب مقدار أداء العصر فتختص به.

و أوّل المغرب: إذا غربت الشمس، المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقية إلى أن يمضي مقدار أدائها، ثم يشترك الوقت بينها و بين العشاء إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار العشاء فيختصّ بها.

و أوّل الصبح: إذا طلع الفجر الثاني المعترض، و آخره: طلوع الشمس.

و وقت نافلة الظهر: إذا زالت الشمس إلى أن يزيد الفيء قدمين، فإن خرج و لم يتلبّس قدّم الظهر ثم قضاها بعدها، و إن تلبّس بركعة أتمّها ثم صلّى الظهر.

و نافلة العصر: بعد الفراغ من الظهر إلى أن يزيد الفيء أربعة أقدام، فإن خرج قبل تلبّسه بركعة صلّى العصر و قضاها، و إلّا أتمّها.

و يجوز تقديم النافلتين على الزوال في يوم الجمعة خاصة، و يزيد فيه أربع ركعات.

و نافلة المغرب: بعدها إلى ذهاب الحمرة، فإن ذهبت الحمرة و لم يكملها

31

اشتغل بالعشاء.

و الوتيرة: بعد العشاء، و تمتد بامتدادها.

و وقت صلاة الليل: بعد انتصافه، و كلّما قرب من الفجر كان أفضل، فإن طلع و قد صلّى أربعا أكملها، و إلّا صلّى ركعتي الفجر.

و وقتهما: بعد الفجر الأوّل إلى أن تطلع الحمرة المشرقية، فإن طلعت و لم يصلّهما بدأ بالفريضة، و يجوز تقديمهما على الفجر.

و قضاء صلاة الليل أفضل من تقديمها، و تقضى الفرائض كلّ وقت ما لم تتضيق الحاضرة، و النوافل ما لم يدخل وقتها.

و يكره ابتداء النوافل: عند طلوع الشمس، و غروبها، و قيامها إلى أن تزول- إلّا يوم الجمعة- و بعد الصبح و العصر عدا ذي السبب.

و أوّل الوقت أفضل إلّا ما يستثنى، و لا يجوز تأخيرها عن وقتها و لا تقديمها عليه.

و يجتهد في الوقت إذا لم يتمكّن من العلم، فإن انكشف فساد ظنه و قد فرغ قبل الوقت أعاد، و إن دخل و هو متلبّس و لو في التشهد أجزأ، و لو صلّى قبله عامدا أو جاهلا أو ناسيا بطلت صلاته، و لو صلّى العصر قبل الظهر ناسيا أعاد إن كان في المختص، و إلّا فلا.

و الفوائت ترتب كالحواضر، فلو صلّى المتأخّرة ثم ذكر عدل مع الإمكان، و إلّا استأنف، و لا ترتّب الفائتة على الحاضرة وجوبا على رأي [1].

____________

[1] إلى هنا من كتاب إرشاد الأذهان للعلامة الحلّي (قدّس سرّه) و إنما أوردناها هنا لكون أكثر الكتاب هو شرح لما ورد في الإرشاد، عدا مباحث الأوقات التي أوردها المؤلف (قدّس سرّه)، بصورة مسألة مسألة.

32

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

[المقصد الثّالث] في المواقيت

و فيه فصلان

33

الفصل الأوّل في أوقات الفرائض الخمس

و فيه مسائل

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

مسألة (1) [1]

لا خلاف ظاهرا في أنّ زوال الشمس أوّل وقت الظهر، و إنّما الخلاف في أنّه من حين الزوال يشترك الوقت بينها و بين العصر أو يختصّ الظهر من أوّل الزوال بمقدار أدائها؟ المشهور هو الثاني، و الأوّل محكيّ عن الصدوق (2) و نسب إلى والده (3) أيضا (قدّس سرّهما)، و المعتمد ما ذهب إليه المعظم.

لنا- مضافا إلى الأصل-: ما رواه الشيخ عن داود بن فرقد، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل

____________

[1] وردت عناوين المسائل في «ق» بالأرقام «1» «2» .. بينما ترك لبعضها بياضا بمقدار كلمة أو أكثر، و أمّا في «ط» فوردت العناوين هكذا: «الأول» «المسألة الثانية» و تركت لبعضها بياضا كالنسخة «ق». و قد رقّمنا المسائل متسلسلة حسب ورودها في النسختين.

____________

(2) المقنع و الهداية (الجوامع الفقهيّة): 8 و 51.

(3) جامع المقاصد 2: 24.

36

وقت الظهر حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتّى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتّى تغيب الشمس» (1).

و هذه الرواية و إن كانت مرسلة إلّا أنّ سندها إلى الحسن بن فضّال صحيح، و بنو فضّال ممّن أمر بالأخذ بكتبهم و رواياتهم (2)، مضافا إلى انجبارها بالشهرة العظيمة، بل عدم الخلاف الصريح في المسألة، نظرا إلى أنّه لم يظهر من الصدوق المخالفة إلّا لإيراد أخبار الاشتراك في كتابه (3)، و نسبة المخالفة إليه بمجرّد هذا مشكل، سيّما بعد ملاحظة أنّ ما أورده من الأخبار ظاهر في اشتراك الوقت من أوّله إلى آخره بين الظهرين، مع أنّ كلامه في الفقيه- كما سيجيء (4)- صريح في اختصاص آخر الوقت بالعصر.

و بالجملة، فنسبة القول باشتراك الوقت من أوّله إلى آخره إلى الصدوق مشكل.

و ممّا يقوّي ذلك الإشكال: وقوع التصريح بالإجماع في كنز العرفان (5)، و حكايته عن الحلّي في السرائر (6)، و ظهوره من كلام السيّد المحكيّ

____________

(1) التهذيب 2: 25، الحديث 70، و الوسائل 3: 92، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 7.

(2) انظر الوسائل 18: 72، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 79.

(3) راجع الأخبار في الفقيه 1: 215، باب مواقيت الصلاة.

(4) في الصفحة: 41.

(5) كنز العرفان 1: 77.

(6) السرائر 1: 196 و 200.

37

في المختلف (1) و المدارك (2).

و احتجّ للصدوق (3) بأخبار الاشتراك، و هي كثيرة:

منها: ما رواه الصدوق- في الصحيح- عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال: «إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر، و إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة» (4).

و منها: رواية عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث سأله عن وقت الظهر و العصر، فقال: «إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر إلّا أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس» (5).

و منها: ما رواه عبيد بن زرارة أيضا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في قوله تعالى أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ قال: «إنّ اللّه تعالى افترض أربع صلوات أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أوّل وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلّا أنّ هذه قبل هذه، و منها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف

____________

(1) المختلف 2: 7.

(2) المدارك 3: 35.

(3) احتج له في الحدائق 6: 101.

(4) الفقيه 1: 216، الحديث 648، و الوسائل 3: 91، الباب 4 من. أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

(5) الفقيه 1: 216، الحديث 647، و الوسائل 3: 92، الباب 4 من أبواب المواقيت، ذيل الحديث 5.

38

الليل» (1).

و منها: رواية الصباح بن سيّابة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين» (2).

و مثلها رواية سفيان [بن] السمط (3) و مالك الجهنيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4) و رواية منصور بن يونس (5)، و المكاتبة المرويّة عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) (6)، و رواية إسماعيل بن مهران عن الرضا (عليه السلام) (7).

و الجواب: أمّا عن روايتي عبيد، فباشتمالهما على ما يؤنس كون المراد من دخول الوقتين عند زوال الشمس: دخولهما متعاقبين، و هي قوله في الأولى منهما: «ثم أنت في وقت منهما حتّى تغيب الشمس» مع أنّه لم يقل أحد ظاهرا باشتراك آخر الوقتين، و نسبته إلى الصدوق غير صحيحة- كما سيجيء (8)- و قوله في الثانية: «افترض أربع صلوات أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل»، و قوله: «و منها صلاتان أوّل وقتهما من غروب

____________

(1) الوسائل 3: 115، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 4، و في آخره: «إلّا أنّ هذه قبل هذه».

(2) الوسائل 3: 93، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 8.

(3) نفس المصدر، الحديث 9.

(4) نفس المصدر، الحديث 11.

(5) نفس المصدر، الحديث 10.

(6) الوسائل 3: 98، الباب 5 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

(7) الوسائل 3: 95، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 20.

(8) في الصفحة: 41.

39

الشمس إلى انتصاف الليل».

و قد يردّ هذه الرواية و ما قبلها بأنّ قوله فيهما: «إلّا أنّ هذه قبل هذه» دالّ على تقدّم وقت الاولى على الثانية.

و فيه: ما لا يخفى، فإنّ الفقرة دالّة على ثبوت الترتيب بين الصلاتين لا بين وقتيهما.

و أمّا عن الروايات الباقية: فبأنّها- على ضعفها سندا- عامّة بالنسبة إلى المرسلة المتقدّمة المنجبرة بما تقدّم، المعتضدة بالأصل، فتعيّن تخصيصها بها.

ثمّ إنّه قد يستدلّ على المذهب المشهور بأدلّة أخر:

منها: ما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في المختلف (1)، و حاصله- كما لخّصه بعض (2)-: أنّ القول باشتراك الوقت حين الزوال بين الصلاتين مستلزم لأحد باطلين: إمّا التكليف بما لا يطاق، و إمّا خرق الإجماع، لأنّ التكليف حين الزوال إن كان واقعا بالعبادتين معا كان تكليفا بما لا يطاق، و إن كان واقعا بأحدهما الغير المعيّن أو بأحدهما المعيّن و كان هو العصر كان ذلك خرقا للإجماع، و إن كان واقعا بأحدهما المعيّن و كان هو الظهر ثبت المطلوب.

و الجواب عن ذلك بوجوه، أوضحها: النقض بالزمان الواسع لصلاة أربع ركعات من وسط الوقت، فإنّه مشترك بين الظهرين اتّفاقا، مع أنّه يرد عليه ما أورد على أوّل الوقت حرفا بحرف.

____________

(1) المختلف 2: 7.

(2) هو المحدث البحراني، انظر الحدائق 6: 103.

40

و منها: ما ذكره في المدارك: من أنّه لا معنى لوقت (1) الفريضة إلّا ما جاز إيقاعها فيه و لو على بعض الوجوه، و لا ريب أنّ إيقاع العصر في هذا الوقت على سبيل العمد ممتنع، و كذا مع النسيان على الأظهر، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، و انتفاء ما يدلّ على الصحّة مع المخالفة، فإذا امتنع إيقاع العصر في هذا الوقت انتفى كون ذلك وقتا لها (2).

و الجواب عن ذلك: أنّ امتناع إيقاع العصر في هذا الوقت عمدا- عند الخصم- إنّما هو لفقدان الترتيب، لا لعدم صلاحيّة الوقت له، و لازمة أنّه لو لم يثبت اعتبار الترتيب في صورة النسيان لم يمتنع إيقاعها قبل الظهر، فدعوى عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه مصادرة إن استندت إلى عدم صلاحيّة الوقت، و عريّة عن البيّنة إن استندت إلى دعوى اشتراط الترتيب و لو في صورة النسيان.

بل يمكن أن يستدلّ على عدم اشتراط الترتيب مع النسيان مطلقا حتّى فيما لو وقع العصر في الجزء الأوّل من الوقت بصحيحة صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسي الظهر حتّى غربت الشمس، قد كان صلّى العصر، فقال: كان أبو جعفر (عليه السلام)- أو كان أبي (عليه السلام)- يقول: إذا أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، و إلّا صلّى المغرب ثمّ صلّاها» (3)، فإنّ عمومها الناشئ من ترك الاستفصال يشمل ما لو صلّى العصر في الوقت المختصّ، بل يمكن جعل هذا دليلا مستقلا للصدوق (قدّس سرّه).

____________

(1) في «ق»: لإيقاع.

(2) المدارك 3: 36.

(3) الوسائل 3: 210، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 7.

41

اللّهم إلّا أن يقال بانصراف السؤال بحكم التبادر إلى غير هذه الصورة، فتأمّل.

و منها: ما ذكره غير واحد من مشايخنا (1) و غيرهم (2) من الروايات الدالّة على اختصاص آخر الوقت بالعصر (3)، المستلزم لاختصاص أوّل الوقت بالظهر، بالإجماع المركّب.

و الجواب عن ذلك: أنّ قول الصدوق باشتراك آخر الوقت غير معلوم، بل الظاهر منه (قدّس سرّه) اختصاص آخر الوقت. قال في الفقيه- في أواخر باب أحكام السهو في الصلاة- ما هذا لفظه: «و إن نسيت الظهر و العصر ثمّ ذكرتهما عند غروب الشمس فصلّ الظهر ثمّ صلّ العصر إن كنت لا تخاف فوات إحداهما، و إن خفت أن يفوتك إحداهما فابدأ بالعصر و لا تؤخّرها فيكون قد فاتتك جميعا، ثمّ صلّ الاولى بعد ذلك على أثرها» (4).

و قال أيضا بعيد هذا: «و من فاتته الظهر و العصر جميعا ثمّ ذكرهما و قد بقي من النهار بمقدار ما يصلّيهما جميعا، بدأ بالظهر ثمّ بالعصر، و إن بقي من النهار بمقدار ما يصلّي إحداهما بدأ بالعصر» (5).

____________

(1) منهم صاحب الجواهر في الجواهر 7: 83، و السيد الشفتي في مطالع الأنوار 1:

12.

(2) لم نقف عليه.

(3) انظر الوسائل 3: 91، الباب 4 من أبواب المواقيت، الأحاديث 7 و 17 و 18، و غيرها.

(4) الفقيه 1: 354، ذيل الحديث 1029.

(5) الفقيه 1: 355، ذيل الحديث 1029.

42

و حكي مثل هذا التصريح عنه في المقنع (1)، و استظهر منه أيضا في الهداية [1]، و مع ذلك كلّه، فكيف ينبغي دعوى الإجماع المركّب؟!

____________

[1] لم نعثر على المستظهر، و لعلّه يستظهر من كلام الصدوق (قدّس سرّه) في وقت الظهر و العصر، راجع الهداية (الجوامع الفقهيّة): 51.

____________

(1) المقنع (الجوامع الفقهيّة): 9.

43

مسألة (2)

قد عرفت أنّ الظهر يختصّ من أوّل الظهر يختصّ من أول الوقت بمقدار أدائها، فاعلم أنّ العبرة في أدائها بحال المصلّي في ذلك الوقت، باعتبار كونه قويّا أو ضعيفا، بطيء القراءة أو سريعها، حاضرا أو مسافرا، فاقدا لبعض الشروط أو جامعا لجميعها، حتّى أنّه لو فرض كون المصلّي في شدّة الخوف و قد دخل عليه الوقت جامعا للشروط فوقت الاختصاص بالنسبة إليه مقدار صلاة ركعتين عوض كلّ ركعة تسبيحات مع ما يضاف إليها، و لو فرض كون المصلّي فاقدا لشروط لا يحصّلها إلّا إذا بقي إلى الغروب مقدار ثمان ركعات، فهنا لا وقت مشترك بين الفرضين [1].

____________

[1] في النسختين، هنا بياض بمقدار نصف صفحة.

44

مسألة (3)

الأقرب أنّ آخر وقت الظهر للمختار: هو ما إذا بقي إلى الغروب مقدار أداء الفرضين، وفاقا للمحكي عن السيّد المرتضى (1) و ابن الجنيد (2) و سلّار (3) و ابن سعيد (4) و ابن إدريس (5) و ابن زهرة (6) قدّس اللّه أسرارهم، و حكي عن الأخيرين: دعوى الإجماع عليه (7)، و هو اختيار

____________

(1) الناصريات (الجوامع الفقهيّة): 229، المسألة: 72.

(2) حكاه في المعتبر 2: 30.

(3) حكاه العلّامة في المختلف 2: 9، و لكن سلّار جعله وقتا للمعذور، انظر المراسم: 62.

(4) الجامع للشرائع: 60.

(5) السرائر 1: 195 و 200.

(6) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494.

(7) حكاه في مفتاح الكرامة 2: 39، و راجع الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494، و السرائر 1: 200.

45

الفاضلين (1) و الشهيدين (2) و أكثر المتأخرين (3)، خلافا لظاهر المفيد في المقنعة (4)، و المحكي عن العمّاني (5) فجعلا آخر الوقت: ما إذا صار الظلّ مقدار سبعي الشاخص، و للمحكي عن الشيخ في المبسوط (6) و القاضي (7) فجعلاه ما إذا صار ظلّ كلّ شيء مثله، و للمحكي عن الشيخ في الاقتصاد (8) و الحلبي (9) فجعلاه ما إذا صار الظلّ أربعة أسباع الشاخص.

لنا- مضافا إلى الأصل، و عموم قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ)- (10): ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) قال: «إنّ اللّه افترض أربع صلوات أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أوّل وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلّا أنّ هذه قبل هذه، و منها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس

____________

(1) المحقق في الشرائع 1: 60، و المعتبر 2: 30 و العلّامة في القواعد 1: 246، و التذكرة 2: 302.

(2) اللمعة و شرحها (الروضة البهية) 1: 486.

(3) انظر الحدائق 6: 111، و مطالع الأنوار 1: 14 و الجواهر 7: 123.

(4) المقنعة: 92.

(5) حكاه في المختلف 2: 11.

(6) المبسوط 1: 72.

(7) المهذّب 1: 69.

(8) الاقتصاد: 394.

(9) الكافي في الفقه: 137.

(10) الإسراء: 78.

46

إلى انتصاف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1).

و ليس في سند هذه الرواية من يتوقّف في شأنه سوى الضحّاك بن زيد، و الظاهر أنّه أبو مالك الحضرميّ الذي حكي فيه عن النجاشي أنّه ثقة ثقة (2)، إذ لم نجد فيما عندنا من الرجال في عنوان المسمّين بهذا الاسم من يصلح لكونه هذا الرجل إلّا من ذكر مكنّى بأبي مالك. نعم، يحتمل أن يكون هذا الرجل ممّن لم يذكر في الرجال أصلا، لكن فتح باب هذا الاحتمال ممّا يسدّ باب الرجوع إلى كتب الرجال، إذ لو فرض أنّهم ذكروا أيضا الضحّاك بن زيد و وثّقوه، قلنا: من أين نعلم أنّ هذا الرجل هو المذكور في الرجال، فلعلّه رجل آخر غير من ذكر مشترك معه اسما و أبا.

و ممّا يؤيّد وثاقته، بل يدلّ عليه: رواية البزنطيّ عنه، و حكي عن الشيخ في العدّة (3) في شأن البزنطيّ أنّه لا يروي إلّا عن ثقة، هذا كلّه مضافا إلى أنّ تقدّم البزنطيّ عليه يغني عن تشخيص حاله، حيث إنّ البزنطيّ ممّن حكي إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه (4)، فلا حاجة إلى ملاحظة من بعده، على ما هو أحد معاني هذه العبارة.

و ما رواه الشيخ عن معمّر بن يحيى، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: وقت العصر إلى غروب الشمس (5)».

____________

(1) التهذيب 2: 25، الحديث 72، و الوسائل 3: 115، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(2) رجال النجاشي: 205، الرقم: 546.

(3) عدّة الأصول 1: 387.

(4) انظر رجال الكشّي 2: 830، الرقم 1050.

(5) التهذيب 2: 25، الحديث 71، و الوسائل 3: 113، الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

47

دلّ على امتداد وقت العصر إلى الغروب المستلزم لامتداد وقت الظهر إلى ما قبل مقدار أداء العصر بالإجماع المركّب.

و ما رواه عن داود بن فرقد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)، و قد تقدّم ذكره و اعتبار سنده في المسألة السابقة (2).

و يؤيّد هذه الروايات روايات أخر، مثل: ما رواه عبيد بن زرارة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر و العصر؟ فقال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعا، إلّا أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما حتّى تغيب الشمس» (3).

و ليس في سنده إلّا القاسم بن عروة، و هو و إن لم يصرّح بتوثيقه إلّا أنّه يروي عنه هذه الرواية جماعة من الثقات، و هم الحسين بن سعيد، و البرقي، و العبّاس بن معروف، و هذا ممّا يقرّب صحّة الرواية، مع أنّ القاسم بن عروة- هذا- الظاهر أنّه مولى أبي أيّوب، كما يظهر من الرجال (4)، و قد روى عنه ابن أبي عمير و البزنطي في بعض الروايات، و هذا من أمارات وثاقته.

و ما رواه الشيخ- أيضا- عن زرارة، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام):

____________

(1) التهذيب 2: 25، الحديث 70، و الوسائل 3: 92، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 7.

(2) تقدّم في الصفحة: 35- 36.

(3) الوسائل 3: 92، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

(4) انظر رجال الكشي 2: 670، الرقم 695. و رجال النجاشي: 314، الرقم:

860.

48

أحبّ الوقت إلى اللّه أوّله، حين يدخل وقت الصلاة فصلّ الفريضة، و إن لم تفعل فإنّك في وقت منهما حتّى تغرب الشمس» (1).

و في طريق الرواية موسى بن بكر الواسطي الواقفيّ الغير الموثّق.

حجّة من قال بامتداد وقت الاختيار إلى أن يصير الظلّ قدمين- أعني سبعي الشاخص-: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن وقت الظهر فقال: ذراع من زوال الشمس، و وقت العصر ذراع من وقت الظهر، فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس» (2).

و ما رواه حريز، عن الفضلاء، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام):

«وقت الظهر بعد الزوال قدمان، و وقت العصر بعد ذلك قدمان، و هذا أوّل وقت إلى أن يمضي أربعة أقدام للعصر» (3).

و بما دلّ على أنّ وقت الظهر قامة من زوال الشمس (4)، بناء على تفسير القامة بالذراع، كما في غير واحد من الأخبار (5).

____________

(1) التهذيب 2: 24، الحديث 69، و الوسائل 3: 113، الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث 12، و فيهما: «حتّى تغيب الشمس».

(2) التهذيب 2: 19، الحديث 55، و الوسائل 3: 103، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(3) التهذيب 2: 255، الحديث 1012، و الوسائل 3: 103، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

(4) الوسائل 3: 97، الباب 5 من أبواب المواقيت، الحديث 6، و 3: 105 و 108، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 12 و 29، و غيرها.

(5) الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الأحاديث 14- 16، و غيرها.

49

و الجواب: أمّا عن [رواية] [1] زرارة فبأنّ المراد منها: تأخير صلاة الظهر إلى الذراع لأجل النافلة، لا أنّ مجموع وقت الظهر ذراع، و يشهد بذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: «إنّ حائط مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان قامة، و كان إذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر، و إذا مضى من فيئه ذراعان صلّى العصر، ثمّ قال: أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟

قلت: لم جعل ذلك؟ قال: لمكان الفريضة [2]، فإنّ ذلك ان تتنفّل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفيء ذراعا، فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة و تركت النافلة» (3).

و بهذا المضمون أخبار كثيرة دالّة على تأخير الفريضة إلى الذراع (4).

و بمثل هذا يجاب عن رواية الفضلاء، و لو سلّم عدم ظهورها فيه فلا أقلّ من احتمالها له احتمالا مساويا، فيقع الإجمال، و لو سلّم ظهورها في

____________

[1] من المطبوعة، و محلها بياض في «ق» بمقدار كلمة، و قد نبّه ناسخ المطبوعة على ذلك في الهامش.

[2] كذا في النسختين، إلّا أنّه في المصادر الحديثيّة: «لمكان النافلة»، و قد أورد المؤلف (قدّس سرّه) هذه الرواية في الصفحة: 116، و كتب فوق كلمة «الفريضة»: «النافلة خ ل».

و في هامش التهذيب (2: 20) ما يلي: في المطبوعة و بعض المخطوطات:

«الفريضة»، و الصواب ما أثبتناه، و هو موافق لما في الفقيه.

____________

(3) التهذيب 2: 20، الحديث 55. و الوسائل 3: 103، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

(4) راجع الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الأحاديث 10 و 27 و 28 و غيرها.

50

امتداد الوقت إلى قدمين حملناها على بيان أوّل أوقات الفضيلة- كما سيجيء في أخبار المثل و المثلين- كما يشهد مكاتبة محمّد بن الفرج، قال: «كتبت إليه أسأله عن أوقات الصلاة؟ فأجاب: إذا زالت الشمس فصلّ سبحتك، و أحبّ أن يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين، ثمّ صلّ سبحتك، و أحبّ أن يكون فراغك من العصر و الشمس على أربعة أقدام» (1).

و أمّا عن أخبار القامة: فبأنّ حمل اقامة على الذراع ممّا لم يشهد به إلّا أخبار ضعيفة، فلا وجه لصرفها عن معناها اللغويّ و العرفيّ، مع أنّ بعض أخبار القادمة صريح في قامة الإنسان (2)، فإرجاع ما أطلق فيه القامة إلى ما فسّرت فيه بالذراع ليس بأولى من إرجاعه إلى ما فسّرت فيه بقامة الإنسان.

حجّة من قال بالامتداد إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء مثله روايات:

منها: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن أحمد بن عمر، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «سألته عن وقت الظهر و العصر، فقال: وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظلّ قامة، و وقت العصر قامة و نصف إلى قامتين» (3).

و منها: رواية يزيد بن خليفة، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال (عليه السلام): إذا لا يكذب علينا، قلت:

____________

(1) الوسائل 3: 109، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 31.

(2) راجع الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 13، 110 نفس الباب، الحديث 33.

(3) التهذيب 2: 19، الحديث 52. و الوسائل 3: 104، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 9.

51

ذكر أنّك قلت: إنّ أوّل صلاة افترضها اللّه تعالى على نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الظهر، فقال تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) فإذا زالت الشمس لم يمنعك إلّا سبحتك، ثمّ لا تزال في وقت الظهر إلى أن يصير الظلّ قامة و هو آخر وقت الظهر، فإذا صار الظلّ قامة دخل وقت العصر، فلم تزل في وقت العصر حتّى يصير الظلّ قامتين، و ذلك المساء، قال: صدق» (1).

و منها: صحيحة البزنطي، قال: «سألته عن وقت صلاة الظهر و العصر؟ فكتب: قامة للظهر و قامة للعصر» (2).

و منها: رواية محمد بن حكيم، قال: «سمعت العبد الصالح (عليه السلام) و هو يقول: أوّل وقت الظهر زوال الشمس، و آخر وقتها قامة من الزوال، و أوّل وقت العصر قامة، و آخر وقتها قامتان، قلت: في الشتاء و الصيف سواء؟

قال: نعم» (3).

و الجواب عن الجميع- بعد تسليم سلامة السند-: حملها على وقت الفضيلة، لاشتمال كلّ منها على ما يشهد بذلك.

أمّا الاولى: فلأنّ قوله (عليه السلام): «وقت العصر قامة و نصف إلى قامتين» محمول على وقت الفضيلة، لأنّه القابل للترتيب و التفاوت دون وقت الاختيار، فوجب حمل وقت الظهر فيها على الفضيلة قضيّة للمقابلة و حذرا عن التفكيك.

____________

(1) التهذيب 2: 20، الحديث 56. و الوسائل 3: 97، الباب 5 من أبواب المواقيت، الحديث 6، مع اختلاف يسير.

(2) الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 12.

(3) الوسائل 3: 108، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 29.

52

و أمّا الثانية: فلأنّ قوله (عليه السلام): «فإذا صار الظلّ قامة دخل وقت العصر» ليس المراد به وقت الإجزاء، لصحّة العصر قبل ذلك إجماعا، فتعيّن أن يكون المراد وقت فضيلة العصر، إمّا بناء على استحباب التفريق- كما هو مذهب جماعة- و إمّا بناء على أنّ المراد بوقت العصر: وقت فضيلتها المختصّة بها، بحيث لا يشاركها الظهر فيه في الفضيلة.

و على التقديرين، فمعنى الحديث حينئذ، هو: أنّه إذا صار الظلّ قامة فهذا آخر وقت فضيلة الظهر، و بعده يدخل وقت أصل فضيلة العصر بناء على استحباب التفريق، أو يدخل الوقت المختصّ بفضيلة العصر بحيث لا يشاركها الظهر و إن كان للعصر قبله أيضا فضيلة، بناء على عدم التفريق.

و مثل هذا الشاهد موجود أيضا في الروايتين الأخيرتين، لأنّ الوقت المحدود للعصر فيهما ليس وقتا للإجزاء قطعا، فتعيّن أن يكون للفضيلة، و مقتضى المقابلة حمل وقت الظهر أيضا على الفضيلة.

و لو سلّم عدم شهادة هذه الأمور في هذه الأخبار بإرادة وقت الفضيلة فلا أقلّ من تطرّق الوهن لأجل هذه الأمور في ظهور هذه الأخبار في إرادة وقت الاختيار. و قد عرفت غير مرّة أنّ الحقيقة المتعقبّة بما يصلح أن يكون صارفا لها لا دليل على اعتبارها، فيحصل لذلك إجمال بالنسبة إلى وقت الاختيار و الفضيلة، فلا يزاحم بها ما قدّمنا من الأخبار الدالّة على بقاء وقت الاختيار للمصلّي إلى آخر النهار.

ثمّ لو سلّم عدم الوهن و سلامة ظهورها، دار الأمر بين صرف هذه عن ظواهرها إلى الفضيلة و بين تقييد تلك الأخبار بما عدا المختار، فلو أغمض النظر عن موافقة الكتاب فلا دليل على ترجيح التقييد على التجوّز بقول مطلق، فيحصل التكافؤ و يرجع إلى الأصل و هو موافق

53

للمختار.

فإن قلت: حمل الوقت في هذه الأخبار على وقت الفضيلة دون الاختيار ممّا يأباه كثير من الأخبار، مثل قوله (عليه السلام)- في رواية عبد اللّه ابن سنان-: «لكلّ صلاة وقتان و أوّل الوقت أفضله، و ليس لأحد أن يجعل آخر الوقت وقتا إلّا في عذر من غير علّة» (1).

و قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان- أيضا-: «لكلّ صلاة وقتان، و أوّل الوقتين أفضلهما، و وقت صلاة الفجر حين ينشقّ الفجر إلى أن يتجلّل الصبح السماء، و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا، و لكنّه وقت لمن شغل أو نسي أو نام» (2).

و رواية أبي بصير، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اعلم أنّ لكل صلاة وقتين [1] أوّل و آخر، فأوّل الوقت رضوان اللّه، و أوسطه عفو اللّه، و آخره غفران اللّه، و أوّل الوقت أفضله، و ليس لأحد أن يتّخذ آخر الوقت وقتا، إنّما جعل آخر الوقت للمعتلّ و المريض و المسافر» (4).

إلى غير ذلك من الأخبار.

قلت: لا تصريح في هذه الأخبار بحرمة التأخير عن الوقت كما اعترف

____________

[1] كذا في النسختين، و لم نقف عليه بهذا اللفظ في كتب الحديث، و في الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام) (71) ما يلي: و نروى ان لكل صلاة ثلاثة أوقات، أول و أوسط و آخر ..

____________

(1) الوسائل 3: 89، الباب 3 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

(2) الوسائل 3: 151، الباب 26 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

(4) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 71.

54

به الشيخ في التهذيب (1)، بل ربّما يشعر قوله فيها: «و أوّل الوقت أفضله» بثبوت أصل الفضيلة للوقت الآخر، و لو فرض ظهورها فيها جاء فيها ما ذكرنا أخيرا في التفصّي عن أخبار القامة.

و ممّا يؤيّد إرادة وقت الفضيلة من الوقت الأوّل في هذه الأخبار:

ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن زرارة، قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

أصلحك اللّه، وقت كلّ صلاة، أوّل الوقت أفضل أو أوسطه أو آخره؟

فقال: أوّله، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ اللّه يحبّ من الخير ما يعجّل» (2).

فإنّ استشهاده بكلام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يدلّ على أنّ تقديم الصلاة في أوّل الوقت إنّما هو من باب تعجيل الخير، و لا شكّ في أنّه مستحبّ.

و نحوها رواية أخرى لزرارة- و الظاهر أنّها صحيحة- قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): و اعلم أنّ أوّل الوقت أبدا أفضل، فتعجّل الخير ما استطعت» (3).

و اعلم أنّه قد يستدلّ لهذا المطلب بموثقة زرارة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني، فلمّا أن كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال: إنّ زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أخبره فحرجت بذلك فاقرأه منّي السلام و قل له: إذا

____________

(1) التهذيب 2: 41، ذيل الحديث 132.

(2) التهذيب 2: 40، الحديث 127، و الوسائل 3: 89، الباب 3 من أبواب المواقيت، الحديث 12.

(3) الوسائل 3: 88، الباب 3 من أبواب المواقيت، الحديث 10.

55

كان ظلّك مثلك فصلّ الظهر، و إذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر» (1).

و في هذا الاستدلال ما لا يخفى، فإنّ الرواية لا تدلّ إلّا على الرخصة في الصلاة بعد المثل و المثلين في القيظ أعني شدّة الحرّ، و لا يستفاد منها أزيد من ذلك، فتأمّل.

و يمكن أن يراد بهذه الرواية أنّه إذا صار ظلّك مثلك تعيّن عليك الظهر و لا يجوز لك فعل نافلتها، و كذلك يتعيّن العصر إذا صار ظلّك مثليك.

حجّة من قال بامتداد الوقت للمختار إلى أن يصير الظلّ أربعة أقدام- و هي أربعة أسباع الشاخص-: ما رواه الشيخ عن إبراهيم الكرخيّ، قال:

«سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام): متى يدخل وقت الظهر؟ قال: إذا زالت الشمس، فقلت: متى يخرج وقتها؟ فقال: من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام، إنّ وقت الظهر ضيّق ليس كغيره، قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟

فقال: إنّ آخر وقت الظهر أوّل وقت العصر، قلت: فمتى يخرج وقت العصر؟ فقال: وقت العصر إلى أن تغرب الشمس، و ذلك من علّة و هو تضييع، فقلت له: لو أنّ رجلا صلّى الظهر من [1] بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام أ كان عندك غير مؤدّ لها؟ فقال: إن كان تعمّد ذلك ليخالف السنّة [و الوقت] [2] لم يقبل منه، كما لو أنّ رجلا أخّر العصر إلى قرب أن تغرب الشمس متعمّدا من غير علّة لم تقبل منه، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد وقّت للصلوات المفروضات أوقاتا و حدّ لها حدودا في

____________

[1] لم ترد في المصدر.

[2] من المصدر.

____________

(1) الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

56

سنّته للناس، فمن رغب عن سنّة من سننه الموجبات كان مثل من رغب عن فرائض اللّه تعالى» (1).

و ما رواه الشيخ عن الفضل بن يونس، قال: «سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) قلت: المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟

قال: إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلّي إلّا العصر، لأنّ وقت الظهر دخل عليها و هي في الدم و خرج الوقت و هي في الدم، فلم يجب عليها أن تصلّي الظهر، و ما طرح اللّه عنها من الصلاة و هي في الدم أكثر» (2).

و الجواب، أمّا عن الرواية الأولى: فبضعف السند بإبراهيم- و إن كان الراوي عنه الحسن بن محبوب- مع عدم صراحة دلالتها و لا ظهورها في المطلوب، نظرا إلى أنّ المراد بوقت العصر في قوله (عليه السلام): «آخر وقت الظهر أوّل وقت العصر» ليس هو وقت إجزائها إجماعا، فتعيّن أن يكون المراد وقت فضيلتها المختصّة بها، فيقوى بذلك احتمال كون المراد بخروج وقت الظهر بمضيّ أربعة أقدام: خروج وقت فضيلته أيضا، و ليس في ذيل الرواية ما ينافي هذا المعنى صريحا و إن توهّم منه في بادئ النظر كما لا يخفى.

و أمّا عن الرواية الثانية: فبضعفها أيضا بالفضل بن يونس، مع أنّها بظاهرها- من خروج وقت المعذور أيضا بمضيّ أربعة أقدام- ممّا لم يقل به

____________

(1) التهذيب 2: 26، الحديث 74. و الوسائل 3: 109، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 32.

(2) التهذيب 1: 389، الحديث 1199. و الوسائل 2: 598، الباب 49 من أبواب الحيض، الحديث 2.

57

غير الشيخ في التهذيب (1).

ثمّ لو فرض اعتبار سند الروايتين- و لو لأجل تقدّم ابن محبوب على إبراهيم و الفضل- كان حكم معارضتهما مع أخبار التوسعة ما ذكرنا في الجواب عن القولين السابقين.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا من أوّل المسألة: امتداد وقت إجزاء الظهر الى أن يبقى من الغروب مقدار أداء العصر، و أنّ الأفضل الإتيان بها قبل أن يصير ظلّ كلّ شيء مثله، و أفضل منه: الإتيان بها قبل مضيّ أربعة أقدام، و أفضل من هذين: الإتيان بها قبل أن يمضي قدمان.

____________

(1) راجع التهذيب 1: 391، ذيل الحديث 1207.

58

مسألة (4)

آخر وقت العصر: غروب الشمس، وفاقا للمحكيّ عن المرتضى (1) و ابن الجنيد (2)، و ابن زهرة (3) و ابن إدريس (4) و حكي عنهما الإجماع على ذلك (5)، و اختاره معظم المتأخّرين، بل كلّهم، عدا نادر من متأخّريهم، خلافا للآخرين فجعلوا وقتها للمختار أدون من ذلك و إن اختلفوا في تعيينه، بعد اتّفاقهم ظاهرا على امتداد الوقت لذوي الأعذار إلى الغروب، فمنهم من حدّه

____________

(1) الناصريات (الجوامع الفقهيّة): 229، المسألة: 72.

(2) حكاه عنه في المعتبر 2: 37.

(3) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494.

(4) السرائر 1: 195.

(5) حكاه عنهما السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 24 و غيره، و انظر الغنية (الجوامع الفقهيّة): 494، و السرائر 1: 197 و 200.

59

باصفرار الشمس للغروب، و هو المحكيّ عن المفيد (1)، و منهم من حدّه بصيرورة ظلّ كلّ شيء مثليه، و هو المحكيّ عن الشيخ في المبسوط (2) و القاضي (3) و الحلبيّ (4) و سلّار (5) و ابن حمزة (6)، و منهم من حدّه بمضيّ ذراعين، و هو المحكيّ عن العماني (7).

لنا- مضافا إلى الأصل: ما تقدّم من الأخبار في الظهر (8).

حجّة المفيد: ما رواه في التهذيب عن أبي بصير، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الموتور أهله و ماله من ضيّع صلاة العصر، قلت:

و ما الموتور؟ قال: لا يكون له أهل و لا مال في الجنّة، قلت: و ما تضييعها؟

قال: يدعها حتّى تصفرّ أو تغيب الشمس» (9).

و قول أبي الحسن (عليه السلام)- في رواية إبراهيم الكرخيّ المتقدّمة (10)-:

«وقت العصر إلى أن تغرب الشمس و ذلك من علّة و هو تضييع»، و قوله في

____________

(1) المقنعة: 93.

(2) المبسوط 1: 72.

(3) المهذب 1: 69.

(4) الكافي في الفقه: 137.

(5) لم نقف عليه في المراسم، و قال العلّامة في المختلف 2: 19: و هو الظاهر من كلام سلّار.

(6) الوسيلة: 82.

(7) حكاه في المختلف 2: 19.

(8) انظر الصفحة: 35 و ما بعدها.

(9) التهذيب 2: 256، الحديث 1018، و الوسائل 3: 111، الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل، و فيهما: «و تغيب».

(10) في الصفحة: 55.

60

ذيلها: «لو أنّ رجلا أخّر العصر إلى قرب أن تغرب الشمس متعمّدا من غير علّة لم تقبل منه» (1).

و الجواب عن الاولى- بعد فرض سلامة السند-: أنّها لا تفيد سوى الكراهة، و عن الثانية- بعد فرض سلامة سندها-: أنّ المراد بعدم القبول ليس عدم الإجزاء، لسقوط الأمر و القضاء بفعلها حينئذ إجماعا، فلا بدّ من حمله على عدم الكمال، و هو مسلّم و لا يضرّنا.

و حجّة الشيخ و أتباعه: ما تقدّم مع جوابه في المسألة السابقة (2) من الأخبار الدالّة على امتداد الوقت إلى القامة و القامتين.

و حجّة العمانيّ: ما تقدّم مع جوابه (3) في حجّة القول بامتداد وقت الظهر إلى الذراع و القدمين، و ما رواه الشيخ عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «العصر على ذراعين، فمن تركها حتّى تصير على ستّة أقدام فهو المضيّع» (4).

و الجواب عن ذلك- بعد عدم صحّة السند-: ما مرّ من استفاضة الأخبار، بل تواترها من فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العصر بعد ما مضى من فيء الجدار ذراعان (5)، فلا بدّ من حمل الرواية على تأكّد استحباب المبادرة

____________

(1) التهذيب 2: 26، الحديث 74، و الوسائل 3: 109، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 32.

(2) راجع الصفحة: 50 و ما بعدها.

(3) في الصفحة: 48 و ما بعدها.

(4) التهذيب 2: 256، الحديث 1016، و الوسائل 3: 111، الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث 2 و فيهما: «فذلك المضيّع».

(5) راجع الوسائل 3: 102، الباب 8 من أبواب المواقيت، الأحاديث 3 و 4 و 7 و 10 و 28 و غيرها.

61

إليها بعد الذراعين و أنّ لا تترك إلى ستّة أقدام.

و ممّا يقرّب إرادة وقت الفضيلة من هذه الرواية و أمثالها- الواردة في تحديد وقت الظهرين بما دون الغروب- شدّة اختلافها، بحيث لا تنتظم إلّا بالحمل على اختلاف مراتب الفضيلة.

و تلخّص ممّا ذكرنا: امتداد وقت الاختيار للعصر إلى الغروب، و أنّ الأفضل فعلها قبل اصفرار الشمس، و أفضل من ذلك: فعلها قبل أن يصير ظلّ كلّ شيء من مثليه، و أفضل من هذين: فعلها قبل أن يمضي أربعة أقدام.

و اعلم، أنّ ظاهر كثير من الأخبار: استحباب تأخير الظهر عن أوّل الزوال و تأخير العصر عن الظهر، و إن اختلفت في تحديد مقدار التأخير فيهما.

فمنها: ما دلّ على تحديده بالذراع و الذراعين و القدمين و أربعة أقدام، كصحيحة زرارة و الفضلاء المتقدّمتين في حجّة من قال بامتداد وقت الظهر إلى القدمين (1)، و الأخبار المستفيضة الحاكية لفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنّه كان يصلّي الظهر إذا صار فيء الجدار ذراعا، و العصر إذا صار فيئه ذراعين (2)، و رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن وقت الظهر، فقال: إذا كان الفيء ذراعا» (3) و نحوها رواية زرارة عن

____________

(1) راجع الصفحة: 48.

(2) راجع الوسائل 3: 103، الباب 8 من أبواب المواقيت، الأحاديث 3 و 4 و 7 و 10 و 27 و 28 و غيرها.

(3) الوسائل 3: 106، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 18، باختلاف يسير.

62

أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «وقت الظهر على ذراع» (1).

إلى غير ذلك من الأخبار.

و منها: ما دلّ على تحديده بالمثل و المثلين، كرواية عمر بن سعيد بن هلال المتقدّمة (2): «إذا كان ظلّك مثلك فصلّ الظهر، و إذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر» (3).

و منها: ما دلّ على تحديد وقت الظهر بقدم و نحوه، كرواية سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن وقت الظهر أ هو إذا زالت الشمس؟ فقال: بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلّا في السفر أو يوم الجمعة، فإنّ وقتها: إذا زالت» (4) و مثلها رواية [1] إسماعيل بن عبد الخالق (6).

و منها: ما دلّ على استحباب أن يكون الفراغ من الظهر و نافلتها و الشمس على قدمين، و أن يكون الفراغ من العصر و نافلتها و الشمس على أربعة أقدام، كمكاتبة محمّد بن الفرج المتقدّمة (7).

و منها: ما دلّ على تحديد مقدار تأخير الظهر عن الزوال، و مقدار تأخير العصر عن الظهر، بفعل نافلة كلّ من الفرضين- طال أو قصر- و هي كثيرة:

____________

[5] في «ق» كتب فوق كلمة «رواية»: «صحيحة».

____________

(1) الوسائل 3: 106، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 19.

(2) تقدّمت في الصفحة: 54.

(3) الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

(4) الوسائل 3: 106، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 17.

(6) الوسائل 3: 105، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 11.

(7) تقدّمت في الصفحة: 50.

63

منها: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن حمّاد، عن عيسى بن أبي منصور، قال: «قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا زالت الشمس فصلّيت سبحتك فقد دخل وقت الظهر» (1). و المراد وقت الفضيلة قطعا.

و ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن محمّد بن أحمد بن يحيى، قال:

«كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام): روي عن آبائك: القدم، و القدمين، و الأربعة، و القامة، و القامتين، و ظلّ مثلك، و الذراع، و الذراعين؟

فكتب (عليه السلام): لا القدم و لا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين و بين يديها سبحة و هي ثمان ركعات، فإن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ الظهر، فإذا فرغت كان بين الظهر و العصر سبحة، و هي ثمان ركعات إن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت، ثمّ صلّ العصر» (2).

و ما رواه عن عمر بن حنظلة، قال: «كنت أقيس الشمس عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: يا عمر ألا أنبّئك بأبين من هذا؟ قلت: بلى، جعلت فداك، قال: إذا زالت الشمس فقد وقع وقت الظهر، إلّا أنّ بين يديها سبحة، و ذلك إليك، فإن أنت خفّفت فحين تفرغ من سبحتك و إن طوّلت فحين تفرغ من سبحتك» (3).

إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) التهذيب 2: 21، الحديث 60 و الوسائل 3: 97، الباب 98 من أبواب المواقيت، الحديث 8.

(2) التهذيب 2: 249، الحديث 990 و الوسائل 3: 98، الباب 5 من الأبواب، الحديث 13.

(3) التهذيب 2: 246، الحديث 977 و الوسائل 3: 98، الباب 5 من الأبواب، الحديث 9.

64

و الذي يقتضيه النظر- في هذا المقام- أن يقال: إنّه لمّا ثبت- بالدليل العقليّ و النقليّ- استحباب المبادرة بالعبادة المأمور بها في أوّل الوقت، و ثبت أيضا- بالإجماع، بل الضرورة- استحباب النافلة قبل الفرضين، اقتضى الجمع بينهما استحباب التأخير بمقدار أداء النافلة، كما صرّح به في الأخبار الأخيرة، و لا دليل على استحباب تأخير الظهر من الزوال أو تأخير العصر من الظهر إلى غاية و لو فرغ من النافلة قبلها، عدا ما يتراءى من الأخبار السابقة و غيرها ممّا يظهر منه استحباب التفريق بين الظهرين، و ليس في شيء منها تصريح باستحباب تأخيرهما حتّى عن وقت إجزائهما بغير مقدار أداء النافلة، كما يظهر بالتأمّل فيها.

و ممّا صرّح فيه بأنّ استحباب التأخير عن أوّل وقت الإجزاء إنّما هو لأجل النافلة، مضافا إلى ذيل صحيحة زرارة المتقدّمة (1) الحاكية لفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الظهر بعد الذراع، و العصر بعد الذراعين-:

ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «صلاة المسافر حين تزول الشمس، لأنّه ليس قبلها في السفر صلاة، و إن شاء أخّرها إلى وقت الظهر في الحضر، غير أنّ أفضل ذلك أن يصلّيها في أوّل وقتها حين تزول الشمس» (2).

و من هذه الرواية يظهر أنّ استثناء يوم الجمعة و السفر من تحديد وقت الظهر بالقدم و نحوه- في روايتي سعيد الأعرج و إسماعيل بن عبد الخالق

____________

(1) في الصفحة: 49.

(2) الوسائل 3: 99، الباب 6 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

65

المتقدّمتين (1)- ليس إلّا لأجل عدم ثبوت نافلة الزوال في يوم الجمعة و السفر، و أنّ التحديد بالقدم و نحوه تخمين لأجل النافلة.

و ممّا يدلّ على عدم ثبوت التفريق- مضافا إلى ما تقدّم-: صحيحة زرارة، قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): بين الظهر و العصر حدّ معروف؟

قال: لا» (2).

دلّت بظاهرها على عدم ثبوت حدّ معروف بين الظهرين لا وجوبا و لا استحبابا.

و في تقييد الحدّ بالمعروف إيماء لطيف إلى علم زرارة بثبوت حدّ غير مضبوط بينهما، و هو مقدار أداء نافلة العصر.

أمّا الأخبار الحاكية لتأخير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الظهر إلى الذراع و العصر إلى الذراعين (3): فلا تدلّ إلّا على التأخير، و يحتمل أن يكون لأجل انتظار حضور الناس أو فراغهم من النافلة، أو لتطويله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نافلته إلى الذراع و الذراعين، أو لبيان جواز التأخير.

و أمّا روايتا يعقوب و زرارة و أمثالهما: فلقوّة احتمال أن يكون المراد بوقت الظهر فيها: الوقت المختصّ بها الغير الصالح لنافلتها، كما يرشد قوله (عليه السلام) في رواية إسماعيل الجعفي: «و إنّما جعل الذراع لئلّا يكون تطوّع في وقت فريضة» (4).

____________

(1) تقدّمنا في الصفحة: 62.

(2) الوسائل 3: 92، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

(3) راجع الوسائل 3: 102، الباب 8 من أبواب المواقيت، الأحاديث 3 و 4 و 7 و 10 و 27 و غيرها.

(4) الوسائل 3: 108، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 28.

66

و كذا القول في إطلاق وقت العصر على ما بعد الذراعين في الأخبار، مع احتمال آخر فيه، و هو: أن يكون المراد بوقت العصر الوقت المختصّ به من حيث الفضيلة بحيث لا تشاركها الظهر حينئذ في الفضيلة.

و به يذبّ في هذا المقام عمّا دلّ على أنّ أوّل وقت العصر آخر وقت الظهر- كما في رواية إبراهيم الكرخيّ المتقدّمة (1)-، أو أنّ أوّل وقت العصر قامة- كما في روايتي يزيد بن خليفة و محمّد بن حكيم المتقدّمتين (2)- و لا يستفاد منها استحباب التأخير إلى هذا المقدار.

و أمّا رواية عمر بن سعيد بن هلال: فقد عرفت (3) أنّها لا تدلّ إلّا على التأخير في شدّة الحرّ، فتأمّل.

و يمكن أن يكون المراد منها: أنّه إذا كان ظلّك مثلك فيتعيّن عليك الظهر، بمعنى: أنّه لا يجوز النافلة، و كذلك يتعيّن العصر إذا صار ظلّك مثليك.

و أمّا ما دلّ على التحديد بالقدم و نحوه: فالظاهر أنّه تخمين لأجل النافلة، كما يدلّ عليه استثناء يوم الجمعة و السفر.

نعم، في كثير من الأخبار ظهور تامّ في استحباب تأخير العصر عن وقت إجزائها لا لأجل النافلة، بحيث لا يحتمل شيئا ممّا ذكر من [التوجيهات] [1].

____________

[1] من مصححة «ط»، و الكلمة غير واضحة في «ف».

____________

(1) المتقدّمة في الصفحة: 55.

(2) تقدّمتا في الصفحة: 50 و 51.

(3) في الصفحة: 55.

67

منها: ما رواه الشيخ في التهذيب- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المستحاضة تنظر أيّامها فلا تصلّي، و لا يقربها بعلها، فإذا جازت أيّامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر، تؤخّر هذه و تعجّل هذه، و للمغرب و العشاء الآخرة غسلا تؤخّر هذه و تعجّل هذه، و اغتسلت للصبح .. الخبر» (1)، فإنّ الحكم يرجحان تأخير الظهر و تعجيل العصر ليس إلّا لإدراك فضيلتهما، فلو لم يكن أوّل وقت فضيلة العصر آخر وقت فضيلة الظهر لم يكن معنى لتفويت رجحان المسارعة إلى الظهر على المصلّي بالأمر بتأخيرها [....] [1] العشاء لا ذهاب الشفق اتفاقي.

و منها: ما رواه عن حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا كان الرجل ينظر منه البول و الدم، إذا كان حين الصلاة اتّخذ كيسا و جعل فيه قطنا ثمّ علّقه عليه و أدخل ذكره فيه، ثمّ صلّى يجمع بين الصلاتين، يؤخّر الظهر و يعجّل العصر بأذان و إقامتين، و يؤخّر المغرب و يعجّل العشاء بأذان و إقامتين، و يفعل ذلك في الصبح» (3).

____________

[1] في هامش «ق» مقدار من الكتابة لا يمكن قراءة سوى كلمات أوائل السطور، و هي: «و كذا .. و تعجيل .. رجحان ..» و كتب ناسخ المطبوعة في الهامش- هنا- ما يلي: «هنا في الأصل أسطر في الهامش قد سقط قريب من نصفه، و لا يمكن نقله، و هو متعلّق بالتكلّم في الرواية».

____________

(1) التهذيب 1: 170، الحديث 484، و الوسائل 2: 604، الباب الأوّل من أبواب الاستحاضة، الحديث الأوّل.

(3) التهذيب 1: 348، الحديث 1021، و الوسائل 1: 210، الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث الأوّل.

68

و التقريب فيها ما تقدّم في الصحيحة السابقة عليه.

و منها: مرفوعة أحمد بن محمّد بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ الشمس إذا طلعت كان الفيء طويلا ثمّ لا يزال ينقص حتّى تزول، فإذا زالت زادت، فإذا استبنت الزيادة فصلّ الظهر، ثمّ تمهّل قدر ذراع فصلّ العصر» (1).

و منها: رواية زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أصوم فلا أقبل حتّى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس صلّيت نوافلي ثمّ صلّيت الظهر ثمّ صلّيت نوافلي ثمّ صلّيت العصر ثمّ نمت و ذلك قبل أن يصلّي الناس، قال: يا زرارة إذا زالت الشمس دخل الوقت، و لكنّي أكره لك أن تتّخذه وقتا دائما» (2).

و يمكن التفصّي عن الصحيحتين الأوليين بالحمل على صورة رجاء انقطاع الاستحاضة و السلس في وقت يتمكّن المكلّف من الإتيان بهما في وقت فضيلتهما، و عن الثالثة بضعف السند، و عن الرابعة- مضافا إلى ضعف السند- بالحمل على التقيّة، لاشتهار استحباب تأخير العصر بين الطائفة الغويّة، كما يشعر به قوله (عليه السلام): «أكره لك».

ثمّ غاية الأمر: وقوع التكافؤ بينها و بين ما تقدّم من الأخبار الدالّة على عدم ثبوت حدّ معروف بين الظهرين، و أنّ الحدّ بينهما ليس أزيد من

____________

(1) التهذيب 2: 27، الحديث 75، و الوسائل 3: 119، الباب 11 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل.

(2) التهذيب 2: 247، الحديث 981، و الوسائل 3: 98، الباب 5 من أبواب المواقيت، الحديث 10.

69

مقدار نافلة العصر، تمّمت أو قصّرت، فيجب التساقط و الرجوع إلى عموم ما دلّ من العقل و النقل على رجحان المسارعة إلى الخير و تعجيله و إبراء الذمّة عن الفرض الكذائي، كما يرشد قوله (عليه السلام): «إذا دخل الوقت فصلّهما فإنّك لا تدري ما يكون» (1)، بل يمكن أن يستدلّ على استحباب الجمع بين الظهرين بالخصوص برواية عبّاس الناقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) [1]:

____________

[1] هنا بياض في النسختين، و هو في «ق» أكثر من نصف صفحة، و رواية عباس الناقد- كما في الوسائل 3: 162، الباب 32 من أبواب المواقيت، الحديث 9- ما يلي:

«قال: تفرق ما كان في يدي و تفرق عني حرفائي، فشكوت ذلك إلى أبي محمّد (عليه السلام)، فقال لي: اجمع بين الصلاتين الظهر و العصر ترى ما تحبّ».

____________

(1) الوسائل 3: 87، الباب 3 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

70

مسألة (5)

لا خلاف ظاهرا- كما في كلام جماعة (1) و عن آخرين (2)- في أنّ أوّل وقت صلاة المغرب: غروب الشمس، و إنّما الخلاف فيما يتحقّق به الغروب، و الأظهر- المعزى إلى الأكثر (3) ممّن تقدّم و تأخّر-: أنّه إنّما يعلم بزوال الحمرة المشرقيّة، و إن اختلف ظواهر عباراتهم في كفاية ذلك أو اعتبار جواز الحمرة عن قمّة الرأس إلى ناحية المغرب، و قيل: إنّه عبارة عن غيبوبة القرص عن العين في الأفق مع عدم الحائل، و هو المحكيّ عن الشيخ في

____________

(1) منهم السبزواري في الذخيرة: 191، و البحراني في الحدائق 6: 163، و لم نعثر عليه بعينه في غيرهما، نعم يوجد التعبير بالإجماع و الاتفاق، و في الجواهر 7:

106، بل هو من ضروريات الدين.

(2) انظر مفتاح الكرامة 2: 25.

(3) كما في جامع المقاصد 2: 17، و المدارك 3: 50، و غيرهما.

71

المبسوط (1) و السيّد (2) و الإسكافي (3) و الصدوق (4).

لنا على ما اخترناه- مضافا إلى الأصل-: ما رواه ثقة الإسلام في الكافي، و الشيخ في التهذيب في كتاب الصوم، عن ابن أبي عمير عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار أن تقوم بحذاء القبلة و تتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمّة الرأس إلى المغرب فقد وجب الإفطار» (5).

و ليس في سنده إلّا سهل بن زياد الآدميّ، و أمره سهل بعد توثيق الشيخ (6) إيّاه و إكثار المشايخ الرواية عنه، و لا يضرّ أيضا إرساله، لما اشتهر من أنّ مراسيل ابن أبي عمير في حكم المسندات، فتأمّل، و لاشتهار مضمونها بين الأصحاب، فقد حكي عن المحقّق في المعتبر (7) أنّ عليه عمل الأصحاب، و هو مشعر بدعوى الإجماع.

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب- يعني من المشرق- فقد

____________

(1) المبسوط 1: 74.

(2) حكاه السبزواري في الذخيرة 191 و غيره، و انظر رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الاولى): 274.

(3) المختلف 2: 39.

(4) الهداية (الجوامع الفقهيّة): 51، و علل الشرائع: 350.

(5) الكافي 4: 100، باب وقت الإفطار الحديث الأوّل، و التهذيب 4: 185، الحديث 516، و الوسائل 7: 89، الباب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

(6) رجال الشيخ الطوسي: 416 (أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام)).

(7) المعتبر 2: 51.

72

غابت الشمس من شرق الأرض و غربها» (1).

و ليس في السند سوى القاسم بن عروة، و لا يقدح بعد كون الراوي عنه ابن أبي عمير، بل و البزنطيّ أيضا في بعض الروايات على الظاهر.

و لعلّه لهذا وصف في المختلف هذه الرواية بالصحّة (2)، و أراد أنّها في حكم الصحيح، و إلّا فلا أعرف له وجها.

و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن بكر بن محمّد عن أبي الحسن الأوّل (3) (عليه السلام) حين سئل عن وقت المغرب؟ قال: «إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه لإبراهيم (عليه السلام) (فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً) فهذا أوّل الوقت» (4).

وجه الدلالة: أنّ المشار إليه ب«هذا» هو زمان جنان الليل الذي رأى فيه إبراهيم (عليه السلام) كوكبا، و لا يخفى أنّ جنان الليل عليه: ستره بظلمته، و لا يتحقّق إلّا إذا ذهبت الحمرة إلى جانب المغرب.

و قد يتوهّم دلالة هذا الصحيح على خلاف المطلب، نظرا إلى أنّ الكوكب يرى قبل ذهاب الحمرة، سيّما «زهرة»، بناء على ما اشتهر من أنّها التي رآها إبراهيم (عليه السلام).

وجه التوهّم: أنّ رؤية إبراهيم (عليه السلام) للكوكب إنّما وقع عند ما جنّ

____________

(1) التهذيب 2: 29، الحديث 84، و الوسائل 3: 128، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 7.

(2) المختلف 2: 40.

(3) كذا في النسختين، و في المصادر: «عن أبي عبد اللّه».

(4) الفقيه 1: 219، الحديث 657، و الوسائل 3: 127، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 6، و الآية من سورة الأنعام: 76.

73

عليه الليل كما هو صريح الآية، فهذا الزمان هو المشار إليه بقوله (عليه السلام) «فهذا أوّل الوقت»، فكأنّه (عليه السلام) قال: زمان رؤية إبراهيم (عليه السلام) للكوكب هو أوّل الوقت، لا أنّ مطلق زمان رؤية الكوكب هو أوّل الوقت، مع أن رؤية الكوكب لغير من يدقّق النظر من متعارف أوساط الناس لا يتحقّق إلّا بعد ذهاب الحمرة.

و ما رواه عن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّما أمرت أبا الخطّاب أن يصلّي المغرب حين زالت الحمرة [من مطلع الشمس] (1) فجعل هو الحمرة من قبل المغرب» (2).

و في معنى هذه الأخبار أخبار كثيرة، كرواية ابن أشيم المرويّة في التهذيب في هذا الباب (3)، و رواية يعقوب بن شعيب (4)، و الروايات الواردة في الإفاضة من عرفات (5) المحدودة إجماعا على الظاهر بغروب الشمس، و الرضويّ (6)، و فيه الدليل على [أنَّ] غروب الشمس ذهاب الحمرة عن جانب المشرق.

____________

(1) من المصدر.

(2) الوسائل 3: 128، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 10.

(3) التهذيب 2: 29، الحديث 83، و الوسائل 3: 126، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

(4) التهذيب 2: 258، الحديث 1030، و الوسائل 3: 129، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 13.

(5) راجع الوسائل 10: 29، الباب 22 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة.

(6) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 104، و فيه: و الدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق.

74

ثمّ إنّ هذه الأخبار و إن دلّ بعضها على كفاية مجرّد زوال الحمرة عن المشرق و إن لم تجز عن قمّة الرأس، إلّا أنّه مقيّد بما دلّ على اعتبار جوازها عنها- كما عرفت من رواية سهل، بل صحيحة بكر بن محمّد- حيث إنّ جنان الليل لا يتحقّق إلّا بعد جواز الحمرة عن قمّة الرأس، فظهر بذلك ضعف ما ربّما يظهر من بعض من كفاية زوال الحمرة عن المشرق لإطلاق بعض الأخبار المتقدّمة.

حجّة القول الثاني: الأخبار القريبة من التواتر الدالّة على أنّ وقت المغرب غروب الشمس أو سقوط القرص، المتحقّق لغة و عرفا بسقوط قرصها و غيبوبتها عن الأفق الحسّي، كما صرّح به في مرسلة عليّ بن الحكم، عن أحدهما: «أنّه سئل عن وقت المغرب؟ فقال: إذا غاب كرسيّها، قلت:

و ما كرسيّها؟ قال: قرصها، قلت: متى تغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليها فلم تره» (1).

و يؤيّدها رواية سماعة، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في المغرب:

إنّا ربّما صلّينا، و نحن نخاف أن تكون الشمس باقية خلف الجبل أو قد سترها منّا الجبل، فقال: ليس عليك صعود الجبل» (2).

و رواية زيد الشّحام، قال: «صعدت مرّة جبل أبي قبيس و الناس يصلّون المغرب (3) فرأيت الشمس لم تغب، إنّما توارت خلف الجبل عن

____________

(1) الوسائل 3: 132، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 25.

(2) الوسائل 3: 144، الباب 20 من أبواب المواقيت، الحديث الأوّل، مع اختلاف يسير.

(3) في «ق» فوق كلمة «يصلّون»: «في صلاة».