كتاب الطهارة (للشيخ الأنصاري) - ج5

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
383 /
9

[تتمة شرح كتاب الطهارة من الإرشاد]

[النظر الرابع في أسباب التيمّم و كيفيّته]

( «النظر الرابع (1) «في أسباب التيمّم و كيفيّته يجب التيمّم لما تجب له الطهارتان، و إنّما يجب عند فقد الماء، أو تعذّر استعماله للمرض أو البرد أو الشين، أو خوف العطش أو اللصّ أو السبع أو ضياع المال، أو عدم الآلة، أو عدم الثمن.

و لو وجده و خاف الضرر بدفعه جاز التيمّم. و لو وجده بثمنٍ لا يضرّه في الحال، وجب الشراء و إن زاد عن ثمن المثل على إشكال، و كذا الآلة.

و لو فقده وجب الطلب غلوة سهمٍ في الحزنة من كلّ جانب، و سهمين في السهلة.

و لو وجد ماءً لا يكفيه للطهارة تيمّم، و لو وجد ما يكفيه لإزالة النجاسة خاصّة أزالها و تيمّم.

و لا يصحّ إلّا بالأرض، كالتراب و أرض النورة و الجص و تراب القبر و المستعمل.

____________

(1) هذا النظر و النظر الخامس الذي يليه من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلف (قدّس سرّه) لهما، إلّا أنّا وجدنا ورقتين من المؤلف في بحث التيمّم، و هو شرح لكتاب الدروس، جعلناه في ملحق في آخر هذا المجلّد.

10

و لا يصحّ بالمعادن و الرماد و الأُشنان و الدقيق و المغصوب و النجس.

و يجوز بالوَحَل مع عدم التراب، و بالحجر معه. و يكره بالسبخة و الرمل.

و لو فقده تيمّم بغبار ثوبه و لِبْد سرجه و عُرْف دابّته.

و الأولى تأخيره إلى آخر وقت الصلاة إلّا لعارضٍ لا يرجى زواله.

و يجب فيه النيّة للفعل لوجوبه أو ندبه متقرّباً، و لا يجوز رفع الحدث، و يجوز الاستباحة مستدامة الحكم.

ثمّ يضرب يديه على التراب، ثمّ يمسح بهما جبهته من القصاص إلى طرف الأنف الأعلى، ثم يمسح ظهر كفّه اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع ببطن اليسرى، ثم ظهر اليسرى ببطن اليمنى.

و إن كان التيمّم بدلًا من الغسل ضرب للوجه ضربةً و لليدين اخرى.

و يجب الترتيب و الاستيعاب، و لا يشترط فيه و لا في الوضوء طهارة غير محلّ الفرض من العينيّة.

و لو أخلّ بالطلب ثمّ وجد الماء مع أصحابه أو في رحله أعاد.

و لو عدم الماء و التراب سقطت أداءً و قضاءً.

و ينقضه كلّ نواقض الطهارة، و يزيد وجود الماء مع تمكّنه من استعماله، فإن وجده قبل دخوله تطهّر، و إن وجده و قد تلبّس بالتكبيرة أتمّ.

و يستباح به كلّ ما يستباح بالمائيّة، و لا يعيد ما صلّى به.

و يخصّ الجنب بالماء المباح أو المبذول، و يتيمّم المحدث و الميّت.

و لو أحدث المجنب المتيمّم أعاد بدلًا من الغسل و إن كان أصغر.

و يجوز التيمّم مع وجود الماء للجنازة، و لا يدخل به في غيرها.)

11

النظر الخامس في ما به تحصل الطهارة

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

( «النظر الخامس «في ما به تحصل الطهارة أمّا الترابيّة فقد بيّناها، و أما المائيّة فبالماء المطلق لا غير، و كذا إزالة النجاسة.

و المطلق: ما يصدق عليه إطلاق الاسم من غير قيد، و المضاف بخلافه، و هما في الأصل طاهران، فإن لاقتهما نجاسة فأقسامهما أربعة:

الأوّل: المضاف كالمعتصر من الأجسام كماء الورد، و الممتزج بها مزجاً يسلبه الإطلاق كالمرق و هو ينجس بكلّ ما يقع فيه من النجاسة، قليلًا كان أو كثيراً.

الثاني: الجاري من المطلق، و لا ينجس إلّا بتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، فإن تغيّر نجس المتغيِّر خاصّة، و يطهر بتدافع الماء الطاهر عليه حتّى يزول التغيّر. و ماء الحمّام إذا كان له مادّةٌ من كرٍّ فصاعداً و ماء الغيث حال تقاطره كالجاري.

الثالث: الواقف كمياه الحياض و الأواني و الغدران:

إن كان قدرها كرّاً و هو ألف و مائتا رطل بالعراقي، أو ما حواه ثلاثة أشبار و نصف طولًا في عرض في عمق بشبر مستوي الخلقة لم ينجس إلّا بتغيّر أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، فإن تغيّر نجس أجمع إن كان كرّاً، و يطهر بإلقاء كرٍّ عليه

14

دفعةً فكرّ حتى يزول التغيّر.

و إن كان أكثر فالمتغيّر خاصّة إن كان الباقي كرّاً، و يطهر بإلقاء كرٍّ عليه دفعةً فكرّ حتى يزول التغيّر، أو بتموّجه حتى يستهلكه الطاهر.

و إن كان أقلّ من كرّ نجس بجميع ما يلاقيه من النجاسة و إن لم يتغيّر بالنجاسة وصفه، و يطهر بإلقاء كرٍّ طاهر عليه دفعة.

الرابع: ماء البئر إن تغيّر بالنجاسة نجس، و يطهر بالنزح حتّى يزول التغيّر، و إن لم يتغيّر لم ينجس.

و أكثر أصحابنا حكموا بالنجاسة، و أوجبوا:

نزح الجميع في موت البعير، و وقع المني، و دم الحيض و الاستحاضة و النفاس، و المسكر، و الفقّاع، فإن تعذّر لكثرته تراوح أربعة رجال يوماً.

و نزح كرٍّ في موت الحمار و البقرة و شبههما.

و نزح سبعين دلواً من دلاء العادة في موت الإنسان.

و خمسين في العذرة الذائبة، و الدم الكثير غير الدماء الثلاثة كذبح الشاة.

و أربعين في موت السنَّور و الكلب و الخنزير و الثعلب و الأرنب، و بول الرجل، و وقوع نجاسة لم يرد فيها نصّ، و قيل: الجميع.

و ثلاثين في وقوع ماء المطر مخالطاً للبول أو العذرة، و خرء الكلاب.

و عشر في العذرة اليابسة، و الدم القليل غير الثلاثة كذبح الطير و الرعاف اليسير.

و سبع في موت الطير كالنعامة و الحمامة و ما بينهما، و الفأرة إذا تفسّخت أو انتفخت، و بول الصبي، و اغتسال الجنب الخالي من نجاسة عينيّة، و خروج الكلب حيّاً.

و خمس في ذرق الدجاج.

15

و ثلاث في موت الحيّة و الفأرة.

و دلو في العصفور و شبهه، و بول الرضيع الذي لم يغتذ بالطعام.

و كلّ ذلك عندي مستحب.)

16

[تتمة]

( «تتمّة لا يجوز استعمال الماء النجس في الطهارة مطلقاً، و لا في الأكل و الشرب اختياراً، و لو اشتبه النجس من الإناءين اجتنبا و تيمّم.

و يستحب تباعد البئر عن البالوعة بسبع أذرع إن كانت الأرض سهلة و كانت البالوعة فوقها، و إلّا فخمس.

و أسآر الحيوان كلّها طاهرة، عدا الكلب و الخنزير و الكافر و الناصب.

و المستعمل في رفع الحدث طاهرٌ مطهِّر، و في رفع الخبث نجس، سواء تغير بالنجاسة أو لا، إلّا ماء الاستنجاء فإنّه طاهر، ما لم يتغيّر بالنجاسة أو يقع على نجاسة خارجة.

و غسالة الحمّام نجسة، ما لم يعلم خلوّها من النجاسة.

و تكره الطهارة بالمسخَّن بالشمس في الأواني، و المسخَّن بالنار في غسل الأموات، و سؤر الجلّال، و آكل الجِيَف، و الحائض المتّهمة، و البغال، و الحمير، و الفأرة، و الحيّة، و ما مات فيه الوزغ و العقرب.)

17

النظر السادس في ما يتبع الطهارة

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الطهارات الثلاث، و أنّ استعمالها في إزالة النجاسة مجاز، فيكون ذكر النجاسات و بيان وجوب إزالتها في الموارد المخصوصة، من التوابع.

و قد تقدّم (1) أنّ التحقيق: أنّ الطهارة قد يطلق اسم مصدر، فيكون المراد منه عند الفقهاء: إحدى الطهارات، و قد يطلق على صفة حقيقيّة أو اعتباريّة في المكلّف، و هي: الحالة الحاصلة عقيب إحدى تلك الثلاث، و يقابلها بهذا المعنى الحدث، و قد يطلق على صفة حقيقيّة أو اعتباريّة في الأجسام، و يقابلها بهذا المعنى: النجاسة، فهي النظافة و الخلوّ عن النجاسة.

و النجاسة لغةً: القذارة، و شرعاً قذارة خاصّة في نظر الشارع مجهولة الكنه، اقتضت إيجاب هجرها في أُمورٍ مخصوصة، فكلّ جسم خلا عن تلك القذارة في نظر الشارع فهو طاهر نظيف.

____________

(1) لم نقف عليه.

20

و يظهر من المحكيّ عن الشهيد في قواعده (1): أنّ النجاسة حكم الشارع بوجوب الاجتناب استقذاراً و استنفاراً. و ظاهر هذا الكلام أنّ النجاسة عين الحكم بوجوب الاجتناب، و ليس كذلك قطعاً؛ لأنّ النجاسة مما يتّصف به الأجسام، فلا دخل له في الأحكام، فالظاهر أنّ مراده أنّها صفة انتزاعيّة من حكم الشارع بوجوب الاجتناب للاستقذار أو الاستنفار.

و فيه: أنّ المستفاد من الكتاب و السنّة أنّ النجاسة صفة متأصّلة يتفرّع عليها تلك الأحكام، و هي القذارة التي ذكرناها، لا أنّها صفة منتزعة من أحكام تكليفيّة نظير الأحكام الوضعيّة المنتزعة منها كالشرطيّة و السببيّة و المانعيّة.

ثمّ دعوى أنّ حكم الشارع بنجاسة الخمر لأجل التوصّل إلى الفرار عنها و لتزيد نفرة الطباع عنها ليست بأولى من دعوى أنّ حكمه بوجوب التنفّر عنها لأجل قذارة خاصّة فيها، إلّا أن تكون دعوى الشهيد (قدّس سرّه) فيما ذكره مستندة إلى ما يظهر من أدلّة تحريم الخمر: من أنّ العلّة فيه هو تخمير العقل، لكنّك خبير بأنّه لا ينافي كون التخمير مستنداً إلى تلك القذارة، كما يومي إليه قوله (عليه السلام) في صفة الخمر: «ما يبلّ الميل منه ينجس حُبّاً من الماء» (2).

و كيف كان، فالمراد بالمصدر في قوله: (النجاسات عشرة): الأعيان النجسة، مبالغة في نجاسة عينها، كما في قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (3).

____________

(1) القواعد و الفوائد 2: 85، قاعدة: 175.

(2) الوسائل 2: 1056، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(3) التوبة: 28.

21

[أعداد النجاسات]

[الأعيان النجسة (1)]

[الأول و الثاني البول و الغائط]

الأول و الثاني: مسمّى (البول و الغائط من) الحيوان (ذي النفس السائلة.)

و المراد بها على ما نسب إلى أهل اللغة و الأصحاب (2)-: الدم يجتمع في العروق و يخرج عند قطعها بقوّة و دفق، لا كدم السمك.

(غير المأكول) لحمه، إجماعاً محقّقاً في الجملة و مستفيضاً (3) كالأخبار:

ففي حسنة ابن سنان بابن هاشم: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (4).

و مفهوم حسنة زرارة: «لا تغسل ثوبك من بول شيءٍ ممّا يؤكل لحمه» (5).

____________

(1) العنوان منّا.

(2) نسبه في الحدائق 5: 3، و راجع المصباح المنير: 617، و القاموس 2: 255، و لسان العرب 14: 234، ذيل مادّة «نفس».

(3) راجع المعتبر 1: 410، و التذكرة 1: 49، و المدارك 2: 259، و مفتاح الكرامة 1: 136.

(4) الوسائل 2: 1008، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(5) الوسائل 2: 1010، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

22

و النبوي المحكيّ عن قرب الإسناد: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه» (1).

و موثّقة عمّار: «كلّ ما أُكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (2) دلّت على المطلوب بمفهوم الوصف الوارد في مقام بيان الضابط و المعيار، كالقيد المأخوذ في الحدود، إلى غير ذلك ممّا يأتي بعضها في بول الدواب و الخُشّاف (3).

هذا كلّه، مضافاً إلى المستفيضة الواردة في البول و العذرة كما سيجيء بناءً على عدم اختصاص العذرة بغائط الإنسان.

و ربّما يخدش في دلالة إيجاب الغسل على النجاسة، و فيه بعد اتّفاق العلماء على استفادة النجاسة من أمثال ذلك-: أنّ وجوب الغسل مطلقاً لا يكون إلّا لأجل النجاسة؛ إذ احتمال كونه لأجل وجوب التجنّب عن أجزاء غير المأكول، مدفوع بإطلاق وجوب الغسل حتّى لو جفّ الثوب أو مسح مسحاً يزيل أثره و لم يبق منها أثر، و قد قام الضرورة و الإجماع على أنّه لا يشترط في ثوب المصلي بعد الإباحة أزيد من الطهارة و عدم كونه مما لا يؤكل أو ملاصقاً له، مع أنّ في كثيرٍ من أخبار خصوص البول و العذرة ما يدلّ على نجاستهما بقول مطلق (4).

____________

(1) قرب الإسناد 156، الحديث 573، و الوسائل 2: 1012، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 17.

(2) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 12.

(3) في «ب» بدل «الخشّاف»: «الخُطّاف».

(4) انظر الوسائل 2: 1001، الباب الأوّل من أبواب النجاسات، و الصفحة 1011، الباب 9 منها، الحديث 8 و 13.

23

ثمّ إنّه لا فرق في إطلاق النصوص و معاقد الإجماع فيما لا يؤكل بين أن يكون تحريمه (بالأصالة كالأسد و بالعارض (1) ك) الموطوء و (الجلّال) و عن التذكرة: نفي الخلاف في إلحاقهما بغير المأكول (2) و عن ظاهر الذخيرة (3) و الدلائل (4) و صريح المفاتيح (5): إلا جماع عليه. و في الغنية: إلا جماع على إلحاق خصوص الجلّال (6)، و تبعه جماعة في خصوص الدجاج من الطير (7).

و ربّما يتوهّم التعارض بين ما دلّ على نجاسة بول ما لا يؤكل الشامل لبول الجلّال و الموطوء، و ما دلّ على طهارة ما يؤكل بالذات كالإبل و الغنم و البقر و نحو ذلك من العنوانات الواردة في النصوص بالخصوص. و فيه ما لا يخفى.

و كيف كان، فلا إشكال في التعميم المذكور، و إنّما الإشكال في عموم الحكم لغير المأكول من الطير و اختصاصه بغيرها (8)، فالمشهور على الأوّل، بل ربّما يدّعى دخوله في إطلاق دعوى المعتبر (9) و المنتهى (10): إجماع علماء

____________

(1) في الإرشاد: «أو بالعرض».

(2) التذكرة 1: 51.

(3) الذخيرة 1: 145.

(4) لا يوجد عندنا، و حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 136.

(5) مفاتيح الشرائع 1: 65.

(6) الغنية: 40.

(7) كالعلّامة في المختلف 1: 455، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 146 و السيّد العاملي في المدارك 2: 265.

(8) كذا، و المناسب: «بغيره».

(9) المعتبر 1: 410.

(10) المنتهي 3: 166، 173.

24

الإسلام على نجاسة البول و الغائط مما لا يؤكل لحمه، فتأمّل.

و عن الغنية: نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه و خرؤه بلا خلاف (1). و دعوى كونه ظاهراً في غير رجيع الطير كما عن كشف اللثام (2) في غير محلّه.

و عن الجامعيّة في شرح الألفيّة: أنّه أجمع الكل على نجاسة البول و الغائط من كلّ حيوان محرّم أكله، إنساناً كان أو طيراً أو غيرهما من الحيوانات (3).

و عن الحليّ في السرائر في باب البئر: قد اتّفقنا على نجاسة ذرق غير المأكول من سائر الطيور، و قد رويت رواية شاذّة لا يعوّل عليها: «أنّ ذرق الطائر طاهر، سواء كان مأكول اللحم أو غير ماكوله» و المعوّل عند محقّقي أصحابنا و المحصّلين منهم خلاف هذه الرواية؛ لأنّه هو الذي يقتضيه أخبارهم المجمع عليها (4).

و عن التذكرة: دعوى الإجماع على نجاسة البول و الغائط، قال: و قول الشيخ بطهارة ذرق ما لا يؤكل لحكمه من الطيور لرواية أبي بصير ضعيف؛ لأنّه لم يعمل بها أحد (5).

و عن الخلاف: أنّ بول ما لا يؤكل لحمه و خرءه نجس بلا خلاف (6).

____________

(1) الغنية: 40.

(2) كشف اللثام 1: 389 390.

(3) المسالك الجامعيّة (المطبوع في هامش الفوائد المليّة): 72.

(4) السرائر 1: 80.

(5) التذكرة 1: 49، و راجع الرواية في الوسائل 2: 1013، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل.

(6) الخلاف 1: 485.

25

و عن العماني و الجعفي (1) و ظاهر الفقيه (2): القول بالطهارة، و وافقهم الشيخ في المبسوط في غير الخفّاش (3)، و تبعهم المصنّف في المنتهي (4).

و عن المدارك (5) و الذخيرة (6) و البحار (7): القول بطهارة الذرق مع التردّد في البول.

و عن شارح الدروس (8) و كاشفي اللثام (9) و الأسرار (10) و الفخرية (11) و شرحها (12) و شرح الفقيه للمجلسي (13) و حديقته (14) و المفاتيح (15) و الحدائق (16)

____________

(1) نقله عنهما الشهيد في الذكرى 1: 110.

(2) حكاه عنه صاحب الجواهر في الجواهر 5: 275 و 288، و راجع الفقيه 1: 71، ذيل الحديث 164.

(3) المبسوط 1: 39.

(4) المنتهي 1: 177.

(5) المدارك 2: 262.

(6) الذخيرة: 145.

(7) البحار 80: 111.

(8) مشارق الشموس 1: 296.

(9) كشف اللثام 1: 390.

(10) لا يوجد لدينا، و حكاه عنه السيّد بحر العلوم في المصابيح (مخطوط): 415.

(11) لا يوجدان لدينا، نعم حكاه عنهما السيّد بحر العلوم في المصابيح (مخطوط): 415.

(12) لا يوجدان لدينا، نعم حكاه عنهما السيّد بحر العلوم في المصابيح (مخطوط): 415.

(13) روضة المتّقين 1: 210 211.

(14) لا يوجد لدينا، نعم حكاه عنه السيّد بحر العلوم في المصابيح (مخطوط): 415.

(15) مفاتيح الشرائع 1: 65 و 66.

(16) الحدائق 5: 11.

26

موافقة الأوّلين؛ للأصل، و اختصاص العذرة في الأخبار وضعاً أو انصرافاً بعذرة الإنسان أو مطلق البهيمة.

و دعوى: ترادف العذرة و الخرء كما في المعتبر (1) ممنوعةٌ، كعموم صحيحة ابن سنان المتقدّمة (2) و إخوتها (3) للطير؛ لعدم البول للطير أو لندرة إصابته للثوب بناءً على وجوده له، كما يظهر من توحيد المفضّل المروي عن الصادق (عليه السلام) (4) و رواية أبي بصير الآتية (5)، مع ضعف دلالة ما عدا الصحيحة؛ لمنع العموم في المفهوم في مثل المقام الذي لا يبعد كون الكلام فيه مسوقاً لبيان ضابط الطهارة فقط.

فلم يبق إلّا إلا جماع، و هو غير متحقّق، و المنقول منه في عبارتي المعتبر (6) و المنتهى (7) لا يشمل الطير قطعاً؛ لأنّ «رجيع الطير» معنونٌ في كلامهما بعد ذلك (8)، فلاحظ الكتابين يتّضح لك ما ذكرنا.

و أمّا ما عن شرح الألفيّة (9)؛ فلوهنه في المقام لوجود المخالف، و لم يدّع الإجماع المصطلح حتّى يقال: إنّه لا يقدح فيه مخالفة معلوم النسب، و فرق

____________

(1) المعتبر 1: 411.

(2) تقدّمت في الصفحة 21.

(3) المراد بها حسنة زرارة و النبوي و موثّقة عمّار، المتقدّمات في الصفحة 21 22.

(4) توحيد المفضّل: 113، و البحار 3: 103.

(5) تأتي في الصفحة 28.

(6) المعتبر 1: 410.

(7) المنتهي 3: 169 و 173.

(8) راجع المعتبر 1: 411، و المنتهى 3: 176 177.

(9) تقدّم النقل عنه في الصفحة 24.

27

بيّنٌ (1) بين دعوى الإجماع المصطلح المتضمّنة للإخبار بقول الإمام أو رضائه ليصير بمنزلة الإخبار عن السنّة نظير أخبار الرواة و لا يناقضه وجود المخالف واحداً أو أكثر، و بين دعوى اتّفاق العلماء الذي يعلم أنّ المراد منه اتّفاق أهل الفتوى و إن علمنا بأنّ مثل هذا الاتّفاق كاشف لمدّعيه عن قول الإمام (عليه السلام) أو رضاه إلّا أنّه لم يخبر عنه بهذا الكلام، فلا يكون إخباراً عن السنّة و يناقضه وجود المخالف، ففيه الوهن من الوجهين.

و منه يظهر ما في دعوى الحليّ من الاتّفاق (2)، مضافاً إلى أنّ الظاهر من ذيل كلامه أنّه إنّما استنبط هذا الاتفاق من دلالة الأخبار، و معلومٌ أنّه ليس في الأخبار إلّا بعض الإطلاقات القابلة لدعوى الاختصاص وضعاً أو انصرافاً بغير محلّ النزاع، فتأمّل.

و نحوهما في الوهن عبارة التذكرة (3)، و يكفي في وهنه تصريح المحقّق في المعتبر (4) بعد إيراد رواية أبي بصير-: بأنّ هذه الرواية حسنةٌ لكنّ العامل بها قليل (5)، بل يكفي في وهنه ميله في المنتهي إلى العمل بهذه الرواية (6)، و لعلّ المراد بما في التذكرة بيان وهن الرواية بأنّه لم يعمل أحدٌ بظاهرها، بناءً على ما عن المختلف: من الإجماع على نجاسة بول الخُفّاش (7).

____________

(1) لم ترد «بيّن» في «ب» و «ع».

(2) تقدّم النقل عن السرائر في الصفحة 24.

(3) تقدّم نقلها في الصفحة 24.

(4) لم ترد «في المعتبر» في «ب».

(5) المعتبر 1: 411.

(6) المنتهي 3: 169.

(7) المختلف 1: 457.

28

و الحاصل: أنّ دعوى الزائد عن الشهرة في المسألة لا تخلو عن شائبة الجزاف، كمنع عموم صحيحة ابن سنان المتقدّمة (1)، فهي عموم معتضد بالشهرة، لكن بإزائها عموم آخر معتضد بالأصل و هي رواية أبي بصير، بل صحيحته: «كل شيءٍ يطير لا بأس بخرئه و بوله» (2) و مصحّحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «عن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير، هل يحكّه و هو في الصلاة؟ قال: لا بأس (3).

و النسبة بينهما و بين صحيحة ابن سنان عموم من وجه، إلّا أنّ رجحان الثاني مما لا يخفى؛ لأنّ ظاهر الصحيحة بيان كون نفس الطيران عنواناً أخصّ من حرمة اللحم. و لو سلّم التعارض، فترجيح أحدهما بالشهرة محلّ نظر بل منع؛ لأنّ شهرة الفتوى لا يمكن أن تصير قرينة لترجيح أحد العامّين و ارتكاب التخصيص في الآخر، فلا بدّ من الحكم بإجمال العامّين بالنسبة إلى محل التعارض، فيجب الرجوع إلى الأصل إن لم يوجد هنا عموم يدلّ على نجاسة البول و الخرء بقول مطلق، و إلّا فيجب الرجوع إليه.

و لا يتوهّم أنّ مثل هذا العام بعد تخصيصه بما دلّ على طهارة بول المأكول يصير كصحيحة ابن سنان معارضاً مع رواية أبي بصير بالعموم من وجه لكنّ الإشكال في ثبوت هذا العام؛ لما عرفت من قوّة انصراف مطلقات البول و العذرة إلى غير محلّ الكلام، فالمسألة لا تخلو عن الإشكال،

____________

(1) تقدّمت في الصفحة 21.

(2) الوسائل 2: 1013، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(3) الوسائل 4: 1277، الباب 27 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث الأوّل.

29

إلّا أنّ العمل على المشهور؛ لموثّقة عمّار الآتية: «خرء الخُطّاف لا بأس به، و هو مما يؤكل» (1) حيث علّل الطهارة بأكل اللحم لا بالطيران، و ضعفه إن كان منجبرٌ بما عرفت.

و أمّا الخشّاف، فالمتعيّن فيه مذهب المشهور، بل عن المختلف دعوى الإجماع عليه (2)، فتأمّل و راجع كلامه؛ إذ الظاهر أنّه أراد اتّفاق الخصم دون المعنى المصطلح، و يدلّ عليه رواية داود الرقيّ، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصل ثوبي فأطلبه و لا أجده؟ قال: اغسل ثوبك» (3) و رواها في محكيّ السرائر عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب الذي هو أحد الكتب المعتبرة (4).

و لا يعارضها رواية غياث التبري: «لا بأس بدم البراغيث و البقّ و بول الخشاشيف» (5) و نحوها المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (6)؛ لوهنهما بالشهرة و الإجماع المحكي (7) و شهادة الشيخ بأنّها رواية شاذّة يجوز أن تكون وردت للتقيّة (8)، و قد عرفت إمكان تنزيل عبارة التذكرة المتقدّمة (9) عليه،

____________

(1) تأتي في الصفحة اللاحقة.

(2) المختلف 1: 457.

(3) الوسائل 2: 1013، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(4) السرائر 3: 611.

(5) الوسائل 2: 1013 1014، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(6) المستدرك 2: 559، الباب 6 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل.

(7) في المختلف 1: 457.

(8) التهذيب 1: 266، ذيل الحديث 65.

(9) تقدّمت في الصفحة 24.

30

فلعلّه اطّلع على اختصاص كلام القائلين بطهارة خرء الطير مطلقاً بما عدا الخشّاف.

و أمّا خرؤه، فالظاهر عدم القائل بالفرق بينه و بين البول، كما عن الناصريّات (1) و الروض (2) و المدارك (3) و الذخيرة (4): عدم الفرق بين الأرواث و الأبوال.

و أمّا بول الخُطّاف و خرؤه، فالأقوى طهارتهما؛ بناءً على حلّية أكله و إن كره، كما هو المشهور سيّما بين المتأخّرين، بل نسب إلى عامّتهم.

و لو فرض القول بحرمته أمكن القول بطهارة ما يخرج منه؛ لما رواه في المختلف عن كتاب عمّار عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: خرء الخُطّاف لا بأس به، هو مما يؤكل، و إنّما كره أكله لأنّه استجار بك و آوى إلى منزلك، فكلّ طير يستجير بك فأجره» (5) بناءً على إرادة الحرمة من لفظ الكراهة، و يكون المراد: أنّ حرمة أكله من جهة الاستجارة لا بالذات حتّى يوجب نجاسة الخرء، فلا يوجب نجاسة خرئه.

لكنّ الإنصاف: أنّ هذه الرواية من أدلة حلّية الخُطّاف، فتدلّ على أنّ كراهة أكله لا يوجب نجاسة الخرء.

____________

(1) الناصريّات: 88.

(2) روض الجنان 1: 162.

(3) المدارك 2: 259.

(4) الذخيرة 1: 145.

(5) المختلف 8: 291، و عنه في الوسائل 2: 1012، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 20.

31

ثمّ إنّ المحكي عن ابن الجنيد: طهارة بول الصبي؛ لما دلّ على أنّه لا يغسل منه الثوب (1)، و هو نادر و مستنده قاصر، و عن السيّدين: دعوى الإجماع على نجاسة بول الصبي بالخصوص (2).

و خرج بقيد «ذي النفس» ما لا نفس له؛ فإنّ المشهور شهرة محقّقة عدم نجاسة بوله و خرئه، بل لم نعثر على قائلٍ بالنجاسة و لا حاكٍ لهذا القول، بل عن الحدائق: نفي الخلاف عنه صريحاً (3)، إلّا أنّ المحقّق قد تردّد فيه أوّلًا و أفتى ثانياً بالطهارة (4)، و لعلّ منشأ التردّد عدم مخصِّص صريح للعمومات المتقدّمة، و ما ذكره وجهاً للطهارة: من انّ ميتته و منيّه و لعابه طاهر فاشتبهت (5) فضلاته عصارة النبات، ضعيف جدّاً، كدعوى عدم شمول العمومات له أو انصراف الإطلاقات إليه، فالعمدة إلا جماع لو ثبت.

و أضعف من هذا كلّه: الحكم بنجاسة ذرق الدجاجة مع ما عرفت من العمومات المعتضدة بالشهرة و عدم الخلاف إلّا عن الشيخ (6) و المفيد (7)، و قد رجع الأوّل في كتاب الخلاف (8).

____________

(1) راجع المختلف 1: 459 460.

(2) الناصريّات: 88، و لم نعثر في الغنية عليه بالخصوص، و لا على الحاكي عنه، نعم ادّعى الإجماع على نجاسة بول و خرء ما لا يؤكل لحمه، راجع الغنية: 40.

(3) الحدائق 5: 13.

(4) راجع المعتبر 1: 411.

(5) كذا، و المناسب: «فأشبهت».

(6) المبسوط 1: 36.

(7) المقنعة 1: 71.

(8) الخلاف 6: 33.

32

و خرج ب«غير المأكول»: ما حلّ أكله؛ فإنّ بوله و خرءه طاهران بالاتّفاق، كما في المعتبر (1) و المنتهى (2).

نعم، وقع الخلاف فيما يكره أكله، أعني الخيل و البغال و الحمير؛ فإنّ المحكيّ عن جماعة كما يظهر من المنتهي (3) منهم الإسكافي (4) و الشيخ في النهاية (5): النجاسة، و تبعهما جماعة من متأخّري المتأخّرين، كالأردبيلي (6) و صاحبي المعالم (7) و المدارك (8) و غيرهم (9)؛ لمضمرة سماعة، قال: «سألته عن بول الكلب و السنَّور و الحمار و الفرس؟ فقال: كأبوال الإنسان» (10) دلّت على نجاسة بول البغل بالإجماع المركّب و الأولويّة.

و موثّقة عبد الرحمن ب«أبان»، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يمسّه بعض أبوال البهائم، أ يغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الفرس و الحمار و البغل، و أمّا الشاة و كلّ ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله» (11).

____________

(1) المعتبر 1: 411.

(2) المنتهي 3: 169 و 177.

(3) المنتهي 3: 172.

(4) حكاه عنه في المعتبر 1: 413.

(5) النهاية 1: 51.

(6) مجمع الفائدة 1: 301.

(7) معالم الدين (قسم الفقه) 2: 456.

(8) المدارك 2: 301 303.

(9) انظر الذخيرة: 146، و مفاتيح الشرائع 1: 65، و الحدائق 5: 21.

(10) الوسائل 2: 1009، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(11) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 9.

33

و في صحيحة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الخيل و البغال؟ فقال: اغسل ما أصابك منه» (1).

و في حسنة ابن مسلم: «اغسله فإن لم يعلم مكانه فاغسل الثوب كلّه، و إن شككت فأنفخه» (2).

و رواية علي بن جعفر المروي عن كتابه عن أخيه، قال: «سألته عن الثوب يوضع في مربط الدابة على بولها أو روثها كيف يصنع؟ قال: إن علق به شيءٌ فلتغسله و إن كان جافّاً فلا بأس» (3).

و ما ورد: في أنّ الماء الذي يبول فيه الدواب إن تغيّر بها فلا يجوز التوضؤ به (4)، بل في رواية أبي بصير، قال: «سألته عن كرٍّ من ماء مررت به و أنا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو إنسان؟ قال: لا تتوضأ منه و لا تشرب» (5) بناءً على حملها على صورة التغيّر أو حمل الكرّ على ما يقرب منه و يصل إليه تقريباً لا تحقيقاً.

و رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): «في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أ ليس لحومها حلالًا؟ فقال: بلى، و لكنّ ليس مما جعله اللّه للأكل» (6).

____________

(1) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

(2) الوسائل 2: 1010، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 6، و فيه بدل «فأنفخه»: «فانضحه».

(3) الوسائل 2: 1012، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 21.

(4) الوسائل 1: 103، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

(5) الوسائل 1: 103، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

(6) الوسائل 2: 1010، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

34

و بهذا يجمع بين الأخبار المذكورة و بين ما تقدّم من الأخبار في طهارة بول كلّ ما يؤكل، بحمل تلك الأخبار على ما جعله الشارع للأكل دون ما جعله للركوب و الزينة.

و يؤيّد هذا الحمل: جعل ما يؤكل لحمه قسيماً للدواب الثلاث في موثّقة عبد الرحمن (1).

و مع هذا كلّه، فالأقوى الطهارة وفاقاً للمشهور، بل ربّما يدّعى عموم إطلاق إجماعي المعتبر و المنتهى (2) لما نحن فيه، و فيه نظرٌ يظهر لمن نظر في الكتابين؛ للأخبار الكثيرة الصارفة لما عدا الأوّل من الأخبار المذكورة عن ظاهرها إلى الاستحباب:

كرواية أبي الأغرّ النحاس: «إنّي أُعالج الدواب فربّما خرجت بالليل و قد بالت و راثت، فيضرب أحدها برجله فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه؟ فقال: ليس عليك شيء» (3).

و رواية المعلّى بن خنيس و عبد اللّه بن أبي يعفور: «و كنّا في جنازة و قدّامنا حمار فجاءت الريح ببوله حتّى صكّت وجوهنا و ثيابنا، فدخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس» (4).

و لأنّ الصلاة في جلودها صحيحة باتّفاق من لم يحرّم أكلها فكذا في بولها و روثها؛ للموثّقة لزرارة في باب لباس المصلي المقسِّمة للحيوانات إلى

____________

(1) تقدّمت في الصفحة 32.

(2) المعتبر 1: 411، و المنتهى 1: 160.

(3) الوسائل 2: 1009، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(4) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 14.

35

محرّم الأكل و غيره، و التصريح بجواز الصلاة في بول القسم الثاني و روثه و كلّ شيءٍ منه (1).

هذا كلّه مضافاً إلى الأخبار المستفيضة الدالّة على طهارة أرواثها (2)، بناءً على نفي القول بالفرق، كما عن المنتقى (3) و الذخيرة (4) و كشف اللثام (5) و غيرها (6).

و لو فرض تساقط ما ذكرنا من أخبار الطرفين بالمعارضة، فيجب الرجوع إلى عمومات طهارة ما يخرج ممّا يؤكل لحمه (7) الشامل لمكروه الأكل.

و ما ذكرنا من رواية زرارة (8) شاهداً على أن المراد ب«ما يؤكل»: ما جُعل للأكل، ففيه مع عدم جريانه في موثّقة زرارة الواردة في لباس المصلي (9) كما لا يخفى، و مع قوّة احتمال أن يكون وجهاً لكراهة ما يخرج من هذه الدواب كما يشعر به لفظ «فكرهه» معارض برواية عمّار المتقدّمة في

____________

(1) الوسائل 3: 250، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 2: 1009، الباب 9 من أبواب النجاسات، الأحاديث 1 و 2 و 3 و 16 و 19.

(3) لم نعثر عليه في المنتقى، و لا على الحاكي عنه. نعم حكاه في الحدائق عن المعالم، راجع الحدائق 5: 29، و معالم الدين (قسم الفقه) 2: 449.

(4) الذخيرة: 146.

(5) كشف اللثام 1: 419.

(6) مشارق الشموس: 300.

(7) راجع الوسائل 2: 1009، الباب 9 من أبواب النجاسات.

(8) راجع الصفحة 33.

(9) المشار إليها آنفاً.

36

الخُطّاف (1)؛ حيث يظهر منها أنّ مجرّد عدم حرمة الأكل كاف في طهارة ما يخرج منه و إن كان مما لم يخلق للأكل، كما هو الحال في الخُطّاف.

و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن الموثّقة الاولى (2) و إن لم تقبل الحمل على الاستحباب، بل لا يبعد أيضاً حملها على الاستحباب، بأن يقال: إنّ المراد استحباب المعاملة معها كأبوال الإنسان في الاحتراز، لا أنّها كأبوال الإنسان عند الشارع.

و ممّا يؤيّد الاستحباب: ما ورد من التفصيل بين أبوالها و أرواثها ممّا يشعر بكون الحكم استحبابيّاً لا إلزاميّاً، مثل: رواية عبد الأعلى بن أعين، قال: «سألت الصادق (عليه السلام) عن أبوال الخيل و البغال؟ فقال: اغسل ثوبك منها. قلت: فأرواثها؟ قال: فهي أكثر من ذلك» (3)، و في رواية أبي مريم: «أمّا أبوالها فاغسل ما أصابك، و أمّا أرواثها فهي أكثر من ذلك» (4) فإنّ الظاهر عند المتأمّل أنّ قوله: «فهي أكثر» علّة لرفع تأكّد الاستحباب لا لرفع الإيجاب، يعني: أنّ الأرواث أكثر من أن يلتزم الإنسان بالاجتناب عنها لا من أن يلزم الشارع به، كما يتوهّم أحياناً.

و كيف كان، فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في طهارة الأرواث؛ للأخبار القريبة من التواتر، و أمّا الأبوال فالأقوى كونها كذلك، إلّا أنّ الاحتياط لا ينبغي أن يترك.

____________

(1) تقدّمت في الصفحة 30.

(2) و هي رواية زرارة المتقدّمة في الصفحة 33.

(3) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 13.

(4) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

37

[الثالث المني (1)]

(و) الثالث: (المني من كلّ حيوان ذي نفس سائلة) بالإجماع المحقّق و المستفيض (2)، و هو المعتمد في إطلاق الحكم، دون إطلاقات الأخبار؛ لانصرافها إلى منيّ الإنسان، و ليس كذلك إطلاق معاقد الإجماع؛ للقطع بإرادة المطلق عنها، مع أنّ المحكي عن التذكرة (3) و كشف اللثام (4): التصريح بالعموم.

و لو لا الإجماع لأشكل تعميم الحكم لمطلق غير المأكول، فضلًا عن مطلق الحيوان (و إن كان مأكول (5)) اللحم، سيّما مع عموم قوله (عليه السلام) في موثّقة عمّار: «و كلّ ما أُكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (6) و قوله (عليه السلام)

____________

(1) العنوان منّا.

(2) كما في الانتصار: 95، و الخلاف 1: 489، و الغنية: 42، و التذكرة 1: 53، و كشف اللثام 1: 391.

(3) التذكرة 1: 53.

(4) كشف اللثام 1: 391.

(5) في الإرشاد: «و إن كان مأكولًا».

(6) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 12.

38

في موثّقة زرارة الواردة في لباس المصلي: «و كلّ شيءٍ منه ممّا أحلّ اللّه أكله فالصلاة في شعره و وبره و بوله و روثه وكل شيءٍ منه جائز» (1).

و ممّا ذكرنا يعلم الوجه في الحكم بطهارة المني من غير ذي النفس؛ لفقد عمومٍ في الأدلّة اللفظيّة، و عدم ثبوت الإجماع إلّا في منّي ذي النفس، بل الظاهر عدم الخلاف في طهارة غيره، و إن أشعر بعض العبائر كعبارة المنتهي (2) بوجود الخلاف فيه. نعم، ربّما يقوّي التردّد فيه قوّة التردّد فيما تقدّم في بول غير ذي النفس و خرئه؛ من جهة عدم مخصِّص صريح للعمومات، بناءً على أنّ المني أشدّ من البول كما في الرواية (3) فكلّ حيوان نجس البول نجس المني، و كل ما ليس نجس المني ليس بنجس البول، إلّا أنّ المسهِّل للخطب هو عدم العثور على الخلاف في المسألتين من الأصحاب، بل ظاهر الأردبيلي أنّ مسألة المني مظنّة إلا جماع (4)، و كذا ظاهر الرياض (5).

و الاحتياط ممّا لا يترك في المقامين، فقد تردّد المحقّق في الشرائع (6) و المعتبر (7) و المصنّف في المنتهي، و إن رجّح كالمحقّق الطهارة أخيراً (8).

____________

(1) الوسائل 3: 250، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأوّل.

(2) المنتهي 3: 184.

(3) الوسائل 2: 1022، الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(4) مجمع الفائدة 1: 303.

(5) الرياض 2: 346.

(6) الشرائع 1: 51.

(7) المعتبر 1: 415.

(8) المنتهي 3: 184.

39

ثمّ المعروف من مذهب الأصحاب طهارة سائر الرطوبات الخارجة عن المخرجين عدا البول و الغائط و المني و الدم حتّى المذي، و هو كما عن المعتبر-: ما يخرج عقيب الملاعبة و الملامسة (1)، و عن المنتهي: ماء لزج يخرج عقيب الشهوة على طرف الذكر (2).

و يدلّ على طهارته: الأخبار المستفيضة (3)، و في بعضها: «إنّه لا ينقض الوضوء و لا يغسل منه الثوب، إنّما هو بمنزلة النخامة و المخاط» (4).

إلّا أنّ في رواية ابن أبي العلاء: «عن المذي يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه فاغسله، و إن لم تعرف مكانه فاغسل الثوب كلّه» (5) لكنّه مع معارضتها بالأخبار الكثيرة معارضة بروايته الأُخرى: «أنّه لا بأس به. قال: فلمّا رددنا عليه، قال: تنضحه بالماء» (6) و الأمر بالنضح وارد في غيرها أيضاً.

و كيف كان، فقول الإسكافي بنجاسة ما يخرج منه عن شهوة (7) شاذٌّ، كما صرّح به في المختلف، حيث قال: إنّ إجماع الإماميّة على طهارته، و خلاف ابن الجنيد لا يعتدّ به؛ لما ذكره الشيخ في فهرسته: من أنّ أصحابنا

____________

(1) المعتبر 1: 417.

(2) المنتهي 3: 185.

(3) راجع الوسائل 1: 195، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

(4) راجع نفس المصدر و الباب، الأحاديث 1 و 5.

(5) الوسائل 2: 1024، الباب 17 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(6) الوسائل 2: 1023، الباب 17 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(7) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 417.

40

تركوا خلافه؛ لأنّه كان يقول بالقياس (1)، انتهى.

ثمّ الظاهر من تفصيل ابن الجنيد: أنّ المذي قد يخرج لا عن شهوة، و ظاهر ما تقدّم عن المعتبر و المنتهى: خروجه عقيب الشهوة (2)، و هو الظاهر من مرسلة ابن رباط، قال: «و أمّا المذي فهو الذي يخرج من الشهوة، و الودي من البول، و الوذي من الارواء (3) و لا شيء فيه» (4) و الأمر سهل بعد طهارته مطلقاً.

و نحوه الودي، و هو بسكون الدال المهملة-: ماءٌ أبيض يخرج عقيب البول.

____________

(1) المختلف 1: 463، و انظر الفهرست: 268، الرقم 592.

(2) تقدّم في الصفحة السابقة.

(3) في الوسائل: «من الأدواء».

(4) الوسائل 1: 197، الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6.

41

[الرابع الميتة]

[الرابع الميتة (1)] (و) الرابع: (الميتة من) الحيوان (ذي النفس السائلة (2)) إنساناً كان أو غيره.

أمّا الآدمي، فتدلّ على نجاسته مضافاً إلى دعوى الاتّفاق عليه بالخصوص في المعتبر (3) و المنتهى (4)، كما عن الخلاف (5) و غيره (6) صحيحة الحلبي: «عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت؟ قال: يغسل ما أصاب الثوب منه» (7).

و صحيحة إبراهيم بن ميمون، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميّت؟ قال: إن كان غسل الميت فلا تغسل

____________

(1) العنوان منّا.

(2) في الإرشاد زيادة: «مطلقاً».

(3) المعتبر 1: 420.

(4) المنتهي 3: 195.

(5) الخلاف 1: 700.

(6) راجع الغنية: 42، و روض الجنان: 162.

(7) الوسائل 2: 1050، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

42

ما أصاب ثوبك منه و إن كان لم يغسل فاغسل ما أصابك (1) ثوبك منه، يعني: بعد البرد» (2).

و المروي من الاحتجاج عن مولانا القائم (عجّل اللّه فرجه) ما كتب إليه الحميري: «أنّه روي لنا عن العالم (عليه السلام) أنّه سئل عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاة و حدثت عليه حادثة، فكيف يعمل من خلفه؟ قال: يؤخّر بعضهم و يتقدّم بعضهم و يتمّ صلاتهم و يغتسل من مسّه، فكتب (عجّل اللّه تعالى فرجه): ليس على من نحّاه إلّا غسل اليد» (3).

و عنه أيضاً: أنّه كتب إليه: «أنّه روي عن العالم (عليه السلام) أنّ من مسّ ميّتاً بحرارته غسل يده، و من مسّه ببرد فعليه الغسل، و هذا الميّت في هذه الحالة لا يكون إلّا بحرارته، فالعمل في ذلك على ما هو؟ و لعلّه ينحّيه بثيابه و لا يمسّه، فكيف يجب عليه الغسل؟ التوقيع: إذا مسّه على هذه الحالة لم يكن عليه إلّا غسل يده» (4).

و يؤيّدها ما ورد في وقوع الإنسان في البئر (5)، و ما تقدّم من الأخبار الواردة في غسل الميّت الدالّة على أنّ المغسِّل يغسل يديه أوّلًا ثم يكفّن الميّت (6)، فتأمّل.

____________

(1) في الوسائل: «ما أصاب».

(2) الوسائل 2: 1050، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل.

(3) الاحتجاج 2: 302، و عنه في الوسائل 2: 932، الباب 3 من أبواب غسل المس، الحديث 4.

(4) الاحتجاج 2: 302، و عنه في الوسائل 2: 932، الباب 3 من أبواب غسل المس، الحديث 5

(5) راجع الوسائل 1: 142، الباب 22 من أبواب الماء المطلق.

(6) الوسائل 2: 760، الباب 35 من أبواب التكفين، الأحاديث 1 3، و قد تقدّمت في الجزء 4: 333.

43

و ظاهر الروايتين وجوب غسل ما لاقى الثوب مع رطوبة متعدّية من الميّت إليه، فلا يجب غسل ما لاقاه مع يبوستها؛ للأصل السليم عما يدلّ على التعدّي من دون رطوبة في أحد المتلاقيين، عدا ما تخيّله في المدارك: من إطلاق هاتين الروايتين (1)، اللتين عرفت ظهورهما في اكتساب الثوب رطوبة من جسد الميّت، مع أنّه لو سلّم الإطلاق فيهما كالثالث فهو مقيّدٌ بما هو مركوز في أذهان المتشرّعة: من اعتبار الرطوبة في التأثير.

فظهر ضعف ما عن المنتهي: من وجوب غسل ما لاقاه يابساً (2)، مضافاً إلى عموم قوله (عليه السلام): «كلّ يابس ذكيّ» (3) بل عن الحليّ اختيار عدم السراية مع الرطوبة أيضاً، و قال فيما حكي عنه: لأنّ هذه نجاسات حكميّات و ليست عينيّات، قال: و لا خلاف بين الأُمّة كافةً أنّ المساجد يجب أن تجتنب النجاسات العينيّة، و أجمعنا بغير خلاف أنّ من غسل ميّتاً، له أن يدخل المسجد و يجلس فيه، فلو كان نجس العين لما جاز ذلك، و لأنّ الماء المستعمل في الطهارة الكبرى طاهر بغير خلاف، و من جملة الأغسال غسل من مسّ ميّتاً، و لو كان ما لاقى الميّت نجساً لما كان الماء الذي يغتسل به طاهراً (4)، انتهى.

و أجاب المحقّق عن الأوّل: بمنع جواز دخول من مسّ ميّتاً المسجد، كما يمنع من على جسده نجاسة. و عن الثاني: بالتزام نجاسة الماء إذا لم يغسل يده قبل الاغتسال (5).

____________

(1) المدارك 2: 270.

(2) المنتهي 2: 458.

(3) الوسائل 1: 248، الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 5.

(4) السرائر 1: 163، مع تفاوت في بعض الألفاظ، و العبارة محكيّة من المعتبر.

(5) المعتبر 1: 350.

44

أقول: و يردّ الحليّ مضافاً إلى الإجماعات المستفيضة (1) على النجاسة التي من حكمها التعدّي مع الرطوبة إلى ما لاقاه بوسائط، بل ادّعى في المعتبر إطباق الإماميّة على نجاسته نجاسةً عينيّة كغيرها من الميتات (2) بل الحليّ بنفسه حكي عنه دعوى عدم الخلاف بين المحصّلين في نجاسة اللبن في ضرع الميتة؛ لأنّه مائع لاقى الميّت (3) إلّا ان يقال: إنّ ظاهر كلامه هنا الاختصاص بالآدمي-: أنّ الأمر بغسل الملاقي ممّا يفهم منه النجاسة في عرف المتشرّعة، فضلًا عمّن لاحظ الأخبار الكثيرة المكنيّة عن النجاسة بوجوب غسل الملاقي (4)، مع أنّه لو لم نحكم بنجاسة الملاقي بنجاسة حقيقيّة لزم جواز استصحابه في الصلاة و جواز التطهّر لو كان ماءً، و حينئذٍ فيجب غسل الثوب الملاقي له و يجوز استعمال الماء الملاقي له، فيلزم أن يكون ملاقاته مؤثّرة في الثوب منعاً و غسلًا غير مؤثر في الماء القليل، و هو باطل، كما في المعتبر (5)، فتأمّل.

و ما أبعد ما بين هذا القول و ما عن المصنّف: من نجاسة الميّت نجاسة عينيّة و لو مع اليبوسة (6) و هو المحكيّ عن البيان (7) و فوائد القواعد (8)، بل عن التذكرة (9)

____________

(1) تقدّمت في الصفحة 41.

(2) المعتبر 1: 420.

(3) السرائر 3: 112.

(4) راجع الوسائل 2: 1050، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحديث 1 و 2.

(5) المعتبر 1: 351.

(6) المنتهي 2: 458 459.

(7) البيان: 82.

(8) فوائد القواعد: 133.

(9) التذكرة 1: 88.

45

و نهاية الإحكام (1): أنّه ظاهر الأصحاب، و عن كشف الالتباس: أنّه المشهور (2).

ثم إنّ المحكي عن جماعة (3) نسبة القول بنجاسته الحكمية إلى السيّد، مع أنّ عبارته المحكيّة في شرح الرسالة: أنّ الميّت من الناس نجس العين و مطهِّره الغسل (4)، انتهى. و لو كان منشأ هذه النسبة هو حكمه بعدم وجوب غسل المسّ، ففيه ما لا يخفى.

و كيف كان، فهل تخصّ نجاسته بما بعد البرد، كما هو ظاهر أوّل المحقّقين (5) و صريح ثانيهما (6) كأوّل الشهيدين (7) و حكي عن ابن سعيد (8) و المصنّف في النهاية (9) و كاشف الالتباس (10) و الميسي (11) و الذخيرة (12)؟

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 173.

(2) كشف الالتباس 1: 319.

(3) منهم فخر الدين في إيضاح الفوائد 1: 66، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 1: 461.

(4) حكاه المحقّق في المعتبر 1: 348.

(5) المعتبر 1: 349.

(6) جامع المقاصد 1: 459.

(7) الدروس 1: 117.

(8) الجامع للشرائع 1: 32.

(9) نهاية الإحكام 1: 172.

(10) كشف الالتباس 1: 315.

(11) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 153.

(12) لم نعثر عليه في الذخيرة، بل رجّح فيه النجاسة قبل البرد، كما حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: 153، راجع الذخيرة: 147، نعم قال في الصفحة 91 ذيل بحث الأموات: و يستفاد من هذه الأخبار الاختصاص بحال برده.

46

أم نجس بمجرّد الموت، كما هو ظاهر المصنّف (قدّس سرّه) في القواعد (1) و محكيّ التذكرة (2) و الشهيد الثاني (3) و كاشف اللثام (4) و صاحب الرياض (5)، و حكي عن المبسوط (6) و المدارك (7) و الكفاية (8)، بل نسبه في الرياض إلى ظاهر الأصحاب (9)، و قريب منه في مفتاح الكرامة (10)؟

و فيه نظر؛ لأنّ الأصحاب ليس في كلامهم ما يظهر منه الإطلاق عدا إطلاق فتاواهم أو معاقد إجماعهم، أمّا الفتاوى فهي مختلفة كما عرفت، و أمّا معاقد الإجماع فلا ينفع إطلاقها بعد ذهاب مدّعيها إلى العدم، فإنّ منهم المحقّق و المصنّف و الشهيد، و قد عرفت أنّ ظاهرهما كالمحكيّ عن نهاية المصنّف التقييد.

نعم، يمكن التمسّك بإطلاق روايتي الحلبي و الاحتجاج المتقدّمتين (11)

____________

(1) قواعد الإحكام 1: 192.

(2) التذكرة 2: 135.

(3) روض الجنان: 113 114.

(4) كشف اللثام 1: 420.

(5) الرياض 2: 351.

(6) المبسوط 1: 4.

(7) لم نعثر عليه في المدارك، بل صرّح فيه: بأنّ الحكم بعد البرد، كما حكاه عنه في مفتاح الكرامة 1: 153.

(8) كفاية الأحكام: 11.

(9) الرياض 2: 351.

(10) مفتاح الكرامة 1: 153.

(11) تقدّمتا في الصفحة 41 و 42.

47

و إطلاق الرضوي المتقدّم (1)، و ما في ذيل رواية ابن ميمون من التفسير بقوله: «يعني بعد البرد» و (2) لا يصلح لتقييد الإطلاق.

و لا يوهن فيه ما في الذكرى: من عدم الجزم بالموت مع الحرارة (3)، و لا ما ربّما يقال: من أنّه لم ينقطع عنه تعلّق الروح بالكلّية؛ لضعف الأوّل: بأنّ المفروض تحقّق موته لغةً و عرفاً؛ و لذا لم يقل أحد كما في الروض بعدم جواز دفنه قبل البرد (4)، و الثاني: بأنّ الحكم منوط بالموت، لا انقطاع تعلّق الروح بالكلّية.

و أمّا ميتة غير الآدمي، فهي أيضاً نجسة بإجماع علمائنا على الظاهر المصرَّح به في محكيّ كثيرٍ من العبائر، كظاهر الطبريّات (5) و صريح الغنية (6) و المعتبر (7) و المنتهى (8) و التذكرة (9) و الذكرى (10) و كشف الالتباس (11) و الروض (12)

____________

(1) تقدّم في الجزء 4: 441.

(2) كذا و الظاهر زيادة «الواو».

(3) الذكرى 2: 100.

(4) روض الجنان: 113.

(5) لا يوجد لدينا، نعم حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 138.

(6) الغنية: 42.

(7) المعتبر 1: 420.

(8) المنتهي 3: 195.

(9) التذكرة 1: 59.

(10) الذكرى 1: 113.

(11) كشف الالتباس 1: 396.

(12) روض الجنان: 162.

48

و كشف اللثام (1) و الدلائل (2).

و الأصل في ذلك الكتاب و السنّة، قال اللّه تبارك و تعالى إِلّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (3) بناءً على عود الضمير إلى كلّ واحدٍ من المذكورات.

و في النبوي: «الميتة نجسة و لو دبغت» (4).

و موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ قال: كلّ ما ليس له دم فلا بأس» (5).

و صحيحة ابن مسكان: «كل شيءٍ يقع في البئر ليس له دم مثل العقرب و الخنافس و أشباه ذلك فلا بأس» (6).

و ظاهرهما سيّما الثانية تنويع الميتة على قسمين مختلفين في الحكم، لا مجرّد بيان ضابطة كلّية في طرف المنطوق فقط، نظير قوله: «كلّ مسكر حرام» (7) فهما مسوقان سياق قوله (عليه السلام) في موثّقة غياث: «لا يفسد الماء إلّا ما كان له نفس سائلة» (8).

____________

(1) كشف اللثام 1: 392.

(2) لا يوجد لدينا، نعم حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 138.

(3) الأنعام: 145.

(4) المستدرك 2: 592، الباب 39 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(5) الوسائل 2: 1051، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل.

(6) الوسائل 2: 1052، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(7) الوسائل 2: 1075، الباب 52 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(8) الوسائل 2: 1051، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحديث 2. و فيه حفص بن غياث.

49

هذا، مضافاً إلى الأخبار المتفرّقة في مسائل الماء المتغيّر و البئر و الماء القليل و غير ذلك، ففي رواية القمّاط: «عن الرجل يمرّ بالماء النقيع فيه الميتة و الجيفة؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب منه و لا تتوضأ» (1) و نحوها ما ورد في نجاسة الماء المتغيّر بالجيفة (2).

و في رواية يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن العقرب تخرج من الماء ميتة؟ قال: استق منها عشر دلاء. قلت: فغيرها من الجِيَف؟ قال: الجِيَف كلّها سواء إلّا جيفة قد أُجيفت، فإن كان (3) جيفة قد أُجيفت فاستق منها مائة دلو، فإن غلب عليها الريح بعد مائة دلو فانزحها كلّها» (4) دلّت على وجوب نزح الكلّ لكلّ جيفة تغيّر بها ماء البئر، إلى غير ذلك ممّا تقف عليها في مسألة البئر (5).

و مثل ما ورد: من طهارة عشرة أشياء من الميتة (6)؛ فإنّ ظاهره نجاسة ما عداها من الأجزاء.

و مثل ما ورد من المستفيضة في القِطَع المبانة من الحيّ معلّلًا بأنّها ميتة (7) إلى غير ذلك.

____________

(1) الوسائل 1: 103، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

(2) راجع الوسائل 1: 102، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأوّل و 119، الباب 9 من الأبواب، الحديث 11.

(3) في الوسائل: «كانت».

(4) الوسائل 1: 143، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7.

(5) راجع الجزء 1: 213 و ما بعدها.

(6) الوسائل 16: 366، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 9.

(7) راجع الوسائل 2: 1081، الباب 62 من أبواب النجاسات، الحديث 1 و 2، و 16: 295، الباب 30 من أبواب الذبائح.

50

و ظاهر هذه الأخبار كمعاقد الإجماع شمول الحكم للميّت من الحيوان المائي، بل عن التذكرة: أنّ ميتة ذي النفس من المائي نجسة عندنا (1)، فما يحكى عن الشيخ: من الحكم بطهارتها (2)، ضعيف.

و أضعف منه: ما عن المدارك: من التأمّل في أصل المسألة و حكاية الطهارة عن الصدوق؛ نظراً إلى ذكره رواية ظاهرة في الخلاف، و ضمانه في أوّل كتابه صحّة جميع ما يورده و أنّه حجة بينه و بين ربّه (3).

و أنت تعلم أنّ التتبّع في روايات الفقيه يشهد برجوعه عمّا التزم به في أوّل كتابه، كما حكي عن المجلسي في شرح الفقيه (4)، و عن بعضٍ دعوى عدم الشكّ في ذلك (5).

مع إمكان حمل الميتة في الرواية على ميتة ما لا نفس له، فقد جرت عادة الأعراب بوضع السمن و الزيت في جلود بعض هذه الحيوانات. نعم، عن المقنع: أنّه لا بأس أن يتوضأ بالماء إذا كان في زقّ الميتة (6)، لكنّه لو لم يؤوّل كالرواية شاذٌّ جدّاً، يكفي في ضعفه استفاضة دعوى الإجماع بل تواترها كالأخبار، بل دعوى ضرورة المذهب كما عن شرح المفاتيح (7) على

____________

(1) التذكرة 1: 61.

(2) حكاه عن ظاهر الخلاف الفاضل الأصفهاني في كشف اللثام 1: 392، و مثله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 138، و راجع الخلاف 1: 189.

(3) راجع المدارك 2: 268 269.

(4) حكاه عنه الوحيد البهبهاني في مصابيح الظلام (مخطوط): الورقة 231.

(5) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 138 عن أُستاذه الوحيد البهبهاني.

(6) المقنع: 18.

(7) مصابيح الظلام (مخطوط): الورقة 234.

51

بطلان قول ابن الجنيد (1) بطهارة جلد الميتة بالدبغ؛ لظاهر بعض الأخبار المصروفة عن ظاهرها و فراراً عن الطرح المرغوب عنه.

و منه يظهر ما عن المحدّث الكاشاني: من ميله إلى ذلك المذهب معلّلًا بأنّ عدم جواز الانتفاع كما في الأخبار لا يدلّ على النجاسة مع ورود بعض الأخبار بجوازه في الجملة (2).

ثمّ لا إشكال (و) لا خلاف في أنّ في حكم الميتة (أجزاءها، سواء أُبينت من حيٍّ أو ميّت).

أمّا المنفصلة عنها بعد الموت عدا المستثنيات الآتية فهو واضح؛ إذ دعوى اعتبار الانضمام في نجاستها ممّا يقطع العوام بفسادها، فضلًا عن الخبير بالفتاوى و النصوص، فلا يعلم وجهٌ لتردّد صاحب المدارك لولا الإجماع و فهم حصر الدليل في الاستصحاب (3)، مع أنّه حكم بنجاسة أجزاء الكلب المنفصلة بنفس أدلّة نجاسة الكلب (4).

و أمّا الأجزاء المبانة من الحيّ، فالظاهر أيضاً عدم الخلاف في كونها ميتة أو بحكم الميتة، كما استظهره في الحدائق (5) و حكي عن المعالم (6). و في شرح المفاتيح: أنّه اتّفاق الفقهاء و إن الظاهر كونه إجماعاً و أنّ عليه عمل

____________

(1) حكاه العلّامة في المختلف 1: 501.

(2) مفاتيح الشرائع 1: 69.

(3) المدارك 2: 272.

(4) المدارك 2: 276.

(5) الحدائق 5: 72.

(6) معالم الدين (قسم الفقه) 2: 482.

52

الشيعة في الأعصار (1)، سواء كان من الآدمي أم من غيره. و في المدارك: أنّه مقطوع به بين الأصحاب (2). و عن الذخيرة: أنّ المسألة كأنّها إجماعيّة، قال: و لو لا الإجماع لم نقل بها؛ لضعف الأدلّة (3)، و تبع في ذلك شيخه في المدارك (4). و عن التذكرة: أنّ كل ما أُبين من الحيّ ممّا تحلّه الحياة فهو ميّت، فإن كان من آدميٍّ فهو نجس عندنا خلافاً للشافعي (5)، انتهى.

و يدلّ عليه في غير الآدمي: الأخبار الواردة في باب الصيد: أنّ ما قطعت الحبالة فهو ميّت (6)، و ما ورد في باب الأطعمة في أليات الغنم المبانة منها في حال الحياة و أنّها ميتة (7) لا يجوز الاستصباح بها، و في بعضها تعليل منع الاستصباح: بأنّه يصيب اليد و الثوب و هو حرام (8)، و الظاهر الإشارة بذلك إلى نجاستها. هذا، مضافاً إلى مفهوم التعليل في قوله: «إنّ الصوف ليس فيه روح» (9).

و في الآدمي: مرسلة أيّوب بن نوح: «إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسّها إنسان فكلّ ما كان فيه عظم فقد وجب على من مسّه

____________

(1) مصابيح الظلام (مخطوط): الورقة 231.

(2) المدارك 2: 271.

(3) الذخيرة: 147.

(4) المدارك 2: 272.

(5) التذكرة 1: 60.

(6) الوسائل 16: 237، الباب 24 من أبواب الصيد، الحديث 2.

(7) الوسائل 16: 295، الباب 30 من أبواب الصيد، الحديث 1 و 3.

(8) نفس المصدر، الحديث 2.

(9) الوسائل 2: 1089 1090، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحديث 1 و 7.

53

الغسل، فإن لم يكن فيه عظم فلا غسل عليها» (1) لشمولها للمبانة من الحيّ و الميّت، بل لا يبعد دعوى اختصاصه (2) بالمبانة من الحي كما اعترف به بعض (3) فمن العجب بعد ذلك تأمّل صاحب (4) المدارك (5) و الذخيرة (6).

نعم، الإغماض عن الأخبار المذكورة و الاستناد في هذا الحكم إلى تحقّق الموت في العضو المبان ضعيف جدّاً؛ لأنّ الموت و الحياة من صفات نفس الحيوان فلا يتّصف بهما أجزاؤه إلّا تبعاً.

و لا فرق في إطلاق المرسلة بين ما خرج عنه الروح بالقطع و بين ما خرج عنه قبله، و دعوى انصراف الإطلاق إلى الأوّل ممنوعة، إلّا أنّ ما خرج عنه الروح لا دليل على نجاسته مع كونه جزءً من الإنسان، و قد عرفت أنّه لا يصدق عليه الميتة؛ لأنّ الموت لا يتّصف به حقيقةً إلّا الحيوان. و أمّا جعل الشارع الأجزاء المبانة من الحيّ بمنزلة الميتة فلا دليل على التنزيل قبل الإبانة، مضافاً إلى رواية علي بن جعفر الآتية (7) الشاملة لصورة موت الثالول أو يعمّ الجرح أو بعضها متّصلًا بالبدن، مع أنّه نقل الإجماع على طهارتها حال الاتّصال شارح الوسائل و نفى الريب في بطلان القول

____________

(1) الوسائل 2: 931، الباب 2 من أبواب غسل المسّ، الحديث الأوّل.

(2) كذا، و المناسب: «اختصاصها».

(3) لم نعثر عليه.

(4) كذا، و المناسب: «صاحبي».

(5) المدارك 2: 272 و 280.

(6) الذخيرة: 92 و 147.

(7) تأتي في الصفحة اللاحقة.

54

بنجاستها عن المعالم (1)، و في شرح المفاتيح: دعوى الضرورة على عدم التزام الناس بقطعها (2).

فظهر ممّا ذكرنا ضعف التردّد في الأجزاء الكبيرة التي تعرّض لها الموت حال الاتّصال، كما عن شارح الدروس (3). نعم، إذا كان اتّصالها ضعيفاً بحيث يعدّ منفصلًا عرفاً فلا يبعد الحكم بنجاستها.

ثمّ إنّ الظاهر من الرواية بحكم التبادر اختصاص الحكم بما يعدّ جزءاً من بشرة الإنسان، فما يعدّ عرفاً كالخارج الأجنبي مثل القشور، فحكمها حكم الشعر و الظفر، لا يحكم بنجاستها بعد الانفصال، تمسّكاً بأصالة طهارتها الثابتة قبل القطع.

و أمّا الأجزاء الصغار من اللحم كالثالول و نحوه-، فمقتضى الرواية الحكم بنجاستها. و دعوى انصراف القطعة إلى غير الأجزاء الصغار، ناشئة عن الخلط بين التشكيك الابتدائي كانصراف الماء إلى الصافي، و بين التشكيك المستقرّ كانصراف الدرهم و الدينار إلى الرائج؛ و لذا تمسّك بعض كالمصنّف في المنتهي على عدم نجاستها: بلزوم الحرج لولاه، فإنّه اعترف بعموم أدلّة النجاسة و قيام المقتضي لها لولا دليل العفو (4).

و قد يضاف إلى ذلك: التمسّك برواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يكون به الثالول و الجراح، هل يصلح له أن يقطع

____________

(1) معالم الدين (قسم الفقه) 2: 484.

(2) مصابيح الظلام (مخطوط): الورقة 232.

(3) مشارق الشموس: 313.

(4) المنتهي 3: 210.

55

الثالول و هو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس، و إن تخوّف أن يسيل الدم فلا يفعلها» (1).

لكن في دلالتها نظرٌ؛ من حيث إنّ قطع الثالول أو نتف اللحم لا يستلزم حمله آناً ما في الصلاة و لا مسّه برطوبة حتى يجب على تقدير النجاسة تقييد الإمام (عليه السلام) له بصورة عدم لزوم حمل الجزء أو مسّه بالرطوبة، فالحكم بنفي البأس مبنيٌّ على رفع توهّم كونه فعلًا كثيراً منافياً، كما يشهد به سياق الأسئلة التي ذكر هذا السؤال في جملتها.

لكنّ الإنصاف بقرينة اشتراط عدم خوف سيلان الدم الذي لا دخل له بالفعل الكثير يقضي أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام الترخيص الفعلي من جميع الجهات، فكان ينبغي تقييده على تقدير نجاسة المقطوع بصورة عدم الحمل أو المسّ برطوبة، مع غلبة عدم انفكاك القطع عن أحدهما، فالاستدلال به حسن كما عن نهاية الإحكام (2) و المعالم (3)-، مع عدم وجدان قائل بالنجاسة عدا ما عن كشف اللثام: من الميل إلى القول بالنجاسة (4)، لكنّه ضعيف مخالف للمشهور بين المتأخّرين المصرّح به في المنتهي (5) و عن

____________

(1) الوسائل 2: 1082، الباب 63 من أبواب النجاسات، الحديث الأوّل، و فيه: فلا يفعله.

(2) نهاية الإحكام 1: 271.

(3) معالم الدين (قسم الفقه) 2: 484 485.

(4) كشف اللثام 1: 405.

(5) المنتهي 3: 210.

56

الفائدة (1) و المعالم (2) و شرحي الدروس (3) و المفاتيح (4) و الموجز في خصوص البثور و الثالول (5)، و كشف الالتباس (6) و الذخيرة (7) و البحار (8) على ما حكي عن أكثرهم، بل في الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف فيه منهم (9)؛ يعني: في طهارة البثور و الثالول و نحوهما.

و المسألة محل إشكال، و الاحتياط لا ينبغي أن يترك في غير ما يعدّ من قبيل القشور شيئاً زائداً على البدن أجنبيّا عنها، كقشور الرّجل و الشفة و الجرح و اللحم الزائد في الجروح و نحو ذلك.

ثمّ إنّ الظاهر عدم الخلاف في طهارة المسك، ففي المنتهي (10) و عن التذكرة (11): إلا جماع عليه.

و يدلّ عليه: سيرة المسلمين في استعمالها، بل روي: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحبّه (12).

____________

(1) مجمع الفائدة 1: 305.

(2) معالم الدين (قسم الفقه) 2: 485.

(3) مشارق الشموس: 314.

(4) مصابيح الظلام (مخطوط): الورقة 232.

(5) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 58.

(6) كشف الالتباس 1: 401.

(7) الذخيرة: 147.

(8) البحار 80: 75 76.

(9) الحدائق 5: 77.

(10) المنتهي 3: 210.

(11) التذكرة 1: 58.

(12) لم نعثر عليه في المجاميع الروائيّة. نعم نقله العلّامة في المنتهي 3: 210.

57

و الظاهر أنّ هذا المسك المتعارف هو بعض أقسامه، و إلّا فلا إشكال في نجاسة الباقي، فقد ذكر في التحفة: أنّ للمسك أقساماً أربعة (1):

أحدها: المسك التركي، و هو دم يقذفه الظبي بطريق الحيض أو البواسير فينجمد على الأحجار.

الثاني: الهندي، و لونه أخضر: دم ذبح الظبي المعجون مع روثه و كبده و لونه أشقر، و هذان ممّا لا إشكال في نجاستهما.

الثالث: دم يجتمع في سرّة الظبي بعد صيده، يحصل من شقّ موضع الفأرة و تغميز أطراف السرّة حتّى يجتمع الدم فيجمد، و لونه أسود، و هو طاهر مع تذكية الظبي، نجس لا معها.

الرابع: مسك الفأرة، و هو دم يجتمع في أطراف سرّته ثم يعرض للموضع حكّة تسقط بسببها الدم مع جلدةٍ هي وعاءٌ له، و هذا و إن كان مقتضى القاعدة نجاسته؛ لأنّه دم ذي نفس، إلّا أنّ إلا جماع دلّ على خروجه عن هذا العموم؛ إمّا لخروج موضوعه بدعوى استحالة الدم أو بدعوى التخصيص في العموم.

و كيف كان، فلا إشكال في طهارة هذا الذي يتعاطاه المسلمون و إن كان خالياً عن الفأرة.

و أمّا فأرته و هي الجلدة، ففي التذكرة (2) و الذكرى (3) و الموجز (4): إطلاق القول بطهارتها.

____________

(1) تحفة حكيم مؤمن: 245.

(2) التذكرة 1: 58.

(3) الذكرى 1: 118.

(4) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 58.

58

و في المنتهي (1) كما عن كشف الالتباس (2) تقييده بما إذا انفصل من الحيّ أو أُخذ من المذكّى، و صرّح في المنتهي: بأنّها إن أُخذت من ميتة فالأقرب نجاستها (3).

و المحصّل من إطلاق كلامه في المسك و تقييده في فأرته: أنّ طهارة المسك لا ينافي نجاسة فأرته، كما صرّح به في النهاية، حيث قال: على ما حكي-: المسك طاهر و إن قلنا بنجاسة فأرته المأخوذة من الميتة كالإنفحة، و لم يتنجّس بنجاسة الظرف؛ للحرج (4).

و فيه: أنّ الحرج يندفع بالأخذ من المسلم. نعم لو ادّعي انجماد الدم قبل زمان الحكم بنجاسة الفأرة، تعارض أصالة عدم الملاقاة حين الرطوبة مع أصالة بقاء الجفاف حين الملاقاة، لكنّ الانجماد عادةً لا يحصل حين الموت.

فالقول بنجاسة المسك المعلوم كونه في الفأرة المأخوذة من الميتة لا يخلو عن قوّة، و الرواية الواردة بجواز استصحابه في الصلاة (5) مع عدم دلالته على الطهارة الواقعيّة، بل يكفي الحكم (6) بطهارتها أخذها من مسلم معارضة بروايةٍ أُخرى علّق الجواز فيها بقوله: «إذا كان ذكيّاً» (7).

____________

(1) المنتهي 3: 209.

(2) كشف الالتباس 1: 401.

(3) المنتهي 3: 209.

(4) نهاية الإحكام 1: 271.

(5) الوسائل 3: 314، الباب 41 من أبواب لباس المصلي، الحديث الأوّل.

(6) كذا، و المناسب: «في الحكم».

(7) الوسائل 3: 315، الباب 41 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2.