مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج6

- العلامة الحلي المزيد...
430 /
3

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[تتمة كتاب الديون و توابعها]

الفصل السابع في الحوالة

مسألة: المشهور بين علمائنا اعتبار رضى المحال عليه في الحوالة.

و قال ابن حمزة: تصحّ الحوالة بشروط عشرة- الى ان قال:- و رضى المحال عليه على الصحيح (1)، و هو يشعر بوجود قول فيه لبعض أصحابنا ينافيه، و انّه لا يعتبر رضاه.

و احتج الشيخ على ما اختاره بأنّ الإجماع واقع على صحة الحوالة مع رضى المحال عليه، و لا دليل على صحّتها من غير رضاه (2).

و لأنّ إثبات المال في ذمة الغير مع اختلاف الغرماء في شدة الاقتضاء، و سهولته تابع لرضاه.

و يمكن أن يجاب: بأنّ نفي الإجماع نفي دليل خاص، و نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، مع ان الأصل يقتضي الصحة، لقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (3) و نمنع اعتبار رضاه كما لو باعه.

و لم نقف على حديث يتضمن ما ادّعاه علماؤنا في هذا الباب، مع انّ

____________

(1) الوسيلة: ص 283.

(2) الخلاف: ج 3 ص 306 ذيل المسألة 2.

(3) المائدة: 1.

4

الشيخ المفيد لم يذكر اعتبار رضى المحال عليه، بل عبارته تشعر بعدم اعتبار رضاه، فإنّه قال: إذا كان لإنسان على غيره مال فأحاله به على رجل مليّ به فقبل الحوالة و أبرأه منه لم يكن له رجوع، ضمن ذلك المال المحال به عليه أو لم يضمن، فان لم يقبل الحوالة إلّا بعد ضمان المحال عليه و لم يضمن من أحيل عليه ذلك كان له مطالبة المديون، و لم تبرأ ذمته بالحوالة (1). و كذا قال الشيخ في النهاية (2).

و كأنّه يشير بضمان المال الى قبول الحوالة و التزامها، و انتقال الحق منه الى ذمته.

و قال ابن إدريس: لا أرى لقول الشيخ وجها، لأنّه بعد أن يقبل الحوالة فقد تحوّل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، سواء ضمن ذلك أو لم يضمن، لأنّ الضمان به ينتقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، و كذلك الحوالة بها يتحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا فائدة في الضمان بعد عقد الحوالة و انتقال المال و تحويله (3).

و على ما حقّقناه نحن يظهر فائدة كلام الشيخين، و انّما لم يتفطّن ابن إدريس لذلك، لتوهّمه أوّلا الى أنّ الحوالة انّما تصحّ مع رضى الثلاثة، فإذا تمّت لم يبق للضمان فائدة، و كلام الشيخين لا يعطي هنا ذلك.

مسألة: شرط الشيخ في النهاية في براءة ذمة المحيل إبراء المحتال المحيل،

فان احتال و لم يبرئ المحتال المحيل كان له الرجوع عليه أي وقت شاء (4).

و به قال ابن الجنيد، فإنّه قال: ليس له الرجوع على المحيل، إلّا أن يكون

____________

(1) المقنعة: ص 814- 815.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 39- 40.

(3) السرائر: ج 2 ص 80.

(4) النهاية و نكتها: ج 2 ص 40.

5

المحتال لم يبرئ المحيل من المال وقت الحوالة و جعله كالكفيل للمحال عليه فيكون له إذا أعسر أو مات معدما الرجوع بحقه على المحيل. و هو الظاهر من كلام المفيد، فإنّه قال: إذا كان لإنسان على غيره مال فأحال به على رجل مليّ به فقبل الحوالة و أبرأ ذمته لم يكن له رجوع (1). و به قال ابن البراج، و ابن حمزة (2).

و قال أبو الصلاح: و إذا لم يبرأ الغريم الى المحتال من مال الحوالة و رضي المحتال أو المحال عليه بذلك لم تبرأ ذمته منه، و يحتسب بما قبضه من المحال عليه، و يرجع على غريمه الأوّل بالباقي، و ان برأ إليه و رضي كلّ منهما بذلك لم يرجع عليه بشيء من مال الحوالة (3). و هو يوافق قول الشيخ، و لم يتعرّض في الخلاف و المبسوط لذلك.

و قال ابن إدريس: لا يشترط (4)، و هو الأقرب.

لنا: انّ الإبراء إسقاط لما في الذمة، و لا يمكن ثبوته هنا فلا يعدّ شرطا.

أمّا المقدمة الأولى فظاهرة.

و أمّا الثانية: فلأنّ الاسقاط إمّا أن يتحقق قبل الانتقال من ذمة المحيل أو بعده، و القسمان باطلان. أمّا الأوّل: فلأنّه يستلزم بطلان الحوالة، إذ لا يبقى للانتقال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه وجه، لخلوّ ذمة المحيل حينئذٍ من حق ينتقل عنها، و أمّا الثاني: فلأنّ ذمة المحيل بعد الحوالة، و تحويل الحق منها إلى ذمة المحال عليه تكون خالية من الحق فلا يتحقق الاسقاط. و لأنّها عقد قائم بنفسه مأخوذة من تحويل الحق من ذمة إلى أخرى، فإذا تحققت وجب أن

____________

(1) المقنعة: ص 814- 815.

(2) الوسيلة: ص 282.

(3) الكافي في الفقه: ص 340 و فيه: إذا لم يبرأ الغريم الى المحال.

(4) السرائر: ج 2 ص 80.

6

يتحقّق المعنى المشتق منه.

و ما رواه عقبة بن جعفر، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحيل الرجل بمال على الصيرفي ثمَّ يتغيّر حال الصيرفي أ يرجع على صاحبه إذا احتال و رضي؟ قال: لا (1). و هو يدلّ بعمومه على صورة النزاع.

احتجّ الشيخ بما رواه زرارة في الحسن، عن أحدهما(عليهما السلام) في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له الذي احتال: برئت من مالي عليك، فقال: إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه، و إن لم يبرأه فله أن يرجع على الذي أحاله (2).

و لأنّ الحوالة نوع من البيع، و مع تعذر العوض في البيع يرجع الى عوضه فكذا هنا.

و الجواب عن الأوّل: انّ قول المحتال: «برئت من مالي عليك» هو القبول، لأنّ السؤال وقع في الرجل يحيل الرجل بمال فيقول الذي احتال:

برئت من مالي عليك، و هو إشارة إلى قبول الحوالة، و ذلك معتبر بالإجماع، و نمنع كون الحوالة بيعا، فإنها عقد مستقل بنفسه.

مسألة: قال سلّار: إذا كان المحتال قد أخذ بعض الحوالة لم يجز له الرجوع، و ان لم يأخذ فله الرجوع (3).

و لم يعتبر باقي علمائنا ذلك، و هو الحق.

لنا: الأصل لزوم العقد، و عدم اشتراط القبض، فلا يرجع عن الأصلين إلّا بدليل.

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 212 ح 501، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الضمان ح 4 ج 13 ص 159.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 211- 212 ح 496، وسائل الشيعة: 5 11 من أبواب الضمان ح 2 ج 13 ص 158.

(3) المراسم: ص 201.

7

احتجّ بأنّ القبول يتم بذلك.

و الجواب: المنع.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: انّما تصحّ الحوالة في الأموال التي هي ذوات أمثال (1).

و قال في الخلاف: لا يجوز الحوالة بما لا مثل له من الثياب و الحيوان إذا ثبت في الذمة بالقرض، و يجوز إذا كان في ذمته حيوان وجب عليه بالجناية- مثل أرش الموضحة و غيرها- تصحّ الحوالة فيها، و كذلك يصحّ أن يجعلها صداقا لامرأة (2).

و قال ابن الجنيد: الحوالة جائزة بسائر ما يصحّ السلم فيه من الأمتعة مع من يجوّز ذلك معه.

و قال ابن حمزة: يشترط كون المحال به من ذوات الأمثال (3). و لم يذكر المفيد و لا سلّار و لا ابن إدريس ذلك.

و المعتمد عدم الاشتراط، كما قاله ابن الجنيد.

لنا: عموم إلزام المحال عليه بالحق و المال، و هو شامل لذوات الأمثال و غيرها، و أصالة صحة العقد، و عدم اشتراط كونه مثليّا.

و احتجّ المانعون بأنّه مجهول.

و الجواب: المنع من الجهالة، بل يوصف بما يوصف به السلم.

قال الشيخ في الخلاف: يمنع كونه مجهولا، لأنّه لا بد أن يكون معلوما- يعني الحيوان- بوصفه و سنّه و جنسه، فان لم يكن كذلك لم تصحّ الحوالة (4).

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 312.

(2) الخلاف: ج 3 ص 310 المسألة 10 و فيه: «لا يجوز الحوالة بما لا مثل له».

(3) الوسيلة: ص 282.

(4) الخلاف: ج 3 ص 310 ذيل المسألة 10.

8

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا تصحّ الحوالة إلّا بشرطين:

اتفاق الحقين في الجنس و النوع و الصفة، و كون الحق ممّا يصحّ فيه أخذ البدل قبل قبضه، لأنّه لا يجوز الحوالة بالمسلم فيه، لأنّه لا يجوز المعاوضة عليه قبل قبضه، لأنّا لو لم نراع اتفاق الحقين أدّى الى أن يلزم المحال عليه أداء الحق من غير الجنس الذي عليه و من غير نوعه و على غير صفته، و ذلك لا يجوز، و انّما شرطنا أن يكون الحق ممّا يقبل أخذ البدل فيه قبل قبضه، لأنّ الحوالة ضرب من المعاوضة، فلم تصحّ إلّا حيث تصحّ المعاوضة (1). و كذا قال ابن البراج و ابن حمزة (2).

و المعتمد عدم اشتراط ذلك، عملا بالأصل.

و لأنّه تجوز الحوالة على من ليس عليه حق، فعلى من عليه حق مخالف أولى، و إذا رضي المحال عليه بالحوالة تسلّط المحتال، عملا بالعقد، و الشناعة انّما تلزم لو لم يعتبر رضاه هنا، و نحن هنا نعتبر رضاه، لأنّها نوع معاوضة، بخلاف ما اتفق الحقان في الجنس.

و اعلم انّ الشيخ قال بعد ذلك: قال قوم: الحوالة بيع، إلّا أنّه غير مبني على المكايسة و المغابنة و طلب الفضل و الربح، و انّما هو مبنيّ على الإرفاق و القرض، فلا يجوز إلّا في دينين متفقين في الجنس و الصفة، و لا يجوز إذا كانا في جنسين مختلفين و لا في جنس واحد مع اختلاف الصفة، فيجب أن يكونا حالّين أو مؤجّلين أجلًا واحداً، و لا يجوز أن يكون أحدهما حالًا و الآخر مؤجّلًا، و لا أن يكون أحدهما صحاحا و الآخر مكسورا، و لا أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، لأنّ المقصود منه الرفق دون المكايسة و المغابنة، و على هذا لا يجوز أن يحيل بالطعام

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 313.

(2) الوسيلة: ص 282.

9

الذي يحلّ عليه من السلم، لأنّ بيعه لا يجوز قبل قبضه، ثمَّ قال: و يقوي في نفسي أنّها ليست ببيع بل هي عقد منفرد، و يجوز خلاف جميع ذلك، إلّا زيادة أحد النقدين على صاحبه، لأنّه ربا، و لا يمتنع أن نقول: إنّ الحوالة تجوز فيما له مثل و فيما يثبت في الذمة بعد أن يكون معلوما، فاذا كان في ذمته حيوان وجب عليه بالجناية- مثل أرش الموضحة و ما أشبهها- صحّ فيها الحوالة (1). و هذا يوافق ما اخترناه.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان له على اثنين ألف درهم و كلّ منهما كفيل ضامن عن صاحبه فطالب أحدهما بألف فأحاله بها على آخر برئ المحيل و صاحبه من الألف،

لأنّ الحوالة بمنزلة البيع المقبوض، و إذا قضى دينه برئ ضامنه، و إذا قضى ما ضمنه برئ من عليه الدين- و هو المضمون عنه- فيجب أن يبرئ صاحبه من الخمسمائة التي عليه، لأنّه قضاها من خمسمائة الضمان، لأنّه قضاها عن المضمون عنه، و يرجع عليه بخمسمائة الضمان بمن ضمن بإذنه، و إلّا فلا، و لو كان له على رجلين ألف و لرجل عليه ألف فأحاله بها على الرجلين و قبل الحوالة كان جائزا، فإن كان كلّ واحد منهما ضامنا عن صاحبه فأحاله عليهما لم تصحّ الحوالة، لأنّه يستفيد بها مطالبة الاثنين كلّ واحد منهما بألف، و هذه زيادة في حق المطالبة بالحوالة، و ذلك لا يجوز، و ليس له أن يطالب كلّ واحد منهما بألف، و انّما يقبض الألف من أحدهما دون الآخر، و قيل: إنّه يجوز له أن يطالب كلّ واحد منهما بألف، فإذا أخذه برئ الآخر، و هذا أقرب (2).

و في هذه المسألة موضع بحث و نظر، و ذلك أنّ الضمان عندنا ناقل، فاذا

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 316- 317.

(2) المبسوط: ج 2 ص 317- 318.

10

ضمن كلّ واحد منهما نصف الألف عن صاحبه فلا يخلو المضمون له إمّا أن يرضى بضمانهما معا أو بضمان أحدهما خاصة أو لا يرضى بشيء منهما، فإذا رضي بهما معا و لم يرض بشيء منهما لم يكن له مطالبة كلّ واحد منهما بأكثر من النصف.

أمّا على تقدير عدم الرضى فظاهر، و أمّا على تقديره فلانتقال ما في ذمة كلّ واحد منهما الى الآخر فينتفي، كما لو لم يكن ضمان، و ليس له على تقدير الرضى مطالبة كلّ واحد منهما بالألف، لأنّ الضمان عندنا ناقل، و انّما يتأتى المطالبة على قول المخالفين، لأنّ الضمان عندهم غير ناقل.

و أمّا إذا رضي بضمان أحدهما خاصة فإنّه يطالبه بالألف خاصة، و ليس له على الآخر سبيل.

إذا تقرّر هذا، فإذا أحاله عليهما و كان قد رضي بالضمان صحّت الحوالة، و كان له مطالبة كلّ واحد منهما بالنصف لا غير.

مسألة: قوّى الشيخ في المبسوط هبة الدين إلى أجنبي (1).

و تبعه ابن البراج.

و الوجه المنع، لأنّه غير مقدور على تسليمه، و لأنّه غير معيّن.

احتجّ الشيخ بأنّه لا مانع منه فصحّت هبته، كما صحّ بيعه (2).

و الجواب: ما بيّناه من ثبوت المانع.

مسألة: منع الشيخ في المبسوط من حوالة المولى على مكاتبه بمال الكتابة،

لأنّ للمكاتب أن يعجّز نفسه (3). و تبعه ابن البراج.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 320.

(2) المبسوط: ج 2 ص 320.

(3) المبسوط: ج 2 ص 321.

11

و الوجه الجواز، و قد تقدم بيانه.

مسألة: قوّى الشيخ في المبسوط في أوّل كتاب الحوالة جوازها على من ليس عليه شيء للمحيل (1)،

ثمَّ قوّى في موضع آخر المنع (2).

و الأوّل أقوى، عملا بالأصلين الجواز و عدم الاشتراط.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 313.

(2) المبسوط: ج 2 ص 321.

12

الفصل الثامن في الكفالة

مسألة: منع الشيخ في النهاية (1) و المفيد (2) الكفالة الحالّة،

كما لا يصحّ ضمان مال و لا نفس إلّا بأجل معلوم. و تبعهما ابن حمزة (3)، و هو الظاهر من كلام سلّار (4).

و لابن البراج قولان، و سوّغ في المبسوط الحالّة (5)، و به قال ابن إدريس (6)، و هو المعتمد.

لنا: الأصل الدالّ على الجواز و عدم الاشتراط.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل رجل ببدن غيره صحّ،

إلّا أنّه لا يصحّ إلّا بإذن من تكفّل عنه (7). و تبعه ابن البراج، و ابن حمزة (8)، و ابن إدريس (9) و لم يشترط باقي علمائنا ذلك، و هو المعتمد.

لنا: الأصل.

و لأنّه لا يشترط رضاه في كفالة المال فكذا البدن.

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 38.

(2) المقنعة: ص 815.

(3) الوسيلة: ص 280.

(4) المراسم: ص 200.

(5) المبسوط: ج 2 ص 337.

(6) السرائر: ج 2 ص 77.

(7) المبسوط: ج 2 ص 337.

(8) الوسيلة: ص 281.

(9) السرائر: ج 2 ص 77.

13

مسألة: قال ابن الجنيد: الكفالة و الحوالة في معنى واحد،

و ليس تبرأ بها ذمة المكفول عنه كما تبرأ بالحوالة التي يتحوّل بها الحق من ذمة المحيل الى المحال عليه، فاذا كفل زيد بحق لعبد اللّه على عمرو فليس لعبد اللّه مطالبة زيد بما كفل له به عن عمرو، إلّا بعد إفلاس عمرو بحق زيد أو موته و لم يخلّف ما يأخذ منه عبد اللّه حقه.

و هذا القول ليس بجيّد، لأنّ الكفالة إن كانت بالمال نقلت و كانت ضمانا، و ان كانت بالنفس لم يلزم الكفيل سوى الإحضار، فإن أفلس المكفول أو مات بطلت و لم يلزم الكفيل المال.

و كان الشيخ أبا علي يختار مذهب المخالفين من أنّ الضمان غير ناقل، لأنّه قال فيما بعد: إذا مات المكفول لم يجب على الكفيل شيء. و فيه بعض القوة.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفّل مؤجّلا صحّ،

فإن أحضره قبل الأجل و سأله تسليمه نظر، فان كان لا ضرر عليه فيه لزم تسلّمه، و ان كان عليه ضرر لم يجب (1). و تبعه ابن البراج على ذلك.

و الحق انّه لا يجب تسلّمه قبل الأجل، لأنّه حقّه في الأجل، فلا يجب أن يقبض غير حقه.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفّل على أن يسلّمه إليه في موضع فسلّمه في موضع آخر فان كان عليه مئونة في حمله الى موضع التسليم لم يلزمه قبوله

و لا يبرأ الكفيل، و ان لم يكن عليه مئونة فيه و لا ضرر لزمه قبوله في الأجل، كما ذكرنا في الأجل سواء (2). و تبعه ابن البراج.

و الحق انّه لا يجب عليه أخذه في غير الموضع المشترط، لأنّه ليس حقّه، كما قلنا في الأجل.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 337- 338.

(2) المبسوط: ج 2 ص 338.

14

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: كفلت ببدن فلان على أن يبرئه فلان الكفيل أو على أن يبرئه من الكفالة لا تصحّ الكفالة،

لأنّه لا يصحّ أن يبرئه، فهذا شرط فاسد (1).

و الوجه عندي صحة ذلك إذ إبراء الغير أمر سائغ مطلوب للعقلاء، فصحّ اشتراطه في العقود القابلة للشرط، و الكفالة عقد قابل للشرط، فصحّ اشتراطه.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفّل رجلان ببدن رجل فسلّمه أحدهما لم يبرأ الآخر،

لأنّه لا دليل عليه (2). و تابعه ابن حمزة (3)، و ابن البراج (4).

و الأجود الإبراء، لأنّ المكفول له لو سلّم نفسه برئ الكفيل، فكذا لو سلّمه أحد الكفيلين.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفّل ببدن المكاتب لسيّده لم تصحّ،

لأنّ الدين الذي في ذمته لا تصحّ الكفالة به فلم تصحّ ببدنه (5). و هو مبنيّ على اختياره في أنّ مال الكتابة ليس بلازم، و نحن لما طعنّا في هذه المقدمة ساغت عندنا الكفالة.

مسألة: إذا مات المكفول برئ الكفيل على الأشهر.

إذا ثبت هذا فنقول: قال أبو الصلاح: إذا ظن المكفول له أو المحتال كون الكفيل مليّا و انكشف الخلاف في حال الكفالة أو الحوالة رجع على غريمه الأوّل، و ان كان في الحال مليّا ثمَّ أفلس فيما بعد أن كان معلوم الحال و رضي به

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 338.

(2) المبسوط: ج 2 ص 339.

(3) الوسيلة: ص 281.

(4) جواهر الفقه: ص 71- 72 المسألة 269.

(5) المبسوط: ج 2 ص 340.

15

لم يكن له رجوع على الأوّل بشيء، و صار إحضار الغريم في وقت معيّن أو أي وقت شاء المضمون له مدّة معلومة بشرط البقاء صحيحا يلزم معه إحضاره، فإن طلبه و لم يحضره و هو حي فعليه الخروج ممّا ثبت عليه، و ان مات قبل ذلك فلا شيء عليه، إلّا أن يشترط على نفسه انّه إن لم يأت [به] فعليه ما عليه، فيلزمه متى لم يحضره القيام بما يثبت عليه حيا كان أم ميتا (1).

و التحقيق أن نقول: إن كانت هذه الكفالة بالمال لزمه المال، و لا يجب عليه إحضار الغريم، لانتقال الحق إلى ذمته، و لا يسقط بالموت. و ان كانت بالبدن بطلت بالموت، سواء شرط القيام بما يثبت عليه أو لا، لأنّ هذا مقتضى الكفالة، و ان لم يشترط مع انّها تبطل بالموت فكذا إذا شرطه.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أطلق موضع التسليم وجب التسليم في موضع الكفالة (2).

و قال ابن حمزة: يلزمه التسليم في دار الحاكم أو في موضع لا يقدر على الامتناع (3). و الوجه الأوّل.

لنا: انّه إطلاق لموضع التسليم فتعيّن موضع العقد كالسلم، و لعدم أولوية بعض الأمكنة.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: و من ضمن غيره إلى أجل و قال: إن لم آت به كان عليّ كذا و حضر الأجل لم يلزمه إلّا إحضار الرجل،

فان قال: عليّ كذا إن لم احضر فلانا ثمَّ لم يحضره وجب عليه ما ذكره من المال (4)، لما رواه أبو العباس، عن الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن رجل يكفل بنفس

____________

(1) الكافي في الفقه: ص 339- 340 و فيه: «و ضمان إحضار».

(2) المبسوط: ج 2 ص 238.

(3) الوسيلة: ص 281.

(4) النهاية و نكتها: ج 2 ص 38.

16

الرجل إلى أجل فان لم يأت به فعليه كذا و كذا درهما، قال: إن جاء به الى أجل فليس عليه مال و هو كفيل بنفسه أبدا، إلّا أن يبدأ بالدراهم، فان بدأ بالدراهم فهو له ضامن إن لم يأت إلى الأجل الذي أجّله (1).

و عن أبان بن عثمان، عن أبي العباس قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل كفل لرجل بنفس رجل فقال: إن جئت به و إلّا فعليّ خمسمائة درهم، فقال: عليه نفسه و لا شيء عليه من الدراهم، فان قال: عليّ خمسمائة درهم إن لم أدفعه إليه، فقال: يلزمه الدراهم إن لم يدفعه إليه (2).

و قال ابن حمزة: إن قدّم ضمان المال على الكفالة و عجز عن التسليم يلزمه المال، فان قدّم الكفالة على ضمان المال لزمه إحضاره دون المال (3).

و قال ابن البراج: إن قال: إن لم أحضره إلى وقت كذا فعليّ كذا فقدّم ذكر الوقت و أخّر ذكر المال لم يجب عليه إذا حضر الأجل إلّا إحضاره دون المال، و ان كان قال: عليّ كذا إن لم أحضره في وقت كذا فقدّم ذكر المال و أخّر ذكر الوقت وجب عليه إذا حضره الأجل و لم يحضره المال الذي ذكره.

و ابن إدريس قال: الفرق انّه إن بدأ بضمان المال فقال: عليّ المال المعيّن الى كذا إن لم أحضره ثمَّ لم يحضره وجب عليه ما ذكره من المال، و ان بدأ بضمان النفس فقال: إن لم أحضره عند حلول الأجل كان عليّ كذا و حضر الأجل لم يلزمه إلّا إحضار الرجل دون ما ذكر من المال، لأنّه بدأ بضمان النفس قبل المال فافترق الأمران (4).

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 209 ح 488، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الضمان ح 2 ج 13 ص 157.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 210 ح 493، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الضمان ح 1 ج 13 ص 157.

(3) الوسيلة: ص 281.

(4) السرائر: ج 2 ص 75.

17

و عندي في هذه المسألة نظر.

و قال ابن الجنيد: إذا قال الكفيل لصاحب الحق: مالك على فلان فهو عليّ دونه الى يوم كذا و أنا كفيل لك بنفسه صحّ الضمان على الكفيل بالنفس و بالمال إن لم يؤدّ المطلوب الى الطالب الى ذلك لأجل، و سواء قال له عند الضمان إن لم يأتك به أو لم يقل له ذلك، فان قدّم الكفالة بالنفس و قال:

أنا كفيل لك بنفس فلان الى يوم كذا فان جاء بمالك عليه- و هو ألف درهم- و إلّا فأنا ضامن للألف صحّت الكفالة بالنفس و بطل الضمان للمال، لأنّ ذلك كالقمار و المخاطرة، و هو كقول القائل: إذا طلعت الشمس غدا فمالك على فلان غريمك- و هو ألف درهم- على الذي قد أجمع على أنّ الضمان كذلك باطل. و قول ابن الجنيد أنسب.

مسألة: المشهور انّه لا تصحّ الكفالة في الحدود.

و قال ابن الجنيد: و الكفالة عندي جائزة بنفس من عليه الحد، و ليس جائزة بالحد.

لنا: انّ الواجب في الكفالة الحد مع تعذر الإحضار، و هو غير ممكن هنا.

لا يقال: ينتقض بالقابل.

لأنّا نقول: انّ هناك عوضا و هو الدية، بخلاف صورة النزاع.

احتج بعموم الجواز، و انّه حق فجازت الكفالة عليه كالمال.

و الجواب: العموم قد يخصّ، و الفرق إمكان الاستيفاء في المال دون الحد.

18

الفصل التاسع في الوكالة

مسألة: تصحّ الوكالة من أهل السهمان في قبض الزكاة،

قاله الشيخ في المبسوط (1).

و قال ابن البراج: لا تصحّ الوكالة في الزكاة إلّا في إخراجها.

و قال ابن إدريس: قال بعض أصحابنا: يجوز من أهل السهمان التوكيل في قبضها (2).

و قال ابن البراج: لا يجوز، و هو الذي يقوى في نفسي، لأنّه لا دلالة عليه، فمن ادّعاه فقد أثبت حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و لا دلالة، و أيضا فالذمة مرتهنة بالزكاة، و لا خلاف بين الأمة أنّ تسليمها الى مستحقها يبرئ الذمة بتعيّن، و ليس كذلك إذا سلّمت الى الوكيل، لأنّ الوكيل ليس هو من الثمانية أصناف بغير خلاف. و لأنّ الزكاة و الخمس لا يستحقها واحد بعينه، و لا يملكها إلّا بعد قبضه لها فتعيّن له ملكها، و الوكيل لا يستحق إلّا ما يتعيّن ملكه للموكّل و استحقّ المطالبة به، و كلّ واحد من أهل الزكاة و الخمس لا يستحق المطالبة بالمال، لأنّ الإنسان مخيّر في وضعه فيه أو في غيره، فلا يجبر

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 361.

(2) السرائر: ج 2 ص 82.

19

على تسليمه إليه. و الحق الجواز.

لنا: انّه عمل مباح يقبل النيابة فصحّت الوكالة فيه، امّا اباحته فلا شك فيها، و أمّا قبوله النيابة فظاهر، و لهذا وضع الشارع نصيبا للعامل، و لا خلاف انّه يجب دفع الزكاة الى الامام و العامل، و تبرأ ذمة الدافع و ان تلفت، لأنّهما كالوكيلين لأهل السهمان. و أيّ استبعاد في أن يقول الفقير: وكلتك في قبض ما يدفعه المالك إليّ عن زكاته، و لا يستلزم ذلك استحقاق المطالبة، بل إذا اختار المالك الدفع الى ذلك الفقير جاز الدفع الى وكيله.

مسألة: قال الشيخ: الطهارة لا يصحّ التوكيل فيها،

و انّما يستعين بغيره في صب الماء عليه على كراهية فيه (1).

و قال ابن البراج: و أمّا النيابة في صب الماء على المتطهّر القادر على الطهارة فعندي لا يجوز، و قد أجازه بعض أصحابنا على كراهية، و الظاهر من المذهب ما ذهبنا إليه. و المعتمد ما قاله الشيخ.

لنا: الأصل الإباحة.

و احتج بالنهي.

و الجواب: انّه محمول على الكراهية.

و قوله: «الظاهر من المذهب ما ذهبنا إليه» ممنوع، بل الأظهر بين علمائنا الكراهية دون التحريم.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: من وكّل غيره في أن يطلّق عنه امرأته و كان غائبا جاز طلاق الوكيل،

و ان كان شاهدا لم يجز طلاق الوكيل (2). و تبعه ابن البراج، و أبو الصلاح (3).

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 360.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 44.

(3) الكافي في الفقه: ص 337.

20

و قال ابن إدريس: يصحّ في الحاضر كالغائب (1) و هو الأقوى.

لنا: انّه فعل يقبل النيابة فيصحّ دخولها فيه.

أمّا المقدمة الأولى فظاهرة، إذ يجوز مع الغيبة.

و أمّا بالنيابة فظاهرة، كغيرها أيضا من الأفعال.

و قال ابن إدريس: لا خلاف إن خاف الشقاق و بعث الحكمين، انّ الرجل إذا وكّله للحكم الذي هو من أهله في الطلاق و طلّق مضى طلاقه و جاز و ان كان الموكّل حاضرا في البلد (2).

احتج الشيخ بما رواه زرارة، عن الصادق(عليه السلام) قال: لا يجوز الوكالة في الطلاق (3).

قال الشيخ: و هذا الإطلاق محمول على انّه إذا كان حاضرا في البلد، و الأخبار التي وردت بجواز التوكيل في الطلاق محمولة على الغيبة (4).

و الجواب: الرواية ضعيفة السند، مع قصورها عن افادة المطلوب، لأنّها تدلّ على المنع مطلقا، فما تدلّ الرواية عليه لا نقول به، و ما ذهب إليه لا تدلّ الرواية عليه.

و قوّى الشيخ المنع من التوكيل في الاحتطاب و الاحتشاش، و سوّغ التوكيل في إحياء الموات (5). و تبعه ابن إدريس (6).

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 83.

(2) السرائر: ج 2 ص 84.

(3) تهذيب الاحكام: ج 8 ص 39 ح 120، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الطلاق ح 4 ج 15 ص 334.

(4) تهذيب الاحكام: ج 8 ص 40 ذيل الحديث 120.

(5) المبسوط: ج 2 ص 363 و فيه: «لا يصح التوكيل في إحياء الموات».

(6) السرائر: ج 2 ص 85.

21

و في الجمع بين الحكمين نظر.

مسألة: منع الشيخ (1)، و ابن إدريس (2) من التوكيل في تثبيت الحد و جوازه في القذف،

قالا: لأنّها لا تسمع الدعوى فيها.

و فيه نظر، لإمكان استتباع حقوق غير الحد كالمهر و الأرش و غيرهما و فسخ النكاح.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: و أمّا الجهاد فلا تصحّ النيابة فيه بحال،

لأنّ كلّ من حضر الصف توجّه فرض القتال إليه وكيلا كان أو موكّلا، و قد روي انّه يدخله النيابة (3).

و المعتمد دخول النيابة فيه، و لهذا يصحّ الاستئجار عليه، و هذا اختيار ابن البراج (4).

مسألة: الصناع إذا قبضوا شيئا للعمل

كالقصار و الصباغ و الحائك و غيرهم و تلف من غير تعدّ قال الشيخ في المبسوط (5)، و تبعه ابن إدريس (6): فيه قولان: أحدهما: انّ عليهم الضمان، و الآخر: لا ضمان عليهم. و كلا الوجهين رواه الأصحاب، و الأصح الثاني، و سيأتي البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: و أمّا المرأة فإنّها تتوكّل لزوجها في طلاق نفسها

عند الفقهاء، و فيه خلاف بين أصحابنا، و الأظهر انّه لا يصح ذلك (7)، و تبعه ابن إدريس (8). و الوجه عندي الجواز.

لنا: انّه فعل تدخله النيابة صدر من أهله في محلّه فكان واقعا، عملا بالأصل.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 362.

(2) السرائر: ج 2 ص 84.

(3) المبسوط: ج 2 ص 364.

(4) المهذب: ج 2 ص 298.

(5) المبسوط: ج 2 ص 364.

(6) السرائر: ج 2 ص 86.

(7) المبسوط: ج 2 ص 365.

(8) السرائر: ج 2 ص 87.

22

مسألة: منع الشيخ في المبسوط جواز أن يتوكّل الكافر في تزويج المسلمة (1)،

و جوّزه ابن إدريس (2). و الأوّل أجود.

لنا: انّه نوع سلطنة و ثبوت ولاية و سبيل على المسلم فلا يصحّ، لقوله تعالى «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (3).

احتج بالأصل.

و الجواب: المنع من التمسك به مع قيام منافيه.

مسألة: عقد السبق و الرماية قال الشيخ: انّه جعالة فيكون جائزا من الطرفين (4).

و قال ابن إدريس: انّه إجارة فيكون لازما من الطرفين بعد تردّده و اضطرابه (5). و الوجه الأوّل.

لنا: الأصل عدم اللزوم و براءة الذمة.

احتج بقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (6) و هذا عقد.

و الجواب: المنع من العموم، بل المراد العقود اللازمة، و فيه النزاع.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شرط الموكّل أن تكون الوكالة عامة قام الوكيل مقام الموكّل على العموم (7).

و به قال ابن إدريس (8)، و هو قول المفيد (9)، و سلّار (10)، و ابن البراج.

و قال الشيخ في الخلاف: إذا وكّله في كلّ قليل و كثير لم يصحّ، لأنّ فيه

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 365.

(2) السرائر: ج 2 ص 86.

(3) النساء: 141.

(4) المبسوط: ج 2 ص 367.

(5) السرائر: ج 2 ص 88 و فيه: «انه جعالة» بدل «إنه إجارة».

(6) المائدة: 1.

(7) النهاية و نكتها: ج 2 ص 41.

(8) السرائر: ج 2 ص 89.

(9) المقنعة: ص 816.

(10) المراسم: ص 201.

23

غررا عظيما، لأنّه ربما التزمه بالعقود ما لا يمكنه الوفاء به و ما يؤدي الى ذهاب ماله، مثل أن يزوّجه بأربع حرائر ثمَّ يطلقهنّ قبل الدخول فيلزمه نصف مهورهنّ ثمَّ يتزوّج بأربع حرائر أخرى و على هذا أبدا، و يشتري له من الأرضين و العقارات و غيرها ممّا لا يحتاج إليه، و في ذلك غرر عظيم، فما يؤدي إليه فهو باطل. و أيضا فإنّه لا دليل على صحة هذه الوكالة في الشرع (1). و المعتمد الأوّل.

لنا: انّ كلّ فعل من الأفعال التي تدخله النيابة يصحّ التوكيل فيه بالنصوصية و الاندراج تحت أشخاص معيّنة، فجاز أن يندرج تحت العموم، لتناوله الجزئيات بالسواء.

و ما ذكره الشيخ فالجواب عنه أنّ تصرّف الوكيل منوط بالمصلحة و كلّ فعل يفعله و يكون فيه مصلحة الموكّل كان صحيحا، و ما لا فلا.

مسألة: المشهور بين علمائنا أنّه يجوز للحاضر أن يوكّل في الخصومة،

و لا يلزمه الحضور، سواء رضي خصمه بذلك أو لا.

و قال ابن الجنيد: و لا أختار جوازها للحاضر فيما فيه بيّنة منازعة بينه و بين غيره، فإن رضي الخصم بمخاصمة وكيل خصمه و هو حاضر جاز إذا ألزم الموكّل نفسه ما لم يلزمه وكيله، و لم يكن له أن يخرج منه خصومة، و لا أن يدّعي غير ما ادّعاه له وكيله.

لنا: الأصل الجواز.

و لأنّه فعل يقبل النيابة في الغيبة فيقبلها مع الحضور.

مسألة: نقل ابن إدريس عن شيخنا في النهاية انّه: لا يجوز أن يتوكّل المسلم للذمّي على المسلم (2).

____________

(1) الخلاف: ج 3 ص 350 المسألة 14.

(2) السرائر: ج 2 ص 90.

24

و الشيخ(رحمه اللّه) قال في النهاية: و للمسلم أن يتوكّل المسلم على أهل الإسلام و أهل الذمة، و لأهل الذمة على أهل الذمة خاصة (1).

و ليس ذلك صريحا في المنع على انّه قال في الخلاف: يكره أن يتوكّل مسلم لكافر على المسلم، و لم ينكره ذلك أحد من الفقهاء، دليلنا: إجماع الفرقة، و لأنّه لا دليل على جوازه (2). و هذا يدل على المنع.

و قال في المبسوط: يكره أن يتوكّل المسلم الكافر على المسلم، و ليس بمفسد للوكالة (3).

و الشيخ المفيد صرّح فقال: و للمسلم أن يتوكّل للمسلمين على أهل الإسلام، و أهل الذمة على أهل الذمة خاصة (4). و منع أبو الصلاح من ذلك (5).

و قال سلّار: الوكلاء على ضربين: مسلم و ذمّي، فالمسلم يتوكّل للمسلم على المسلم و على الذمّي، و للذمّي على الذمي (6). و هو يشعر بالمنع أيضا.

و الأقرب الجواز على كراهية، و به قال ابن إدريس (7).

لنا: الأصل الدالّ على الجواز السالم عن معارضة إثبات السبيل للكافر على المسلم فيثبت الجواز.

مسألة: المشهور انّه لا يشترط في الوكيل الإسلام

إلّا على الخصم المسلم.

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 41.

(2) الخلاف: ج 3 ص 350 المسألة 15.

(3) المبسوط: ج 2 ص 392.

(4) المقنعة: ص 817.

(5) الكافي في الفقه: ص 338.

(6) المراسم: ص 201.

(7) السرائر: ج 2 ص 90.

25

و قال أبو الصلاح: لا يجوز للمسلم أن يوكّل إلّا للمسلم العاقل، الأمين الجازم، البصير بلحن الحجة، العالم بمواقع الحكم، العارف باللغة التي يحاور بها (1).

و الظاهر انّ مراده ما قلناه من المنع على المسلم، و لهذا قال: و يجوز أن يوكّل المسلم و الكافر على الكافر (2).

و قال ابن الجنيد: و لا نختار توكيل غير ذي الدين من البالغين، و لا يستحب وكالة المسلم لمن يوجب الدين البراءة منه و لا توكيله.

لنا: الأصل الجواز.

احتج بقوله تعالى «وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» (3) إذ الكافر ظالم، و الوكالة ركون.

و الجواب: النهي راجع الى الأمور الدينيّة، إذ لا خلاف في جواز ايداعهم و قبول قولهم في بيع المرابحة.

مسألة: المشهور استحباب الصفات التي ذكرها أبو الصلاح

من العفة و البصارة و المعرفة باللغة و غيرها، و قول أبي الصلاح يشعر بالوجوب.

و كذا قال ابن البراج: لا يجوز للمسلم أن يوكّل على المسلم، إلّا المسلم الثقة العاقل الأمين، البصير بالمناظرة، المطّلع بالاحتجاج، العالم بمواقع الحكم، العارف باللغة التي يحاور بها. و له قول آخر بالكراهة.

لنا: الأصل الجواز.

مسألة: اختلف علماؤنا في انعزال الوكيل بعزل الموكّل له.

____________

(1) الكافي في الفقه: ص 337.

(2) الكافي في الفقه: ص 338.

(3) هود: 113.

26

فقال ابن الجنيد: لا يصحّ عزل الموكّل لوكيله إلّا أن يعلمه بالعزل، و له ما لم يعلمه بالعزل أن يعمل الموكّل فيه، و يلزم الموكّل فعله و ان كان قد عزله و لم يعلم. و كذلك الرواية عن أمير المؤمنين(عليه السلام) و أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

و قال الشيخ في النهاية: و من وكّل وكيلا و أشهد على وكالته ثمَّ أراد عزله فليشهد على عزله علانية بمحضر من الوكيل أو يعلمه بذلك كما أشهد على وكالته، و إذا أعلمه عزله أو أشهد على عزله إذا لم يمكنه إعلامه بعد العزل فقد انعزل الوكيل عن وكالته، و كلّ أمر ينفذه بعد ذلك يكون باطلا لا يلزم الموكّل منه قليلا و لا كثيرا، و ان عزله و لم يشهد على عزله أو لم يعلمه ذلك مع إمكان ذلك لم ينعزل الوكيل، و كلّ أمر ينفذه بعد ذلك كان ماضيا على موكّله الى أن يعلم بعزله (1). و بهذا القول قال أبو الصلاح (2)، و ابن البراج، و ابن حمزة (3)، و ابن إدريس (4).

و قال الشيخ في الخلاف: إذا عزل الموكّل وكيله عن الوكالة في غيبة من الوكيل، لأصحابنا فيه روايتان: إحداهما: انّه ينعزل في الحال و ان لم يعلم الوكيل، و كلّ تصرف يتصرف فيه الوكيل بعد ذلك يكون باطلا، و هو أحد قولي الشافعي. و الثاني: انّه لا ينعزل حتى يعلم الوكيل ذلك، و كلّ ما يتصرف فيه يكون واقعا موقعه الى أن يعلم، و هو قول الشافعي الآخر، و به قال أبو حنيفة.

دليلنا على ذلك: أخبار الطائفة، و هي مختلفة، و قد ذكرناها في الكتابين، و من راعى العلم استدلّ على ذلك بأن قال: إنّ النهي لا يتعلّق به حكم في حق

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 42.

(2) الكافي في الفقه: ص 338.

(3) الوسيلة: ص 283.

(4) السرائر: ج 2 ص 93.

27

المنهي إلّا بعد حصول علمه به، و هكذا أبواب نواهي الشرع كلّها، و لهذا لمّا بلغ أهل قبا انّ القبلة قد حوّلت إلى الكعبة و هم في الصلاة داروا و بنوا على صلاتهم و لم يؤمروا بالإعادة، و كذلك نهي الموكّل وكيله عن التصرف ينبغي أن لا يتعلق به حكم في حق الوكيل إلّا بعد العلم. ثمَّ قال: و هذا القول أقوى من الأوّل، و قد رجّحناه في الكتابين (1).

و أصح ما بلغنا في هذا الباب ما رواه هشام بن سالم، عن الصادق(عليه السلام) عن رجل وكّل آخر في إمضاء أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال: اشهدوا انّي قد عزلت فلانا عن الوكالة، فقال: إن كان الوكيل قد أمضى الأمر الذي وكّل عليه قبل أن يعزله عن الوكالة فإنّ الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل، كره الموكّل أم رضي، قلت: فانّ الوكيل قد أمضى الأمر قبل أن يعلم العزل أو يبلغه انّه قد عزله عن الوكالة فالأمر واقع ماض على ما أمضاه؟ قال: نعم، قلت له: فان بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر ثمَّ ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟ قال: نعم انّ الوكيل إذا وكّل ثمَّ قام عن المجلس فأمره ماض أبدا، إذ الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بنفسه أو يشافهه بالعزل عن الوكالة (2).

و قد روى جابر بن يزيد و معاوية بن وهب، عن الصادق(عليه السلام) في خبر ضعيف السند- قال: من وكّل رجلا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها (3).

____________

(1) الخلاف: ج 3 ص 342- 343 المسألة 3.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 213 ح 503، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 286.

(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 213 ح 502، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 285.

28

و كذا في حديث أبي هلال الرازي، عن الصادق(عليه السلام) (1).

و في حديث العلاء بن سيابة، عن الصادق(عليه السلام) انّ عليّا(عليه السلام) قضى بمثل ذلك (2).

و لم نظفر بالرواية الأخرى التي نقلها الشيخ في الخلاف، و لم يتوسّط بين الروايات في التهذيب، و بأنّ الوكالة لم يذكرها في الاستبصار البتة.

فاذا الظاهر عدم عزل الوكيل إلّا أن يعلم العزل، لهذه الروايات.

و لأنّه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر، لأنّه قد يتصرف تصرفات تقع باطلة، و ربما باع الجارية فيطؤها المشتري، و الطعام فيأكله و غير ذلك فيتصرف فيه المشتري و يجب ضمانه و يتصرف المشتري و الوكيل. و القول الآخر ليس برديء، لأنّ الوكالة من العقود الجائزة، فللموكّل الفسخ و ان لم يعلم الوكيل، و إلّا كانت لازمة حينئذ، هذا خلف.

و لأنّ العزل رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه، فلا يفتقر الى علمه كالطلاق و العتق.

و قول الشيخ في النهاية لا بأس به، لأنّه توسط بين الأقوال.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وكّله في تزويج امرأة بعينها فزوّجه غيرها لم يثبت النكاح

و لزم الوكيل مهرها، لأنّه غرّها، و ان عقد له على المرأة التي أمر بالعقد عليها ثمَّ أنكر الموكّل أن يكون أمره بذلك و لم يقم للوكيل بيّنة بوكالته لزم الوكيل أيضا مهر المرأة و لم يلزم الموكّل شيء، و جاز للمرأة أن تتزوّج بعد ذلك، غير أنّه لا يحل للموكّل فيما بينه و بين اللّه تعالى إلّا أن يطلّقها، لأن العقد قد

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 214 ح 505، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 288.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 214- 215 ح 506، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الوكالة ح 2 ج 13 ص 286- 287.

29

ثبت عليه (1). و به قال ابن البراج.

و قال في المبسوط: ثبت نصف المهر (2). و به قال ابن إدريس (3)، ثمَّ قوّى بعد ذلك ما قاله الشيخ في النهاية.

احتج الشيخ على الأوّل: بأنّ المهر ثبت بالعقد، و لا ينتصف إلّا بالطلاق، و لم يحصل فيجب الجميع.

و على الثاني: بما رواه عمر بن حنظلة، عن الصادق(عليه السلام) في رجل قال لآخر: اخطب لي فلانة فما فعلت من شيء ممّا قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذلك رضى لي و هو لازم لي و لم يشهد على ذلك فذهب فخطب له و بذل عنه الصداق و غير ذلك ممّا طالبوه و سألوه فلمّا رجع إليه أنكر ذلك كلّه، قال: يلزم لها نصف الصداق، و ذلك انّه هو الذي ضيّع حقّها، فلمّا إن لم يشهد لها عليه بذلك الذي قال له، حلّ لها أن تتزوج، و لا تحلّ للأوّل فيما بينه و بين اللّه تعالى إلّا أن يطلقها، لأنّ اللّه تعالى يقول «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» فان لم يفعل فإنّه مأثوم فيما بينه و بين اللّه تعالى، و كان الحكم الظاهر حكم الإسلام قد أباح اللّه تعالى لها أن تتزوج (4).

و لأنّه فسخ قبل الدخول فيجب معه نصف المهر كالطلاق.

و قال بعض علمائنا: إذا أنكر الموكّل الوكالة كان القول قوله مع اليمين، فاذا حلف بطل العقد ظاهرا و لا مهر، ثمَّ الوكيل إن كان صادقا وجب على

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 43- 44.

(2) المبسوط: ج 2 ص 386.

(3) السرائر: ج 2 ص 93.

(4) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 213- 214 ح 504، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 288- 289.

30

الموكّل طلاقها و نصف المهر، و فيه قوّة.

مسألة: إذا كانت البكر بالغة رشيدة لم يكن للأب قبض مهرها إلّا بإذنها،

و به قال ابن إدريس (1).

و قال الشيخ في الخلاف: يجوز له ذلك ما لم تنهه (2).

لنا: انّه قد زالت الولاية عنها ببلوغها و رشدها، فليس لأحد قبض حقها إلّا بإذنها كغير البكر و كالبالغ.

احتجّ الشيخ بإجماع الفرقة على انّ له أن يعفو عن المهر، و من له العفو، له المطالبة و القبض (3).

و الجواب: المنع من الصغرى.

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان لرجل على غيره دين فجاء آخر فادّعى انّه وكيله في المطالبة و أنكر ذلك الذي عليه الدين فان كان مع الوكيل بيّنة حكم له بها،

و ان لم يكن معه بيّنة فطالب من عليه الدين باليمين لا يجب عليه، فان ادّعى علمه بذلك لم يلزمه أيضا اليمين، و لو صدّقه من عليه الدين في توكيله لم يجبر على التسليم إليه (4).

و قال ابن إدريس: إن ادّعى علمه لزمه اليمين، فان نكل ردّت على المدّعي، فان حلف ثبتت وكالته، لأنّ عندنا اليمين مع النكول بمنزلة البيّنة، و إذا صدّقه من عليه الدين في دعواه الوكالة يجبره الحاكم على التسليم إليه، لأنّه صار وكيلا عليه بتصديقه إيّاه فيما عليه، لأنّ إقرار العقلاء جائز على نفوسهم (5).

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 97.

(2) الخلاف: ج 4 ص 387، المسألة 29.

(3) الخلاف: ج 4 ص 387 ذيل المسألة 29.

(4) الخلاف: ج 3 ص 349 المسألة 12.

(5) السرائر: ج 2 ص 98.

31

و قال في المبسوط: إذا كان لرجل على غيره مال في ذمته من قرض أو غيره أو كان في يده مال وديعة أو غصب أو غير ذلك فجاءه رجل فقال [له]: أنا وكيل الغائب في قبض ماله فالقول قول من عليه الحق بغير يمين، فان ادّعى علمه لم يحلف و يتخيّر في التسليم و عدمه (1).

و الوجه عندي انّ الدعوى إن كانت دينا و اعترف الغريم بالوكالة ألزم بالدفع الى الوكيل، و ان أنكر حلف مع عدم البيّنة على نفي العلم، فان نكل حلف الوكيل و طالب، و ان كانت عينا كان الحق ما قاله الشيخ، لأنّ تصادق الوكيل و الغريم في الوكالة لا ينفذ في حقّ الغير، فلا يؤمر بالتسليم إليه.

مسألة: قال الشيخ: جميع من يبيع مال غيره ستّة أنفس:

الأب و الجد و وصيّهما و الحاكم و أمينه و الوكيل، لا يصحّ لأحدهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلّا لاثنين، الأب و الجد، و لا يصحّ لغيرهما (2). و تبعه ابن إدريس (3).

و كذا منع ابن الجنيد من بيع الوكيل من نفسه أو شرائه أو على عبده.

و استدلّ الشيخ بإجماع الفرقة و أخبارهم على انّه يجوز للأب أن يقوّم جارية ابنه الصغير على نفسه و يبيح وطأها بعد ذلك (4). ثمَّ اعترض بأنّ البيع من صحة انعقاده التفرق بالأبدان، و لا يتصوّر ذلك بين الإنسان و نفسه. و أجاب بوجهين: أحدهما: أنّ البيع يلزم من حين التفرّق و هو أن يقول بعد العقد:

أجزت هذا البيع أو أمضيته، و الثاني: أن يقوم من موضعه حتى يلزم العقد و يمضي فيكون ذلك بمنزلة افتراق المتبايعين (5).

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 386- 387.

(2) الخلاف: ج 3 ص 346 المسألة 9.

(3) السرائر: ج 2 ص 97- 98.

(4) الخلاف: ج 3 ص 347 ذيل المسألة 9.

(5) الخلاف: ج 3 ص 347 ذيل المسألة 9.

32

و الوجه عندي انّه لا فرق بين الأب و الجد و غيرهما في ذلك، و قد تقدم البحث فيه. ثمَّ قوله: «انّه يلزم بقيامه من موضعه» ليس بجيد، لأنّ المتبايعين لو قاما من موضعهما مصطحبين لم يبطل خيارهما، بل الوجه الأوّل أحق.

مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) و المبسوط (2): إذا اختلف الخياط و صاحب الثوب فقال صاحب الثوب: أذنت لك في قطعة قميصا و قال الخياط: أذنت لي في قطعه قباء فالقول قول الخياط،

لأنّ صاحب الثوب مدّع بذلك أرش القطع على الخياط و عليه البيّنة، لأنّ الأصل براءة الذمة، فعلى الخياط اليمين.

و المعتمد عندي انّ القول قول المالك، لأنّ الأصل عدم الاذن و عدم عمومه.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: للوكيل أن يفسخ الوكالة و يعزل نفسه،

سواء حضر الموكّل أو غاب، و إذا فسخها لم يكن له بعد ذلك أن يتصرف فيما وكّل فيه (3).

و الوجه عندي انّه يجوز للوكيل التصرف بالاذن السابق ما لم يمنعه الموكّل.

مسألة: المشهور انّ إطلاق الوكالة يقتضي تعميم الوكالة في جميع الأشياء،

إلّا ما يوجب الإقرار. و الظاهر انّ المراد من الإطلاق هنا التعميم، لا مفهوم المطلق من حيث هو مطلق.

إذا عرفت هذا فانّ الشيخ قال: من وكّل غيره في الخصومة عنه و المطالبة و المحاكمة و البيع و الشراء و جميع أنواع ما يتصرف فيه بنفسه فقد صار وكيله،

____________

(1) الخلاف: ج 3 ص 348- 349 المسألة 11.

(2) المبسوط: ج 2 ص 383.

(3) المبسوط: ج 2 ص 367.

33

يجب له ما يجب لموكله، و يجب عليه ما يجب على موكّله، إلّا ما يقتضيه الإقرار من الحدود و الآداب و الأيمان (1).

و قال أبو الصلاح: إلّا ما يوجب حدّا (2).

و عندي انّه لا يدخل الإقرار في ذلك.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادّعى الوكيل الردّ قبل قوله مع اليمين

إن كان بغير جعل، لأنّه قبض المال لمنفعة غيره دون منفعته، فهو كالمودع يدّعي ردّ الوديعة على صاحبها، و ان كان [وكيلا] بجعل، فيه وجهان: أحدهما: انّ القول قول الموكّل، لأنّ الوكيل قبض المال لمنفعة نفسه و هو الجعل، فهو كالمرتهن يدّعي ردّ الرهن، و المستعير يدّعي ردّ العارية، و المستأجر يدّعي ردّ العين المستأجرة، و الثاني: انّ القول قول الوكيل، لأنّه أخذ العين لمنفعة الموكّل، لأنّه لا ينتفع بعين المال، و الجعل لا يتعلّق بقبض العين و لا يتعلّق بها، فقبضه لهذا المال مثل قبض المودع للعين المودعة، و قبض الوكيل بغير جعل، بخلاف المستعير و المرتهن، لأنّ حقوقهما متعلّقة بالعين. و قد حصل من جملة ذلك ثلاثة أقسام: أحدها: القول قول من يدّعي الرد و هو الوكيل- بغير جعل- و المودع، و الثاني: القول قول من يدّعي عليه الرد و هو المرتهن و المستأجر و المستعير، و الثالث: على وجهين: و هو الوكيل و المضارب و الشريك و الأجير المشترك عند من يجعل قبضه قبض أمانة، و كلّ هذا فيه وجهان، و الوجه الأوّل أقواها (3).

و كذا قال ابن البراج.

و قال ابن إدريس: القول في ذلك ليس قول أحد من هؤلاء إلّا الودعي،

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 41.

(2) الكافي في الفقه: ص 336.

(3) المبسوط: ج 2 ص 372- 373.

34

للإجماع على انّ القول قوله في الرد، و أمّا ما عداه فليس القول قوله، لأنّ المدّعي عليه البيّنة (1). و هو عندي أقوى، و في الودعي إشكال.

مسألة: إذا طالب الموكّل الوكيل بالردّ فقال: غدا أردّه عليك مع تمكنه منه كان ضامنا،

فان ادّعى بعد ذلك التلف و ذكر انّه كان قد تلف قبل المطالبة أو ادّعى الردّ قبلها لم يقبل قوله، لأنّه صار ضامنا بتأخيره الردّ مع الإمكان، فإن أقام بيّنة قال الشيخ: فيه وجهان: أحدهما- و هو الصحيح-: انّها تسمع منه، لأنّه يقيمها على تلف أو ردّ لو صدّقه عليه لم يلزمه الضمان، و كذا إذا قامت عليه البيّنة (2).

قال الشيخ: و إذا قال الرجل لرجل: قد وكّلتك في بيع متاع و قد سلّمته إليك [و قبضه] فقال: ما أعطيتني شيئا كان القول قوله مع اليمين، فإن أقام [عليه] البيّنة بالتسليم فقال: صدقت غير انّ ذلك المال قد تلف أو رددته إليك لم يقبل، لأنّه صار خائنا بجحوده التسليم، فان أقام البيّنة على التلف قبل الجحود قيل: فيه وجهان في سماع البيّنة على ما مضى (3). و تبعه ابن البراج على سماع البيّنة.

و الوجه عندي انّه لا تسمع بيّنة، لأنّه كذّبها بقوله: «رددته عليك» أو «ما تسلّمت منك شيئا» فلا تسمع منه، بخلاف ما لو صدّقه المدّعي على التلف، لأنّه أقرّ ببراءته، فلا يجوز له مطالبته، و ليس كذلك إذا قامت البيّنة، لأنّه لم يبرئه صاحب المال بل هو مكذب لها، فكأنّه لم يقم بيّنة و لم يبرئه صاحب المال فيلزمه الضمان.

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 87.

(2) المبسوط: ج 2 ص 374- 375.

(3) المبسوط: ج 2 ص 376.

35

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وكّل رجل عبدا في شراء نفسه من سيّده قيل: فيه وجهان: أحدهما: يصحّ،

كما لو وكّله في شراء عبد آخر بإذن سيّده. و الثاني: لا يصحّ، لأنّ يد العبد كيد السيد، و إيجابه و قبوله بإذنه بمنزلة إيجاب سيده و قبوله، فاذا كان أوجب له سيده و قبله هو صار كأنّ السيّد هو الموجب و القابل للبيع، و ذلك لا يصح فكذلك ها هنا. قال: و الأوّل أقوى (1).

و قال ابن البراج: الأقوى عندي انّه لا يصحّ، إلّا أن يأذن له سيده في ذلك، فان لم يأذن له فيه لم يصح.

و الحق ما قوّاه الشيخ، لأنّ بيع مولاه رضى منه بالتوكيل.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وكّله في الشراء فاشتراه له و ذكر له حال العقد انّه يشتري لموكّله كان للبائع أن يطالب أيّهما شاء

من الوكيل و الموكّل بالثمن، و يكون دخول الوكيل في هذا التصرف بمنزلة دخول الضامن في الضمان، فإن أعطاه كان له الرجوع على الموكّل بما وزن عنه (2).

و الوجه عندي انّ للبائع مطالبة الموكّل لا غير، لأنّ الملك له فلا يطالب غيره بالثمن.

مسألة: إذا شهد أحد الشاهدين بأنّه قال: جعلتك وكيلا و شهد الآخر بأنّه قال: جعلت جريّا

- بالجيم المفتوحة و الراء غير المعجمة المكسورة و الياء المنقطعة تحتها نقطتين المشددة، و هو الوكيل، لأنّه يجري مجرى موكّله- لم تثبت الوكالة، و كذا لو شهد أحدهما بأنّه قال: وكّلتك و قال الآخر: استنبتك، و قاله الشيخ (3).

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 393- 394.

(2) المبسوط: ج 2 ص 395.

(3) المبسوط: ج 2 ص 400.

36

و قال ابن الجنيد: يثبت.

و التحقيق: انّهما إن شهدا بالإنشاء فالحق ما قاله الشيخ، لأنّ كلّ واحد منهما شهد بعقد فلم يثبت الواحد بهما، و أيضا إن شهدا بالإقرار فالحق ما قاله ابن الجنيد، و قد نصّ الشيخ على ذلك أيضا (1).

مسألة: قال ابن الجنيد: لو شهد أحدهما على وكالته في الخصومة إلى قاضي بغداد في دار بعينها و شهد الآخر على وكالته في الخصومة إلى قاضي مصر كان وكيلا في الخصومة فيها إلى قاضي كلّ بلد.

و ليس بجيّد، لأنّ الوكالة انّما تثبت على حدّ ما أمره الموكّل، و قد قصر تصرفه على شيء بعينه فلا يجوز أن يتعدّاه.

مسألة: قال الشيخ: إذا أمره بالبيع في سوق فباع في غيرها صحّ (2).

و قال ابن الجنيد: إذا قال: بعه في مدينة بغداد فباعه في سوادها ضمن، و ان قال: بعه في بغداد فبايعه في موضع لا يقصّر فيه أهل مدينة بغداد الصلاة إذا خرجوا إليه لم يضمن، و ان تجاوز ذلك ضمن.

و الوجه عندي اعتبار الاسم، فان كان السواد القاصر عن طريقهم من غير مسافة التقصير يطلق عليه اسم بغداد لم يضمن، و إلّا كان ضامنا.

مسألة: قال الشيخ: لا تبطل الوكالة بردّة الوكيل و الموكّل (3).

و تبعه ابن البراج.

و قال ابن الجنيد: إنّ ردّة الموكّل و الوكيل أو لحوق الذمّي بدار الحرب و استيطانه بها مبطل للوكالة.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 400.

(2) المبسوط: ج 2 ص 380.

(3) المبسوط: ج 2 ص 392.

37

لنا: انّها لا تمنع من ابتداء الوكالة فلا يمنع من الاستدامة.

مسألة: قال ابن الجنيد: تعدّي الوكيل فيما وكّل فيه بما يلزمه الضمان و الغرم مبطل للوكالة.

و الوجه انّه لا يبطلها و ان أوجب الضمان، عملا بالأصل.

مسألة: قال الشيخ: ليس للوكيل أن يوكّل غيره إلّا بإذن الموكّل (1)،

و أطلق.

و قال ابن الجنيد: ليس للوكيل أن يوكّل غيره فيما وكّل فيه إذا كان حاضرا غير ممنوع من القيام، إلّا إذا أراد غيبة و الموكّل حاضرا، إلّا أن يجعل ذلك الموكّل إليه، و ان لم يكن الموكّل حاضرا جاز إن أراد الوكيل الغيبة.

لنا: أنّها نيابة يتبع اختيار المنوب، و لم ينص له على المتعدي إلى غيره فلا يجوز.

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إطلاق الوكالة في البيع يقتضي البيع بثمن المثل (2).

و قال ابن الجنيد: و لو فوّض المالك الى الوكيل العمل بما يرى كان ما عمله الوكيل ممّا لا تعدّي فيه للعرف ماضيا، و لو لم يجعل ذلك إليه و انّما وكّله في البيع و لم يقل: بما رأيت لم يجز البيع إلّا بعده و أمره المالك، و لو قال: بما رأيت و لم يقل له: و كيف رأيت لم يكن له أن يحتال بالثمن و لا يؤخذ به كفيلا و لا رهنا.

و الوجه في الحكم الأوّل ما قاله الشيخ، عملا بالعرف. و أمّا الثاني فالأقرب جواز قبول الحوالة و الكفيل و الرهن، لأنّه جعل له أن يبيع بما شاء،

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 364.

(2) الخلاف: ج 3 ص 348 المسألة 10.

38

فالثمن المحال به أو المقام به كفيلا أو رهنا ممّا شاءه الوكيل، فيصحّ مع المصلحة.

مسألة: قال ابن الجنيد: الوكيل في شيء وكيل في تصحيحه.

و نقل الشيخ في المبسوط وجهين (1)، و لم ينصّ على اختيار أحدهما. و الوجه المنع.

لنا: انّه قد يكون أمينا لسائر الحكومة، و لأنّهما متغايران فلا يندرج أحدهما في اذن الآخر.

مسألة: قال ابن الجنيد: إذا وكّله في بيع العبد فباعه من نفسه لم يصحّ،

لأنّ بيع العبد من نفسه على عناية على عوض و هو لم يوكّله في ذلك، و لو باعه ممّن يعتق عليه بملكه جاز البيع.

و يحتمل في الأوّل الصحة إن سوّغنا البيع من نفسه، لأنّه نقل ما وكّل فيه، و كونه عتقا ممنوع، بل هو مستلزم له.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وكّله في شراء عبد وجب وصفه،

و لو أطلق لم يصحّ، لما فيه من الغرر (2).

و الوجه الجواز، و يصرف الإطلاق إلى شراء الصحيح بثمن المثل.

مسألة: لو ادّعى الوكيل الاذن بالبيع بثمن فأنكر المالك الاذن في ذلك القدر، للشيخ قولان:

أحدهما في المبسوط: القول قول الموكّل مع يمينه، ثمَّ تستعاد العين إن كانت باقية، و مثلها أو قيمتها إن كانت تالفه (3).

و قال في النهاية: يلزم الدال إتمام ما حلف عليه المالك (4). و الوجه الأول.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 390.

(2) المبسوط: ج 2 ص 391.

(3) المبسوط: ج 2 ص 387.

(4) لم نعثر عليه في النهاية، كما تنبّه عليه صاحب مفتاح الكرامة (ج 7 ص 637) حيث قال: «و لم نجد ذلك في نسختين من نسخ النهاية».

39

لنا: أنّه عقد ثبت بطلانه فكان للمالك العين.

و يحتمل قول الشيخ على تعذر استعادة العين من المشتري و القيمة، و تكون القيمة مساوية لما ادّعاه المالك.

مسألة: إذا وكّله في شراء عبد فقال: اشتريته بمائة و قال الموكّل: بثمانين قال الشيخ في المبسوط: القول قول الوكيل،

كما يقبل قوله في التسليم و التلف (1).

و الوجه أنّ القول قول الموكّل، لأنّه غارم.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 392.

40

الفصل العاشر في الإقرار

مسألة: إذا أقرّ المحجور عليه للمفلّس قال الشيخ في المبسوط: يصحّ،

سواء كان بعين أو دين (1).

و قال ابن إدريس: الأقوى انّه يقبل بالدين و يشارك المقرّ له الغرماء دون العين، لتعلّق حق الغرماء بها (2)، و قد سلف.

مسألة: إذا أقرّ بمال كثير قال الشيخ في المبسوط (3) و الخلاف (4): يلزمه ثمانون درهما.

و تبعه ابن البراج (5).

و قال ابن إدريس: يرجع في تفسيره (6)، و هو الأقوى.

لنا: انّه مجهول فيرجع في تفسيره إليه.

احتجّ الشيخ بأنّه قد ثبت في عرف الشرع هذا المقدار في النذر فكذا في غيره، و إلّا لزم الاشتراك، و الأصل عدمه.

و لأنّ المقتضي قوله تعالى «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ» (7) و هو يتحقق هنا.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 259.

(2) السرائر: ج 2 ص 499 نقلا بالمعنى.

(3) المبسوط: ج 3 ص 6.

(4) الخلاف: ج 3 ص 359 المسألة 1.

(5) المهذب: ج 1 ص 405.

(6) السرائر: ج 2 ص 500.

(7) التوبة: 25.

41

و الجواب: انّه تقدير لا يساعد اللغة عليه و لا العرف فيثبت في موضع الوفاق، و لا يصحّ التخطئة، لأنّه مجرد قياس.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2): إذا قال: له عليّ كذا درهم بالرفع لزمه درهم،

و ان خفض لزمه مائة، و ان نصب لزمه عشرون، لأنّ أقلّ عدد يخفض بعد التمييز المائة، و أقلّ عدد ينتصب بعده العشرون. و ان قال:

كذا كذا درهما لزمه أحد عشر درهما، لأنّه أقلّ عددين ركّبا و انتصب ما بعدهما. و لو قال: كذا و كذا درهما لزمه أحد و عشرون درهما، لأنّه أقل عددين عطف أحدهما على الآخر و انتصب الدرهم بعدهما.

و قال ابن إدريس: الأولى في هذه المسائل جميعها الرجوع الى تفسير المقرّ، لأنّ «كذا» لفظ مبهم محتمل، و لا نعلّق على الذمم شيئا بأمر محتمل، و الأصل براءة الذمة (3).

و التحقيق أن نقول: إن كان القائل من أهل اللسان الزم بما قاله الشيخ، و إلّا رجع الى تفسيره، كما اختاره ابن إدريس.

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال: له عليّ ألف و ثلاثة دراهم أو مائة و خمسون درهما فالكلّ دراهم (4).

و تبعه ابن إدريس (5).

و الوجه عندي الرجوع إليه في تفسير الألف و المائة، لأنّ الدراهم و الدرهم ليس تميّزا للألف و لا للمائة، و كما يحتمل أن يكون تميّزا للمجموع احتمل أن يكون تميّزا للأخير، فلا يثبت في الذمة شيء بمجرد الاحتمال.

____________

(1) المبسوط: ج 3 ص 13.

(2) الخلاف: ج 3 ص 364- 366 المسألة 6 و 8 و 9 و 10.

(3) السرائر: ج 2 ص 503.

(4) الخلاف: ج 3 ص 362- 363 المسألة 4.

(5) السرائر: ج 2 ص 501.

42

مسألة: إذا قال: له عليّ درهم و درهم إلّا درهما

قال الشيخ: فعلى ما يذهب إليه أنّ الاستثناء إذا تعقّب جملا معطوفا بعضها على بعض بالواو انّه يرجع الى الجميع يجب أن نقول: يصحّ، و يكون إقرارا بدرهم. و من قال:

يرجع الى ما يليه- و هو درهم- لا يجوز أن يستثنى درهم من درهم، لأنّ ذلك استثناء الجميع، و هو فاسد، فيبطل الاستثناء (1). و تبعه ابن إدريس (2).

و نص في الخلاف على أنّه يلزمه درهم واحد، لأنّ الجملتين إذا كان بينهما حرف عطف كأنّهما بمنزلة الجملة الواحدة، فهو بمنزلة أن يقول لفلان: عليّ درهمان (3).

و الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

الأوّل: انّ الاستثناء عقيب الجمل يرجع الى الأخيرة منها، لأنّه على خلاف الأصل فيجب رجوعه الى البعض، لدفع محذور الهذريّة، و تخصصت الأخيرة للقرب.

الثاني: انّه لو رجع الى الجملتين لم يصحّ هنا الاستثناء، لأنّه يكون نقصا و رجوعا بعد اعتراف فلا يصحّ، و لهذا لو قال: جاءني زيد و عمرو و خالد إلّا زيدا لم يصحّ، لاشتماله على النقص، و يصحّ لو قال: عندي درهمان إلّا درهما، لأنّه يكون قد تجوز في الدرهمين فلا يكون نقصا، و لهذا يصحّ لو قال: جاءني المسلمون إلّا زيدا.

و الحق بطلان هذا الاستثناء، و ان صحّ مع البيّنة.

مسألة: قال الشيخ في الخلاف (4) و المبسوط (5): إذا قال: لفلان عليّ

____________

(1) المبسوط: ج 3 ص 10.

(2) السرائر: ج 2 ص 502.

(3) الخلاف: ج 3 ص 364- 365 المسألة 6.

(4) الخلاف: ج 3 ص 372 المسألة 19.

(5) المبسوط: ج 3 ص 19.

43

ألف درهم فجاء بألف و قال: هذه التي أقررت بها لك كانت وديعة عندي كان القول قوله.

و قال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي انّه إذا قال: له عليّ ألف درهم وديعة، و لا يقبل منه (1).

احتج الشيخ بأصالة براءة الذمة، و لا تعلّق عليها بشيء إلّا بدليل، و قوله(عليه السلام): «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه». ثمَّ اعترض الشيخ بما احتج به ابن إدريس و هو: انّ لفظة «عليّ» تقتضي الإيجاب في الذمة، بدلالة انّه لو قال: الألف التي على فلان عليّ كان ذلك ضمانا، فدلّ على انّها تقتضي الإيجاب في الذمة، و إذا كان كذلك فقد ألزم نفسه مالا و جاء بمال آخر فلم يسقط ما لزم في الذمة، كما لو أقرّ بثوب فأتاه بعبد يكون له و له المطالبة بالثوب. ثمَّ أجاب: بأنّ لفظة «عليّ» و ان اقتضت الإيجاب فقد يكون الحق في الذمة فيجب عليه تسليمه بإقراره، و قد يكون في يده فيجب عليه ردّه و تسليمه الى المقرّ له بإقراره، فبأيّهما فسّره كان مقبولا، كما لو قال: عليّ ثوب لفلان كان عليه أن يعيّنه من أي نوع شاء، فاذا عيّنه قال: القول قوله فيه. ألا ترى أنّا أجمعنا على أنّه إذا قال: لفلان عليّ ألف درهم وديعة قبل منه ذلك، فلو كان قوله: لفلان عليّ ألف يقتضي الذمة لوجب أن لا يقبل تفسيره بالوديعة، لأنّه أقرّ بألف، ثمَّ عقّبه بما يسقطه، فلمّا أجمعنا على قبول تفسيره بذلك دلّ على ما ذكرناه على انّ حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض بدلالة قوله تعالى:

«وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» يعني عندي «وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» يعني على [جذوع النخل]، فيجوز أن يكون قوله «عليّ» يريد به عندي، و انّما جعلنا قوله: الألف التي على فلان عليّ ضمانا في الذمة، لأنّه يقصد به إثبات المال في

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 508.

44

ذمته على نفسه، و ذلك لا يثبت إلّا على وجه الضمان، فكان ذلك دليلا على انّه قصد به الالتزام في الذمة، و ليس في مسألتنا قرينة تدلّ على ذلك (1). و قول الشيخ أجود.

مسألة: قال الشيخ: إذا قال: له عليّ في ميراثي من أبي أو من ميراثي من أبي ألف درهم، كان هبة لا إقرارا،

لأنّه أضاف إلى نفسه (2). و تبعه ابن إدريس (3).

و كذا لو قال: داري هذه لفلان لم يكن إقرارا.

و قال ابن إدريس: لأنّه يكون مناقضة، و كيف يكون داره لفلان في حال ما هي له؟ و لو قال في ذلك: بأمر حق ثابت كان إقرارا صحيحا، لأنّ قوله:

بأمر حق ثابت يجوز أن يكون له حق و جعل داره في مقابلة ذلك الحق و ان كان قد أضافها إلى نفسه (4).

و قال ابن الجنيد: لو قال: له من مالي ألف درهم احتمل أن يكون دينا و أن يكون هبة، و ان قال: له من مالي بحق عرف له أو نحو ذلك كان دينا.

و الوجه عندي التسوية بينهما و صحة الإقرار فيهما، و الإضافة تصحّ إلى الشيء بأدنى ملابسة، كقوله لأحد حاملي الخشبة: خذ طرفك، و قال الشاعر:

«إذا كوكب الخرقاء» أضاف الكوكب إليها، لأجل حدّها في السير، و كما لو قال: بأمر حق ثابت.

و لأن الإضافة قد تكون للملك و قد تكون للتخصيص، و لا يمكن الحمل على الأوّل، لإسناد الملك المصرّح به باللام الى غيره فيحمل على الثاني، إذ

____________

(1) الخلاف: ج 3 ص 372- 373 ذيل المسألة 19.

(2) المبسوط: ج 3 ص 21.

(3) السرائر: ج 2 ص 505.

(4) السرائر: ج 2 ص 506.

45

القرينة صارفة للفظ عن أحد محامله الى غيره ممّا دلّت عليه، و لا يحكم ببطلان الثاني المصرّح به للاحتمال في الأوّل.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: له عندي من واحد إلى عشرة لزمه تسعة، لأنّ الأوّل داخل فيه، و لأنّ «من» لابتداء الغاية، و الابتداء يدخل فيه (1).

و قال ابن إدريس: يلزمه ثمانية، لأنّه المتيقّن، و ما عداه محتمل، فلا يجب في الذمة شيء به (2).

و الوجه ما قاله الشيخ مع احتمال إلزامه بعشرة، و الأصل في ذلك انّ الغاية هل تدخل في المغيّى أم لا؟ و الوجه الدخول إن لم يفصل بفصل حسّي، كما لو قال له: من الخشبة الطرف الى الطرف، و إلّا لم يدخل.

مسألة: إذا قال: له عليّ ألف و سكت ثمَّ قال: من ثمن مبيع لم أقبضه لزمه الألف،

و لو قال: له عليّ ألف من ثمن المبيع ثمَّ سكت ثمَّ قال: لم أقبضه قال الشيخ في المبسوط: قبل منه، لأنّ قوله: «لم أقبضه» لا ينافي إقراره الأوّل، لأنّه قد يكون عليه ألف درهم ثمنا، و لم يجب عليه التسليم قبل قبض المبيع، و لأنّ الأصل عدم القبض، و لأنّ الأصل براءة الذمة (3).

و قال ابن إدريس: الأقوى انّه لا فرق بين المسألتين، و يجب عليه الألف، و لا يقبل تفسيره، لأنّه إقرار بالمسقط بعد الاعتراف (4).

و ابن البراج (5) تبع الشيخ، و ليس ذلك بعيدا من الصواب، لأنّ للإنسان

____________

(1) المبسوط: ج 3 ص 27- 28.

(2) السرائر: ج 2 ص 509- 510.

(3) المبسوط: ج 3 ص 34.

(4) السرائر: ج 2 ص 511، نقلا بالمعنى.

(5) المهذب: ج 1 ص 413.

46

أن يخبر بما في ذمته على حدّ ما هو ثابت في الذمة، و قد يشتري الإنسان و لا يقبض المبيع فكان له أن يخبر بذلك، فلو الزم بغير ما أقرّ به كان ذريعة إلى سدّ باب الإقرار، و هو مناف لحكمة الشارع.

مسألة: إذا أقرّ بشيء مؤجّل للشيخ قولان:

أحدهما: انّه يثبت التأجيل (1)، و به قال ابن البراج (2).

و الثاني: لا يثبت، و يلزمه في الحال (3)، و به قال ابن الجنيد، و ابن إدريس (4). و الأقوى الأوّل.

لنا: انّ حكم الإقرار إلزام المقر بما أقر به، و الحق المؤجّل غير الحال، و إذا أقرّ بالمؤجّل لم يلزمه غيره، كما لو أقرّ بنقد معيّن أو وزن ناقص أو مال معيب.

و لأنّ الحق قد يثبت في الذمة مؤجّلا كما يثبت حالا، و إذا أراد المقر الاخبار بما في ذمته وجب أن يجعل الشارع له وسيلة إليه، و لا وسيلة لو لم يقبل إقراره.

احتج الشيخ بأنّ الأصل الحلول فلا يقبل خلافه.

و الجواب: المنع.

مسألة: المشهور انّ إقرار العبد بما يوجب قصاصا أو حدّا غير مقبول

كالمال.

و قال ابن الجنيد: لو أقرّ العبد بجناية فيها إدخال الألم على نفسه قبل و أقيم عليه ما يوجبه.

لنا: انّه إقرار على المولى، لأنّه مال لمولاه فلا يقبل كالمال، نعم يتبع به بعد العتق كالمال.

____________

(1) الخلاف: ج 3 ص 378 ذيل المسألة 28.

(2) المهذب: ج 1 ص 414.

(3) الخلاف: ج 3 ص 377 المسألة 28.

(4) السرائر: ج 2 ص 513.

47

مسألة: المشهور انّ السكران لا ينفذ إقراره مطلقا،

سواء كان من شرب محرم أو لا.

و قال ابن الجنيد: السكران إن كان من علّة لم يكن منه سبب إدخالها على نفسه كالمجنون، و أمّا السكران من شرب محرّم و اختيار شربه فإقراره لازم له لزوم الفرائض له، و هو مؤاخذ به في حدّ كان ذلك أو مال.

لنا: انّ مناط الحكم العقل و هو منتف حالة السكران، فلا ينفذ الإقرار كما لو كان من علمه.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يسمع الإقرار المجهول، و لا تسمع الدعوى المجهولة (1).

و الأحوط الاستماع، لجواز استنادهما إلى الإقرار المجهول، و لأنّه لو اعترف بهذه الدعوى نفعه، لأنّ الشيخ اختار انّه إذا لم يفسر ما أقرّ به صار ناكلا فيحلف المقرّ له و يثبت ما يدّعيه (2).

و الوجه حبسه حتى يبيّن، لأنّه قد عبّر بالامتناع من حقّ ثبت عليه فوجب أن يحبس.

مسألة: إذا أقرّ بالمجمل و فسّره بالسبب الفاسد، كما لو قال: أقرضني إيّاها، قال بعض علمائنا: يبطل إقراره،

و به قال ابن الجنيد، و ابن البراج (3).

و الحق انّه يبطل تفسيره، لأنّه إبطال لما أقرّ به فلا يسمع.

مسألة: قال الشيخ: إذا أقرّ لزيد بعبد و كذبه زيد و أقر العبد بنفسه لعمرو و صدّقه على إقراره فالأقوى انّه يعتق،

لإقرار صاحب اليد بأنّه ليس له و المقرّ له

____________

(1) المبسوط: ج 3 ص 4.

(2) المبسوط: ج 3 ص 4.

(3) المهذب: ج 1 ص 405.

48

قد أنكر، و إقرار العبد ما صحّ، فما ثبت عليه ملك لأحد (1). و تبعه ابن البراج (2).

و الوجه عندي انّه يقبل إقرار العبد، لانتفاء ملك المقرّ و المقرّ له عنه، فيبقى إقراره صادرا من عاقل فينفذ، إذ لا مزاحم له، و لو لم يقرّ العبد لأحد بقي على الرقيّة المجهولة المالك، و كذا إن قلنا: ببطلان إقرار العبد.

مسألة: إذا أعتق عبديه فادّعى آخر أنّه غصبهما منه فأنكر فشهد له العبدان قال الشيخ في المبسوط: لم تسمع،

لأنّا لو قبلناها لرجعا رقّين، و تكون شهادتهما على المولى، و شهادة العبد لا تقبل على مولاه (3).

و الوجه السماع، و هو قول ابن إدريس (4). و في النهاية (5) ما يناسب ما اخترناه، لأنّه سمعها لو شهد العبدان- أعتقهما أخو الميّت- بابن له.

أمّا أوّلا: فلأنّه في الحقيقة إقرار على أنفسهما فيمضي، و ليس ذلك على حدّ الشهادة، بل على حدّ الإقرار فينفذ و لو كانا فاسقين.

و أمّا ثانيا: فلأنّها ليست شهادة على المولى لا على زعمهما و لا على زعم المعتق و لا في نفس الأمر، لأنّهما إن كانا صادقين فالشهادة للمولى، و ان كانا كاذبين صحّ العتق، و لم يبق مولى لهما و كانت الشهادة عليهما لا عليه، لخروجهما من ملكه بالعتق.

مسألة: قال أبو الصلاح: الإقرار مقتض لسقوط حق المقرّ فيما أقرّ به لغيره

إذا كان من حرّ كامل العقل سليم الرأي، مريضا كان أو صحيحا، فان كان مفيدا فيمن وصفناه حاله- كقوله: هذه الدار لفلان أو هذا الثوب أو المال

____________

(1) المبسوط: ج 3 ص 22- 23.

(2) المهذب: ج 1 ص 411.

(3) المبسوط: ج 3 ص 42- 43.

(4) السرائر: ج 2 ص 516.

(5) النهاية و نكتها: ج 2 ص 59.

49

لفلان أو لفلان عليّ كذا- و كان غير مأمون لم يمض إقراره، و لو كان مأمونا مضى إقراره و استحق المقرّ له تسليم ما أقرّ به ما لم يمنع مانع من يد أو بيّنة أو وثيقة أو رهن أو دين فيبطل الإقرار (1).

و في هذا الكلام بحثان:

الأوّل: انّه اعتبر في المقرّ الأمانة إذا كان مفيدا، يعني: إذا لم يسبقه دعوى، لأنّه قال بعد ذلك: و إن كان الإقرار بعد تقدّم دعوى (2).

و ليس بجيّد، فإنّ إقرار غير المأمون ماض، إلّا أن يكون مريضا فإنّه ماض من الثلث على الخلاف الآتي إن شاء اللّه تعالى.

الثاني: انّه حكم ببطلان الوقف إذا كان المقرّ به مرهونا أو تعلّقت به يد الغير.

و ليس بجيّد، و الأولى الصحة، فإن انفكّ انتقل الملك الى المقرّ له، و إلّا كان ضامنا للقيمة.

مسألة: إقرار العبد إقرار للسيد،

و ان كان مأذونا له في التجارة وجب عليه التسليم الى المولى.

و قال ابن الجنيد: و ان كان العبد مأذونا له في التجارة و هو غائب فليس لسيده أخذ ما أقرّ به.

لنا: انّه ملك للمولى، فكان له التسلّط على أخذه، بل لو كان العبد حاضرا و منع من التسليم الى المولى لم يكن له ذلك.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أقرّ الإنسان بولد الحق به،

سواء كان إقراره به في صحة أو مرض و توارثا، سواء صدّقه الولد أو كذّبه (3).

____________

(1) الكافي في الفقه: ص 433.

(2) الكافي في الفقه: ص 433.

(3) النهاية و نكتها: ج 3 ص 272.

50

و قال في المبسوط: إن كان صغيرا لم يشترط فيه التصديق، و ان كان كبيرا اشترط (1)، و به قال ابن إدريس (2). و هو الأقوى.

لنا: الأصل عدم الإثبات، لأنّه إقرار في حق الغير فلا ينفذ.

و ادّعى ابن الجنيد انّه لا يعلم فيه خلاف.

احتج الشيخ بأنّه ينفذ مع الصغر و الجنون، و لا يشترط التصديق، فكذا حاله في الكبر.

و الجواب: الفرق بأنّ الصغير لا اعتداد بتصديقه، فلا يكون شرطا.

قال الشيخ في المبسوط (3) و الخلاف (4): إذا كان الوارث جماعة فأقرّ اثنان- رجلان أو رجل و امرأتان- [بابن] ثبت نسبه إذا كانا مرضي الشهادة، و ان لم يكونوا عدولا لم يثبت نسبه و لزمهما بمقدار حصّتهما، فإن أقرّ بنسب على غيره مثل أن يقرّ بابن فإن كان كبيرا فبأربعة شروط، و يراعى في ذلك إقرار رجلين عدلين أو رجل و امرأتين من الورثة، فان لم يكن كذلك لم يثبت النسب.

و قال ابن إدريس: لا يثبت النسب إلّا بشهادة عدلين ذكرين، و لا يثبت بشهادة النساء (5). و هو المعتمد.

و كذا قال الشيخ في المبسوط أيضا في آخر هذا الباب بأنّه قال: إذا مات رجل فجاء رجل آخر و قال: أنا أبوه أو أخوه سمع منه، و لا يحكم له به حتى تقوم البيّنة، و لا يسمع إلّا شاهدان ذكران، و لا يسمع شاهد و امرأتان، و لا شاهد و يمين (6).

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أقرّ بوارثين فصاعدا متساويين في الميراث

____________

(1) المبسوط: ج 3 ص 38.

(2) السرائر: ج 2 ص 514.

(3) المبسوط: ج 3 ص 38 و 39.

(4) الخلاف: ج 3 ص 379 المسألة 30.

(5) السرائر: ج 2 ص 115.

(6) المبسوط: ج 3 ص 47.

51

و تناكروا ذلك النسب بينهم لم يلتفت الى إنكارهم و قبل إقرارهم، و إذا أنكروا أيضا إقراره لم يكن لهم شيء من المال، و ان أقرّوا له بمثل ما أقرّ لهم به توارثوا بينهم إذا كان المقرّ له ولدا أو والدا، فان كان غيرهما من ذوي الأرحام لم يتوارثوا و ان صدّقوا بعضهم بعضا، و لا يتعدّى الحكم فيه مال الميت على حال (1). و تبعه ابن البراج (2)، و ابن إدريس (3).

و الوجه انّهم يتوارثون مع التصديق، لأنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: لفلان عليّ ألف درهم أو عندي ألف درهم أو قبلي ثمَّ فسّر ذلك بالوديعة فإن وصل التفسير بالإقرار قبل منه،

و كذا إن فصله، لأنّه أوجب على نفسه بإقراره مالا، و قد يكون الإيجاب تارة دينا و تارة عينا، لأنّ ذلك كلّه حق لصاحبه و يجب عليه (4).

و قال ابن الجنيد: الإقرار بلفظة «عليّ» يوجب الشيء في ذمة المقرّ، كالذي يقول: لفلان عليّ ألف درهم، فان ادّعى ما يخرجه من الذمة الى أن يكون أمانة كان القول قول المقرّ له مع يمينه، و لو وصل إقراره فقال: لفلان عليّ ألف درهم وديعة لم يخرجه ذلك من أن يكون في ذمته، لأنّ من الوديعة ما ينتقل حكمه الى أن يصير في ذمة المودع. و هو يعطي الفرق بين الفصل و الوصل.

قال: و لو قال: له عليّ ألف درهم كانت في ذمته الألف، فإن وصل إقراره بأن قال: له في مالي وديعة و ادّعى المقرّ له في ذمته كان القول قول المقرّ مع يمينه، و ان قطع الإقرار و ادّعى بعد ذلك الأمانة كان القول قول المقرّ له مع يمينه.

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 3 ص 275- 276.

(2) المهذب: ج 1 ص 417.

(3) السرائر: ج 3 ص 312.

(4) المبسوط: ج 3 ص 28.

52

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: لفلان عندي ثوب في منديل أو تمر في جراب لم يكن إقرارا بالمنديل و بالجراب،

و كذا لو قال: غصبتك زيتا في حبّ أو حنطة في سفينة أو عسلا في عكة (1).

و قال ابن الجنيد: إذا أقرّ بغصب شيء في ظرف و لا يكون ذلك الشيء موجودا بغير ظرف- كالذي يقول: غصبت فلانا مائة رطل سمن في جرة- كان على الغاصب ما أقرّ بغصبه مع ظرفه إن ادّعاه المقرّ له و حلف على ذلك، و كذلك إن كان المغصوب ممّا يجوز كونه بغير ما ذكره المغصوب فيه، لأنّ ذكره إيّاه مع ما غصبه غير مبرئ له من الغصب لهما جميعا، كالذي يقول: غصبت فلانا ثوبا في منديل أو حنطة في سفينة.

و الوجه فيه ما قاله الشيخ من احتمال أن يكون في منديل أو في سفينة لي.

مسألة: لو قال: غصبت دابة عليها سرج لم يكن إقرارا بالسرج،

قاله الشيخ في المبسوط (2).

و قال ابن الجنيد: يكون إقرارا به.

و الوجه ما قاله الشيخ، لاحتمال أن يكون مراده دابة عليها سرج لي كما تقدم.

مسألة: قال ابن الجنيد: لو أقرّ بأنّ لفلان في هذا العبد شيء كان له جزء من ستة،

و لو قال: له فيه جزء كان جزء من سبعة، فإن قال: له فيه سهم كان واحدا من ثمانية، و لو قال: له عليّ دراهم كثيرة أو عظيمة كانت ثمانين.

و الوجه انّه يرجع إليه في التفسير في ذلك كلّه، و لا يلزم من إثبات حكم لهذه الألفاظ في الوصايا أو النذر ثبوته في غيرهما، إذ ذلك على خلاف الأصل

____________

(1) المبسوط: ج 3 ص 11- 12، و عكة- بالضم-: رقيق صغير للسمن و غيره.

(2) المبسوط: ج 3 ص 12.