مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج7

- العلامة الحلي المزيد...
509 /
27

كتاب النكاح

و فيه فصول

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

[الفصل] الأوّل: في المحرّمات

و فيه مطالب:

الأوّل: في الرضاع

مسألة 1: ذهب المفيد و سلّار و ابن البرّاج و أبو الصلاح و ابن حمزة الى أن المحرّم من الرضاع

باعتبار العدد عشر رضعات متواليات (1)، و هو قول ابن أبي عقيل من قدمائنا.

و قال الشيخ في (النهاية) و (المبسوط) و كتابي الأخبار: لا يحرّم أقلّ من خمس عشرة رضعة (2).

و قال ابن إدريس في أول كتاب النكاح: المحرّم عشر رضعات متواليات على الصحيح من المذهب.

و ذهب بعض أصحابنا الى خمس عشرة رضعة، معتمدا على خبر واحد رواية عمّار بن موسى الساباطي، و هو فطحي المذهب مخالف للحقّ، مع أنا قدمنا أنّ أخبار

____________

(1) المقنعة: 502، المراسم: 149، المهذّب 2: 19، الكافي في الفقه: 285، الوسيلة: 301.

(2) النهاية: 461، المبسوط 4: 204، التهذيب 7: 314 ذيل الحديث 1303، الاستبصار 3: 193 ذيل الحديث 700.

30

الآحاد لا يعمل بها و لو رواها العدل.

فالأوّل مذهب السيد المرتضى و خيرته، و شيخنا المفيد.

و الثاني خيرة شيخنا أبي جعفر الطوسي.

و الأوّل هو الأظهر الذي تقتضيه أصول المذهب، لأنّ الرضاع يتناول القليل و الكثير، فالإجماع حاصل على العشر و تخصيصها، و لأنّ بعض أصحابنا يحرّم بالقليل من الرضاع و الكثير و يتعلّق بالعموم، فالأظهر ما اخترناه، ففيه الاحتياط (1).

ثمَّ قال في أوّل باب الرضاع: الذي يحرّم من الرضاع ما أنبت اللحم و شدّ العظم على ما قدّمناه، فإن علم ذلك، و إلّا كان الاعتبار بخمس عشرة رضعة على الأظهر من الأقوال.

و قد حكينا الخلاف فيما مضي، إلّا أنّا اخترنا هناك التحريم بعشر رضعات و قويناه.

و الذي افتي به و أعمل عليه: الخمس عشرة رضعة، لأنّ العموم قد خصصه جميع أصحابنا المحصّلين، و الأصل الإباحة، و التحريم طارئ، فبالإجماع من الكل يحرّم الخمس عشرة رضعة، فالتمسّك بالإجماع أولى و أظهر، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع (2).

و هذا يدلّ على اضطرابه، و قلّة مبالاته بما يقول، و نسبة المشايخ الى الخطأ في الفتوى، و الاستناد الى غير دليل.

ثمَّ أي تواتر حصل له بين فتواه بالعشر و فتواه بخمس عشرة حتى نسب الثاني أوّلا إلى أنّه خبر واحد رواه غير الثقة، ثمَّ اعتمد عليه و أفتى به؟! و قال ابن الجنيد: و قد اختلفت الرواية من الوجهين جميعا في قدر الرضاع المحرّم، إلا أنّ الذي أوجبه الفقه عندي و احتياط المرء لنفسه: أنّ كلّ ما وقع عليه اسم رضعة- و هو ما ملأت بطن الصبي إمّا بالمصّ أو بالوجور (3)- محرّم للنكاح.

و قال الصدوق في (المقنع): لا يحرّم من الرضاع إلّا ما أنبت اللحم و شدّ العظم.

قال: و روي أنّه لا يحرّم من الرضاع إلّا رضاع خمسة عشر يوما و لياليهن ليس

____________

(1) السرائر 2: 520.

(2) السرائر 2: 551.

(3) أي: جعله في فم الصبي. انظر: لسان العرب 5: 279.

31

بينهن رضاع.

قال: و به كان يفتي شيخنا محمد بن الحسن (رحمه الله).

قال: و روي أنّه لا يحرّم من الرضاع إلا ما كان حولين كاملين. و روي: أنّه لا يحرّم من الرضاع إلّا ما ارتضع من ثدي واحد سنة (1).

و الوجه: التحريم بالعشر، لوجوه:

الأوّل: عموم قوله تعالى وَ أُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ (2) و هو يصدق على القليل و الكثير، ترك العمل به فيما دون العشر، فيبقى في العشر على إطلاقه.

الثاني: قوله (عليه السلام): (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (3).

و التقريب ما تقدّم.

الثالث: الروايات الدالّة على العدد:

روى الفضيل بن يسار- في الصحيح- عن الباقر (عليه السلام)، قال: «لا يحرم من الرضاع إلّا المجبور» قال: قلت: و ما المجبور؟ قال: «أمّ تربّي أو ظئر تستأجر، أو أمة تشترى ثمَّ ترضع عشر رضعات يروى الصبي و ينام» (4).

لا يقال: في طريقه محمد بن سنان، و فيه قول.

و لأنّ الرواية اختلفت، فإنّ كلا من الشيخ و الصدوق (5) روى هذا الخبر بصيغة مخالفة لصيغة الرواية الأخرى، فتتعارضان.

لأنّا نقول: قد بيّنّا رجحان العمل برواية محمد بن سنان في (كتاب الرجال).

و لا مدخل لاختلاف الصيغتين في الاستدلال و منعه، لأنّا نستدلّ بقوله: «ثمَّ ترضع عشر رضعات» و هذه زيادة رواها الشيخ، و لا يلزم من ترك رواية الصدوق لها

____________

(1) المقنع: 110 و لم نجد ما نقل عنه في النسخة الموجودة لدينا من المقنع إلّا العبارة الاولى، و هي قوله: لا يحرّم. و شدّ العظم.

(2) النساء: 23.

(3) الكافي 5: 446/ 16، التهذيب 8: 244/ 880، المعجم الكبير- للطبراني- 2: 98/ 1432، و 3: 152/ 2923، سنن ابن ماجه 1: 623/ 1937، سنن النسائي 6: 99.

(4) التهذيب 7: 315/ 1305 و 324/ 1334 بتفاوت في السند و المتن.

(5) الفقيه 3: 307/ 1474.

32

الطعن فيها.

و في الحسن عن حمّاد بن عثمان عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما أنبت اللحم و الدم» (1).

و نحوه عن أبي الحسن (عليه السلام) (2)، و نحوه عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3).

إذا تقرّر هذا، فنقول: الذي ينبت اللحم و العظم عشر رضعات، لما رواه عبيد بن زرارة- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، الى أن قال: فقلت: و ما الذي ينبت اللحم و الدم؟ فقال: «كان يقال: عشر رضعات» (4).

و في الموثّق عن عمر بن يزيد قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن الغلام يرضع الرضعة و الثنتين، فقال: «لا يحرم» فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، قال:

«إذا كانت متفرّقة فلا» (5) دلّ بمفهومه على التحريم مع عدم التفريق.

الرابع: الاحتياط، فإنّ التحريم المستند الى عموم الكتاب و الروايات لمّا عارضته الإباحة المستندة الى الأصل و الروايات غلّب جانب التحريم لتيقّن البراءة معه، بخلاف الطرف الآخر، و قد روي عنه (عليه السلام): (ما اجتمع الحلال و الحرام إلّا غلب الحرام على الحلال) (6).

الخامس: عمل أكثر الأصحاب عليه، فيكون راجحا، فيتعين العمل به، لامتناع العمل بالمرجوح.

احتجّ الشيخ بوجوه:

الأوّل: أصالة الإباحة.

الثاني: الاستصحاب، فإنّ الحكم كان فيها أوّلا الإباحة، فيستصحب.

____________

(1) الكافي 5: 438/ 5، التهذيب 7: 312/ 1294، الاستبصار 3: 193/ 699.

(2) الكافي 5: 438/ 6، التهذيب 7: 312/ 1295.

(3) الكافي 5: 438/ 1، التهذيب 7: 312/ 1293.

(4) الكافي 5: 439/ 9، التهذيب 7: 312/ 1296، الاستبصار 3: 194/ 701.

(5) الكافي 5: 439/ 8، التهذيب 7: 313/ 1302، الاستبصار 3: 194/ 703.

(6) كشف الخفاء 2: 254/ 2186.

33

الثالث: الروايات.

قال في (التهذيب): و الذي أعتمده في هذا الباب و ينبغي أن يكون العمل عليه:

الخبر الذي رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن عمّار بن موسى الساباطي عن جميل بن صالح عن زياد بن سوقة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من رضاع يوم و ليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينهنّ رضعة امرأة غيرها، و لو أنّ امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد، و أرضعتها امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما» (1).

الرابع: العشر لا يحرّم، فيحرم ما قلناه، لعدم القائل من المحقّقين بالفرق.

و بيان المقدّم: ما رواه علي بن رئاب- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال:

قلت: ما يحرّم من الرضاع؟ قال: «ما أنبت اللحم و شدّ العظم» قلت: فيحرّم عشر رضعات؟ قال: «لا، لأنّها لا تنبت اللحم و لا تشدّ العظم عشر رضعات» (2).

و في الموثّق عن عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «عشر رضعات لا يحرّمن شيئا» (3).

و في الموثّق عن عبد اللّه بن بكير عن الصادق (عليه السلام)، قال: سمعته يقول:

«عشر رضعات لا تحرّم» (4).

و الجواب عن الأوّل: المنع من بقاء الأصل مع الروايات الدالّة على التحريم، و كذا الآيات.

و هو الجواب عن الثاني.

و عن الثالث: أنّ في طريقه ضعفا.

____________

(1) التهذيب 7: 315/ 1304.

(2) التهذيب 7: 313/ 1298، الاستبصار 3: 195/ 704.

(3) التهذيب 7: 313/ 1299، الاستبصار 3: 195/ 705.

(4) التهذيب 7: 313/ 1300، الاستبصار 3: 195/ 706.

34

و عن الرابع: ما تقدّم من أنّه إذا تعارضت أدلّة التحريم و التحليل، كان العمل بالتحريم أولى.

احتجّ ابن الجنيد: بعموم الآية (1).

و ما رواه علي بن مهزيار- في الصحيح- عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه كتب إليه يسأله عما يحرّم من الرضاع، فكتب: «قليله و كثيره حرام» (2).

و عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنّه قال: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لا تحلّ له أبدا» (3).

و الجواب: قال الشيخ: الخبر الأوّل على أنّ «قليله و كثيره حرام» بعد ما يبلغ الحدّ الذي يحرّم، أو أنّه خرج مخرج التقية، لموافقته لمذهب بعض العامّة (4)- (5).

و كذا الخبر الثاني، لأنّ طريق هذا الخبر رجال العامّة و الزيدية و لم يروه غيرهم، و ما هذا سبيله لا يجب العمل به (6).

و قد روى زرارة عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا يحرّم من الرضاع إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين» (7).

قال الشيخ: المراد به أن يكون الرضاع في حولين كاملين، لأنّه بعد الحولين لا يحرّم (8).

و قد روى العلاء بن رزين عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا يحرّم من الرضاع إلّا ما ارتضع من ثدي واحد سنة» (9).

قال الشيخ: إنّه خبر نادر مخالف للأحاديث كلها، و ما كان هذا سبيله لا يعترض

____________

(1) النساء: 23.

(2) التهذيب 7: 316/ 1308، الاستبصار 3: 196- 197/ 711.

(3) التهذيب 7: 317/ 1309، الاستبصار 3: 197/ 712.

(4) في «س، ط»: العوام.

(5) التهذيب 7: 317 ذيل الحديث 1308، الاستبصار 3: 197/ 711.

(6) التهذيب 7: 317 ذيل الحديث 1309.

(7) التهذيب 7: 317/ 1310، الاستبصار 3: 197/ 713.

(8) التهذيب 7: 317 ذيل الحديث 1310، الاستبصار 3: 197 ذيل الحديث 713.

(9) التهذيب 7: 318/ 1315، الاستبصار 3: 198/ 718.

35

به الأخبار الكثيرة (1).

مسألة 2: شرط علماؤنا أجمع- إلّا ابن الجنيد- أن يكون الرضاع

قبل أن يبلغ سنّ المرتضع كمال الحولين، فلو ارتضع في مدّة الحولين العدد المشترط، نشر الحرمة، و لو خرج الحولان و قد بقي بعض الرضعة الأخيرة، لم ينشر الحرمة.

و قال ابن الجنيد: إذا كان بعد الحولين و لم يتوسّط بين الرضاعين فطام بعد الحولين، حرّم.

لنا: أصالة الإباحة.

و ما رواه حمّاد بن عثمان- في الموثّق- قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

«لإرضاع بعد فطام» قال: قلت: جعلت فداك و ما الفطام؟ قال: «الحولين اللذين قال اللّه عزّ و جل» (2).

احتجّ ابن الجنيد: بما رواه ابن الحصين عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال:

«الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم يحرّم» (3).

و الجواب: قال الشيخ رحمه اللّه: إنّه خبر شاذ لا يعارض ما قدّمناه من الأخبار، لكثرتها، و يجوز أن يكون خرج مخرج التقيّة، لأنّه مذهب لبعض العامّة (4).

مسألة 3: المشهور: أنّ الرضاع في الحولين ينشر الحرمة،

سواء كان قد فطم قبل الحولين أولا.

و قال ابن أبي عقيل: الرضاع الذي يحرّم عشر رضعات قبل الطعام، فمن شرب بعد الطعام لم يحرّم ذلك الشرب.

لنا: ما تقدّم من الرواية من تحديد الفطام بالحولين.

____________

(1) التهذيب 7: 319 ذيل الحديث 1315، الاستبصار 3: 198 ذيل الحديث 718.

(2) الكافي 5: 443/ 3، التهذيب 7: 318/ 1313، الاستبصار 3: 198/ 716، و الآية الشريفة في سورة البقرة:

223.

(3) التهذيب 7: 318/ 1314، الاستبصار 3: 198/ 717.

(4) التهذيب 7: 318 ذيل الحديث 1314.

36

احتجّ: بما رواه الفضل بن عبد الملك عن الصادق (عليه السلام)، قال: «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم» (1).

و الجواب: المراد بذلك: الفطام الشرعي، أي: قبل أن يستحقّ الفطام، و بالجملة فكلام ابن أبي عقيل ليس بصريح في مخالفة علمائنا.

مسألة 4: قال الشيخ: ينبغي أن يكون الرضاع في مدة الحولين،

فإن حصل الرضاع بعد الحولين- سواء كان قبل الفطام أو بعده، قليلا كان أو كثيرا- فإنّه لا يحرّم (2).

و كذا قال المفيد: ليس يحرم النكاح من الرضاع إلّا ما كان في الحولين قبل الكمال، فأما ما حصل بعد الحولين فإنّه ليس برضاع يحرم به النكاح، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): (لا رضاع بعد فطام) (3) (4).

و أطلقا القول، و لم يتعرضا لولد المرضعة الذي رضع الطفل من لبنه، و كذا أكثر علمائنا المتقدّمين.

أمّا أبو الصلاح فإنّه جعل من شرائط الرضاع أن يكون الراضع و المرتضع من لبنه ينقص سنّهما عن الحولين (5)، و كذا قال السيد ابن زهرة (6).

و قال ابن حمزة: من شرائط الرضاع أن يكون للصبي المرتضع دون سنتين، و أن تكون المرضعة في مدّة السنتين من وقت الولادة (7).

و قال ابن إدريس: و قد ذهب بعض أصحابنا المتأخرين في تصنيف له، الى أن قال: منها: أن يكون سنّ الراضع و المرتضع من لبنه دون الحولين.

و هذا خطأ من قائله، لأنّ الاعتبار بسنّ الراضع، لأنّ المرأة إذا كان بها لبن ولادة

____________

(1) الكافي 5: 443/ 2، التهذيب 7: 318/ 1312.

(2) النهاية: 661.

(3) الكافي 5: 443/ 5، الفقيه 3: 227/ 1070 و 4: 260 ذيل الحديث 824، أمالي الصدوق: 309/ 4، سنن الدار قطني 4: 175/ 14.

(4) المقنعة: 503.

(5) الكافي في الفقيه: 285.

(6) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 547.

(7) الوسيلة: 301.

37

حلال، و مضى لها أكثر من حولين، ثمَّ أرضعت من له أقلّ من حولين، الرضاع المحرّم، انتشرت الحرمة، و تعلّق عليه و عليها أحكام الرضاع بغير خلاف من محصّل.

و اعتبارنا الحولين في المرتضع، لدليل إجماع الطائفة.

و أيضا قوله تعالى وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ (1) لأنّ المراد إثبات الرضاع الشرعي الذي تتعلّق به الحرمة، بدليل أنّه تعالى لا يجوز أن يريد الرضاع اللغوي، لأنّه ينطلق على ما يحصل بعد الحولين و قبل تمامهما و لا يريد نفي جوازه دونهما أو بعدهما، لأنّ ذلك جائز بلا خلاف، و لا نفي الكفاية بدونهما، لأنّ الكفاية قبل تمامهما قد تحصل بلا شبهة، فلم يبق إلّا ما قلناه (2).

و هذا الكلام على طوله خال عن التحصيل، بل هو عن التحقيق بمعزل، لأنّه حكم بالخطإ مستدلّا بالإجماع في المختلف، و هو أولى بالخطإ.

و الآية سيقت لبيان مدّة الرضاع الذي يستحقّ به الأجرة، و لا تعرّض فيها للتحريم، مع أنه لو كان لكانت دالّة على نقيض مطلوبه.

مع أنّ الشيخ نقل عن ابن بكير حيث سأله ابن فضّال- في المسجد- في امرأة أرضعت غلاما سنتين، ثمَّ أرضعت صبيّة لها أقل من سنتين حتى تمّت السنتان، أ يفسد ذلك بينهما؟ قال: لا يفسد ذلك بينهما، لأنّه رضاع بعد فطام، و إنّما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): (لإرضاع بعد فطام) أي: أنّه إذا تمَّ للغلام سنتان أو الجارية فقد خرج من حدّ اللبن، و لا يفسد بينه و بين من يشرب منه.

قال: و أصحابنا يقولون: إنّه لا يفسد إلّا أن يكون الصبي و الصبية يشربان شربة شربة (3).

و هذا و إن لم يكن حجّة حيث لم يسنده ابن بكير الى إمام، إلّا أنّ ادّعاء الإجماع على خلافه ممنوع.

و بالجملة فلا بن إدريس أن يحتجّ بالعموم.

____________

(1) البقرة: 233.

(2) السرائر 2: 519- 520.

(3) التهذيب 7: 317- 318/ 1311، الاستبصار 3: 197- 198/ 714.

38

احتجّ أبو الصلاح: بأنّ الرضاع المعتبر شرعا ما حصل قبل الفطام، و كما ثبت في أحد المرتضعين ثبت في الآخر.

و بعموم قوله (عليه السلام): (لإرضاع بعد فطام) (1).

و الجواب: بالمنع من المقدّمة الاولى، و هي القياس، فإنّه باطل عندنا.

و الحديث نعمل بموجبة، لتناوله المرتضع بمعنى انتفاء أحكام الرضاع في الحاصل بعد فطام المرتضع بالنسبة إليه.

و قول أبي الصلاح لا يخلو من قوّة، فنحن في هذه المسألة من المتوقّفين.

مسألة 5: المشهور: أنّ الرضاع إنّما يؤثّر في نشر الحرمة لو امتصّ الصبي من الثدي،

فلو وجر في حلقه، لم ينشر حرمة، خلافا لابن الجنيد، فإنّه حرمه بالوجور، و للشيخ في (المبسوط) حيث قال: إذا كانت الرضعات التي يتعلّق بها التحريم بعضها إرضاعا و بعضها وجورا نشر الحرمة عندنا (2). مع أنّه قال قبل ذلك: الوجور كالرضاع عند الفقهاء، و قال عطاء و داود: لا ينشر الحرمة، و هو الأقوى عندي (3). و هو يدلّ على عدم حرمة.

لنا: قول الصادق (عليه السلام): «لا يحرّم من الرضاع إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين» (4).

لا يقال: إنّه متروك الظاهر، فلا يجوز التمسّك به.

لأنّا نقول: قد بيّنّا أنّ المراد حصول الرضاع في الحولين، و لا ينافي هذا التأويل و لا عدمه الاستدلال بقوله: «إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد» و مسمّى الارتضاع إنّما يتحقق بالمصّ خاصّة.

و قول الباقر (عليه السلام): «لا يحرّم الرضاع أقلّ من رضاع يوم و ليلة، أو خمس

____________

(1) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في صدر المسألة.

(2) المبسوط 5: 295، و فيه: نشر الحرمة عندهم، و عندنا لا ينشر.

(3) المبسوط 5: 295.

(4) الفقيه 3: 307/ 1477، التهذيب 7: 317/ 1310، الاستبصار 3: 197/ 713.

39

عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة» (1) جعل الرضاع المحرم مبدأه من المرأة.

و لأصالة الإباحة.

احتجّ ابن الجنيد: بما رواه جميل بن درّاج- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كلّ شيء من ولدها» (2) و هو يصدق مع الوجور.

و الجواب: المنع من صدق الرضاع معه.

مسألة 6: قال الشيخ في (المبسوط): من وطأ امرأة وطء يلحق به النسب

بنكاح صحيح أو فاسد، أو وطء شبهة، أو ملك يمين، فخلق الولد بينهما، فهو ابنهما معا، فإذا نزل له لبن، كان لهما، فإذا أرضعت به مولودا العدد الذي يحرّم، فإنّ المرتضع ولدهما معا من الرضاعة (3).

و قال ابن الجنيد: و لو أرضعت بلبن حمل من زنا، حرمت و أهلها على المرتضع، و كان تجنّبه أهل الزاني أحوط و أولى.

و قال ابن إدريس: و انّما التأثير للبن الولادة من النكاح المباح المشروع فحسب، دون النكاح الحرام و الفاسد و وطء الشبهة، لأنّ نكاح الشبهة عند أصحابنا لا يفصلون بينه و بين الفاسد إلّا في إلحاق الولد و رفع الحدّ فحسب.

ثمَّ قال: و إن قلنا في وطء الشبهة بالتحريم، كان قويّا، لأنّ نسبه عندنا صحيح شرعي، و قد قال الرسول (عليه السلام): (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (4) فجعله أصلا للرضاع.

ثمَّ قال: ولي في ذلك نظر و تأمّل (5). و هو يدلّ على تردّده في ذلك.

و الوجه: ما قاله الشيخ، عملا بالعموم.

____________

(1) التهذيب 7: 315/ 1304، الاستبصار 3: 192/ 696.

(2) التهذيب 7: 321/ 1325، الاستبصار 3: 201/ 728.

(3) المبسوط 5: 291- 292.

(4) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 1.

(5) السرائر 2: 552.

40

و قول ابن إدريس ممنوع، و لا حجّة عليه سوى الإباحة الأصلية، و هي لا تخلو من منع.

مسألة 7: قال الشيخ في (المبسوط): يجوز للفحل أن يتزوّج بأمّ المرتضع،

و أخته و جدّته، و يجوز لوالد هذا المرتضع أن يتزوّج بالتي أرضعته؛ لأنّه لا نسب بينهما و لإرضاع، و لأنّه لمّا جاز أن يتزوّج أمّ ولده من النسب فبأن يجوز أن يتزوّج أمّ ولده من الرضاع أولى.

قالوا: أ ليس لا يجوز له أن يتزوّج أمّ أمّ ولده من النسب و يجوز أن يتزوّج بأمّ أمّ ولده من الرضاع، فكيف جاز ذلك و قد قلتم: إنّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟

قلنا: أمّ أمّ ولده من النسب ما حرمت بالنسب بل بالمصاهرة قبل وجود النسب، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (1) و لم يقل: يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة (2).

و قال ابن الجنيد: و لا تجمع أيضا بين أختين من الرضاعة بنكاح و لا ملك.

و قال محمد بن إدريس: أمّا تزويجه بأخته و بجدّته فلا يجوز بحال، لأنّا في النسب لا نجوّز له أن يتزوّج الإنسان بأخت ابنه و لا بأمّ امرأته بحال، و إنّما الشافعي علّل ذلك بالمصاهرة، و ليس هاهنا مصاهرة.

و كذا في قوله و سؤاله نفسه: أ ليس لا يجوز له أن يتزوّج أمّ أمّ ولده من النسب و يجوز أن يتزوّج أمّ أمّ ولده من الرضاع.

و أجاب: بأنّ أمّ أمّ ولده من النسب ما حرمت بالنسب، و إنّما حرمت بالمصاهرة قبل وجود النسب، و علّل ذلك بالمصاهرة، فلا يظنّ ظانّ بأنّ ما قلناه كلام شيخنا أبي جعفر.

و الذي يقتضيه مذهبنا: أنّ أمّ أمّ ولده من الرضاع محرّمة عليه، كما أنّها محرّمة

____________

(1) تقدمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 1.

(2) المبسوط 5: 305.

41

عليه من النسب، لأنّه أصل في التحريم من غير تعليل (1).

و قال ابن حمزة: يحرم الصبي على كلّ من يحرم عليه أولاد الفحل نسبا و رضاعا، و على الفحل و على جميع أولاده نسبا و رضاعا، و يحرم على الصبي كلّ من يحرم الصبي عليه، و يحرم أولاد الفحل على أب الصبي و إخوته المنتسبة إلى أبيه نسبا و رضاعا، و يحرم أولاد والد الصبي على الفحل و أولاده نسبا و رضاعا، و جميع أولاد امه نسبا و رضاعا من والد الصبي دون غيره على الفحل و على جميع أولاده نسبا و رضاعا، و يحرم الصبي أيضا على جميع أولاد المرضعة من جهة الولادة، و جميع أولادها من الرضاع من لبن هذا الفحل دون غيره، و هم يحرمون على الصبي و على أبيه و إخوته المنتسبة إلى أبيه نسبا و رضاعا من أبيه دون غيره على أولاد المرضعة نسبا و رضاعا من لبن الفحل، و يجوز للفحل التزويج بأمّ الصبي و جدّاته، و لوالد الصبي التزويج بالمرضعة و بأمّها و بجدّاتها (2).

و هذا الكلام لا يخلو من اضطراب.

و المعتمد: تحريم أمّ الأمّ من الرضاع.

و قول الشيخ- رحمه اللّه- في (المبسوط) و إن كان قويّا لكن الرواية الصحيحة على خلافه، فإنّ علي بن مهزيار روى- في الصحيح- قال: سأل عيسى بن جعفر أبا جعفر الثاني (عليه السلام) عن امرأة أرضعت لي صبيّا، فهل يحلّ لي أن أتزوّج بنت زوجها؟

فقال لي: «ما أجود ما سألت، من ها هنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره» قلت له: إن الجارية ليست بنت المرأة التي أرضعت لي، هي بنت غيرها، فقال: «لو كنّ عشرا متفرّقات ما حلّ لك منهنّ شيء، و كنّ في موضع بناتك» (3).

فقد حكم هنا (عليه السلام) بتحريم أخت الابن من الرضاع و جعلها في منزلة البنت، و لا ريب أنّ أخت البنت إنّما تحرم بالنسب لو كانت بنتا، أو بالسبب لو كانت

____________

(1) السرائر 2: 555.

(2) الوسيلة: 301- 302.

(3) الكافي 5: 441- 442/ 8، التهذيب 7: 320/ 1320، الاستبصار 3: 199/ 723.

42

بنت الزوجة، فالتحريم هنا باعتبار المصاهرة و جعل الرضاع كالنسب في ذلك.

و قول الشيخ في غاية القوّة، و لو لا هذه الرواية الصحيحة، لاعتمدت على قول الشيخ.

و نسبة ابن إدريس هذا القول إلى الشافعي غير ضائر للشيخ.

و قوله: لا يجوز أن يتزوج بأخت أبيه و لا بأمّ امرأته، و ليس هنا مصاهرة، غلط، لأنّهما إنّما حرمتا باعتبار المصاهرة.

مسألة 8: قال الشيخ في (الخلاف): إذا حصل الرضاع المحرّم،

لم يحلّ للفحل نكاح أخت هذا المولود المرتضع بلبنه و لا لأحد من أولاده من غير المرضعة و منها، لأنّ إخوته و أخواته صاروا بمنزلة أولاده (1).

و نحوه قال في (النهاية) حيث قال: و كذلك يحرم جميع إخوة المرتضع على هذا البعل و على جميع أولاده من جهة الولادة و الرضاع (2).

و قال ابن إدريس: قول شيخنا- رحمه اللّه- في ذلك غير واضح، و أيّ تحريم حصل بين أخت هذا المولود المرتضع و بين أولاد الفحل، و ليس هي اختهم لا من أمّهم و لا من أبيهم. و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعل النسب أصلا للرضاع في التحريم، فقال:

(يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (3) و في النسب لا يحرم على الإنسان أخت أخيه التي لا من امّه و لا من أبيه. ثمَّ أمر بالتأمّل و الملاحظة (4).

و هذا- قول ابن إدريس- لا بأس به، فإنّ النظر يقتضيه، لكنّه لا يجامع ما قاله أوّلا في المسألة السابقة التي حكم فيها بتحريم أمّ أمّ الولد و أخته كما حرمتا في النسب، و قد عرفت هناك أنّ التحريم ليس من جهة النسب، بل من جهة المصاهرة.

ثمَّ إن الأئمّة (عليهم السلام) حكموا بالتحريم في الرضاع و إن اختلفت العلّة، و قد

____________

(1) الخلاف، كتاب الرضاع، المسألة 1.

(2) النهاية: 462.

(3) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 1.

(4) السرائر 2: 557.

43

قال أبو جعفر الثاني (عليه السلام): «لو كن عشرا متفرّقات ما حل لك منهنّ شيء، و كنّ في موضع بناتك» (1).

و كذا ما رواه أيّوب بن نوح- في الصحيح- قال: كتب علي بن شعيب الى أبي الحسن (عليه السلام): امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز لي أن أتزوّج بعض ولدها؟ فكتب: «لا يجوز لك ذلك لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك» (2).

و هذا التعليل يعطي صيرورة أولادها إخوة لأولاده، فتنشر الحرمة، و نحن في ذلك من المتوقّفين.

مسألة 9: قال الشيخ في (المبسوط): إذا كان له أربع زوجات، إحداها صغيرة

لها دون الحولين، و ثلاث كبائر بهن لبن، فأرضعت إحدى الكبائر هذه الصغيرة، انفسخ نكاحهما معا، فإذا أرضعتها الثانية من الكبائر، انفسخ نكاحها، لأنّها أمّ من كانت زوجته، فإن أرضعتها الثالثة، انفسخ نكاحها، لأنّها أمّ من كانت زوجته، و روى أصحابنا في هذه أنّها لا تحرم، لأنّها ليست زوجة في هذه الحال، و إنّما هي بنت، و الذي قالوه قويّ (3).

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصولنا: التحريم، لأنّها من أمّهات نسائه، و قد حرم اللّه تعالى أمهات النساء (4)، و هذه كانت زوجته بلا خلاف (5).

و قوله جيّد، فإنّ الرضاع كالنسب، و كما أنّ النسب يحرم سابقا و لا حقا فكذا ما ساواه.

تنبيه: لو تزوّج صغيرتين، فأرضعتهما امرأتاه، حرم الجميع، و عليه مهر الصغيرتين، و يرجع به على الكبيرتين.

____________

(1) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 7.

(2) الفقيه 3: 306/ 1470، التهذيب 7: 321/ 1324، الاستبصار 3: 201/ 727.

(3) المبسوط 5: 300.

(4) النساء: 23.

(5) السرائر 2: 556.

44

قال ابن إدريس: قول بعض أصحابنا بالرجوع، لا أرى له وجها (1). و سيأتي.

مسألة 10: قال الشيخ في (المبسوط) و ابن إدريس: الرضاع لا تقبل فيه شهادة النساء

على الصحيح من أقوال أصحابنا (2).

و سوّغ جماعة من أصحابنا قبول شهادتهنّ فيه، و هو قول ابن حمزة (3)، و سيأتي البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى في كتاب الشهادات.

مسألة 11: قال ابن الجنيد: إذا كان له زوجتان، فأرضعت إحداهما زوجته الصبيّة،

ثمَّ أرضعتها امرأته الأخرى، لم تحرم عليه المرضعة الأخيرة من زوجته، و حرمت عليه الاولى و زوجته الصغرى- و هو اختيار الشيخ في (النهاية) (4)- لما رواه علي بن مهزيار عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قيل له: إنّ رجلا تزوّج بجارية صغيرة، فأرضعتها امرأته ثمَّ أرضعتها امرأة أخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية و امرأتاه، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «أخطأ ابن شبرمة، حرمت عليه الجارية و امرأته التي أرضعتها أوّلا، فأمّا الأخيرة لم تحرم عليه لأنّها أرضعت ابنته» (5).

و قد بيّنّا فيما تقدّم تحريم الجميع، لأنّ الكبيرة الأولى أمّ زوجته، و الثانية أمّ من كانت زوجته.

و نمنع صحة سند الرواية.

مسألة 12: اختلف علماؤنا في الرضاع، هل يساوي النسب في كونه سببا في العتق؟

قال الشيخ: نعم (6).

____________

(1) السرائر 2: 540.

(2) المبسوط 5: 311، السرائر 2: 556.

(3) الوسيلة: 222.

(4) النهاية: 456.

(5) الكافي 5: 446/ 13، التهذيب 7: 293/ 1232.

(6) النهاية: 409، المبسوط 5: 291، الخلاف، كتاب العتق، المسألة 5.

45

فكلّ مملوك أو مملوكة ينعتق على المالك بالملك في النسب ينعتق عليه مثله في الرضاع، فلو ملك أحد الأبوين رضاعا، أو أحد أولاده- الذكور و الإناث- رضاعا، أو إحدى المحرّمات عليه في النكاح، كالأخت و بناتها و بنات الأخ و العمّة و الخالة، كلّ ذلك من الرضاع، انعتق عليه كما في النسب.

و رواه الصدوق في كتابه (1)، و به قال ابن البرّاج و ابن حمزة (2).

و قال ابن أبي عقيل: لا بأس بملك الامّ و الأخت من الرضاعة و بيعهنّ، إنّما يحرم منهنّ ما يحرم من النسب في وجه النكاح فقط. فلم يجعل الرضاع سببا في العتق.

و قال ابن الجنيد: و من ملك ذا رحم محرم عتق عليه عند ملكه إيّاه، أو عتق منه ما يملكه عليه، و ذلك مثل الوالدين و من ولدهما، و الولد و ما ولدوا، و كذلك كلّ من حرم عليه نكاحها بالنسب يعتق عليه.

و الذي يوجبه الفقه أن لا يختار الإنسان أن يتملّك ذا رحم منه قرب أو بعد، و لا من يقوم مقام من يحرم عليه بالنسب ملكه من جهة الرضاع بملك العبيد، فإن ملكهم لم يبعهم إلا عند ضرورة إلى أثمانهم، و جعلوا آخر ما يباع في الدين عليه.

و هو يعطي جواز الملك على كراهة، و أنّ الرضاع ليس سببا في العتق، و هو اختيار المفيد و سلّار و ابن إدريس (3).

و المعتمد: الأول.

لنا: قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ- الى قوله- وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ (4) و التحريم لا يتناول الأعيان، فيصرف الى المنافع المتعلّقة بتلك الأعيان صونا للّفظ عن الإجمال، و المنافع هنا مشتركة بين الاستمتاع و الاستخدام، و التملّك، فيعمّها التحريم، إذ تحريم العين يقتضي تحريمها جميعا.

و قوله (عليه السلام): (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (5) و لفظة «ما»

____________

(1) الفقيه 3: 66/ 221.

(2) المهذّب 2: 356، الوسيلة: 340.

(3) المقنعة: 599، المراسم: 176، السرائر 2: 343.

(4) النساء: 23.

(5) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 1.

46

للعموم، فيتناول الاستخدام و التملّك، كما يتناول الاستمتاع.

و ما رواه أبو بصير و أبو العباس و عبيد بن زرارة- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، الى أن قال: «و لا يملك امّه من الرضاعة، و لا عمّته و لا خالته، فإنّهنّ إذا ملكن عتقن و قال: «ما يحرم من النسب فإنّه يحرم من الرضاع» و قال: «يملك الذكور، ما خلا والدا و ولدا، و لا يملك من النساء ذات رحم محرم» قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: «نعم، يجري في الرضاع مثل ذلك» (1).

و في الصحيح عن الحلبي و ابن سنان عن الصادق (عليه السلام): في امرأة أرضعت ابن جاريتها، قال: «تعتقه» (2).

و عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام): أنّه سأله عن امرأة ترضع غلاما لها من مملوكة حتى تفطمه، يحل لها بيعه؟ قال: «لا، حرم عليها ثمنه، أ ليس قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، أ ليس قد صار ابنها» (3).

و لأنّه لو ملكت المحرّمات من الرضاع لساغ له الاستمتاع بهنّ، و الثاني باطل إجماعا، و كذا المقدّم.

و بيان الملازمة: قوله (عليه السلام): (الناس مسلّطون على أموالهم).

و قوله تعالى أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (4).

احتجّ المانعون: بما رواه أبو عيينة عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: غلام بيني و بينه رضاع، يحلّ لي بيعه؟ قال: «إنما هو مملوك، إن شئت بعته، و إن شئت أمسكته» (5).

و عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «يملك الرجل أخاه و غيره من ذوي قرابته من الرضاعة» (6).

____________

(1) الفقيه 3: 66/ 221، التهذيب 8: 243/ 877، الاستبصار 4: 17/ 53.

(2) الكافي 6: 178/ 5، التهذيب 8: 243/ 878، الاستبصار 4: 17/ 54.

(3) التهذيب 8: 244/ 880، الاستبصار 4: 18/ 56.

(4) المؤمنون: 6.

(5) التهذيب 8: 244/ 881، الاستبصار 4: 18/ 57.

(6) الاستبصار 4: 18/ 58.

47

و عن إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل كانت له خادم فولدت جارية، فأرضعت خادمته ابنا له، و أرضعت أمّ ولده ابنة خادمته، فصار الرجل أبا لبنت الخادم من الرضاع، يبيعها؟ قال: «نعم إن شاء باعها فانتفع بثمنها» قلت: فإنّه قد كان وهبها لبعض أهله حين ولدت، و ابنه اليوم غلام شاب فيبيعها و يأخذ ثمنها و لا يستأمر ابنه أو يبيعها ابنه!؟ قال: «يبيعها هو و يأخذ ثمنها، ابنه و مال ابنه له» قلت: فيبيع الخادم و قد أرضعت ابنا له؟ قال: «نعم، و ما أحبّ له أن يبيعها» قلت: فإن احتاج الى ثمنها؟ قال: «يبيعها» (1).

و عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام): في بيع الامّ من الرضاعة، قال: «لا بأس بذلك إذا احتاج» (2).

و عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حر إلّا ما كان من قبل الرضاع» (3).

و لأصالة استصحاب الملك.

و الجواب عن الأحاديث من حيث الإجمال و من حيث التفصيل:

أمّا الإجمال: فهو الطعن في السند، فإنّ في طريق الجميع الحسن بن محمّد بن سماعة، و هو واقفي لم يوثّقه علماؤنا، إلّا حديث الحلبي، فإنّ في طريقه ابن فضّال، و فيه قول.

و لأنّ أحاديثنا مزيلة عن حكم الأصل، فتكون راجحة على أحاديثكم.

و أمّا التفصيل:

فالجواب عن الأول: أنّا نقول بموجبة لدلالته على تملّك الأخ، و هو جائز في النسب و الرضاع.

و هو الجواب عن الثاني، لأنّ قوله: «يملك الرجل أخاه» صريح في ذلك، و قوله:

«و غيره من ذوي قرابته» كذلك، لأنّ «ذوي» جمع مذكّر.

____________

(1) التهذيب 8: 244- 245/ 884، الاستبصار 4: 18- 19/ 60.

(2) التهذيب 8: 245/ 886، الاستبصار 4: 19/ 62.

(3) التهذيب 8: 245/ 885، الاستبصار 4: 19/ 61.

48

و عن الثالث: إنّ قوله (عليه السلام) في أول الخبر: «إن شاء باعها فانتفع بثمنها» قال الشيخ: إنّه راجع الى الخادم المرضعة دون ابنتها، و يؤيّده التفسير في آخر الخبر، حيث قال له السائل: فيبيع الخادم و قد أرضعت ابنا له!؟ متعجّبا من ذلك بقوله: «نعم» و إن كان ذلك مكروها إلّا عند الحاجة حسب ما قاله: «و ما أحبّ له أن يبيعها» و لو كانت الخادم أمّ ولده من جهة النسب لجاز له بيعها (1).

و عن الآخرين: الحمل على الرضاع الفاقد لشرائط التحريم، قاله الشيخ.

قال: و يحتمل أن يكون «إلّا» في الخبر الأخير بمعنى الواو، و يصير التقدير:

و ما كان من قبل الرضاع.

قال الشيخ: و يحتمل قوله في بيع الام من الرضاعة: «لا بأس بذلك» لأبي الغلام، كما تقدّم من خبر إسحاق بن عمّار، و لا يكون المراد أنّه يجوز ذلك للولد المرتضع، فليس في الخبر تصريح بذلك (2).

و الأصالة معارضة بالاحتياط.

المطلب الثاني: في تحريم المصاهرة

مسألة 13: المشهور عند علمائنا أجمع- إلّا ابن أبي عقيل و الصدوق- تحريم أم الزوجة مؤبّدا،

سواء دخل بالبنت أو لا، ذهب إليه الشيخان و سلّار و أبو الصلاح (3)، و غيرهم (4).

و قال ابن أبي عقيل. قال اللّه تعالى وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ (5) ثمَّ شرط في الآية شرطا، فقال اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ (6) فالشرط عند آل الرسول في الأمّهات

____________

(1) التهذيب 8: 245 ذيل الحديث 884، الاستبصار 4: 19 ذيل الحديث 60.

(2) التهذيب 8: 245- 246 ذيل الحديث 886، الاستبصار 4: 19- 20 ذيل الحديث 62.

(3) المقنعة: 502، النهاية: 451، المبسوط 4: 196، المراسم: 147، الكافي في الفقيه: 286.

(4) كالقاضي ابن البراج في المهذّب 2: 182، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: 427، و ابن حمزة في الوسيلة: 292.

(5): النساء: 23.

(6): النساء: 23.

49

و الربائب جميعا الدخول، و إذا تزوّج الرجل المرأة ثمَّ ماتت عنه أو طلّقها قبل أن يدخل بها، فله أن يتزوّج بأمّها و ابنتها.

و أمّا الصدوق: فإنّه روى في كتاب (من لا يحضره الفقيه) عن جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام): أنّه سئل عن رجل تزوّج امرأة ثمَّ طلقها قبل أن يدخل بها، هل له أن يتزوّج ابنتها؟ قال: «الام و الابنة في هذا سواء، إذا لم يدخل بإحداهما حلّت له الأخرى» (1).

و قال في (المقنع): إذا تزوّج البنت فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الام.

و قد روي: أنّ الأم و البنت في هذا سواء، إذا لم يدخل بإحداهما حلّت له الأخرى (2).

فجعله هنا رواية.

و قال ابن الجنيد: كلّ من وقع عليه اسم أم امرأة دخل بها الرجل من قبل ابنتها أو أمّهاتهم رحما و نسبا و رضاعا، فهي محرّمة على الرجل الداخل بالمرأة، لقول اللّه عزّ و جلّ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ (3).

و كذلك أيضا بناتها و بنات ولدها، لقوله عزّ و جلّ وَ رَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (4).

و سواء كن في الحجور أو غير الحجور، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): (أيّما رجل نكح امرأة و دخل بها لا يحلّ له نكاح ابنتها) (5). فلم يفصل من كان في حجره ممّن لم يكن في حجره.

و كذلك الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (6).

و سواء كانت المرأة مدخولا بها بطلاق أو موت في تحريم أمّهاتها، لأنّ التحريم اتى منهما.

____________

(1) الفقيه 3: 262/ 1247.

(2) المقنع: 103- 104.

(3): النساء: 23.

(4): النساء: 23.

(5) سنن الترمذي 2: 293/ 1126، سنن البيهقي 7: 16.

(6) انظر: التهذيب 7: 273/ 1165 و 1166، و الاستبصار 3: 156- 157/ 569 و 570.

50

فأما بنات النساء: فلا بأس بالعقد عليهنّ إذا لم يكن الزوج دخل بالأم، لقوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ (1).

و ليس في هذا القول تصريح بتحليل الام مع عدم الدخول بالبنت و لا بتحريمه، لكن تقييد المرأة بالدخول بها يشعر بالإباحة.

و المعتمد: التحريم.

لنا: عموم قوله تعالى وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ (2) و لم يشرط الدخول، فيجري على العموم.

قال ابن عباس في هذه الآية: أبهموا ما أبهم اللّه سبحانه (3).

و ما رواه إسحاق بن عمّار عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام): «إنّ عليا (عليه السلام) كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي قد دخل بهنّ، من في الحجور و غير الحجور سواء، و الأمّهات مبهمات، دخل بالبنات أو لم يدخل بهنّ، فحرّموا، و أبهموا ما أبهم اللّه» (4).

و عنه (عليه السلام)، قال: «فإذا تزوّج البنت فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الام» (5).

و عن أبي بصير، قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة ثمَّ طلّقها قبل أن يدخل بها، قال: «تحلّ له ابنتها و لا تحلّ له أمّها» (6).

و للاحتياط.

احتجّ المانعون: بقوله تعالى وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (7) فشرّك الدخول في تحريمها، قضيّة للعطف.

و ما رواه جميل بن درّاج و حمّاد بن عثمان- في الصحيح- عن الصادق عليه

____________

(1) النساء 23.

(2) النساء 23.

(3) تفسير القرطبي 5: 106، المغني 7: 472، الشرح الكبير 7: 474- 475.

(4) التهذيب 7: 273/ 1165، الاستبصار 3: 156/ 569.

(5) التهذيب 7: 273/ 1166، الاستبصار 3: 157/ 570.

(6) التهذيب 7: 273/ 1167، الاستبصار 3: 157/ 571.

(7) النساء: 23.

51

السلام، قال: «الامّ و البنت سواء إذا لم يدخل بها يعني إذا تزوّج المرأة ثمَّ طلّقها قبل أن يدخل بها فإنّه إن شاء تزوّج أمّها و إن شاء ابنتها» (1).

و في الصحيح عن منصور بن حازم، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوّج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، أ يتزوّج بأمّها؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «قد فعله رجل منّا، فلم نر به بأسا» فقلت: جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلّا بقضاء علي (عليه السلام) في هذه الشمخيّة (2) التي أفتاها ابن مسعود أنّه لا بأس بذلك، ثمَّ إنّ عليا (عليه السلام) سأله، فقال له علي (عليه السلام): «من أين أخذتها؟» فقال: من قول اللّه عزّ و جلّ وَ رَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ (3) فقال علي (عليه السلام): «إن هذه مستثناة، و هذه مرسلة، و أمّهات نسائكم» فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) للرجل: «أما تسمع ما يروي هذا عن علي» فلمّا قمت ندمت و قلت: أيّ شيء صنعت، يقول هو: «قد فعله رجل منّا فلم نر به بأسا» فأقول أنا: قضى علي فيها؟! فلقيته بعد ذلك، فقلت: جعلت فداك مسألة الرجل إنّما كان الذي كنت تقول كان زلّة منّي، فما تقول فيها؟ فقال: «يا شيخ تخبرني أنّ عليّا (عليه السلام) قضى فيها و تسألني ما تقول فيها!؟» (4).

و عن محمد بن إسحاق بن عمّار، قال: قلت له: رجل تزوّج امرأة و دخل بها، ثمَّ ماتت، أ يحلّ له أن يتزوّج أمّها؟ قال: «سبحان اللّه، كيف تحلّ له أمّها و قد دخل بها!؟» قال: قلت له: فرجل تزوّج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها، تحلّ له أمّها؟ قال:

«و ما الذي يحرم عليه منها و لم يدخل بها» (5).

____________

(1) الكافي 5: 421/ 1، التهذيب 7: 273/ 1168، الاستبصار 3: 157/ 572.

(2) في «س»: السمحية، و في التهذيب: السمجية، و قال المجلسي- رحمه اللّه- في ملاذ الأخيار 2: 77: قال الوالد العلّامة نور اللّه مضجعه: إنّما صارت المسألة موسومة بالشمخية إمّا بالنسبة الى عبد اللّه بن مسعود بنسبته الى الجدّ، فإنه ابن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ، أو لتكبّر ابن مسعود فيها عن متابعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، يقال:

شمخ بأنفه، أي: تكبّر و ارتفع.

(3) النساء: 23.

(4) الكافي 5: 422/ 4، التهذيب 7: 274/ 1169، الاستبصار 3: 157/ 573.

(5) التهذيب 7: 275/ 1170، الاستبصار 3: 158/ 574.

52

و للأصل.

و الجواب: بمنع عود الوصف الى الجملتين معا، فإنّا قد بيّنّا في أصول الفقه أولوية رجوع الوصف و الشرط و الاستثناء إلى الأخيرة من الجمل المتعاقبة (1).

و لأنّ شرط الدخول هنا عائد إلى الربائب خاصة، فإنّه قال مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (2) و الربائب من النساء لا محالة، فصحّ أن يرجع إليهنّ، لأنّه شرط أن يكنّ من نسائنا، و أمّهات النساء لسن من نسائنا، بل نساؤنا منهنّ، و إذا تعذّر رجوع الشرط إلى الأولى وجب اختصاصه بالأخيرة، لأنّ شرط رجوعه إليهما- لو قلنا به- إمكان رجوعه إليهما.

و امّا الحديثان الصحيحان: فقد أجاب الشيخ عنهما: بأنّهما شاذّان مخالفان لظاهر كتاب اللّه تعالى، قال اللّه تعالى وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ و لم يشترط الدخول بالبنت كما شرط في الأم الدخول، فينبغي أن تكون الآية على إطلاقها، و لا يلتفت الى ما يخالفه و يضادّه، لما روي عنهم (عليهم السلام): «ما أتاكم عنّا فاعرضوه على كتاب اللّه تعالى، فما وافق كتاب اللّه فخذوا به، و ما خالفه فاطرحوه» أو أنّهما وردا على ضرب من التقية، لأنّ ذلك مذهب بعض العامّة (3).

و أجاب عن الثالث: بما تقدّم.

و بأنّ محمد بن إسحاق بن عمّار قال: قلت له، و لم يذكر من هو، فجاز أن يكون المسؤول غير الإمام الذي يجب المصير الى قوله (4).

و في جواب الشيخ عن الحديثين الأوّلين نظر، فإنّا نمنع معارضتهما للكتاب، فإنّ الأصل في الوصف و الشرط و إن كان الرجوع الى الأخيرة، الا أنّه يمكن عودهما الى الجملتين معا، و هذان الحديثان قويّان لا يبعد عندي العمل بهما، و ما ذكره من تعذّر الرجوع الى الجملتين ضعيف.

____________

(1) مبادي الوصول الى علم الأصول: 136 و 138 و 139.

(2) النساء: 23.

(3) الاستبصار 3: 158 ذيل الحديث 573، التهذيب 7: 275 ذيل الحديث 1169.

(4) الاستبصار 3: 159 ذيل الحديث 574، التهذيب 7: 275 ذيل الحديث 1170.

53

و بالجملة فنحن في هذه المسألة من المتوقّفين، إلا أنّ الترجيح للتحريم، عملا بالاحتياط و بفتوى الأكثر من الأصحاب.

مسألة 14: اختلف علماؤنا في الزنا بالمرأة هل ينشر حرمة التزويج بأمّها أو بنتها؟

فأثبته الشيخ و أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن زهرة و ابن حمزة (1).

و قال المفيد و السيد المرتضى و الصدوق في (المقنع) و سلّار و ابن إدريس: إنّه لا ينشر الحرمة، فيحلّ للرجل نكاح أمّ المزني بها و ابنتها، سواء تقدّم العقد على الزنا أو تأخّر (2).

و المعتمد: الأول.

لنا: عموم قوله تعالى وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (3) و المزني بها يصدق عليها أنّها من النساء، إذ الإضافة إلى الشيء يكفي فيها أدنى ملابسة، كقولك لأحد حاملي الخشبة: خذ طرفك، و قوله:

إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة فأضاف الكوكب إليها، لشدة سيرها فيه.

و ما رواه محمّد بن مسلم- في الصحيح- عن أحدهما (عليهما السلام): أنّه سئل عن رجل يفجر بالمرأة أ يتزوّج ابنتها؟ قال: «لا، و لكن إن كانت عنده امرأة ثمَّ فجر بأمّها أو أختها، لم تحرم عليه التي (4) عنده» (5).

و في الصحيح عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باشر امرأة و قبّل غير أنّه لم يفض إليها، ثمَّ تزوّج ابنتها، فقال: «إذا لم يكن أفضى إلى الأم فلا بأس، و إن كان أفضى إليها فلا يتزوّج ابنتها» (6).

____________

(1) المبسوط 4: 202، الكافي في الفقه: 286، المهذّب 2: 188، الغنية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهية) 18: 270، الوسيلة: 294.

(2) المقنعة: 504، المسائل الناصرية (ضمن الجوامع الفقهية): 245، المسألة 149، المقنع: 108، المراسم: 149، السرائر 2: 523.

(3) النساء: 23.

(4) في «س، ط» و الطبعة الحجرية: «الذي» و في هامش «س» كتب عليها «بخطّه» و ما أثبتناه من المصدر.

(5) التهذيب 7: 329/ 1352، الاستبصار 3: 165/ 603.

(6) الكافي 5: 415/ 2، التهذيب 7: 330/ 1356، الاستبصار 3: 166/ 607.

54

و في الصحيح عن منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام): في رجل كان بينه و بين امرأة فجور، هل يتزوج ابنتها؟ قال: «إن كان قبلة أو شبهها فليتزوّج ابنتها، و إن كان جماع فلا يتزوّج ابنتها، و ليتزوّجها هي» (1).

و لأنّ التحريم إن ثبت من جهة الرضاع ثبت من جهة النسب، و المقدّم ثابت فالتالي مثله.

و بيان الشرطية: أنّ الحكم إذا ثبت في الأعلى كان ثبوته في الأدنى أولى.

و بيان صدق المقدّم: ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح- عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل فجر بامرأة، أ يتزوّج أمّها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: «لا» (2).

و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل فجر بامرأة أ يتزوّج أمّها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: «لا» (3).

و لأنه أحوط.

و لأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح يتعلّق بالمحظور، كوطء المحرمة و الحائض.

احتجّ الآخرون: بقوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (4).

و بقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ (5).

و بما رواه هشام (6) بن المثنى، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) جالسا، فدخل عليه رجل، فسأله عن الرجل يأتي المرأة حراما أ يتزوّجها؟ قال: «نعم و أمّها و ابنتها» (7).

و عن هشام (8) بن المثنى، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له رجل:

رجل فجر بامرأة أ تحل له ابنتها؟ قال: «نعم إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (9).

و عن حنان بن سدير، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا سأله سعيد عن

____________

(1) الكافي 5: 416/ 5، التهذيب: 7/ 330/ 1357، الاستبصار 3: 167/ 608.

(2) الكافي 5: 416/ 8، التهذيب 7: 331/ 1360، الاستبصار 3: 167/ 611.

(3) الكافي 5: 416 ذيل الحديث 8، التهذيب 7: 331/ 1361، الاستبصار 3: 167/ 612.

(4) النساء: 23.

(5) النساء: 3.

(6) في المصدر: هاشم.

(7) التهذيب 7: 326- 327/ 1343، الاستبصار 3: 165/ 600.

(8) في المصدر: هاشم.

(9) التهذيب 7: 328/ 1350، الاستبصار 3: 165/ 601.

55

رجل تزوّج امرأة سفاحا أ تحل له ابنتها؟ قال: «نعم إنّ الحرام لا يحرم الحلال» (1).

و للأصل.

و لأنّه وطء لا حرمة له، فلا يوجب تحريما.

و الجواب: أنّا نقول بموجب الآية الأولى، فإنّ المتنازع عندنا داخل في المنصوص على تحريمه قبل ذلك.

و كذا نقول بموجب الآية الثانية، فإنّ الإباحة تناولت ما طاب، أي: ما أبيح، لا ما توهّمه ابن إدريس من الشهوة البهيمية.

و عن الأحاديث: بالقول بالموجب أيضا.

و المراد من الفجور: ما يكون دون الوطء و الإفضاء، امّا مع الإفضاء فلا يجوز.

و يؤيّد هذا التأويل: رواية عيص و منصور بن حازم.

و الأصل إنّما يعمل به مع عدم دليل مخرج عنه، امّا مع وجود دليل فلا. و نمنع الملازمة.

مسألة 15: قال الشيخ- رحمه اللّه-: تحرم الزانية على أب الزاني و ابنه (2).

و هو مذهب أبي الصلاح و ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن زهرة (3).

و نقل ابن إدريس عن المفيد و السيد المرتضى الإباحة، و أفتى به (4).

و المعتمد: الأول.

لنا: قوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (5).

و الاستدلال على تعميم التحريم بهذه الآية يتوقّف على مقامين:

الأول: أنّ النكاح يراد به الوطء كما يراد به العقد، و يدلّ عليه أنّه حقيقة في اللغة

____________

(1) التهذيب 7: 328/ 1351، الاستبصار 3: 165/ 602.

(2) النهاية: 452، المبسوط 4: 202.

(3) الكافي في الفقه: 286، المهذّب 2: 183، الوسيلة: 292- 293، الغنية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهية) 18:

270.

(4) السرائر 2: 524.

(5) النساء: 22.

56

للوطء إجماعا، فيكون كذلك في الشرع، لأصالة البقاء، و عدم النسخ و التغيير، و قد استعمل فيه، كقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ (1) و غير ذلك من الآيات و الآثار. بل نقول: إنّه لمّا كان حقيقة في الوطء لم يكن حقيقة في غيره، و إلّا لزم الاشتراك، و الأصل عدمه.

و استعماله في العقد في نحو قوله تعالى إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (2) مجاز، لأنّه خير من الاشتراك.

و وجه حسن المجاز: أن العقد يؤدّي الى الوطء، فأشبه العلّة، فحسن التجوّز.

و لو سلّم أنّه حقيقة فيه لكن حقيقة شرعية، فلا يمنع من استعماله في حقيقته اللغوية، بل قد استعمل كما بيّناه.

إذا تقرّر هذا، فنقول: النهي يتناول النكاح بمعنى الوطء، لأنّه حقيقة فيه، و لأنّه لمّا كان العقد المؤدّي إلى الوطء لا دائما يثمر انتشار الحرمة، كان الوطء الذي هو أبلغ منه أولى.

المقام الثاني: أنّه لمّا ثبت تحريم منكوحة الأب بالزنا، ثبت تحريم منكوحة الابن بالزنا أيضا، إذ لا قائل بالفرق.

و ما رواه أبو بصير- في الصحيح- قال: سألته عن الرجل يفجر بالمرأة أ تحلّ لابنه؟ أو يفجر بها الابن، أ تحلّ لأبيه؟ قال: «إن كان الأب أو الابن مسّها واحد منهما فلا تحلّ» (3).

و الظاهر أن أبا بصير أسند ذلك الى الإمام، لأنّ عدالته تقتضي ذلك.

و في الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل زنى بامرأة، هل تحلّ لابنه أن يتزوّجها؟ قال: «لا» (4).

و في الموثّق عن عمّار عن الصادق (عليه السلام)، في الرجل تكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجدّ، أو الرجل يزني بالمرأة هل تحلّ لابنه أن يتزوّجها؟ قال:

____________

(1) النساء: 3.

(2) الأحزاب: 49.

(3) التهذيب 7: 282/ 1194، الاستبصار 3: 163/ 593.

(4) التهذيب 7: 282/ 1195، الاستبصار 3: 163/ 594.

57

«لا، إنّما ذلك إذا تزوجها فوطئها ثمَّ زنى بها ابنه لم يضرّه، لأنّ الحرام لا يفسد الحلال، و كذلك الجارية» (1).

و لفظة «إنّما» للحصر.

و احتجّ الآخرون: بالأصل.

و بقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ (2) و هذه قد طابت.

و بما رواه محمد بن منصور الكوفي، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الغلام يعبث بجارية لا يملكها و لم يدرك، أ يحلّ لأبيه أن يشتريها و يمسّها؟ قال: «لا يحرّم الحرام الحلال» (3).

و الجواب: الأصل يعدل عنه عند وجود المعارض.

و الآية غير دالّة على المطلوب، لما تقدّم من أنّ المراد ب(طاب) أبيح و حلّل، لا متعلّق الشهوة.

و الرواية بعد سلامة سندها عن المطاعن لا تدلّ على المطلوب أيضا، فإنّ العبث لا يستلزم الجماع.

قال ابن إدريس: الاستدلال بقوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ (4) تمسّك ببيت العنكبوت، لأنّه لا خلاف أنه إذا كان في الكلمة عرفان: لغوي و شرعي، كان الحكم لعرف الشرع دون عرف اللغة، و لا خلاف أنّ النكاح في عرف الشرع هو العقد حقيقة، و هو الطارئ على عرف اللغة و كالناسخ له، و الوطء الحرام لا ينطلق عليه في عرف الشرع اسم النكاح بغير خلاف.

قال شيخنا أبو جعفر في كتاب (العدّة): إنّ النكاح اسم للوطء حقيقة، و مجاز في العقد، لأنّه موصل إليه و إن كان بعرف الشرع قد اختصّ بالعقد، كلفظ «الصلاة» و غيرها (5).

____________

(1) الكافي 5: 420/ 9، التهذيب 7: 282/ 1196، الاستبصار 3: 164/ 597.

(2) النساء 3.

(3) التهذيب 7: 283/ 1198، الاستبصار 3: 165/ 599.

(4) النساء: 22.

(5) عدة الأصول 1: 169- 170.

58

فقد اعترف أنّه قد اختص بعرف الشرع بالعقد.

و أيضا قوله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (1) سمّى العقد نكاحا بمجرّده.

و قول الرسول (عليه السلام): (لا يحرّم الحرام الحلال) (2) دليل على صحة ما قلناه و اخترناه (3).

و هذا الكلام في غاية السقوط.

امّا نسبة الاستدلال بالآية إلى الضعف فجهل منه بمواقع الألفاظ، فإنّ كون النكاح مستعملا في عرف الشرع في العقد لا ينافي الحقيقة الأصلية و لا الاستعمال الشرعي فيها، و قد بيّنّا وروده في الوطء شرعا في قوله تعالى فَانْكِحُوا (4).

و قوله تعالى فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (5).

و قوله تعالى فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (6).

و قوله تعالى وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ (7) و التعليل يدلّ على إرادة الوطء.

و قوله تعالى إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها (8).

و قوله (عليه السلام): (تناكحوا تناسلوا) (9) و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.

و امّا قوله: و الوطء الحرام لا ينطلق عليه في عرف الشرع اسم النكاح و ادّعاء الإجماع عليه خطأ، و لهذا يقسّم النكاح الى محرّم و محلّل في الشرع، و مورد القسمة مشترك بين الأقسام و صادق عليها، و إلا فليست الأقسام أقساما له، إذ مقتضى القسمة انضياف مشخّصات أو مميّزات متعاندة إلى طبيعة كلّيّة، بحيث تكون تلك الطبيعة مع

____________

(1) البقرة: 237.

(2) سنن ابن ماجه 1: 649/ 2015، سنن الدار قطني 3: 268/ 88- 90، سنن البيهقي 7: 168 و 169.

(3) السرائر 2: 524- 525.

(4) النساء: 3.

(5) البقرة: 230.

(6) النساء: 25.

(7) النور: 32.

(8) الأحزاب: 50.

(9) لم نجده في المصادر الحديثية.

59

ذلك المميّز أو المشخّص نوعا ما أو صنفا أو شخصا معاندا للمركّب من مقابله مع تلك الطبيعة الكلّية المقسومة.

و قوله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (1) نقول بموجبة، فإنّا قد بيّنّا استعمال النكاح في العقد شرعا إمّا حقيقة شرعية أو مجازا شرعيّا.

و امّا استدلاله بقوله (عليه السلام): (لا يحرّم الحرام الحلال) فغير دالّ على مطلوبه، فإنّ الحلال حقيقة: هو المتّصف بما رفع عنه الحرج في الحال، و المزني بها قبل عقد الأب و الابن ليست حلالا لأحدهما، و إنما تحلّ بالعقد، و نحن نقول: إنّها لو كانت حلالا ثمَّ زنى بها لم تحرم.

مسألة 16: لو سبق العقد من الأب أو الابن على امرأة ثمَّ زنى بها الآخر،

لم تحرم على العاقد، سواء دخل العاقد قبل الزنا من الآخر أو لم يدخل، ذهب إليه أكثر علمائنا (2).

و شرط ابن الجنيد في الإباحة الوطء، فلو عقد و لم يدخل و زنى الآخر، حرمت على العاقد أبدا، و لو دخل، لم تحرم.

لنا: الأصل الإباحة.

و لأنّها ثابتة قبل الزنا بمجرّد العقد فتستصحب.

و لقوله (عليه السلام): (لا يحرّم الحرام الحلال) (3) و هي حلال بالعقد، فلا يقتضي الوطء الحرام تحريما.

احتجّ: بعموم قوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ (4) و لا فرق بين الأب و الابن عند أحد.

و ما رواه عمّار عن الصادق (عليه السلام): في الرجل تكون له الجارية فيقع عليها ابن

____________

(1) البقرة: 237.

(2) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 452، و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 2: 183، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي: 286.

(3) سبقت الإشارة إلى مصادره في المسألة 15.

(4) النساء: 22.

60

ابنه قبل أن يطأها الجد، أو الرجل يزني بالمرأة هل تحلّ لابنه أن يتزوّجها؟ قال: «لا، إنّما ذلك إذا تزوّجها فوطئها ثمَّ زنى بها ابنه لم يضرّه، لأنّ الحرام لا يفسد الحلال، و كذلك الجارية» (1).

و الجواب: التخصيص بما بعد الوطء فكذا بما بعد العقد، لاشتراكهما في سبب التحليل، بل الثاني أولى، فإنّ المقتضي للتحريم على الغير إنّما هو العقد دون الوطء.

و التقييد بالوطء في الحديث استدلال بالمفهوم، و هو ضعيف، و السند أيضا ضعيف.

مسألة 17: قال الشيخ في (النهاية): إذا ملك الرجل جارية فوطئها ابنه قبل أن يطأها

حرم على الأب وطؤها، فإن وطأها بعد وطء الأب، لم يحرّم ذلك على الأب وطأها (2). و به قال ابن الجنيد و ابن البرّاج (3).

و قال الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه): و إن زنى رجل بامرأة ابنه أو امرأة أبيه، أو بجارية أبيه أو بجارية ابنه، فإنّ ذلك لا يحرّمها على زوجها، و لا يحرّم الجارية على سيّدها، و إنّما يحرم ذلك إذا كان منه بالجارية و هي حلال، فلا تحلّ تلك الجارية أبدا لابنه و لا لأبيه (4).

و قال ابن إدريس: لا فرق بين أن يطأ الولد جارية الأب قبل وطء الأب أو بعده في عدم التحريم (5).

احتجّ الشيخ: بما رواه عمّار الساباطي عن الصادق (عليه السلام): في الرجل تكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجدّ، أو الرجل يزني بالمرأة هل تحلّ لابنه أن يتزوّجها؟ قال: «لا، إنّما ذلك إذا تزوّجها فوطئها ثمَّ زنى بها ابنه لم يضرّه، لأنّ الحرام

____________

(1) الكافي 5: 420/ 9، التهذيب 7: 282/ 1196، الاستبصار 3: 164/ 597.

(2) النهاية: 452.

(3) المهذّب 2: 183.

(4) الفقيه 3: 263 ذيل الحديث 1256.

(5) السرائر 2: 529.

61

لا يفسد الحلال و كذلك الجارية» (1).

و احتجّ ابن إدريس: بقوله (عليه السلام): «لا يحرّم الحرام الحلال» (2).

و بقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ (3).

و قوله تعالى أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (4) و هذه ملك يمين.

و الأصل الإباحة، فلا يرجع عن هذه الأدلّة القاهرة بأخبار الآحاد (5).

و نحن في هذه المسألة من المتوقّفين.

و رواية الشيخ ضعيفة السند، لكن يعضدها ما تقدّم من الروايات الدالّة على التحريم لو زنى الابن بامرأة الجدّ أو الأب، و الملك و إن أثمر الإباحة لكن يظهر أثره بالوطء، إذ قد يملك من لا يباح له وطؤها.

مسألة 18: قال الشيخ في (النهاية): لو نظر الأب أو الابن أو قبّل بشهوة جارية قد ملكها،

حرم على الآخر وطؤها (6). و تبعه ابن البرّاج و ابن حمزة (7).

و عدّ أبو الصلاح في المحرمات: أمة الأب المنظور إليها بشهوة (8).

و قال سلّار: و قد روي أنّ الأب إذا نظر من أمته الى ما يحرم على غيره النظر إليه بشهوة، لم تحل لابنه أبدا (9).

و قال شيخنا المفيد: من ابتاع جارية، فنظر منها الى ما كان يحرم عليه قبل ابتياعها بشهوة- فضلا عن لمسها- لم تحلّ لابنه- بملك يمين و لا عقد نكاح- أبدا، و ليس كذلك حكم الابن إذا نظر من أمة يملكها الى ما وصفناه (10).

____________

(1) الكافي 5: 420/ 9، التهذيب 7: 282/ 1196، الاستبصار 3: 164/ 597.

(2) تقدمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 15.

(3): النساء: 3.

(4): النساء: 3.

(5) السرائر 2: 529.

(6) النهاية: 451 و 496.

(7) المهذّب 2: 182، الوسيلة: 293.

(8) الكافي في الفقه: 286.

(9) المراسم: 149 و ليس فيه «أبدا».

(10): المقنعة: 502.

62

و قال في باب السراري: إذا نظر الأب إلى جارية قد ملكها نظرا بشهوة، حرمت على ابنه، و لا يحرم على الأب بنظر الابن ذلك دون غيره (1). ففرّق بين الأب و الابن في ذلك.

و قال ابن إدريس: لا يحرم على أحدهما لو نظر الآخر أو قبّل و إن كان بشهوة، بل المقتضي للتحريم الوطء، لأصالة الإباحة، و قوله تعالى أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ.

ثمَّ قال: و هذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان، و الفقيه أبي يعلى سلّار.

قال: و به افتي (2).

و في نقله عن الشيخين نظر، و الأقرب قول الشيخ.

لنا: قوله تعالى وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ (3) مقتضاه التحريم بمجرّد الملك، خرج عنه ما إذا تجرّد عن الجماع و النظر و اللمس، لانتفاء الثمرة المؤكّدة لتمامية التحريم، فبقي غير المتجرّد على العموم.

و أيضا قوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (4) و شراء الأمة مع النظر أو اللمس بشهوة أقوى في نشر الحرمة من العقد المجرّد عن الوطء.

و ما رواه محمد بن إسماعيل- في الصحيح- عن أبي الحسن (عليه السلام) و قد سأله عن الرجل تكون له الجارية فيقبّلها هل تحلّ لولده؟ فقال: «بشهوة؟» قلت: نعم، فقال: « [ما] (5) ترك شيئا إذا قبّلها بشهوة» ثمَّ قال ابتداء منه: «إن جردها فنظر إليها بشهوة حرمت على أبيه و ابنه» قلت: إذا نظر الى جسدها؟ فقال: «إذا نظر الى فرجها و جسدها بشهوة حرمت عليه» (6).

و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا جرّد

____________

(1) المقنعة: 543.

(2) السرائر 2: 528.

(3) النساء: 23.

(4) النساء 22.

(5) زيادة من المصدر.

(6) الكافي 5: 418/ 2، التهذيب 7: 281- 282/ 1192.

63

الرجل الجارية و وضع يده عليها فلا تحلّ لابنه» (1).

و الجواب عمّا قاله ابن إدريس: ما تقدّم مرارا من أنّ الأصل متروك مع وجود دليل مخرج عنه.

و الآية مخصوصة بالإجماع في صور، فلتخصّ هنا، جمعا بين الأدلّة.

مسألة 19: قال الشيخان و السيد المرتضى: إنّ من فجر بعمّته أو خالته

حرمت عليه بنتاهما أبدا (2). و هو قول سلّار و ابن حمزة (3).

و قال ابن إدريس: و قد روي: أنّ من فجر بعمّته أو خالته لم تحلّ له ابنتاهما أبدا، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في (نهايته) و شيخنا المفيد في (مقنعته) و السيد المرتضى في (انتصاره).

فإن كان على المسألة إجماع، فهو الدليل عليها، و نحن قائلون و عاملون بذلك، و إن لم يكن إجماع، فلا دليل على تحريم البنتين المذكورتين من كتاب و لا سنّة و لا دليل عقلي، و ليس دليل الإجماع في قول رجلين، و لا ثلاثة، و لا من عرف اسمه و نسبه، لأنّ وجه كون الإجماع حجّة عندنا دخول قول معصوم من الخطأ في جملة القائلين بذلك، فإذا علمنا في جماعة قائلين بقول، أنّ المعصوم ليس هو في جملتهم، لانقطع على صحّة قولهم إلا بدليل غير قولهم. و إذا تعيّن المخالف من أصحابنا باسمه و نسبه، لم يؤثّر خلافه في دلالة الإجماع، لأنّه إنّما كان حجّة، لدخول قول المعصوم فيه، لا لأجل الإجماع.

و لما ذكرناه يستدلّ المحصّل من أصحابنا على المسألة بالإجماع، و إن كان فيها خلاف من بعض أصحابنا المعروفين بالأسامي و الأنساب (4).

و هذا يشعر بعدم جزمه بالتحريم و توقّفه فيه، و لا بأس بالوقف في هذه المسألة، فإنّ

____________

(1) الكافي 5: 419/ 5، التهذيب 7: 282/ 1193.

(2) المقنعة: 501، النهاية: 453، الانتصار: 108.

(3) المراسم: 149، الوسيلة: 292.

(4) السرائر 2: 529- 530.

64

عموم قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (1) يقتضي الإباحة.

و أمّا التحريم: فمستنده ما رواه أبو أيّوب عن الصادق (عليه السلام)، قال: سأله محمد بن مسلم- و أنا جالس- عن رجل نال من خالته و هو شابّ ثمَّ ارتدع، أ يتزوّج ابنتها؟ قال: «لا» قال: إنّه لم يكن أفضى إليها، إنّما كان شيء دون ذلك، قال:

«كذب» (2).

مسألة 20: قال الشيخ في (النهاية): إذا تزوّج الرجل بصبيّة لم تبلغ تسع سنين فوطئها،

فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا (3).

و قال المفيد: الرجل إذا جامع الصبيّة و لها دون تسع سنين فأفضاها، كان عليه دية نفسها و القيام بها حتى يفرّق الموت بينهما (4).

و قال ابن الجنيد: فإن أولج عليها بالوطء فأفضاها قبل تسع سنين، فعليه أن لا يطلّقها حتى تموت، و ينفق عليها و يقوم بأمرها، فإن أحبّ طلاقها، اغرم ديتها، و لزمه مع ذلك مهرها.

و قال ابن حمزة لمّا عدّ المحرّمات، و ذكر من جملتها: و التي أفضاها بالوطء و هي في حباله و لها دون تسع سنين، و تبين منه بغير طلاق (5).

و كلام المفيد- رحمه اللّه- ظاهر في عدم البينونة، و كلام الشيخ ظاهر فيها، و كلام ابن حمزة صريح فيها.

و قال ابن إدريس: إنّها تحرم مؤبّدا، لكن لا تبين منه، و لا ينفسخ عقدها بمجرّد ذلك، بل هو بالخيار بين أن يطلّقها أو يمسكها، و لا يحلّ له وطؤها أبدا، و ليس بمجرّد الوطء تبين منه و ينفسخ عقدها، كما يظنّ ذلك من لا يحصل شيئا من هذا الفنّ، و لا يفهم معنى ما يقف عليه من سواد الكتب.

____________

(1) النساء: 24.

(2) التهذيب 7: 311/ 1291.

(3) النهاية: 453 و 481.

(4) المقنعة: 747.

(5) الوسيلة: 292.

65

و معنى قول الشيخ: فرّق بينهما، أي في الوطء دون بينونة العقد و انفساخه، لإجماع أصحابنا على أنّ من دخل بامرأة و وطأها و لها دون تسع سنين و أراد طلاقها طلّقها على كلّ حال، و لا عدّة عليها بعد الطلاق، فإذا كانت قد بانت بوطئه لها قبل بلوغ التسع فلا حاجة الى طلاقها (1).

و الشيخ- رحمه اللّه- روى في (الاستبصار) عن بريد العجلي عن الباقر (عليه السلام): في رجل افتض جارية- يعني امرأته- فأفضاها، قال: «عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين» قال: «فإن أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه، و إن كان دخل بها و لها تسع سنين فلا شيء عليه، إن شاء أمسك و إن شاء طلّق».

ثمَّ قال: فأمّا ما رواه ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل تزوّج جارية فوقع بها فأفضاها، قال: «عليه الإجراء عليها ما دامت حيّة» فلا ينافي الأوّل، لأنّا نحمل هذا الخبر على من وطأها بعد تسع سنين، فإنّه لا يكون عليه الدية، و إنّما يلزمه الإجراء عليها ما دامت حيّة، لأنّها لا تصلح للرجل.

ثمَّ قال: و لا ينافي هذا التأويل قوله في الخبر الأول: «إن شاء طلّق، و إن شاء أمسك إذا كان الدخول بعد تسع سنين، لأنّه قد ثبت له الخيار بين إمساكها أو طلاقها، و لا يجب عليه واحد منهما و إن كان يلزمه النفقة عليها على كلّ حال.

ثمَّ قال: و أمّا الخبر الذي رواه محمد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا خطب الرجل المرأة، فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فرّق بينهما و لم تحل له أبدا» فلا ينافي ما تضمّنه خبر بريد من قوله: «فإن أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه» لأنّ الوجه أن نحمله على أنّ المرأة إذا اختارت المقام معه و اختار هو أيضا ذلك و رضيت بذلك عن الدية، كان ذلك جائزا، و لا يجوز له وطؤها على حال، على ما تضمّنه الخبر الأخير، حتى نعمل بالأخبار كلّها.

____________

(1) السرائر 2: 530.

66

ثمَّ قال: و أمّا ما رواه الصفّار عن إبراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام): «إنّ رجلا أفضى امرأة فقوّمها قيمة الأمة الصحيحة و قيمتها مفضاة، ثمَّ نظر ما بين ذلك فجعلها من ديتها، و جبر الرجل على إمساكها».

قال: فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من التقيّة، لأنّ ذلك مذهب كثير من العامّة (1).

و نحن في هذه المسألة من المتوقّفين.

تنبيه: التحريم منوط بالإفضاء، و إطلاق الشيخ في (النهاية) مشكل، و الظاهر أنّ مراده ذلك.

تذنيب: إذا أفضاها، وجب عليه المهر و النفقة ما داما حيّين، فإذا مات أحدهما، سقطت النفقة.

قال في (الخلاف): هذا إذا كان في عقد صحيح أو شبهة، فأمّا إذا كان مكرها لها، فإنّه يلزمه ديتها و لا مهر (2).

و قال ابن إدريس: عقد الشبهة لا يلزمه النفقة، لأصالة البراءة، و قوله: لا مهر لها مع الإكراه، غير واضح، لأنّا نجمع عليه الأمرين: الدية و المهر، لأنّها ليست بغيّا، و النهي إنّما هو عن مهر البغي (3).

و قول ابن إدريس جيّد.

مسألة 21: قد بيّنّا فيما سلف (4) أنّ الزنا ينشر حرمة المصاهرة

على قول كثير من أصحابنا، و منع آخرون منه.

و يلزم القائل بذلك في الزنا القول به في عقد الشبهة و وطء الشبهة.

____________

(1) الاستبصار 4: 294- 295 و الأحاديث 1109- 1112.

(2) الخلاف 4: 395، المسألة 41.

(3) السرائر 2: 605.

(4) سلف في المسألة 14.

67

و قال ابن إدريس: فأمّا عقد الشبهة و وطء الشبهة فعندنا لا ينشر الحرمة، و لا يثبت به تحريم المصاهرة بحال (1).

و الوجه: الأول، و قد تقدّم.

مسألة 22: قد بيّنّا الخلاف في أنّ نظر الأب أو الابن بشهوة، أو تقبيلهما كذلك ينشر حرمة المصاهرة.

بقي هنا بحث آخر، و هو: أنّ النظر و التقبيل و اللمس بشهوة هل ينشر الحرمة في غير الأب و الابن أم لا؟

قال ابن الجنيد: و إذا أتى الرجل من زوجته أو أمته محرّما على غيره، كالقبلة و الملامسة، أو النظر إلى عورة عمدا، فقد حرمت عليه ابنتها- من نسب كانتا أو رضاع- بكلّ معنى من عقد النكاح، و تفرق للاجتماع، أو تفرق في عقد و جمع الاستحلال في زمان واحد.

فحكم بتحريم البنت بمجرّد النظر إلى عورة الأم.

و قال الشيخ في (الخلاف): اللمس بشهوة- مثل القبلة و اللمس- إذا كان مباحا أو بشبهة، ينشر التحريم، و تحرم الام و إن علت، و البنت و إن نزلت.

و استدلّ عليه بإجماع الفرقة و أخبارهم (2).

ثمَّ قال في مسألة أخرى: إذا نظر الى فرجها، تعلّق به تحريم المصاهرة.

و استدلّ بإجماع الفرقة و أخبارهم، و طريقة الاحتياط.

و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: (لا ينظر اللّه الى رجل نظر الى فرج امرأة و ابنتها).

و قال (عليه السلام): (من كشف قناع امرأة حرم عليه أمّها و بنتها) (3).

و استدلاله يدلّ على فتواه بالتحريم.

____________

(1) السرائر 2: 535.

(2) الخلاف 4: 308، المسألة 81.

(3) الخلاف 4: 309- 310، المسألة 82.

68

و الوجه: الإباحة.

لنا: قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ (1) و النظر و اللمس و التقبيل بشهوة ليس شيء منها دخولا.

و التقريب بعد ذلك أن نقول: لم يفرّق أحد بين البنت و أم الأمة، و قد ثبت في البنت الإباحة فكذا أمّ الأمة.

و ما رواه عيص بن القاسم- في الصحيح- قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باشر امرأة و قبّل غير أنّه لم يفض إليها ثمَّ تزوّج ابنتها، قال: «إن لم يكن أفضى فلا بأس، و إن كان أفضى فلا يتزوّج» (2).

احتجّ الآخرون: بما رواه محمد بن مسلم- في الصحيح- عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة، فنظر الى رأسها و الى بعض جسدها، أ يتزوّج ابنتها؟ قال: «لا، إذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوّج ابنتها» (3).

و عن أبي الربيع قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فمكث أيّاما معها لا يستطيعها، غير أنّه قد رأى منها ما يحرم على غيره، ثمَّ طلّقها، أ يصلح له أن يتزوّج ابنتها؟ فقال: «لا يصلح له و قد رأى من أمّها ما رأى» (4).

و مثله رواه محمد بن مسلم- في الصحيح- عن الباقر (عليه السلام) (5).

و الجواب: ما قاله الشيخ في (الاستبصار) من الحمل على الكراهة دون التحريم، لأنّه تعالى علّق التحريم على الدخول حسب ما تضمّنه الخبر الأول (6).

مسألة 23: لا يجوز الجمع بين الأختين في العقد،

و لا بين الخمس، و لا بين الاثنين و عنده ثلاث إجماعا، فإن فعل دفعة، قال الشيخ في (النهاية): يتخيّر في أيّ الأختين

____________

(1) النساء: 23.

(2) الكافي 5: 415/ 2، التهذيب 7: 280/ 1186، الاستبصار 3: 162/ 589.

(3) الكافي 5: 422/ 3، التهذيب 7: 280/ 1187، الاستبصار 3: 162/ 590.

(4) الكافي 5: 423/ 5، التهذيب 7: 280/ 1188، الاستبصار 3: 162- 163/ 591.

(5) التهذيب 7: 458/ 1832، الاستبصار 3: 163/ 592.

(6) الاستبصار 3: 163 ذيل الحديث 592.

69

شاء، و كذا في الزائد على الأربع (1). و هو قول ابن الجنيد، و ابن البرّاج (2).

و قال ابن إدريس: يبطل العقد (3). و به قال ابن حمزة (4).

و المعتمد: الأول.

لنا: ما رواه جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام): في رجل تزوّج أختين في عقدة واحدة، قال: «هو بالخيار أن يمسك أيّتهما شاء، و يخلّي سبيل الأخرى» (5).

و في الحسن عن جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام): في رجل تزوّج خمسا في عقد، قال: «يخلّي سبيل أيّتهنّ شاء، و يمسك الأربع» (6).

و لأنّ المقتضي للإباحة ثابت، و المانع لا يصلح للمعارضة، فيجب ثبوت الحكم.

أمّا وجود المقتضي: فلأنّ المقتضي للإباحة- و هو العقد- ثابت، إذ العقد عليهما عقد على كلّ واحدة منهما.

و أمّا انتفاء المعارض: فلأنّه ليس إلّا انضمام العقد على الأخت الأخرى إليه، لكنّه لا يقتضي تحريم المباح، كما لو جمع بين محرّمة عينا و محلّلة عينا في عقد واحد، و كما لو جمع بين المحلّل و المحرّم في البيع. و لا فرق إلّا الإطلاق و التعيين، و لا أثر له في التحريم، إذ في التعيين تحرم واحدة معيّنة، فيبطل العقد عليها، و تحلّ أخرى معيّنة.

فيحلّ العقد عليها، و في الإطلاق تحلّ واحدة مطلقة و تحرم اخرى مطلقة، و قد عقد عليهما معا فتدخلان في العقد، إذ لا وجود للكلّي إلّا في جزئياته.

و اعلم أنّ الرواية في طريقها علي بن السندي، و لا يحضرني الآن حاله، غير أنّ طريق الشيخ الى ابن أبي عمير جيّد، و هو الراوي، و لا يضرّ الإرسال، لأنّ مراسيل ابن أبي عمير معمول عليها (7).

____________

(1) النهاية: 454 و 455- 456.

(2) المهذّب 2: 184 و 185- 186.

(3) السرائر 2: 536.

(4) الوسيلة: 293.

(5) التهذيب 7: 285/ 1203.

(6) الكافي 5: 430/ 5، التهذيب 7: 295/ 1237.

(7) كذا، و الأفضل: معمول بها، أو: معوّل عليها.

70

احتجّ ابن إدريس: بأنّه عقد منهيّ عنه، و النهي يدلّ على الفساد (1).

و الجواب: المنع من الكبرى على ما تقرّر في علم الأصول أنّ النهي في المعاملات لا يدل على الفساد.

مسألة 24: الاعتبار في التقارب و الترتيب بالعقد لا بالخطبة

عند أكثر علمائنا.

و قال ابن الجنيد: و لا يجوز لمسلم أن يجمع في عقد واحد على أكثر من أربع نسوة، و لا أن يفرّق العقود و يجمعهنّ بالملك لفروجهنّ في وقت واحد، و لا أن يعقد على أختين كذلك، فإن فعل ذلك في العقد على خمس صحّ العقد على أربع، و بطل عن واحدة، و كذلك في الأختين، و يبطل العقد على المذكورة آخر هنّ إمّا في الخطبة أو في إجابة الولي، فإن لم تقع هناك تسمية و لا إشارة، كان الزوج مخيّرا في التي تحلّ منهنّ.

لنا: أنّ المقتضي للإباحة و التحريم إنّما هو العقد دون الخطبة و إجابة الولي.

مسألة 25: لو عقد على الأختين مرتّبا، صحّ عقد الاولى و بطل الثاني،

فإن وطأ الثانية، فرّق بينهما.

قال الشيخ في (النهاية): و لا يرجع الى نكاح الاولى حتى تخرج التي وطأها من عدّتها (2). و به قال ابن البرّاج و ابن حمزة (3).

و قال ابن إدريس: لا دليل على صحّة هذه الرواية، و الذي تقتضيه أصول المذهب أنّه لا يمتنع من وطء امرأته الاولى (4).

و قال ابن الجنيد: لو تزوّج بأخت امرأته و هو لا يعلم، فرّق بينهما إن كان لم يدخل بالثانية، فإن دخل بالأخيرة خيّر أيّتهما شاء، و لا يقرب التي يختار حتى

____________

(1) السرائر 2: 536.

(2) النهاية: 454.

(3) المهذّب 2: 184، الوسيلة: 293.

(4) السرائر 2: 536.

71

تنقضي عدّة التي فارق، فإن أحبّ العود إلى التي فارقها، لم يكن له أن يعقد حتى يفارق التي كانت في حباله إمّا بطلاق بيّن، أو خلع تبين به عصمتها، ثمَّ لا يكون له عليها رجعة، أو تموت.

و المعتمد: الأول.

لنا: أنّ الاولى زوجة ثبت نكاحها و العقد عليها، فلا يؤثّر فيه العقد المتجدد، و يختصّ البطلان بالمتجدّد، لأنّه المنهيّ عنه، الواقع باطلا، لأنّ الجمع يتحقّق به، فلا وجه للتخيير.

و ما رواه زرارة بن أعين- في الصحيح- قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة بالعراق، ثمَّ خرج الى الشام فتزوّج امرأة أخرى، فإذا هي أخت امرأته التي بالعراق، قال: «يفرّق بينه و بين التي تزوّجها بالشام، و لا يقرب المرأة حتى تنقضي عدّة الشامية» قلت: فإن تزوّج امرأة، ثمَّ تزوّج أمها و هو لا يعلم أنّها أمّها؟ قال: «قد وضع اللّه عنه جهالته بذلك» ثمَّ قال: «إذا علم أنها أمّها فلا يقربها، و لا يقرب البنت حتى تنقضي عدّة الامّ منه، فإذا انقضت عدّة الامّ حلّ له نكاح البنت» قلت: فإن جاءت الامّ بولد؟ قال: «هو ولده، و يكون ابنه و أخا امرأته» (1).

لا يقال: في طريق الرواية ابن بكير، و هو فطحيّ، فكيف جعلتم الرواية في الصحيح؟! لأنّا نقول: قال الكشي: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن ابن بكير (2):

احتجّ ابن الجنيد: بما رواه أبو بكر الحضرمي- في الصحيح- قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل نكح امرأة ثمَّ أتى أرضا فنكح أختها و هو لا يعلم، قال: «يمسك أيّتهما شاء، و يخلّي سبيل الأخرى» (3).

و لأنّهما عقدان استباح بهما- ظاهرا وطأهما فيتخيّر، لامتناع الجمع، و عدم الأولوية، كما في التقارن.

____________

(1) الكافي 5: 431/ 4، التهذيب 7: 285/ 1204، الاستبصار 3: 169/ 617.

(2) اختيار معرفة الرجال: 375/ 705.

(3) الكافي 5: 431/ 2، التهذيب 7: 285- 286/ 1205، الاستبصار 3: 169/ 618.

72

و الجواب: أنّا نقول بموجب الرواية، و المراد إمساك الأولى بالعقد الثابت المستقرّ، و إن أراد إمساك الثانية طلّق الاولى، و ابتدأ العقد على الثانية.

بقي هنا بحث، و هو: أنّه هل تحرم الأولى مدّة عدّة الثانية؟ ظاهر كلامه في (النهاية) (1) ذلك.

و الوجه: الحمل على الكراهية، عملا بأصالة الإباحة، و لوجود المقتضي لها، و هو العقد السابق السالم عن المعارض، و هو تجدّد العقد على الأخت، فإنّه لا يقتضي تحريما مع العلم، لقوله (عليه السلام): (لا يحرّم الحرام الحلال) (2) و كذا مع الجهل. و العدّة غير مانعة، لأنّها بائنة، و الجمع بين الأختين منتف.

مسألة 26: لو ملك الأختين، جاز له نكاح أيّتهما شاء،

فإذا وطأ إحداهما، حرم عليه وطء الأخرى حتى يخرج الاولى عن ملكه ببيع أو هبة أو غيرهما.

فإن وطأ الثانية بعد وطئه الاولى و كان عالما بتحريم ذلك عليه، قال الشيخ في (النهاية): حرمت عليه الاولى حتى تموت الثانية، فإن أخرج الثانية من ملكه ليرجع إلى الأولى، لم يجز له الرجوع إليها، و إن أخرجها من ملكه لا لذلك، جاز له الرجوع الى الاولى، و إن لم يعلم تحريم ذلك عليه جاز له الرجوع الى الأولى على كل حال إذا أخرج الثانية من ملكه ببيع أو هبة (3). و تبعه ابن البرّاج و ابن حمزة (4) على ذلك كلّه.

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول المذهب و يقوى في نفسي أنّه إذا أخرج إحداهما من ملكه، حلّت الأخرى، سواء أخرجها ليعود الى من هي باقية في ملكه أو لا ليعود، عالما بالتحريم كان أو جاهلا (5).

و المعتمد: الأول، لما رواه الحلبي- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، قال:

سئل عن رجل كان عنده اختان مملوكتان، فوطئ إحداهما، ثمَّ وطأ الأخرى، قال: «إذا

____________

(1) النهاية: 454.

(2) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 15.

(3) النهاية: 455.

(4) المهذّب 2: 185، الوسيلة: 294.

(5) السرائر 2: 538.

73

وطأ أخرى فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت الأخرى» قلت: أرأيت إن باعها أ تحلّ له الاولى؟ قال: «إن كان يبيعها لحاجة و لا يخطر على قلبه من الأخرى شيء فلا أرى بذلك بأسا، و إن كان إنّما يبيعها ليرجع إلى الاولى فلا و لا كرامة» (1).

و نحوه روى أبو الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) (2).

و عن علي بن أبي حمزة عن الكاظم (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل ملك أختين أ يطأهما جميعا؟ فقال: «يطأ إحداهما، فإذا وطأ الثانية حرمت عليه الاولى التي وطأها حتى تموت الثانية أو يفارقها، و ليس له أن يبيع الثانية من أجل الأولى ليرجع إليها، إلّا أن يبيع لحاجة، أو يتصدّق بها، أو تموت» (3).

أمّا مع الجهل فلا تحرم عليه الاولى، للأصل، و لأنّ الجهل عذر بخلاف العلم، فجاز أن يقابل بنقيض مقصوده، كالقاتل يمنع من الإرث.

و لما رواه الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يشتري الأختين فيطأ إحداهما ثمَّ يطأ الأخرى بجهالة، قال: «إذا وطأ الأخيرة بجهالة لم تحرم عليه الاولى، و إن وطأ الأخيرة و هو يعلم أنها عليه حرام حرمتا جميعا» (4).

قال الشيخ: معنى «حرمتا جميعا» أي: ما دامتا في ملكه، فأمّا إذا زال ملك إحداهما فقد حلّت له الأخرى (5).

قال ابن إدريس: إذا أخرج إحداهما لم يبق جامعا بين الأختين بلا خلاف، فأمّا تحريم الأولى إذا وطأ الثانية ففيه نظر، فإن كان على ذلك إجماع منعقد أو كتاب أو سنّة متواترة رجع إليه، و إلّا فلا يعرج عليه، لأنّ الأصل الإباحة للأولى، و إنّما التحريم تعلّق بوطء الثانية بعد وطئه للأولى، لأنّه بوطئه للثانية يكون جامعا بين الأختين، فكيف تحرم الاولى، و هي المباحة للوطء، و تحل المحرّمة الوطء؟ و قد قلنا: إنّها رواية أوردها شيخنا في (نهايته) إيرادا لا اعتقادا، مثل ما أورد كثيرا من الأخبار في كتابه المشار

____________

(1) الكافي 5: 432/ 7، التهذيب 7: 290/ 1217.

(2) الكافي 5: 431- 432/ 6، التهذيب 7: 290/ 1216.

(3) الكافي 5: 432/ 9، التهذيب 7: 290/ 1218.

(4) الكافي 5: 433/ 14، التهذيب 7: 290- 291/ 1219.

(5) التهذيب 7: 291 ذيل الحديث 1220.

74

إليه إيرادا لا اعتقادا (1).

و الجواب: الأدلّة غير منحصرة فيما ذكره، و قلّ أن يوجد شيء منها في الفروع.

و الأصل إنّما يصار إليه مع عدم دليل يخرج عنه، و لا امتناع في اقتضاء وطء الثانية تحريم الأولى، فإذا وجدت الروايات الخالية عن المعارض، وجب الحكم به، و ما ذكره استحسان لا يجوز العمل به.

مسألة 27: لو جمع بين الامّ و البنت،

انفسخ عقدهما، و حرمت البنت إن دخل بالأمّ مؤبّدا، و إلّا استأنف العقد، سواء كانت بنت نسب أو رضاع.

إذا تقرّر هذا، فإذا تزوّج بامرأتين ثمَّ بصغيرتين و أرضعتهما الكبيرتان قبل الدخول، قال ابن إدريس: سقط مهر الكبيرتين، لأنّ الفسخ جاء من قبلهنّ قبل الدخول، فبطل المهر، فأمّا الصغيرتان فإنّهنّ (2) لا يحرمن (3) عليه، فمهورهنّ (4) ثابتة (5) في ذمّته لا تسقط (6) و فيه نظر، لأنّ العقد قد انفسخ فيجب المهر أو نصفه، و يرجع به على الكبيرتين.

قال: و لو تزوّج صغيرة فأرضعتها امرأته، حرمتا جميعا إن كان دخل بالكبيرة، و إلّا فالكبيرة و تحلّ الصغيرة، لعدم الدخول بأمّها.

قال: و شيخنا أطلق ذلك في (نهايته) من غير تفصيل، فإنّه قال: حرمتا عليه جميعا (7).

و قول الشيخ هو الحقّ، لأنّه جامع بين الامّ و البنت، فحرمتا معا، لكن الأمّ مؤبدا، و البنت جمعا، فلا بدّ من عقد مستأنف.

مسألة 28: قال سلار: و إن زنت امرأته، لم تحرم عليه إلّا أن تصرّ (8).

____________

(1) السرائر 2: 538.

(2): كذا، و في «س» كتب عليها: «بخطّه».

(3): كذا، و في «س» كتب عليها: «بخطّه».

(4): كذا، و في «س» كتب عليها: «بخطّه».

(5): كذا، و في «س» كتب عليها: «بخطّه».

(6) السرائر 2: 541.

(7) السرائر 2: 539- 540.

(8) المراسم: 149.

75

و الاستثناء يقتضي التحريم مع الإصرار، و هذا قد أخذه من الشيخ المفيد، فإنّه قال: و إذا كان للرجل امرأة ففجرت و هي في بيته، و علم ذلك من حالها، كان بالخيار إن شاء أمسكها و إن شاء طلّقها، و لم يجب عليه لذلك فراقها، و لا يجوز له إمساكها و هي مصرّة على الفجور، فإن أظهرت التوبة، جاز له المقام عليها، و ينبغي له أن يعتزلها بعد ما وقع من فجورها حتى يستبرئها (1).

و قال ابن حمزة: و إذا أصرّت المرأة عند زوجها على الزنا، انفسخ نكاحها على قول بعض الأصحاب (2).

و الوجه: عدم التحريم، لقوله (عليه السلام): (لا يحرّم الحرام الحلال) (3).

و ما رواه عباد بن صهيب عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا بأس بأن يمسك الرجل امرأته إن رآها تزني إذا كانت تزني و إن لم يقم عليها الحد فليس عليه من إثمها شيء» (4).

و للأصل.

احتجّ سلّار: بأنّ أعظم فوائد النكاح التناسل، و أعظم حكم الحدّ و الزجر عن الزنا اختلاط الأنساب، فلو أبيح له نكاح المصرّة على الزنا لزم اختلاط الأنساب، و هو محذور عنه شرعا.

و الجواب: أنّه لا نسب للزاني.

مسألة 29: يكره العقد على الفاجرة و إن كان الزاني هو العاقد

إذا لم يزن بها في حرمة عقد و عدّة و إن لم تتب، و ليس ذلك محظورا، اختاره الشيخ في (الخلاف) و (الاستبصار) (5) و به قال ابن إدريس (6).

____________

(1) المقنعة: 504.

(2) الوسيلة: 294.

(3) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 15.

(4) التهذيب 7: 331/ 1362.

(5) الخلاف 4: 300، المسألة 71، الاستبصار 3: 168 (باب كراهية العقد على الفاجرة).

(6) السرائر 2: 544.

76

و قال المفيد: فإن فجر بها و هي غير ذات بعل، ثمَّ تاب من ذلك (1)، و أراد أن ينكحها بعقد صحيح، جاز له ذلك بعد أن تظهر منها هي التوبة أيضا و الإقلاع (2).

و قال الشيخ في (النهاية): إذا فجر بامرأة غير ذات بعل، فلا يجوز له العقد عليها ما دامت مصرّة على مثل ذلك الفعل، فإن ظهر له منها التوبة، جاز له العقد عليها، و يعتبر توبتها بأن يدعوها الى ما كان منه، فإن أجابت، امتنع من العقد عليها، و إن امتنعت، عرف بذلك توبتها (3). و تبعه ابن البرّاج (4).

و عدّ أبو الصلاح في المحرّمات: الزانية حتى تتوب (5)، و أطلق.

لنا: أصالة الإباحة.

و لأنّ الزنا لا حرمة له فأشبه الأجنبي.

و لأنّ الزنا لو منع حكم العقد من الدخول في الوجود، لكان رفعه بعد وجوده أولى، و التالي باطل بما تقدّم من المسألة السابقة، فالمقدّم مثله.

و بيان الشرطية: أنّ الحادث أقوى من الباقي، لأنّه متعلّق السبب قطعا، بخلاف الباقي عند جماعة.

و ما رواه الحلبي- في الصحيح- قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أيّما رجل فجر بامرأة حراما، ثمَّ بدا له أن يتزوّجها حلالا، فإذا أوّله سفاح و آخره نكاح، فمثله كمثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها ثمَّ اشتراها بعد، فكانت له حلالا» (6).

احتجّ الشيخ: بما رواه أبو بصير، قال: سألته عن رجل فجر بامرأة، ثمَّ أراد بعد أن يتزوّجها، فقال: «إذا تابت حل له نكاحها» قلت: كيف يعرف توبتها؟ قال: «يدعوها الى ما كانا عليه من الحرام، فإن امتنعت و استغفرت ربّها عرف توبتها» (7).

و عن عمّار بن موسى الساباطي عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل

____________

(1) في «ط»: من بعد ذلك.

(2) المقنعة: 504.

(3) النهاية: 458.

(4) المهذّب 2: 188.

(5) الكافي في الفقه: 286.

(6) الكافي 5: 356/ 2، التهذيب 7: 327/ 1345.

(7) الفقيه 3: 264/ 1257، التهذيب 7: 327/ 1348، الاستبصار 3: 168/ 614.