مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج8

- العلامة الحلي المزيد...
552 /
27

كتاب العتق و توابعه

و فيه فصول

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

[الفصل] الأول: في العتق

مسألة 1: قال السيد المرتضى: و ممّا انفردت به الإماميّة أنّ من أعتق عبدا كافرا لا يقع عتقه،

و خالف باقي الفقهاء في ذلك.

و استدلّ عليه بالإجماع، و بأنّ العتاق حكم شرعي لا يثبت إلّا بدليل شرعي، و لا دليل على وقوعه مع نفي القربة (1).

و قال المفيد: و لا تعتق عبدا كافرا فاجرا، فيتسلّط بالحرّية على أهل الدين، و يقوى بذلك على معاصي الله عزّ و جلّ (2).

و ليس في هذا اللفظ نصّ قاطع على عدم الوقوع.

و قال ابن الجنيد: لا يجوز للمسلم أن يعتق مشركا.

و قال أبو الصلاح: و لا يجوز عتق الكافر (3).

و قال سلّار: لا تعتق إلّا عبدا ظاهره الإسلام، و لا يسلّط بالعتق كافر على أذية أهل الدين و معاصي الله سبحانه (4).

____________

(1) الانتصار: 169.

(2) المقنعة: 548.

(3) الكافي في الفقه: 318.

(4) المراسم: 191.

30

و قال ابن حمزة: عتق الكافر محظور (1).

و قال الشيخ في (الخلاف): إذا أعتق عبدا كافرا، عتق، و يثبت له عليه الولاء (2). و كذا في (المبسوط) (3).

و قال في (النهاية): و إذا نذر الإنسان أن يعتق مملوكا بعينه، لم يجز له أن يعتق غيره و إن كان لو لا النذر ما كان يجوز له عتقه أو كان يكون مكروها، مثل أن يكون كافرا أو مخالفا (4).

و (ظاهر هذا) (5) يقتضي تحريم عتق الكافر، و تسويغه مع النذر.

و قال ابن إدريس: لا يصح عتق الكافر، و لا يقع على الصحيح من أقوال المحصّلين من أصحابنا، و هو الذي تقتضيه أصول مذهبنا، لأنّ العتق قربة إلى الله تعالى، و لا يتقرّب إليه بالمعاصي متقرّب به إلى الله تعالى (6).

و اختار الشيخ في كتابي الأخبار المنع، لما رواه سيف بن عميرة عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته أ يجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا؟

قال: «لا» (7).

ثمَّ عارض بما رواه الحسن بن صالح عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إنّ عليّا (عليه السلام) أعتق عبدا له نصرانيّا فأسلم حين أعتقه» (8).

قال الشيخ: فلا ينافي الخبر الأوّل، لأنّه (عليه السلام) إنّما أعتقه لعلمه بأنّه يسلم حين يعتقه، فأمّا من لا يعلم ذلك فلا يجوز له عتق الكافر حسب ما تضمّنه الخبر الأوّل (9).

____________

(1) الوسيلة: 341.

(2) الخلاف، كتاب العتق، المسألة 11.

(3) المبسوط 6: 70.

(4) النهاية: 544.

(5) بدل ما بين القوسين في «ب، ص»: هذا المعنى.

(6) السرائر 3: 4.

(7) التهذيب 8: 218/ 782، الاستبصار 4: 2/ 1.

(8) التهذيب 8: 219/ 783، الاستبصار 4: 2/ 2.

(9) التهذيب 8: 219 ذيل الحديث 783، الاستبصار 4: 2 ذيل الحديث 2.

31

قال: و يجوز أن يكون ذلك إنّما فعل، لأنّه نذر أن يعتقه، فلزمه الوفاء به، و لم يجز له عتق غيره و إن كان كافرا (1).

و احتجّ من منع من عتقه أيضا: بقوله تعالى وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ (2) و فيه قوّة.

و لقولهم (عليهم السلام): «لا عتق إلّا ما أريد به وجه الله» (3).

و نحن في هذه المسألة من المتوقّفين.

مسألة 2: سوّغ الشيخ عتق ولد الزنا (4)،

و به قال ابن حمزة (5).

و قال ابن الجنيد: و لا يجوز للمسلم أن يعتق مشركا و لا اختار له عتق ولد الزنا.

و قال ابن إدريس: لا يصح (6).

و الحقّ الأوّل.

لنا: الأصل و عمومات الأوامر بالإعتاق.

و ما رواه سعيد بن يسار عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا بأس بأن يعتق ولد الزنا» (7).

احتجّ: بأنّه كافر (8).

و الجواب: المنع.

مسألة 3: قال الشيخ في (النهاية): إذا كان العبد بين شريكين

و أعتق أحدهما

____________

(1) الاستبصار 4: 2 ذيل الحديث 2.

(2) البقرة: 267.

(3) الكافي 6: 178/ 1، الفقيه 3: 68/ 228، التهذيب 8: 217/ 772.

(4) النهاية: 542.

(5) الوسيلة: 340- 341.

(6) السرائر 3: 9- 10.

(7) الكافي 6: 182/ 2، الفقيه 3: 86/ 315، التهذيب 8: 218/ 780.

(8) السرائر 3: 10.

32

نصيبه مضارّة لشريكه الآخر، الزم أن يشتري ما بقي و يعتقه إذا (1) كان موسرا، و إن لم يكن موسرا و لا يملك غير ما أعتقه، كان العتق باطلا، و إذا لم يقصد بذلك مضارّته بل قصد بذلك (2) وجه الله تعالى، لم يلزم (3) شراء الباقي و عتقه، بل يستحب له ذلك، فإن لم يفعل، استسعي العبد في الباقي، و لم يكن لصاحبه الذي يملك ما بقي منه استخدامه، و لا له عليه ضريبة، بل له أن يستسعيه فيما بقي من ثمنه، فإن امتنع العبد من السعي في فكّ رقبته، كان له من نفسه قدر ما أعتق، و لمولاه قدر ما بقي (4).

و قال في (الخلاف): إذا أعتق شركا (5) له من عبد، لم يخل من أحد أمرين:

إمّا أن يكون موسرا أو معسرا، فإن كان معسرا، لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يقصد به مضارّة شريكه أو لا يقصد، بل يقصد به وجه الله تعالى، فإن قصد مضارّة شريكه، كان العتق باطلا. و إن قصد به وجه الله تعالى، مضى في نصيبه، و كان شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه الآخر أو يستسعي العبد في قيمته.

و إن كان موسرا، الزم قيمته، فإذا أدّى، انعتق عليه، و لشريكه أن يعتق نصيبه، و لا يأخذ القيمة، فإن عتق، كان عتقه ماضيا (6).

و قال في (المبسوط): إذا أعتق شركا له من عبد، لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يكون موسرا أو معسرا، فإن كان معسرا، عتق نصفه، و استقرّ الرقّ في نصف شريكه.

و روى أصحابنا أنّه إذا قصد بذلك الإضرار، أقرّه على ملكه.

و إن كان موسرا، قوّم عليه نصيب شريكه.

و متى يعتق نصيب شريكه؟

____________

(1) في «ب، ص»: إن.

(2) كلمة «بذلك» لم ترد في «ب، ص».

(3) في «ب، ص» لم يلزمه.

(4) النهاية: 542.

(5) شركا: أي حصّة و نصيبا. النهاية- لابن الأثير- 2: 467.

(6) الخلاف، كتاب العتق، المسألة 1.

33

قيل: إنّه يعتق كلّه باللفظ، و كانت القيمة في ذمّته، و عليه تسليمها إلى شريكه.

و الثاني: أنّه يعتق نصيبه باللفظ و دفع القيمة، فإن دفع القيمة إلى شريكه، عتق نصيب شريكه، و إن لم يدفع إليه القيمة، لم يعتق.

و الثالث: يكون مراعى، فإن دفع القيمة إليه، تبيّنّا أنّه عتق وقت العتق، و إن لم يدفع، تبيّنّا أنّ العتق في نصيب شريكه لم يقع.

قال: و هذا هو الأقوى عندي (1).

و قال المفيد: إذا كان العبد بين شريكين أو أكثر من ذلك فأعتق أحد الشريكين أو الشركاء حصّته من العبد، انعتق ملكه خاصّة، و الزم ابتياع حصص الشركاء، فإذا ابتاعها، انعتق العبد بذلك، و لم يبق فيه رقّ.

و إن كان معسرا، استسعي العبد في باقي قيمته، فإذا أدّاه إلى أصحابه، انعتق.

و المعنى في ذلك: أنّه يؤمر بالتكسّب حسب ما يتمكّن منه، فيؤدّي إلى باقي الشركاء مالهم من قيمته أو بعضها ممّا يوافقونه عليه ثمَّ يعتق بعد ذلك، فإن لم يكن له صناعة يكتسب بها مالا، خدم ملّاكه بحساب رقّه، و تصرّف في نفسه بحساب ما أعتق منها إن شاء اللّه (2).

و قال الصدوق في (المقنع) و من كان له شركاء في جارية أو عبد فأعتق حصّته و له سعة، فليشتر حصّة صاحبه، و ليعتقه كلّه، و إن لم يكن له سعة في مال، فلينظر إلى قيمة العبد كم كانت يوم أعتق نصفه ثمَّ يستسعى العبد في حساب ما بقي حتى يعتق كلّه (3).

و سلّار (4) وافق شيخنا المفيد (رحمه الله).

____________

(1) المبسوط 6: 51- 52.

(2) المقنعة: 550.

(3) المقنع: 156.

(4) المراسم: 191.

34

و قال أبو الصلاح: إذا أعتق أحد الشركاء لوجه الله تعالى، تحرّر منه بمقدار حصّته، و استسعي في الباقي (1). و لم يفصّل إلى الموسر و المعسر.

و قال ابن البرّاج: إذا كان عبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه إضرارا لشريكه الآخر و كان موسرا، كان عليه أن يبتاع ما بقي من العبد و يعتقه.

و إن كان معسرا لا يملك إلّا ما أعتقه، كان العتق باطلا.

و إن لم يكن قصد بما أعتقه من نصيبه الإضرار بشريكه، و إنّما قصد بذلك وجه الله تعالى، لم يجب عليه ابتياع نصيب شريكه و لا عتقه، بل يستحب له ذلك، فإن لم يفعله، استسعي العبد في الباقي، و لم يكن لصاحبه الذي يملك فيه ما بقي استخدامه و لا له عليه ضريبة، بل له أن يستسعيه في الباقي من ثمنه، فإن امتنع العبد من السعي في فكّ رقبته، كان له من نفسه قدر ما أعتق، و لمولاه الباقي (2).

و قال السيّد المرتضى: ممّا انفردت به الإماميّة أنّ العبد إذا كان بين شريكين أو أكثر من ذلك، فأعتق أحد الشركاء نصيبه، انعتق ملكه من العبد خاصّة، فإن كان هذا المعتق موسرا، طولب بابتياع حصص شركائه، فإذا ابتاعها، انعتق جميع العبد.

و إن كان المعتق معسرا، وجب أن يستسعى العبد في باقي ثمنه، فإذا أدّاه، عتق جميعه، فإن عجز العبد عن التكسّب و السعاية، كان بعضه رقيقا و بعضه عتيقا، و خدم ملّاكه بحساب رقّه، و تصرّف في نفسه بحساب ما انعتق منه (3).

و قال ابن الجنيد: إذا أعتق البالغ الرشيد نصيبا له من عبد أو أمة، و هو في عتقه متبرّر طالب ثواب الله تعالى، غير مضارّ، عتق نصيبه، و كان شركاؤه على ملكهم، و كان بعتقه جانيا على شركائه، لأنّهم ممّن لا يحكم لهم بالمقام على حقّهم حتى يكون بعض العبد حرّا و بعضه عبدا، لما روي عن النبي صلّى الله

____________

(1) الكافي في الفقه: 317- 318.

(2) المهذّب 2: 358.

(3) الانتصار: 169.

35

عليه و آله: أنّ رجلا أعتق شقصا من مملوك له، فأجاز النبي صلّى الله عليه و آله عتقه، و قال: (ليس لله شريك) (1).

و الشريك في حقّه مخيّر بين إلزام المعتق قيمة حقّه بجنايته عليه إن كان موسرا، و بين أن يعتق، أو يستسعي العبد في قيمة حقّه، و لو اختار إلزام المعتق حصّته، فيحكم بها عليه، كان للمعتق أن يرجع على العبد، فيستسعيه فيما غرمه من حصّة شريكه إن لم يقصد بذلك العتق التبرّر به، لأنّه إنّما غرم ذلك عن العبد و قام مقامه، و لو اختار الشريك استسعاءه فيه، فإن كان المعتق شقصه معسرا و تنحّى الشريك عن حقّه، استسعي العبد في قيمته.

و قال ابن إدريس: قول شيخنا في (النهاية) متناقض، لأنّه قال: إذا أعتق مضارّة لشريكه الآخر، الزم شراء الباقي و عتقه إذا كان موسرا، و قال: لا عتق إلّا ما أريد به وجه الله تعالى.

ثمَّ قوله: و إن لم يقصد به مضارّته، بل قصد به وجه الله تعالى، لم يلزم شراء الباقي و عتقه، بل يستحب، غير واضح و لا مستقيم، لأنّه إذا كان موسرا، الزم شراء الباقي، و أجبره السلطان على ذلك، و إن كان معسرا، استسعي العبد في الباقي (2).

ثمَّ قال: إذا أعتق أحد الشركاء نصيبه لا للإضرار بالشركاء، انعتق ملكه خاصّة، إلّا أنّه إن كان موسرا، انعتق الباقي، و اجبر على قيمته لشريكه، و إن كان معسرا، استسعي العبد في قيمة باقية، فإذا أدّاها، عتق جميعه، فإن عجز عن ذلك، فكّه سلطان الإسلام من سهم الرقاب من الزكاة، و إلّا خدم مولاه بما فيه من العبوديّة (3).

و احتجّ الشيخ على عدم وجوب الشراء: بما رواه الحسن بن زياد، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أعتق شركة له في غلام مملوك عليه شيء؟

____________

(1) سنن أبي داود 4: 251/ 3933، سنن البيهقي 10: 273، المعجم الكبير- للطبراني- 1: 191/ 507.

(2) السرائر 3: 10- 11.

(3) السرائر 3: 5.

36

قال «لا» (1).

و عن يعقوب بن شعيب عن الصادق (عليه السلام) مثله (2).

و عن القاسم بن محمد عن علي عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن مملوك بين أناس فأعتق أحدهم نصيبه، قال: «يقوّم قيمته ثمَّ يستسعى فيما بقي، ليس للباقي أن يستخدمه و لا يأخذ منه الضريبة» (3).

ثمَّ قال: فأمّا ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن قوم ورثوا عبدا جميعا فأعتق بعضهم نصيبه منه، كيف يصنع بالذي أعتق نصيبه منه؟ هل يؤخذ بما بقي؟ قال: «يؤخذ بما بقي» (4).

و في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام): في جارية كانت بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، قال: «إن كان موسرا كلّف أن يضمن، و إن كان معسرا خدمت بالحصص» (5).

و عن سماعة قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، [فقال] (6) يقوّم قيمة، و يضمن الذي أعتقه لأنّه أفسده على أصحابه» (7).

و عن حمّاد [عن حريز] (8) عمّن أخبره عن الصادق (عليه السلام)، أنّه سئل عن رجل أعتق غلاما بينه و بين صاحبه، قال: «قد أفسد على صاحبه، فإن كان له مال أعطى صاحبه نصف المال، و إن لم يكن له مال عومل الغلام يوم له و يوم للمولى يستخدمه، و كذلك إن كانوا شركاء» (9).

قال: فلا ينافي هذه الأخبار الأخبار الأولى، لأنّ الوجه في هذه: الحمل على

____________

(1) الاستبصار 4: 2/ 3، و التهذيب 8: 219/ 786.

(2) الاستبصار 4: 2/ 4، و التهذيب 8: 219- 220/ 787.

(3) الاستبصار 4: 2- 3/ 5، و التهذيب 8: 221/ 792.

(4) الاستبصار 4: 3/ 6، و التهذيب 8: 219/ 784.

(5) الاستبصار 4: 3/ 7، و التهذيب 8: 219/ 785.

(6) أضفناها من المصدر.

(7) الاستبصار 4: 3/ 8، و التهذيب 8: 220/ 789.

(8) أضفناها من المصدر.

(9) الاستبصار 4: 3/ 9، و التهذيب 8: 221/ 793.

37

أنّه إذا كان قد قصد بذلك الإضرار بشريكه فإنّه يلزمه العتق فيما بقي و يؤخذ بما بقي لشريكه (1).

لما رواه الحلبي- في الحسن- عن الصادق (عليه السلام)، أنّه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه، فقال: «إن كان مضارّا كلّف أن يعتقه كلّه، و إلّا استسعي العبد في النصف الآخر» (2).

و في الصحيح عن سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن المملوك يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال: «إنّ ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه و لا مؤاجرته» قال: «يقوّم قيمة، فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، و إنّما جعل ذلك لما أفسده» (3).

و في الصحيح عن محمّد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل ورث غلاما و له فيه شركاء فأعتق لوجه الله نصيبه، فقال: «إذا أعتق نصيبه مضارّة و هو موسر ضمن للورثة، و إذا أعتق لوجه الله كان الغلام قد أعتق من حصّة من أعتق، فيستعملونه على قدر ما أعتق منه له و لهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوما و له يوما، و إن أعتق الشريك مضارا و هو معسر فلا عتق له، لأنّه أراد أن يفسد على القوم فيرجع القوم على حصّتهم» (4).

و الآخر: الحمل للأخبار الأخيرة على الاستحباب (5)، لما رواه محمد بن قيس- في الصحيح- عن الباقر (عليه السلام)، قال: «من كان شريكا في عبد أو أمة قليل أو كثير فأعتق حصّته و له سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كلّه، و إن لم يكن له سعة من مال نظر قيمته يوم أعتق منه ما أعتق ثمَّ يسعى العبد في حساب ما بقي حتى يعتق» (6).

____________

(1) الاستبصار 4: 3- 4.

(2) الاستبصار 4: 4/ 10، و التهذيب 8: 220/ 788.

(3) الاستبصار 4: 4/ 11، و التهذيب 8: 220/ 790.

(4) الاستبصار 4: 4/ 12، و التهذيب 8: 221/ 794.

(5) الاستبصار 4: 4 ذيل الحديث 12.

(6) الاستبصار 4: 4- 5/ 13، و التهذيب 8: 221/ 791.

38

و المعتمد أن نقول: إن أعتق الشريك لمجرّد الإضرار لا للتقرّب إلى الله تعالى، بطل العتق، لانتفاء وجه التقرّب إلى الله تعالى، الذي هو شرط صحّته.

و يؤيّده: رواية محمد- الصحيحة- عن الصادق (عليه السلام)، حيث قال:

«و إن أعتق الشريك مضارّا و هو معسر فلا عتق له» (1).

و إن أعتق متقرّبا إلى الله تعالى، فإن كان موسرا، قوّم عليه، لرواية الحلبي (2)- الصحيحة- عن الصادق (عليه السلام)، و إن كان معسرا، استسعي العبد إن لم يمكن فكّه، للروايات.

و قول ابن إدريس في الردّ على الشيخ (3) ضعيف، لأنّ الشيخ لم يقصد أنّه أعتق لمجرّد الإضرار من غير قصد التقرّب، بل إنّ المعتق قصد التقرّب، و هو لا ينافي إرادة منع الشريك من التصرّف في حصّته، و معنى الإضرار هو هذا، و معلوم أنّه لو قصد التقرّب لا غير، لحصل هذا النوع من التضرّر، فلمّا كان تضرّر الشريك حاصلا على التقديرين، لم يكن قصد الإضرار مانعا إرادة التقرّب، فإنّه لا يريد بالإضرار شيئا زائدا على المقرّر في الشرع، و إذا كان ذلك القدر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن مانعا من العتق، قصده أولا.

و يؤيّده: رواية محمد- الصحيحة- عن الصادق (عليه السلام)، حيث قال له السائل: فأعتق لوجه الله، فقال: «إذا أعتق نصيبه مضارّة» (4) و هو يدلّ على مجامعة الإضرار للتقرّب.

مسألة 4: لو أوصى بعتق عبده،

فإن كانت قيمته تساوي الثلث، عتق جميعه، و إن كانت أقلّ، عتق أيضا، و إن زادت، عتق منه بقدر الثلث، و استسعي فيما زاد على الثلث، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث أو أقلّ أو أكثر، و على كلّ حال.

____________

(1) الاستبصار 4: 4/ 12، و التهذيب 8: 221/ 794.

(2) انظر: التهذيب 8: 219/ 785، الاستبصار 4: 3/ 7، و الفقيه 3: 67/ 222.

(3) في «ب، ص»: على قول الشيخ.

(4) التهذيب 8: 221/ 794، الاستبصار 4: 4/ 12.

39

و هو اختيار ابن إدريس، و نقله عن شيخنا في (مبسوطه) و عن علي بن بابويه في (رسالته).

ثمَّ قال: و قال بعض أصحابنا: إن كانت القيمة على الضعف من الثلث، بطلت الوصيّة، و لم ينفذ عتق شيء منه.

قال: و قد أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في (نهايته) إيرادا لا اعتقادا (1).

و في هذا النقل نظر، فإنّ الشيخ قال في (النهاية): إذا أوصى الإنسان لعبده بثلث ماله، نظر في قيمته قيمة عادلة، فإن كانت قيمته أقلّ من الثلث، أعتق و اعطي الباقي، و إن كانت مثله، أعتق، و ليس له شيء و لا عليه، و إن كانت أكثر من الثلث بمقدار السدس أو الربع أو الثلث، أعتق بمقدار ذلك، و استسعي في الباقي لورثته، و إن كانت قيمته على الضعف من ثلثه، كانت الوصيّة باطلة (2).

و قد تقدّم البحث في هذه المسألة في كتاب (3) الوصايا (4)، و ذكرها ابن إدريس، ثمَّ ذكرها عقيب نقله عن الشيخ (5).

ثمَّ إنّ الشيخ ذكر مسألة أخرى عقيب هذه، فقال: إذا أوصى الإنسان بعتق مملوكه و عليه دين، فإن كانت قيمة العبد ضعفي الدين، استسعي العبد في خمسة أسداس قيمته: ثلاثة أسهم للديّان و سهمان للورثة، و سهم له، و إن كانت قيمته أقلّ من ذلك، بطلت الوصيّة (6).

و المسألة التي نقلها عن الشيخ لم أظفر بها، و الذي قاله شيخنا علي بن بابويه في (رسالته) هو المسألة الأولى التي نقلناها عن الشيخ في (النهاية).

إذا تقرّر هذا، فالمسألة الأولى قد تقدّمت، و أمّا المسألة الثانية- و هي ما إذا أوصى بعتق مملوكه و عليه دين- فقد ذكرها في باب الوصيّة على ما ذكرناه.

____________

(1) السرائر 3: 5- 6.

(2) النهاية: 610.

(3) كذا، و الظاهر إمّا: باب، أو: فصل.

(4) تقدّم في ج 6، كتاب الهبات و توابعها، الفصل الرابع: في الوصايا، المسألة 109.

(5) راجع: السرائر 3: 198- 199، و العبارة كما ترى.

(6) النهاية: 610.

40

و قال في باب العتق: إذا أعتق الرجل مملوكه عند موته و عليه دين، فإن كان ثمن العبد ضعفي ما عليه من الدين، مضى العتق، و استسعي العبد في قضاء دين مولاه، و إن كان ثمنه أقلّ من ضعفي الدين، كان العتق باطلا (1)، و تبعه ابن البرّاج (2).

و قال ابن الجنيد: و لو أعتق الرجل عبدا أو أعبدا له في مرضه الذي مات فيه و عليه دين يحيط برقابهم، و لا مال له غيرهم، كان العتق باطلا، و لو كان واحدا و الدين نصف قيمة العبد، استسعي العبد للغرماء و الورثة في نصف و ثلث قيمته، و عتق، فإن لم يكن له ورثة، استسعي في دين مولاه إن كان دون قيمته، و عتق إذا وفاه.

و قال الصدوق: فإن أعتق رجل مملوكه عند موته و عليه دين، و قيمة العبد ستمائة درهم و دينه خمسمائة درهم فإنّه يباع العبد، و يأخذ الغرماء خمسمائة درهم، و يأخذ الورثة مائة درهم، و إن كان قيمة العبد ستمائة درهم و دينه أربعمائة درهم، فكذلك يباع العبد، و يأخذ الغرماء أربعمائة درهم، و يأخذ الورثة مائتين، و إن كان قيمة العبد ستمائة درهم و دينه ثلاثمائة، و استوى مال الغرماء و مال الورثة، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء، لم يتّهم الرجل على وصيته، و أجيزت على وجهها، فيوقف العبد، فيكون نصفه للغرماء، و ثلثه للورثة، و يكون له السدس من نفسه (3).

و قال ابن حمزة: إذا أعتق نصف عبد (4) و عليه دين، فإن كانت قيمة العبد ضعفي الدين، نفذ العتق، و لزم العبد السعي في دين مولاه، و إن كانت قيمته أقلّ من ذلك، بطل العتق (5).

ثمَّ نقل ابن إدريس بعد ذلك المسألة الثانية، ثمَّ قال: إن أراد بقوله: عند

____________

(1) النهاية: 545.

(2) المهذّب 2: 361.

(3) المقنع: 155- 156.

(4) كذا، و في المصدر: أعتق مريض عبدا.

(5) الوسيلة: 342.

41

موته، أنّه نجّز عتقه قبل موته، فإنّ العتق صحيح ماض، و لا سبيل للديّان عليه، لأنّه تصرّف في ملك الإنسان قبل الحجر عليه، و للإنسان أن يتصرّف في ملكه كيف شاء، و إن أخّر عتقه إلى بعد موته، فهذا تدبير و وصيّة، لأنّ التدبير عند أصحابنا بمنزلة الوصيّة، و الوصيّة لا تصحّ إلّا بعد قضاء جميع الديون، و إنّما الذي أورده شيخنا في (نهايته) خبر واحد على قول من يقول من أصحابنا: إنّ منجّزات المريض من الثلث (1).

و احتجّ الشيخ: بما رواه زرارة- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام): في رجل أعتق مملوكه عند موته و عليه دين، قال: «إن كان قيمة العبد مثل الدين الذي عليه و مثله جاز عتقه و إلّا لم يجز» (2).

و عن الحسن بن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول في رجل أعتق مملوكا له و قد حضره الموت و أشهد له بذلك، و قيمته ستمائة درهم و عليه دين ثلاثمائة درهم، و لم يترك شيئا غيره، قال: «يعتق منه سدسه، لأنّه إنّما له منه ثلاثمائة، و له السدس من الجميع» (3).

و الوجه أن نقول: إنّ الدّين مقدّم على العتق (لأنّا قد بيّنّا أنّ) (4) تصرّفات المريض تخرج من الثلث.

و لا بأس بحمل الروايات على ما قاله ابن حمزة بأنّه أعتق نصفه، لكن يبنى على أنّ تصرّفات المريض تخرج من الأصل.

و يؤيّد ما اخترناه من بطلان العتق: ما رواه الحلبي أنّه قال في الرجل يقول:

إن متّ فعبدي حرّ، و على الرجل دين، قال: «إن توفّي و عليه دين قد أحاط بثمن العبد، بيع العبد، و إن لم يكن أحاط بثمن العبد، استسعي العبد في قضاء دين مولاه، و هو حرّ إذا وفّاه» (5).

____________

(1) السرائر 3: 14.

(2) الكافي 7: 27/ 2، التهذيب 8: 232/ 840، الاستبصار 4: 7/ 24.

(3) الكافي 7: 27/ 3، التهذيب 9: 169/ 690، الاستبصار 4: 8/ 25.

(4) بدل ما بين القوسين في «ب، ص»: لأنّ.

(5) التهذيب 8: 232/ 839، الاستبصار 4: 9/ 28.

42

مسألة 5: قال الشيخ في (النهاية): إذا كان العبد معه مال فأعتقه صاحبه، فإن كان عالما بأنّ له مالا، كان المال للعبد،

و إن لم يكن عالما بأنّ له مالا، كان ماله له دون العبد، فإن علم أنّ له مالا و أراد أن يستثنيه، كان له ذلك، إلّا أنّه لا يبدأ بالحرّيّة أوّلا، بل يبدأ فيقول: لي مالك و أنت حرّ، فإن قال: أنت حرّ ولي مالك، لم يكن له على المال سبيل، و إذا باع العبد و علم أنّ له مالا، كان ماله لمن ابتاعه، و إن لم يكن عالما بذلك، كان المال له دون المبتاع، و العبد المملوك لا يملك شيئا من الأموال ما دام رقّا، فإن ملّكه مولاه شيئا، ملك التصرّف فيه بجميع ما يريده.

و كذلك إذا فرض عليه ضريبة يؤدّيها إليه و ما يفضل بعد ذلك يكون له، جاز ذلك، و إذا أدّى إلى مولاه ضريبته، كان له التصرّف فيما بقي من المال.

و كذلك إذا أصيب العبد في نفسه بما يستحقّ به الأرش، كان له ذلك، و حلّ له التصرّف فيه، و ليس له رقبة المال على وجه من الوجوه، فإن تزوّج من هذا المال أو تسرّى، كان ذلك جائزا، و كذلك إن اشترى مملوكا فأعتقه، كان العتق ماضيا، إلّا أنّه يكون سائبة لا يكون ولاؤه له، و لا يجوز له أن يتوالى إليه، لأنّه عبد لا يملك جريرة غيره (1). و تبعه ابن البرّاج (2) في ذلك كلّه.

و قال الصدوق في (المقنع): فإن أعتق الرجل عبده و له مال، فإن كان حين أعتقه علم أنّ له مالا تبعه ماله، و إلّا فهو للمعتق، فإن لم يعلم أنّ له مالا فأعتقه و مات، فماله لولد سيّده.

و روي أنّ من اشترى مملوكا له مال، فإن كان اشترط ماله فهو له، و إن لم يشترط فهو للبائع (3).

و قال ابن الجنيد: و إذا حرّر السيّد عبده و معه مال خانه أو (4) لم يعلم به سيّده

____________

(1) النهاية: 542- 543.

(2) المهذّب 2: 359- 360.

(3) المقنع: 157، و ليس فيه من قوله: و روي، إلى آخره.

(4) في «ب، ص»: و.

43

وقت تحريره، كان للسيّد، فإن علم به فلم يستثنه، كان للمعتق.

و قال أبو الصلاح: و إذا أعتق عبدا أو أمة و له مال يعلم به، فهو للمعتق يملكه بإباحته، و إن لم يعلم أو علم به فاشترطه، فهو له دون المعتق (1).

و قال ابن إدريس: إذا أعتق مملوكا و له مال فماله لمولاه، سواء علم مولاه بالمال في حال إعتاقه أو لم يعلم، لأنّ العبد عندنا لا يملك شيئا.

و ذهب بعض أصحابنا إلى أنّه إن علم، فالمال للعبد، و إن لم يعلم أو علم فاشترطه، فهو لمولاه.

و قد بيّنّا أنّ العبد لا يملك شيئا، لقوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ (2)- (3).

و البحث في هذه المسألة يقع في مقامات:

المقام الأوّل: هل يتحقّق (4) للعبد ملك، و يثبت هذا المعنى في حقّه؟ الوجه: عدم تحقّقه.

لنا: أنّه ملك محض، فلا يكون له أهلية التملّك، كغيره من المملوكات.

و قوله تعالى ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ (5).

و قال تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ (6) الآية.

و هو تقريع و توبيخ في صيغة الاستفهام.

و ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله- في الصحيح- قال: سألته عن رجل أعتق عبدا له و للعبد مال، و هو [لا] (7) يعلم أنّ له مالا، فتوفّي الذي أعتق، لمن يكون مال العبد؟ أ يكون للّذي أعتق العبد أو للعبد؟ قال: «إذا أعتقه و هو يعلم أنّ

____________

(1) الكافي في الفقه: 318.

(2) النحل: 75.

(3) السرائر 3: 6.

(4) في الطبعة الحجرية: هل يصح أن يتحقّق.

(5) النحل: 75.

(6) الروم: 28.

(7) ما بين المعقوفين من الاستبصار.

44

له مالا، كان له، و إن لم يعلم فماله لولد سيّده» (1).

و لأنّه لو ملك، لدخل المال في ملكه بالأسباب الموجبة للدخول بغير اختيار، كالميراث و شبهه، و التالي باطل إجماعا، فكذا المقدّم.

و لأنّه لو ملك لما جاز له أخذه منه قهرا، و التالي باطل إجماعا.

و لما رواه محمد بن إسماعيل- في الصحيح- عن الرضا (عليه السلام)، قال:

سألته عن الرجل يأخذ من أمّ ولده شيئا و هبة لها بغير طيب نفسها من خدم أو متاع، أ يجوز ذلك له؟ قال: «نعم إذا كانت أمّ ولده» (2).

احتجّ الشيخ: بالأحاديث الدالّة على إضافة الملك إليه.

و الجواب: الإضافة تصدق بأدنى ملابسة.

المقام الثاني: لو فرضنا أنّ العبد يملك، فإنّه لا يملك ملكا تامّا، إذ لمولاه انتزاعه منه إجماعا.

إذا ثبت هذا، فلو أعتقه مع العلم بأنّ له مالا، كان المال للمولى، لما تقدّم (3) في حديث عبد الرحمن بن أبي عبد الله، و قد تقدّم.

و الشيخ- (رحمه الله)- قال: إن علم، كان المال للعبد إلّا أن يستثنيه قبل العتق، لما رواه زرارة- في الصحيح- عن الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أعتق عبدا له و للعبد مال لمن المال؟ فقال: «إن كان يعلم أنّ له مالا تبعه ماله، و إلّا فهو له» (4).

المقام الثالث: لو استثناه على تقدير الثبوت بعد الحريّة، فالأولى الجواز، لأنّ الكلام إنّما يتمّ بآخره، كما لو قال: أنت حرّ و عليك خدمة سنة.

و قال الشيخ: يقدّم الاستثناء، لما رواه حريز (5)- في الصحيح- قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام): عن رجل قال لمملوكه: أنت حرّ و لي مالك؟ قال: «لا يبدأ

____________

(1) الاستبصار 4: 11/ 32، التهذيب 8: 223- 224/ 805.

(2) التهذيب 8: 206/ 729.

(3) تقدم في المقام الأول.

(4) الكافي 6: 190- 191/ 4، التهذيب 8: 223/ 803، الاستبصار 4: 10/ 30.

(5) كذا في «ب، ص» و الطبعة الحجرية، و في المصادر ما عدا الفقيه: «أبو جرير» بدل «حريز».

45

بالحرّية قبل المال، يقول له: لي مالك و أنت حرّ برضى المملوك» (1).

المقام الرابع: في باقي الأحكام التي ذكرها الشيخ من جواز عتق المملوك و ثبوت الولاء لضامن الجريرة إن كان دون المعتق، لما رواه الشيخ- في الصحيح- عن عمر ابن يزيد عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له و قد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كلّ سنة و رضي بذلك المولى و رضي بذلك المملوك، فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة؟ قال: فقال: «إذا أدّى إلى سيّده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك».

ثمَّ قال أبو عبد الله (عليه السلام): «و قد فرض الله عزّ و جلّ على العباد فرائض فإذا أدّوها إليه لم يسألهم عمّا سواها» قلت له: فما ترى للمملوك أن يتصدّق ممّا اكتسب و يعتق بعد الفريضة التي كان يؤدّيها إلى سيّده؟ قال: «نعم و أجر ذلك له» قلت: فإن أعتق مملوكا ممّا اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق؟

فقال: «يذهب فيتولّى إلى من أحبّ، فإذا ضمن جريرته و عقله كان مولاه و ورثه» قلت: أ ليس قال رسول اللّه صلّى الله عليه و آله: «الولاء لمن أعتق»؟ فقال:

«هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله» قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته و حدثه أ يلزم ذلك و يكون مولاه و يرثه؟ قال: فقال: «لا يجوز ذلك و لا يرث عبد حرّا» (2).

و رواه ابن بابويه (3) في الصحيح.

و اعلم أنّ قول الشيخ قويّ باعتبار الأحاديث الصحيحة الدالّة عليه، لكنّه مشكل من حيث النظر، فنحن في هذه المسألة من المتوقّفين.

مسألة 6: قال الشيخ في (النهاية): و متى ملك الإنسان أحد والديه أو ولده،

____________

(1) الكافي 6: 191/ 5، التهذيب 8: 224/ 806، الاستبصار 4: 11/ 33، و بتفاوت في الفقيه 3: 92/ 344.

(2) التهذيب 8: 224- 225/ 807 بتفاوت يسير.

(3) الفقيه 3: 74- 75/ 261.

46

ذكرا كان أو أنثى، أو أخته أو عمّته أو خالته أو واحدة من المحرّمات عليه في النكاح من ذوي أرحامه، انعتقوا في الحال، و لم يثبت لهم معه استرقاق على حال (1). و نحوه قال المفيد (2).

و قال أبو الصلاح: لا يصح أن يبتاع المرء من تحرم عليه مناكحته من ذوي نسبه، و متى يفعل ينعتقوا عليه عند مضيّ عقد ابتياعهم (3).

و قال ابن الجنيد: و من ملك ذا رحم محرم عتق عليه عند ملكه إيّاه.

و قال الشيخ في (المبسوط) في عتق الشريك: و كيف يعتق عليه نصيبه، مع الملك أو بعده؟ قيل: فيه قولان.

و هكذا إذا اشترى أباه، عتق عليه. و متى يقع؟ على وجهين: أحدهما: يقع العتق و الملك معا في زمان واحد، و الثاني: أنّ العتق بعد الملك. و هو الأقوى عندي (4).

و قال ابن إدريس: و قد قيل في أنّه متى يكون العتق؟: أقوال: الأصحّ من ذلك أنّه مع تمام البيع معا، لأنّ الإنسان لا يملك من ذكرناه (5).

و الوجه: أنّهم يدخلون في الملك آنا واحدا ثمَّ في ثانية ينعتقون عليه- كما قوّاه الشيخ- لقوله (عليه السلام): (لا عتق إلّا في ملك) (6) و ليتحقّق قولهم (عليهم السلام): «من ملك أحد هؤلاء عتق عليه» (7).

و لأنّ العقد لو اقتضى زوال الملك عن البائع من غير أن يثبت الملك للمشتري، لما قوّم عليه لو اشترى بعضه، و لما تبعه أحكام البيع من وجوب الأرش و غيره.

____________

(1) النهاية: 540.

(2) المقنعة: 599.

(3) الكافي في الفقه: 356.

(4) المبسوط 6: 55.

(5) السرائر 3: 7.

(6) الكافي 6: 179/ 1 و 2، الفقيه 3: 69/ 232، التهذيب 8: 217/ 773 و 774، الاستبصار 4: 5/ 14 و 15، سنن ابن ماجه 1: 660/ 2048، سنن البيهقي 7: 319 و 320 و 461، المستدرك- للحاكم- 2: 419، و في الجميع بتفاوت.

(7) ورد ما بمعناه في الكافي 6: 177/ 1 و 4، و التهذيب 8: 240- 241/ 869 و 871، و الاستبصار 4: 15/ 45 و 47.

47

مسألة 7: قال الشيخ في (النهاية): و المملوك إذا عمي أو جذم أو أقعد أو نكّل به صاحبه أو مثّل به، انعتق في الحال،

و لا سبيل لصاحبه عليه (1). و تبعه ابن البرّاج (2).

و قال أبو الصلاح: إذا عجز المرقوق عن الخدمة بعمي أو زمانة أو مرض، سقط عنه فرضها (3).

و قال الصدوق في (المقنع): و اعلم أنّ المملوك إذا عمي فقد عتق، و إذا جذم فلا رقّ عليه (4).

و قال ابن الجنيد: و في حديث أهل البيت (عليهم السلام): «أنّ الرسول صلّى الله عليه و آله قال: إذا عمي المملوك أو جذم فلا رقّ عليه» (5).

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «إذا أصابته زمانة في جوارحه و بدنه، و من نكّل بمملوكه فهو حرّ لا سبيل عليه سائبة».

و قال ابن حمزة: إذا ملك مملوكا فإمّا أن يعتق عليه في الحال، و هم تسعة:

الوالدان و إن علوا، و الولدان و إن نزلوا، و جميع المحرّمات عليه نسبا و رضاعا، و من نكّل به، أو برص، أو عمي أو جذم، أو أقعد (6). فزاد البرص، و ليس بمشهور.

و قال ابن إدريس: و المملوك إذا عمي من قبل الله تعالى، أو جذم أو أقعد بزمانة من قبل الله تعالى، انعتق بغير اختيار مالكه، و لا يكون له ولاؤه.

و قد روي: أنّه إذا نكّل به صاحبه أو مثّل به، انعتق في الحال، و لا سبيل لصاحبه عليه، أورد هذه الرواية شيخنا في (نهايته) إيرادا لا اعتقادا (7). و هذا يدلّ

____________

(1) النهاية: 540.

(2) المهذّب 2: 357.

(3) الكافي في الفقه: 318.

(4) المقنع: 157، و ليس فيه قوله: و إذا جذم فلا رقّ عليه.

(5) الكافي 6: 189/ 2، الفقيه 3: 84/ 304، التهذيب 8: 222/ 798.

(6) الوسيلة: 340.

(7) السرائر 3: 8- 9.

48

على ضعف هذا القول عنده.

و الوجه: ما قاله الشيخ.

لنا: ما رواه ابن محبوب عمّن ذكره عن الصادق (عليه السلام)، قال: «كلّ عبد مثّل به فهو حرّ» (1).

و ما رواه الصدوق- في الصحيح- عن أبي بصير عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن نكّل بمملوكه أنّه حرّ لا سبيل له عليه سائبة، يذهب فيتولّى إلى من أحبّ، فإذا ضمن حادثة فهو يرثه» (2).

و قول ابن حمزة بعتق الأبرص، ضعيف.

مسألة 8: قال الشيخ في (النهاية): إذا أعتق مملوكه و شرط عليه شرطا، وجب عليه الوفاء به،

و لم يكن له خلافه، فإن شرط عليه أنّه متى خالفه في فعل من الأفعال، كان ردّا في الرقّ، فخالفه، كان له ردّه في الرقّ (3).

و قال ابن البرّاج: إذا كان له مملوك فأعتقه و شرط عليه أنّه متى خالفه في فعل من الأفعال، كان ردّا في الرقّ، أو كان عليه مال معلوم، كان الشرط صحيحا (4).

و قال ابن إدريس: قول الشيخ غير واضح، لأنّ الحرّ لا يجوز أن يعود رقّا، و الشرط إذا كان مخالفا للكتاب و السنّة، كان باطلا، و هذا شرط يخالف السنّة (5).

و المعتمد: أنّه إذا شرط عليه شيئا، لزمه، و يكون ذلك عتقا و شرطا، لا عتقا معلّقا على شرط، مثل أن يقول: أنت حرّ و عليك كذا، أمّا إذا علّق العتق بشرط، فإنّه يبطل، كقوله: أنت حرّ إن فعلت كذا.

____________

(1) الكافي 6: 189/ 1، التهذيب 8: 223/ 801.

(2) الفقيه 3: 85/ 306.

(3) النهاية: 542.

(4) المهذّب 2/ 359.

(5) السرائر 3: 11.

49

و لو شرط عليه أنّه متى خالفه في الأول، كان ردّا في الرقّ، بطل العتق، لما تقرّر من عدم قبوله للشرط.

احتجّ الشيخ: بما رواه إسحاق بن عمّار و غيره عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يعتق مملوكه و يزوّجه ابنته، و يشترط عليه إن هو أغارها أن يردّه في الرقّ، قال: «له شرطه» (1).

و الجواب: الطعن في السند أوّلا، فإنّ في إسحاق قولا، و القول بالموجب ثانيا، فإنّ إثبات أنّ له شرطه يقتضي ردّه في الرقّ، و مع بطلان العتق يكون هذا الحكم ثابتا.

مسألة 9: قال الشيخ في (النهاية): فإن شرط عليه خدمته سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك، لزمه ذلك،

فإن مات المعتق، كانت خدمته لورثته، فإن أبق العبد و لم يوجد إلّا بعد انقضاء المدّة التي شرط عليه المعتق، لم يكن للورثة عليه سبيل (2). و تبعه ابن البرّاج (3).

و قال ابن الجنيد: و لا بأس بأن يشترط على المعتق عملا معيّنا أو مدّة معلومة و يجعل له في تلك المدّة ما ينفق منه و يكتسي به لقطعه بشرطه عليه من التكسّب، و لو فات الفعل أو امتنع منه، لم يلزم المعتق العوض عنه.

و قال الصدوق: و إذا أعتق الرجل جاريته و شرط عليها أن تخدمه خمسين سنة و أبقت ثمَّ مات الرجل فوجدها ورثته، فليس لهم أن يستخدموها (4).

و قال ابن إدريس: ليس للورثة عليه سبيل في الخدمة، و الأولى أن يكون لهم الرجوع بمثل أجرة تلك المدّة، لأنّها مستحقّة عليه و قد فاتت أو فاتها، فيرجع عليه بأجرة مثلها، فأمّا الخدمة فليس لهم سبيل عليه، فلأجل هذا قال شيخنا في

____________

(1) الكافي 6: 179/ 3، التهذيب 8: 222/ 795، و فيه: «أغاظها» بدل «أغارها».

(2) النهاية: 542.

(3) المهذّب 2: 359.

(4) المقنع: 156- 157.

50

(نهايته): لم يكن للورثة عليه سبيل. يعني في الخدمة (1). و هذا تأويل حسن.

و يؤيّده: قول الصدوق: و ليس لهم أن يستخدموها، و هو عين الرواية التي رواها الشيخ- في الصحيح- عن يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن رجل أعتق جارية، و شرط عليها أن تخدمه خمسين سنة، فأبقت، ثمَّ مات الرجل فوجدها ورثته، أ لهم أن يستخدموها؟ قال: «لا» (2).

و نفي الاستخدام لا يستلزم نفي الأجرة الثابتة لهم عوضا عمّا أتلفته عليهم من الخدمة.

مسألة 10: قال الشيخ في (النهاية): و إذا نذر الإنسان أن يعتق أوّل مملوك يملكه، فملك جماعة من العبيد في حالة واحدة، أقرع بينهم،

فمن خرج اسمه أعتقه.

و قد روي: أنّه مخيّر في عتق أيّهم شاء. و الأوّل أحوط (3).

و تبعه ابن البرّاج على القرعة (4).

و قال ابن الجنيد: و من نذر أن يعتق أوّل مملوك يملكه، فملك جماعة في وقت واحد، اختار أيّهم شاء فأعتقه، فإن مات أو منع عن بيان إرادته، أقرع بينهم.

و قال الصدوق: فإن قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فورث سبعة مماليك، فإنّه يقرع بينهم، و يعتق الذي خرج في القرعة (5).

و قال ابن إدريس: الأولى عندي أنّه لا يعتق شيء من العبيد، لأنّ شرط النذر ما وجد، لأنّه نذر عتق أوّل مملوك يملكه، و ليس لمن ملك في حالة واحدة من المماليك أوّل، فما وجد شرط النذر.

و لأنّ الأصل براءة الذمّة، فمن شغلها بشيء يحتاج إلى دليل، و لا يرجع عن

____________

(1) السرائر 3: 11.

(2) التهذيب 8: 222/ 797.

(3) النهاية: 543.

(4) المهذّب 2: 360.

(5) المقنع: 157.

51

الأدلّة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا (1).

و ما اختاره الشيخ في (النهاية) هو المعتمد.

لنا: ما رواه الشيخ و الصدوق معا- في الصحيح- عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام): في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فورث سبعة جميعا، قال: «يقرع بينهم، و يعتق الذي خرج سهمه (2)» (3).

و عن عبد الله بن سليمان، قال: سألته عن رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فلم يلبث أن ملك ستة، قال: «يقرع بينهم ثمَّ يعتق واحدا» (4).

و لأنّه بملك الجماعة يصدق عليه أنّه قد ملك مملوكا واحدا قطعا، فذلك الواحد إن لم يسبقه ملك مملوك غيره، فهو أوّل، إذ لا يشترط في الأوّل وجود ثان بالفعل، بل الشرط إمكان وجوده، و لهذا لو ملك واحدا لا غير، وجب عتقه من غير ترقّب (5) ملك ثان.

و إن سبقه ملك مملوك، فذلك هو الأوّل، فيتعيّن للنذر، و لا يستلزم من عدم صدق الأولوية على كلّ واحد بالنسبة إلى الآخرين عدم صدقها على كلّ واحد مطلقا، فإذن كلّ واحد يصدق عليه أنّه أوّل، فإمّا أن يقرع أو يتخيّر فيبطل قول ابن إدريس.

و أصالة البراءة بعد وجود النذر، و عموم الدليل الدالّ على وجوب الوفاء به ممنوع و معارض بالاحتياط، و أيّ دليل أقامه على مطلوبه بحيث لا يرجع عنها (6) إلى أخبار الآحاد؟

احتجّ ابن الجنيد: بما رواه الشيخ عن الحسن الصيقل عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فأصاب ستة،

____________

(1) السرائر: 3: 12.

(2) في التهذيب: «. يعتق الذي قرع».

(3) التهذيب 8: 225- 226/ 811، الفقيه 3: 53/ 179.

(4) التهذيب 8: 225/ 810.

(5) في «ب، ص»: ترتيب.

(6) أي: عن الأدلّة.

52

قال: «إنّما كان نيّته على واحد، فليختر أيّهم شاء فليعتقه» (1).

و لأنّ كلّ واحد منهم أوّل بالنسبة إلى من يتجدّد ملكه عليه، و قد كان مخيّرا في إيجاد السبب فيه بأن يشتريه منفردا إن شاء، فيثبت له الخيار كما كان.

و الجواب عن الأول: أنّ روايتنا أصحّ طريقا، فإنّ الحسن الصيقل لا أعرفه.

و في الطريق أيضا إسماعيل بن يسار الهاشمي، و قال النجاشي: إنّ إسماعيل ابن يسار الهاشمي ابن علي بن عبد الله بن العباس ذكره أصحابنا بالضعف (2).

و عن الثاني: أنّ إيجاد الوصف في كلّ واحد يستلزم إيجاب عتقه، و لا أولويّة، و لا يجب الجميع، فيتعيّن القرعة، لإشكاله و إبهامه.

على أنّي لا أستبعد قول ابن الجنيد، لكن الأقوى الأول.

مسألة 11: قال الشيخ في (النهاية): و إذا كان للرجل جارية، فنذر أنّه متى وطئها كانت معتقة، فإن وطأها قبل أن يخرجها من ملكه، انعتقت،

و إن أخرجها ثمَّ اشتراها بعد ذلك و وطأها، لم يقع بها عتق (3). و تبعه ابن البرّاج (4).

و قال الصدوق في (المقنع): إذا كانت للرجل أمة، فيقول: يوم يأتيها (5) فهي حرّة، ثمَّ يبيعها من رجل، ثمَّ يشتريها بعد ذلك، فلا بأس أن يأتيها، قد خرجت من ملكه (6).

و قال ابن إدريس: قد روي: أنّه إذا كان للرجل جارية، فنذر أنّه متى كان وطأها كانت معتقة، فإن وطأها قبل أن يخرجها من ملكه، انعتقت، و إن أخرجها ثمَّ اشتراها بعد ذلك و وطأها، لم يقع بذلك عتق.

و فقه هذه الرواية- إن صحّت- أنّه إذا أخرجها من ملكه، انحلّ نذره، لأنّه نذر

____________

(1) التهذيب 8: 226/ 812، الاستبصار 4: 5/ 17.

(2) رجال النجاشي: 29/ 58، و فيه: إسماعيل بن يسار الهاشمي مولى إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس.

(3) النهاية: 544.

(4) المهذّب 2: 360.

(5) في المصدر: فيقول يوما: إن آتيها.

(6) المقنع: 157.

53

في ملكه، فإذا زال ملكه عنها، انحلّ نذره، و لا يصح في ملك الغير، فيحتاج إذا عادت إلى ملكه إلى دليل على عتقها (1).

و هذا يدلّ على عدم قوله بهذه الرواية، و هي صحيحة السند، رواها الشيخ- في الصحيح- عن محمد عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن الرجل تكون له الأمة، فيقول: يوم يأتيها فهي حرّة، ثمَّ يبيعها من رجل، ثمَّ يشتريها بعد ذلك، قال: «لا بأس أن يأتيها، قد خرجت من ملكه» (2).

و وجه ذلك: أن يقال: الوطء شرط النذر، و هو يستتبع الملك، فإذا خرجت عن ملكه، فقد انحلّ النذر، لزوال الشرط الذي باعتباره يتحقّق النذر، فإذا عاد الملك، لم يعد النذر بعد زواله.

و ليس بعيدا من الصواب أن يقال: إنّه ليس بنذر لازم، لأنّ قوله في السؤال:

يوم يأتيها فهي حرّة، ليست صيغة تقتضي إيجاب العتق، فلهذا ساغ له الوطء بعد ردّ الملك إليه، و بالجملة فالمسألة مشكلة.

و قول ابن إدريس بانحلال النذر، لأنّه لا يصح في ملك الغير، ممنوع، فإنّه لو نذر أنّه لو وطأ هذه الجارية أن يعتقها ثمَّ ملكها، وجب عتقها.

مسألة 12: قال الشيخ في (النهاية): إذا زوّج الرجل جاريته، و شرط أنّ أوّل ما تلده يكون حرّا، فولدت توأما، كانا جميعا معتقين (3).

و تبعه ابن البرّاج، لكن غيّر لفظة «ما تلده» فقال: إن شرط أنّ أوّل ولد تلده يكون حرّا (4).

و قال ابن إدريس: إن أراد بالشرط المذكور أوّل حمل، كان على ما ذكر، و إن أراد بذلك أوّل ولد تلده، كان الأول حرّا، و الذي يخرج ثانيا مملوكا (5).

____________

(1) السرائر 3: 12.

(2) التهذيب 8: 226/ 814.

(3) النهاية: 544.

(4) المهذّب 2: 360.

(5) السرائر 3: 13.

54

و اعلم أنّ الشيخ- (رحمه الله)- قال في (المبسوط): إذا قال: أوّل من يدخل الدار من عبيدي حرّ، فدخل اثنان، لم يعتق أحدهما، لأنّه لا أوّل منهما.

ثمَّ قال: و قد روي في أحاديثنا أنّ الاثنين يعتقان، لأنّهم رووا أنّه إذا قال:

أوّل ما تلده الجارية فهو حرّ، فولدت توأمين أنّهما معتقان (1).

و الشيخ روى هذه الرواية عن عبد الله بن الفضل الهاشمي رفعه، قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام): في رجل نكح وليدة رجل أعتق ربّها أوّل ولد تلده، فولدت توأما، فقال: «أعتق كلاهما» (2).

و اعلم أنّه فرق بين أوّل مملوك و بين أوّل ما تلده، لأنّ «أوّل» هنا «أفعل» و هي بعض ما يضاف إليه، فإذا أضيفت إلى النكرة، لم تعمّ، و إذا أضيفت إلى «ما»- و هي للعموم- عمّت.

و بالجملة قول ابن إدريس هنا حسن.

مسألة 13: قال الشيخ في (النهاية): و إذا اشترى رجل جارية و لم ينقد ثمنها، فأعتقها و تزوّجها، ثمَّ مات بعد ذلك و لم يخلّف غيرها، فإنّ عتقه و نكاحه باطل،

و تردّ في الرقّ لمولاها الأول، فإن كانت قد حملت، كان أولادها رقّا كهيئتها، و إن خلّف ما يحيط برقبتها، فعلى الورثة أن يؤدّوا ثمنها لمولاها، و قد مضى العتق و التزويج، و لا سبيل لأحد عليها (3). و تبعه ابن البرّاج (4).

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول مذهب أصحابنا أنّ العتق المذكور صحيح، لأنّه أعتق ملكه بغير خلاف، و الحرّ لا يعود رقّا، و النكاح صحيح، و الولد حرّ، و الحرّ لا يصير عبدا، لأنّه انعقد حرّا، سواء خلّف غيرها من الأموال أو لم يخلّف، و الثمن في ذمّته.

____________

(1) المبسوط 6: 248- 249.

(2) التهذيب 8: 231/ 834.

(3) النهاية: 544- 545.

(4) المهذّب 2: 361.

55

و ما ذكره- (رحمه الله)- من بطلان العتق و التزويج، و صيرورة أولادها إن حملت كهيئتها رقّا، غير مستقيم و لا واضح، لأنّه مخالف للأدلّة القاهرة، و مضادّ للكتاب و الإجماع و السنّة المتواترة. و لأنّه لا إجماع عليه، و لا كتاب و لا سنّة، و ما ذكره شيخنا خبر واحد لا يوجب علما و لا عملا، أورده إيرادا لا اعتقادا (1).

و نحن قد بيّنّا في فصل كتاب (2) نكاح الإماء، الوجه في هذه الرواية، و حملها على أن يكون المعتق قد أعتق في مرض الموت و تزوّجها و لا مال له سواها، فإنّ العتق يكون باطلا على ما اخترناه في منجّزات المريض.

مسألة 14: قد بيّنّا (3) أنّ الشيخ اختار في (المبسوط)- بعد أن نقل في عتق الشقص خلافا في وقت عتقه،

فعن بعضهم: يعتق كلّه باللفظ، فيكون عليه القيمة في ذمّته، و عليه تسليمها إلى شريكه، و عن بعضهم: أنّه ينعتق باللفظ و دفع القيمة، فإن دفعها، عتق نصيب شريكه، و إلّا لم يعتق، و عن بعضهم:

يكون مراعى، فإن دفع القيمة تبيّنّا أنّه عتق وقت العتق و إن لم يدفع تبيّنّا عدم العتق في نصيب الشريك- هذا القول و قوّاه.

و قال ابن إدريس: الأظهر أنّ حصّة الشريك تنعتق بنفس اللفظ (4).

و في رواية محمد بن قيس- الصحيحة- عن الباقر (عليه السلام)، قال: «من كان شريكا في عبد أو أمة قليل أو كثير، فأعتق حصّته و له سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كلّه، و إن لم يكن له سعة من مال نظر قيمته يوم أعتق منه ما أعتق ثمَّ يسعى العبد في حساب ما بقي حتى يعتق» (5) دلالة على عدم إعتاقه بمجرّد اللفظ.

و في رواية الحلبي- الحسنة- عن الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه، فقال: «إن كان مضارّا كلّف أن يعتقه كلّه، و إلّا

____________

(1) السرائر 3: 14.

(2) كذا، و الظاهر زيادة «كتاب».

(3) في المسألة 3.

(4) السرائر 3: 16.

(5) الكافي 6: 183/ 3، التهذيب 8: 221/ 791، الاستبصار 4: 4- 5/ 13.

56

استسعي العبد في النصف الآخر» (1).

و في رواية سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) و غيره عنه (عليه السلام):

«أنّه قد أفسد على صاحبه» (2).

و فيه دلالة على أنّه ينعتق بالإعتاق حيث أفسد، و إنّما أفسد باعتبار الإعتاق.

و في رواية غياث بن إبراهيم الدارمي عن الصادق (عليه السلام)، عن الباقر (عليه السلام) «أنّ رجلا أعتق بعض غلامه، فقال علي (عليه السلام): هو حرّ ليس لله شريك» (3).

و كذا في رواية طلحة بن زيد عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام) (4).

و نفي الشركة مشترك بين أن يكون العبد له، أو مشتركا.

و كلام شيخنا المفيد- (رحمه الله)- يقتضي أنّه ينعتق بالأداء.

قال: إذا كان العبد بين شريكين أو أكثر، فأعتق أحدهم حصّته من العبد، انعتق ملكه خاصة، و الزم ابتياع حصص الشركاء، فإذا ابتاعها، انعتق العبد بذلك، و لم يبق فيه رقّ، و إن كان معسرا، استسعي العبد في باقي قيمته، فإذا أدّاه إلى أصحابه، انعتق.

و المعنى في ذلك أنّه يؤمر بالتكسّب حسب ما يتمكّن منه، فيؤدّي إلى باقي الشركاء مالهم من قيمته أو بعضها ممّا يوافقونه عليه، ثمَّ ينعتق بعد ذلك (5).

و هذا تصريح بأنّه ينعتق بالأداء لا بالإعتاق، و لا بأس به عندي.

و قد ظهر من ذلك أنّ المفيد اختار أنّه ينعتق بالأداء، و ابن إدريس بالإعتاق، و الشيخ أنّه مراعى.

مسألة 15: لو أعتق ثلث عبيده و كانوا ستّة، أو أعتقهم و هو مريض و مات،

____________

(1) الكافي 6: 182/ 2، التهذيب 8: 220/ 788، الاستبصار 4: 4/ 10.

(2) التهذيب 8: 220/ 790، الاستبصار 4: 4/ 11، و الكافي 6: 182 (باب المملوك بين شركاء.) الحديث 1.

(3) الاستبصار 4: 6/ 18.

(4) التهذيب 8: 228/ 825، الاستبصار 4: 6/ 19.

(5) المقنعة: 550.

57

و احتيج إلى القرعة، قال الشيخ: أقسامها ستة:

الأول: أن يكونوا على صفة يمكن تعديلهم أثلاثا بالقيمة و العدد، بأن يكونوا ستة قيمة كلّ واحد ألف، فإنّا نجزئهم ثلاثة أجزاء، كلّ عبدين جزءا، و نقرع بينهم، بأن يكتب الرقاع، و يمكن إخراج الأسماء على الرقّ و الحرّية، و إخراج الرقّ و الحرّية على الأسماء، فإن أردت أن تخرج الأسماء على الرقّ و الحرّية، كتبت في كلّ رقعة اسم اثنين، فيكون ثلاث رقاع، و تقول: أخرج رقعة على الحرّية، فإذا أخرجتها قضيت [بعتق من اسمه فيها، و رقّ الباقون،. فإن قلت: أخرج رقعة على الرقّ، فإذا أخرجتها قضيت] (1) برقّ من اسمه فيها، و لا بدّ من إخراج أخرى فتقول: أخرج أخرى على الرقّ، فإذا خرج، رقّ من فيها، و عتق الآخر، فمتى أخرج القرعة على الحرّية أجزأه دفعة، و متى أخرجها على الرقّ فلا بدّ من مرّتين.

الثاني: أن يختلفوا قيمة، و يمكن التعديل بالقيمة دون العدد، و بالعكس بأن يكونوا ستة قيمة عبد ألف و قيمة عبدين ألف، و قيمة ثلاثة ألف، فإن اعتبرت القيمة، كانت التركة أثلاثا، لكن العدد مختلف، و متى اعتبرت العدد و جعلت كلّ عبدين سهما، صحّ، لكن اختلفت القيمة، فقال قوم: يعتبر القيمة و يترك العدد، و هو أصحّ عندنا، و قال آخرون: يعتبر العدد (2).

و الوجه عندي أنّه يكتب رقاع بعدد العبيد، و يخرج إمّا على الحرّية و الرقّية، أو على الأسماء، لأنّه أحوط و أعدل، فقد يكون أحد العبدين اللذين كتبا في رقعة واحدة حرّا و الآخر رقّا، فلا يجوز جمعهما في رقعة واحدة.

و يحتمل في الثاني اعتبار العدد، لأنّ الثلث و غيره من الأجزاء إنّما يلحق المقدار أو العدد لذاته، و يلحق ما عداه باعتبار لحوق الكمّ المتّصل أو المنفصل به، و قد أضاف الثلث إلى العبيد أنفسهم، و إنّما عرض لهم الكمّ المنفصل لا غير، فكان انضياف الثلث إليهم أولى من انضيافه إلى القيمة التي لم تكن ملفوظة.

____________

(1) ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) المبسوط 6: 58- 59.

58

مسألة 16: قال الشيخ في (النهاية): إذا أعتق الرجل مملوك ابنه، كان العتق ماضيا (1).

و قال ابن إدريس: هذه الرواية لا يصحّ العمل بها إلّا أن يكون الابن صغيرا، و يكون الأب قد قوّم العبد على نفسه، و إلّا فلا يصحّ ذلك (2).

و الظاهر أنّ مراد الشيخ بالابن هنا الصغير، لما علم من انقطاع تصرّفات الأب عن مال الكبير، فالصغير لا بدّ من اشتراطه.

و أمّا التقويم: فليس شرطا بعينه، لأنّه لو كان عتقه مصلحة للصغير، جاز للأب عتقه عنه بحكم الولاية، و إن لم يقوّمه على نفسه، فالشرط حينئذ أحد الأمرين: إمّا الصغر أو المصلحة.

و الشيخ- (رحمه الله)- احتجّ بما رواه الحسين بن علوان عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام)، قال: «أتى النبي صلّى الله عليه و آله رجل، فقال:

يا رسول اللّه إنّ أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرّة لي، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: أنت و مالك من هبة الله لأبيك، أنت سهم من كنانته، يهب لمن يشاء إناثا، و يهب لمن يشاء الذكور، و يجعل من يشاء عقيما، جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك و بدنك، و ليس لك أن تتناول من ماله و لا من بدنه شيئا إلّا بإذنه» (3).

و الجواب: لعلّ السائل صبي و سمّاه أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا بالمجاز، لأنّه يؤول إليه.

أو نقول: إنّ الولد أضاف المملوك إليه من حيث إنّه وارث والده، فكأنّه له.

مسألة 17: قال الشيخ في (النهاية): و إن أعتق الرجل جارية حبلى من غيره،

____________

(1) النهاية: 545.

(2) السرائر 3: 17.

(3) التهذيب 8: 235- 236/ 849.

59

صار ما في بطنها حرّا كهيئتها، و إن استثناه من الحرّية، لم يثبت رقّه مع نفوذ الحرّية في أمّه (1). و تبعه ابن البرّاج و ابن حمزة (2)، و هو ظاهر كلام ابن الجنيد.

و قال ابن إدريس: هذه الرواية أوردها شيخنا في (نهايته) و لا دليل على صحّتها من كتاب و لا سنّة مقطوع بها و لا إجماع، و الأصل أن لا عتق، و ثبوت العبودية في حملها، فمن حرّره يحتاج إلى دليل، و لا دليل له على ما بيّنّاه، و إنّما يصحّ هذا على مذهب الشافعي، لأنّه يجري الحمل مجرى بعض أعضائها، و لهذا يقول: إنّه إذا باعها و استثنى الحمل لا يصح استثناؤه. و نحمل الرواية على التقية (3).

و الوجه: ما قاله ابن إدريس.

و الشيخ- (رحمه الله)- عوّل على ما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام) عن الباقر (عليه السلام): في رجل أعتق أمة و هي حبلى، فاستثنى ما في بطنها، قال: «الأمة حرّة و ما في بطنها حرّ، لأنّ ما في بطنها منها» (4).

و في سندها ضعف، فلا تعويل عليها.

مسألة 18: قال الشيخ في (النهاية): و إذا أتى على الغلام عشر سنين، جاز عتقه و صدقته

إذا كان على جهة المعروف (5). و تبعه ابن البرّاج (6).

و قال ابن الجنيد: و لمّا كان العتق نقل ملك و إخراجه عن يد المالك لم يجز إلّا من نافذ الأمر. و هو يعطي منع عتق الصبي.

و قال ابن إدريس: قول الشيخ في (النهاية) رواية أوردها إيرادا لا اعتقادا، لأنّه لا دليل على صحة العمل بها، لأنّها مخالفة لأصول المذهب، و قول الرسول

____________

(1) النهاية: 545.

(2) المهذّب 2: 361، الوسيلة: 342.

(3) السرائر 3: 17.

(4) التهذيب 8: 236/ 851.

(5) النهاية: 546.

(6) المهذّب 2: 362.

60

(عليه السلام): (رفع القلم عن ثلاث) (1) و ذكر الصبي من جملتهم يدلّ عليه (2).

و قول ابن إدريس هو الوجه، لثبوت الحجر على الصبي حتى يبلغ.

و الشيخ- (رحمه الله)- عوّل على رواية رواها زرارة عن الباقر (عليه السلام)، قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز له من ماله ما أعتق و تصدّق على وجه المعروف فهو جائز» (3).

مسألة 19: قال الشيخ في (الخلاف): إذا ورث شقصا من أبيه أو أمّه، قوّم عليه ما بقي

إن كان موسرا. و استدلّ بإجماع الفرقة و أخبارهم (4).

و فصّل في (المبسوط) جيّدا، فقال: إن كان معسرا، لم يقوّم عليه، كما لو باشر عتقه، و إن كان موسرا، فإن كان قد ملكه باختياره بعوض- كالشراء و الصلح- أو بغير عوض- كالهبة و الوصية- قوّم عليه نصيب شريكه، و إن ملكه بغير اختياره- كالإرث- فإنّه لا يقوّم عليه باقيه (5).

و قال ابن الجنيد: لو ملك رجل حصّة من والديه بميراث فعتقت عليه، فإن كان حقّه من الميراث مستغرقا لقيمة جميع ملك شركائه فيه فيعتق عليه أو كان موسرا لذلك، لم يكن لباقي الورثة أن يستسعوه في بقية حقّهم، و لا للولد أن يمتنع من إعطائهم قيمة حقوقهم في والديه و عتق جميعه من ماله، و ليس له أن يرجع على أحد والديه فيستسعيه فيما أدّاه من حقوق شركائه.

و لو كان ما وصل إلى الولد من الحقّ في أحد الوالدين بهبة أو وصية، لم يعتق جميعه عليه، و كان لشركائه أن يعتقوا حصصهم، و يكون لهم من الولاية بقدرها، و ليس لهم عندي أن يمتنعوا من قبول قيمة حقوقهم طلبا للسعاية، لأنّ

____________

(1) سنن أبي داود 4: 560/ 4403.

(2) السرائر 3: 18.

(3) الكافي 7: 28 (باب وصية الغلام و الجارية.) الحديث 1، الفقيه 4: 145/ 502، التهذيب 9: 181/ 729 بتفاوت يسير.

(4) الخلاف، كتاب العتق، المسألة 7.

(5) المبسوط 6: 68.

61

في ذلك ضررا و غبنا على المستسعي.

و ابن البرّاج (1) تبع الشيخ في (المبسوط).

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول مذهبنا أنّه لا يقوّم عليه ما بقي، لأنّه لا دلالة على ذلك من كتاب و لا سنّة مقطوع بها و لا إجماع، و الأصل براءة الذمّة، و الإجماع إنّما وقع على أنّه من أعتق شركا له في عبد و كان موسرا قوّم عليه حصّة شريكه، و كذلك الأخبار إنّما وردت على ذلك، و لم يجمع أصحابه على أنّ من ورث شقصا له من عبد يعتق عليه يقوّم عليه ما بقي إذا كان موسرا (2).

و المعتمد: ما (ذهب إليه) (3) الشيخ في (المبسوط) لأنّه إذا ملك باختياره و كان موسرا، فقد اختار عتق الجميع حيث كان العتق يسري، و أشبه ذلك الجارح إذا مات المجروح بالسراية، فإنّه يجعل قاصدا إلى قتل النفس، لأنّ الجرح يسري.

و لأنّ في بقاء العتق مبعّضا إضرارا لشريكه، فأزيل عنه الضرر بدفع القيمة، و يصدق عليه أنّه أفسد على الشريك، فضمن، بخلاف ما لو دخل في ملكه بغير اختياره، كالإرث، فإنّه لم يختر إعتاقه، و إنّما هو عتق قهري من قبل الشرع، فلا يستعقب العقوبة بتضمين الحصّة.

و يؤيّده: ما رواه الشيخ عن محمد بن ميسر عن الصادق (عليه السلام)- في الحسن- قال: قلت له: رجل دفع إليه رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى أباه و هو لا يعلم، فقال: «يقوّم، فإن زاد درهم واحد عتق و استسعي الرجل» (4).

و هذا الحديث يشعر بما قلناه، حيث إنّه لم يعلم أنّ العبد أبوه، فلم يقصد الإضرار، بل دخل في ملكه بغير اختياره، و في إلحاقه بالإرث نظر.

مسألة 20: قال الشيخ في (المبسوط) و (الخلاف): إذا أعتق كافر مسلما،

ثبت

____________

(1) المهذّب 2: 363.

(2) السرائر 3: 20.

(3) بدل ما بين القوسين في «ب، ص»: قاله.

(4) التهذيب 8: 242/ 874، الاستبصار 4: 16/ 50.

62

له عليه الولاء، إلّا أنّه لا يرثه ما دام كافرا، فإذا أسلم ورثه.

و استدلّ: بقوله (عليه السلام): (الولاء لمن أعتق) (1) و لم يفصّل.

فأمّا قوله تعالى وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ (2) لا يدلّ على أنّ الكافر لا يكون وليّا إلّا من حيث دليل الخطاب، و ليس بصحيح عند الأكثر، على أنّ المراد به النصرة و الولاية، و ذلك لا يثبت هاهنا (3).

و قال ابن إدريس: هذا لا يتقدّر على ما قرّرناه من أنّ العتق لا يقع إلّا أن يقصد به وجه الله تعالى، و الكافر لا يعرف الله تعالى و لا يقع منه نيّة القربة (4).

و التحقيق أن يقال (5): إن كان الكفر باعتبار جهله بالله تعالى، و قلنا: إنّه لا بدّ في القاصد بفعله وجه الله تعالى من علمه به من غير اكتفاء بالتقليد، فالوجه:

ما قاله ابن إدريس.

و إن كان الكفر لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار جحد النبوّة أو بعض (6) أصول الإسلام، كالصلاة مثلا، أو اكتفينا في القصد بالتقليد، فالحقّ ما قاله الشيخ، فإنّ جاحد النبوّة قد يعرف الله تعالى، و كذا الجاهل بالله تعالى إذا قلّد العارف به صحّ أن يقصد بالفعل وجه الله تعالى.

و إن شرط في صحة العتق صحّة إيقاع النيّة المتقرّب بها إلى الله تعالى بحيث يستحقّ بها الثواب، منعنا ذلك، و طالبناه بالدليل.

مسألة 21: قال الشيخ في (المبسوط): إذا أعتق عبد نفسه عن الغير،

لم يخل إمّا أن يكون في حياته بإذن المعتق، فيقع عن الآذن، و الولاء له أيضا، سواء كان

____________

(1) الكافي 6: 197/ 1 و 198/ 4، الفقيه 3: 79/ 284، التهذيب 8: 249- 250/ 905 و 907، صحيح البخاري (3): 250، سنن ابن ماجه 1: 671/ 2076 و 2: 842- 843/ 2521، سنن الدار قطني 3: 23/ 78، المعجم الكبير- للطبراني- 11: 257/ 11666، و 258/ 11667.

(2) التوبة: 71.

(3) المبسوط 6: 70- 71، الخلاف، كتاب العتق، المسألة 12.

(4) السرائر 3: 20.

(5) في «ص»: نقول.

(6) في «ب، ص»: أحد، بدل بعض.

63

بعوض أو لا، و إن كان بغير إذنه، فالعتق عن المباشر دون المعتق عنه.

و قال بعضهم: عن المعتق عنه. و هو قويّ.

و الأول أقوى، لقوله (عليه السلام): (الولاء لمن أعتق) (1).

و إن كان بعد وفاته، فإن كان بإذنه، وقع عن الآذن، و إن كان بغير إذنه، فإن كان تطوّعا، وقع عن المعتق، و إن كان عن كفّارة، فعندنا يكون سائبة لا ولاء لأحد عليه، و عندهم يقع عن المعتق عنه (2).

و قال في (الخلاف): إذا أعتق عن غيره عبدا بإذنه، وقع العتق عن الآذن دون المعتق، سواء كان بعوض أو لا.

و إن كان بغير إذنه وقع عن المعتق دون المعتق عنه.

و استدلّ على الأول: بأنّ الآذن في الحقيقة هو المعتق، لأنّه لو لم يأمره بذلك لم يعتقه، فهو كما لو أمره ببيع شيء منه من نفسه أو شرائه له.

و على الثاني: بقوله (عليه السلام): (الولاء لمن أعتق) (3) و هو الذي باشر العتق (4).

و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول مذهبنا أنّ العتق لا يقع إلّا عن المالك للعبد دون الآذن الذي ليس بمالك، لأنّه لا خلاف في قوله (عليه السلام): (لا عتق قبل ملك، و لا طلاق قبل نكاح) (5) و الآذن لم يملك العبد، و إنّما هو على ملك المباشر للعتق إلى حين إعتاقه.

و إنّما هذا الذي ذكره شيخنا- (رحمه الله)- قول المخالفين، دون أن يكون ورد في أخبارنا، أو أجمع أصحابنا عليه، لأنّه لو أجمع عليه أصحابنا أو وردت عليه أخبارنا، لما قال في استدلاله: إنّ الآذن في الحقيقة هو المعتق، و لكان يقول:

____________

(1) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في المسألة 20.

(2) المبسوط 6: 71.

(3) سبقت الإشارة إلى مصادره في المسألة 20.

(4) الخلاف، كتاب العتق، المسألتان 16 و 17.

(5) الكافي 6: 179 (باب أنّه لا عتق إلّا بعد ملك) الحديث 1، الفقيه 3: 69/ 232، التهذيب 8: 217/ 773، الاستبصار 4: 5/ 14، سنن ابن ماجه 1: 660/ 2048، سنن البيهقي 7: 319، و في الجميع بتقديم و تأخير.

64

دليلنا إجماع الفرقة (1).

و ما اختاره الشيخ هو المعتمد.

لنا: أنّه وجد سبب التحريم، فيقع، و لم يقع عن المباشر، لأنّه إنّما أعتق عن الآذن إمّا تقرّبا إلى الله تعالى أو تحصيلا للثمن، و لو لا هذا ما أعتق و لا تقرّب إلى الله تعالى بالعتق، فلا يقع عنه، بل عن الآذن، لانحصار القول فيهما.

و لأنّه لم يقصد العتق عن نفسه و لا نواه، و إنّما نوى العتق عن الآمر، فيقع عنه، لقوله (عليه السلام): (الأعمال بالنيّات و إنّما لا مريء ما نوى) (2).

و ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن بريد بن معاوية العجلي عن الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات من قبل أن يعتق، فانطلق ابنه فابتاع رجلا من كسبه فأعتقه عن أبيه، و أنّ المعتق أصاب بعد ذلك مالا ثمَّ مات و تركه، لمن تكون تركته؟ قال: فقال: «إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في ظهار أو نسك (3) أو واجبة عليه فإنّ المعتق سائبة لا سبيل لأحد عليه».

قال: «و إن كان قد توالى قبل أن يموت إلى أحد من المسلمين يضمن جنايته و حدثه، كان مولاه و وارثه إن لم يكن له قريب يرثه».

قال: «و إن لم يكن توالى إلى أحد حتى مات، فإنّ ميراثه لإمام المسلمين إن لم يكن له قريب يرثه من المسلمين».

قال: «و إن كانت الرقبة التي على أبيه تطوّعا و قد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة، فإنّ ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميّت من الرجال».

قال: «و يكون الذي اشتراه فأعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه».

قال: «و إن كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه

____________

(1) السرائر 3: 21.

(2) صحيح البخاري 1: 2 و 9: 29، صحيح مسلم 3: 1515/ 1907، سنن أبي داود 2: 651/ 2201، سنن النسائي 1: 58- 59، سنن ابن ماجه 2: 1413/ 4227، سنن الدار قطني 1: 51/ 1، سنن البيهقي 7: 341، مسند أحمد 1: 25، و التهذيب- للطوسي- 4: 186/ 519 باختلاف يسير في الجميع.

(3) في المصدر: «أو شكر».

65

تطوّعا منه من غير أن يكون أمره أبوه بذلك، فإنّ ولاءه و ميراثه للّذي اشتراه من ماله و أعتقه عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته» (1).

فجعله (عليه السلام) ولاءه لجميع أولاد الآمر دليل على انتقاله إليه بالأمر و الإعتاق.

مسألة 22: قال الشيخ في (النهاية): يستحب أن لا يعتق الإنسان إلّا من أغنى نفسه

و يقدر على اكتساب ما يحتاج إليه، و متى أعتق صبيّا أو من يعجز عن النهوض بما يحتاج إليه فالأفضل أن يجعل له شيئا يعينه به على [معيشته]، و ليس ذلك بفرض (2). و به قال ابن البرّاج و ابن إدريس (3)، و هو المشهور بين علمائنا.

و قال ابن الجنيد: و من أعتق طفلا و من لا قدرة له على التكسّب كان عليه أن يعوله حتى يكبر و يستغني.

و قال الصدوق: و من أعتق مملوكا لا حيلة له فإنّ عليه أن يعوله حتى يستغني (4).

و المعتمد: الأول، لأصالة البراءة.

مسألة 23: قال ابن الجنيد: لو كان العتق في المرض، ثمَّ تغيّرت حالهم بزيادة أو نقصان، كان التقويم يوم يقع العتق

في الحكم، و إن كنّ مدبّرات أو بوصية كان يوم يموت، لأنّ في ذلك وقع العتق، و لو كنّ حبالى، قوّمن حبالى و أيّتهن عتقت تبعها ولدها، لأنّه جزء منها وقت وقوع العتق.

و الوجه: التسوية بين العتق المنجّز و المؤخّر- كالتدبير و الوصية- في أنّ الاعتبار بالقيمة إنّما هو وقت الوفاة إن نقصت قيمة المنجّز، لأنّه لو بقي عبدا

____________

(1) التهذيب 8: 254- 255/ 925، الاستبصار 4: 23- 24/ 76.

(2) النهاية: 541.

(3) المهذّب 2: 358، السرائر 3: 9.

(4) المقنع: 160.

66

لم يتحفّظ على الورثة سوى قيمته الناقصة، فلم يتلف عليهم أكثر منها.

و أمّا إن زادت القيمة، كانت بمنزلة التكسّب، للعلم بعتق شيء منه وقت الإعتاق، فإذا زادت قيمة المعتق، لم تحتسب من التركة و لا عليه، و أمّا الرقّ فتحسب زيادته منها.

فإن خلّف ضعف قيمته الاولى من غيره، عتق كلّه، و إن خلّف أقلّ أو لم يخلّف شيئا، دخلها الدور، فلو كانت قيمته مائة وقت العتق، ثمَّ مات و لا شيء له سواه بعد أن بلغت قيمته ثلاثمائة، فنقول: عتق منه شيء و له من زيادة القيمة شيئان، و للورثة شيئان منه ضعف ما عتق، فيصير العبد في تقدير خمسة أشياء:

ثلاثة له، و اثنان للورثة، فيعتق منه مائة و ثمانون، و للورثة مائة و عشرون.

و لو صارت قيمته مائتين، و خلّف السيد مائة غيره، فنقول: عتق منه شيء، و له من نفسه باعتبار زيادة القيمة شيء آخر و للمولى منه و من المائة شيئان بإزاء ما عتق، فالمجموع في تقدير أربعة أشياء: شيئان للعبد من نفسه، و شيئان للورثة، فالشيء خمسة و سبعون، فيعتق منه ثلاثة أرباعه، و تسلم المائة و الربع الآخر للورثة.

و لو بلغت قيمته ثلاثمائة، و خلّف مائة، عتق منه شيء، و تبعه من نفسه باعتبار زيادة القيمة شيئان، و للورثة من نفسه و باقي التركة شيئان بإزاء ما انعتق، فالمجموع في تقدير خمسة أشياء: ثلاثة له من نفسه، و هي أربعة أخماس نفسه، و للورثة اثنان من نفسه و باقي التركة، فيعتق منه أربعة أخماسه، و هي مائتان و أربعون، و يسترقّ الورثة خمسه: ستّون، و لهم مائة، فيكمل لهم مائة و ستّون ضعف ما انعتق منه.

و لو أعتق و قيمته مائة ثمَّ مات و هي ألف، عتق منه شيء، و تبعه تسعة أشياء، و للورثة شيئان بإزاء ما عتق، فالعبد في تقدير اثني عشر شيئا، للورثة سدسه، فيعتق خمسة أسداسه.

و على هذا المنهاج لو زادت قيمته قبل الموت ثمَّ نقصت بعده، فإن كان بعد حصوله في يد الورثة فكما لو لم تنقص، و إن كان قبله فكما لو لم تزد.

67

مسألة 24: قال ابن الجنيد: و لو مات المعتق بعضه قبل أن يستتمّ عتقه

بعتق الشريك أو السعاية، أو ضمان العتق، و كان له مال أدّي ما بقي عليه من السعاية، و كان باقي ماله لورثته، و إن لم يكن له ورثة أحرار، ورث المعتق بحقّ الولاء بقدر حصّته التي أعتقها إن لم يكن عتقه سائبة، و ورث الشريك بقدر حصّته التي بقيت رقّا فيه.

و لو كان مقدار ذلك من ميراثه أكثر من مقدار حقّه من قيمته، فحكم الحاكم للّذي لم يعتق حقّه بقدر قيمة حقّه، و ردّ الباقي على المعتق بحقّ الولاء، كان وجها.

و الوجه على تقدير القول بعتقه بالأداء: إذا مات العبد قبله و له مال، كان نصيب الحرّية لورثة العبد إن كان له ورثة، و إلّا فلمعتقه المتبرّع به، و أمّا نصيب الرقيّة فإنّه للشريك حيث مات على ملكه و لا يؤدّى شيء من المال، لإعتاقه كلّه.

و الوجه الذي قدّره على تقدير حكم الحاكم: فليس بجيّد.

و هذا إنّما يتأتّى لو قلنا: إنّه ينعتق بالإعتاق و إنّ العبد يضمن.

و كلام ابن الجنيد بعد ذلك يقتضيه حيث قال: و لو مات السيّد عند عتق حقّه من العبد، لم يك للشريك غير استسعاء العبد، و لو أراد إلزام الورثة قيمة حقّه، لم يكن له، لأنّ الجناية على حقّه لم تكن من جهتهم إن لم يكن للمعتق مال، فإن كان له مال يحيط ثلثه بقدر ما بقي من حقّ الشريك في العبد، فشاء الشريك أن يأخذ قيمة حقّه من ثلث الميّت، كان ذلك له.

مسألة 25: قال ابن الجنيد: و لو شهد بعض الورثة على الميّت بعتقه عبدا له أو أمة- و كان الشاهد مرضيّا- لم يضمن حصّة شركائه،

و جازت شهادته، و استسعي العبد فيما بقي للورثة إن لم يصدّقوا الشاهد، فإن شهد معه عدل بذلك على الميّت، عتق من الثلث، و كان ولاؤه له، و إن لم يكن الشاهد مرضيّا، لم يلزم

68

الشركاء استسعاء العبد في حقوقهم، و بقي على أصل العبودية، و منعنا الشاهد من تملّك العبد.

و الشيخ- (رحمه الله)- قال في (النهاية): إذا شهد بعض الورثة أنّه أعتقه، فإن كان مرضيّا جائز الشهادة و كانا اثنين، أعتق المملوك، و إن لم يكن مرضيّا، مضى العتق في حصّته، و استسعي العبد في الباقي (1).

و الوجه: أن نقول إنّ الإقرار يمضى في حقّ المقرّ، سواء كان مرضيّا أو لا، و لا تجب السعاية، و بالجملة فلا فرق بين المرضيّ و غيره.

و الرواية التي وردت هنا رواها محمد بن مسلم- في الصحيح- عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل ترك مملوكا بين نفر، فشهد أحدهم أنّ الميّت أعتقه، قال: «إن كان الشاهد مرضيّا، لم يضمن، و جازت شهادته، و استسعي العبد فيما كان للورثة» (2).

و بهذه الرواية أفتى الصدوق في (المقنع) (3).

و يمكن أن يقال: إنّ عدالته تنفي التهمة في تطرّق الكذب عليه، فيمضي الإقرار في حقّه خاصّة، و أمّا في حقّ الشركاء فيستسعى العبد، كمن أعتق حصّته من عبد و لم يقصد الإضرار مع إعساره.

و أمّا إذا لم يكن الشاهد مرضيّا، فإنّه لا يلتفت إلى قوله إلّا في حقّه خاصّة، فلا يستسعى العبد، بل تبقى حصص الشركاء فيه على العبودية، و يحكم في حصّته بالحرّية، و هذا عندي محمول على الاستحباب، عملا بالرواية.

مسألة 26: من كان له وارث مملوك اشتري من تركة الميّت و أعتق

و اعطي بقيّة المال، فإن لم تكن التركة وافية بقيمته كملا، لم يجب شراؤه عند الشيخ (4)،

____________

(1) النهاية: 545.

(2) التهذيب 8: 234- 235/ 844.

(3) المقنع: 156.

(4) النهاية: 668.

69

و جماعة من علمائنا (1).

و قال ابن أبي عقيل: يشترى بحساب ذلك، و صاحبه فيه بالخيار إن شاء استسعاه فيما بقي من قيمته، و إن شاء يخدمه بحساب ما بقي منه.

و سيأتي البحث في ذلك في باب المواريث إن شاء اللّه تعالى.

مسألة 27: قال الصدوق في (المقنع): فإن قال رجل لغلامه: أعتقتك على أن أزوّجك جاريتي، فإن نكحت عليها أو تسرّيت، فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك، فنكح أو تسرّى، فعليه ذلك الشرط (2).

و عليه دلّت الرواية- الصحيحة- عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): في الرجل يقول لعبده: أعتقتك على أن أزوّجك ابنتي، فإن تزوّجت عليها أو تسرّيت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فتسرّى أو تزوّج، قال:

«عليه مائة دينار» (3).

و الرواية و إن كانت صحيحة لكن في العمل بها نظر.

مسألة 28: قال الشيخ في (الخلاف): العتق لا يقع إلّا بقوله: أنت حرّ، مع القصد إلى ذلك و النيّة،

و لا يقع بشيء من الكنايات، مثل: أنت سائبة، و لا سبيل لي عليك (4).

و قال أبو الصلاح: العتق يفتقر إلى لفظ مخصوص و قصد، ثمَّ قال: فاللفظ به قوله: أنت حرّ لوجه الله تعالى (5).

و هو يعطي الحصر في هذه اللفظة، مع أنّه قال: يجوز أن يجعل عتقها

____________

(1) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 695، و سلّار في المراسم: 219، و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 2: 155، و ابن حمزة في الوسيلة: 396.

(2) المقنع: 156.

(3) التهذيب 8: 222/ 796.

(4) الخلاف، كتاب العتق، المسألة 14.

(5) الكافي في الفقه: 317.

70

صداقها، و صفته أن يقول سيّدها: قد أعتقتك و تزوّجتك و جعلت عتقك صداقك (1).

و قال ابن البرّاج: صحة العتق يفتقر إلى شروط: و هي أن يكون المعتق كامل العقل، و يتلفّظ فيه بالحرّية، فيقول: أنت حرّ، فإن لم يتلفّظ باللفظ الذي قدّمناه، لم يقع عتقه، و كان عتقه باطلا (2).

و الوجه: أنّه ينعتق بلفظ التحرير و الإعتاق أيضا، لأنّه حقيقة فيه، و هو اللفظ الموضوع للعتق.

مسألة 29: لو اختلف المعتق و الشريك في قيمة العبد،

قال ابن الجنيد: كان على المدّعي زيادة البيّنة، فإن لم تكن له، كان القول قول المعتق مع يمينه.

و قال الشيخ في (المبسوط): إن كان العبد حاضرا عقيب العتق، فلا نزاع، لأنّ قيمته تعرف في الحال، و إن غاب أو مات أو مضت مدّة بين العتق و الاختلاف تتغيّر قيمته فيها، فقال قوم: القول قول المعتق، و قال آخرون: القول قول الشريك، فمن قال: يعتق باللفظ، قال: القول قول المعتق، لأنّه غارم، و من قال: بشرطين أو مراعى، قال: القول قول الشريك، لأنّ ملكه ينتزع عنه بعوض، كالشفعة إذا اختلفا في قدر الثمن، كان القول قول المشتري، لأنّ الشفيع ينتزع الملك منه بعوض (3).

و يلزم من هذا أن يكون مذهب (4) الشيخ تقديم قول الشريك مع يمينه، لأنّه يذهب إلى أنّ العتق مراعى (5).

مسألة 30: قال الشيخ في (المبسوط): إذا أوصى بعتق عبد يخرج من الثلث

ثمَّ

____________

(1) الكافي في الفقه: 317.

(2) المهذّب 2: 357.

(3) المبسوط 6: 56- 57.

(4) في «ب، ص»: قول، بدل مذهب.

(5) المبسوط 6: 52.

71

مات، كان على الوارث أن يعتقه، فإن فعل، و إلّا أعتقه السلطان، لأنّه حقّ الله تعالى تعلّق بماله، فإذا أعتقه السلطان أو الوارث، كان حرّا حين الإعتاق لا حين الوفاة، فإن كان له كسب، فكلّ ما اكتسبه قبل وفاة الموصي فهو للموصي في حياته، و لورثته بعد وفاته، و كلّ ما اكتسبه بعد الوفاة و بعد العتق فهو له، لأنّه حرّ اكتسب مالا، و كلّ ما اكتسبه بعد الوفاة و قبل العتق فهو له أيضا، لأنّه مال اكتسبه بعد استقرار سبب العتق بالوفاة، فكان أحقّ به، فإذا ثبت أنّه يرجع إليه فإنّما يملكه بعد العتق، لأنّه قبله رقيق لا يملك، و إنّما كان أحقّ به (1).

و ليس بجيّد، لأنّ سبب العتق إن كان تامّا جامعا لشرائطه، وجب أن يثبت معلوله، و هو لم يقل به حيث حكم برقّه و أنّه إنّما يتحرّر بالإعتاق، و إن لم يكن تامّا، لم يثبت معلوله، و الأحكام معلولة، فكان الكسب لمالك الرقبة، لوجود السبب التام فيه، و هو: الملك، و هذا بخلاف المكاتب، لأنّه عاوض على منافعه كما عاوض على نفسه، فكان كسبه تابعا له.

مسألة 31: قال الشيخ في (المبسوط): قيمة من أعتقه في مرضه تعتبر حين الإعتاق،

لأنّه وقت إتلافه، و قيمة من أوصى بعتقه تعتبر حين الوفاة، لأنّه وقت استحقاق العتق (2).

و هذا يوافق قول ابن الجنيد الذي نقلناه أوّلا، و بيّنّا الوجه في ذلك.

و الأصل في هذه المسألة أن نقول: إنّ العبد إذا أعتقه مولاه المريض و لا شيء له سواه ثمَّ مات قبله هل يكون حرّا كلّه، أو رقّا كلّه، أو يعتق ثلثه؟ يحتمل الأوجه الثلاثة.

فإن قلنا: إنّه يتحرّر كلّه، فالوجه: ما قدّمناه أوّلا حين نقلنا كلام ابن الجنيد في هذه المسألة.

و إن قلنا بالثاني، جاء ما قاله الشيخ و ابن الجنيد.

____________

(1) المبسوط 6: 62- 63.

(2) المبسوط 6: 64.

72

و طريق استخراج معرفة القدر المعتق منه على قولهما: أنّا نفرض قيمته مائة مثلا حال الإعتاق ثمَّ رجع إلى خمسين، فنقول: عتق منه شيء و رجع إلى نصف شيء، فبقي خمسون ناقصة نصف شيء تعدل ضعف ما عتق، و ذلك شيئان، فإذا جبرت و قابلت، صارت خمسين كاملة تعدل شيئين و نصفا، فالشيء عشرون، و لمّا حكمنا برجوع الشيء إلى نصف شيء تبيّنّا أنّ المعتق منه خمسه، لأنّ نصف شيء هو خمس شيئين و نصف، و كانت قيمة النصف- و هو خمس العبد- عشرين يوم الإعتاق، و عاد إلى عشرة، و بقي للورثة أربعة أخماسه، و قيمته يوم الموت أربعون، و هو ضعف ما عتق.

فإن خلّف الميّت مائة أخرى، فعلى ما اخترناه ينعتق بأجمعه، لأنّه الآن ثلث التركة.

و على قولهما نقول: عتق منه شيء، و رجع إلى نصف شيء، بقي منه خمسون إلّا نصف شيء، و يكون للورثة المائة و خمسون إلّا نصف شيء تعدل شيئين، فبعد الجبر و المقابلة يكون مائة و خمسين تعدل شيئين و نصفا، فالشيء ستّون، فيعتق منه ثلاثة أخماسه هي الآن ثلاثون، و للورثة مائة و عشرون، ضعف ما عتق منه أوّلا.

و لو أعتق ثلاثة أعبد قيمة كلّ واحد مائة، فعادت قيمة أحدهم إلى خمسين، فإن خرجت القرعة للذي انتقص قيمته، عتق، و يعتق ثلث الآخر بالقرعة أيضا عندنا.

و على ما اختاراه (رحمهما الله) لا يعتق من الآخرين شيء، لأنّه قد كانت قيمته يوم الإعتاق مائة، و ينبغي أن يبقى للورثة ضعفها.

و إن خرجت لأحد الآخرين فعلى قولهما و قولنا ينعتق منه خمسة أسداسه، و قيمتها ثلاثة و ثمانون و ثلث، يبقى للورثة سدسه و الآخران، و جملة قيمتهما مائة و ستّة و ستّون و ثلثان، و هي ضعف ما عتق، لأنّ المحسوب على الورثة الباقي بعد النقصان و هو مائتان و خمسون.

و لو أعتق عبدين لا مال له سواهما قيمة كلّ واحد مائة ثمَّ عادت قيمة أحدهما

73

إلى خمسين، فإن خرجت القرعة للّذي لم تنتقص قيمته، عتق نصفه، و بقي للورثة نصفه و الآخر، و هما ضعف ما عتق عندنا و عندهما، و إن خرجت للّذي انتقص، عتق كلّه على ما اخترناه.

و على قولهما يقع الدور، لأنّا نحتاج إلى إعتاق بعضه معتبرا بيوم الإعتاق و إلى إبقاء بعضه للورثة معتبرا بيوم الموت.

و طريقه أن نقول: عتق منه شيء و عاد إلى نصفه، فبقي للورثة مائة و خمسون إلّا نصف شيء تعدل ضعف ما عتق، و هو شيئان، فإذا جبرت و قابلت، صار مائة و خمسين تعدل شيئين و نصفا، فالشيء خمساه ستّون، فعرف أنّ المعتق من العبد يوم الإعتاق ستّون، و عاد هذا المبلغ إلى ثلاثين يبقى للورثة خمسا هذا العبد و هو عشرون، و العبد الآخر و هو مائة، و ذلك ضعف ما عتق أوّلا.

و إنّما طوّلنا في مثل هذه المسائل في هذا الكتاب و كثّرنا الأمثلة، لخلوّ كتب علمائنا عنها، و بكثرة الشواهد يحصل التمهير فيما يرد على الفقيه في هذا الباب.

مسألة 32: قال الشيخ في (النهاية): و إذا أوصى بعتق مملوك و بشيء آخر لقراباته و لم يبلغ الثلث ذلك، بدئ بعتق المملوك،

و ما فضل بعد ذلك كان لمن وصّى له به (1).

و قال في (المبسوط): و إن كانت العطايا مؤخّرة، فإن لم يكن فيها عتق، قالوا- يعني المخالفين-: الكلّ بالسويّة، و إن كان فيها عتق، قال بعضهم: قدّم العتق على غيره، و هكذا رواه أصحابنا (2).

و قال في باب الوصيّة بالكتابة: لو أوصى بوصايا في جملتها عتق، فهل يسوّى بين الكلّ أو يقدّم العتق؟ فعندنا العتق يقدّم، و قال بعضهم: يسوّى.

فأمّا إذا أوصى بالكتابة و غيرها فعندنا أنّها تقدّم، و قال بعضهم: يسوّى، لأنّ

____________

(1) النهاية: 615.

(2) المبسوط 6: 66- 67.

74

الكتابة معاوضة، فجرت مجرى المعاوضات (1).

و الوجه عندي: تقديم الأول فالأول، و قد تقدّم البحث في ذلك في الوصايا (2).

مسألة 33: قال الشيخ في (المبسوط): إذا ملك بعض من ينعتق عليه باختياره- كالهبة و الوصية- قوّم عليه.

ثمَّ قال: و لو أوصى للصبي أو المجنون ببعض من ينعتق عليه، يبنى على قولين: هل يقوّم عليه نصيب شريكه أم لا؟ فإن قلنا: يقوّم، لم يقبله، و إن قلنا:

لا يقوّم، فعليه قبوله، لأنّه لا ضرر عليه، و هو أقوى عندي (3).

و بين الكلامين منافاة.

____________

(1) المبسوط 6: 152.

(2) تقدّم في ج 6 ص 326، كتاب الهبات و توابعها، المسألة 105.

(3) المبسوط 6: 68- 69.

75

الفصل الثاني: في الولاء

مسألة 34: لو مات المعتق، قال الشيخ في (النهاية): لا يخلو إمّا أن يكون المعتق رجلا أو امرأة،

فإن كان رجلا، ورث ولاء مواليه أولاده الذكور منهم دون الإناث، فإن لم يكن له ولد ذكور و كانت له بنات، كان ولاء مواليه لعصبته دون غيرهم، لأنّهم الذين يضمنون جريرته، و إن كان امرأة و لها موال و لها ولد ذكور و إناث و لها عصبة، فإذا ماتت، كان ولاء مواليها لعصبتها دون أولادها (1).

و قال في (المبسوط): الولاء لحمة كلحمة النسب يثبت به الميراث، إلّا أنّه لا يرث المولى مع وجود واحد من ذوي الأنساب، سواء كان ذا فرض أولا، و سواء كان قريبا أو بعيدا، من أب كان أو من أمّ و على كلّ حال، و إذا لم يكن له أحد، كان ميراثه لمولاه الذي أعتقه، أو من يتقرّب من جهته من الولد و الوالدين، أو إخوته من قبل أبيه و أمّه أو من قبل أبيه (2) و في أصحابنا من قال: أو الأخوات من جهتهما، أو من يتقرّب بأبيه من الجدّ و العمومة و أولادهم، و لا يرث أحد ممّن يتقرّب من جهة أمّه من الإخوة و الأخوات و من يتقرّب بهما، و لا الجدّ و لا الجدّة

____________

(1) النهاية: 547- 548.

(2) في «ب، ص» و الطبعة الحجرية: أمّه. و ما أثبتناه من المصدر.

76

من قبلها (1)، و لا من يتقرّب بهما، فإن لم يكن أحد ممّن ذكرناه، كان ميراثه للإمام.

و المرأة إذا أعتقت، فالولاء لها، و ترث بالولاء بلا خلاف، و لا ترث المرأة بالولاء إلّا في موضعين: أحدهما: إذا باشرت العتق، فيكون مولى لها، أو يكون مولى لمولى لها.

و إذا خلّف المولى إخوة و أخوات من الأب و الام، أو من الأب أو أخا و أختا، كان ميراث مولاه بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين، و قال المخالف: للذكور دون الإناث. و في أصحابنا من قال بذلك (2).

و قال في (الخلاف): الولاء يجري مجرى النسب، و يرثه من يرث من ذوي الأنساب على حدّ واحد إلّا الإخوة و الأخوات من الأم، أو من يتقرّب بها من الجدّ و الجدّة و الخال و الخالة و أولادهما.

و في أصحابنا من قال: إنّه لا ترث النساء من الولاء شيئا، و إنّما يرثه الذكور من الأولاد و العصبة.

و إذا كان المعتق امرأة، فولاء مولاها لعصبتها دون ولدها، سواء كانوا ذكورا أو إناثا. و استدلّ: بإجماع الفرقة و أخبارهم (3).

و قال شيخنا المفيد: و إن مات المعتق قبل المعتق، ثمَّ مات المعتق بعده و لم يترك ولدا و لا ذا قرابة، كان ميراثه و ولاؤه لولد مولاه الذي أعتقه إن كانوا ذكورا، فإن لم يكن له ولد ذكور، كان لعصبة مولاه دون الإناث من الولد.

و إذا أعتقت المرأة العبد ثمَّ مات و خلّف مالا و لم يترك ولدا و لا ذا قرابة، فماله لسيّدته التي أعتقته، فإن ماتت قبله و خلّفت ولدا ذكرا، كان ميراثه له، فإن لم يكن لها ولد ذكر، فميراثه لعصبة سيّدته على ما بيّنّاه (4).

____________

(1) في «ب، ص» و الطبعة الحجرية: قبلهما. و ما أثبتناه من المصدر.

(2) المبسوط 4: 93 و 95.

(3) الخلاف 4: 79- 81، المسألتان 84 و 86.

(4) المقنعة: 694.