مصباح الفقاهة - ج4

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
416 /
3

[تتمة كتاب البيع]

[تتمة الكلام في شروط المتعاقدين]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

قوله مسألة: و من شروط المتعاقدين ان يكونا مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع

فعقد الفضولي (1) لا يصح اى لا يترتب

____________

(1) الفضولي لغة هو الاشتغال بما لا يعنى قال في المصباح:

و فضل فضلا من باب قتل زاد و خذ الفضل أي الزيادة و الجمع فضول مثل فلس و فلوس و قد استعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه و لهذا نسب اليه على لفظه فقيل فضولي لمن يشتغل بما لا يعنيه لانّه جعل علما على نوع من الكلام فنزل منزلة المفرد و سمى بالواحد و في أقرب الموارد: الفضول جمع الفضل كما مر و الفضول العمل الفضولي و هو مفرد هنا يقال ان ذلك فضول منه اى اشتغال بما لا يعنيه.

أقول: لو لا تنزيل الجمع منزل المفرد لكان القياس ان يقال في مقام النسبة فضلي لا فضولي.

اما في الاصطلاح فعن الشهيد: هو الكامل الغير المالك للتصرف و لو كان غاصبا، و في شرح فتح القدير الفضول: جمع فضل غلب في الاشتغال بما لا يعنيه و ما لا ولاية له فيه و كيف كان الفضولي صفة للعاقد و ما هو صفة للعقد انما هو الفضول فجعل الفضولي صفة للعقد مجاز و من قبيل توصيف الشيء بحال متعلقة.

4

عليه ما يترتب على عقد غيره من اللزوم.

أقول

قبل التعرض لحكم العقود الفضولية يحسن بنا ان نتعرض لأمرين

الأول: إذا قلنا بصحة العقود الفضولية فهل يمكن ان يحكم بصحة الإيقاعات الفضوليّة أم لا؟

إذا قلنا بان الالتزام بصحة العقود الفضولية انما هو على خلاف القاعدة أعني بها أصالة الفساد، و ان الإطلاقات و العمومات لا تشملها حكمنا بفساد العقود و الإيقاعات- الفضولية إلا ما خرج بالدليل قيل: ان مقتضى القاعدة و ان كان هو الحكم بصحة العقود و الإيقاعات، و لكن قام الإجماع على عدم جريان الفضولية في الطلاق و العتاق بل في مطلق الإيقاعات.

و إذا قلنا بأن صحة العقود الفضولية موافقة لمقتضى القاعدة حكمنا بصحة الإيقاعات الفضولية أيضا إلا ما خرج بالدليل لان العمومات و المطلقات كما تشمل العقود الفضولية كذلك تشمل الإيقاعات الفضولية أيضا و عليه فما ورد بالخصوص في صحة العقود الفضولية يكون مؤيد لتلك العمومات و المطلقات.

و يرد عليه: أنا لو سلمنا وجود الإجماع هنا، و لكن لا نسلم كونه إجماعا تعبديا إذ من المحتمل ان القائلين ببطلان الطلاق الفضولي قد استندوا في ذلك الى ان بطلان طلاق المكره يقتضي بطلان طلاق الفضولي بالأولوية أو الى الروايات الدالة على ان الطلاق لا ينفذ إلا إذا صدر من الزوج أو ممن هو مأذون من قبله أو من قبل الشارع، و ان القائلين ببطلان العتاق الفضولي قد استندوا في ذلك الى الروايات الدالة على انه لا عتق إلا في ملك و ان القائلين ببطلان مطلق الإيقاعات الفضولية قد استندوا في ذلك الى

5

عدم قابلية الإيقاع للتعليق واقعا، أو الى غير ذلك عن الوجوه الاعتبارية، و اذن فيرجع البحث الى تلك الوجوه. فلا يكون هذا إجماع تعبدي أما الوجوه المزبورة فهي أيضا ليست بتامة فلا تدل على بطلان الإيقاعات الفضولية اما بطلان طلاق المكره كبطلان بيعه فإنما هو في حد ذاته مع قطع النظر عن لحوق الإجازة، و يدل على عدم تحقق الإجماع المزبور انه ذهب غير واحد من الأصحاب إلى صحة عتق الراهن العبد المرهون متوقعا للفك أو الإجازة، و ذهب بعضهم إلى صحة عتق المرتهن عن الراهن مع أجازته ذلك و اما الروايات الواردة في المنع عن نفوذ الطلاق الصادر من غير الزوج، فالمراد منها هو ان الإنسان ليس له ان يطلق زوجة غيره مستقلا و بغير اذنه و أجازته و هذا لا ينافي نفوذ الطلاق الصادر من غير الزوج مع الإجازة من الزوج بحيث يستند الطلاق اليه لا الى مجرى الصيغة، و من هنا ظهر الجواب عن الاستدلال ببطلان العتاق الفضولي بالروايات المانعة عن العتق الصادر من غير المالك و يضاف الى ذلك ان أمثال هذه الروايات واردة في البيع أيضا كقوله (عليه السلام) لا بيع إلا في ملك فلو التزمنا بظاهرها فلا بد من الالتزام- ببطلان البيع الفضولي أيضا.

و اما دعوى ان التعليق في الإيقاعات أمر مستحيل دعوى جزافية ضرورة أن المعاني الإيقاعات كالمعاني العقدية في قبولها للتعليق و على الجملة انه لا دليل على بطلان الإيقاعات الفضولية و إذا قلنا بكون الوصية من الإيقاعات كانت الوصية بما زاد على الثلث من الإيقاعات الفضولية و لا إشكال في صحتها مع اجازة الورثة و على

6

الجملة فلا نعقل وجها صحيحا لدعوى الإجماع التعبدي على بطلان الإيقاعات الفضولية مطلقا أو في الجملة.

الأمر الثاني: انه هل يخرج العقد من عنوان الفضولي بمجرد رضاء المالك باطنا من دون امارة عليه أم لا؟

ذهب المصنف إلى الأول و حكم بعدم توقفه على الإجازة اللاحقة

سواء علم العاقد بالرضاء الباطني حين العقد أم لم يعلم به حين ذلك و سواء انكشف له بعد العقد بأن المالك كان راضيا بالعقد حين وقوعه أم لم ينكشف له ذلك أصلا.

و استدل على رايه هذا بوجوه:

الأول: ان هذه المعاملة مشمولة لآيتى وجوب الوفاء بالعقد و التجارة عن تراض،

و لكن لا دلالة في الآيتين على ذلك اما آية وجوب الوفاء بالعقد، فلان مفادها هو ان كل مكلف يجب عليه الوفاء بعقد نفسه، و من الظاهر أن مجرد اقتران العقد برضاء المالك لا يخرج العقد الصادر من الأجنبي عن الفضولية و لا يجعله عقدا للمالك، بل العقد انما يصير عقدا للمالك، و يستند اليه اما بمباشرة نفسه أو بنيابة الغير عنه بالإذن، أو بالإجازة اللاحقة- كما في الفضولي- و شيء من ذلك لم يتحقق في المقام، و اذن فلا يكون العقد الصادر من الفضولي مع اقترانه برضاء المالك عقدا للمالك، و من هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بآية التجارة عن تراض، إذ لا تتحقق التجارة عن تراض بمجرد الرضاء الباطني بالبيع الواقع على ماله فضولا و لا يقال للمالك انه اتجر بماله.

و قد ظهر لك مما بيناه، انه لا يمكن الاستدلال على ذلك بقوله

7

تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ فان مفاده أحل اللّه بيوعكم و عليه فالممضى انما هو البيع المنسوب الى المالك لا مطلق البيع و ان لم ينسب اليه

الوجه الثاني: ما دل على حرمة مال امرء مسلم الا بطيبة نفسه،

و من الواضح ان المالك في الصورة المفروضة راض بالتصرف في ماله، فيكون خارجا عن الفضولية و الا لم يجز التصرف فيه.

و فيه: ان المراد من حلية البيع ان كانت هي الحلية التكليفية كحرمة الأكل و الشرب، فالروايات المزبورة خارجة عن محل الكلام لان البحث، انما هو في نفوذ البيع الفضولي مع الرضاء الباطني من المالك، و ان كان المراد هو الأعم من الحلية الوضعية و التكليفية فهو و ان كان لا بأس به، و لكن لا دلالة فيها على ان المعتبر في حلية المال انما هو خصوص رضاء المالك و طيب نفسه بل الظاهر منها هو ان الرضاء معتبر في حلية المال، و هذا لا ينافي اعتبار شيء آخر فيها كإظهار الرضاء بمبرز خارجي من الاذن، أو الإجازة و السر في ذلك هو ان أمثال هذه الجمل و المركبات كقوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور أو بفاتحة الكتاب و لا عمل إلا بنية لا تدل على الحصر، و أن الصلاة مثلا لا تتحقق الا بالطهور أو بفاتحة الكتاب و ان العمل لا يتحقق إلا بنية، فإنه لا يستفاد منها الا اعتبار كون الفعل مقرونا بالنيّة أو الطهور أو بفاتحة الكتاب لا ان الفعل لا يوجد إلا بالأمور المذكورة، و كذلك الأمر فيما نحن فيه بل المستفاد منها انّما هو اعتبار المستثنى في المستثنى منه سواء اعتبر فيه شيء آخر أم لا.

[الوجه الثالث ما دل على ان علم المولى بنكاح العبد و سكوته إقرار منه بذلك]

الوجه الثالث: ما دل على ان علم المولى بنكاح العبد

8

و سكوته إقرار منه بذلك فان الظاهر من هذه الطائفة [1] هو كفاية الرضاء الباطني في خروج العقد عن الفضولية.

و يرد عليه أولا: ان سكوت السيد عن نكاح عبده مع اطلاعه عليه كاشف عرفي عن الرضاء بالعقد، و مورد بحثنا ما إذا لم يكن هنا كاشف عرفي عن ذلك.

و ثانيا: أن مجرّد رضاء المولى باطنا بنكاح عبده يكفي في صحته، لما سيأتي من التفضيل بين كون الإجازة لتحقيق استناد العقد الى من يملك التصرف ليكون العقد عقدا له، و بين

____________

[1] عن معاوية ابن وهب قال: جاء رجل الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقال انى كنت مملوكا لقوم و انى تزوجت امرأة حرة بغير إذن مولاي ثم أعتقوني بعد ذلك فأجدد نكاح إياها حين اعتقت فقال له أ كانوا علموا انك تزوجت امرأة و أنت مملوك لهم فقال: نعم و سكتوا عنى و لم يغيروا علىّ فقال سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم اثبت على نكاحك الأول و نحوه خبره الآخر عنه (عليه السلام) في حديث المكاتب و كذا خبر الحسن بن زياد الطائي الوافي ج 12 ص 88 و عن عروة بن أبى الجعد البارقي قال عرض للنبي (ص) جلب فأعطاني دينارا و قال اى عروة أنت الجلب فاشتر لنا شاة قال فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو قال أقودهما، فلقيني رجل فساومني، فأبيعه شاة بدينار فجئت بالدينار فقلت يا رسول اللّه هذا ديناركم و هذه شاتكم قال كيف صنعت قال فحدثته الحديث فقال اللهم بارك له في صفقة يمينه فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فاربح أربعين ألفا قبل أصل إلى أهلي و كان يشترى الجواري و يبيع مسند احمد ج 4 ص 376- المطبوع بمصر و بهامشه منتخب كنزل العمال و هناك خبران آخران سيأتي إنشاء اللّه.

9

كونها بمجرد تعلق حق الغير، حيث نلتزم بكفاية الرضاء الباطني في الثاني دون الأول، و من الظاهر ان نكاح العبد من قبيل الثاني، حيث ان عقد النكاح مستند الى العبد جزما و انما الاحتياج إلى- اجازة المولى من جهة ان فعل العبد متعلق حقه فقط.

الوجه الرابع: رواية عروة، فإنها ظاهرة في جواز الاكتفاء في صحة العقد بالرضاء الباطني و ان لم يقترن بالكاشف.

و يتوجه عليه أولا: ان الرواية غير مذكور في أصول الشيعة مسندا و انما هي مذكورة في كتب العامة بسند ضعيف فلا يمكن الاستناد إليها في شيء في الأحكام الشرعية.

و ثانيا: انه يمكن ان البارقي كان وكيلا مفوضا عن النبي (ص) في أمر شراء الشاة و بيعها و اذن فتكون الرواية بعيدة عن محل بحثنا.

و ثالثا: أن إقباض عروة المبيع، و قبضه للثمن مع تقرير النبي (ص) ذلك لا يدل الا على رضاه (ص) بهما فقط لا على رضاه (ص) بأصل البيع أيضا ضرورة انّه لا ملازمة بين جواز القبض و الإقباض و بين صحة البيع إذ قد يكون البيع صحيحا و لا يجوز القبض و الإقباض كبيع الوكيل الذي هو وكيل في أصل المعاملة فقط، و قد يجوز القبض و الإقباض مع فساد المعاملة كما إذا كان أحد مأذونا فيهما من قبل المالك لا في أصل المعاملة و اذن فرضاء النبي (ص) بالقبض و الإقباض لا يدل على صحة ما أنشأه عروة من البيع.

ثم ان المصنف قد استظهر خروج الفرض المتقدم عن الفضولية وعد توقفه على الإجازة اللاحقة من كلمات الفقهاء (رضوان اللّه عليهم)

10

كقولهم في مقام الاستدلال على الصحة ان الشرائط كلها حاصلة الا رضاء المالك و قولهم ان الإجازة لا يكفى فيها السكوت لأنه أعم من الرضاء و الى غير ذلك من كلماتهم.

و يتوجه عليه أولا: انه لا حجية في كلماتهم فان راى فقيه لا يكون حجة على فقيه أخر.

و ثانيا: انه لا ظهور في كلماتهم فيما يرومه المستدل لان المراد من الرضاء المذكور في كلماتهم هو الاختيار الذي هو في مقابلة الكراهة و الاضطرار حيث انهم ذكروها في بيع المكره و قالوا ان من شرائط المتعاقدين الاختيار و ليس المراد منه طيب النفس و عليه فلا ربط لها بما نحن فيه و لا أقل من الاحتمال، فتكون كلماتهم مجملة.

ثم قال لو سلم كونه فضوليا لكن ليس كل فضولي يتوقف لزومه على الإجازة لأنه لا دليل على توقفه مطلقا على الإجازة اللاحقة.

و يتوجه عليه ان هذا الكلام يعد من الغرائب لأنا إذا قلنا باحتياج المعاملات الفضولية إلى الإجازة اللاحقة كان ما نحن فيه من صغرياتها، فتحتاج صحته إلى الإجازة اللاحقة و لا يكفى فيها مجرد وجود الرضاء الباطني، و ان قلنا بعدم احتياجها إلى الإجازة اللاحقة، لكونها مشمولة للعمومات و المطلقات الدالة على صحة العقود و لزومها فليكن المقام كذلك و اذن فلا وجه لجعله من المعاملات الفضولية ثم الحكم بعدم احتياجه إلى الإجازة اللاحقة.

ثم قال: مع انه يمكن الاكتفاء في الإجازة بالرضاء الحاصل بعد البيع المذكور آنا ما إذ وقوعه برضاه لا ينفك عن ذلك مع الالتفات و يرد عليه انه إذا قلنا بكفاية الرضاء الباطني المتأخر و لو آنا ما

11

في صحة البيع و إخراجه عن الفضولية قلنا بذلك في الرضاء المقارن أيضا بالأولوية، فلا وجه لتخصيص الحكم المزبور بالرضاء المتأخر.

ثم انا لو اكتفينا في خروج العقد عن الفضولية بالرضاء الباطني للزم القول بكون الكراهة الباطنية موجبة لفساد البيع مع انها لا توجب بطلانه و من هنا لو باع الغاصب العين المغصوبة مع كراهة المغصوب منه ذلك، ثم رضى به لحكم بصحته فيعلم من ذلك ان الكراهة- الباطنية لا تؤثر في فساد المعاملة و كذلك الرضاء الباطني لا يكفي في صحتهما لان سبيلهما واحد.

ثم قال: انه لو أشكل في عقود غير المالك فلا ينبغي الإشكال في عقد العبد نكاحا أو بيعا مع العلم برضاء السيد له لعدم تحقق المعصية التي هي مناط المنع في الاخبار و عدم منافاته لعدم استقلاله في التصرف.

و يرد عليه: انه لا وجه لتخصيص الحكم بالعبد بل يجرى ذلك في كل عقد كان فضولية من ناحية كونه متعلقا لحق الغير كبيع الراهن العين المرهونة مع رضاء المرتهن بذلك باطنا و نكاح الباكرة بدون اذن الولي و النكاح على بنت الأخ أو الأخت بدون إذن العمة و الخالة فإن الرضاء الباطني يكفى صحة العقد فيها و في أمثالها و سيأتي ذلك تفصيلا.

ثم انه ذهب شيخنا الأستاذ الى عدم خروج العقد بالرضاء الباطني عن الفضولية مطلقا

سواء كانت فضوليته لتعلق حق الغير بذلك أم كانت فضوليته من ناحية صدوره من غير المالك و إليك لفظ مقرّر بحثه.

12

و الحق عدم صحة العقد الصادر من غير من بيده زمام أمر المعقود عليه بمجرد الرضاء الباطني من المالك و من له الحق مرتهنا كان أو مولى و ذلك لانه لو كان أمر العقد موقوفا و غير ماض اما لعدم كون العاقد مالكا أو لعدم كونه مستقلا فلا يخرج عن التوقيف الا باستناده الى المالك أو ذي الحق و الاستناد و التنفيذ من الأمور الإنشائية و يكونان كسائر الإيقاعات لا بد من إيجادهما إما باللفظ أو بالفعل فلا الكراهة الباطنية رد و لا الرضاء الباطني إجازة بل كل منهما يحتاج الى كاشف.

و التحقيق هو التفصيل في المقام بين ما كانت الإجازة لتحقيق استناد العقد الى المالك بحيث يكون العقد الصادر من الفضولي عقدا له بالحمل الشائع و بينما كانت الإجازة لأجل كون المبيع متعلقا لحق الغير، فكل مورد تعتبر الإجازة في العقد لأجل استناده الى من له العقد فان الرضاء الباطني الساذج لا يصح ذلك و في كل مورد اعتبرت الإجازة، لا لتلك الجهة بل لجهة أخرى لا شبهة في كفاية الرضاء الباطني في ذلك، و على الأول، فلا يكفي في استناد العقد الى المالك مجرد الرضاء الباطني و ان الاقتران برضاء المالك لا يخرج العقد عن الفضولية ما لم يكن اذن و توكيل من المالك و الوجه في ذلك ان العقد الصادر من الفضولي لا يكون مشمولا لقوله تعالى:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، بديهة ان العقد لا يكون مشمولا لتلك الآية إلا باستناده الى المالك لأن مقارنة الجمع بالجمع في الآية الكريمة يقتضي ان كل مكلف يجب عليه الوفاء بعقده اى أوفوا بعقودكم لا ما عقدتهم و من الواضح ان العقد لا يكون عقدا للمالك الا بالاستناد اليه اما بالمباشرة كما إذا

13

أوجده بنفسه أو بالتسبيب كما إذا أوجده وكيله أو بالإضافة إليه كما إذا رضى بالعقد الفضولي مع إظهاره ذلك بمظهر خارجي و من الظاهر ان مجرد الرضاء الباطني بالعقد الصادر من الفضولي أجنبي عن ذلك كله و على الثاني فيكفي في صحة العقد مطلق الرضاء و إن كان باطنيا و غير منكشف بكاشف و ذلك كالأمثلة التالية.

1- انه إذا باع الراهن العين المرهونة فإن اعتبار اجازة- المرتهن في البيع المزبور ليس من ناحية لزوم استناد العقد اليه بل من ناحية أن العين وثيقة عنده، فلا يجوز للراهن ان يتصرف فيها بدون اذن المرتهن، فإذا رضى به المرتهن و لو باطنا صح البيع، و بعبارة اخرى: ان المناط في صحة العقد هو كونه مشمولا- للإطلاقات و العمومات الدالة على صحة العقود و لزومها و من الظاهر ان المناط المزبور موجود في بيع الراهن غاية الأمر ان التصرف في العين المرهونة موقوف برضاء المرتهن فإذا رضي بذلك لم يكن هناك مانع عن التصرف أيضا.

2- بيع المفلس فإنه مستند اليه و مشمول للعمومات الا ان المبيع متعلق لحق الغرماء فتعتبر إذنهم في ذلك من هذه الناحية 3- العقد على بنت الأخ و بنت الأخت فإن صحة ذلك موقوفة على إجازة العمة و الخالة لا من جهة عدم استناد العقد الى الزوجين إلا بإذنهما بل من جهة أخرى.

4- عقد العبد لغير سيده و بدون اذنه نكاحا كان أو غير نكاح فان احتياجه إلى إجازة السيد ليس من ناحية كون العقد عقدا للسيد و هو لا يتحقق إلا بإجازته بل من جهة انه ليس للعبد الاستقلال

14

في التصرف في قبال سيده.

5- الوصية بما زاد على الثلث فإنها تحتاج إلى اجازة الورثة لكن لا من جهة عدم استنادها الى الموصى بل لأجل نفوذ الوصية 6- عقد الباكرة بدون اذن وليها بناء على اعتبار اذنه في ذلك فان اعتباره فيه من جهة النفوذ لا من جهة الاستناد.

و على الجملة ان في كل مورد كانت الإجازة لأجل استناد العقد الى من له العقد بحيث يكون العقد عقدا و تشمله العمومات لا يكفى فيها الرضاء الباطني، و في كل مورد كانت الإجازة لأجل نفوذ العقد لا للجهة المزبورة يكفي فيها الرضاء الباطني لأنه يكفي في النفوذ و لا دليل على إظهاره بمظهر خارجي، و هذا بخلاف الاستناد الى المالك فإنه ما لم يظهر في الخارج لا يصدق على ما أوجده الفضولي انه عقد للمالك، و لا انه بيعه و لا انه تجارته و يتضح ذلك وضوحا بمراجعة العرف و اللغة، و اذن فلا يتم ما ذكره المصنف على وجه الإطلاق و لا ما ذكره شيخنا الأستاذ (و أظن ان كلام المصنف لا ينافي التفصيل المذكور لانه ذكر في آخر كلامه (ثمّ انه لو أشكل في عقود غير المالك فلا ينبغي الإشكال في عقد العبد إلخ) خصوصا إذا حمل ما ذكره على المثال و ان كان الحمل عليه بعيدا من ناحية التعليل في كلامه بقوله لعدم تحقق المعصية.

فما ذكره شيخنا الأستاذ من: (ان الاستناد و التنفيذ من الأمور الإنشائية و يكونان كسائر الإيقاعات لا بد من إيجادهما إما باللفظ أو بالفعل)، انما يتم في الاستناد فقط لا في التنفيذ كما عرفته قريبا و قد ظهر لك مما ذكرناه فساد ما أفاد شيخنا الأستاذ في

15

أخر كلامه من انه ثبت من الأدلة الخارجية عدم استقلال العبد و الراهن و الباكرة و كل من كان من قبيل هذه الطوائف الثلاث في عقودهم و لا يخرجون عن الاستقلال بمجرد رضاء ذي الحق فإن به لا يسند العقد اليه. ثم انه ربما يستدل على كفاية الاقتران بالرضاء الباطني في خروج العقد عن الفضولية بصحيحة محمد بن مسلم [1] و رواية الحميري [2] فإنهما تدلان على حصر الشراء الصحيح برضاء المالك فيستفاد منهما

____________

[1] عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن شراء أهل الذمة فقال لا بأس بها فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدى عنها كما يؤدون قال: و سألته عن رجل من أهل النيل عن ارض- اشتراها بفم النيل و أهل الأرض يقولون هي أرضهم و أهل الأستان يقولون هي من أرضنا قال لا تشترها الا برضا أهلها صحيحة الوافي ج 10 ص 133 قال في الوافي الأستان بالضم اربع كور ببغداد و في أقرب الموارد: الكورة بالضم المدينة و الصقع و في المفردات: و قيل لكل مصر كورة و هي البقعة التي يجتمع فيها قرى و محال ج كور و قد ذكرنا سابقا ما هو المراد من النيل في- ج 3 ص 180

[2] 2- انه كتب الى صاحب الزمان (عليه السلام) ان بعض أصحابنا له ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب للسلطان فيها حصة و أكرته ربما زرعوا و تنازعوا في حدودها و تؤذنهم عمال السلطان و تتعرض في الكل من غلات ضيعته و ليس لها قيمة لخرابها و انما هي بائرة منذ عشرين سنة و هو يتحرج من شرائها لأنه يقال ان هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت من الوقف قديما للسلطان فان جاز شرائها من السلطان كان ذلك صونا و صلاحا له و عمارة لضيعته و انه يزع هذه من القرية البائرة يفضل ما ضيعته العامرة و يتحم عن طمع أولياء السلطان و ان لم يجز ذلك عمل بما تأمره إنشاء اللّه فأجابه الضيعة لا يجوز ابتياعها الا عن مالكها أو بأمره أو رضاء منه.

16

ان المناط في صحة البيع انما هو مجرد الرضاء و ان لم يبرز في الخارج و لكن يتوجه عليه انه لا يستفاد من أمثال هذه التراكيب الا كون المستثنى شرطا فيما يقع بعد كلمة (لا) كقوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور لا ان حقيقة مدخول كلمة (لا) منحصرة بالمستثنى و عليه فيدل الخبران على اعتبار الرضاء لا على كفايته على وجه الإطلاق، فيكون شأنهما شأن بقية الأدلة الدالة على اعتبار الرضاء في العقود و الإيقاعات على انه يمكن ان تحمل الروايتان على الرضاء بمعنى الاختيار الذي يقابل الكراهة و قد تقدم اعتباره في العقود و الإيقاعات

قوله ثم اعلم ان الفضولي قد يبيع للمالك.

أقول

يقع البحث هنا في مسائل ثلاث:

الاولى: ان يبيع الفضولي للمالك.

الثانية: ان يبيع له مع سبق المنع عنه.

الثالثة: ان يبيع لنفسه كبيع الغاصب.

أما المسألة الاولى [ان يبيع الفضولي للمالك]

فيقع البحث فيها من جهة انه هل يعتبر في صحة العقود صدور إنشائها من المالك بالمباشرة أو ممن يقوم مقامه كالوكيل و المأذون أم لا يعتبر في صحتها ذلك؟ بل المناط في صحة العقود هو استنادها الى من له العقد، و من الظاهر ان هذا المعنى كما يتحقق بالمباشرة و التسبيب كذلك يتحقق بالإجازة اللاحقة أيضا.

و لا يخفى عليك انا إذا قلنا بصحة العقد الفضولي في هذه المسألة، فيقع الكلام في صحته و فساده في المسألتين الآتيتين و إذا قلنا بفساده هنا فلا شبهة بفساده في المسألتين الآتيتين لان

17

ما يبحث عنه في المسألة الاولى هو المتيقن من العقد الفضولي فإذا حكم بفساده حكم بفساد ما يبحث عنه في المسألتين الآتيتين بالأولوية القطعية.

ثم انه وقع الكلام في صحته و فساده فالمحكي عن الأكثر هو صحته- كالمقنعة و النهاية و الوسيلة و الشرائع و النافع و كشف الرموز و العلامة في جملة من كتبه و حواشي الشهيد و مسائله و الدروس و اللمعة و جامع المقاصد و التنقيح و تعليق الإرشاد و إيضاح النافع و الميسية و الروضة و المسالك و غيرها- و حكى المصنف عن غاية المراد حكاية القول بالصحة عن جمع من المذكورين و غيرهم ثم قال: و استقر عليه رأى من تأخر عدا فخر الدين و بعض متأخري المتأخرين- كالأردبيلي و السيد الداماد و بعض متأخر المحدثين- و قال في التذكرة: مسألة يشترط ان يكون البائع مالكا أو من له ولاية كالأب و الجد له و الحاكم و امينه و الوكيل فلو باع الفضولي صح و وقف على اجازة المالك و به قال مالك و إسحاق و أبو حنيفة و الشافعي في القديم و احمد في إحدى الروايتين و قال أبو ثور و ابن المنذر و الشافعي في الجديد و احمد في الرواية الأخرى يبطل البيع و هو قول لنا و قال- بعد أسطر-: لو اشترى فضوليا فان كان بعين مال الغير فالخلاف في البطلان و الوقف على الإجازة الا أن أبا حنيفة، قال: يقع للمشترى بكل حال و ان كان في الذمة لغيره و أطلق اللفظ قال: علماؤنا يقف على الإجازة إلخ و عن الحدائق: ان القول بالصحة كاد يكون إجماعا و ذهب جمع أخر إلى فساده فعن

18

المبسوط من باع مالا يملك كان البيع باطلا و في الخلاف ج 1 ص 222: إذا باع انسان ملك غيره بغير اذنه كان البيع باطلا و به قال الشافعي و قال أبو حنيفة ينعقد البيع و يقف على اجازة صاحبه و به قال قوم من أصحابنا دليلنا إجماع الفرقة و من خالف منهم لا يعتد بقوله و لانه ممنوع من التصرف في ملك غيره و البيع و عن الغنية نحوه من الصراحة و حكى القول بالبطلان أيضا عن الإيضاح و اختاره في الحدائق و أطنب فيه الكلام و لكنه لم يأت بشيء تركن اليه النفس و يطمئن به القلب و ذكر جملة من النصوص محتجا بالعثور عليها و الاهتداء الى الاستدلال بها و ستأتي الإشارة إليها و الى عدم دلالتها على ما يرومه بل دلالة بعضها على خلاف مقصوده و في شرح فتح القدير ج 5 ص 309: و من باع ملك غيره بغير اذنه فالمالك بالخياران شاء أجاز البيع و ان شاء فسخ و هو قول مالك و احمد و قال الشافعي: لا ينعقد لانه لم يصدر عن ولاية شرعية لأنها بالمالك أو بإذن المالك و قد فقدا و لا انعقاد إلا بالقدرة الشرعية و صار كبيع الآبق و الطير في الهواء في عدم القدرة على التسليم و في الفقه على المذاهب الأربع ج 2 ص 166- عن الشافعية-: و من شرائط المعقود عليه ان يكون للعاقد عليه ولاية فلا يصح بيع الفضولي و في ص 240- عن الحنيفة-: امّا بيع ملك الغير بوكالة منه فإنه صحيح نافذ و بيعه بدون وكالة فهو صحيح موقوف على اجازة المالك و هذا هو بيع الفضولي و في ص 224: و اما الموقوف و هو بيع ما يتعلق به حق للغير فإنه من أقسام الصحيح و انه ينعقد بدون ان يتوقف على القبض و في ص 168: و من

19

شروط العاقد، ان يكون مالكا أو وكيلا عن مالك فلا يلزم بيع الفضولي و في شرح العناية بهامش شرح فتح القدير ج 5 ص 319: و من باع ملك غيره بغير اذنه فالمالك بالخيار ان شاء أجاز البيع و ان شاء فسخ و هو مذهب مالك و احمد في رواية و قال الشافعي في الجديد و هو رواية عن احمد لم ينعقد.

و هنا قول ثالث و هو صحة البيع و بطلان الشراء و هو القول الأخر للشيخ في الخلاف قال في كتاب النكاح: لو اشترى لغيره بغير اذنه لم يقف على أجازته و كان باطلا ثم قال: و عندنا ان البيع يقف على اجازة مالكه.

و في المسألة وجهان آخران: أحدهما انه ان وثق برضاء المالك فأجاز صح و الا فلا. ثانيهما: انه ان لم يسبق منه منع و لم يظهر كراهة صح و إلا بطل.

و قد استدل على القول بصحة البيع الفضولي مع توقفه على الإجازة بوجوه:

الأول العمومات و المطلقات الدالة على صحة العقود و لزومها

و بيان ذلك انه لا شبهة في ان صدق عنوان العقد أو- التجارة عن تراض أو البيع أو صدق اى اسم من اسما أيّة معاملة كانت لا يتوقف على مباشرة المالك بنفسه للعقد، بل يكفي في ذلك النيابة بأن يكون المباشر لذلك غير المالك غاية الأمر لا بد و ان تكون هذه المباشرة بإذن المالك لكن يكون ذلك سببا لانتساب العقد الصادر من المباشر الى المالك، و من المعلوم أن انتساب العقد الى المالك كما يتحقق بمباشرة نفس المالك أو بمباشرة غيره مع الاذن منه كذلك يتحقق بالإجازة اللاحقة من المالك و حينئذ فيصدق

20

على العقد الصادر من الفضولي انه عقد للمالك أو تجارته أو بيعه و اذن فيكون ذلك مشمولا للعمومات و المطلقات المزبورة و بتعبير آخر انا ذكرنا فيما سبق ان المراد من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو أوفوا بعقودكم لا ما عقدتم و المراد من أحل اللّه البيع هو حلية بيوعكم و المراد من التجارة عن تراض ما يصدق عليه هذا العنوان و جميع هذه العناوين لا يتحقق في الخارج الا بالاستناد الى المالك، و من الظاهر انها تستند إليه بالإجازة كاستنادها اليه بالمباشرة أو بالإذن فتشملها العمومات غاية الأمر انا نشك في اعتبار مباشرة المالك شرعا أو اقتران رضاؤه بالعقد أو وجود الاذن السابق على العقد فحيث ان كل ذلك تقييد للمطلقات أو تخصيص للعمومات بغير مخصص و مقيد فندفعه بأصالة الإطلاق أو العموم و هذا هو مراد المصنف (ره)

من الأصل

في المقام لا أصالة البراءة و ان احتمله- بعيدا- المحقق الايروانى بناء على جريان البراءة في الأسباب و الأوضاع.

و قد يتوهم ان التمسك بالعمومات هنا يتوقف على حصول اضافة عقد الفضولي إلى المالك بالإجازة اللاحقة لكن الإضافة لا تحصل بذلك بعد وضوح ان المراد من عقودكم العقود الصادرة منكم، و لو بالتسبيب لا العقود المنتسبة إليكم باية نسبة كانت و لو نسبة كونها مجازة لكم و من المعلوم ان عقد الغير لا يصير عقدا صادرا من شخصي بإجازته له.

و لكن هذا التوهم فاسد إذ لا فارق في انتساب العقد من الأجنبي إلى المالك بين الاذن السابق و الإجازة اللاحقة فكما ان الاذن السابق كاف في صحة العقد و استناده اليه كذلك الإجازة

21

اللاحقة لأنهما متساويان في حصول الرضاء الذي هو الأصل في ذلك و قد اتضح لك مما بيناه فساد ما نوقش به في التمسك بالعمومات على صحة العقد الفضولي من ان المخاطب بتلك العمومات اما العاقد الفضولي أو الملك أو غيرهما و لا سبيل الى كل منهما اما العاقد الفضول فلعدم وجوب الوفاء عليه بعقده قطعا و هذا واضح، و اما المالك فقبل أجازته كذلك و الا لوجبت عليه الإجازة و أما بعدها فهو مجيز لا عاقد، و وجه الوضوح هو ما ذكرنا قريبا من ان معنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو أوفوا بعقودكم لا ما عقدتم و قد عرفت ان العقد الصادر من الفضولي يكون عقدا للمالك بالإجازة اللاحقة و يستند اليه استنادا تاما، فيكون مشمولا للعمومات من حين الإجازة لا من حين العقد فزمان الإجازة هو زمان شمول العمومات للعقد الفضولي.

و من هنا ظهر لك ما في كلام المحقق الايروانى من الغرابة حيث قال: (ان التمسك بالعموم بعد الإجازة مبنى على ثبوت عموم أزماني في العمومات و ليس له وجود و قد اعترف به المصنف ره في خيار الغبن)، و وجه الظهور هو ان المصنف لم يدع شمول- العمومات للعقد الفضولي من حين العقد ثم خروجه عنها الى زمان الإجازة بالمخصص لكي يكون التمسك بها بعد الإجازة محتاجا الى ثبوت العموم الأزماني للعمومات، بل غرضه هو ما ذكرناه من أن زمان الإجازة انما هو أول زمان صار العقد الفضولي مصداقا للعمومات الدالة على صحة العقود.

ثم انه يمكن أن يرجع الى ما ذكرناه استدلال جمع من الفقهاء- كما عن المختلف و غيره- على صحة البيع الفضولي بأنه عقل صدر

22

من أهله في محله، بداهة ان كون العاقد أهلا للعقد من حيث كونه بالغا عاقلا مع كون المبيع قابلا للبيع لا يثبتان الصحة إلا بضميمة مقدمة أخرى ثابتة بالعمومات بان يقال ان العقد الفضولي عقد صدر من أهله في محله و كل ما صدر من أهله في محله صحيح شرعا للعمومات و المطلقات.

و ان أبيت عن كون مرادهم ذلك لتوجه عليهم مما عن الشهيد في غاية المراد: من كونه مصادرة ضرورة ان تحقق الأهلية التامة عين الدعوى و جعلها دليلا على المدعى صرف مصادرة و لا يمكن دفعها الا بما كرناه و اذن فلا وجه لما ذكره شيخنا المحقق من ان اشتراط تأثير العقد بالرضاء لا ربط له بأهلية العاقد و لا بكون المبيع قابلا لوقوع العقد عليه بل أهلية العاقد بما هو عاقد منوطة بكونه عاقلا عقلا، و بكونه بالغا شرعا، و قبول المحل منوط بكونه مما يتمول و مما يملك، فلا قصور في العاقد، و لا فيما وقع عليه العقد، و المفروض حصول الإجازة الكاشفة عن الرضاء و المحققة للانتساب، فلا مصادرة و كون المبيع للغير لا يسقط العاقد بما هو عاقد عن أهلية العاقدية و لا المحل عن قبول وقوع العقد عليه، فما افاده المصنف في توجيه المصادرة و أجاب عنها بإثباتها بالعموم خال عن الوجه، و الوجه في ذلك هو ان مجرد كون العاقد عاقلا بالغا، و كون المحل مما يتمول، و حصول الرضاء بالإجازة اللاحقة الكاشفة، لا يثبت صحة العقد لاحتمال اشتراط العقد بمقارنة الرضاء أو سبق الإذن فإنه مع هذا الاحتمال لا تتم الأهلية التامة للعاقد، فلا يمكن نفيه إلا بأصالة العموم أو الإطلاق و بذلك تثبت الأهلية التامة للعاقد.

23

و قد تحصل مما قدمناه ان عقد الفضولي صحيح على القاعدة بمقتضى العمومات و الإطلاقات الدالة على صحة العقود و لزومها و عليه، فلا نحتاج الى الاستدلال على صحته و نفوذه بالأدلة الخاصة إلا لمزيد الوضوح و من جهة التأييد و عليه فلو ناقشنا في الأدلة الخاصة اما من حيث السند أو من حيث الدلالة فلا يضر هذه المناقشة بصحة عقد الفضولي و نفوذه بوجه.

الوجه الثاني رواية عروة [1]

و وجه الاستدلال هو ان عروة قد باع احدى الشاتين بدينار من غير إذن النبي (ص) و أقره (ص) و أظهر رضائه بذلك و دعا له فلو كان البيع الفضولي باطلا لم يقرره النبي (ص) بل كان عليه (ص) زجر عروة و الأمر برد الدينار و أخذه الشاة أو تجديد المعاملة بعد تحصيل الاذن من النبي (ص) مع انه ص لم- بفعل شيئا من ذلك، هذا ما يرجع الى الاستدلال بالرواية من ناحية بيع عروة احدى الشائين بدينار و اما شراؤه الشاتين بدينار مع انه كان مأذونا في شراء شاة بدينار الظاهرة في الشاة لواحدة فذكر المصنف

____________

[1] (فله روايتان قد تقدمت إحداهما و اما الأخرى فهي انه ان رسول اللّه ص بعث معه بدينار يشترى له أضحية و قال مرة أو شاة فاشترى له اثنتين فباع واحدة بدينار و أتاه بالأخرى فدعا له بالبركة في بيعه فكان لو اشترى التراب لربح فيه مسند احمد ج 4 المطبوع بمصر و بهامشه منتخب كنزل العمال في سنن الأقوال و الافعال ص 375 و عن حكيم بن حزام ان النبي ص بعث معه بدينار يشترى له أضحية فاشتراها بدينار و باعها بدينارين فرجع فاشترى أضحية- بدينار و جاء بدينار إلى النبي ص فتصدق به النبي ص و دعا ان يبارك له في تجارته البحار ج 23 ص 34.

24

(ره) انه يمكن توجيه شرائه على وجه يخرج عن الفضولية، و لكن لم يبين الوجه في ذلك و لعل نظره في ذلك الى ان قول النبي (ص) لعروة اشتر به شاة يمكن ان يراد به كون الشراء الشاة الواحدة بدينار، و يمكن ان يراد به كون شراء جنس الشاة بدينار و على الثاني فلا شبهة في عدم كون الشراء فضوليا لأن المأذون به يشمل الواحد و الاثنين و على الأول فإن كان الظاهر في بادى النظر هو كون الشراء فضوليا أيضا و لكنه خارج عن ذلك جزما لان الشخص إذا كان مأذونا في شراء شاة واحدة بدينار فيكون مأذونا في شراء شاتين بدينار بالأولوية القطعية، و عليه فأذن النبي (ص) لعروة في شراء الشاة الواحدة بدينار اذن له في شراء شاتين أيضا بدينار، فيكون الشراء خارجا عن الفضولية على كل حال.

و قد ناقش المصنف في الاستدلال بالرواية المزبورة على صحة البيع الفضولي: بان

ذلك متوقف على دخول المعاملة المقرونة برضاء المالك في بيع الفضولي، و قد عرفت انها خارجة عنه، و بيان ذلك أن عروة كان عالما ظاهرا برضاء النبي (ص) بما فعله من البيع و الا لما اقبض المبيع و لم يقبض الثمن لان ذلك تصرف في مال غيره بدون رضاه و هو حرام عقلا و نقلا، و عليه فلا بد اما من الالتزام بأن عروة فعل الحرام بقبضه الثمن و إقباضه المثمن، و هو مناف لتقرير النبي (ص) و تبريكه (ص)، و اما من القول بجواز التصرف قبل الإجازة مع العلم بتعقبه لها.

و سيأتي ضعفه و اذن، فيدور الأمر بين القول بخروج المعاملة المقرونة برضاء المالك عن الفضولية، و بين القول بعلم عروة برضاء

25

النبي (ص) بإقباضه ماله للمشترى حتى يستأذن من النبي (ص) مع علم المشتري بكون البيع فضوليا حتى يكون دفعه الثمن إلى البائع على وجه الامانة و الا فلا يستحق الفضولي قبض المال لعدم كونه مالكا و لا وكيلا عنه و لكن الظاهر هو الوجه الأول أعني به خروج البيع الصادر من عروة عن المعاملة الفضولية إذ من المستبعد جدا علم المشتري بكون بيع عروة فضوليا، و يتضح ذلك بملاحظة ان الظاهر هو عدم كون المعاملة فضولية في مورد الرواية، بل وقعت بعنوان المعاطاة لأنها وقعت بين النبي (ص) و بين مشتري الشاة و يكون عروة آلة محضا في إيصال العوضين و قد عرفت في مبحث البيع- المعاطاتي انه يكفى في صحة المعاطاة مجرد رضا المالكين بالنقل و الانتقال مع وصول العوضين الى كل من المتعاطيين و لو كان الوصول بإطارة ريح أو بفعل صبيى أو بواسطة حيوان و من الظاهر انه يتسامح في المعاطاة بما لا يتسامح به في العقود اللفظية.

و يرد على ما ذكره المصنف أولا: ما ذكرناه أنفا من أن اقتران العقد الصادر من الأجنبي بالرضا الباطني من المالك لا يخرجه عن الفضولية.

و ثانيا: ان كون الصادر من عروة فضوليا أو مندرجا تحت الكبرى المتقدمة متوقف على عدم كونه وكيلا مطلقا و مفوضا من النبي (ص) في أمر شراء الشاة أو مطلقا الذي سمّى في لغة فارس بكلمة (وكيل خرج) و من المحتمل ان يكون هو كذلك و عليه، فلا يمكن الاستدلال بالرواية على صحة بيع الفضولي إذ لا قرنية في الرواية و لا من الخارج على كون البيع الصادر من عروة فضوليا.

26

و على الجملة ان ما صدر من عروة قضيت شخصية واقعة في مورد خاص و لم يعلم جهتها فلا يمكن الاستدلال بها على صحة البيع الفضولي و ان أصرّ عليه جمع من الفقهاء و لا حملها على الكبرى المتقدمة و ثالثا: ان تحقق القبض و الإقباض بين عروة و بين المشتري لا يكون قرينة على عدم كون البيع الواقع بينهما فضولا بدعوى انه لو كان فضوليا لكان التصرف في الثمن و المثمن بالقبض و الإقباض حراما و ذلك لما ذكرناه أنفا من عدم الملازمة بين كون البيع فضوليا و بين حرمة التصرف في الثمن أو المثمن، ضرورة ان العلم بالرضا الباطني للمالك يفيد جواز التصرف تكليفا لا جوازه وضعا.

و رابعا: انا لو سلمنا صحة المعاطاة الفضولية لكن لا نسلم كون فعل عروة ظاهرا في المعاطاة لعدم القرينة على ذلك.

و دعوى ان القرينة على ذلك هو ان الغالب المعتاد في أمثال ذلك هو البناء على المعاطاة، دعوى جزافية، لأنا لو سلمنا وجود الغلبة و لكنها لا تفيد الا الظن و هو لا يغني من الحق شيئا و من هنا ذكر السيد في حاشيته بقوله: لم افهم هذه الدعوى و لم أدر من اين هذا الظهور.

و خامسا: انا ذكرنا في الجزء الثاني ان الأمثلة التي ذكروها لتحقق المعاطاة بمجرد إيصال العوضين الى كل من المالكين غير ظاهرة في ذلك بل هي من أمثلة المعاطاة المتعارفة راجع ج 2 ص 169.

و سادسا: ما ذكره المحقق الايروانى و إليك نصه ان هنا خلط بين الرضا الكافي في المعاطاة و الرضا الحاصل في المقام فان

27

الرضا الكافي في المعاطاة عن القصد إلى إنشاء البيع بإيصال المبيع بأي وجه اتفق و بواسطة أي حامل كان و الرضا الموجود في المقام هو الرضا بالبيع من أي بائع تحقق بلا قصد إلى إيجاد البيع في الخارج.

و يضاف الى جميع ما ذكرناه ان الرواية ضعيفة السند و قد عرفته قريبا.

الوجه الثالث: صحيحة محمد بن قيس

عن ابى جعفر (ع) قال قضى أمير المؤمنين [1] لأن قوله (عليه السلام) فيها في معالجة فك الولد بعد المناشدة: خذ ابنه حتى ينفذ لك البيع ظاهر في نفوذ البيع الفضولي بالإجازة اللاحقة إذ لو كانت الإجازة فاسدة و غير مؤثرة في العبد الفضولي لما أمر الإمام (عليه السلام) بحبس الابن حتى يجيز الأب بيعه، فيعلم من ذلك ان اجازة بيع الفضولي تؤثر في صحتها.

و قد نوقش في الاستدلال بها على ذلك من وجوه شتى:

____________

[1] عن ابى جعفر (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها و أبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه غلاما ثم جاء سيدها الأول فخاصم سيدها الأخر فقال وليدتي باعها ابني بغير اذنى فقال الحكم ان يأخذ وليدته و ابنها فناشده الذي اشتراها فقال له خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينقد (في يب ينفذ) لك البيع فلما أخذه قال له أبوه أرسل ابني قال لا و الله لا أرسل إليك ابنك حتى ترسل ابني فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه صحيحة الكافي ج 5 ص 211 و التهذيب ج 2 ص 138 و 250 و الاستبصار ج 3 من طبعه النجف ص 85 و الفقيه ج 3 من طبعة النجف ص 140.

28

المناقشة الاولى: ان القائلين بصحة عقد الفضولي قد التزموا بصحة التأهلية

و بقائه على حاله موقوفا على اجازة المالك فان اجازه لزم و ان فسخه انفسخ و إذا انفسخ لم تؤثر فيه الإجازة إجماعا مع ان الصحيحة ظاهرة في نفوذ الإجازة بعد الرد من نواحي شتى:

1- قوله: الحكم ان تأخذ الوليدة و ابنها فان هذا الحكم لا يصح الا بعد الرد.

2- قول السائل: ثم جاء سيدها الأول فخاصم سيدها الأخر فقال: وليدتي باعها ابني بغير اذنى و من الظاهر ان المخاصمة ظاهرة في الرد، إذ لولاه لما وقعت المخاصمة بين السيد الأول و السيد الثاني بل كانت الوليدة و ابنها للسيد الثاني من دون ان تكون هناك مخاصمة و مرافعة.

3- مناشدة المشتري للإمام (عليه السلام) و الحاجة إليه في علاج فكاك ولده، و من الواضح انه لو لم يكن البيع مردودا من قبل السيد الأول: لم يكن وجه لهذه المناشدة و الحاجة إليها.

4- قول الامام (عليه السلام)- في مقام تعليم علاج فك الولد للمشترى-: خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع إذ لو لم يكن البيع مردودا لم يبق طريق للسيد الأول إلى أخذ الوليدة و ابنها فهذه القطعة من الرواية صريحة في أخذ السيد الأول ابن الوليدة و أخذ الابن ظاهر في رد البيع من حيث ان أخذ الابن لأجل كونه نماء للوليدة التي هي مملوكة له.

فتحصل ان الرواية ظاهرة فيما هو مخالف للإجماع و اذن فلا بد اما من طرحها و إرجاع علمها إلى أهلها، و اما من رفع اليد عن-

29

ظهور كون الإجازة بعد الرد أو يراد من الإجازة البيع الجديد أو حملها على ما ذكره المحدث الكبير العلامة المجلسي (ره) في مرآت العقول ص 407 ج 3 قال: (الظاهر ان هذا من حيلة التي كان يتوسل بها الى ظهور ما هو الواقع) و لا بأس بتعليم هذه الحيلة لكشف الواقع خصوصا مع علم الحاكم بالواقع و اقتضاء المصلحة لذلك مثل ان عليا (عليه السلام) كان عالما- في مورد الرواية- بكون الابن وكيلا في بيع وليدة أبيه و أنكر الأب وكالة ابنه و ادعى عدم الاذن في ذلك فاحتال على (عليه السلام) حيلة لكي يصل بها الحق الى صاحبه أو تحمل الصحيحة على غير ذلك من المحامل.

و على الجملة ان ما هو مسلم عند القائلين بصحة العقد الفضولي و هو عدم كون الإجازة مسبوقا بالرد، فالرواية أجنبية عنه و ما اشتملت عليه الرواية من تأثير الإجازة بعد الرد مخالف للإجماع و ان التزم السيد بظاهرها و قال: (فالإنصاف ان الرواية لا مانع من العمل بها و تكون دليلا على صحة الإجازة حتى بعد الرد)، و لكن الظاهر انه لا إشعار في الرواية بكون الإجازة بعد الرد فضلا عن الدلالة عليه اما قوله (عليه السلام) الحكم أن يأخذ وليدته و ابنها فلا دلالة فيه على ما يرومه الخصم، و ذلك لان الرواية خالية عن تعرض المالك لفسخ العقد أو إمضائه بل غاية ما يظهر منها هو عدم رضاه بإقباض ابنه و لذا استرد الوليدة و ابنها و من الظاهر انه يجوز للمالك قبل اجازة العقد الفضولي ان يتصرف في المبيع حتى على القول بالكشف غاية الأمر أنه إذا أجاز العقد الفضولي انكشف بطلان تصرفه لا انه لا يجوز تصرفه في ماله تكليفا قبل الإجازة و لا شبهة في ان تصرفه هذا

30

قبل الإجازة لا يكشف عن رد البيع بل يمكن ان يكون ذلك من جهة تردده بين الفسخ و الإمضاء و لا يشترط في تأثير الإجازة وقوعها عقيب عرض البيع على المالك من دون أن يفصل بينهما: التردد بين الفسخ و الإمضاء أو التوقف في ذلك، بل العبرة في تأثير الإجازة بكونها قبل الفسخ و يدل على ما ذكرناه ما ذهب إليه الأصحاب من الحكم بصحة إجازة المكره بعد زوال إكراهه، فيعلم من ذلك ان الكراهة الباطنية لا توجب فسخ المعاملة فضلا عن التردد بين الفسخ و الإمضاء اما مناشدة المشتري للإمام (عليه السلام) في فكاك ولده فلا تدل أيضا على ان المالك قد رد البيع و أخذ ابن الوليدة لكونه مملوكا له لان الولد لا يملك على تقديري الإجازة و الفسخ لكونه حرّا كما سيأتي بل المناشدة من حيث ان المشتري طلب من الامام (عليه السلام) علاجا لفك الولد و اجازة البيع فعلمه الامام (ع) طريقا لذلك و هو قوله (ع) أخذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع.

و من هنا اتضح لك انه لا دلالة في قول المشتري: حتى ترسل ابني على تحقق الرد قبل الإجازة نعم له ظهور في عدم الإجازة و هو أعم من الرد كما اتضح لك انه لا دلالة في قوله (ع):

خذ ابنه إلى. أخره على تحقق الرد قبل الإجازة بل هو طريق علّمه الامام (ع) للمشتري لكي يتشبث به في فكاك ولده اجازة البيع و اما المخاصمة، فلا دلالة فيها أيضا على رد البيع غاية الأمر انها تدل على عدم رضا المالك بالبيع و عدم اذنه فيه و هذا ظاهر.

و على الجملة انه لا دلالة في شيء من الوجوه المتقدمة على تحقق الرد قبل الإجازة بل هي أعم منه و من التردد بين الإجازة

31

و الرد أو التوقف فيهما.

المناقشة الثانية: ان الامام (ع) قد حكم للسيد الأول بأخذ الوليدة و ابنها مع ان الابن حر لتولده من الشبهة،

و ذلك لان المشتري لم يعلم بكون الوليدة لغير البائع إذ لو كان عالما بذلك لكان الوطي حراما و صار الولد رقا لتولده من الزنا فيعلم من ذلك ان المشتري لم يكن عالما بالحال و ان الولد انما تولد من الشبهة و قد حقق في محله ان ولد الشبهة ملحق بأبيه، فيكون حرا و معه كيف يجوز للسيد الأول ان يأخذه.

و قد أجيب عن هذه المناقشة بوجهين

الوجه الأول، انه لا مانع عن كون المشتري عالما بالحال،

و عليه فيكون الولد من الزناء فيصير رقا للسيد الأول لو لا الإجازة.

و يرد عليه انه لو كان الأمر كما ذكر لما حكم الامام (عليه السلام) بأخذ الابن لانفاذ البيع بل يجب على المشتري حد الزناء.

الوجه الثاني: ان الولد و ان كان حرا و لكن أخذه السيد الأول لاستحصال قيمة يوم الولادة

لأنه و ان لم يكن مالكا للولد لكونه حرا و متولدا من الشبهة و لكن له ان يطالب قيمته يوم الولادة لكونه نماء لمملوكه و هو الوليدة و قد حمل الرواية على هذا الشيخ (ره) في الاستبصار و إليك لفظه: فالوجه في هذا الخبر انما يأخذ وليدته و ابنها إذا لم يرد عليه قيمة الولد فاما إذا بذل قيمة الولد فلا يجوز أخذ ولد الحر ج 3 ص 85 و تبعه المحقق التستري في مقابسه و جعل هذا وجه الجمع بين الروايات حيث قال في خلال كلامه: (و ذكر في جملة من الاخبار ان للمالك قيمة الولد و في بعضها

32

انه رق و الجمع بين الروايات يقتضي جواز حبس الولد للتوصل إلى أخذ قيمته و ان لم يجز تملكه) ثم استشهد على ذلك ببعض الروايات و هذه الروايات مروية في ج 3 يب ص 213 و الظاهر انه لا بأس بهذا الوجه بعد مساعدة الروايات عليه فراجع المقابيس.

و يرد عليه ان المطالب (بالفتح) هنا انما هو المشتري فلو جاز حبس المديون لاستحصال الدين، فلا بد و ان يحبس المشتري دون ولده غير المقصر.

و التحقيق أن يجاب عن المناقشة بأنه لا شبهة في ظهور الرواية في صحة بيع الفضولي بالإجازة المتأخرة و قد عرفته قريبا غاية الأمر انها اشتملت على حكم آخر لا نعرف سرّه و لا ربط له بجهة الاستدلال و من الظاهر ان اشتمالها على جهة مجهولة لا يسقطها عن الحجية من سائر الجهات غير المجهولة.

المناقشة الثالثة: انّه قد حكم الامام (عليه السلام) للمشتري بأخذ ابن السيد

مع ان ذلك لا يجوز لأن غاية الأمر كونه غاصبا و الغاصب ليس حكمه ذلك.

و أجيب عنه بأنه يمكن ان يكون ذلك لمطالبة المشتري الثمن الذي دفعه اليه و من الظاهر انه لا بأس بحبس المديون لاستحصال الدين.

و يتوجه عليه ان هذا الحكم و ان كان صحيحا في نفسه لأن الغرامة المتوجهة على المشتري متوجهة على البائع لأنه الذي غرّ المشتري و تسبب لخسرانه و قد دلت النصوص و الفتاوى على ان المغرور يرجع الى الغار، و لكن هذا الوجه لا يناسب ذيل الرواية أعني به

33

قول المشتري للسيد الأول: لا و اللّه لا أرسل إليك ابنك حتى ترسل ابني فلما راى ذلك أجاز البيع، فان الظاهر من هذه القطعة من الرواية هو ان حبس المشتري ابن السيد الأول لم يكن لأجل استحصال الثمن بل لأجل فكاك ولده.

و التحقيق ان يجاب عن هذه المناقشة أيضا مثل ما أجبنا به عن سابقتها من ان هذا حكم آخر لا نعرف ربطه بجهة الاستدلال من الرواية على ما نحن فيه.

و يؤيد ما ذكرناه ان القضايا التي صدرت من أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تصل إلينا بجميع خصوصياتها الخارجية الواقعة بين المترافعين و كذلك هذه القضية التي بين أيدينا فإن غرض الإمام أبي جعفر (عليه السلام) من نقلها ليس الا بيان ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد حكم بان البيع على مال الغير قابل للإجازة و ليس غرضه بيان خصوصيات القضية بأجمعها.

ثم انا لو تنزلنا عما ذكرناه من كون الصحيحة ظاهرة في صحة بيع الفضولي بالإجازة المتأخرة و قلنا بظهورها في صحته بالإجازة المسبوقة بالرد الذي هو مخالف للإجماع فهل يستفاد منها تأثير اجازة المالك في العقد الواقع على ملكه فضولا أم لا؟

ذكر المصنف ره

(ان الانصاف ان ظهور الرواية في أن الإجازة مجدية في الفضولي مع قطع النظر عن الإجازة الشخصية في مورد الرواية غير قابل للإنكار، فلا بد من تأويل ذلك الظاهر لقيام القرينة و هي الإجماع على اشتراط الإجازة بعدم سبق الرد).

و ملخص كلامه ان الصحيحة و ان وردت في قضية شخصية التي

34

لا يمكن التعدي منها الى مثلها إجماعا و لكن يمكن ان يستنبط منها تأثير اجازة المالك في العقد الواقع على ملكه فضولا في غير مورد الإجماع.

و يتوجه عليه: ان هذا انما يتم فيما إذا كان للرواية عموم أو إطلاق، فان في مثل ذلك ترفع اليد عن خصوصية المورد و يؤخذ بالعموم أو الإطلاق و ذلك لان عدم انطباق الكبرى المستفاد من رواية على موردها لا يوجب رفع اليد عن تلك الكبرى بالكلية و نظير ذلك كثير في الروايات [1] و اما إذا لم يكن للرواية إطلاق أو عموم- كما في المقام حيث ان الصحيحة تحكي قضية شخصية في مورد خاص لا نعرف كيفية وقوعها من جميع الجهات- فلا يمكن التعدي من موردها الى غيره.

____________

[1] منها صحيحة أبي نصر البزنطي عن ابى الحسن (ع) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما بملك أ يلزمه ذلك فقال لا قال رسول اللّه (ص) وضع عن أمتي ما اكره عليه و ما لم يطيقوا و ما اخطئوا الوسائل ج 16 باب 16 من كتاب الايمان ج 6 فان هذه الصحيحة و ان تنطبق على موردها إذ لا يلزم الحلف بالأمور المذكورة في الرواية في غير حال الإكراه أيضا عند الإمامية و لكن هذا لا يمتنع عن التمسك بإطلاق حديث الرفع في غير مورد الرواية و هذا ظاهر و منها موثقه ابن بكير قال سأل زرارة أبا عبد اللّه (ع) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب إلى أخر الحديث و الى غير ذلك من الروايات.

35

و إذا صح الزواج الفضولي صح سائر العقود الفضولية بالأولوية و ذلك لان الماليات يتسامح فيها بما لا يتسامح به في الفروج ضرورة ان النكاح مبنى على الاحتياط و

____________

[1] عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مملوكة بين رجلين زوجها أحدهما و الأخر غائب هل يجوز النكاح قال إذا كره الغائب لم يجز النكاح، و عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد اللّه عليه اللام في عبد بين رجلين زوجه أحدهما و الأخر لا يعلم ثم انه علم بعد ذلك له ان يفرق بينهما قال: للذي لم يعلم و لم يأذن أن يفرق بينهما و ان شاء تركه على نكاحه الوافي ج 12 ص 89 و عن ابن بزيع قال: سأله رجل مات و ترك أخوين و ابنة و الابنة صغيرة فعمد أحد الأخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه ثم مات أبو الابن المزوج فلما ان مات قال الأخر أخي لم يزوج ابنه فزوج الجارية من ابنه فقيل للجارية أيّ الزوجين أحب إليك الأول أو الآخر قالت الآخر ثم ان الأخ الثاني مات و للأخ الأول ابن أكبر من الابن المزوج فقال للجارية اختاري أيهما أحب إليك الزوج الأول أو الزوج الآخر فقال الرواية فيها انها للزوج الآخر و ذلك انها قد كانت أدركت حين زوجها و ليس لها ان تنقضي ما عقدته بعد إدراكها (يب ج 7 ص 387 الوافي ج 12 ص 67 و في رواية البقباق إذا زوج الرجل ابنه فذلك إلى أبيه موثقة. الوافي ج 12 ص 65 يب ج 2 ص 224 و رواه الشيخ بسند أخر في ص 225 و عن محمد بن الحسن الأشعري قال كتب بعض بنى عمى الى ابى جعفر الثاني عليه السلم ما تقول في صبية زوجها عمها فلما كبرت أبت التزويج فكتب بخطه لا تكره على ذلك و الأمر أمرها الوافي ج 12 ص 66 يب ج 2 ص 223 و عن الكاهلي عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) انه- سأله رجل زوّجته أمه و هو غائب قال النكاح جائز ان شاء المتزوج قبل و ان شاء ترك فان ترك المتزوج تزويجه فالمهر لامه الوافي ج 12 ص 68 يب ج 2 ص 224.

36

في غير واحد من الروايات (1) ما يدل على شدة الاهتمام بأمر النكاح و الاحتياط فيه و علل ذلك في بعضها بأنه يكون منه الولد و من الظاهر انه إذا جاز العقد الفضولي فيما كان الاحتياط فيه أشد جاز فيما كان الاحتياط فيه أضعف بطريق اولى و قد تمسك بهذا الوجه جماعة من الفقهاء بل قال في الرياض: (و لعمري انها من أقوى الأدلة و لولاها لا شكل المصير الى هذا القول لحكاية الإجماعين الآتيين-).

و يتوجه على هذا الوجه ان اهتمام الشارع بأمر النكاح و شدة احتياطه فيه لا يقتضي الاهتمام بسببه و الاحتياط فيه بل يقتضي ذلك ان يكون سببه أسهل لئلا يقع الناس في الزنا بسبب التكليف و الضيق مثلا إذا اعتبرت العربية في مادة الصيغة و هيئتها و لهجتها كان ذلك سببا لعدم تمكن أكثر الناس من سبب النكاح و يقعون في الحرام كثيرا، فالاهتمام بأمر النكاح يقتضي عدم الاحتياط في سببه دون- الاحتياط فيه لكن يعتبر فيه ما لا يعتبر في سائر العقود من الخصوصيات بل ربما يعتبر في سائر العقود ما لا يعتبر في عقد النكاح كالتقابض في المجلس فإنه معتبر في الصرف و السلم و لكنه غير معتبر في عقد النكاح و كثيرا ترى التوسعة في أسباب النكاح من تشريع المتعة و ملك اليمين و التحليل و جواز الاقتصار في مقام الاذن بالسكوت و غير ذلك و اذن، فعدم احتياط الشارع في النكاح بالتوسعة في أسبابه

____________

(1) ج 7 يب ص 67 و الوسائل باب 2 من أبواب الوكالة و رواية أخرى في ج 16 وافى ص 52 و رواية شعيب الحداد و في ج 2 يب ص 245.

37

لا يدل بالفحوى على التوسعة في أسباب سائر العقود و عليه فلا دلالة في الروايات الواردة في صحة عقد النكاح الفضولي مع ضميمة ما دل على شدة الاحتياط في النكاح على صحة سائر العقود الفضولية لا بالأولوية و لا بغيرها و اذن فلا يمكن التعدي من موارد تلك الاخبار الى غيرها على ان الأولوية ظنية و الظن لا يغني من الحق شيئا.

ثم انه ناقش المصنف في الاستدلال بالفحوى على صحة البيع الفضولي،

و حاصل مناقشته ان الأولوية المزبورة و ان كانت ثابتة في بادى النظر و لكنها مردودة بالنص الوارد في الرد على العامة في فرقهم بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل و بين بيعه حيث حكموا بالبطلان في الأول لأن البضع ليس له عوض و بالصحة في الثاني لأن المال له عوض و قد وبخهم الامام و قبحهم برمي رأيهم السقيم و زعمهم الواهي الى الجور و الفساد و استذموا و استلاموا على حكمهم هذا حيث قال الامام: ما أجور هذا الحكم و أفسد فإن النكاح اولى و أجدر أن يحتاج فيه لانه الفرج و منه يكون الولد (1) و عليه، فمقتضى الاحتياط ان الحكم بصحة النكاح الواقع اولى من الحكم بصحة البيع الواقع و اذن فتدل الرواية على كبرى كلية و هي ان الحكم بصحة المعاملة المالية الواقعة في كل مقام يستلزم الحكم بصحة النكاح بالأولوية دون العكس كما زعمه أهل السنة و الجماعة، و حينئذ فلا يجوز التعدي من صحة النكاح في مسألة الفضولي إلى صحة البيع لان الحكم في الفرع لا يستلزم الحكم في الأصل في باب

____________

(1) يب ج 2 ص 67 وسائل باب 2 من أبواب الوكالة.

38

الأولوية و الا لم تتحقق الأولوية و اذن فالاستدلال بصحة النكاح على صحة البيع مطابق لحكم العامة من كون النكاح اولى بالبطلان من جهة ان البضع غير قابل للتدارك بالعوض.

ثم انه ما هو الوجه في ان الامام (ع) قد جعل الاحتياط في إبقاء النكاح لا في إبطاله؟ مستدلا بأنه يكون منه الولد مع ان الأمر في الاعراض كالأموال دائر بين المحذورين ضرورة ان إبقاء النكاح الذي أوقعه الوكيل قبل وصول عزله إليه أحد المحذورين و إبطاله هو المحذور الآخر و عليه فلا يكون احتياط في البين.

و لعل الوجه في ذلك: هو ان المراد من الاحتياط ليس هو معناه المصطلح اى: درك الواقع على كل حال بل المراد منه هنا انما هو الأخذ بالجانب الأهم و بيان ذلك: ان الحكم بإبطال النكاح في موارد الاشتباه التي منها مورد الرواية أعني به مسألة عزل الوكيل مع عدم بلوغ الخبر اليه يستلزم التفريق بين الزوجين على تقدير صحة النكاح واقعا فتتزوج المرأة بزوج آخر و حينئذ فتتحقق الزنا بذات البعل و هذا بخلاف ما لو حكم بصحة النكاح و إبقائه فإنه حينئذ لو كان باطلا في الواقع فلا يلزم منه الا الزنا بغير ذات البعل و من الظاهر ان هذا أهون من الزنا بذات البعل فالإمام (عليه السلام) قد جعل الأخذ بأخف المحذورين احتياطا في الموارد المشتبهة من الاعراض انتهى ملخص كلامه.

و التحقيق ان الرواية أجنبية عما افاده المصنف و ان كلام القوم غير مبنى على الاحتياط لا في البيع و لا في النكاح لا من حيث- الفتوى و لا من حيث العمل، بل الرواية ناظرة إلى جهة أخرى

39

غير ما يرومه المصنف و بيان ذلك: ان حكم هؤلاء بصحة البيع مع الجهل بعزل الوكيل و ان كان موافقا للواقع و لكنه حرام لأنهم لم يستندوا فيه الى الاحتياط لكي يجيب عنه الامام (ع) بان النكاح اولى و أجدر بالاحتياط، فيكون أولى بالصحة بل استندوا في ذلك الى الاستحسان الذي يقتضي الصحة في البيع و البطلان في النكاح و لا ريب ان الاستناد الى الاستحسان في مقام الفتوى حرام لانه، فتوى بلا علم و لا هدى من اللّه و لا كتاب منير، و من الواضح ان- الفتوى بلا علم حرام بالأدلة الأربعة هذا من حيث الفتوى اما من حيث العمل، فلا شبهة في ان حكمهم بصحة البيع لا يوافق الواقع دائما حتى موافقا للاحتياط بل البيع مردد بين وقوعه و عدم وقوعه، و حينئذ فأمره دائر بين المحذورين فلا احتياط في البين و هكذا الحال في النكاح أيضا طابق النعل بالنعل، ضرورة ان حكمهم ببطلانه غير مبنى على الاحتياط بل انما هو مبنى على الاستحسان و عليه فحكمهم ببطلانه حرام لكونه فتوى بلا علم و انه في نفسه اما واقع أو غير واقع فيكون في مقام العمل من صغريات دوران الأمر بين المحذورين لا من موارد الاحتياط، نعم يمكن الاحتياط في النكاح بأنحاء شتى:

1- طلاق المرأة، لأنها لو كانت مزوجة في الواقع لبانت عن زوجها و الا أصبح الطلاق لغوا.

2- اجزاء العقد عليها ثانيا.

3- الإجازة مع عدم رد المرأة العقد الذي أوقعه الوكيل مع الجهل بالعزل.

40

و اما معنى الخبر فغرض الامام (ع) منه- و اللّه العالم- انما هو الرد على هؤلاء القوم الذين أفتوا بصحة البيع و بطلان النكاح الفضوليين مستندين في ذلك الى الاستحسان و بيان ذلك ان هؤلاء قد- وضعوا أمر الدين أصولا و فروعا في غير محله و لم يرجعوه إلى اهله و لم يستندوا فيه الى آية صريحة و لا سنة معتبرة و لا عقل سليم بل استبدوا بآرائهم الواهية و عقولهم الناقصة و انقطعوا بذلك عن العترة الطاهرة و استظهروا بالمعصية على الطاعة و بالفرقة على الاجتماع و بالشتات على الألفة و بالباطل على الحق و استبدوا العمى من الرشد و الذل من العز حتى تمزق الاجتماع و تفرق المسلمون مثل أيادي سبا و طلعت الشمس من غير محلها فضلوا و أضلوا فذلك هو الخسران المبين مع ان النزول على حكم الأدلة و البراهين و التعبد بسنة سيد المرسلين قد أخذ الأعناق إلى الأخذ بمذهب الأئمة الطاهرين و الانقطاع إليهم في فروع الدين و عقائده و أصول الفقه و قواعده و معارف السنة و الكتاب و علوم الأخلاق و السلوك و الآداب فالإمام (ع) قد رد على هؤلاء حيث لم يحتاطوا في الماليات و أفتوا بصحة البيع الفضولي و استندوا في رأيهم هذا الى الاستحسان و لم يرجعوا فيه الى اهله و لم يمتنعوا عن الحكم فيه و ان كان رأيهم موافقا للواقع و لم يحتاطوا في الاعراض أيضا حيث أفتوا ببطلان النكاح الفضولي مع ان النكاح من مهمات ما يتوقف عليه نظام الدين و الدنيا و كان الاحتياط فيه أجدر و أحرى لأن تركه ربما يوجب التفريق بين الزوجين و الزنا بذات البعل و يكون ذلك وسيلة إلى تولد الفراعنة و الجبارة فيفسدون في الأرض و يسفكون الدماء و قد أشار الإمام (عليه السلام)

41

الى خطائهم و بطلان استحسانهم بقوله (عليه السلام) ما أجور هذا الحكم و أفسد فإن النكاح اولى و أجدر أن يحتاط فيه.

و على الجملة ان الامام (عليه السلام) وبخهم و وجه الإزراء عليهم من جهة إقدامهم على الفتوى بلا دليل شرعي و عدم سكوتهم فيما لا بد من التوقف فيه مع ان الاحتياط كان مقتضيا للسكوت، فقد اتضح لك مما بيناه ان الرواية بعيدة عن المعنى الذي ذكره المصنف ثم انه قد يقرر تقريب الفحوى بوجه آخر- كما في المقابيس و غيره- و حاصله انه إذا صح تمليك البضع بالإجازة مع انه لا عوض له صح التمليك المال المتضمن للعوض بالأولوية.

و يرد عليه ان عدم مقابلته بالمال لا يدل على الأولوية المزبورة إذ من المحتمل ان يكون ذلك لاهمية البضع و يضاف الى ذلك ان البضع أيضا له عوض غاية الأمر انه لا يلزم ذكره في العقد بل في الجواهر (انه لا خلاف في ان ذكر المهر ليس شرطا في صحة العقد بل الإجماع بقسميه عليه مضافا الى ظاهر آية لا جناح و النّصوص المستفيضة أو المتواترة).

على ان هذه الأولوية ظنية لأن مصالح الأحكام خفية و من الظاهر ان الأدلة الظنية لا تصلح لإثبات الأحكام الشرعية.

42

الوجه الخامس الروايات [1] الدالة على صحة نكاح العقد الواقع بدون اذن مولاه

و قد علل هذا الحكم في بعضها بأنه لم يعص اللّه و انّما عصى سيده فقد استدل بها على صحة بيع الفضولي و تقريب ذلك بوجهين:

الأول من ناحية الفحوى و الأولوية المستفاد من مجموع تلك الاخبار

و بيان ذلك انه إذا صح نكاح العبد الواقع بدون اذن سيده بالإجازة اللاحقة مع كونه فضوليا لتصرفه في مملوك مولاه و كونه محجورا عليه إذ لا سلطان له في مقابل سلطنة مولاه صح العقد

____________

[1] عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): انه أتاه رجل بعبده فقال: ان عبدي تزوج بغير ادنى فقال (عليه السلام): فرق بينهما فقال السيد لعبده: يا عدوا للّه طلق فقال (ع) كيف قلت له قال: قلت له: طلق فقال للعبد أما الان فإن شئت فأمسك حيث قلت له طلق أقررت له بالنكاح يب ج 2 ص 214 الوافي ج 12 ص 88 و البحار ج 23 ص 80 و عن معاوية بن وهب عن الصادق (ع) انه قال في رجل كاتب على نفسه و ماله و له أمة و قد شرط عليه ان لا يتزوج فأعتق الأمة و تزوجها فقال لا يصلح له ان يحدث في ماله إلا الأكلة من الطعام و نكاحه فاسد مردود قيل فان سيده علم بنكاحه و لم يقل شيئا قال إذا صحت حين يعلم بذلك فقد أقر الكافي ج 5 ص 478 و الوافي ج 12 ص 88 و عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال سألته عن رجل تزوج عبده بغير اذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه فقال: ذلك الى مولاه ان شاء فرق بينهما و ان شاء أجاز نكاحهما فقلت لأبي جعفر (ع) فإنه في أصل النكاح كان عاصيا فقال (ع) و ليس بعاص للّه و انما عصى سيده و في رواية أخرى لزرارة عنه (ع) انه لم يعص اللّه و انما عصى سيده فإذا اجازه فهو له جائز الكافي ج 5 ص 478 و الوافي ج 12 ص 88 و يب ج 2 ص 213.

43

المتمرض في الفضولية بالأولوية.

و فيه ما عرفته آنفا من ان الأولوية ليست بقطعية لكي يمكن الأخذ بها في الأحكام الشرعية بل هي ظنية فلا يجوز الاستناد إليها لأن مصالح الاحكام غير معلومة لنا.

الثاني: من ناحية عموم التعليل المذكور في الخبرين

فقد استدل بذلك شيخنا الأستاذ و إليك لفظ مقرر بحثه: (ان ظاهر قوله (عليه السلام) انه لم يعص اللّه و انما عصى سيده ان المناط في البطلان هو عدم تشريع اللّه سبحانه المنشأ بالعقد و اما إذا كان مشروعا من قبله سبحانه و لكنه في عقده تصرف في سلطان الغير، فهو منوط بإجازته، فإذا أجاز جاز فقوله (ع) فإذا أجاز جاز بمنزلة كبرى كلية و خصوصية كون العاقد عبدا و كون ذي حق سيدا ملغى قطعا، لانه (ع) في مقام بيان ان كل من تصرف في متعلق حق الغير فأمر هذا التصرف راجع الى ذي الحق ان شاء أبطله و ان شاء اجازه و على هذا، فلو فرض ان نكاح العبد من قبيل بيع الراهن لا من قبيل بيع مال الغير فلا يضر بالاستدلال، لان المناط في صحة الفضولي توقف العقد على اجازة الغير سواء كان جهة الوقوف كون المال مال الغير أم كونه متعلقا لحق الغير كتعلق حق الرهانة أو حق الغرماء و الديان أو حق السادات و الفقراء و نحو ذلك).

و ملخص كلامه: ان الاستدلال بتلك الروايات على صحة بيع الفضولي لا يتوقف إلى إثبات الأولوية لكي يناقش فيها بما عرفته قريبا بل يمكن الاستدلال على ذلك بعموم العلة المنصوصة في الخبرين المستفادة من مقابلة عصيان اللّه بعصيان السيد بدعوى

44

ان العبد لم يعص اللّه في نكاحه لكي يكون قابلا للزوال بالإجازة اللاحقة كالعقد في العدة و أشباهه كما في أحد الخبرين لان حرام اللّه حرام الى يوم القيامة و انما عصى سيده الذي يزول عصيانه بتبديل كراهته برضائه، فيستفاد من ذلك ان النكاح المزبور مشروع في نفسه و انما المانع عن نفوذه هو كراهة السيد فإذا رضى به صح و عليه، فيصح كل عقد مشروع في نفسه بالإجازة اللاحقة إذ لا خصوصية لنكاح العبد لنفسه و اذن فالإمام (ع) في مقام بيان الضابطة الكلية و هي ان كل عقد كان فيه عصيان للّه تعالى، فهو فاسد كالعقد في العدة و العقد على المحارم و بيع الخمر و الخنزير و كل عقد لم يكن فيه عصيان للّه تعالى فهو صحيح غاية الأمر انه محتاج إلى إجازة سيده.

و قال المصنف ما هذا لفظه

(و ربما يؤيد المطلب بالأخبار الدالة على عدم فساد نكاح العبد بدون اذن مولاه معللا بأنه لم يعص اللّه و انما عصى سيده، أن المانع من صحة العقد إذا كان لا يرجى زواله، فهو الموجب لوقوع العقد باطلا و هو عصيان اللّه تعالى و اما المانع الذي يرجى زواله كعصيان السيد فبزواله يصح العقد و رضا المالك من هذا القبيل فإنه لا يرض أولا و يرضى ثانيا بخلاف سخط اللّه عز و جل بفعل فإنه يستحيل رضاه.

و يرد عليه انه لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات بوجه على صحة بيع الفضولي بالإجازة اللاحقة للفرق الواضح بين مفادها و بين البيع الفضولي ضرورة إذ العقد في موردها مستند الى من له العقد كما عرفته سابقا إذ المفروض ان العبد قد تزوج لنفسه الا انه فاقد لما

45

هو معتبر في صحته و هو رضا السيد و اذن، فلا اشعار فيها بصحة البيع الفضولي فضلا عن الدلالة عليها نعم يمكن التعدي منها الى ما يماثل موردها كعقد بنت الأخ، فإن صحته متوقفة على رضا العمة و كعقد بنت الأخت فإن صحتها متوقفة على رضا الخالة على ما في بعض الروايات (1) و عليه فإذا تزوج الرجل ببنت الأخ بدون رضا العمة أو ببنت الأخت بدون رضا الخالة حكم بصحة ذلك بالرضا المتأخر منهما من جهة تلك الروايات لانه لم يعص اللّه حتى لا يزول عصيانه بل عصى المخلوق فيزول بالرضا و عليه فتدل الرواية على كبرى كلية و هي ان كل عقد صدر من اهله و وقع في محله و لكن يتوقف نفوذه على اجازة الغير فهو نافذ بالإجازة بمقتضى التعليل المذكور في تلك الأخيار، فلا دلالة فيها على صحة ما يتوقف أصل انعقاده على اجازة الغير، نعم لو كان التعليل بان كان كل عقد كان فيه عصيان المخلوق دون الخالق، فهو محكوم بالصحة برضا الغير لكان شاملا للبيع الفضولي أيضا و لكن الواقع في الرواية ليس كذلك.

و قد اتضح لك مما ذكرناه انه لا يصح الاستدلال على صحة بيع الفضولي بالإجماع على نفوذ بيع المفلّس مع اجازة الغرماء و على نفوذ بيع الراهن مع اجازة المرتهن لأن شيئا من ذلك لا يرتبط بما نحن فيه.

ثم إذا سلمنا دلالة الأخبار المذكورة على صحة عقد الفضولي لم يصح ما نسب الى ابن حمزة ره من ان نكاح العبد و كذا نكاح

____________

(1) راجع الوافي ج 12 ص 37 و يب ج 2 ص 208 و الكافي ج 5 ص 424 و الوسائل باب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

46

الحر لغيره فضولا كنكاح الولي الشرعي و العرفي انما يصح بالإجازة لخصوصية خاصة في كل مورد فلا يمكن التعدي من هذه الموارد الى مطلق نكاح الفضولي فضلا عن سائر العقود الفضولية و ذلك لعدم الفارق بينها و بين سائر العقود الفضولية لوحدة المناط في الجميع و لكن قد عرفت عدم دلالتها على ذلك.

الوجه السادس: الروايات [1] الواردة في إباحة المناكح

و

____________

[1] عن على بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى إِذٰا جٰاؤُهٰا وَ فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ان فلانا و فلانا غصبونا حقنا و اشتروا به الإماء و تزوجوا به النساء الا و انا قد جعلنا شيعتنا من ذلك في حل لتطيب مواليدهم. و عن غوالي اللئالي سئل الصادق (ع) فقيل يا ابن رسول اللّه ما حال شيعتكم فيما خصكم اللّه به إذا غاب غائبكم إلخ مستدرك ج 2 ص 555، و عن علبا الأسدي قال دخلت على ابى جعفر (ع) فقلت له: انى وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا و اشتريت متاعا و اشتريت رقيقا و اشتريت أمهات أولاد و ولد لي و أنفقت و هذا خمس ذلك المال و هؤلاء أمهات أولادي و نسائي و قد أتيتك به فقال: اما انه كله لنا و قد قبلت ما جئت به و حللتك من أمهات أولادك و نسائك رجال الكشي.

و عن الحسن بن على العسكري (ع) عن آبائه (ع) عن أمير المؤمنين (ع) انه قال لرسول اللّه (ص): قد علمت يا رسول اللّه انه سيكون بعدك ملك غضوض و جبر فيستولى على خمس من السبي و الغنائم و يبيعونه فلا يحل لمشتريه لأن نصيبي فيه فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل و مشرب و لتطيب مواليدهم و لا يكون أولادهم أولاد حرام مجهول.

الوسائل باب 4 من أبواب الأنفال ج 20.

و عن سالم بن مكرم عن أبي عبد اللّه (ع) قال رجل و انا حاضر

47

المساكين و المتاجر للشيعة و ان كان ذلك بأجمعه للإمام (عليه السلام) فإنها تدل على ان الأئمة (عليهم السلام) قد أجازوا معاملات شيعتهم على أموالهم فتدل على تأثير الإجازة اللاحقة.

أقول لا يخفى عليك ان هذه الروايات يمكن الاستدلال بها على صحة البيع الفضولي على تقدير و لا يمكن ذلك على تقدير آخر و بيانه انك قد عرفت في طليعة البحث عن العقد الفضولي ان اقتران رضا المالك بالعقد الصادر من الأجنبي لا يخرجه عن عنوان الفضولي إلا إذا أظهره بمظهر خارجي و هذا لا شبهة فيه.

و انما البحث في ان الاذن الغير الواصل هل يخرج العقد عن الفضولية أم لا؟ كما إذا اذن المالك في بيع شيء من ماله فباعه المأذون قبل وصول الإذن إليه فإن قلنا بتأثير الاذن الغير الواصل في خروج العقد عن الفضولية، فالإجازة المزبورة أجنبية عن بحث الفضولي بالكلية، ضرورة أن الأئمة (ع) قد أذنوا لشيعتهم في المعاملة على ما فيه حق الامام (ع) غاية الأمران المشتري لم يطلع على ذلك الاذن و عليه، فتكون تلك المعاملة مستندة الى الأئمة

____________

حلل لي الفروج ففزع أبو عبد اللّه (ع) فقال له: رجل ليس يسألك أن يعترض الطريق انما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا أعطيه فقال هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم و الغائب و الميت منهم و الحي و ما يولد منهم الى يوم القيامة الوسائل باب 4 من أبواب الأنفال ج 4 ضعيف بسالم بن مكرم و حديث الأول من باب 4 أيضا.

48

(ع) لأجل ذلك الاذن الموجود حين العقد، و ان قلنا بان مجرّد صدور الاذن من المالك لا يخرج المعاملة الصادرة من الأجنبي عن عنوان الفضولي ما لم يصل اليه، بل الاذن المزبور انما يؤثر في خروجها عن الفضولية حين وصوله الى العاقدان قلنا بذلك فالروايات المذكورة تدل على صحة العقود الفضولية و هذا هو الحق لأن الأئمة و ان أذنوا في المعاملة على أموالهم و لكنه لم يصل الى المشتري و من الظاهر ان العقد انما يخرج عن الفضولية باستناده الى المالك و لا يستند العقد اليه بمجرد صدور الاذن منه و ان لم يصل الى العاقد بل انما يستند اليه ذلك بالاذن الواصل و يكون عندئذ مشمولا للعمومات و المطلقات الدالة على صحة العقود و نفوذها و اذن فتدل تلك الروايات أيضا على صحة العقود الفضولية بالإجازة اللاحقة.

و دعوى ان ما اشتملت عليه تلك الروايات حكم شرعي لا يجب تطبيقه على القواعد، و لا يمكن التعدي من موردها الى مورد آخر، دعوى فاسدة، لأن الظاهر منها هو ان الامام (ع) انّما يمضى معاملات شيعتهم الواقعة على أمواله بعنوان انه مالك كسائر الملاك فينتج من ذلك قاعدة كلية و هي ان كل مالك يجوز له إمضاء المعاملة الفضولية الواقعة على ماله و على هذا فإذا اشترى أحد شيئا ثم علم ان البائع لم يؤد خمسة كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليا و يحكم بصحته من ناحية إجازة الإمام (ع) فلا يحتاج إلى إجازة الحاكم و عليه، فيتعلق الخمس بالثمن و لو كان ذلك جارية بل يصح النقل بلا عوض أيضا و حينئذ فيتعلق الخمس بذمة

49

الناقل و كل ذلك لأجل تلك الروايات و قد ذكرنا في كتاب الخمس ان اخبار التحليل كلها مطلقها و مقيدها محمولة على هذه الجهة و ان التحليل انما هو للمنقول اليه فقط لا للناقل بل ذمته مشغولة بحق الامام (ع) و انما التزمنا بذلك جمعا بين الاخبار الدالة على طيب المناكح و المساكين و المتاجر للشيعة و بين ما دل على وجوب إيصال حق الإمام إليه كرواية الكليني عن على بن إبراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبى جعفر (ع) إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل إلخ، الوسائل باب 3 من أبواب الأنفال و لو أغمضنا عما ذكرناه لما جاز شراء ما فيه حق الامام (ع) و لما جاز التصرف و لما جاز و طي الأمة التي هي للإمام (ع) مع انها جائزة و أيضا يلزم ان يكون المتولد من تلك الجارية ولد زنا مع انه ليس كذلك و جميع ذلك ليس الا من ان الامام (ع) قد امضى هذه المعاملات تفضلا منه على شيعتهم و قد اتضح لك مما ذكرناه فساد ما يقال: من ان مقتضى ما دل على طيب المناكح هو اباحة و طي الجارية التي جعلت ثمنا لما فيه الخمس مع ان مقتضى انتقال الخمس الى الثمن هو عدم الجواز و وجه الفساد هو ما ذكرناه من مقتضى الجمع بين الاخبار هو اختصاص التحليل بالمنقول اليه فقط فلا يعم الناقل و تفصيل الكلام في محله.

الوجه السابع: الروايات [1] الواردة في عامل مال المضاربة لو خالف ما شرط عليه

من تعيين سلعة مخصوصة فاشترى غيرها أو المنع عن السفر إلى أرض معلومة فسافر إليها فإنها تدل على انه

50

يضمن مال المضاربة مع التلف و لكن الربح مشترك بينهما على الشرط و هذا لا يتم الا على القول بصحة المعاملات الفضولية و تأثير الإجازة اللاحقة فيها، فإنه على هذا تكون المعاملة الصادرة من العامل فضولية و تصح بالإجازة اللاحقة و الا فمقتضى القاعدة ان يكون مجموع الربح للمالك.

____________

[1] يب عن جميل عن ابى عبد اللّه (ع) في رجل دفع الى رجل ما لا يشترى به ضربا من المتاع فاشترى به غير الذي أمره قال هو ضامن و الربح بينهما على ما شرط و روى الكليني و الشيخ بإسناد هما عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (ع) انه قال في الرجل يعطى الرجل المال فيقول له ائت أرض كذا و كذا و لا تجاوزها و اشتر منها قال: فان جاوزها و هلك المال، فهو ضامن و ان اشترى متاعا فوضع فيه فهو عليه و ان ربح فهو بينهما حسن بابن هاشم. كافي عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة و ينهى ان يخرج به فخرج قال: يضمن المال و الربح بينهما. تهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (ع) في الرجل يعط الرجل مالا مضاربة و ينهناه أن يخرج به الى أرض أخرى فعصاه فقال هو له ضامن و الربح بينهما إذا شرطه و عصاه.

فقيه عن الكناني قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن المضاربة يعطى الرجل المال يخرج به الى الأرض و نهى أن يخرج به الى أرض غيرها فعصى فخرج به الى أرض أخرى فعطب المال فقال هو ضامن فإن أسلم فربح فالربح بينهما تهذيب عن الشحام عن الصادق (ع) في المضاربة إذا اعطى الرجل المال و نهى ان يخرج بالمال إلى أرض أخرى فعصاه فخرج به قال هو ضامن و الربح بينهما الكافي ج 5 ص 240 و التهذيب ج 2 ص 170 و الوافي ج 10 ص 120 و الفقيه طبعة النجف ص 143.

51

قال المصنف- و هذا نصه-:

(فإنها إن أبقيت على ظاهرها من عدم توقف ملك الربح على الإجازة كما نسب الى ظاهر الأصحاب و عدّ هذا خارجا عن بيع الفضولي بالنص كما في المسالك و غيره كان فيها استيناس لحكم المسألة من حيث عدم اعتبار اذن المالك سابقا في نقل المالك الى غيره و أم حملناها على صورة رضا المالك بالمعاملة بعد ظهور الربح كما هو الغالب و بمقتضى الجمع بين هذه الاخبار و بين ما دل على اعتبار رضا المالك في نقل ماله و النهي عن أكل المال بالباطل [1] اندرجت المعاملة في الفضولي و صحتها في خصوص المورد و ان احتمل كونها للنص الخاص الا انها لا تخلو عن تأييد للمطلب.

و ملخص كلامه ان الروايات الدالة على صحة المعاملة الصادرة من عامل القراض تدور على احتمالين أحدهما: عدم لزوم الإجازة في المعاملة المزبورة، و الثاني: دلالتها على صحة تلك المعاملة مع الإجازة اللاحقة ضرورة ان المالك و ان لم يكن راضيا بها قبل ظهور الربح و لكنه رضى بها و على الأول، فيستأنس بها لصحة بيع الفضولي لاشتراكه مع مورد الروايات في عدم لزوم الاذن السابق في نقل المال، و على الثاني، فتدل على صحة بيع الفضولي.

أقول: اما الاحتمال الأول فيرد عليه ان مجرد الاستيناس لا يدل على صحة بيع الفضولي، فإنه لا يفيد الا الظن فهو لا يغني

____________

[1] كآية التجارة عن تراض و الروايات الدالّة على حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه و رضائه و قد ذكرنا هذه الروايات في الجزء الثاني ص 137.

52

من الحق شيئا بل لا استيناس هنا أيضا بديهة ان الحكم بصحة عقد الفضولي بلا احتياجه إلى الإجازة اللاحقة في مورد خاص للنص غير مربوط بصحة المعاملة الفضولي مع الإجازة و ذلك لان النص قد دل عدم اعتبار اذن المالك في الأول بخلاف الثاني فإنه تعتبر في صحته اجازة المالك- كما هو المفروض- و اشتراك مورد النصوص مع سائر العقود الفضولية في عدم اقتران العقد باذن المالك لا يقتضي الاتحاد من جميع الجهات على انه لو صح التمسك بها في المقام للزم الحكم بصحة بيع الفضولي بلا احتياج الى رضا المالك لا سابقا و لا لاحقا إذ لم يفرض في مورد الروايات احتياج معاملة العامل إلى اجازة المالك، بل انما حكم الامام (ع) بصحتها على وجه الإطلاق.

فتحصل ان هذه الروايات أجنبية عن بيع الفضولية بالكلية في مورد فلا استيناس بها لصحة بيع الفضولي بوجه، و اما الاحتمال الثاني فيتوجه عليه انا لو فرضنا لحوق الإجازة من المالك بالمعاملة التي أوقعها العامل و لكنها لا يتفق و مورد الروايات، بداهة ان المذكور فيها انما هو اشتراك الربح بين المالك و العامل و مقتضى لحوق الإجازة بها هو كون الربح بأجمعه للمالك و ان العامل لاستحق منه شيئا.

و دعوى ان المالك انما أجاز البيع بعنوان انه من مصاديق المضاربة و من الظاهر ان مقتضى عقد المضاربة هو اشتراك الربح بينهما، دعوى فاسدة، لأنها تكلف في تكلف على ان ذلك يقتضي كون التلف على المالك لا على العامل مع انه مخالف لصريح تلك الروايات على ان حملها على صورة لحوق الإجازة من المالك دعوى