مصباح الفقاهة - ج5

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
501 /
3

-

4

[تتمة كتاب البيع]

[تتمة و من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين من المالك]

5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

قوله: (مسألة: لو باع ما يقبل التّملك و ما لا يقبله كالخمر و الخنزير صفقة بثمن واحد).

أقول: لو باع ما يملك و ما لا يملك قسط الثمن إليهما فيصح فيما يملك و لا يصحّ فيما لا يملك على المشهور لوجود المقتضى، و عدم المانع اما وجود المقتضى فلأنّه و إن كان بيعا واحدا و لكنّه منحلّ الى بيوع متعدّدة فيبطل بالنسبة إلى ما لا يملك فيصح فيما يملك للعمومات المقتضية لذلك من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ، و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ، و يدلّ على الصحة مضافا الى ما ذكرناه من كون الصحة هو مقتضى القاعدة خبر الصفّار المتقدم فإنه و ان ورد في ما يملك و ما لا يملك من القرية و ليس متعرّضا الى بيع ما يقبل التّملك و ما لا يقبل التملك و لكن جواب الإمام (ع) عن السائل بقوله (لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب اشتراء من البائع على ما يملك) يشمل ما نحن فيه أيضا، فإن الظاهر منها ان اجتماع ما يصحّ بيعه مع ما لا يصحّ بيعه لا يوجب البطلان و انّما ينحل البيع الى بيوع: عديدة فيبطل في بعضه و يصح في بعضه الأخر، فلا يسرى بطلان أحدهما إلى الأخر فكأنّ هنا بيعان أحدهما صحيح و الأخر باطل، فهل يتوهم أحد إضرار أحدهما بالاخر نعم انما تخلّف عن الصحيح اشتراط الانضمام فقط فهو لا يوجب الّا الخيار فقط.

و اما المانع فذكر بوجوه فكلّها غير قابلة للمانعية الأوّل: أن البيع الواحد و المعاملة الواحدة غير قابلة للتّبعيض فلا بد اما من القول بالصحة مطلقا فهو غير ممكن أو القول بالبطلان كذلك فهو المطلوب.

و فيه ان بيع ما يقبل التملك مع ما لا يقبله كبيع ما يملك مع ما لا يملك و ان كان واحدا بحسب الصورة الّا ان منحلّ الى بيعين قد أبرزا بمبرز واحد

6

فهما متحدان في المبرز و المظهر فقط، و الّا فواقع ذلك هو التعدد فابرازهما مبرز واحد لا يوجب انقلابهما إلى الواحدة.

نعم، لا ينكر اشتراط كل منهما بانضمامه الى الأخر في ضمن العقد، فيكون التخلف موجبا للخيار دون البطلان كما سيأتي في باب تخلف الشرط و قد عرفت نظيره في بيع ما يملك و ما لا يملك اعنى اجتماع الفضولي مع غيره.

الثاني: انّ العقد انما وقع بالمجموع من حيث المجموع فالاجزاء ليست بمقصودة فيبطل البيع في الاجزاء لعدم القصد فيها.

و فيه انه ظهر جوابه مما تقدم إذ بعد انحلاله الى بيوع متعددة و شمول العمومات لكل منها فيكون كل منها مقصودا أيضا غاية الأمر أنه مقصود بشرط الانضمام الى الآخر فيثبت للمشترى خيار تخلّف الشرط الضمني فقط كما لا يخفى.

الثالث: أنّ من شرائط البيع أن لا يكون الثمن أو المثمن مجهولا و إلّا فيبطل ففي المقام لا يعلم أن ما وقع في مقابل ما يقبل التملك أى مقدار من الثمن فيفسد لذلك.

و فيه أن الجهالة من حيث هي لا تمنع عن صحة البيع لعدم الدليل عليه، و انما تكون مانعة فيما تستلزم الغرر الذي نهى عنه في البيع، و في المقام ليس البيع غرريّا لاقدام المشتري على ذلك، فينتفى عنه الغرر، بل ربما يقال بأن الجهالة و ان كان موجودة حال العقد أيضا مع العلم بعدم إمضاء الشارع ذلك العقد، و لكنها لا تكون مانعة بعد ما كانت بالتقسيط إذ المدار في الصحة ان لا يكون البيع غرريا بجهالة الثمن أو المثمن حين التسليم و التسلم و على تسليم كونها مانعة عن صحة البيع بنفسها، فإنما تمنع حين انعقاد البيع و تحققه و ان من شرائط ان لا يكون الثمن أو المثمن فيه مجهولا و امّا الجهالة الناشئة من عدم إمضاء الشارع فلا تكون مانعة عن صحة البيع

7

إذ لا دليل على مانعيتها إلّا النبوي المعروف، نهى النبي عن بيع الغرر أو الغرر كما في مرسلة العلامة، فقد عرفت ما فيه من عدم الغرر هنا.

و امّا الإجماع فهو دليل لبّى فالمتيقن منه هي الجهالة عند البيع لا الجهالة الناشئة من عدم إمضاء الشارع كما هو واضح، ففي ما نحن فيه ان الخمر و الخنزير من الأموال العرفية و المعاملة عليهما صحيحة في نظر العرف و لكن حيث الغي الشارع ماليتهما و لم يمض بيعهما فنشأ الجهالة من ذلك فلا تكون مورد للإجماع و من هنا يعلم ان بطلان البيع في الخمر و الخنزير يوجب جهالة ثمن الشاة و الخل واضح المنع.

و بالجملة فشيء من الوجوه المذكورة لا تصلح للمانعيّة عن صحة البيع في الجزء الذي يقبل التملك.

نعم في المقام شيء آخر و هو انه بناء على فساد البيع بفساد الشرط أو اشتراط الشرط الفاسد فيه، فالبيع يكون باطلا في ما يقبل التملك أيضا بيان ذلك ان جمع الشيئين في بيع واحد و ان كان بحسب الصورة واحدا و لكن بحسب الانحلال انهما بيعان كما عرفت و لكن كل منهما مشروط بانضمامه بالاخر، فبظهور بعض اجزاء المبيع خمرا أو خنزيرا ينعدم ذلك الشرط و يتخلّف لكونه فاسدا فكأنّ في الحقيقة ان بيع الخل أو الشاة مشروط بانتقال الخمر أو الخنزير إلى المشتري نظير اشتراط شرب الخمر و نحوه من المحرمات فيكون البيع باطلا للشرط الفاسد كما هو واضح.

و لكن سيأتي في باب الشرط ان فساد الشرط أو اشتراط الشرط الفاسد في البيع لا يوجب بطلانه بوجه، بل يوجب ثبوت الخيار للمشروط له على المشروط عليه.

و قد خالف شيخنا الأستاذ في ذلك و قال بعدم جواز قياس فساد الجزء

8

بفساد الشرط و قال و لو قلنا بأن فساد الشرط يوجب فساد العقد المشروط به إلّا أنه لا يمكن قياس فساد الجزء عليه لأن الشرط لا يقع بإزاء شيء من الثمن، بل يوجب زيادة قيمة المشروط فإذا قيد به و كان فساده موجبا لعدم إمكان تحققه فالعقد المقيد لم يتحقق و أما الجزء الفاسد فحيث أن الثمن يوزّع عليه و على الجزء الآخر ففساده لا يقتضي إلّا ردّ الثمن الذي وقع بإزائه أي يفسد العقد بالنسبة إليه دون الجزء الآخر الصحيح الغير المقيد بما لا يمكن تحصيله أو تحققه.

و لكنه من عجائب الكلام كيف فبعد ما انحل ذلك الى بيوع متعددة فلا يوجب الاجتماع إلّا في اشتراط كلّ منهما بالآخر فيكون من صغريات الشرط الفاسد و لكن الذي يهوّن الخطب ان الشرط الفاسد لا يوجب فساد المشروط كما سيأتي في محلّه.

قوله: (نعم ربما يقيّد الحكم بصورة جهل المشتري).

أقول: الذي يظهر من الشهيد هو أن في صورة العلم يكون بعض اجزاء المبيع ممّا لا يقبل التملّك ان الثمن يقع في مقابل المملوك فيكون مجموعه للبائع فليس للمشترى أن يرجع إليه بالنسبة الى ما وقع في مقابل الخمر أو الخنزير.

و فيه انك عرفت ان مجموع الثمن انّما وقع بإزاء مجموع المثمن فابرز بمبرز واحد و لكن بحسب الانحلال ينحلّ الى بيعين فيكون ذلك نظير بيع الشاة و الخنزير مستقلّة اذن فلا وجه لبطلان البيع في صورة الجهل و صحته في صورة العلم لوقوع الثمن كلّه بإزاء المملوك بل يقسّط الثمن إليهما.

نعم بناء على ما تقدم في بيع الغاصب من ان المشتري مع علمه بالغصب يسلّط البائع الغاصب على ماله مجانا فليس له الرجوع إليه في صورة التلف، بل قيل بعدم الرجوع حتى في صورة عدم التلف فله وجه و لكن عرفت

9

بطلانه و عدم صحة ذلك المبنى أيضا و ان المشتري يرجع الى الغاصب مطلقا مع انك عرفت ان مقدار من الثمن انما وقع بإزاء ما لا يقبل التملك لما قلنا من صحة التقسيط.

نعم، بناء على ما ذكر في بيع الغاصب فيكون المقام نظيره لو باع الخنزير فقط مع العلم به إذ ليس هذا الّا تسليط الغير على ماله مجانا و اما كيفيّة التقسيط فقد عرفت طريقه من ان كلا من المملوك و غير المملوك يقوم منضمّا إلى الأخر فيسترد من الثمن بنسبة قيمة غير المملوك الى المجموع من أصل الثمن فيرجع في تقويم الخمر و الخنزير هنا الى المستحلّ فهذا واضح، و انما الكلام في انه لو كان المبيع هي الشاة مع الخنزير أو الخلّ مع الخمر فالأمر كما ذكر و لكن لو باع الشاة و الخنزير ببيع واحد أو الخلّ و الخمر كك باعتقاد الخلية و الشاتية فهل يقوّم الخنزير بتلك الهيئة شاة و الخمر خلا أو يقوّمان بصورتهما النوعية، فقال شيخنا الأنصاري بالأول و هو كك لأنه إنما باع الخل و الشاة فظهورهما على خلاف ما قصده البائع و باع على ذلك القصد لا يكون مناطا في التقسيط.

و قد أشكل عليه شيخنا الأستاذ بأنّ العناوين من قبيل الدواعي فلا يوجب تخلّفها تبدل الموضوع بل يتقدّم الإشارة الواقعة إلى الخارج على العنوان، فلا بد و ان يقدم الخنزير بعنوان الخنزيرية و هكذا الخمر بما انها خمر لا بعنوان الشاتية و الخليّة.

و هذا من عجائب الكلام، فإنه بعد ما كان المبيع هي الشاة أو الخل و لو كان الواقع على خلافه فلا وجه لتقويمهما على خلاف المقصود، بل يقوم كل من الخنزير و الخمر بعنوان الشاتية و الخليّة بما انهما شاة و خل كذلك.

بل ربما يوجب ذلك تضرر المشتري كما إذا كان قيمة الخنزير أقل من

10

قيمة الشاة و ربما يوجب تضرر البائع كما إذا كان أكثر، بل ربّما يوجب الجمع بين الثمن و المثمن كما إذا كان قيمة الخنزير عند مستحله ضعفي قيمة الشاة فكل ذلك مما لا يمكن الالتزام به.

و بالجملة لو باع ما يقبل التملك و ما لا يقبل، فالوجه هنا هو الصحة بالنسبة الى ما يقبل التملك و الفساد في غيره فيقسط الثمن إليهما.

نعم، لو كان ما لا يقبل التملّك خارجا عن حدود المالية العرفية و لم يصدق عليه المال في نظر العرف أيضا كما لا يصدق عليه ذلك في نظر الشرع كبيع الشاة مع الخنفساء أو مع سائر الحشرات الأرضيّة توجّه القول بالبطلان لغرر المذكور فيكون الثمن الواقع في مقابل المملوك مجهولا من الأول لعدم التقسيط حتى يعلم ذلك به، و لا يكون غرريا إذ ليس بيع الخنفساء بيعا من الأول فإنه حتى بناء على النظر العرفي مبادلة مال بمال بناء على اعتبار المالية فالخنفساء و نحوها ليس من الأموال حتى يتحقق عنوان المبادلة اذن فالوجه هو التفصيل في المسألة، فالقول بالصحة في ما يقبل التملك و البطلان فيما لا يقبله بالتقسيط لو كان ما لا يقبله أيضا من الأموال في نظر العرف و يكون التبادل عليه من مصاديق مبادلة مال بمال كالخمر و الخنزير إذ هما من الأموال العرفية و اما لو لم يكن ذلك من الأموال العرفية، فالوجه هو البطلان للجهالة و الغرر إذ لا يعلم من الأول ان ما وقع في مقابل المملوك اىّ مقدار من الثمن فتكون المعاملة غرريا، و قد نهى النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم )عنه.

[القول في أولياء التصرف]

قوله (ره): يجوز للأب و الجدان يتصرّفا في مال الطفل بالبيع و الشراء.

أقول: قد عرفت ان من جملة شرائط المتعاقدين ان يكون مالكين

11

للعوضين أو من ينوب منابه و قد عرفت حكم بيع غير المالك فضولة و تحقيق الحق فيه، و ان بيع المالك ماله عن نفسه مما لا اشكال فيه، و اما الوكيل فكك لاستناد فعله اليه و كك المأذون.

و بعبارة اخرى ان البيع اما تقع من المالك أو من غيره، أما الأول فلا شبهة في صحته، و اما الثاني فتارة يكون ذلك برضاء المالك أو لا، فعلى الأول فذلك الغير اما يكون وكيلا فيه من المالك، أو مأذونا فيه من قبله أو لا، اما الأولان فلا إشكال أيضا في صحة البيع لاستناده الى المالك خصوصا إذا صدر من الوكيل لكونه نائبا عنه و نازلا منزلته في فعله فإذا صحّ في المأذون ففي الوكيل يصحّ بالأولويّة، اما غير الوكيل و المأذون فإن لحق به الاذن من المالك بالإجازة و رضى بفعله فهو الذي تقدم الكلام فيه مفصلا في البيع الفضولي، و قلنا بالصحة، و الّا فيحكم بالبطلان، و اما لا يكون فيه رضا المالك أو رضى و لكن لم يكن لرضائه تأثير في نظر الشارع فهو مورد الولاية فهي على أنحاء منها ولاية الأب و الجد و ثبوتها لهما في الجملة على الصغير من ضروري الفقه و مورد الإجماع و السيرة المشتهرة القطعية كما يطلع عليه من تتبع الأبواب المتفرقة في الفقه كتاب النكاح لصراحة الأخبار فيه في ثبوت ولايتهما على تزوج أولادهما الصغير و كتاب المضاربة فإن فيه ما ورد على ولايتهما في جعل المضاربة في مال الولد و في باب الحجر قد ورد ما دلّ على حجر الطفل الصغير عن ماله دون الوليّ الى غير ذلك من أبواب الفقه و يؤيد ذلك ما ورد في باب الزكاة مما دلّ على ثبوتها في مال اليتيم إذ التجربة الولي و ربح إذ لو لم يكن له ولاية على ذلك لما جاز له التصرف في ماله بالتجارة بل هذا مما قامت به السيرة العقلائية إذ ليس ذلك مخصوصا بالشريعة الإسلامية بل جارية في غيره من الشرائع أيضا و استدل المصنف

12

على ذلك بفحوى سلطنتهما على بضع البنت في باب النكاح و الظاهر انه لا بأس بهذه الأولويّة و ان ناقشنا فيها في البيع الفضولي و قلنا ان اهتمام الشارع المقدس بعدم وقوع الزناء و الصفاح يقتضي عكس ذلك الأولوية.

و الوجه في جهة الفرق بين المقامين هو ان الكلام في السابق من حيث نفس الفعل الخارجي الموجود فيه و قيل هنا ان أهمية الفروج تقتضي بطلان الفضولي في النكاح و ان كان صحيحا في البيع و سائر العقود لاحتمال ان لا يقع واقعا فيكون زنا، فالاحتياط يقتضي عدمه لئلا يقع الزنا و قلنا ان الاحتياط كان يقتضي عكس المطلب و ان كان فيه خلاف الاحتياط أيضا في نفسه، و لكن محذورة أقل من الأول فإنه يحتمل مع الحكم بالبطلان ان يقع النكاح واقعا فيكون الزنا بذات البعل بخلاف العكس فإنه مع عدم الوقوع فلا يكون زنا الّا بغير ذات البعل، و بالجملة و جهة الكلام هناك كان مختصا في بيان عنوان الفعل الواقع و جهته، و هذا بخلاف المقام، فان الكلام هنا ليس في بيان وجهة الفعل الواقع، بل في كون الغير الأجنبي سببا في تحقق الفعل و إيجاده من الأول ففي مثل ذلك إذا صحّ ولاية الأب و الجد على الأولاد الصغار في النكاح و كونهم سببا في إيجاد التزويج بينهم مع كونه من أهم الأمور فلا شبهة في جواز ولايتهم و نفوذ أمرهم في سائر العقود أيضا بالأولى.

ثم انه يقع الكلام في جهات:

الاولى: هل يعتبر العدالة في الولي الأب و الجد،

فلو كانا فاسقين لا ينفذ تصرّفهما في حق الصغار كما ذهب اليه صاحب الوسيلة و الإيضاح أو لا تعتبر كما ذهب إليه المشهور، بل يظهر من التذكرة الإجماع على ذلك.

و استدل عليه المصنف بالأصل و الإطلاقات، فإن ظاهر عطف الثاني

13

على الأول، هو ذلك لا ان المراد من الأصل هي الإطلاقات كما لا يخفى و لكن لا نعرف معنى لذلك الأصل إذ ليس المراد منه هي أصالة البراءة قطعا لانه ليس هنا تكليف حتى ينفى بذلك، بل لو كان فالمراد به هو الاستصحاب فان كان المراد به هو الاستصحاب النعتي بأن يقال ان الولاية كانت في زمان و لم تكن مشروطة بالعدالة فكك الحال الاستصحاب فلا شبهة انه لم يكن لذلك حالة سابقه إذ ليس زمان تكون الولاية ثابتة و لم تكن مشروطة بالعدالة حتى نستصحبها فان كان المراد منه هو أصل عدم الأزلي المحمولي لسلم من اشكال عدم وجود الحالة السابقة الّا ان المصنف لا يقول به ليمكن تطبيق كلامه به، بل لا يمكن الالتزام بجريانه هنا أيضا إذ لا شبهة ان الولاية بالنسبة الى عدم التقييد بالعدالة أو التقيد بها ضروريّ لاستحالة الإهمال في الواقعيات فهما متضادان فجريان الاستصحاب في نفى التقيد المسمّى بالعدم المحمولي ليس اولى من جريانه في الطرف الأخر بعد فرض تضادّيتهما و بالجملة فأصالة عدم النعتي غير جارية لعدم الحالة السابقة فعدم المحمولي و إن كان ليس عنه مانع بحسب نفسه على المذهب المختار و لكنه لا يجري للمعارضة.

اذن فلا يمكن الالتزام بثبوت الولاية المطلقة الغير المقيدة بالعدالة بواسطة الأصل، بل مقتضى الأصل هو عدم ذلك اى عدم نفوذ تصرفاته فإنه ثبت بالأدلة القاطعة حرمة التصرّف في مال الغير، إلّا بإذنه فالخارج منه يقينا صورة كون الغير وليا عادلا فيبقى الباقي تحت الأصل.

نعم، ما ذكره من الإطلاقات في محلّه إذ هي غير مقيدة بعدالة الولي بل الولاية الثابتة بها للأب و الجد مطلقة و ليس في المقام ما يصلح تقيده الا ما ذكره صاحب الوسيلة و الإيضاح حيث استدلا على عدم ثبوتها للأب و

14

الجد الفاسقين بالاية و استظهر المصنف ان المراد منها قوله تعالى «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» و ضعّفه.

و وجه الضعف هو ان المراد من الركون فيها ليس الركون في الأمور الدنيوية، بل المراد به فيها هو الركون في الأمور الدينية و يدلّ على ذلك من الآية ذيلها من قوله تعالى «فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» حيث ان ذلك نتيجة الركون الى الظالم في الأمور الدينية لا في الأمور الدنيوية و الّا فلازمه عدم جواز توكيل الفاسق في الأموال الشخصيّة للبالغين الراشدين و كونه من المحرّمات الشخصيّة فهو بديهيّ البطلان و لا انه يجوز تأمين الفاسق و جعل الوديعة عنده.

و يحتمل بعيدا أن تكون المراد من الآية قوله تعالى «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» كما يظهر ذلك من قوله و إخباراته عن غيره.

و فيه انه يظهر الجواب عنه من الآية السابقة و ان المراد من ذلك ليس ما يرجع الى الجهات الشخصية، بل ما يرجع الى الجهات النوعية الدينية كما يدل على ذلك أيضا ذيل الآية من قوله تعالى «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ» و ان لازمه عدم قبول إخبارات الشخص في حق نفسه من الإقرار و نحوه كما تقدم من عدم جواز ان يجعل الفاسق أمينا من أمواله مع انه لم يدل دليل على حرمته.

و من هنا يظهر انه لا وجه لتوهم استحالة أخذ قول الفاسق و جعله أمينا في أموره، و انما يحرم إرجاع الأمور الدينية إليه اذن فلا وجه لرفع اليد عن تلك المطلقات الكثيرة بمثل هذا الأمور الظنية و توهم الإيضاح ان ذلك خلاف حكمة الصانع، بل يجوز الإرجاع إلى الفاسق بديهي الفساد كما عرفت فانّ ذلك له وجه في الأمور الدينية لا الأمور الدنيوية على انه و لو كان

15

الأب و الجد فاسقين الا ان رافتهما على الأولاد أكثر بمراتب من رأفة جميع العدول عليه إذ في الأب و الجد من الشفقة الذاتية و الرأفة الطبيعية بالنسبة إلى أولادهم ما لا ينكر و لو كان فاسقا.

نعم، لو كان الأب و الجد من الفاسقين الظالمين على الطفل بحيث يقامرون بأموال الصغار و يشترون به الخمر و يشربون و غير ذلك من الإتلافات البيّنة لخرج بذلك عن جواز التصرّف فيها و نصب الحاكم الشرعي وليّا آخر أو ناظرا لهم حفظا لهم لئلا يكون ظلما عليه، و لكن هذا أمر آخر غير ما نحن فيه.

على ان الظاهر من الآية ان الفاسق لا يقبل قوله من دون التبيّن و التفحّص و هذا لا ينافي قبول قوله من جهة الولاية ما لم يعلم صدور الخيانة منه، فالولي و ان كان فاسقا يقبل قوله في حق الصغار لولايته.

و أما الجهة الثانية و هي اعتبار المصلحة في تصرّفات الوليّ

فهل يعتبر ذلك كما ذهب اليه ابن إدريس و شيخ و بعض آخر أولهما الولاية مع اعتبار عدم المفسدة في التصرّف و إن لم يكن فيه صلاح أصلا كتبديل ماله بمال آخر بلا صلاح، أو لا يعتبر شيء من ذلك، بل لهما الولاية عليه على وجه الإطلاق كما ذهب اليه المصنف في أول كلامه أو يفصّل بين الأب و الجد بالالتزام بنفوذ أمر الجد مطلقا دون الأب كما يظهر من آخر كلام المصنّف وجوه.

و استدل المصنف على عدم الاعتبار و ثبوت الولاية على الإطلاق بالأخبار الواردة في إثبات الولاية على الطفل للأب و الجد فإنها مطلقة و غير مقيدة بشيء مما ذكر.

و فيه أوّلا ان إطلاقاتها غير تمام فان عمدتها ما دلّ على ان الابن ماله للأب و قد ذكر ذلك في جملة من الروايات و علّل نفوذ أمر الأب على الولد بذلك في بعضها و لكن لا دلالة فيها بوجه على المدعى فانّ من البديهي

16

ان المراد بها ليس ما هو الظاهر منها من كون الابن و ما بيده من متملكات أبيه، و بكون الفرض من اللام هو الملك ليكون الابن كعبد الأب و البنت كالجارية، بحيث يجوز له بيعها و لو حجر يكون حقّ الغرماء متعلقا بمال الولد أيضا، و هذا المعنى مقطوع البطلان كيف مضافا إلى ما ذكرنا انه ورد في بعض الروايات ان الأب لو احتاجت إلى جارية الابن يقوم على نفسه بقيمة عادلة ثم تصرّف فيها بما يشاء و انه يجوز له الاستقراض من مال الولد فلو كان الابن و ماله من الأموال ملكا للأب و الجد لما كان تقويم الجارية على نفسه بقيمة عادلة و الاستقراض من ماله وجه بوجه فإنه لا معنى لاستقراض المالك من ملكه أو تقويم ماله على نفسه.

و من هنا ظهر انه ليس المراد بتلك المطلقات كون أموال الولد للوالد حقيقة أو تنزيلا بحيث يفعل فيها ما يشاء ثم ليس المراد من تلك المطلقات ثبوت الولاية لهما على الولد كما توهم إذ مورد بعضها هو الولد الكبير، كالرواية المتضمّنة لشكاية الولد إلى النبي (ص) من أبيه و ما تضمن تقديم تزويج الجد على الأب في البنت معللا بان الجد أب للأب و البنت و غيرهما فلا شبهة في عدم ثبوت ولاية الأب و الجد على الولد الكبير، بل هو مستقل في التصرّف في أمواله كيف يشاء و أيضا لا وجه لتوهم ان المراد منها ثبوت جواز الانتفاع للأب و الجد فإنه مضافا إلى مخالفته بثبوت جواز الاستقراض من مال الولد و تقويم الجارية للابن على نفسه ان جواز الانتفاع من أموال الأولاد لا يدلّ على ثبوت الولاية عليهم.

و الحق أنها أجنبية عن المقام و انما هي راجعة إلى بيان أمر أخلاقي ناشئ من أمر تكوينيّ فإنّ الولد بحسب التكوين موهبة من اللّه تعالى للأب و مقتضى ذلك ان لا يعارض في تصرفاته و يكون منقادا بامره و نهيه و يؤيّد ذلك

17

ما في علل عن محمد بن سنان في تفسير قوله تعالى «يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ» ان الولد موهوب من اللّه و هبة للأب و على هذا ليس من الإنصاف أن يعارض ما هو هبة للإنسان للموهوب له، بل منقضى الأخلاق هو التحرك بتحريك الأب لكونه له أي هبة له و تحفة من اللّه تعالى اليه و اذن فلا دلالة في إطلاقها على ما ذهب اليه المصنف من عدم اعتبار المصلحة في تصرّفات الولي و ما ترى من جواز تصرف الجد و الأب في مال الولد و أخذهما منه من جهة كون انفاقهما عليه مع الاحتياج فلا ربط لذلك إلى جهة الولاية بوجه، نعم لا ينكر الإطلاق لبعض ما ورد في باب النكاح من جواز عقد الجد و الأب للابن بدون اذنه و للبنت بدون اذنها إذ ليس فيه نقيد بصورة وجود المصلحة في التصرف و لكن سيأتي جوابه.

و ثانيا على تقدير وجود المطلق كما هو كك لبعض ما ورد في باب النكاح من جواز تزويج الأب الابن بدون اذنه أو تمامية إطلاق الروايات المتقدمة كما زعمه المصنف (ره) فلا بدّ من تقييدها بصورة وجود المصلحة بصحيحة أبي حمزة الثمالي فإنها دلّت على عدم جواز تصرفات الولي في مال الطفل بدون المصلحة لقوله (ع) لا نحب أن يأخذ من مال ابنه الّا ما يحتاج اليه مما لا بدّ منه ثم استدلّ (ع) بقوله تعالى «وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» فلا شبهة ان قوله (ع) لا نحب و ان كان لا يدلّ على الحرمة و لكن بضميمة استشهاده (ع) قوله تعالى «وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» يدل على الحرمة إذ لا شبهة ان الفساد ليس قسما منه مكروها و قسما منه حراما بل هو متمحّض بالحرمة.

و نظير ذلك رواية الحسين بن ابى العلاء في الدلالة على عدم جواز أخذ الزائد مما يحتاج اليه فبها تقيد تلك المطلقات، و لا شبهة أن مورد

18

الروايتين الخاصتين و إذن هو الأموال و لكن ثبوت التقييد فيها يدل على ثبوته في باب النكاح أيضا بالأولوية إذ كما ان ثبوت الولاية في باب النكاح للأب و الجد دل على ثبوتها في غير باب النكاح بالأولويّة لكون النكاح أهم و هكذا ثبوت التقييد في غير باب النكاح يدل على ثبوته في باب النكاح أيضا إذ مع عدم نفوذ تصرّفات الولي فيما لا يكون فيه صلاح في الأموال ففي الاعراض بالأولى لكونها أهم و يؤيد ثبوت التقييد ما ورد في تقويم الجارية على الولي بقية عادلة و جواز اقتراض الولي من مال الولد إذ لو كان تصرّفات الولي نافذا في حق الطفل مطلقا لم يكن وجه للتقويم بقيمة عادلة، بل كانت القيمة النازلة أيضا وافيا و كذلك لم يكن وجه للقرض، بل كان يكفي أخذه بأي نحو شاء هذا مع انه يمكن منع تحقق الإطلاق في باب النكاح بحسب نفسه أيضا إذ الولاية للأب و الجد على الأولاد لأجل حفظهم عن وقوعهم بالمضرات و توجههما إليهم، و اما لو أوجبت الولاية توجه الضرر إليهم فمن الأول يمكن القول بعدم جعل الولاية فيه و خروجه عن مورد الروايات تخصصا بل هذا هو المتعين إذ لا يمكن القول بولاية الأب و الجد على تزويج أولادهم كيف شائوا و ان كان فيه ضرر عظيم موجب لتضرّره اذن فليس هنا إطلاق أصلا من الأول فضلا عن احتياجه الى المقيد.

و بالجملة أنها ناظرة إلى أصل جعل الولاية لهما مع ما فيهما من الرأفة للأولاد و ليس فيها إطلاق إلى سائر الجهات، و اما اعتبار المصلحة في تصرفاتهم بان يلتزم بعدم كفاية مجرّد عدم المفسدة في ذلك، بل لا بد من وجود المصلحة في تصرفاتهم و قبل بيان ذلك لا بدّ و أن يعلم انه يجوز تصرّف الولي لأنفسهم في مال الطفل و ان لم يكن فيه المصلحة و من هنا يجوز قرض الولي من مال الطفل و تقويم جاريته على نفسه مع عدم وجود المصلحة في ذلك

19

للطفل بوجه و هذا بالنسبة إلى نفس الأولياء مما لا شبهة في جوازه و اما اعتبار المصلحة في غير ما يرجع الى شؤونهم فاستدل عليه بقوله تعالى «وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» حيث ان التقرب الى ماله بلا مصلحة فيه ليس بأحسن فلا يجوز.

و بالجملة كان كلامنا في ولاية الأب و الجد و قد اختيار المصنف عدم اعتبار شيء في ولايتهما للأولاد و قربه شيخنا الأستاذ في الدورة الأخيرة و تمسك المصنف في ذلك بالإطلاقات الواردة في خصوص الولاية و جعلها لهما فان الظاهر فيها ان أمر الأولاد و أمر أموالهم راجع إلى الجد و الأب و قد رئت أنها أجنبية عن المقام لان المذكور في أكثرها ان الابن ماله للأب فلا شبهة في عدم إمكان إرادة المالكية الحقيقية منها ليكون اللام للملك بحيث يبيع للابن أو يؤجرها من الغير فيؤخذ أجرته و ثمنه أو يأخذ أمواله و يفعل فيها ما يشاء خصوصا مع ملاحظة ما في بعضها من كون موردها الابن الكبير الذي لا ولاية لهما عليه إجماعا و كيف و قد ورد في بعض الروايات تقويم الجارية للابن على نفسه و التصرّف فيها و في بعضها الأخر أخذ القرض من مال الولد فلا شبهة في عدم جريان ذلك في أموال شخص المالك بالنسبة إلى نفسه و لا يجوز ان يراد من تلك الأخبار المالكية التنزيليّة لما عرفت من عدم مالكيّة الأب و الجد على الأولاد و أموالهم بوجه، بل لا يجوز ولايتهم على بعض ما في تلك الروايات كالولد الكبير فلا معنى للتنزيل هنا أيضا كما لا يخفى بان ينزل أموال الأولاد بمنزلة ماله في جواز التصرف فيها و في أنفسهم بالإجارة و البيع و الشراء و أكل أموالهم و اجراء ما يجرى على ماله بحيث يكون مال الطفل و نفسه من جملة أمواله حقيقة أو حكما بلا وجه، و لم يفتوه به أحد فيما نعلم، بل هي ناظرة إلى جهة الاخلاقى كما عرفت لما ذكر في

20

بعض الروايات ان الولد هبة موهوبة للأب فلا ينبغي ان يعارضه في التصرفات و ما ورد من جواز أخذ الأب و الجد من أموال الولد مع الاحتياج ليس من جهة الولاية، بل من جهة وجوب إنفاق الأب على الولد مع الاحتياج كعكسه كك.

فليس في تلك الروايات بحسب نفسها إطلاق و على تقدير ثبوت الإطلاق فيها كما ثبت في جملة من اخبار النكاح في تزويج الأب و الجد الابن و البنت لكونها مطلقة من حيث ثبوت المصلحة و عدم ثبوتها في النكاح فلا بد من تقييدها برواية الثمالي لأنها صريحة في عدم الولاية مع الفساد كما هو مقتضى استدلاله (ع) بالاية و ان تصرفات الجد و الأب في هذه الصورة محرمة و برواية الحسين بن ابى العلاء فإنها لا تدل على أخذ الأب من مال الطفل الّا بمقدار قوته و عدم جواز التصرفات المسرفة فيه فلو كان لهما ولاية على الطفل حتى مع المفسدة في التصرف لما كان لهذا النهي وجه و عليه فنقيد بهما الروايات المطلقة حتى الواردة في باب النكاح و لا يضر اختصاص موردهما بالأموال لأنه إذا ثبت التقييد في ذلك فيثبت في النكاح بالأولوية لكونه أهم في نظر الشارع، بل يمكن منع تحقق الإطلاقات في باب النكاح أيضا من جهة أنها ناظرة إلى جعل الولاية للأب و الجد و كون ولاية الثاني مقدمة على الأول بما لهما من الرأفة الطبيعي لأولادهم بان يعاملوا معاملة مال نفسهم في حفظه و عدم التصرفات المتلفة فيه فاصل جعل الولاية لهذا الموضوع مشعر لهذه الحكمة و العلة و على هذا فتصرفاتهم الموجبة لتلف أموالهم و تضرّرهم بما لا ينبغي ينافي لذلك الحكمة و الملاك فتنقلب على العكس.

و بالجملة ظاهر جعل الولاية للأب و الجد على الأولاد لرأفتهما على

21

الطفل لكونه هبة له و موهوبا عليهم من قبل اللّه تعالى كما أشير الى ذلك في جملة من الروايات فلا تعرض فيها لصورة المفسدة لكونها على خلاف الرأفة فلا إطلاق فيها أيضا و قال بعض مشايخنا المحققين بوجود المقيد في باب النكاح أيضا حيث ورد في بعض روايات جعل الولاية لهما في باب النكاح ان تزوج الجد يتقدم إذا لم يكن ضرر فان مفهومه يدل على عدم الولاية له مع الضرر فيكون مقيدا للمطلقات فيها.

و فيه ان المفهوم و ان كان موجودا و لكنه عدم الولاية مع الضرر، بل المراد به نفى أولوية الجد و تقديمه على الأب عند الضرر و هذا غير مربوط بالرواية فلا يكون ذلك مقيدا للإطلاقات في باب النكاح.

الجهة الثالثة: في انه إذ اعتبرنا عدم جعل الولاية لهما في صورة وجود المفسدة في تصرفات الأب و الجد فهل يعتبر زائدا على ذلك اعتبار المصلحة في تصرفات

بحيث لا يجوز تصرّفهم إذا خلا عنها و لو لم تكن فيه مفسدة أم لا يعتبر، و قد تقدم ان التصرفات الراجعة إلى نفس الولي و لو لم تكن فيها مصلحة جائزة بلا اشكال و انما الكلام في غيرها و قد استدل على الاعتبار بوجوه:- الأول: ان طبع المطلب و جعل الولاية لهما يقتض ذلك فان ذلك لأجل أن يتصرّف في أموالهم بما من المصلحة من التجارة و التبديل و إلّا فمجرّد التصرّفات اللغوة بلا وجود ثمرة فيه فلا يجوز و بالجملة ان حكمة جعل الولاية للأب و الجد بحسب الطبع هي جلب المنافع له و دفع المضار عنه لكون الأب و الجد بحسب الطبع هكذا بنسبة إلى أولادهم و الّا فمجرد كون شيء ذي صلاح لغير الطفل و ان لم يكن فيه صلاح له لا يجوز التصرفات في فعله و بالجملة ان جعل الولاية لهما عليه ليس الّا لحفظ الولد و ماله و

22

دفع المضار عنه و جلب المنفعة اليه و الّا فلا يجوز التصرف في ماله و لو لم يكن فيه مفسدة.

و فيه ان هذا و ان كان بحسب نفسه تماما و لكن لا يتم في جميع الموارد لإمكان ان يكون الصلاح في ذلك الجعل راجعا إلى الولي.

و بعبارة أخرى تارة يلاحظ في جعل الولاية لهما صلاح المولى عليه فيجري فيه ذلك الحكمة.

و اخرى يلاحظ حال الولي فلا شبهة انا نحتمل الثاني أيضا اذن فلا دافع للإطلاقات الدالة على جعل الولاية لهما عليه حتى في صورة عدم المصلحة في تصرّفهم، بل يكفى مجرّد الشك في ذلك أيضا و لا يلزم العلم بعدم اعتبار المصلحة في ثبوت الولاية لهما عليه عند عدم المصلحة في التصرف.

الثاني: دعوى الإجماع على الاعتبار و فيه ان المحصل منه غير حاصل و المنقول منه ليس بحجة لمخالفة جملة من الأعاظم في ذلك، بل نحتمل استناده الى الوجوه المذكورة هنا لعدم الجعل في صورة عدم المصلحة فلا يكون هنا إجماع تعبدي كاشف عن رأي الحجة.

الثالثة: قوله تعالى «وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» و هذه هي العمدة في المقام بدعوى ان التصرّف الخالي عن المصلحة في مال اليتيم ليس تصرفا حسنا فيحرم للنهى عن التقرب إليه، فإن أطلق اليتيم على من مات امه كما ليس ببعيد فتشمل الآية لكل من الأب و الجد، و الّا فتختص بالجد و يتم في الأب بعدم القول بالفصل اذن فنرفع اليد عن الإطلاقات الدالة على ثبوت الولاية لهما مطلقا حتى مع المصلحة.

و فيه أن الآية عام لكل احد سواء كان أبا أو جدا أم غيرهما فإنها

23

تنهى عن التقرب بمال اليتيم لكل احد فنخصصها بالروايات الدالة على جعل الولاية للأب و الجد و لو مع عدم المصلحة فيه و ليس بينها عموما من وجه حتى يعمل بقواعده لانحصار الموضوع في الروايات بالأب و الجد فقط و عمومه في الآية و ان كان الأمر كك مع ملاحظة الحكم و لكن الحكم وارد على الموضوع الواحد فقط في الرواية و على المتعدد في الآية فافهم.

و من هنا يظهر الجواب عمّا ذهب اليه المصنف أخيرا من التفصيل بين الأب و الجد و القول بثبوتها للجد دون الأب لعدم إطلاق اليتيم على من مات امه لتشمل الآية لهما فإنه مضافا الى إطلاق اليتيم على من مات امه انك علمت سابقا ان ولايتهما ثابتة في النكاح على الابن و البنت، و في الأموال بالأولى فلا نحتاج إلى الاستدلال بالاية على ثبوت الولاية حتى يمنع عن شمولها للأب فتختص بالجد فقط و سيأتي الكلام في هذه الجهة.

الجهة الرابعة: بعد الفراغ عن اعتبار عدم المفسدة في تصرفات الأب و الجد في مال الولد، فهل هذا شرط في عالم الإحراز

فلو أحرز في مورد عدم المفسدة فباع مال الولد فبان وجود المفسدة في ذلك فلا يبطل البيع و ينفذ التصرف أو هو شرط في الواقع فلو كان مورد مفسدة واقعية فلم يحرز أو أحرز عدمها فاقدمه فيكون باطلا أو انهما من الشرائط معا فلو أحرز المفسدة و مع ذلك أقدم على التصرّف فبان كونه صلاحا إذ لو لم يباع لكان تلفا أو أحرز الصلاح فأقدم فظهر عدم الصلاحية فيكون تصرّفه هذا صحيحا.

نعم لو أحرز المفسدة في مورد فأقدم على التصرّف فظهر كما أحرزه فيكون فاسدا.

و الظاهر هو الوجه الأخير و قبل بيان وجهه فلا بدّ و ان يعلم ان هذه الجهة لم يحرز في كلامهم، بل لم يذكر الّا بنحو الرمز و الإشارة فنقول قد

24

علمت ان المقيد للإطلاقات كان خبر الثمالي، فإنه اعتبر عدم الفساد في تصرّفات الأب و الجد في مال الطفل، و هو كالمعصية قائم بأمرين أحدهما الوجود الواقعي و ثانيهما إحرازه اى تنجزه لا يقال انّ فلانا أفسد أو فعل فعلا فاسدا، كما ان الأمر كك في عنوان المعصية حيث ذكرنا في سفر معصية في تحققها أمران أحدهما ان يكون ما سافر لأجل الغرض المعلوم معصية و الثاني علم المسافر بذلك و تنجز التكليف في حقه بحيث يكون المنجز هو الحكم الواقعي في حقه، فلو سافرت المرأة بدون رضائه الزوج فبان أنها مطلقة فلا يكون سفرها معصية أو سافرت بزعم أنها مطلّقة فبان خلافها فليس سفرها سفر معصية أيضا و انما يكون سفر معصية مع اجتماع الأمرين.

و بالجملة فما لم يتحقق كلا الأمرين لا يتحقق المعصية كما انه مع عدم تحقق الفساد الواقعي و إحرازه في التصرف لا يقال ان تصرّف الولي كان مفسدا.

و على هذا فيكون المقيد لتلك الإطلاقات المثبتة للولاية للأب و الجد في خصوص كون تصرفهم مفسدا لمال اليتيم مع العلم به و ما لم يتنجز، فلا مانع من التمسك بالإطلاقات و الحكم بثبوت الولاية لهما.

و كان الكلام في الجهة الثانية فهي اعتبار المصلحة زائدا عن اعتبار عدم المفسدة في ولاية الأب و الجد.

و قد استدل على ذلك بوجوه:-

الأول: دعوى الإجماع

على ذلك و فيه انه بعد ذهاب المتأخرين الى عدم اعتبار شيء فيها الّا عدم المفسدة، بل ذهاب بعض آخر الى عدم اعتبار شيء فيها لا يبقى مجال لدعوى الاجمال ليكون إجماعا اصطلاحيّا تعبديا و كاشفا عن قول المعصوم (ع)،

25

الثاني دعوى ان الحكمة في جعل الولاية للأب و الجد ليس الّا جلب المنفعة للطفل و دفع الضرر عنه،

و الّا فتكون لغوا.

و فيه ان هذا و ان كان تماما في غير الأب و الجد و لكنه لا يتم فيهما لا مكان ان تكون الحكمة في جعل الولاية لهما ملاحظة حالهما من الشفقة الذاتية و الرأفة الطبيعية الموجودة فيهما بالنسبة إلى الأولاد، و انهما لا يقدمان على ضرره و ان كان في بعض الأحيان يفعلون في أموال الطفل ما يرجع الى نفعهم كما ثبت ذلك في النص أيضا كالاقتراض من مال الطفل و تقويم جاريته على نفسه فإنه أي نفع في ذلك للولد، بل قد ورد جواز الأكل من مال الولد مع الاحتياج و ان كان هذا من جهة الاتفاق و لذا قيدنا هذه الجهة في أول المطلب بان المراد في اعتبار المصلحة في تصرفهما التصرفات الراجعة الى غير الأب و الجد و الّا فيجوز لهما ان يتصرفا في أموال الطفل تصرّفا لا صلاح و لا فساد فيه للطفل، بل للولي فقط، كالاقتراض و تقويم جاريته على نفسه و التصرّف فيها و كيف كان لا يستفاد من حكمة الجعل الّا كون اعتبار المصلحة في التصرفات الراجعة الى غير الولي لا في التصرّفات الراجعة إليهم، بل ثبت جواز أخذهما من مال الطفل بقدر الاحتياج.

الثالث: الآية المباركة «وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»

التي هي العمدة في المقام و قلنا في الأمس تبعا للشيخ ان الروايات الدالة على ثبوت الولاية للأب و الجد مقيدة للاية و مخصصة لها لكونها مطلقة من حيث اعتبار المصلحة فيها و عدم اعتبارها و انما الثابت اعتبار عدم المفسدة في ذلك كما تقدم فلا تدلّ الآية على المدعى.

و فيه ان لهذا الكلام مناقشة واضحة إذ الروايات المثبتة للولاية عليهما

26

على طائفتين:- الأولى: ما دل على كون الأب مالكا للابن و ماله.

و الثانية: ما دل على ثبوت الولاية لهما في النكاح و جواز تزويجهما الولد.

اما الطائفة الأولى فبناء على دلالتها على مالكية الأب و الجد للولد و ماله اما حقيقة أو تنزيلا بان يعامل معه و ماله معاملة مال نفسه، و ان لم يكن مالكا حقيقة و ان كان تماما و لكن نمنع دلالتها على هذا كما عرفت، إذ مورد بعضها الولد الكبير فلا شبهة في عدم ولايتهما عليهم و على مالهم و أيضا ثبت جواز اقتراض الولي من مال الولد و تقويم جاريته على نفسه مع انه لا معنى لأن يقترض الإنسان من مال نفسه و ان يقوم مال نفسه على نفسه.

و بالجملة ان السيرة العقلائية و الشرعية و ان اقتضت ثبوت الولاية للأب و الجد على الأولاد و لكن السيرة القطعية أيضا قامت على عدم جواز المعاملة مع مال الطفل معاملة مال نفسه خصوصا الكبار منهم.

و اما الطائفة الثانية فالإطلاق فيها تمام في باب النكاح بالمنطوق خصوصا في رواية الكافي يجوز أمر الأب و الجد في النكاح من غير تقييد، بكونه صلاحا له فنتعدى الى غير باب النكاح بالأولوية كما عرفت بل تلك الأولوية منصوصة فإنه (عليه السلام) بعد ما سئل عن تصرّف الولي في مال الطفل فقال فهل يجوز نكاح الولي؟ قال السائل نعم، فقال (عليه السلام): فكيف لا يجوز تصرّفه في الأموال، و لكن مع ذلك لا يمكن تخصيص الآية بها لا من جهة الإشكال في الإطلاقات و منع تحققها، بل من جهة ان الكلام في مقدار ثبوت الولاية بها و جواز تصرفاتهم أي الأولياء في مال المولى عليه فان الظاهر من الآية أن التصرفات الغير الحسن ليست بجائزة و إطلاقات الروايات جوازها

27

مع عدم المفسدة فيها فيقع التعارض في مورد ليس فيه صلاح للولد و لا فيه مفسدة و ليس راجعا إلى الولي أيضا كالاقتراض و نحوه لما عرفت جوازه بالنسبة إلى الولي.

اذن فلا يمكن المساعدة على ما ذهب اليه المصنف من القول بالتخصيص و لكن للمناقشة في ذلك أيضا مجال واسع لمنع دلالة الآية على ثبوت الولاية و كونها أجنبيّة عن المقام نعم لو كانت دالة فالأمر كما ذكرناه من العموم من وجه.

و توضيح منع الدلالة بعد ما لم نجد رواية في تفسير الآية و لا تعرضا لها في آيات الاحكام ان الظاهر الآية هو النهي تكليفا في التسلط على مال اليتيم و تملّكه و اكله بالباطل و ذلك لما ذكرنا في بحث التفسير ان النهي عن التقرّب يختلف باختلاف الموارد فإذا تعلق بالافعال نظير «لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ و لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ» و نحوهما يقيد حرمة الفعل و كونه بنفسه محرّما و إذا تعلق بالأعيان يدلّ على عدم التسلط عليها و حرمة أكلها و مبغوضيّة تملكها اذن فالنهي عن التقرب بمال اليتيم نهى تكليف لا نهى وضعي يقيد عدم نفوذ التصرّف كالبيع و الشراء و المراد بالباء هو باء السببية نظير الباء الذي قلنا بالسببيّة فيه في آية «التجارة عن تراض» و المراد بالتي ليس هو التقرب و الّا لما كان وجه للتأنيث، بل هي إشارة إلى الطريقة الوسطى الإسلامية أو الى الشريعة الواضحة المحمدية كما عبّر عن ذلك في آية أخرى بالمعروف و نهى عن أكل مال اليتيم الّا بالمعروف و عليه فتكون الآية نظير آية التجارة نهيا عن أكل المال بالباطل إلّا بالطريقة الوسطى و بالأسباب الشرعيّة فلا تكون مربوطا بالبيع و الشرى و بجهة الولاية و انما ذكر اليتيم هنا لكون أكل المال بالباطل من مال اليتيم كثرا لعدم الدافع عنه كما ذكر ذلك

28

في بعض التفاسير أيضا، بل لا بد من إحراز من يجوز له التصرف ليكون تصرفه بوجه حسن و بالطريقة الوسطى من الخارج فلا شبهة في دلالة المطلقات على ثبوت الصغرى و من له التصرف للأب و الجد فتكون تصرفاتهم من الطريقة الوسطى و بالشريعة الحسنة.

و لو تنزلنا عن تخصيص الآية بالنهي عن التقرب التكليفي و أردنا من ذلك مطلق النهي أعم من التكليفي و الوضعي، بأن يكون المراد بها النهي عن التقرب بأموال اليتيم تكليفا و وضعا و يكون ذلك التقرب حراما تكليفا و غير نافذ وضعا فأيضا تكون الآية خارجة عن صحة البيع من الولي مع المصلحة أو بدونه و تصرفات الولي لما ذكرناه من الوجه من كون المراد بالباء السببية و من التي الطريقة الوسطى و الشريعة دون التصرّف الحسن في مال اليتيم فأي شخص يجوز له التصرف و أى شخص لا يجوز له ذلك، فلا بدّ و ان يحرز من الخارج اذن فالروايات محرزة لذلك كما عرفت.

و بالجملة فالاستدلال بالاية انما يتوقف على مقدمتين على سبيل منع الخلو كلتاهما ممنوعة:- الأولى: إرادة النهي التكليفي من النهي عن التقرب بمال اليتيم و قد عرفت ضعفه.

و الثانية: ان يراد بالتي هي أحسن التصرّف الحسن ليدلّ على جواز التصرف للولي في مال الطفل عند وجود المصلحة له، و قد عرفت منعه أيضا اذن فلا يبقى للآية دلالة على المدعى فضلا عن القول بالتخصيص بالروايات أو إيقاع المعارضة بالعموم من وجه، بل هي أجنبيّة عن جهة الولاية بالمرة فضلا عن تلك القيل و القال فافهم.

الجهة الخامسة: هل الحكم مختص بالجد الداني أو يعم العالي أيضا؟

29

فالظاهر الإطلاقات هو الثاني، إذ لم يفصّل فيها بين العالي و الداني بل مقتضى قوله (ع) في رواية الكافي يجوز أمر الأب و الجد و كذا غيره عدم الفرق بين الأجداد و ان الجد و ان علا يشارك الأب في الولاية عرضا على ان مقتضى الأخبار المتقدمة الدالة على ثبوت الولاية للأب معللا بأنك و مالك لأبيك فإن الظاهر منها بحسب الاستغراق ان كل أب مالك لابنه و ماله انما سرى الحكم فكل أب عال مالك للأب النازل و ما في يده، لكن الأب النازل مالك لابنه و ماله بالقياس استثنائي فيكون الأب العالي أيضا كك و بالجملة فالعمدة في المقام هو الإطلاقات و الزائد عن ذلك مؤيدات.

الجهة السادسة: في انه إذا فقد الأب فهل الحكم بولاية الأجداد عرضي

فلكل واحد منهم ولاية في عرض الأخر أو طولي بمعنى ان الأقرب منهم يمنع الّا بعد ربما يتوهّم الثاني لاية الإرث «أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ» فكما ان الجد الأقرب الى الميت يمنع عن الأبعد في الإرث فكك هنا أيضا و لكن الظاهر ان الآية واردة لحكم الإرث و لا تشمل الولاية فكل منهما مقام غير مربوط بالاخر، بل مقتضى الإطلاقات في باب النكاح أيضا عدم الفرق في ذلك و كون كلهم مشتركين في ثبوت الولاية لهم في عرض الأخر مع وجود الأب و فقده خصوصا رواية الكافي يجوز أمر الجد و الأب في النكاح و لم يوقف ولاية الجد على عدم الأخر مع عدم الأب أو مع وجوده و كك في الإطلاقات الأخر و هذا مما لا اشكال فيه و إنما الكلام في نفوذ ولاية الجد مع عدم الأب حيث انه ذكر ثبوت الولاية في المطلقات للجد مع الأب فيمكن الحدس منها انه مع فقد الأب ليس للجد ولاية على الطفل أصلا.

و بالجملة ان الكلام في الجد يقع في جهات ثلاثة:

الاولى: في انه هل ثبت الولاية لغير الجد الأدنى من الأجداد

أو يختصّ الحكم بالجد الأدنى

30

أو يعم الأجداد الأعلون أيضا مورد بعض الروايات الدالة على ثبوت الولاية للجد و ان كان هو الجد الأدنى كالرواية الدالة على تقديم تزويج الجد على الأب و بعضها الأخر و لكن إطلاق جملة منها على مطلق الأجداد لا ينكر كرواية الكافي يجوز أمر الجد و الأب الشامل لمطلق الأجداد و غيرها و ذكر الجد مع الأب لا يكون قرينة لإرادة الجد الأدنى فقط، ففي هذه الطائفة المطلقة غنى و كفاية، بل مقتضى التعليل لثبوت الولاية على الأب، بأن أنت و مالك لأبيك إذ هو شامل بنحو القضيّة الحقيقية و بعنوان الاستغراق على كل الأجداد، بل يتأكد الحكم كلما تتصاعد الأجداد.

و بالجملة مقتضى طائفة من المطلقات هو ثبوت الولاية للأجداد الأعلون كما تثبت للجد الأدنى أيضا، و ان كان مورد بعضها خصوص الجد الأدنى الّا ان في غيره غنى و كفاية.

الجهة الثانية: هل يختص ولاية الجد بحال حياة الأب أو ثبت له مطلقا

كما هو المشهور بين المتأخرين و لو في حال الممات أيضا مقتضى الإطلاقات هو عدم الفرق بين حال الحيات و حال الممات، كرواية الكافي و غيرها، بل مقتضى التعليل بقوله أنت و مالك لأبيك هو ذلك أيضا فلا وجه لتخصيصها بصورة الحيات، نعم يظهر من رواية فضل بن عبد الملك تقييدها بصورة الحيات فقط، فان فيها سئل عن تزويج الجد ابنة ابنه فقال (عليه السلام) إذا كان الأب حيّا و الجد مرضيّا فلا بأس، فإن الظاهر منها انه اعتبر في ولاية الجد أمران الأول ان يكون الأب حيّا و الثاني ان يكون مرضيّا و ظاهر المرضى كونه مرضيّا في دينه و دنياه فتكون دالة على اعتبار العدالة في ولاية الجد و قد ورد هذا اللفظ في إمام الجماعة أيضا و أريد منه العدالة فبالأولوية تثبت اعتبارها في ولاية الأب أيضا و عليه فما تقدم منا من عدم اعتبار العدالة

31

في ولاية الأب و الجد على الطفل بلا وجه لو صحّت الرواية حيث ورد اعتبار ها هنا و ان عللوا الحكم هناك بوجه عقليّ كما عن الإيضاح و غيره و انه ظاهر في عدم وجود الرواية هنا و قد نقل المجلسي في شرح الكافي عن بعضهم اعتبار العدالة في ولاية الأب و الجد اعتمادا على هذه الرواية.

و الكلام في هذه الرواية يقع من جهتين:- الاولى: في سندها.

و الثانية: في دلالتها.

اما الاولى فسند الرواية من غير جهة جعفر بن سماعة بن موسى و ان كان تمام لكونهم ثقات و ان كان بعضهم واقفيّا رمى الرواية المجلسي إلى الضعف من جهة الوقف و اما جعفر بن سماعة فهو ضعيف فتكون ضعيفا من جهته و في الرجال الكبير اتحاده مع جعفر بن محمد بن سماعة المسلم الوثاقة و انما حذف لأجل الاختصار و عليه فتكون الرواية موثقة و قيّد بها جميع المطلقات مع ثبوت دلالتها و تختصّ ولاية الجد بصورة حياة الأب.

و لكن هذا فاسد فيكفي في نفى الاتحاد و ضعف الرواية مجرد احتمال التعدد.

و بعبارة اخرى انما يجوز العمل بالرواية مع ثبوت وثاقته فبدون الإحراز لا يجوز العمل بها، فمجرّد كون جعفر بن محمد بن سماعة ثقة لا يوجب كون جعفر بن سماعة أيضا ثقة للاتحاد لاحتمال ان يكون هنا جعفران أحدهما ابن السماعة و الأخر ابن ابنه، فهو ليس ببعيد اذن، فالرواية ضعيفة السند كما في المرات شرح الكافي.

الجهة الثانية: في دلالتها و قد وقع الخلاف في ان المفهوم في قوله (عليه السلام) إذا كان الأب حيّا جاز، هل هو مفهوم الشرط أو هو مفهوم الوصف

32

فحكى الأول عن صاحب الجواهر و الثاني عن غيره، و ان كان الثاني بأن يكون ثبوت الولاية للجد بوصف التزويج لابنه، فإذا انتفى الوصف انتفى الولاية إذا القيد جاء لبيان تحقق الموضوع فليس من قبيل مفهوم الشرط فإنه مثل ان رزقت ولدا فاختة فلا مفهوم في الرواية لتدل به على عدم الثبوت عند موت الأب و ان كان من قبيل مفهوم الشرط فتدلّ على ذلك و قد اختار شيخنا المحقق الأول و أشكل في المفهوم الشرط من جهة القيد جيء به لبيان تحقق الموضوع و ان نفوذ العقد و جوازه فيما إذا كان الجد يزوج و مع عدم الزواج فليس هنا عقد حتى ينفذ أو لا ينفذ فيكون سالبة بانتفاء الموضوع نظير ان رزقت ولدا فاختة و ان ركب الأمير فخذ ركابه و أمثال ذلك و الظاهر ان المقام من قبيل مفهوم الشرط و مع ذلك لا يدلّ على المقصود و توضيح ذلك ان القيد في القضية الشرطيّة تارة يجيء لبيان تحقق الموضوع فقط كقولك ان ركب الأمير فخذ ركابه ان رزقت ولدا فاختنة فمع عدم الركوب و الارتزاق لا موضوع للحكم أصلا فضلا عن ثبوت المفهوم.

و اخرى يكون القيد موليّا وجئ به بعنوان المولويّة كقولك ان جاء زيد فأكرمه إذا المجيء قيد للإكرام و لكنه ليس بالتكوين، بل بالمولويّة فهذا لا شبهة في ثبوت المفهوم فيه و دلالة انتفاء القيد على انتفاء الحكم.

و ثالثة تكون القضيّة الشرطيّة مركبة من أمرين أي يكون فيها قيدين أحدهما مولوي و الأخر تكوينيّ كما إذا قال ان رزقت ولدت و كان متصفا بوصف كذا فتصدّق بدرهم فان قيد الارتزاق تكويني و لكن قيد اتصافه بوصف كذا مولوي فبالنسبة إلى القيد الذي لبيان الموضوع فلا مفهوم لها، و اما بالنسبة إلى القيد المولوي فللقضيّة مفهوم و هذه كبرى كليّة قد نقّحناها في الأصول و المقام من هذا القبيل فان قوله (عليه السلام) ان زوّج الجد ابنة ابنه

33

و كان أبوه حيّا بالنسبة إلى قيد التزويج، فالقضية سيقت لبيان الموضوع فلا مفهوم لها مع انتفاء القيد و اما بالنسبة إلى القيد الأخر و هو كون الأب حيّا و الجد وصيّا فالقيد مولوي فتدل على المفهوم فينتفى الحكم عند انتفاء القيد اذن فلا وجه للإشكال على الرواية من ناحية مجيء القيد لبيان تحقق الموضوع.

بل الوجه في عدم دلالتها على المفهوم و على اعتبار حياة الأب في ثبوت الولاية للجد هو ان القيد أعنى كون أبوه حيّا لم يذكر مولويّا و لتقييد الولاية و تخصيصها بخصوص حياة الأب بل ذكر للتنبيه على خلاف العامة من تخصيصهم ولاية الجد بصورة موت الأب و انه مع وجود الأب لا تصل النوبة إلى الجد، فهذا الذي ذكرناه و ان كان في نفسه خلاف الظاهر من الرواية و لكن مع ملاحظة ما التزم به العامة و ملاحظة الروايات الأخر حيث صرح فيها بولاية الجد مع حياة الأب تكون الرواية واضحة الدالة على المدعى.

الجهة الثالثة: هل تختص الولاية بعد موت الأب بالجد الأدنى أو يعم الجد الأعلى أيضا،

الظاهر عدم الفرق في ذلك بين حياة الأب و مماته فان ثبت الحكم لجميع الأجداد ثبت مطلقا، و الّا فلا، الظاهر هو الأول لوجود المقتضى و عدم المانع، اما الأول فلان إطلاقات باب النكاح مع التعليل المذكور في الروايات من قوله (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك عدم الفرق بين الأجداد في ذلك و اما عدم المانع فلأن ما توهم من المانع ليس الّا قوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ فعموم الآية يشمل الولاية أيضا فتثبت الولاية على الأجداد عند موت الأب بالطول و ان كانت ثابتة حال الحياة بالعرض للإطلاقات المقيدة لعموم الآية و لكن بعد الموت فلا مقيد فتخصص الحكم بالجد الأدنى الدالة على ثبوتها لمطلق الأجداد مطلقا سواء كان الأب حيا أو ميتا، و فيه أن الآية وردت في الإرث

34

فلا يجوز التمسك بها في المقام مع ما عرفت.

الكلام في ولاية الفقيه

قوله (ره) من جملة أولياء التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف،

أقول و قبل الخوض في المسألة لا يخفى أن الإفتاء من مناصب الفقيه، بل يجب له الإفتاء مع الرجوع اليه و اجتماع شرائط الإفتاء فيه كما يجب له القضاء بل هو من شئون الإفتاء و هذا مما لا شبهة فيه، و انما الكلام في التكلم في مقامين على ما تكلم فيهما المصنف.

و بعبارة أخرى

ان للفقيه ثلاثة مناصب،

أحدها الإفتاء فيما يحتاج اليه الناس في عملهم

و مورده المسائل الفرعية و الموضوعات الاستنباطية و هذا مما لا شبهة في وجوبه على الفقيه إذ للمكلف اما يجب ان يكون مجتهدا أو مقلدا أو عاملا بالاحتياط، فإذا رجع المقلد الى الفقيه يجب عليه الإفتاء نعم بناء على عدم وجوب التقليد لا يجب الإفتاء و تفصيل الكلام موكول الى باب الاجتهاد و التقليد.

الثاني: الحكومة و القضاوة

فلا شبهة في ثبوت هذا المنصب له أيضا بلا خلاف كما بيّن في بحث القضاوة.

الثالث: ولاية التصرف في الأموال و الأنفس

و يقع الكلام هنا في جهتين:

الاولى: استقلال الولي بالتصرف في مال المولى عليه أو في نفسه مع قطع النظر عن كون غيره أيضا مستقلا في التصرف في ذلك و عدمه و توقف تصرّفات ذلك الغير على اذن الولي و عدمه.

الثانية: في عدم استقلال الغير في التصرف في أموال المولى عليه و أنفسهم و انما هو متوقف على اذن الولي من الحاكم أو غيره سواء كان الموقوف

35

عليه أيضا مستقلا في التصرف أو لم يكن، و المرجع في ذلك الى كون نظره شرطا في تصرّفات الغير و ان لم يكن هو أيضا في نفسه مستقلا في التصرف في أمواله و نفسه و بين الجهتين عموم من وجه ثم لا بأس بصرف عنان الكلام إلى ولاية النبي و أوصيائه تبعا للعلامة الأنصاري (ره) و يقع الكلام فيه في جهتين كما تقدم.

أما الكلام في الجهة الاولى و كونهم مستقلين في التصرف فالكلام فيها من جهات أربعة:- الاولى: في ولايتهم التكوينية.

الثانية: في ولايتهم التشريعية.

الثالثة: في نفوذ اوامرهم في الأحكام الشرعية الراجعة إلى التبليغ و وجوب تبعيتهم.

الرابعة: في وجوب اطاعة أوامرهم الشخصية.

أما الجهة الأولى [أي في ولايتهم التكوينية.]

فالظاهر أنه لا شبهة في ولايتهم على المخلوق بأجمعهم كما يظهر من الاخبار لكونهم واسطة في الإيجاد و بهم الوجود، و هم السبب في الخلق، إذ لولاهم لما خلق الناس كلهم و انما خلقوا لأجلهم و بهم وجودهم و هم الواسطة في إفاضة، بل لهم الولاية التكوينية لما دون الخالق، فهذه الولاية نحو ولاية اللّه تعالى على الخلق ولاية إيجادية و ان كانت هي ضعيفة بالنسبة إلى ولاية اللّه تعالى على الخلق و هذه الجهة من الولاية خارجة عن حدود بحثنا و موكولة إلى محله.

و اما الجهة الثالثة أعني وجوب إطاعتهم في الأحكام الراجعة إلى التبليغ

فهي قضيّة قياستها معها إذا بعد العلم بأن الأحكام الإلهية لا تصل الى كل احد بلا واسطة و ان النبي صادق انما نبأ عن اللّه تعالى فلا مناص من وجوب اطاعته و حرمة المعصية وجوبا شرعيا مولويا فهذه الجهة

36

أيضا غنية عن البيان،

أما الجهة الرابعة فالظاهر أيضا عدم الخلاف في وجوب اطاعة اوامرهم الشخصية

التي ترجع الى جهات شخصهم كوجوب اطاعة الولد للوالد مضافا الى الإجماع و ان لم يكن تعبديا لاستناده الى الاخبار و الايات التي تدل عليه، اما الآية فقوله تعالى أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.

إذ الظاهر منها كون كل منهم بعنوانه واجب الإطاعة و مفترض الطاعة و كون اطاعة كل منهم اطاعة للّه لأمره تعالى على ذلك لا من جهة كون إطاعتهم متفرعة اطاعة اللّه ليكون الأمر للإرشاد و يخرج عن المولوية.

و الاستشكال هنا من جهة الآية و غيرها من الأدلة ناظرة إلى وجوب الإطاعة في الجهات الراجعة إلى الإمامة دون شخصهم و شئونهم.

و فيه ان الأدلة مطلقة من هذه الجهة فالتقييد بلا وجه نعم جهة الإمامة من الجهات التعليلية لا من الجهات التقييديّة و ان كونهم اماما و نبيّا أوجبت وجوب إطاعتهم في جميع الجهات.

و بالجملة لا شبهة في دلالة الأدلة على ذلك و عدم تقييدهم بجهة الإمامة هذا و لا بأس بالاستدلال بقوله تعالى أيضا إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً فليس لهم الخيرة إذ حكمهم (ع) و لو بما يرجع الى شخصهم من الجهات من جملة القضاء خصوصا بضميمة قوله تعالى فليس لهم الخيرة.

و اما الروايات فوق حدّ الإحصاء كما ورد في وجوب إطاعتهم و في عدّة موارد من زيارة الجامعة ذكر ذلك و قد استدل عليه بدليل العقل بدعوى انهم من جملة المنعمين و شكر المنعم واجب فاطاعتهم واجبة لكونها من جملة الشكر الواجب.

أقول: لا شبهة في كونهم منعما لكونهم واسطة في الإيجاد و الإفاضة

37

بل من أقوى المنعمين و ان شكرهم واجب و ان انعامهم من جملة إنعام اللّه و ان كان ضعيفة بالنسبة إلى (النعام اللّه تعالى) انعامهم و لكن هذا الوجوب ليس وجوبا شرعيّا، بل وجوب عقلّي بمعنى ان العقل يدرك حسن ذلك و قبح تركه و اما ان تركه أي شيء يستتبع أ هو يستتبع العقاب فلا، بل غايته ان يستتبع منع النعمة و أخذها من المنعمين بصيغة المفعول.

و قد قلنا في وجوب معرفة اللّه ان وجوب المعرفة شرعا لا يستفاد من الدليل إذ ليس للعقل إلّا الإدراك و ان تعظيمه لانعامه حسن و لكن لا يدلّ على كونه معاقبا إذا لم يشكر بل على حرمان النعمة فقط و ما يوجب العقاب و يستتبعه انما هو ترك الوجوب الشرعي و مخالفته.

و بالجملة لا يستفاد من الدليل وجوب المعرفة فكيف بوجوب اطاعة الأئمة في اوامرهم الشخصية.

و انما قلنا بوجوب المعرفة لأجل الضرر المحتمل و العقاب المحتمل و ليس هنا ذلك لقبح العقاب بلا بيان و لا يجرى ذلك في وجوب المعرفة لعدم إمكان البيان قبل المعرفة و احتمال انه يعاقب بلا بيان ضعيفة و بالجملة العمدة في المقام هي الآيات و الاخبار و ربما يقرّر الدليل العقلي بوجه آخر غير مستقل و يتم بضمّ مقدمة أخرى اليه و حاصله ان الأبوة و البنوة تقتضي وجوب الطاعة على الابن في الجملة و الإمامة تقتضي ذلك بالأولوية على الرعية لكون الحق هنا أعظم بمراتب و هذا نظير ان يقال ان الشيء الفلاني مقدمة للشيء الفلاني فمجرّد ذلك لا يكفي في الوجوب و يتم ذلك بضم مقدمة أخرى من ان المقدمة واجبة.

و فيه انه على تقدير تمامية ذلك كما لا يبعدان يكون كذلك بل ورد في الرواية ان الرسول (ص) سئل عن شخصي تحبني أكثر من أبيك أو تحب

38

أبيك أكثر منى، فقال أحبك أكثر من ابى الى ان قال تحبى أكثر من اللّه فقال إنما أحبك للّه فاستحسنه الرسول (ص) الّا انّ اطاعة الأب ليست بواجبة في جميع الأمور فلا يثبت بذلك الّا وجوب الإطاعة في الجملة، بل يمكن منع ذلك أيضا لاحتمال الخصوصية هنا لأجل قرب الخصوصية و من هنا لو أوجب احد إسلام شخص فلا يلزم من ذلك كونه واجب الإطاعة على المسلم مع انه أوجب حياته إلا بدية و الأب أوجب الحياة الجسدية فقط ليس الّا.

و بالجملة لا يدل هذا أيضا على كونهم (ع) واجب الإطاعة في اوامرهم الشخصية فالعمدة هي ما عرفته من الايات و الروايات كما لا يخفى فراجع الى مظانها، بل عقد لذلك بابا في الوافي و فيها انه (ص) قال ان الناس عبيد لنا بمعنى انهم عبيد في الطاعة لا كعبيد آخر ليباع أو يشترى فراجع، و فيها ان الأئمة مفترض الطاعة و ظاهر الفرض الوجوب المولوي لا الوجوب الإرشادي.

الجهة الثانية في ولايتهم التشريعية

بمعنى كونهم وليّا في التصرف على أموال الناس و أنفسهم مستقلا، فالظاهر أيضا لا خلاف في ولايتهم على هذا النحو و كونهم اولى بالتصرف في أموال الناس و رقابتهم بتطليق زوجتهم و بيع أموالهم و غير ذلك من التصرّفات و يدلّ على ذلك قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فإن الظاهر من الأولوية الأولوية في التصرف و كونهم وليّا لهم في ذلك لا بمعنى آخر، و قوله تعالى إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ و معنى الاولى بالتصرّف ليس هو جواز تصرفهم بغير الأسباب المعدة لذلك و مباشرتهم على غير النسق الذي يباشر المالك على هذا النسق، بل معناه كونهم أولى في التصرف بالأسباب المعيّنة و مباشرتهم

39

بالأسباب التي يباشر بها الملاك بان يطلّق الامام زوجة شخص ثم يزوجها بعقد النكاح اما لنفسه أو لغيره أو يتصرّف في دار الغير ببيعها لشخص آخر، أو تصرفه فيها بنفسه، بل هذا ثابت بالروايات المتواترة و في خطبة حجة الوداع من كنت مولاه فهذا على مولاه الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى، بل في صحيح الترمذي و روى عنه الجامع الصغير و فسّره الذي للسيوطي في فضائل على (عليه السلام) انه (ع) كان في بعض الحروب أخذوا أسارى و كانت فيهنّ جارية حسناء فاختص بها على (عليه السلام) فوقع جماعة في الوسوسة و إذا رجعوا إلى النبي (ص) قبل ان ينزع الاولى لامة حربه مشى إلى النبي (ص) و كان رسمهم على المشي إليه (ص) قبل الذهاب الى بيوتهم إذا رجعوا عن الحرب فشكى عن علىّ (ع) ان الجارية كانت فيئا للمسلمين فاختصّ بها علىّ (ع) فسكت النبي (ص) ثم جاء الثاني كالأول، فسكت النبي (ص) ثم جاء الثالث فغضب النبي (ص) و قال ماذا تريدون من على، فإنه ولي بعدي أى بعدية رتبيّة فانى اولى بالناس من أنفسهم يدل على ولاية على (ع) لجميع الناس نفسا و مالا و من هنا قال في جامع الصغير انّ هذا أفضل منقبة لعليّ (عليه السلام).

و بالجملة لا شبهة في ولايتهم و استقلالهم في التصرف على أموال الناس و أنفسهم و توهم كون السيرة على خلاف ذلك و ان الأئمة لم يأخذوا مال الناس بغير المعاملات المتعارفة بينهم فلا يجوز ذلك للسيرة فاسد و ذلك من جهة ان غير الأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن متمكنا من العمل بقوانين الإمامة بل كانوا تحت أستار التقية، بل الأمير أيضا في كثير من الموارد و كان في غير موارد التقية لم يفعل ذلك لأجل المصلحة و عدم الاحتياج الى مال الناس و الّا فلا يكشف عدم الفعل على عدم الولاية كما لا يخفى، هذا كله

40

ما يرجع الى المقام الأول أعني الولاية بمعنى الاستقلال في التصرف.

و اما الجهة الثانية أعني الولاية بمعنى توقّف تصرّف الغير على اذن الامام (عليه السلام)

فنقول تارة دلّ الدليل على توقف جواز التصرف للغير على اذن الامام (ع) و عدم جوازه بدونه كباب الحدود و نحوها.

و اخرى يكون هنا إطلاق يدلّ على اشتراطه باذنه كالقصاص و التقاص و قتل النفس للحد و اجراء الحدود و التعزيرات الى غير ذلك من التصرفات فإن إطلاق أدلة تلك الأمور يدل على حرمة إيذاء الغير و عدم جواز التصرف في مال الغير و نفسه و هكذا و هكذا فنتيجة ذلك هو الاشتراط بإذن الإمام (عليه السلام) و عدم جواز التصرف في أمثال ذلك إلا باذنه.

و ثالثة: يقتضي الإطلاق عدم الاشتراط كما إذا شككنا في اشتراط صلاة الميت بإذن الإمام (ع) فان مقتضى الإطلاق هو وجوبها لكل أحد كفاية بلا اشتراط باذنه (ع) و ينفى الاشتراط بالإطلاق و لو مع التمكن منه و لا يدل على الاشتراط قوله السلطان أحق بذلك، فإنه فيما كان السلطان حاضرا وراء ان يصلى فليس لأحد ان يمنع من ذلك حتى الوارث لكونه أحق بذلك فلا دلالة فيه ان اقامة صلاة الميت مشروطة بإذن الإمام حتى مع التمكن من ذلك.

و بالجملة لو كان هنا دليل دلّ بصراحته على الاشتراط أو دلّ بإطلاقه على ذلك أو على عدمه فيكون متبعا و الأجل ذلك فالتزم المصنف (ره) بإجراء أصالة عدم الاشتراط و كون ذلك مخالفا للأصل و انه يقتضي عدم الاشتراط.

و الذي ينبغي ان يقال ان كان هنا يمكن الوصول الى الامام (ع) و سؤال حكم القضية عنه (ع) أو عن نائبه الخاص لكون ذلك مما يسئل عنه لكونه من الأحكام الشرعية فيها و الّا فيكون الأصل بحسب الموارد مختلفا فإنه ان كان

41

هنا تكليف مجمل مردد بين ان يكون واجبا منجزا أو واجبا مشروطا بإذن الإمام (ع) فمقتضى الأصل هنا عدم الوجوب لانه لا يعلم وجوبه فيدفع بالبراءة.

و ان كان الوجوب منجزا و لكن نشك في اعتبار اذنه (ع) في صحته كصلاة الميت مثلا للعلم بوجوبه على كل احد و لكن نشك في صحته بدون اذن الامام ((عليه السلام)) أو نائبه الخاص، فالأصل عدم الاشتراط فيكون واجبا مطلقا.

و بالجملة ليس مفاد الأصل العملي في جميع الموارد على نسق واحد، بل نتيجته في بعض الموارد هو الاشتراط و في بعض الموارد عدم الاشتراط كما لا يخفى، فما ذكر المصنف من كونه على نسق واحد ليس على واقعه.

قوله انما المهم التعرض لحكم ولاية الفقيه بأحد الوجهين المتقدمين أقوله و الغرض الأقصى انما هو بيان ولاية الفقيه بأحد الوجهين المتقدمين و قد عرفت ان الكلام في ولاية النبي (ص) و أوصيائه من جهات ثلاث من حيث وجوب طاعته في الأحكام الشرعية و تبليغها و من حيث وجوب طاعته في أوامره الشخصيّة و من حيث كونه وليّا في أنفس الناس و أموالهم، و الظاهر انه لم يخالف أحد في انه لا يجب اطاعة الفقيه الّا فيما يرجع الى تبليغ الأحكام بالنسبة إلى مقلده، و لكل الناس لو كان اعلم و قلنا بوجوب تقليد الأعلم و اما في غير ذلك بان يكون مستقلا في التصرف في أموال الناس و كانت له الولاية على الناس بان يبيع دار زيد أو زوّج بنت احد على أحد أو غير ذلك من التصرفات المالية و النفسيّة فلم يثبت له من قبل الشارع المقدس مثل ذلك نعم نسب الى بعض معاصري صاحب الجواهر انه كان يقول بالولاية العامة للفقيه و كونه مستقلا في التصرف في أموال الناس و أنفسهم و اجتمع معه في مجلس و قال صاحب الجواهر زوجتك طالق، فقال المعاصر ان كنت متيقنا باجتهادك لاجتنبت من زوجتي و كيف كان فلا دليل لنا يدلّ على ثبوت

42

الولاية المستقلة و الاستقلال في التصرّف للفقيه الا ما توهم من بعض الروايات منها ما دلّ على ان العلماء ورثة الأنبياء و ان الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و لكن ورثوا احاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها أخذ بحظ وافر بدعوى ان الولاية على أموال الناس و أنفسهم من جملة تركه الأنبياء للعلماء فكما لهم ذلك فللعلماء أيضا ذلك.

و فيه أولا ان الوارثة انما تكون في أمور قابلة للانتقال فما لا يقبل الانتقال لا تقبل الوارثة كالشجاعة و السخاوة و العدالة و غيرها من الأوصاف الغريزية و النفسية و ثانيا لم نحرز كون الولاية من قبيل ما تقبل التوريث على ان الولاية العامة على القول بثبوتها للفقيه انما هي مجعولة له من قبل الأئمة لا منتقلة إليهم بالتوريث فلا يمكن إثباتها للفقهاء بمثل هذه الروايات و ثالثا: ان الولاية خارجة عن حدودها تخصصا و ذلك من جهة أنها ناظرة إلى أن شأن الأنبياء ليس ان يجمعوا درهما و لا دينارا و ليس همهم و حرصهم الى ذلك و جمع الأموال بل حرصهم ان يتركوا الأحاديث و صرحوا (عليهم السلام) بذلك و ان المتروك أي شيء في بعض الروايات و قال لكن ورثوا الأحاديث و من أخذ منها فإنما أخذ بحظّ وافر و ليست هي ناظرة إلى ان الأنبياء لم يتركوا شيئا أصلا من الدار و الثياب، بل لا ينافي بترك درهم و درهمين إذ ليس ذلك من قبيل الحرص بجمع المال و الّا فالائمة (عليهم السلام) كانوا يتملكون الدار و الثياب و يورّثوها للورّاث.

و بالجملة ليست هذه الروايات ناظرة إلى جهة توريث الولاية، بل هي خارجة عنها تخصصا و انما هي ناظرة إلى توريث احاديث و الاخبار و من هنا ظهر ما في الاستدلال بقوله (ع) و العلماء أمناء اللّه في حلاله و حرامه فان الامانة و الاستيداع منهم لا يقتضي كونهم وليّا من قبلهم في التصرف في

43

أموال الناس و أنفسهم.

بل يمكن ان يراد من تلك الاخبار كون المراد من العلماء هم الأئمة و الأوصياء (عليهم السلام) لكونهم هم العلماء بالمعنى الحقيقي، فمع دلالة تلك الاخبار على كون العلماء ورثة الأنبياء عن التصرف في أموال الناس و أنفسهم فلا دلالة فيها لكونها ثابتة للفقيه أيضا، فنعم الدليل الحاكم قوله (عليه السلام) نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون، اذن فيمكن دعوى ان كلّما ورد في الروايات من ذكر العلماء فالمراد منهم الأئمة (عليهم السلام) الّا إذا كانت قرينة على الخلاف كما في الرواية التي سئل الفرق فيها بين علماء هذه الأئمة و علماء اليهود و غيرها مما قامت القرينة على المراد بان العلماء هم الشيعة و الفقهاء، و أظهر من جميع من ارادة الأئمة من العلماء قوله (ع) مجاري الأمور في يد العلماء باللّه فان العلماء باللّه ليس غير الأئمة (ع) بل غيرهم العلماء بالحلال و الحرام من الطرق الظاهرية و مع قبول شمول العلماء باللّه للفقيه أيضا فلا دلالة فيها على المدعى، إذ المراد من ذلك كون جريان الأمر به لا يكون إلّا في يد الفقيه بحيث لولاه تقف الأمر فهو لا تكون إلا في توقف الأمر بدونها الحلال و الحرام نعم قد يكون للفقيه التصرف في أموال الناس كاليتيم و المجنون و نحوهما و هذا غير ما نحن فيه.

و أما الروايات الدالة على ان علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، و في الفقه الرضوي بمنزلة أنبياء بني إسرائيل فهي ناظر الى وجوب تبعية الفقهاء في التبليغ و التنزيل من هذه الجهة بعد القطع بأنه لم يرد التنزيل من جميع الجهات، بل في الجهات الظاهرة فهي هذه كما في زيد كالأسد إذ هو في شجاعته لا في جميع الجهات حتى في أكله الميتة مثلا و النكتة في ذلك واضحة إذ أنبياء بني إسرائيل لم يكن كلّهم نبيّا لجميع الناس و رسولا عاما

44

بل كان بعضهم نبي بلده و بعضهم نبىّ محلته و بعضهم نبي مملكة نظيرهم في ذلك العلماء و انه يجب لكل قوم ان يتبع عالمه كما كان الواجب لبني إسرائيل أن يتبعوا نبيّهم في التبليغ و يمكن ان يكون التنزيل في الشرافة و الثواب و الأجر و انهم مثلهم و هذا أمر واضح لو لاحظت التعليم و التعلمات العرفية لجزمت بذلك مثلا فتلميذ المدرسة الثانية لعلو المدرسة أعلم من معلم المدرسة الابتدائية و هكذا فالفقهاء و ان كانوا فقهاء و تلامذة المدرسة المحمدية مثل معلم الأمة السابقة من الأنبياء لعلو هذه المدرسة، بل بعضهم أفضل من بعض هؤلاء الأنبياء و بالجملة و التنزيل في هذه الرواية من هذه الجهة و هذا هو الظاهر.

و اما قوله (ص) اللهم ارحم خلفائي، قيل و من خلفائك يا رسول اللّه؟

قال: الذين يأتون بعدي، فإن الظاهر من ذلك خليفتهم في نقل الرواية و الحديث كما قال (ص) و يروون حديثي و سنتي لا ان المراد من الخلافة، الخلافة في التصرّف في أموال الناس و أنفسهم فهي أيضا خارجة عن المقام و الحاصل: ليست في شيء من هذه الروايات دلالة على كون الفقيه مستقلا في التصرف في أموال الناس و ان كان له ذلك في بعض الموارد، كالطفل و نحوه، و لكنه انما ثبت له بأدلة أخرى كما لا يخفى فافهم، و انه ليسوا ممن يجب إطاعتهم في أوامرهم الشخصية.

و أما ما ذكره المصنف من قوله (ع)

في النهج البلاغة أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جائوا ان اولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، إذ الظاهر من ذلك شموله بالولاية و استقلالهم في التصرّف في أموال الناس و أنفسهم.

فالظاهر كونها أجنبية عن المقام إذ الأولوية لا تقتضي الولاية و ثبوت ما للمتبوع بأجمعه للتابع.

45

و كذلك لا دلالة في قوله (عجل اللّه تعالى فرجه) هم حجتي عليكم و انا حجة اللّه، إذ الظاهر من الحجّية هي الحجيّة في الاحكام، و اما الولاية في التصرف فلا معنى للحجية في ذلك، فلا ملازمة بين الحجية و الولاية بوجه.

و أما المقبولة قال فسألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجلين من أصحابنا تنازعا في دين أو ميراث، فتحاكما الى السلطان أو الى القاضي أ يحل ذلك الى أن قال قد جعلته عليكم حاكما و في ذيله ينظر من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فيرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما، إلخ.

و قد استدل بها شيخنا الأستاذ على المدعى و كون الفقيه وليّا في الأمور العامة بدعوى ان الظاهر من الحكومة هي الولاية العامة، فإن الحاكم هو الذي يحكم بين الناس بالسيف و السوط و ليس ذلك شأن القاضي و قد كان ذلك متعارف في الزمان السابق و ان كان قد اتفق الاتحاد في بعض الأزمنة بل الظاهر من صدرها هو كون القاضي مقابلا للسلطان و قد قرر الامام (ع) ذلك.

و فيه ان ما كان متعارفا في الأزمنة السابقة، بل فيما يقرب الى زماننا هو تغاير الوالي و القاضي و ان القاضي من كان يصدر منه الحكم و الوالي هو المجرى لذلك الحكم، و اما القاضي و الحاكم فهما متحدان و من هنا قال (ع) في بعض الروايات جعلته عليكم قاضيا، و يدل على اتحادهما بما في ذيل الرواية من قوله (ع) فانى قد جعلته حاكما، إذ لو كان القاضي غير الحاكم لم يقل انى قد جعلته حاكما، مع كون المذكور في صدر الرواية لفظ القاضي، و العجب منه (ره) حيث أيد مدّعاه بكون القاضي مقابلا للسلطان في صدر

46

الرواية مع انه ليس كك، إذ المذكور في الصدر انه تحاكما الى السلطان أو القاضي و من البديهي ان السلطان غير القاضي و الحاكم و ان المرافعات قد ترفع إلى القاضي و قد ترفع الى السلطان. و لأجل ذلك ذكر في صدر الرواية السلطان و القاضي.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه انه ليس للفقيه ولاية على أموال الناس و أنفسهم على الوجه الأول، بمعنى استقلاله في التصرف فيهما، و من هنا اتضح انه ليس له إجبار الناس على جباية الخمس و الزكاة و سائر الحقوق الواجبة كما هو واضح.

و اما ولايته على الوجه الثاني بمعنى اعتبار نظره في جواز التصرفات فيما كان منوطا بإذن الإمام (ع) و ان تصرّفات الغير بدون اذنه غير جائز.

و قد استدل المصنف على ذلك و ولايته على هذا الوجه بالروايات المتقدمة و قد عرفت جوابها و ما أريد منها.

و استدل عليه أيضا بالتوقيع المروي في إكمال الدين و احتجاج الطبرسي الوارد في جواب مسائل إسحاق بن يعقوب التي ذكر إني سألت العمرى أن يوصل لي إلى الصاحب (عج) كتابا يذكر فيه تلك المسائل التي قد أشكلت علىّ فورد الجواب بخطه عليه آلاف التحية و السلام في أجوبتها و فيها: و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه، و هذه الرواية و ان كان مسبوقا و ملحوقا بجملات لم تذكر، و لكن ظاهرها عدم ارتباطها بسابقها و لاحقها بوجه و كيف استدل المصنف بذلك على ولاية الفقيه على الوجه الثاني بقرائن فيها تدلّ على ذلك و بعد ارادة خصوص المسائل الشرعية فيها ان الرواية دالة على إرجاع نفس الحادثة إليه (ع) ليباشر أمرها مباشرة أو استنابة لا الرجوع في حكمها اليه.

47

و فيه أنه لو كان المراد بالرواية هو ذلك لقال (ع) فارجعوها الى رواة حديثنا و لم يقل فارجعوا فيها و من الظاهر ان الظاهر من الموجود في الرواية أعني هو الثاني، ليس الّا الرجوع إليهم في الحكم، فان المناسب للرجوع إليه في الشيء ليس الّا الرجوع إليه في حكمه بل هذا هو المناسب للرجوع إلى الرواة فإنهم لا يدرون الّا حكم الواقعة و اما اعتبار إذنهم في التصرّف فلا.

و منها التعليل بكونهم حجّتي عليكم و انا حجة اللّه، فإنه إنما يناسب الأمور التي يكون المرجع فيها هو الرأي و النظر فكان هذا منصب ولاة الامام من قبل نفسه لا انه واجب من قبل اللّه سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام (عليه السلام) و الّا كان المناسب ان يقول انهم حجج اللّه عليكم كما وصفهم في مقام آخر بأنهم أمناء اللّه على الحلال و الحرام.

و بالجملة لو كان المراد من ذلك هو ما يكون راجعا الى الحكم لقال (ع) انهم حجج اللّه لكون الحكم له و لكن لم يكنى كك، بل النصب في جهة ترجع الى نفس الإمام فهي الولاية.

و فيه ما عرفت سابقا من ان الحجية تناسب تبليغ الأحكام الشرعية كما في قوله تعالى فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ و اما الولاية فلا ملازمة بينها و بين الحجية و عدم نسبة حجيتهم الى اللّه من جهة ان الأئمة واسطة في ذلك لعدم وصول الحكم من اللّه الى العباد بلا واسطة و ان ما يفعلون انما يفعلونه بحكم اللّه تعالى فيكون ما يكون حجّة من قبلهم حجة من قبل اللّه فلا يكون في هذه أيضا قرينية على المدعى.

و منها ان وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء الذي هو من بديهيات الإسلام من السلف الى الخلف مما لم يكن يخفى على أحد فضلا

48

على مثل إسحاق بن يعقوب حتى يكتبه في عداد مسائل أشكلت عليه بخلاف وجوب الرجوع في المصالح العامة إلى رأي أحد و نظره، فإنه يحتمل أن يكون الامام قد وكّله في غيبته الى شخص أو أشخاص من ثقاته في ذلك الزمان و الحاصل ان لفظ الحوادث ليس مختصا بما اشتبه حكمه و لا بالمنازعات.

و فيه ان الظاهر من الحوادث هي الفروع المتجددة التي ارجع الامام فيها الى رواة كما يقتضي ذلك الإرجاع إلى الرواة فإنّ بعض الفروع قد تكون متجددة و مستحدثة صرفة فهي من المهام المسائل التي لا بدّ و ان يسئل من الامام فقد سئل الراوي عن ذلك و مثل هذه الفروع ليس من شؤنها جهة نقص من كل شخص، و لذا سئل إسحاق بن يعقوب و ان كان من أجلا العلماء بواسطة محمد بن عثمان العمري الذي هو من السفراء الامام عن الحوادثة التي هي متجددة، فأجاب بإرجاعه إلى السفراء و العلماء.

و بالجملة ان الحوادثة المتجددة و الفروع المستحدثة مما يشكل الأمر فيها، فلا بداهة في لزوم السؤال عنها عن الامام (عليه السلام) ليكون السؤال عنه لغوا كما هو واضح، فافهم.

و بعبارة اخرى انه ليس كل مسألة فرعية تقضى البداهة لزوم الرجوع فيها الى الامام في زمانه و الى الفقهاء في زمان الغيبة، بل منها الفروعات المستحدثة التي يشك في ان المرجع فيها من هو، فلذا يسأل الراوي عن حكم ذلك في زمان غيبة الكبرى، إذ في زمان غيبة الصغرى يسئل عن نفس الامام بواسطة السفراء و اما في زمان غيبة الكبرى فلا، و لذا ارجع الإمام في ذلك الزمان الى الفقهاء بالنيابة العامة و انهم و ان لم تصل إليهم في رواية و لكن يصلون الى حكمها و لو من الأصول و ذلك ككثير من الفروع المتجددة في زماننا منها مسألة اللقاح بواسطة التلقيح و ان الولد بمن يلحق و ممن يرث

49

و قد استدل على ذلك بان السلطان ولى ما لا ولى له، و فيه ان هذا لم يثبت من طرقنا كونه رواية أو قاعدة مسلمة كبعض القواعد الفقهية، و اما من طرق العامة فعلى تقدير ثبوته فلم ينجبر ضعفها بعمل المشهور و على تقدير الانجبار فلا دلالة فيه على المقصود إذ المراد بذلك ان السلطان أولى بالتصرف من غيره، و انه ولى من لا ولى له في التصرف في ماله و نفسه و هذا غير مربوط بولاية الفقيه، بوجه اذن فلا دلالة في شيء من الروايات على ولاية الفقيه بوجه من الوجهين من معنى الولاية.

و ربما يستدل على ثبوت الولاية للفقيه بوجهين بتقريبين آخرين الأوّل ان الولاية في الأمور العامة بحسب الكبرى ثابتة عند العامة بالسيرة القطعية و ان اشتبهوا في صغرى ذلك و تطبيقها على غير صغرياتها الّا ان ذلك لا يضرّ بقطعيّة الكبرى الثابتة بالسيرة.

و اما الصغرى فهي ثابتة بالعلم الوجداني إذ بعد ثبوت الكبرى، فالأمر يدور بين تصدى غير الفقيه على التصرف في الأمور العامة و بين تصدى الفقيه بذلك فيكون مقدما على غيره.

و بالجملة نثبت الكبرى بالسيرة القطعية و الصغرى بالعلم الوجداني.

و فيه ان اشتباههم في الصغرى و ان كان مسلما و لكن نحتمل ان يكون ذلك في الكبرى أيضا كسائر مبتدعاتهم في الدين فلم تقم سيرة قطعية متصلة إلى زمان النبي (ص) على ذلك، بل يكفى مجرد الشك في ذلك فإنه لا بدّ من دليل قطعي يدل على جواز التصرف في أموال الناس و اعراضهم و أنفسهم.

و التقريب الثاني ما عن بعض المعاصرين ان يقال ان ما هو مسلم عند العامة من القول بالولاية العامة مذكور بحسب الكبرى في التوقيع الشريف

50

فان المذكور فيه انه تحاكما الى السلطان أو القاضي فهو بصراحته يدل على ذلك فنحكم بثبوت تلك الكبرى للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة، إذ لا نحتمل ان يكون غيره وليّا في ذلك في عرضه، بل لو كان فهو ولى لذلك.

و فيه انه لا يمكن المساعدة الى ما ذهب اليه هذا المعاصر فإنه و ان ذكر السلطان و القاضي في الرواية و ذكر الامام (عليه السلام) بان من عرف حلالنا و حرامنا انّى جعلته قاضيا في رواية ابن خديجة و جعلته حاكما في المقبولة، و لكني الذي أرجع الإمام إليه ليس إلّا في المرافعة و المنازعة كما قال في الصدر تنازعا في دين أو ميراث الى السلطان أو القاضي و اما أزيد من ذلك فلا اذن فالمسلّم من الرواية هو ثبوت الولاية له في المنازعات و المرافعات و منصب القضاوة و ثبت له منصب التقليد و كونه مرجعا في الأحكام بالأدلة الخارجية و اما في غير هذين الموردين فلا.

هذا كله بحسب الروايات.

و امّا بحسب الأصل: فقد تقدم سابقا ان بعض الأمور لا يجوز لغير الفقيه ان يتصدى اليه و يتصرّف فيه الّا باذنه و لعل من هذا القبيل باب الحدود و التعزيرات إذ لا يجوز لأحد ان يظلم أحدا إلّا فيما ثبت جوازه بدليل فلا شبهة في كون الحدود من أعظم مصاديق الظلم لولا تجويز الشارع، نعم لو كان في باب الحدود و التعزيرات و كذلك في باب الأموال و أمثال ذلك مما فيه حق للغير إطلاق ما دلّ على جواز أمثال ذلك من كل أحد فنتمسك به فنحكم بجواز تصدى غير الفقيه أيضا بذلك و لكن ليس الأمر كك.

نعم يمكن دعوى الإطلاق في مثل الزنا لقوله تعالى الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ و لكنه قيد بالروايات.

و بالجملة في أمثال الموارد لا يجوز لغير الامام و نائبه أن يتصدى

51

بالتصرف إلّا بإذنه إذ قد ثبت بالأدلة القاطعة عدم جواز التصرف في أموال الناس و أنفسهم و اعراضهم بلا اذن و رضائه من المالك للتصرف.

و إذا شككنا في اعتبار اذن الامام عليه أو الفقيه في صحة شيء لا في وجوبه كصلاة الميت إذ هو واجب لكل مكلّف فلا نشك ان يكون اذن الفقيه من شرائط الوجوب فندفع ذلك بالإطلاق ان كان هنا إطلاق و بأصالة البراءة لو لم يكن في البين إطلاق فتثبت نتيجة الإطلاق.

و ان كان وجوب شيء كصلاة الجمعة مثلا مشروطا باذن الفقيه كما ذهب بعض الى ذلك و ان صلاة الجمعة لا تكون واجبة عينية إلّا بإذن الفقيه و شككنا في ذلك فمع عدم الدليل ندفع وجوب ذلك بالأصل، بل لا يجب الاستئذان أيضا لأن تحصيل شرط الواجب ليس من الواجبات و انما الواجب هو إتيان الواجب بعد تحقق موضوعه و شرائطه بأجمعها.

و ان كان الشك في جواز التصرف بدون اذن الفقيه من غير أن يكون هنا احتمال الوجوب كالتصرف في الأوقاف العامة فلا يجوز التصرف فيه و لا يشرع إلا بإذن الفقيه إذ من المسلم الضروري أنه لا يجوز التصرف في مال الغير بدون إذنه ففي مثل الأوقاف دار الأمر بين جواز التصرف مطلقا و بدون إذن أحد في ذلك.

و بين جوازه باذن الفقيه فلا شبهة أن المتيقن هو صورة الاذن من الفقيه فيكفي في عدم جواز غير هذه الصورة مجرد الشك في الجواز إذ المورد مورد التصرف في الأموال و من هذا القبيل اشتراط اذن الفقيه في صرف مال الامام (عليه السلام) في موارده إذ من الضروري بطلان احتمال دفن ذلك مع وجود المستحقين و الموارد المحتاجة إليه خصوصا في مثل القراطيس و كك إلقائه في البحر فان ذلك ليس الّا مثل الإحراق و الإتلاف و كك الإيصاء الى ان

52

يصل الى الامام (عليه السلام) فإنه بعد تبدل يد أو يدين يكون تالفا مثل الإلقاء في البحر اذن فنقطع برضاء الامام (عليه السلام) في صرفه في مصالح الدين فاهمّها في تحصيل العلوم.

و عليه فيدور الأمر بين ان يتصرّف في ذلك المال كل احد بدون رضائه الفقيه و بين ان يتصرف باذن الفقيه فالمتيقن هو جواز التصرف باذن الفقيه اذن فالنتيجة ثبوت ولاية الفقيه على مال الامام (ع) على الوجه الثاني، أي بمعنى أشراط التصرف باذنه.

و ان اجتمع الأمران بأن كان وجوب شيء و جواز التصرف فيه مشروطا باذن الفقيه كالأمور الحسبية من التصرف في أموال القاصرين و المجانين و مجهول المالك و أموال الصغار و غير ذلك فهنا أيضا بالنسبة إلى الوجوب نجري الأصالة البرائية، بل ليس تحصيل الإذن أيضا من الواجبات لعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب و بالنسبة إلى جواز التصرف نحكم بعدم جوازه بدون اذن الفقيه لأن المقدار المتيقن هو التصرف باذن الفقيه كما عرفت في مثل الأوقاف.

فتحصّل انه ليس للفقيه ولاية بكلا الوجهين على أموال الناس و أنفسهم فليس له ان يروّج بنتا صغيرة لابن صغير أو كبير و لا تزويج ابن صغير و لا يجوز له بيع داره و هكذا و هكذا الّا ان يكون الصغير بدون ذلك في معرض التلف فيدخل تحت الأمور الحسبية.

نعم، لو الولاية في بعض الموارد لكن لا بدليل لفظي، بل بمقتضى الأصل العملي كما عرفت.

ثم ان ثمرة ثبوت الولاية بالأصل أو بالدليل هو انه إذا كان شيء واجبا و شكّ في كون صحته مشروطا باذن الفقيه فبناء على ثبوت ولايته