حاشية كتاب المكاسب (للأصفهاني) - ج3

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
421 /
7

[تتمة كتاب البيع]

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الشرط الأول: ان يكون متمولا

1- قوله (قدّس سرّه): (و اعترضه غير واحد لوجوب ردّ المثل .. إلخ) (1).

إن كان عدم الضمان لأجل عدم التمكن من أدائه بجميع وجوهه صح الاعتراض، لإمكان أدائه بأداء مماثلة في الطبيعة النوعية، و إن كان عدم الضمان لأنّ التضمين تخسير و لا خسارة للتالف، إذ الأغراض النوعية في ذوات الأموال متعلقة بحيثية ماليتها، فلا خسارة و لا تدارك لما لا مالية له، فلا يصح الاعتراض، إذ أداء العين بأداء مماثلها في الصورة أمر، و التضمين و التغريم و التخسير أمر آخر، فتدبر.

2- قوله (قدّس سرّه): (و الاولى إن ما تحقق فيه أنّه ليس بمال .. إلخ) (2).

لا يخفى عليك ما يتوجه على كل من الشقوق.

أمّا على الأول: فلما مرّ مرارا (3) أنّ النسبة بين المالية و الملكية عموم من وجه، فعدم المالية لا يستدعي عدم الملكية، حتى يستدل بقوله (عليه السلام) (لا بيع إلّا في ملك) (4)، بل لا بد من الاستدلال له بأنّ البيع لغة و عرفا “مبادلة مال بمال”، فلا يتحقق البيع عرفا إذا لم يكن أحد طرفيه مالا- كما استدل به في صدر المبحث.

نعم لو كان المال أعم مطلقا من الملك لصح الاستدلال، إذ ما لم يكن مالا لم يكن

____________

(1) كتاب المكاسب ص 161، سطر 5- و في الأصل (و اعترضه غير واحد ممن تأخر عنه بوجوب).

(2) كتاب المكاسب ص 161، سطر 5- و في الأصل (الاولى أن يقال إنّ ما تحقق ..).

(3) ح 1 تعليقة 5.

(4) عوالي اللآلئ 2: 247، حديث 16.

10

ملكا، لكنه ليس كذلك.

و أمّا على الثاني: فإنّ صدق الأكل بالباطل عرفا إن كان لعدم كونه مالا في نظرهم فهو طريق إلى عدم المالية، فلا وجه لجعله شقا في قبال عدم كونه مالا عرفا، فإنّ الطريق ليس في قبال ذي الطريق.

و إن كان لا لأجل ذلك فلا وجه لعده من شؤون ما لم يعلم أنّه مال، إذ ليس كل أكل بالباطل محسوبا من طرف عدم المالية.

و أمّا على الثالث: فلما مرّ من أنّ قيام النص و الإجماع على عدم جواز بيعه، إن كان لأجل عدم ماليته فهو طريق شرعا إلى عدم كونه مالا، فيدخل كالثاني في الأول.

و إن كان لغير ذلك- كما في سائر موارد قيام النص و الإجماع على عدم جواز بيعه- فلا وجه لعده في عداد الشقوق المذكورة، من حيث الشبهة في المالية.

و أمّا على الرابع: فإنّ الشبهة سواء كانت مفهومية أو مصداقية لا يجوز التمسك بعموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (1)، إذ على الاولى لا يعلم سعة دائرة البيع من حيث التقوّم بالمالية و عدمه، فكيف يتمسك بما يتوقف على صدق عنوان البيع، و على الثانية تمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية.

و أمّا عموم التجارة و العقد فإن أريد مطلق التكسب و الالتزام صح الاستدلال بهما، و إن أريد التجارات و العقود المتداولة بعناوينها من البيع و الصلح و الهبة، فلا بد هنا من إحراز البيع بعنوانه و قد عرفت الاشكال فيه.

و منه تبيّن ما في الاستدلال برواية تحف العقول (2)، فإنّ الحلال هو بيع ما فيه جهة من الصلاح، و الكلام في صدق البيع مفهوما أو مصداقا.

فالتحقيق أن يقال: إن حققنا حقيقة البيع و أنّها عرفا متقوّمة بالمال، فلا إشكال في عدم جواز الاستدلال بعمومات أدلة البيع فيما إذا لم يعلم مالية أحد العوضين، و إن حققنا أنّها غير متقوّمة بالمال، بل مجرد جعل شيء بإزاء شيء لما فيه من الغرض

____________

(1) البقرة، الآية: 275.

(2) وسائل الشيعة، باب 2، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

11

العقلائي، فلا إشكال في الاستدلال و إن علم أنّه ليس بمال، فضلا عما إذا لم يعلم، و هذا هو الحق، و يشهد له الإطلاقات العرفية، و لذا قلنا بأنّ التمليك بإزاء سقوط الحق عن نفسه بيع عرفا و موافق للغرض العقلائي، مع أنّ سقوط الحق ليس بمال.

و إن لم نحقق حقيقة البيع أو قلنا بأنّها متقوّمة بالمال فلا يجوز الاستدلال بالعمومات كما تقدم (1)، و أمّا في المورد الذي حكم العرف أو الشرع بعدم جواز بيعه فهو متّبع، سواء علم أنّه مال أو لم يعلم، فلا معنى لجعله قاعدة في الشبهة المفهومية أو المصداقية، فتدبر جيدا.

3- قوله (قدّس سرّه): (ثم إنّهم احترزوا باعتبار الملكية .. إلخ) (2).

الظاهر أنّه قيد آخر غير المالية، و إن كان ظاهر بعضهم اعتباره بدلا عن اعتبار المالية، إلّا أنّ الصحيح ما أفيد هنا، لما مرّ من (3) أنّ النسبة بينهما عموم من وجه.

و توضيح الحال في هذا القيد: أنّ حقيقة البيع و طبيعته غير متقومة بالملكية، فإنّها و إن كانت مفيدة للملكية لكنها غير منبعثة عن الملكية، إذ لا يتفاوت طبيعة البيع بإضافتها إلى الكليّ و الشخصي، مع أنّه من الواضح المتسالم عليه- عند الجلّ بل الكلّ- صحة بيع الكليّ و الاشتراء بالكليّ، مع أنّه غير مملوك للبائع في الأول و للمشتري في الثاني.

فيعلم منه أنّ اعتبارها في الشخصي لوجه آخر، لا لتقوم حقيقة البيع بها، و كما لا يعتبر فعلية الملكية- للبائع في المبيع و للمشتري في الثمن- كذلك لا معنى لقابليتهما للملكية لهما، إذ المترقب من حقيقة البيع بناء على أنّهما تمليك بعوض قابلية المبيع لأن يكون مملوكا للمشتري، و قابلية العوض لأن يكون مملوكا للبائع، لا قابلية المبيع للمملوكية للبائع و قابلية الثمن للمملوكية للمشتري، فإنّها بلا وجه.

و من الواضح أنّ القابلية بالمعنى الأول محفوظة في بيع المباحات، فإنّها قابلة

____________

(1) تعليقة 2.

(2) كتاب المكاسب ص 161، سطر 8.

(3) تعليقة 2.

12

لأن تصير مملوكة للمشتري بالبيع، فالمانع من عدم جواز بيعها أمر آخر غير عدم قابليتها للملكية.

و التحقيق: أنّ الكليّ الغير المضاف إلى ذمة من الذمم و المباحات قبل الحيازة تشتركان في جهة و يختص الأول بجهة.

أمّا الجهة المشتركة بينهما: فهو أنّ نفوذ التمليك من البائع مثلا يتوقف على كون المبيع تحت سلطان البائع، و كونه مالكا لأمره و إن لم يكن مالكا لرقبته، و من الواضح أنّ الكليّ المضاف إلى ذمة البائع تحت سلطانه، لسلطانه على نفسه بالتعهد لأحد بشيء في ذمة نفسه، دون الكليّ الغير المضاف، فإنّه حيث لا إضافة له إلى ذمته لا معنى لسلطانه عليه مع عدم رجوعه إلى التعهد به في ذمة نفسه، و كذا المباحات الأصلية فإنّها متساوية النسبة إلى البائع و المشتري، و ليست كالكليّ ليتعهد به في ذمته، و لا كالأعيان الخارجية المضافة إليه بإضافة الملكية ليكون سلطانه عليها من باب سلطنة الناس على أموالهم، فلا ينفذ البيع في شيء منهما لعدم سلطانه عليهما، و عدم كونه مالكا لأمرهما، و عليه ينزّل قوله (عليه السلام) (لا بيع إلّا في ملك) (1) لا على ملك الرقبة ليكون بيع الكليّ مثلا تخصيصا فيه.

و أمّا الجهة الخاصة بالكليّ الغير المضاف: فهو أنّ المبيع لا بد من أن يكون له نحو من التّعين إمّا خارجا أو ذميا، فالمباحات لها تعين خارجي فيصح اعتبار ملكيتها لأحد، و الكليّ الذمي له تعين ذمي فيصح اعتبار ملكيته للمشتري، و يكون البائع مرجع المطالبة لنفسه في ذمته، بخلاف الكلي الغير المضاف فإنّه لا تعين له بوجه فيلغو اعتبار ملكيته للمشتري، فإنّ المشتري و غيره- ممن لم يعتبر له الملكية- على حد سواء، و هذا معنى لغويته.

و العجب من شيخنا الأستاذ حيث ذكر في هذا الموضع من تعليقته المباركة (2) أنّ الوجه في عدم جواز بيع المباحات قبل حيازتها ليس عدم الملكية، بل عدم المالية

____________

(1) عوالي اللآلئ 2: 247 حديث 16.

(2) حاشية الآخوند، ص 104.

13

فإنّ بذل المال بإزائها سفه و أكل بالباطل، مع أنّه قد اعترف في أول تعليقته (1) بأنّ المباحات كالكلي مال، و إن لم يكن ملكا و هو الصحيح، فإنّها في حد ذاتها أموال بل من أعلاها و أغلاها، كما أنّ المانع ليس عنوان الأكل بالباطل، فإنّك قد عرفت (2) أنّ أصل تمليكها بلا وجه، و إن كان بعنوان الهبة لا بعنوان المعاوضة.

[بيع الأرض المفتوحة عنوة]

4- قوله (قدّس سرّه): (و احترزوا به أيضا عن الأرض المفتوحة عنوة .. إلخ) (3).

هذا إنما يصح إذا قلنا بعدم كونها ملكا للمسلمين بجميع أنحائه المتصورة، بل كانت من قبيل فك الملك و جعل أمرها إلى ولي الأمر، ليصرف حاصلها في مصالح المسلمين، و أمّا إذا كانت ملكا لهم بوجه و إن كانت الملكية مقيدة بحيث لم يكن لآحاد المسلمين التصرف فيها عينا أو منفعة فلا تخرج حينئذ بمجرد التقييد بالملك، بل لا بد من إضافة خصوصية إلى الملكية ليصح الاحتراز بواسطة تلك الخصوصية، و حيث إنّه يجوز لولي الأمر عند الحاجة بيعها و صرف ثمنها في مصالح المسلمين، فيكشف عن كونها مملوكة لهم، إلّا أنّ أمر هذا الملك و ملك التصرف لولي الأمر، فلا يجوز بيعها لآحاد المسلمين، سواء كانت ملكا لهم استغراقيا أو نوعيا و طبيعيا، من جهة عدم ملك التصرف لهم، و لا ينفذ البيع بدونه.

ثم اعلم أنّ تطبيق ملكية الأرض المفتوحة عنوة على سائر أنحاء الملكية لا يخلو عن صعوبة، إذ الالتزام بمالكية جميع المسلمين من الموجودين و المعدومين حال الفتح مشكل:

أولا: لما فيه من الالتزام بملك المعدوم الذي لا يساعده الاعتبار العرفي، و إن لم يكن فيه محذور عقلي.

و ثانيا: ما ذكره (رحمه اللّه) من أنّ لازمه الانتقال بالإرث، و إلّا لكان منافيا لقاعدة الإرث مع أنّهم لا يتلزمون بالإرث، الذي يلزمه تفاوت آحاد المسلمين في أعيان

____________

(1) حاشية الآخوند، ص 3.

(2) نفس التعليقة.

(3) كتاب المكاسب ص 161، سطر 9.

14

الأرض و ارتفاعاتها.

و ثالثا: مقتضى كونها ملكا طلقا للمسلمين عدم سلطنة أحد غير الملّاك على التصرف فيها، كما هو مقتضى قاعدة سلطنة الناس على أموالهم، فلا معنى لكون أمره بيد ولي الأمر.

غاية الأمر أنّ عدم تعيّن حصة الموجودين و عدم الولاية لهم على المعدومين يمنع عن التصرف فيها، لا أنّه يوجب الولاية لمن ليس مالكا لهذا الملك الطلق، كما أنّ الالتزام بكونها ملكا طلقا لنوع المسلمين فيندفع به إشكال الإرث، إذ لا تعيّن للميت حتى يرثه وارثه، و لا تعيّن للمالك حتى يكون لأحد خاص السلطنة عليها، بل ولي الأمر القابض على هذه الأرض كالمالك لما فيه الخمس و الزكاة لطبيعي السّيد و الفقير، حيث إنّه له ولاية التعيين فيتعين المالك بإقباضه إيّاه، إلّا أنّ لازمه جواز إعطاء ولي الأمر عين هذه الأراضي فضلا عن منافعها لأحد المسلمين من دون مصلحة، فضلا عن رعاية المصلحة العامة لنوع المسلمين.

كما أنّ الالتزام بكونها وقفا و إن كان لا يرد عليه إشكال الإرث، و لا عدم سلطنة الملّاك، و إمكان أن يكون ولي الأمر كالمتولي بجعله تعالى على الملك المحبوس بحبسه تعالى على المسلمين، و إمكان تعيين منافعها لمصرف خاص لا تقسيمها بين ملاكها، إلّا أنّ لازم الوقف عدم جواز بيعه إلّا في موارد مخصوصة منصوصة، لا لما يراه ولي الأمر من المصلحة، فإنّ مثله غير سائغ في الوقف بحيث يجعله وقفا و يفوض أمر بيعه و نقله عينا إلى المتولي، مع أنّه جائز هنا. و أمّا حل جوائزه و عطاياه فغير مناف لذلك، لإمكان جعله من باب حق التولية.

و عليه فيمكن أن يقال: بملاحظة الجمع بين الأخبار و رعاية الآثار أنّ الأرض ملك لطبيعي المسلمين و نوعهم لا لآحادهم، و ما ورد- من أنّه ملك لجميع المسلمين ممن وجد و ممن لم يخلق بعد- يراد به عدم اختصاص ملك الطبيعي بزمان دون زمان، و إن كان كل واحد من المسلمين قابل لانطباق الطبيعي عليه، لكنه ليس كالخمس و الزكاة بحيث يجب على المتولي لأمرها إقباضها إلى من شاء، بل جعل

15

أمرها عينا و منفعة إلى ولي الأمر مع رعاية مصلحة النوع، فتارة تقتضي المصلحة إقباض رقبة الأرض إلى واحد، و أخرى تقتضي إبقاء الأرض و صرف حاصلها في مصلحة النوع.

و أمّا بذل ولي الأمر بعنوان العطية و الجائزة فإمّا هو من باب حق التولية، أو لأنّ قيامه بالأمر مصلحة النوع، و لوازم الرئاسة مرعية في الرئيس القائم بالأمر، فبالأخرة تكون العطية و الجائرة مصلحة النوع.

أقسام الأرضين و أحكامها

القسم الأول: ما كانت مواتا بالأصالة

5- قوله (قدّس سرّه): (و النصوص بذلك مستفيضة بل قيل إنّها متواترة .. إلخ) (1).

ينبغي التكلم في مقامات.

الأول: أنّ الموات بالأصالة للإمام (عليه السلام)،

و من الواضح للمتأمل المراجع إلى الاخبار أنّها و إن كانت مستفيضة أو متواترة، إلّا أنّ كون الأنفال كلية له (عليه السلام) كذلك، لا أنّ النصوص في خصوص الموات مستفيضة، فإنّ بعض النصوص (2) تضمن كون الأرض الخربة للإمام (عليه السلام)، و بعضها (3) تضمن كون الأرض الخربة التي باد أهلها له (عليه السلام)، و بعضها (4) تضمن كون الأرض التي لا ربّ لها للإمام (عليه السلام)، و بعضها (5) تشتمل على أنّ

____________

(1) كتاب المكاسب ص 161 سطر 17.

(2) وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب إحياء الموات، ح 3، 1.

(3) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 11، 26.

(4) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 28.

(5) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 4.

16

الأرض الميتة التي لا ربّ لها له (عليه السلام)، أمّا الأرض الخربة مطلقة كانت أو مقيدة فموردها المسبوقة بالعمارة لا الموات بالأصالة، و أمّا الأرض التي لا ربّ لها فمطلقها و مقيدها مسوقة لمالكيته (عليه السلام) لما لا مالك له، و توصيفها بالميتة- كما سيأتي (1) إن شاء اللّه تعالى- من باب الغلبة، فلا يكون دليلا على أنّ الموات بالأصالة- بما هي موات- للإمام (عليه السلام)، و النبويان المذكوران في المتن غير مرويين من طرقنا، نعم في بعض روايات الكافي (و الموات كلها للإمام (عليه السلام)) (2)، و المسألة و إن كانت اتفاقية إلّا أنّ الغرض أنّ النصوص بها ليست مستفيضة و لا متواترة.

و أمّا ما ورد من أنّ الأرض كلها للإمام (عليه السلام) فيعم الموات فلا بد من حمله على الملك بمعنى آخر، فيكون كملكه تعالى ملكا حقيقيا لا اعتباريا يترتب عليه الآثار، و ذلك الملك الحقيقي يعم الاملاك و الملّاك كما قدمناه في مبحث الولاية (3).

المقام الثاني [هل يعتبر اذن الامام (عليه السلام) في الأحياء]

في اعتبار إذن الامام في صيرورة الموات ملكا بالإحياء أو عدمه، بل امتناعه في زمان الغيبة.

و توضيح الحال: أنّ الموات حيث إنّها ملك حقيقة للإمام (عليه السلام)، فمقتضى القواعد العقلية و النقلية حرمة التصرف فيها بالاحياء من دون إذن مالكه، و الدليل على سببية الإحياء للملك كأدلة سائر الأسباب الغير المعارضة للدليل على إناطتها بإذن المالك، و عليه فيعتبر إذنه (عليه السلام) في التملّك بالإحياء في زمن الحضور و الغيبة، و لو بالاستيذان من نائبه العام كما هو المعروف في المتون الفقهية في باب إحياء الموات و في باب الأنفال و الجهاد.

و في قبالة وجهان آخران بل قولان:

أحدهما: الفرق بين زماني الحضور و الغيبة، فيعتبر الاستئذان في الأول دون الثاني.

ثانيهما: سقوط اعتبار الاذن مطلقا بل امتناعه في زمان الغيبة.

____________

(1) تعليقة 6.

(2) التهذيب 4: 126- باب 1، رواية 5، و لم نجد الرواية في الكافي.

(3) ح 2، تعليقة 337.

17

[طريق معرفة الإذن منه]

و من يدعي اعتبار الاذن مطلقا يقول بصدور الاذن منه (عليه السلام)، فلا ينافي سببية الإحياء لإناطته بالرضا، و له طرق:

منها: نفس قولهم (عليهم السلام) (من أحيى أرضا ميتة فهي له) (1) بتقريب: أنّ هذا الإذن التشريعي في الأحياء حيث إنّه صدر من المالك فيكون إذنا مالكيا أيضا، و لا منافاة، فيكون بمنزلة قول المالك من دخل داري فله كذا، فإنّه كما يدل على سببية الدخول للجزاء، كذلك على الاذن المالكي في الدخول، و به يفرق بين دليل الأحياء و أدلة سائر الأسباب.

منها: النبويان المذكوران في المتن حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله) (ثم هي لكم مني أو هي لكم مني أيها المسلمون) (2) فإنّه صريح في التمليك عن رضاه (صلّى اللّه عليه و آله)، غاية الأمر لا بد من أن يقيد بأدلة الأحياء، و أنّ الموات لهم بإحيائها، فالسبب يستفاد بأدلة الأحياء، و الاذن المالكي بمثل النبويين، و إلّا فالتمليك لا بالاحياء لا يدخل تحت أحد العناوين المملكة من العقود الشرعية، مع أنّ تمليك آحاد المسلمين استغراقيا أو طبيعيا بجعلها كالمفتوحة عنوة فلا يجوز لأحد التصرف فيما أراد، بل فيما يوازي حصته الغير المعلومة، فلا مناص إلّا من تقييدها بالاحياء ليختص بها المحيي.

و منها: أخبار التحليل، خصوصا رواية مسمع بن عبد الملك حيث قال (عليه السلام): (و كل ما كان من الأرض في أيدي شيعتنا فهم فيه محللون، يحل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا .. الخبر) (3) فيستفاد أصل حلية التصرف منها، و إن كان لا بد من تأويل ذيلها المتضمن لوجوب الخراج، فإنّه ظاهر في كونه من باب أجرة الأرض، فيكون رقبة الأرض باقية على ملك الامام (عليه السلام)، مع احتمال أن يكون حقا إلهيا للإمام (عليه السلام) في مثل هذا الملك الخاص.

و بالجملة: الغرض إثبات أصل الرخصة، و أمّا الملكية بالإحياء المرخص فيه فمن

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب إحياء الموات، ح 5، 6.

(2) المغني، ج 6، ص 150.

(3) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 12.

18

دليل آخر.

و منها: ما نسب إلى كاشف الغطاء (قدّس سرّه) من دلالة شاهد الحال على رضاهم (عليهم السلام) بالاحياء، و طيب نفسهم بعمارة الأرض، و عدم رضاهم (عليهم السلام) ببقائها مخروبة.

و تقريبه: أنّ نفس تشريع الأحياء بدليله يكشف عن المصلحة في عمارة الأرض، و حيث إنّها ملك الامام (عليه السلام)، و القاعدة تقتضي اعتبار إذنه، فلو لم يكن في الواقع إذن منهم (عليهم السلام) لكان هذا التشريع لتلك المصلحة لغوا، لأنّ الاستيذان لكل من أراد الأحياء منهم (عليهم السلام) في زمان الحضور- مع عدم بسط يدهم- يوجب عدم عمارة الأرض المحبوبة عندهم، لعدم التمكن من شرطه لكل أحد مع عدم بسط يد المالك، و زمان الغيبة أولى بذلك.

و ما يقال من تمكن الاستيذان من نائبه العام، مدفوع بأنّه مبني على نيابته عنه (عليه السلام) حتى في أموره الشخصية و أملاكه الخاصة، مع أنّ المسلم من النيابة كون الفقيه نائبا عنه فيما يرجع إلى أمور المسلمين، التي تكون وظيفة الإمام (عليه السلام)- بما هو رئيس المسلمين- أن يتصدى لها، و ليس ما نحن فيه و لا مسألة سهم الامام (عليه السلام) من هذا القبيل، و لا يخفى أنّ مجموع هذه الوجوه كافية في الدلالة على الاذن، و إن كان بعضها لا يخلو عن مناقشة.

و أمّا من يدعي سقوط اعتبار الاذن في ما نحن فيه على خلاف القواعد، فتارة يدعي امتناع اعتباره في زمان الغيبة، نظرا إلى عدم التمكن من الاستيذان منه، مع مشروعية الأحياء مطلقا، مع انضمام ما ذكرنا من عدم نيابة الفقيه عنه (عليه السلام) في مثل هذه الأمور، و هو مبني على عدم استفادة الإذن منهم (عليهم السلام) من الأدلة المزبورة، مع إمكان استفادة صدور الاذن منهم (عليه السلام) مما مرّ (1) فلا تصل النوبة إلى دعوى الامتناع.

و أخرى يدعى كفاية إذن مالك الملوك في ذلك و إن لم يكن إذن عموما أو خصوصا من مالكها الشرعي، كما في حق المارّة، و نظيره في التّملك بالاحياء التملّك بالالتقاط، فإنّه بعد التعريف يتملكه باذنه تعالى لا باذن مالكه، و يمكن الاستشهاد له

____________

(1) في نفس هذه التعليقة.

19

بقوله (عليه السلام) (من أحيى أرضا ميتة فهي له قضاء من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)) (1) فإنّه ظاهر في أنّ الأحياء بحكمه تعالى و حكم الرسول يكون مملكا، لا بإذن مالكه، و إضافة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إليه تعالى من حيث إنّه شارع لا من حيث إنّه مالك، فتدبر.

و في قبال هذا الوجه المناقشة في إمكان الترخيص في الأحياء، بدعوى أنّ الغرض من تشريع الأنفال التوسعة في مال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الامام (عليه السلام)، و الأرض ما دامت ميتة لا ينتفع بها، و إذا صارت محياة فهي ملك لمن أحياها، فمتى ينتفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) بها؟! و فيه: أنّ جعلها ملكا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) تشريف لهم لا توسعة في مالهم (عليهم السلام)، مع أنّهم (عليهم السلام) على أي حال لا ينتفعون بها خارجا، سواء صدرت الرخصة منهم (عليهم السلام) في الأحياء أم لا، لغلبة سلطان الجور المتصدي لذلك، مع أنّه في الحقيقة إبطال للاحياء المسلم مشروعيته بإذنهم (عليهم السلام)، كما أنّ إفادته للملك كذلك، هذا بعض الكلام فيما يناسب هذا المقام.

المقام الثالث [هل تملك الأرض بالإحياء أو يباح التصرف فيها]

فيما تعرض (قدّس سرّه) له في المتن و هو ان الأرض تملك بالاحياء- كما ادعى عليه إجماع المسلمين- أو يباح التصرف فيها بالاحياء، و وجوب الخراج الذي هو أجرة الانتفاع بالأرض.

و المسألة و إن كانت اتفاقية- كما في المتن- إلّا أنّ إخبارها مختلفة، فظاهر قولهم (عليهم السلام) (من أحيى أرضا ميتة فهي له) هو إفادة الإحياء للملك، لظهور اللام فيه، خصوصا مع التأكيد بقوله (عليه السلام) (ليس عليه إلّا الصدقة)، و مقتضى صحيحة الكابلي و صحيحة عمر بن يزيد- من حيث الظهور في حلية التصرف من قبلهم (عليهم السلام)، و من حيث إيجاب الخراج المنافي لكونه ملكا- هو عدم حصول الملكية بالاحياء، و لا يخفى أنّ المسألة من حيث أداء الخراج و إن لم يكن لها أثر عملي لأنّ هاتين الصحيحتين معارضتان بأصرح منهما، مما دل على سقوط الخراج إلى قيام الحجة (عجل اللّه فرجه)، إلّا أنّ دلالة الكل على عدم التملك بالإحياء محفوظة، فإنّ سقوط

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 2، من أبواب إحياء الموات، ح 1.

20

الخراج الى أن يقوم الحجة (عجل اللّه فرجه) أيضا دليل على عدم الملكية بالإحياء، بل مجرد الأحقية المسوغة للأكل منها، و لعدم مزاحمة الغير له ما دام قائما بعمارتها.

و منه تعرف أنّ تأويل أداء الخراج- بالاستحقاق الطبيعي الاقتضائي الغير المنافي للسقوط الفعلي بإسقاط من يستحقه- لا يجدي في الحكم بالملك، بل في عدم فعلية وجوب الخراج، كما أنّ حملها على زمان الحضور- مع تصريح سائر الأخبار بسقوطه من زمان الامام (عليه السلام) الذي أحل للشيعة و أسقط عنهم إلى قيام الحجة (عجل اللّه فرجه)- غير وجيه.

و لا يخفى أنّ ظهور هذه الاخبار من وجوه عديدة في عدم الملك أقوى بمراتب من ظهور اللام في الملكية، و إثبات خصوص الزكاة عليه بعد السؤال بأنّه ما ذا عليه لا ينافي عدم الملك، فإنّه سؤال عما عليه من الحقوق الإلهية، لا عن حق مالكه إماما كان أو غيره.

و أمّا الالتزام بترتيب آثار الملك بالبيع و نحوه فربّما يجاب بحصول الملك قبل البيع آنا ما، فيكون كسائر الاملاك، و الثمرة حينئذ تظهر في اقتضاء الأجرة إذا بقيت على حالها و عدمه فيما إذا انتقلت بالبيع و نحوه.

و يمكن أن يقال: بأنّه ليس للمحيي إلّا الأحقية الملائمة لبقاء الرقبة على ملك الامام (عليه السلام)، و البيع لا يقتضي التمليك إلّا في مورد قابل، و إلّا فهو جعل شيء بإزاء شيء، فيكون مقتضاه تارة الوقفية و أخرى الأحقية، و ثالثة زوال الملكية كما قدمناه في أوائل البيع (1)، فتنتقل الرقبة إلى المشتري بمعنى أنّه يقوم مقام البائع فيما له من الأحقية، و هكذا إلى الآخر، كيف و ظاهر الاخبار (2)- من أنّه عند قيام الحجة (عليه السلام) يترك الأرض في أيدي الشيعة و يقاطعهم عليها- أنّها تبقى على حالها، لا أنّها بالنواقل الشرعية التي لا بد منها عادة تنقلب عما هي عليه، و أمّا الإرث فهو أوضح، لأنّ الحقوق تورث كالأملاك، و عليه فلا ثمرة عملية لتحقيق إفادة الإحياء للملكية أو

____________

(1) ح 1 تعليقة 22.

(2) وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب إحياء الموات، ح 2.

21

للأحقية، فتدبر جيدا.

القسم الثاني: ما كانت عامرة بالأصالة

6- قوله (قدّس سرّه): (الثاني ما إذا كانت عامرة بالأصالة .. إلخ) (1).

فكما أنّ الموات بالأصالة ما إذا كانت سبخة أو لا يستولي عليها الماء و نحوهما، كذلك العامرة بالأصالة ما إذا كانت بحيث يكثر عليها وقوع الأمطار أو يمد إليها البحر و نحوهما، فالأولى تملك بالإحياء، الثانية تملك بالحيازة.

و الكلام في مقامين:- أحدهما: في كونها ملك الامام (عليه السلام).

و ثانيهما: في تملّكها بالحيازة.

أمّا المقام الأول [هل هي ملك الامام (عليه السلام)]

فنقول:

العامرة بما هي ليست مدلولا عليها في الاخبار بكونها ملكا له (عليه السلام) كما كانت الموات بعنوانها كذلك، بل لا بد من إدخالها تحت قوله (عليه السلام) (و كل أرض لا ربّ لها) (2) فإنّ إطلاقها يعمّ العامرة و الميتة، فهي- بما هي لا ربّ لها- ملك الامام (عليه السلام)، لا بما هي عامرة بالأصالة، بخلاف الموات بالأصالة فإنّها بعنوانها له (عليه السلام)، فهي من بين سائر الأشياء التي لا ربّ لها لعدم حيازتها تختص به (عليه السلام).

و أمّا التي هلك مالكها فيدخل تحت عنوان كل أرض باد أهلها، و لا معارض للإطلاق المذكور إلّا مرسلة حماد و فيها (و كل أرض ميتة لا ربّ لها) (3) فإنّ ظاهر الوصف هي الاحترازية، و بناء على ثبوت المفهوم لمثله، يدل بالمفهوم على أنّ الأرض العامرة التي لا ربّ لها ليست للإمام (عليه السلام).

____________

(1) كتاب المكاسب ص 161، سطر 28.

(2) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 28.

(3) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 4.

22

و أجاب عنه في المتن (1): بأنّ الوصف وارد مورد الغالب، حيث إنّ الغالب من الأراضي التي لا ربّ لها أنّها ميتة، و انها بقيت على موتانها، أو عرضها الموت لعدم المالك الذي يقوم بعمارتها، و حينئذ يمكن تنزيل الإطلاقات على الغالب بعين هذا الوجه، فكما أنّ ذكر هذا الوصف يقال إنّه للغلبة، كذلك نقول إهماله مع اعتباره هناك لمكان الغلبة، فلا إطلاق يعمّ العامرة، بل لا بد من اجتماع الوصفين من كونها ميتة، و من كونها لا ربّ لها، بل الالتزام بكون الإطلاق واردا مورد الغالب أولى من الالتزام بورود القيد مورد الغالب.

و أمّا دعوى: أنّ توصيف الأرض الميتة بكونها لا ربّ لها في المرسلة من باب الغلبة، و أنّ المناط كونها ميتة، و أنّ الإطلاقات أيضا دليل ملكية الموات بما هي، و أنّ توصيف الأرض بكونها لا ربّ لها كناية عن موتانها، لكونها غالبا كذلك، إذ كما أنّ الغالب مما لا ربّ لها أنّها ميتة، كذلك الغالب من الموات أنها لا ربّ لها.

فمدفوعة: بأنّ الظاهر من قولهم (عليهم السلام) (لا ربّ لها) قبول الموضوع مع حفظ عنوانه، لأنّ يكون له ربّ و أن لا يكون له ربّ، و من الواضح أنّ الموات بالأصالة ليست كذلك، إذ لا يمكن أن يكون لها مالك إلّا بإحيائها المخرج لها عن كونها مواتا، بخلاف العامرة بالأصالة، فإنّها مع انحفاظ عنوانها يمكن أن يكون لها ربّ بالحيازة، و أن لا يكون لها ربّ بعدم الحيازة.

و عليه فما وصف بأنّها لا ربّ لها ينحصر في الأرض العامرة و في الميتة بالعرض، و حينئذ لا يمكن أن يكون الاعتبار في الميتة بالعرض بحيثية موتانها، فإنّ لازمه أن تكون العامرة التي حازها الشخص فماتت ملكا للإمام (عليه السلام) و إن كان لها مالك فعلا، بناء على أن النزاع المعروف في باب إحياء الموات مختص بما إذا ماتت بعد الأحياء لا بعد الحيازة، و أنّ حالها حال سائر ما حازه الإنسان من عدم خروجه عن ملكه إلّا بناقل شرعي.

و منه يعلم أنّ التوصيف بكونها لا ربّ لها في المرسلة و في الإطلاقات لا يقبل

____________

(1) كتاب المكاسب ص 161، سطر 31.

23

الحمل على الغلبة، و لا يصح تنزيل الإطلاقات على بيان مالكية الإمام (عليه السلام) للموات بما هي موات، فتدبر جيدا.

و أمّا المقام الثاني [هل تملك بالحيازة]

فنقول: قد استدل في المتن (1) للتملك بالحيازة بعموم النبوي (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به) (2) و الاشكال فيه من وجوه:

أحدها: ما عن شيخنا الأستاذ في تعليقته الأنيقة (3)، و هو أنّ الإطلاق مسوق لبيان أحقية السابق، و أنّه لا يجوز مزاحمته، لا لبيان جواز السبق الى كل ما لم يسبقه إليه أحد.

و الجواب: أنّه بالمطابقة يدل على الترخيص في السبق إلى ما لم يسبقه إليه أحد، و بالالتزام على أنّه لا يجوز مزاحمته، حيث إنّه مقتضى كونه أحق به و لا يجوز مزاحمة ذي الحق، فيكون كقوله (عليه السلام) (من أحيى أرضا ميتة فهو أحق بها، و هي له) [1] فإنّه يتضمن الترخيص الشرعي في الأحياء، و أنّه سبب للأحقية أو الملكية، فكذلك هنا يكون دليل السبق دالا على سببية السبق للأحقية.

ثانيها: أنّ الموات التي هي مورد الأحياء و دليله مختصة بالإمام (عليه السلام)، فيكون (من أحيى) ترخيصا شرعيا و مالكيا منه في الأحياء المملك مثلا.

و أمّا مورد دليل السبق فغير مختص بالأراضي و لا بخصوص الامام (عليه السلام)، ليكون كدليل الأحياء فيلزمه جواز السبق إلى ملك كل أحد أيضا، و مع استفادة تقيده بعدم كون المورد متعلقا لحق الغير بالسبق أو غيره- و يدل بالفحوى على عدم كونه ملكا للغير- فلا مجال للاستدلال به هنا، لأنّه لا يعم ما هو ملك الغير إماما كان أو غيره، و إلّا لجاز السبق إلى سائر أموال الإمام (عليه السلام)، لو جعل هذا إذنا مالكيا في السبق إلى ماله.

ثالثها: أنّ مجرّد الأحقية لا يقتضي الملكية، و إن كانت لا تنافيها أيضا، فالاستدلال

____________

[1] وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب إحياء الموات، ح 1، و لكن في الرواية (أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عمروها فهم أحق بها و هي لهم) و مثله، ح 3، 4، 7.

____________

(1) كتاب المكاسب ص 161، سطر 32.

(2) السنن للبيهقي 6: 142- باب من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد.

(3) حاشية الآخوند 105.

24

للتملك بالحيازة بمجرّد الأحقية هنا و في المباحات غير وجيه، بل لا بد من إقامة دليل آخر على الملكية، كما ربّما يدعي وجود رواية من طرقنا و هي (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له) (1).

هذا و يمكن أن يقال: إنّ كون الأرض عامرة بالمعنى المتقدم لا ينافي الأحياء بغرس الشجر و حفر البئر و أشباه ذلك، فتملكها بعنوان الأحياء، بل ورد في خصوص الغرس و الحفر رواية و هي ما عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) قال (عليه السلام): (قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من غرس شجرا أو حفر واديا بديا لم يسبقه إليه أحد، أو أحيى أرضا ميتة فهي له قضاء من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)) (2) و ظاهرها حيث جعلهما في قبال الأحياء أنّهما يوجبان الملكية بنفسهما، أو من حيث صدق الإحياء أيضا، لا بمعناه المقابل له في الرواية، لكنه على أي حال غير التملك بالحيازة، إذ لا يعتبر فيها شيء من الغرس و الحفر و نحوهما، بل يكفيه مجرد الاستيلاء عليه.

القسم الثالث: ما عرض عليها الحياة بعد الموت

7- قوله (قدّس سرّه): (و ببالي من المبسوط كلام يشعر بأنّه .. إلخ) (3).

حكى في الجواهر (4) عن المبسوط ما لفظه (إذا حجر أرضا و باعها لم يصح بيعها، و من الناس من يقول يصح و هو شاذ، فأمّا عندنا فلا يصح بيعه، لأنّه لا يملك رقبة الأرض بالاحياء، و إنّما يملك التصرف بشرط أن يؤدي إلى الامام ما يلزمه عليها، و عند المخالف لا يجوز لأنّه لا يملك بالتحجير قبل الأحياء فكيف يبيع مالا يملك) (5) انتهى.

____________

(1) السنن للبيهقي 6: 142.

(2) وسائل الشيعة، باب 2، من أبواب إحياء الموات، ح 1.

(3) كتاب المكاسب ص 161، سطر 34.

(4) جواهر الكلام 38: 75.

(5) المبسوط 3: 273.

25

و قد عرفت (1) أنّ الأظهر بحسب الجمع بين الاخبار و رعاية الآثار أنّه لا يفيد الأحياء ملك الرقبة، بل الأحقية بها، و قد عرفت (2) وجه صحة البيع أيضا.

القسم الرابع: ما عرض لها الموت بعد الحياة

8- قوله (قدّس سرّه): (فإن كانت العمارة أصلية فهو مال الامام (عليه السلام) .. إلخ) (3).

إن كانت العامرة بالأصالة- لم تدخل في ملك مسلم بالحيازة فصارت مواتا- فلا شبهة في أنّها ملك الامام (عليه السلام)، لدخولها في الحالتين في عنوان كل أرض لا ربّ لها، و أمّا إذا دخلت في ملك مسلم بالحيازة فماتت فحالها بحسب القاعدة حال سائر الأعيان المملوكة بالحيازة، لا تخرج عن الملك إلّا بسبب شرعي، و لا دليل على أنّ موتانها مزيل لملكية من حازها حتى يدخل في عنوان ما لا ربّ له، ليكون ملك الامام (عليه السلام)، و الاخبار الواردة في باب الأحياء عند عروض الموتان و إحياء غير المحيي الأول- على فرض تماميتها- لا تشمل المقام.

9- قوله (قدّس سرّه): (و إن كانت العمارة من معمر .. إلخ) (4).

تحقيق المقام بالتكلم في موضعين:

أحدهما: ما يقتضيه القواعد العامة في الباب من العمومات و الأصول.

ثانيهما: ما يقتضيه الأخبار الخاصة في المسألة.

[ما تقتضيه القواعد العامة]

أما الموضع الأول: فينبغي تقديم مقدمة لتحقيق الحال و هي:

أنّ الشك تارة في زوال ملك المحيي الأول بخراب الأرض، بحيث لو كان باقيا لما جاز إحيائها للثاني، نظرا إلى أنّه لا يجوز إحياء الأرض المملوكة فعلا للغير، كما هو المشهور فيما إذا كان مالكا لها بغير الأحياء، فالنزاع حينئذ في جواز التملك

____________

(1) التعليقة السابقة.

(2) تعليقة 5.

(3) كتاب المكاسب ص 161 السطر الأخير.

(4) كتاب المكاسب ص 161 السطر الأخير.

26

بإحياء الثاني مبني على زوال ملك الأول بالخراب و عدمه.

و أخرى في جواز تملك الثاني بالإحياء ما هو ملك فعلا للأول بالاحياء، فينتقل الملك بإحياء الثاني من الأول إليه كما كان أولا ينتقل من الامام (عليه السلام) إلى المحيي الأول.

فإن كان النزاع على الوجه المذكور في الأول، فتحقيق الحال فيه: أنّ القائل ببقاء الملك للأول و عدم جواز الأحياء بدون إذنه يستند إلى استصحاب بقاء ملك الأول، و عدم زواله بالخراب المشكوك كونه مزيلا له، و القائل بجواز الأحياء للثاني يستند إلى عموم (من أحيى أرضا ميتة فهي له) لتساوي نسبته لمكان عموم الموصول و عموم الأرض الواقعة تلو الموصول إلى الأول و الثاني.

و أورد على الاستصحاب تارة بالشك في الموضوع، حيث لا يعلم أنّ الموضوع هي ذات الأرض أو الأرض المحياة، فلا مجال للأصل، لدوران الموضوع بين ما هو باق قطعا أو زائل قطعا.

و الجواب: أنّ ظاهر القضية كون الأرض الميتة موضوعا للملكية، و أنّ الأحياء بمنزلة الشرط في القضية.

و ربّما يبرهن على كون ذات الأرض أيضا مملوكة، و إن كانت بعنوان كونها محياة أيضا مملوكة بتقريب: أنّ الذات إذا كانت معنونة بعنوان مفارق عنها أحيانا، إمّا أن تكون مملوكة لمالكها بعنوانها، أو مملوكة لغير مالكها بعنوانها، أو لا تكون مملوكة أصلا، و الأول هو المطلوب، فالموضوع باق، و الثاني محال لاستحالة تعلق ملكين مستقلين بشيء واحد باعتبار ذاته و باعتبار عنوانه، و الثالث خلف، لأنّ المفروض أنّ ذات الأرض بالفعل إمّا مملوكة للمحيي الأول أو مملوكة للمحيي الثاني، مع أنّ اللازم دخولها في المباحات بعد زوال عنوانها، مع أنّها لو لم تكن مملوكة بالاحياء لكنها مملوكة بالحيازة، لأنّ مالك العنوان حائز للذات لا محالة.

و أنت خبير بأنّ من يدعي أنّ الموضوع هي المحياة يقول أنّ المملوك أمر خاص، لا أنّه يملك الذات و الخصوصية، و من يدعي أنّ الأحياء علة لثبوت الملكية يقول

27

إنّ المملوك ذات الأرض- مع أنّ اجتماع ملكين على شيء واحد باعتبارين إذا كان محالا فلا فرق بين أن يكون الملكيتين لشخصين أو لشخص واحد- فيستحيل أن يكون المحيي مالكا للذات و مالكا للعنوان بملكيتين مستقلتين.

و أمّا لزوم الخلف [1] من عدم كونها بذاتها مملوكة لأحد فمدفوع: بأنّ من يدعي أنّ الأرض المحياة- بما هي كذلك- مملوكة، فهي ما دامت العمارة مملوكة للأول فقط، و بعد الخراب فقبل الأحياء مملوكة بذاتها للإمام (عليه السلام) كما كانت قبل إحياء الأول، و بعد إحياء الثاني تكون بما هي محياة مملوكة للثاني، فذات الأرض مقومة للملوك في حال إحياء الأول و الثاني لا مملوكة مستقلا في عرض كونها مملوكة بما هي محياة.

و أمّا كونها مملوكة بذاتها بنحو الحيازة فهو أجنبي عن الحيازة التي هي من أسباب الملك، لأنّ الحيازة باستيلاء الشخص على العين القابلة للملك أو الاستحقاق، و الموات لا تقبل الملك بالاستيلاء فقط، فقبل الأحياء لا يملك ذات الأرض باستيلائه عليها، و بعد الأحياء يكون الخاص بما هو مملوكا، و دخول ذات الخاص في الخاص- بما هو خاص- ليس حيازة متعارفة، ليكون هناك سببان من إحياء و حيازة، ليتعلق أحدهما بذات الأرض و الآخر بعنوانها، و لعل مبنى هذا الكلام تخيل أنّ القائل بأنّ الموضوع هي المحياة يقول بملكية العنوان، فيتردد الكلام في معنونه.

و أمّا بناء على ما عرفت منه أنّ الموضوع هو الخاص بما هو خاص، فذات الخاص مقومة للموضوع لا خارجة عنه، فلا مجال للترديد المزبور.

و أورد على الاستصحاب أخرى: بأنّ المورد من قبيل الشك في المقتضي، لأنّ المقتضي لملكية ذات الأرض إن كان الأحياء فقد زال بالخراب الذي هو نقيض الحياة، و إن كان غيره القابل للبقاء فهو غير محرز.

و يندفع: بما ذكرنا في محله، بأنّ المناط في صدق النقض و الإبقاء في باب الاستصحاب ليس بإحراز المقتضي بمعنى سبب الثبوت، حيث يقال هنا و في

____________

[1] و هو المشار إليه في البرهان السابق بقوله (و الثالث خلف لأن ..).

28

الأحكام الشرعية من التكليفية و الوضعية أنّ سبب ثبوتها غير محرز في الحالة الثانية، بل المستصحب- إذا لم يكن محدودا و لم يكن له عمر مخصوص و أمد خاص- يكون الشك في وجوده في ثاني الحال شكا في بقائه، لا شكا في وجود آخر مبائن له بسبب الشك في وجود علته فعلا، و تمام الكلام في محله (1).

و أمّا الاستناد في تملك الثاني بالإحياء إلى عموم (من أحيى) فيورد عليه بأنّه من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية، بأحد تقريبين بناء على القطع بأنّ الملك الفعلي للغير غير قابل لتملكه بالاحياء:

تارة بملاحظة تعنون العام بكون القابل للاحياء الأرض الميتة الغير المملوكة لأحد، و هذا العنوان غير محرز، فإنّ عنوان الغير المملوكة كعنوان الميتة لا بد من إحرازه، و الكبرى غير متكفلة لثبوت الصغرى، بل متوقفة على ثبوتها، خصوصا بملاحظة ما ورد من التعنون به في بعض الروايات، حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله) (من أحيى أرضا ليست لأحد فهي له) (2) و في بعضها الآخر (من غرس شجرا أو حفر بئرا لم يسبقه أحد إليه .. إلخ) (3).

و أخرى بملاحظة أنّ العام بسبب القطع بالتخصيص- و إن لم يعنون بعنوان- إلّا أنّ الشك في تردد المشكوك بين دخوله في ما بقي تحت العام و ما خرج منه كاف في عدم صحة الاستدلال، إذ ليس الشك في زيادة التخصيص، بل في اندراجه تحت المخصص المعلوم، و العام لا يشخص ذلك و إن صدق عنوانه عليه.

و الجواب: أمّا عن التقريب الأول: بأنّه إن كان الغرض تعنون العام بعنوان من قبل المخصص، فقد بيّنا في محله من أنّ الظهور و الكشف النوعي القائم بالعام يستحيل تغيره و تبدله بورود ألف مخصص، إذ الشيء لا ينقلب عما هو عليه من حده الوجودي.

____________

(1) نهاية الدراية 5: 54- مؤسسة آل البيت.

(2) لم نجد رواية بهذا النص.

(3) وسائل الشيعة، باب 2، من أبواب إحياء الموات، ح 1.

29

و إن كان الغرض تعنونه بمقتضى الروايتين، فالأولى منهما ليست من طرقنا، بل من طرق العامة فلا حجية فيها، و الثانية و إن كانت من طرقنا إلّا أنّ هذه الفقرة جعلت في نفس هذه الرواية مقابلا للاحياء، حيث قال (عليه السلام) (قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (من غرس شجرا أو حفر بئرا لم يسبقه إليه أحد أو أحيى أرضا ميتة فهي له) (1) و ظاهر المقابلة كون الأول بعنوان الحيازة التي قيدت بعدم سبق أحد إليه، فما يوجب الاستحقاق بمجرد السبق هو مورد الحيازة، و أمّا مورد الأحياء فلا يملك، و لا يوجب حقا بمجرد الاستيلاء، بل بالاحياء يملك، و بالتحجير يكون موردا للاستحقاق.

و أمّا عن التقريب الثاني: فبأنّ المخصص إن كان لفظيا لم يجز التمسك بالعام في الفرد المردد، و أمّا إذا كان لبيّا فإن منشأه القطع بأنّ ما هو على ملك الغير لا يجوز تملكه إلّا بناقل شرعي، ففي مثله يجوز التمسك بالعام و كشف حال المردد به، من حيث زوال ملكية الأول، و الفرق بين المخصص اللفظي و اللبي محقق في محله (2) عند المحققين.

نعم هنا طريقان لإثبات عنوان المخصص المقطوع كونه مخصصا لبا للعام:

أحدهما: ظهور قوله (عليه السلام) (فهي له) في الملكية المطلقة الغير المؤقتة، و مع إطلاق الملكية الثابتة للمحيي الأول لا مجال لشمول العام للثاني، لكون الأرض ذات مالك، و لو بعد خرابها، و المفروض أنّه لا يجوز تملك ملك الغير بالاحياء بل بناقل شرعي.

و أورد عليه تارة بأنّ مقتضى التفريع على ما هو بمنزلة الشرطية كون العلية التامة للاحياء، و من الواضح أنّ ما هو قابل لأن يكون معلولا لمثل هذه العلة التامة هو أصل الملكية، لا الملكية حدوثا و بقاء- أي الملكية الدائمة-، للزوم المحال من ثبوت المعلول بلا علة تامة بعد الخراب.

و أمّا التحفظ (3) على الملكية المطلقة و التصرف في الشرطية، إمّا بحمل العلية

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 2، من أبواب إحياء الموات، ح 1.

(2) نهاية الدراية 2: 456- مؤسسة آل البيت.

(3) كأنه دفع اشكال مقدّر، و التحفظ يتم بأحد أمرين الأول ما أشار إليه بقوله (اما بحمل ..) و الثاني بقوله (و إما باستعماله ..) ورد كليهما.

30

على التامة و الناقصة، بأن يكون الأحياء علة تامة لها حدوثا، و علة ناقصة- بمعنى المعدّ لا المقتضي و لا الشرط- لها بقاء، فهو من استعمال اللفظ في المعنيين و هو محال عقلا.

و إمّا باستعماله في الجامع بينهما و استفادة التمامية للملك حدوثا و النقص له بقاء فهو مجاز، لأنّ المفروض تسليم الظهور في خصوص العلة التامة.

و أخرى بأنّ حمل الملكية على خلاف ظاهر إطلاقها تقييد، و حمل الموصول على خصوص المحيي في المرتبة الأولى تخصيص، و التقييد أولى من التخصيص كما هو المعروف في باب تعارض الأحوال.

و الجواب أمّا عن الأول: فبأنّ المسمى بالسبب شرعا ليس من العلل الحقيقية من المقتضي و الشرط حتى يدور المعلول مداره حدوثا و بقاء، بل المقتضي و السبب الفاعلي لاعتبار الملكية نفس المعتبر، و أمّا العقود و الأحياء و الالتقاط و الحيازة فمعنى عليتها أنّ اعتبار الملكية في مواردها ذا مصلحة بلحاظ أحد تلك الأمور، و لا مانع من كون اعتبار الملكية بمجرد الحيازة أو الإحياء ذا مصلحة على الإطلاق، بل لو فرض أنّ الملكية من الاعراض الخارجية فمثل تلك الأمور من قبيل المعدات، و العرض بعد تحققه في موضوعه منحفظ بانحفاظ محله و إن زال المعدّ، لا أنّ تلك الأمور مقتض يترشح من مقام ذاته العرض الخارجي، و بقية الكلام في محله فاندفع الإشكال الأول من أصله.

و أمّا الجواب عن الثاني: فبأنّ تقدم التقييد على التخصيص ليس على كليته، بل يتبع المقامات من حيث قوة الظهور الوضعي و الظهور الإطلاقي، مع أنّ المسلّم منه ما إذا كانا في كلامين قد استقر ظهور كل منهما و كاشفيتهما النوعية عن المراد الجدي، و أمّا في كلام واحد فلا، حيث لا يستقر الظهور و الكشف النوعي لمجموع الكلام عن المرام إلّا بتمامية الكلام، و الظاهر- من حيث كون عموم الموصول تابعا لمدخوله بمتعلقاته سعة و ضيقا- أنّ العام لا مورد له إلّا المحيي الأول الذي يملك الأرض

31

ملكية مطلقة غير موقتة.

ثانيهما: استصحاب ملكية المحيي الأول بعد الخراب، فينقح به موضوع المخصص المعلوم كونه مخصصا على هذا الفرض، فيكون رفع اليد عن العام بمخصصه الذي تنقح موضوعه بالأصل، لا من باب رفع اليد عن الدليل بالأصل.

و يمكن أن يقال: إنّ تنقيح موضوع المخصص بالأصل فيما إذا كان المخصص لفظيا صحيح، دون ما إذا كان لبيّا، و ذلك لأنّ العام حجة على عدم وجود المنافي في أفراد العام، كما أنّه حجة على عدم منافاة عنوان آخر لعنوان موضوعه، و المخصص اللفظي كما يكون حجة على المنافاة، كذلك حجة على وجود المنافي، و المخصص اللبي ليس حجة إلّا على المنافاة دون وجود المنافي، و لذا لا يجوز التمسك بالعام على الأول، لاختلال حجيته على عدم المنافي، و يجوز التمسك به على الثاني لعدم اختلال حجيته على عدم المنافي، و لذا قلنا بأنّ العام مبيّن للصغرى.

و عليه فشأن الأصل في الأول تنقيح موضوع الحجة على وجود المنافي، بخلاف الثاني فإنّه لم يكن شأن المخصص بيان وجود المنافي، فما يقابل الحجة على عدم المنافي بلسان الدليل ليس إلّا نفس الأصل، و من الواضح أنّ الأصل لا يقاوم الدليل.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أنّه لا مجال للاستدلال بالعام إلّا لإثبات سببية الإحياء لملك المحيي الأول، لأنّه سبب للملكية المطلقة الغير المؤقتة، و لا يعقل سببية إحياء الثاني بعد سببية إحياء الأول لمثل تلك الملكية، و ليس ذلك من باب تزاحم العام بالنسبة إلى الفردين، ليقال بعدم مرجح للأول بالإضافة إلى الثاني و أنّ التقدّم الزماني لأحد الفردين على الآخر غير مرجح، إذ مع التحفظ على ظهور اللام في الملكية المطلقة لا يشمل إلّا إحياء الأول، من دون بقاء موضوع للثاني، و مع عدم التحفظ على ظهوره لا مانع من شموله لكل منهما، فلا دخل له بالتزاحم.

نعم إن لم نقل بالظهور في الملكية المطلقة، و احتجنا إلى إثباتها بالأصل، فموضوع المخصص (1) حيث إنّه لبيّ لا يتنقح به كما عرفت، هذا تمام الكلام بناء

____________

(1) هذا هو الصحيح و في الأصل (المخصوص).

32

على النزاع في زوال الملك بالخراب.

و أمّا إن كان النزاع في جواز تملك ملك الأول بالإحياء كما ان الأول ملكه و هو ملك الامام (عليه السلام)، و كما في باب الالتقاط حيث إنّه يتملكه الملتقط بعد الالتقاط و التعريف، لا أنّه بمجرّد الضياع يخرج عن ملك صاحبه.

فالجواب عنه: أنّ مقتضى الأدلة النقلية و العقلية إناطة كل تصرّف في مال الغير بإذنه و رضاه، و لا يقاس الإحياء الثاني بالأول، لأنّ الأول تصرّف في ملك الامام (عليه السلام) الذي ثبت صدور الاذن منه، إمّا لكون عموم (من أحيى) المتضمن للترخيص الشرعي حيث إنّه منه (عليه السلام) فهو متضمن للاذن المالكي أيضا، أو لأخبار التحليل و شبهه، و ليس مثله هنا من مالك الأرض بوجه، كما لا يقاس بالالتقاط الذي ورد فيه بالخصوص دليل، لا بالإطلاق كما في المقام.

و بالجملة: سقوط اعتبار إذن المالك و كفاية إذن مالك الملوك و إن كان معقولا، إلّا أنّه يحتاج إلى دليل قوي لا مثل الإطلاق، فتدبر.

مع أنّ ظاهر الجلّ بل الكل في محل البحث أنّ النزاع في البقاء على ملك الأول و عدم زواله بالخراب، و لذا ربّما يتمسك لزواله به بأنّ الملك معلول للاحياء، فإذا زالت العلة زال المعلول، و كذا الاستدلال بأنّ مقتضى ما دل على أنّ موتان الأرض للّه و لرسوله شمول الموات بالأصالة و بالعرض، بل المملوك بالاحياء و بغيره إلى غير ذلك من وجوه الاستدلال، بل سيجيء (1) أنّ ظاهر الاخبار الخاصة أيضا ذلك، هذا تمام الكلام في الموضع الأول.

[ما تقتضيه النصوص الخاصة]

و أمّا الموضع الثاني فنقول: المستند للقول بالبقاء خبر سليمان بن خالد المنجبر ضعفه بعمل القدماء الذاهبين إلى البقاء، و هو (سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها فما ذا عليه؟ قال (عليه السلام): الصدقة.

قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال (عليه السلام): فليؤد إليه حقه) (2) فإنّه ظاهر في بقاء الملك،

____________

(1) نفس التعليقة.

(2) وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب إحياء الموات، ح 3.

33

لأنّ المراد من الحق إمّا نفس الأرض أو أجرتها، فيدل على أنّه ملكه، و إلّا لما كانت عليه الأجرة لغير مالكه، و احتمال انتقال الأرض مسلوبة المنفعة بلا وجه، لتبعية المنفعة للعين إذا لم تكن مسلوبة بناقل قبل انتقال العين، و هو هنا غير مفروض.

و المستند للقول بالزوال و التملّك بالإحياء صحيحة معاوية بن وهب و صحيحة الكابلي، أمّا صحيحة معاوية بن وهب فهي (قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أيّما رجل أتى خربة داثرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمّرها فإنّ عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضا لرجل قبله فغاب عنها و تركها فأخربها، ثم جاء بعد يطلبها فإنّ الأرض للّه و لمن عمّرها) (1) فإنّ ظاهرها أنّ الأرض لمن يقوم بعمارتها، لا لمن تركها فأخربها كما هو ظاهر سياق الكلام، فإرادة العامر الأول بعيدة جدا، و إلّا لم يكن لهذه القيود معنى، من حيث غيبة الرجل و تركه للأرض و تخريبها في بقاء ملكه، فإنّ ذكر هذه القيود لبيان موجب الزوال، لا لبيان موجب البقاء كما لا يخفى، كما أنّ التعبير عن الثاني بمن عمّرها لبيان موجب حدوث الملك.

و أمّا صحيحة الكابلي فمورد الحاجة هذا (فمن أحيى أرضا ميتا من المسلمين فليعمرها و ليؤدّ خراجها إلى الامام من أهل بيتي (عليهم السلام)، و له ما أكل منها، فإن تركها أو خرّبها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمّرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها، فليؤدّ خراجها إلى الامام (عليه السلام) من أهل بيتي و له ما أكل منها .. الخبر) (2) و هذه أظهر من الاولى من حيث التصريح بأنّ ما ثبت للأول زال عنه و ثبت للثاني، و من حيث إنّ الخراج الموضوع لا يرجع إلى الأول، بل إلى الامام (عليه السلام) فلا تشبث للأول بالأرض بوجه.

و للجمع بين الخبر الأول و الصحيحتين طريقان:

أحدهما: أنّ الخبر الأول نص في عدم مالكية الثاني، و صحيحة معاوية بن وهب ظاهرة في مالكية العامر الثاني، و النص مقدم على الظاهر، فتحمل اللام على مجرد

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 3 من أبواب إحياء الموات، ح 1.

(2) وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب إحياء الموات، ح 2.

34

الاختصاص المجامع مع الحق، فالأرض للأول ملكا و للثاني الأحقية بعمارتها المجامعة مع أداء الأجرة إلى مالكها، فليس للمالك الممتنع عن عمارة الأرض أن يزاحم من يقوم بعمارتها، فتدبر.

و أمّا بالنسبة إلى صحيحة الكابلي فأوضح من وجه، لأنّ الصحيحة ظاهرة في أحقية الثاني، لا في مالكيته، فلا معارض في الملك للخبر، و مع فرض مساوقة الأحقية المطلقة للملكية، و حمل الخراج على كونه حقا شرعيا إلهيا للإمام (عليه السلام) لا أجرة للأرض المملوكة له (عليه السلام)، فالأمر فيه ما تقدم من عدم مزاحمة الظاهر للنص، لكنه من وجه آخر الأمر أشكل من الأولى، لأنّ ظاهر هذه الصحيحة أنّ عين ما ثبت للأول منفي عنه و ثابت للثاني، إن حقا فحقا و إن ملكا فملكا، فمن حيث الإثبات للثاني و إن كان غير قابل للمزاحمة، لكنه من حيث النفي عن الأول ما ثبت له من حق أو ملك فهو قابل للمزاحمة.

و يمكن دفعه: بأنّ نفي الأحقية عن الأول مما يقول به، و لا منافاة بين أن يكون مالكا لكن ليس له المزاحمة مع من يقوم بعمارة ما امتنع عن عمارته.

و أمّا أنّ الثابت للأول هي الأحقية المقابلة للملك فهو مناف لجميع أدلة الباب الدالة على سببية الإحياء للملك، كما أنّ دلالة الصحيحة على وجوب أداء الخراج إلى الامام (عليه السلام) بأي معنى كان لا بد من علاجه، و لعله نتعرض (1) إن شاء اللّه تعالى لما ينبغي أن يقال بناء على سببية الإحياء للأحقية فقط.

ثانيهما: أنّ خبر سليمان بن خالد مطلق من حيث كون الأرض مملوكة للأول بالاحياء و بغيره من النواقل الشرعية الاختيارية و غيرها، إذ ليس فيه إلّا أنّه يعرف صاحبها المراد به مالكها، و سبب الملك غير مذكور، و صحيح معاوية بن وهب أيضا كذلك، فإنّه ليس فيه إلّا أنّه كانت الأرض لرجل قبله، و كونه له أعم من أنّه له بالإحياء أو بغيره، و أمّا أنّه تركها فأخربها فلا يدل إلّا على أنّ خرابها مستند إليه، لا أنّ عمارتها الموجبة للملك مستندة إليه، و عليه فالخبر و الصحيح متعارضان بنحو

____________

(1) في هذه التعليقة عند قوله (و أما ان لم يكن في الحقيقة ..).

35

التباين.

و أمّا صحيح الكابلي فمورده ملك الأول بالإحياء دون غيره، فهو أخص منهما إلّا أنّه بالإضافة إلى صحيح معاوية بن وهب متوافقان، و بالنسبة إلى خبر سليمان بن خالد متعارضان بالإطلاق و التقييد، فإذا حمل المطلق على المقيد فيختص مورد الخبر بصورة الملك بغير الأحياء الخارج عن محل البحث، فيصير بالإضافة إلى صحيح معاوية بن وهب من المقيد بالإضافة إلى المطلق فيقيد به صحيح معاوية.

و نتيجة الجمع حينئذ أنّ ملك الأول إن كان بالاحياء فهو يزول بالخراب، فيملكه الثاني بالاحياء، و إن كان بغير الإحياء بقي على ملك المالك الأول كما هو مذهب المتأخرين، فالجمع بالوجه الأول على خلاف الجمع الثاني في مورد البحث، و الوجه الثاني من الجمع هو الظاهر من عنوان كتاب الوسائل في هذا الباب [1].

و فيه أولا: أنّه لا موجب لملاحظة الخاص أو المقيد أولا، و تخصيص العام أو تقييد المطلق به، إذ التخصيص أو التقييد فرع وجود عام أو مطلق، و حيث إنّ المطلق هنا مبتلى بالمعارض فلا بد أولا من العلاج المخصوص بالمتباينين، فإذا بقي عام أو مطلق يصلح للمعارضة فنحمل على المقيد مثلا، فلعله سقط المطلق بسبب معارضه المقدم عليه سندا، حيث لا جمع دلالي بينهما، و الخبر مرسل و معارضه صحيح.

و توهم: أنّه مع وجود المقيد لا يسقط المطلق بسبب المعارضة بما يباينه.

مدفوع: بأنّ عدم سقوطه بسبب المقيد متوقف على بقاء المطلق الصالح لأن يقيد به، و كونه صالحا لأن يقيد فرع عدم سقوطه، فالمسألة دورية.

و ثانيا: قد حقق في محله (1) أنّ النسبة لا تنقلب بين المتعارضين، إذ ملاك المعارضة التي لها أحكام هو الظهور المستقر الذي له كشف نوعي عن المراد

____________

[1] وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب إحياء الموات- حيث عنونه (باب ان من أحيى أرضا ثم تركها حتى خربت زال ملكه عنها و تكون لمن أحياها، و ان كانت ملكا له بوجه آخر فعلى من أحياها ان يؤدي إليه أجرتها).

____________

(1) نهاية الدراية 6: 348- مؤسسة آل البيت.

36

الجدي، و مع تمامية الكلام يستقر الظهور و يتحقق الكاشفية النوعية، و يستحيل انقلاب الشيء عما وقع عليه.

لا يقال: بعد تسليم التخصيص أو التقييد لا يكون العام أو المطلق حجة إلّا فيما عدا الخاص و المقيد، فلا محالة تنقلب النسبة، إذ لا معارضة إلّا بين الحجتين و مورد أحدهما أخص من مورد الآخر.

لأنّا نقول: العام أو المطلق و إن سقط عن الحجية فيما عدا الخاص و المقيد إلّا أنّ المدار في التخصيص و التقييد ليس على أخصية مورد الحجة، بل على أقوائية أحد المتعارضين من الآخر ظهورا و كشفا نوعيا عن المراد الجدي، و من الواضح أنّ الظهور و الكشف النوعي لا يتفاوت حاله من القوة و الضعف بكونه حجة أو غير حجة.

و ثالثا: أنّ الترتيب المزبور إنّما يجب إعماله إذا كان التعارض بنحو التباين من دون جمع دلالي، و أمّا مع فرض نصوصية خبر سليمان بن خالد في عدم ملكية الثاني، و ظهور صحيحة معاوية في مالكيته- المحمولة على الأحقية- فلا تصل النوبة إلى الجمع الثاني، و أخصية مورد صحيحة الكابلي مع موافقتها في أحقية الثاني لكليهما، فلا يوجب حمل المطلق على المقيد كما لا يخفى، ثم إنّ هذا كله على تقدير أن يكون الأحياء في نفسه سببا للملك.

و أمّا إن لم يكن في الحقيقة إلّا موجبا للأحقية فلا يتصور حمل الظاهر على النص، فلا بد من تنزيل خبر سليمان بن خالد على ما إذا كان صاحبها مالكا بغير الأحياء من النواقل الشرعية، و تنزيل صحيحة معاوية بن وهب على ما إذا استحقها بالاحياء، و الأول تنزيل على الفرد النادر، و ذلك لأنّ التملك بالنواقل مسبوق بالاستحقاق بالاحياء، مع أنّه لا ينتقل بالناقل إلّا ما كان له، و ليس له على الفرض إلّا الأحقية فكيف يكون البيع مملكا؟! فينحصر التملك بالشراء من ولي الأمر و هو فرض نادر، و ليس الاذن في الأحياء و أنحاء التصرفات الموقوفة على الملك مفيدا للملك قبل التصرف المملك آنا ما كما في المعاطاة، لصراحة صحيح الكابلي في بقاء الأرض مرّ

37

الدهور على ملك الامام (عليه السلام) إلى زمان الظهور، بل بعده أيضا حتى بالإضافة إلى الشيعة.

و لذا يتوجه في النظر وجه آخر للجمع و هو أنّ الخراب لا يزيل الأحقية، بل الامتناع عن القيام بعمارة الأرض، و خبر سليمان بن خالد لا ظهور له إلّا في خراب الأرض، لا في الامتناع عن القيام بعمارتها، فلذا قال (عليه السلام) (فليؤدّ إليه حقه)، بخلاف صحيحة معاوية و الكابلي فإنّ موردهما أنّه ترك الأرض و أخربها، فلذا زالت أحقيته بالأرض.

و يؤيد هذا المعنى ما ورد في الأرض (1) التي أسلم أهلها طوعا فإنّ الأرض و إن كانت ملكا لهم إلّا أنّه إذا أهملوها حتى خربت كان لولي الأمر أن يقبّلها من غيرهم ليقوم بعمارتها، و يأخذ وجه القبالة، و يدفع بمقدار حق الأرض إلى مالكها و يصرف الباقي في ما يتعلق بالأمور العامة، بل ربّما يستفاد من ذلك أنّ إهمال الأرض مسوغ لرفع يد المالك أو ذي الحق عنها و لو في غير مورد الأخبار المزبورة هذا.

ثم إنّه إذا قلنا بأنّ الإحياء لا يفيد إلّا الأحقية، و أنّها تزول بالامتناع عن القيام بعمارة الأرض، فلا إشكال في جواز الأحياء من الغير من دون لزوم رعاية إذن الأول، لعدم الموجب من ملك أو حق.

و أمّا إذا قلنا ببقاء ملك الأول و أنّ الثاني يكون أحق بعمارته منه، فهل يعتبر إذن المالك في جواز إحياء الثاني كما هو مقتضى القاعدة الأولية عقلية و نقلية، أو لا كما هو مقتضى إطلاق أخبار المسألة؟

فنقول: أمّا خبر سليمان بن خالد فالمفروض في السؤال هو إحياء الأرض الخربة مع فرض معرفة صاحبها من دون فرض رعاية إذنه، و إلّا لو كان الإحياء بإذنه و رعاية كونه مالكا لها لم يكن وجه للسؤال عن معرفة صاحبها، و أنّه ما ذا عليه مع معرفة صاحبها.

و أمّا صحيحة معاوية بن وهب فالمفروض فيها غيبة مالك الأرض، و أنّه جاء بعد

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 21، من أبواب عقد البيع و شروطه، ح 10.

38

ذلك يطالبها، فظاهرها الأحياء بدون إذنه لغيبته، و لفرض مطالبة الأرض الظاهرة في أنّه لم يكن الأحياء بإذنه و اطلاعه، و مع ذلك حكم الامام (عليه السلام) بكونه أحق، و قد عرفت أنّ الامتناع عن القيام بعمارة الأرض بناء على الأحقية يوجب زوالها، فكذا هنا بناء على الملكية يوجب سقوط اعتبار إذن مالكها، و لا موجب لقيام إذن غير المالك من ولي الأمر أو نائبه مقام إذن المالك حتى يجب الاستيذان منهما.

10- قوله (قدّس سرّه): (و قلنا بعدم اعتبار الإسلام .. إلخ) (1).

اعتبار الإسلام في سببية الإحياء للملك و عدمه مورد الخلاف، و قد أفرط غير واحد في اعتباره، حتى قال بأنّه ليس للإمام (عليه السلام) أن يأذن للكافر في الأحياء، و المشهور على اعتباره.

و التحقيق: أنّ الاخبار في المقام طائفتان:

إحديهما: في مقام سببية الإحياء للملك، و هذه لم تتقيد بالمسلم.

ثانيهما: ما دلّ على بقاء الأرض على ملك الامام (عليه السلام)، و أنّ الخراج على المحيي كصحيحة الكابلي (2)، و هي متقيدة صدرا بالمسلمين و ذيلا بالشيعة، و كصحيحة عمر بن يزيد (3) فإنّها متقيدة بالمؤمنين، و كرواية مسمع بن عبد الملك (4) فإنّها متقيدة بالشيعة.

و منه يتضح أنّ أدلة الإحياء المفيدة للملك غير متقيدة بالمسلم، بل صحيحة محمد بن مسلم (5) و صحيحة أبي نصر ظاهرتان في أنّ الكافر يملك بالاحياء، و يجوز الشراء منه، ففي الأولى (سألته عن شراء الأرضين من أهل الذمة؟ فقال (عليه السلام): لا بأس

____________

(1) كتاب المكاسب ص 162 سطر 2.

(2) وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب إحياء الموات، ح 2.

(3) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب الأنفال، ح 13.

(4) ذكر ذيله في وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب الأنفال، ح 12، و تمامه في الكافي 1: 408- باب ان الأرض كلها للإمام، ح 3.

(5) كتاب المكاسب ص 162، سطر 4.

39

أن يشتريها منهم إذا عملوها و أحيوها، فهي لهم (1) .. إلخ).

11- قوله (قدّس سرّه): (إمّا أن يسلم عليها طوعا فيبقى على ملكه .. إلخ) (2).

كما دلت عليها الاخبار، و منه يعلم أنّ المحياة قبل إسلامهم ملك لهم بإحيائهم سابقا، فلا يشترط في التملك بالإحياء إسلام المحيي، بل و لا إذن الامام (عليه السلام) خصوصا، هذا إذا قام أربابها بعمارتها.

و إذا أهملوها حتى خربت فالمشهور على أنّ ولي الأمر يقبّلها ممن يقوم بعمارتها، فيؤدي أجرة الأرض إلى مالكها، و الباقي للمسلمين يصرف في مصالحهم.

أمّا تقبيلها ممن يعمرها فهو منصوص عليه، و كذا كون حق القبالة للمسلمين مدلول عليه في الاخبار، و أمّا أداء حق الأرض إلى المالك فلا يدل عليه أخبار هذا الباب، إلّا أنّه جمع بين مقتضيات الملكية و مقتضى الولاية العامة لولي الأمر، و عدم الرضا ببقاء الأرض عطلة مهملة، مع أنّ ما تقدم من خبر سليمان بن خالد الموافق لصحيح الحلبي من قوله (عليه السلام) (فليؤدّ إليه حقه) (3) يدل على أداء حق المالك من الأجرة إلى المالك، نعم إذا كان المراد من الحق نفس الأرض لم يكن دليلا على ما نحن فيه، و تفصيل الكلام موكول إلى محله.

12- قوله (قدّس سرّه): (و أمّا أن لا يسلم عليه طوعا فإن بقي يده عليه كافرا .. إلخ) (4).

و مثل هذه الأرض يعبّر عنها بأرض الخربة و أرض الذمة و بأرض الصلح، و ربّما يعبّر عنها بأرض الخراج أيضا، و هي أيضا ملك لمالكها، و عليه مقدار مخصوص مجعول عليه بعنوان الجزية مضروب على الأرض، و جواز بيعها كسابقها منصوص في الاخبار.

إنّما الكلام في أنّ الحق المضروب على الأرض ينتقل بعد بيعها إلى ذمة الكافر

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب إحياء الموات، ح 1، و لكنه عن أبي بصير.

(2) وسائل الشيعة، باب 71، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 2.

(3) وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب إحياء الموات، ح 3.

(4) كتاب المكاسب، ص 162، سطر 4.

40

البائع أو يتبع الأرض، فيكون على المشتري، و المشهور هو الأول، و بعض الاخبار (1) يساعد الثاني الذي قال به الحلبي، و تحقيقه موكول إلى محله.

13- قوله (قدّس سرّه): (و إن ارتفعت يده عنها فإمّا أن يكون .. إلخ) (2).

لا يخفى أنّ الأرض التي فتحت من غير قتال، بل من غير أن يوجف عليها بخيل و لا ركاب، تارة يسلم أهلها للأرض طوعا و هم فيها، و أخرى ينجلي عنها أهلها و يتركون الأرض، سواء هلكوا أولا، و هذان القسمان مندرجان تحت عنوان المفتوح بغير قتال، أو بغير إيجاف خيل أو ركاب.

و أمّا الأرض التي باد أهلها فهي من الأنفال مستقلا في قبال العنوان المزبور، و لا فرق بين أن يكون أهلها مسلمين أو كفار، كما أن عنوان إرث الإمام لمال لا وارث له عنوان آخر، ربّما يتفاوت و حكمه مع الأنفال، فتدبر.

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 71، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 3.

(2) كتاب المكاسب ص 162، سطر 4.

41

حكم الأرض المفتوحة عنوة

14- قوله (قدّس سرّه): (و إن رفعت يده عنها عنوة و قهرا .. إلخ) (1).

توضيح الكلام بالبحث في مقامات:

[هل يعتبر اذن الامام أم لا؟]

المقام الأول: في أنّ المفتوحة عنوة ملك المسلمين مطلقا و لو لم يكن القتال بإذن الإمام، أو إذا كان بإذنه؟ و على تقديره فما الطريق إلى إذنه (عليه السلام) في الفتوحات الإسلامية الواقعة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أزمنة الخلفاء و ولاة الجور من بني أمية و بني العباس؟

فنقول: أمّا اعتبار إذنه فالدليل عليه مرسلة الوراق (إذا غزا قوم بغير إذن الامام (عليه السلام) فغنموا كانت الغنيمة للإمام (عليه السلام)، و إذا غزوا بإذن الإمام (عليه السلام) كان للإمام الخمس (2)) و سندها منجبر باستقرار مذهب الأصحاب عليه كما قيل، بل يمكن استفادة ذلك من رواية الثمالي الآتية حيث قال (عليه السلام) (ما من أرض تفتح .. إلخ) (3) فإنّها منحصرة في المفتوحة عنوة، فإنّ غيرها إمّا ملك الامام (عليه السلام) أو ملك لأربابها، سواء كانت المقاتلة بإذنه (عليه السلام) أولا، فما كانت من الأرض للإمام (عليه السلام) إذا فتحت بغير إذنه، بل تولاها غيره هي الأرض المفتوحة عنوة، و قد حكم (عليه السلام) بحرمة التصرف فيها إلّا على الشيعة، و لا موجب لتخصيصه بالخمس منها، و تحليل الخمس المشترك بينه و بين السادة، بل

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 162، سطر 6.

(2) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 16.

(3) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 19.

42

سائر أخبار التحليل المصرحة فيها بتحليل الأرض تومئ إلى ذلك، فتدبر.

و ظاهر بعض كلمات الشيخ الأعظم- في آخر مكاسبه المحرمة (1)- عدم اعتبار الاذن، حيث ذكر أنّه بين المرسلة و قوله (عليه السلام) (كل ما لم يوجف عليه) [1] بحسب المفهوم و ما ورد في (أنّ ما أخذت بالسيف يصرف حاصلها في مصالح المسلمين) (2) عموم من وجه، لإطلاق المرسلة من حيث الأرض و غيره، و إطلاق ما يقابلها من حيث الاذن و عدمه، ففي مادة الاجتماع- و هي الأرض المفتوحة بغير إذنه (عليه السلام)- حيث لا مرجح يرجع إلى عموم الآية، من حيث إنّ خمسه للإمام (عليه السلام)، و الباقي لغيره، و ليس خصوص المقاتلين نصا و إجماعا فيكون عموم المسلمين.

و الجواب عنه: أنّ النوبة لا تصل إلى المعارضة حتى يرجع إلى عموم الآية، أمّا قوله (عليه السلام) (كل ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فهو من الأنفال) فهو في بيان تعداد المملّكات للإمام (عليه السلام) لا في مقام الحصر، فالموات الذي أوجف عليها و قطائع الملوك و أشباههما كلها من الأنفال، مع أنّها داخلة في المفهوم بناء على توهمه، فمثلها لا مفهوم لها.

و أمّا أخبار الأرض المفتوحة عنوة، فجملة (3) منها واردة في أرض السواد- أي العراق-، و هي مما لا شبهة في كونها للمسلمين، و في معاملة أمير المؤمنين (عليه السلام) معها معاملة الأرض الخراجية، و هل ذلك لعدم اعتبار الاذن أو لكونه بمشورته و إذنه (عليه السلام) فغير معلوم، فلا يصلح سندا لعدم اعتبار الاذن أو دعوى الإطلاق.

و بعضها الآخر (4) و إن كان بعنوان أرض الخراج، إلّا أنّها مسوقة لحكم آخر من عدم جواز بيعها، لا أنّها مسوقة لكونها للمسلمين.

____________

[1] وسائل الشيعة باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 4، و فيه (كل ارض لم يوجف عليها.).

____________

(1) كتاب المكاسب 78 سطر 13.

(2) وسائل الشيعة باب 72 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 1، 2.

(3) وسائل الشيعة، باب 21، من أبواب عقد البيع و شروطه، ح 5.

(4) وسائل الشيعة باب 72، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 1، 2.

43

و بعضها الثالث مثل قوله (عليه السلام) (ما أخذ بالسيف) (1) في صحيحتي ابن أبي نصر فلا إطلاق له يشمل صورة عدم إذن الامام (عليه السلام)، فإنّه هكذا (و ما أخذ بالسيف فذلك إلى الامام (عليه السلام) يقبّله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر .. إلى آخر الخبر) فإنّ ظاهره من إيكال أمره إلى الامام (عليه السلام) أنّه حكم ما كان أمره بيد الامام (عليه السلام)، فإمّا هو حكم كليّ لكليّ هذا الموضوع و إن لم يتفق تحققه خارجا لعدم بسط يد إمام العدل أو كشفه عن رضاه (عليه السلام) به، و مثله مرسلة حمّاد (2) الطويلة فإنها ظاهرة ايضا في ان المفروض فيها صورة مباشرة إمام العدل لذلك و عليه، فليس في المقام ما له إطلاق لصورة عدم الاذن ليعارض مرسلة الورّاق ليرجع إلى عموم الآية.

و أمّا دعوى أنّ دليل الاشتراط حاكم على دليل المشروط، لا أنّه معارض له ليعامل معه معاملة المتعارضين، فإنّما تسلم فيما إذا كان لسان دليل الاشتراط نفي الموضوع بدونه، كما في البيع مثلا بالإضافة إلى الرضا مثلا، فإنّه مع حصول السبب بشرائطه يتحقق عنوان البيع، و هو التمليك، و مع عدمه لا تمليك و لا ملكية.

بخلاف ما نحن فيه فإنّ عنوان الموضوع مثلا الأرض التي أخذت بالسيف، و الأخذ سواء كان بإذن الإمام (عليه السلام) أو بغير إذنه محفوظ لا يتغير، و إنّما يختلف حكمه من حيث كونها للإمام (عليه السلام) أو للمسلمين، و كذا الغنيمة فإنّ مال الكفار باستيلاء المسلمين عليه يحقق الاغتنام، سواء كان إذن أو لا، و إنّما يتفاوت حاله من حيث كونه للإمام (عليه السلام) أو للمسلمين فتدبر.

و أمّا الطريق إلى تحقق الاذن موضوعا أو حكما فأمور:

منها: السيرة العملية من أمير المؤمنين (عليه السلام)

من حيث جعل أرض السواد للمسلمين، و صرف حاصلها في المصالح العامة، و قد ورد (أنّه سار في أرض العراق بسيرة فهي إمام لسائر الأرضين) (3) إلّا أنّه من الواضح أنّ تغيير ما صنعه الخلفاء

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب زكاة الغلات، ح 1.

(2) وسائل الشيعة، باب 1، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 4.

(3) وسائل الشيعة، باب 69، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 2.

44

قبله (عليه السلام) لم يكن في وسعه (عليه السلام) ظاهرا، فلا يكشف عن كون تلك الفتوحات بإذنه و رضاه.

منها: الأخبار الدالة على صدور عظائم الأمور من الخليفة الثاني بمشورته (عليه السلام)،

و أنّه لم يكن يصدر إلّا عن أمره و رأيه، بل ظاهر المفيد في المقنعة (1) على ما في الوسائل (2) أنّ وضع الخراج على أرض العراق بكيفية خاصة مما صنعه الثاني قبله (عليه السلام) بمشورته، و لا يخفى أنّه مع فرض الصحة في كل ذلك فإنّما يجدي في الفتوحات التي كانت في عهد الثاني فإنّه كان يشاور الأمير (عليه السلام) دون غيره، فضلا عن الفتوحات التي صدرت بعده (عليه السلام) على أيدي بني أمية و بني العباس من دون مراجعة و مشاورة للأئمة (عليهم السلام).

و منها [استكشاف رضاهم (عليهم السلام) بشاهد الحال]

ما ذكره المصنف العلامة قدس سرّه- في آخر المكاسب المحرمة (3) من استكشاف رضاهم (عليهم السلام) بشاهد الحال بالفتوحات الإسلامية الموجبة لتأيّد هذا الدين، و قد ورد (إنّ اللّه تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم منه) (4).

هذا مع أنّه قد وردت عن الأئمة الطاهرين (سلام اللّه عليهم أجمعين) حرمة الجهاد و الغزو إلّا مع إمام عادل فراجع هذا الباب من جهاد الوسائل (5)، فكيف يمكن أن ينسب إليهم الرضا بهذا الأمر الغير المشروع عندهم، نعم الرضا منهم (عليهم السلام) على حد رضاه تعالى بتأيّد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم منه، فإنّه سنخ رضا لا ينافي عدم الترخيص تكليفا و وضعا.

مع أنّ الالتزام بكفاية مثل هذا الرضا يوجب لغوية اشتراط ملكية الغنيمة للمسلمين بالرضا، و أنّه مع عدم الرضا تكون ملكا للإمام (عليه السلام)، فإنّه دائما يكون مثل هذا الرضا موجودا، فتدبر.

____________

(1) المقنعة 1: 272.

(2) وسائل الشيعة، باب 68، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 8

(3) كتاب المكاسب ص 78 سطر 12.

(4) وسائل الشيعة، باب 9، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 1.

(5) وسائل الشيعة، باب 12، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 1.

45

و منها: حمل ما صدر من الغزاة من فتح البلاد على الوجه الصحيح،

و هو صدوره بأمر الإمام (عليه السلام).

و لا يخفى أنّ المعلوم من حال خلفاء الجور و ولاتهم مع الأئمة (عليهم السلام) أنّهم ما كانوا يعتنون بهم (عليهم السلام) فكيف صدرت الفتوحات عن أمرهم، كما أنّ من المعلوم من أخبارهم (عليهم السلام) و نهيهم لشيعتهم عن الدخول في لوائهم عدم رضاهم (عليهم السلام) بمحارباتهم، فكيف يحتمل صدور الفتوحات عن أمرهم و رضاهم (عليهم السلام).

فالإنصاف أنّه بعد اعتبار إذن الامام (عليه السلام) في صيرورة المفتوحة عنوة للمسلمين لا مناص من التشبث بأخبار التحليل عموما و خصوصا، إذ لا موجب لتخصيصها بخصوص الخمس، و أنّ التحليل باعتباره و اللّه أعلم.

[هل يتعلق بها الخمس أم لا؟]

المقام الثاني: في أنّ الخمس في الأرض المفتوحة عنوة التي هي ملك المسلمين ثابت كغيرها من الغنائم أم لا؟ إذ غيرها من الأراضي إمّا ملك الامام (عليه السلام) أصلا كالموات مطلقا و القطائع، و إمّا ملك لأربابها كالأرض التي أسلم عليها طوعا، أو صولح على بقائها تحت أيدي ملّاكها و أداء الجزية.

و الكلام تارة فيما يقتضيه العمومات و الإطلاقات، و أخرى فيما يقتضيه الأخبار الخاصة:

أمّا الأولى: فظاهر الآية (1)- الشاملة لكل غنيمة لعموم الموصول، سواء أريدت الغنيمة بالمعنى الأخص أو الأعم- ثبوت الخمس، و هكذا أخبار الغنائم بنحو الجمع المحلى باللام، فإنّها أيضا عامة، كقوله (عليه السلام) (يؤخذ الخمس من الغنائم) (2) و هكذا قوله (عليه السلام) (كل شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّ لنا خمسه) (3).

____________

(1) و هي قوله تعالى (وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ ..) الأنفال: 41.

(2) وسائل الشيعة، باب 41، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 2.

(3) وسائل الشيعة، باب 2، من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5.

46

و أمّا الثانية، فمثل رواية مسمع بن عبد الملك (1) و موضع الاستشهاد منها فقرتان:

إحديهما: (أو ما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلّا الخمس؟! إنّ الأرض كلها لنا) فليعلم أنّ في الأرض و فيما أخرج اللّه منها خمسا لهم، و ليس في الأراضي ما يكون فيه الخمس إلّا المفتوحة عنوة، لأنّ ما عداها إمّا ملك الامام (عليه السلام) رأسا، أو ليست غنيمة ليكون الخمس منها للإمام (عليه السلام)، بل ملك لأربابها من دون موجب للخمس.

ثانيتهما: (و كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون .. إلخ) إذ لا تحليل إلّا باعتبار الخمس، لأنّ ما عداه إمّا ملك للمسلمين فلا معنى لتحليله، أو أرض لا يكون فيها موجب الخمس الموجب للتحليل.

و مثلها رواية أبي حمزة الثمالي (2) و في آخرها (و اللّه يا أبا حمزة ما من أرض تفتح و لا خمس يخمس فيضرب على شيء منه إلّا كان حراما على من يصيبه فرجا كان أو مالا .. الخبر) بناء على أن يكون قوله (عليه السلام) (و لا خمس يخمس) من باب عطف العام على الخاص، بإرادة كل شيء بخمس أو كل خمس يؤدي، و قوله (عليه السلام) (فرجا كان أو مالا) لبيان تعميم المعطوف على الأرض، فيكون تحريم الأرض المفتوحة باعتبار ما فيها من الخمس.

هذه جملة ممّا يمكن الاستدلال به على ثبوت الخمس في الأرض المفتوحة عنوة عموما و خصوصا، خلافا لصاحب الحدائق (3) النافي له استنادا إلى عدم التعرض له فيما تكفّل لاحكام الأرض المفتوحة عنوة، مع التعرض للزكاة و إلى قوله (عليه السلام) (ليس لمن قاتل شيء من الأرضين) مع شموله للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) و ثبوت الخمس لهما مناف له.

و الإنصاف قصور جملة من أدلة المثبتين كقصور مستند الثاني:

أمّا أدلة المثبتين: فإنّ الآية على فرض شمولها لكل غنيمة، و عدم انصراف الغنيمة

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 12.

(2) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 19.

(3) الحدائق الناضرة 12: 361.

47

إلى المنقول، يكون بالإضافة إلى أخبار الأرض المفتوحة عنوة- الظاهرة في أنّ جميعها للمسلمين- من العام بالنسبة إلى الخاص، فلا معنى لرفع اليد بها عنها.

و أمّا الاخبار المتكفلة لعنوان الغنائم فالجواب عنها:- مضافا إلى ما عرفت- أنّ موردها متضمن لأداء الخمس، و تقسيم الأربعة أخماس الباقية بين من قاتل و ولي ذلك، و لا شيء من الأرض كذلك، فنعلم أنّ مورد الخمس غير الأرض.

و أمّا قوله (عليه السلام) (كل شيء قوتل .. إلخ) ففي ذيله ما يوهن ظهور صدره في الشمول للأراضي، حيث قال: (و لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا، حتى يصل إلينا حقنا) (1)، فإنّ الأرض المفتوحة عنوة يملكها جميع المسلمين و ليست موردا للشراء، حتى لا يجوز شرائها إلّا بعد إخراج الخمس، بل مورد الخمس هو مورد جواز البيع و الشراء بعد التخميس و هو غير الأرض.

و أمّا رواية مسمع بن عبد الملك فالجواب عن الفقرة الاولى: أنّ مورد صدور هذه الفقرة منه (عليه السلام) هو أنّ الراوي أتى بخمس الغوص، و قال: إنّ هذا هو الحق الذي جعله اللّه لك في أموالنا، (فأجاب (عليه السلام): أو ما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلّا الخمس) (2) و الظاهر بمناسبة المقام- حيث لم يكن الأرض مورد الكلام- هو أنّ حقنا غير منحصر من الأرض و ما فيها و ما منها في الخمس المجعول في موارد خاصة، بل الأرض كلها لنا بما فيها و ما منها، لا أنّ المراد الخمس من الأرض و مما يخرج منها، فلا موقع لاستفادة ثبوت الخمس في نفس الأرض، ليقال بأنّه لا مورد له إلّا الأرض المفتوحة عنوة.

و عن الفقرة الثانية: أنّ التحليل ليس باعتبار الخمس الذي لا يتمحض للإمام (عليه السلام) بل باعتبار أنّ الأرض المفتوحة حيث كان الفتح بغير إذنه كانت كلا للإمام (عليه السلام)، و قد حللها لشيعته، مع إمكان إرادة التحليل و التحريم بمعنى آخر، كما أنّ مالكيته (عليه السلام) لكل الأرض فتحت أم لم تفتح بمعنى آخر، فالأرض و إن كانت ظاهرا للمخالف إلّا

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 3 من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 9.

(2) وسائل الشيعة، باب 4، من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، ح 12.

48

أنّها حرام عليه باطنا لعدم توليه لولي الأمر الحقيقي.

و أمّا رواية أبي حمزة الثمالي فالجواب عنها: أنّ الاستدلال بها مبني على كون العطف من عطف العام على الخاص، مع أنّ ظاهر قوله (عليه السلام) (و لا خمس يخمس) أنّه مقابل المعطوف عليه، فلذا لا يصح أن يقال “ما جائني عالم و لا رجل” لعدم كون الثاني قسيما للأول، بل يقال “و لا جاهل”.

بل ظاهر قوله (عليه السلام) (فرجا كان أو مالا) أنّه بيان للخمس في قوله (عليه السلام) و لا خمس، لا أنّه بيان بعض أفراده، و حينئذ فالمقابلة باعتبار أنّ الأرض التي فتحت حيث كان بغير إذن الامام (عليه السلام) فلذا كانت كلا للإمام، و أنّ المال الذي يملكه مالكه و يأخذ خمسه ولاة الجور هو الحرام، لأنّه لم يصل إلى من يستحقه، فمن وقع منه شيء في يده كان حراما عليه.

نعم إن أريد من قوله (عليه السلام) (و لا خمس يخمس) أي و لا مال يؤخذ منه الخمس فكله حرام لعدم وصول الحق إلى أهله، فهو باق على حاله من كونه مالا فيه حق الامام (عليه السلام) و السادة، فإنّ أريد منه و لا خمس يؤخذ من المال فلا دلالة إلّا على حرمة التصرف في نفس ذلك الخمس الذي استولى عليه من لا يستحقه.

و أمّا مستند الثاني (1) فما أفيد من عدم تعرضهم (عليهم السلام) للخمس في خصوص الأرض الخراجية، لا يوجب نفي الخمس، مع دلالة العمومات على ثبوته، و أمّا قوله (عليه السلام) (ليس لمن قاتل شيء من الأرضين) فإنّما يدل على عدم استحقاق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) من حيث دخولهما في المقاتلين، و لا ينافي استحقاق الخمس من حيث كونه غنيمة المسلمين دون المقاتلين فلا يعقل (2).

فاتضح مما ذكرنا عدم دليل واضح على الخمس، بل ظاهر مرسلة حماد (3) الطويلة- المنجبر ضعفها بعمل المشهور على ما قيل- هو عدم الخمس، فإنّ صدرها يتضمن

____________

(1) و هو مستند المنكر لوجوب الخمس فيها.

(2) الظاهر أنّه خبر لقوله (اما مستند الثاني).

(3) وسائل الشيعة، باب 41، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 2.

49

كون الرقبة موقوفة متروكة بيدي من يعمرها و يحييها، و ذيلها يتضمن كون حاصلها يصرف في مصالح المسلمين، و أنّه ليس لولي الأمر منه قليل و لا كثير، فهي بصدرها و ذيلها تدل على عدم استحقاق الامام (عليه السلام) من رقبة الأرض و من ارتفاعها شيئا.

و لا يقال إنّه (عليه السلام) ليس في مقام بيان الحقوق الإلهية المتعلقة بعينها أو بارتفاعها، لأنّه (عليه السلام) تعرض فيها للزكاة، فيعلم منها أنّه لا شيء من الحقوق الإلهية إلّا ذلك، إلّا أنّ المشهور شهرة عظيمة بحيث لم يذهب إلى خلافه أحد إلى زمان صاحب الحدائق (رحمه اللّه) هو ثبوت الخمس، و اللّه أعلم بحقائق أحكامه.

[هل الأرض ملك للمسلمين أم لا؟]

المقام الثالث: في بيان كيفية استحقاق المسلمين، و أنّه هل بعنوان ملك الرقبة أو بنحو آخر؟

فنقول: ظاهر الاخبار و إن كان ملكية الرقبة للمسلمين، إمّا استغراقيا أو طبيعيا و نوعيا، لمكان اللام و إضافة الأرض إلى المسلمين، إلّا أنّه يقبل الحمل على مطلق الاختصاص، إذا كان صارف عن ظهوره، و لا صارف عنه إلّا قوله (عليه السلام) (فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها و يحييها .. إلخ) (1) و غايته الدلالة على كون الأرض محبوسة متروكة، و هذا يجامع الملك و يلائم فك الملك أيضا، لا أنّه ظاهر في خصوص فك الملك، ليعارض ظهور اللام و الإضافة في الاختصاص المطلق المساوق للملك.

و مع ذلك فعن جماعة منهم الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في جملة من كتبه (2)، و المحقق الأردبيلي (3) (قدّس سرّه) أنّ الرقبة غير مملوكة، بل معدة لمصالح المسلمين، و المسلمون مصرف لحاصلها، و توضيحه أنّ المصرفية لها احتمالات:

منها: أنّ الرقبة تكون ملكا لمن قام بعمارتها، و يكون حاصلها بينه و بين المسلمين بحسب جعل الامام (عليه السلام)، لا بمعنى أنّ الحاصل مملوكا لهم، بل يصرف في ما يعود

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 41، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 2.

(2) الروضة البهية 7: 153.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 7: 470.

50

إليهم.

و من الواضح أنّ هذا المعنى لا يترتب عليه عدم جواز البيع، بل يكون المشتري بمنزلة البائع بعد الالتزام بدفع الخراج إلى ولي الأمر، و لا موجب لحمل المصرف على هذا الوجه، حيث لا دليل على أنّ القيام بعمارة الأرض مملك، بل المملك هو إحياء الموات، و الكلام في العامرة، كما لا دليل على جواز التملك بالحيازة في غير المباح بالأصالة، أو فيما يشترك الناس أو طائفة في الانتفاع به، و ليست الأرض العامرة بعد الفتح مباحا، و لا على نحو يشترك فيه الناس بحيث يكون السابق إليه أحق به.

و بالجملة: المصرفية بهذا المعنى و إن احتملها بعض الأجلّة لكنه لا يساعدها الاخبار و لا كلمات علمائنا الأخيار.

منها: ما هو المعتبر في باب الزكاة من كون الفقير و سائر الأصناف مصرفا لها، في قبال شركتهم مع المالك أو كونهم مالكين لها بنحو الكليّ في المعين، فهي على ملك صاحب المال، و يجب عليه دفع مقدار منه، فيملك الفقير بقبضه إيّاه.

إلّا أنّه لا ينطبق على ما نحن فيه، فإنّ الأرض بعد خروجها عن ملك الكافر لا بد من الالتزام بكونها ملكا للمسلمين بنحو من أنحاء الملك، و لا يكون باقيا على ملك أحد و لا مملوكا لمن استولى عليه، و لو بإذن الإمام (عليه السلام) فلا يكون المسلمون مصرفا على حد مصرفية الفقير.

منها: ما هو المرسوم في تعيين الثلث لمصرف، فإنّه لا يكون ملك الميت و لا ملك الوصي، و إنّما يملك عينه أو منافعه من يعطيه الوصي.

و هذا المعنى قابل للانطباق على ما نحن فيه في الجملة لا مطلقا، و ذلك لأنّ العين الموصي بها تكون ملكا لمن أعطاها الوصي إيّاه، و الأرض المفتوحة عنوة لا يملكها أحد بالخصوص، نعم إذا حبست العين ليصرف حاصلها في مصرف خاص لم تكن العين ملكا لأحد، و لا ما يصرف فيه مالكا لشيء، إلّا أنّ الحبس بهذا المعنى يمنع عن نقل العين، و الأرض المفتوحة عنوة يمكن أن يؤدي نظر ولي الأمر إلى نقلها إلى

51

أحد، و صرف ثمنها في مصالح المسلمين.

فالأنسب بالجمع بين الاخبار و رعاية الآثار ما ذكرناه في أوائل البحث عن الأراضي من كونها ملكا للطبيعي على وجه خاص، لا ينافي شيئا مما ذكرنا فراجع (1) ما قدمناه.

و أمّا ما ربّما يحكى عن المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) (2) من الخدشة في مالكية المسلمين بوجهين:

أحدهما: لو كانت الرقبة ملكا للمسلمين لما جاز تقبيلها من أحدهم، لأنّ إجارة الأرض ممن يملك جزء منها غير جائزة.

ثانيهما: لو كانت الرقبة ملكا لهم لجاز أن ينقل بعضهم حصته من الأرض إلى غيره.

فمدفوع: بما مرّ سابقا (3) من أنّ الأرض ليست ملكا لآحاد المسلمين استغراقيا حتى يرد المناقشة من الوجهين و غيرهما مما قدمناه، بل ملك للطبيعي، فالشخص بما هو غير مالك حتى لا يجوز الإجارة منه، أو يجوز نقل حصته، مع أنّ عدم جواز نقل الحصة كما يمكن أن يكون لعدم الملك، كذلك يمكن أن يكون لحبس الملك على وجه خاص.

المقام الرابع: في جواز بيع الأرض المفتوحة عنوة و عدمه.

و الأقوال و إن اختلفت فيه من الجواز مطلقا أو عدمه مطلقا أو جوازه تبعا للآثار أو غير ذلك من الأقوال المنقولة في المتن و غيره، إلّا أنّ المدار على الاخبار فلا بد من تحقيق حالها فنقول:

منها: خبر أبي بردة بن رجاء- و حيث إنّ الراوي عنه صفوان بن يحيى من أصحاب الإجماع فالخبر صحيح لا ضعيف- قال: (قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال (عليه السلام): من يبيع ذلك؟! هي أرض المسلمين. قال: قلت: يبيعها الذي

____________

(1) تعليقة 4.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 7: 471.

(3) تعليقة 4.

52

هي في يده. قال (عليه السلام) و يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟ ثم قال (عليه السلام): لا بأس أن يشتري حقه منها و يحول حق المسلمين عليه، و لعله أقوى عليها و أملى بخراجهم منه) (1).

و فقه الرواية أنّ ظاهر قوله (عليه السلام) (و من يبيع ذلك هي أرض المسلمين) هو الاستفهام التوبيخي لا الحقيقي، و قوله (عليه السلام) (هي أرض المسلمين) بمنزلة العلة للمنع، إلّا أنّ قول الراوي (قلت يبيعها الذي هي في يده) ظاهر في أنّه فهم الاستفهام الحقيقي، و لذا عين البائع.

و لا يمكن حمله على بيان مسوّغ البيع و هي اليد بعد قول الامام (عليه السلام) هي أرض المسلمين، فإنّ اليد على ملك الغير في مقام لا ولاية لذي اليد على المال لا تجدي، و كون ذي اليد معتقدا لمالكية نفسه يجدي في رفع الحرمة التكليفية.

مع أنّ ظاهر كلامه (عليه السلام) بيان الحكم الوضعي، و أنّه لا ينفذ منه البيع لكونه مال الغير، و قوله (عليه السلام) (و يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟) يوهم أنّ المانع هو كون الأرض خراجية، مع أنّه لا يمنع عن البيع رأسا، و إنّما يمنع عن النقل إليه، بحيث لا يكون شيء عليه، و إلّا فالنقل إليه بمالها من الخراج لا مانع منه من حيث الخراج.

بل ربّما يوهن وهن ظهور صدره في كونها للمسلمين أنّ إضافتها إليهم لمجرد كون خراجها لهم، و أنّه المانع من الانتقال، و قوله (عليه السلام) (لا بأس أن يشتري حقه منها .. إلخ) ظاهر في الاستدراك عما أفاده (عليه السلام) من عدم صلاحية أرض المسلمين للبيع، بإضافة الاشتراء إلى حق البائع، و لو كان المراد الترخيص في شراء الأرض مع تحمل خراجها لم يكن لتغيير العبارة وجه، بل كأن يقول “يشتريها و يحوّل عليه حق المسلمين”.

ثم إنّ المراد بالحق أحد أمور:

الأول: و هو الظاهر البدوي أن يراد منه ما يستحق من رقبة الأرض حسب حصته الواقعية، فالمبيع جزء من الأرض.

الثاني: ما هو أقرب إليه بعد رفع اليد عنه، و هي الآثار التي له في الأرض، فإنّها عرفا

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 71، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 1.

53

محسوبة من الأرض.

الثالث: حق الأولوية و الاختصاص بالأرض، إمّا بالتجرد في الشراء الذي هو تمليك العين بعوض، و إمّا بالتوسعة في دائرة البيع بجعله بمعنى جعل عين بإزاء شيء في الملكية أو في الحقية، فالرقبة بإزاء العوض في الحقية، لا أن المشتري منه نفس الحق، إلّا أنّ إضافة الاشتراء إلى الحق دون الأرض يعين الأول.

الرابع: أن يراد من الحق المنفعة التي يستحقها من الأرض بسبب التقبّل من ولي الأمر، و يراد من الاشتراء مطلق النقل كما في بيع خدمة المدبر.

الخامس: أن يراد الحق الذي له، كسائر المسلمين من حيث استحقاقهم لخراج الأرض، فيترك ما له من خراج الأرض للمشتري بإزاء العوض المأخوذ منه، بقرينة أنّ الظاهر اتحاد سنخ الحق المشتري و الحق المحول عليه.

السادس: أن يراد من الحق هي الحصة التي للمتقبل- من النصف و الثلثين مثلا- من حاصل الأرض، فيبيع حصة نفسه بإزاء شيء.

هذه مجموع ما يحتمل إرادته من الحق.

أمّا الأول: فهو- و إن كان أظهر من سائر الاحتمالات- إلّا أنّه لا يوافق قواعد البيع، حيث إنّ حصة المشتري من نفس الرقبة غير معلومة، فيكون من بيع المجهول و الغرر، مع أنّه مبني على مالكية الآحاد دون الطبيعي.

و أمّا الثاني: فهو- بعد الأول و إن كان أظهر من غيره- إلّا أنّ وجود آثار مملوكة له في الأرض غير مفروض حتى يحمل الحق عليها، مع أنّه لا يوجب تبعية الأرض في الملكية للآثار المملوكة، إذ لا موجب لصيرورة الرقبة ملكا بسبب الآثار، لا دائما و لا ما دامت الأرض حتى تكون داخلة في المبيع بالتبعية، و كيف يعقل أن تكون الأرض الخراجية مملوكة للمسلمين بالأصالة- كما هو مفروض صدر الخبر- و تكون مملوكة للبائع أو المشتري بالتبع.

لا يقال: إذا كانت الأرض مملوكة بسبب إحداث الآثار المملوكة صح بيعها بالأصالة

54

لا بالتبع، لأنّ سبب الملك لا دخل له في صحة البيع.

لأنّا نقول: نعم إذا كان إحداث الآثار سببا للملكية الدائمة، و أمّا إذا كان سببا للملكية المؤقتة ببقاء الآثار فلا يصح بيعها بالاستقلال و الأصالة، لأنّ مفاد البيع هي الملكية المرسلة، فلذا نسب البيع إلى الآثار و إن كانت الأرض مملوكة بالتبع.

و أمّا الثالث: فسيجيء (1) إن شاء اللّه تعالى أنّه لا موجب و لا دليل على ثبوت حق الأولوية و الاختصاص، بحيث يجوز نقله بناقل شرعي.

و أمّا الرابع: فهو و إن كان في نفسه صحيحا، حيث إنّ المتقبل يملك منافع الأرض، و لذا يجوز أن يؤجرها من غيره بمثل ما تقبل من السلطان أو أكثر- كما عقد له بابا في الوسائل في كتاب الإجارة (2)- إلّا أنّ الخراج على المتقبل من السلطان لا على المستأجر، و الظاهر من قوله (عليه السلام) (يحول عليه حق المسلمين فلعله أقوى عليه و املى بخراجهم منه) (3) أنّ المشتري هو المحول عليه، و هو الموصوف بأنّه أقوى على تحصيل الحاصل بالزرع دون البائع الذي رفع يده عن الأرض، فإنه لا معنى لتوصيفه بأنه أقوى فهذا احتمال بعيد عن ظاهر الرواية.

و أمّا الخامس: فغير صحيح، لأنّ أخذ حصة من الخراج بعوضها مع فرض صحة بيع المجهول غير جائز، بل الخراج يصرف في المصالح العامة للمسلمين، لا في مصلحة الشخص و لو بمقدار حصته.

و أمّا السادس: فإذا فرض اشتغال الأرض بزرع يعود ثلثه أو نصفه إلى المتقبل صح أن يبيع حصته بعد تعيينها من غيره، و أمّا إذا لم يكن هناك زرع له بعضه فلا معنى للبيع و لا لناقل آخر بعنوان الحصة المتكونة من الزرع فيما بعد من المشتري، و الأول غير مفروض في الرواية حتى يحمل الحق عليه.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن: أنّ أوجه الاحتمالات هو الثاني الموافق لعنوان

____________

(1) نفس هذه التعليقة- في المقام الخامس.

(2) وسائل الشيعة، باب 21 من أبواب أحكام الإجارة.

(3) وسائل الشيعة، باب 71، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 1.

55

الاشتراء و لإضافة الحق إلى الأرض، إلّا أنّه لا يجدي لما ذهب إليه المشهور من المتأخرين كما قيل من صحة بيع الأرض تبعا للآثار.

و منها: مرسلة حماد الطويلة المنجبرة بتلقي الأصحاب إيّاها بالقبول كما قيل، و فيها (الأرض التي أخذت عنوة بخيل و ركاب فهي موقوفة متروكة بيد من يعمرها و يحييها .. إلخ (1)).

و من الواضح أنّ المراد من كونها موقوفة متروكة إمّا كونها مملوكة محبوسة على المسلمين و يصرف حاصلها في مصالحهم، أو محررة محبوسة عليهم من باب فك الملك، و على أي حال ليست ملكا للبائع، و مقتضى محبوسية الأرض- سواء كانت ملكا للمسلمين أو لا- هو عدم جواز نقلها بالبيع و سائر النواقل الشرعية.

مضافا إلى قوله (عليه السلام) بعد تلك الفقرة (فيؤخذ ما بقي بعد العشر فيقسم بين الوالي و شركائه الذين هم عمال الأرض و أكرتها، و يدفع إليهم أنصبائهم على قدر ما صالحهم عليه .. إلخ) حيث يعلم منه أنّ من بيده الأرض مع فرض قيامه بعمارتها يكون عاملا لا مالكا، و يكون شريكا في الحاصل فقط، فلا يملك الأرض بعمارتها لا استقلالا و لا تبعا للآثار.

و أمّا اشتمال هذه المرسلة على تعلّق الزكاة بحاصل الأرض قبل القسمة، مع أنّ المشهور الذي وردت به النصوص أنّها بعد القسمة و إخراج حصة السلطان، إذ ربّما لا يكون حصة العامل حينئذ بالغة حد النصاب، فهو لا يكشف عن أنّ الأرض بنمائها و حاصلها ملك المقيم بعمارتها، لتكون الزكاة على وفق القاعدة فيكون في ماله حقان، حق مخصوص مجعول من قبله تعالى لطوائف خاصة، و حق مجعول بتقدير ولى أمر المسلمين للمسلمين، و ذلك لظهور النصوص المستفيضة في أنّ الزكاة بعد وضع الخراج في الأراضي الخراجية، و هو المفتي به عند الأصحاب.

فلا بد من رفع اليد عن هذه الفقرة من المرسلة، لا أن يتصرف بها في فقراتها الظاهرة في عدم مالكية المتقبّل، و لا حاجة إلى جعل الزكاة حكما تعبديا على

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 41، من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، ح 2.

56

خلاف القاعدة، فإنّه إنّما يلتزم به إذا كان الأمر كذلك واقعا، مع أنّك قد عرفت أنّ النصوص و الفتاوى في أرض الخراج على خلافه.

و أمّا ما عن بعض الأجلّة- من أنّ الزكاة على القائمين بعمارة الأرض مع عدم ملك الرقبة حكم تعبدي- فلا وجه له، إذ لا يشترط في الزكاة ملك رقبة الأرض، نعم في صحة المزارعة لا بد من ملك الأرض عينا أو منفعة أو انتفاعا لأحد الطرفين، فمع فرض التقبّل ممن له الأمر تكون المنفعة مملوكة للمتقبّل، و إنّما الإشكال في باب المزارعة فيما إذا أعطى الجائر أرض الخراج لأحد لا بعنوان التقبيل، بل بأن تكون له، فحينئذ إذا زارع من بيده الأرض غيره لا يملك الحصة بمجرد المزارعة، و لا زكاة عليه من هذه الجهة، و أمّا مع فرض التقبيل، فللمتقبل أن يزارع غيره من دون اشتراك في البذر، و تكون الزكاة في حصة كل من المزارع و الزارع.

كما أنّ الاشكال على تعلق الزكاة بحصة المسلمين ينافي كون الأرض و هذه الحصة من حاصلها للمسلمين، فيما إذا كان مستحق المنافع مستحقا للزكاة، فإنّه إذا تعلقت الزكاة بما هو ملك المستحق- من حيث كونه من المسلمين- كان معناه صيرورة ملك المستحق ملكا بالزكاة له.

مدفوع: بأنّ ملك الحاصل إذا كان للطبيعي و ملك الزكاة كذلك لم يكن هناك مانع، لعدم انطباقه فعلا على الأشخاص، و على فرض كون الملكين للآحاد استغراقيا فحيث إنّ الملكين مختلفي الآثار، فإنّ ملك الحاصل لا بد من صرفه في مصالح المسلمين، لا أنّه يعطى للأشخاص، و ملك الزكاة يعطى لهم يصرفونه في مصالحهم الشخصية، فمرجعه إلى تبدّل أحد نحوي الملك إلى الآخر، فبذلك الجزء الذي يكون زكاة كان يملكه بذلك النحو من الملكية، فانقلب حين تعلق الزكاة فصار ملكا له بوجه آخر، فتدبر.

و منها: صحيحة الحلبي (قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن السواد ما منزلته؟ قال (عليه السلام):

هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن لم يخلق بعد. فقلنا الشراء من الدهاقين؟ قال (عليه السلام): لا يصلح إلّا أن يشتري منهم على أن