حاشية كتاب المكاسب (للأصفهاني) - ج5

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
417 /
7

[تتمة الخيارات]

[تتمة أقسام الخيارات]

[تتمة السابع: خيار العيب]

اختلاف المتبايعين

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

اختلاف المتبايعين

1- قوله (قدّس سرّه): (نعم لو علم كونه نقصا .. إلخ) (1).

فمرجع الاختلاف إلى أنّه نقص في العين يوجب نقصا في القيمة حتى يكون عيبا موجبا للرد و الأرش معا، أو غير موجب لنقص القيمة حتى لا يوجب إلّا الرد، لكنه إذا كان المدرك اخبار خيار العيب فموضوعها المعيب، و مع الشك في الصدق لا رد و لا أرش، و إذا كان المدرك الالتزام الضمني بالصحة و بسلامة المبيع فلا يقتضي إلّا الرد.

و توهم: عدم جريان قاعدة الضرر التي هي مدرك الخيار عند تخلّف الشرط الصريح أو الضمني فيما إذا لم يكن هناك نقص في المالية.

مدفوع: بابتنائه على حصر الضرر في الضرر المالي، و إلّا فبناء على شموله لنقض الغرض المعاملي لا وجه له كما هو واضح.

2- قوله (قدّس سرّه): (لو اختلفا في حدوث العيب في ضمان البائع .. إلخ) (2).

ظاهره و إن كان الاختلاف في حدوث العيب قبل القبض أو بعده و قبل انقضاء الخيار أو بعده دون حدوثه حال العقد أو بعده فإنّه أجنبي عن ضمان البائع بالمعنى المعهود، لكنه حيث صرح (قدّس سرّه) فيما بعد بأصالة عدم العقد حين حدوث العيب،

____________

(1) كتاب المكاسب 263 سطر 11.

(2) كتاب المكاسب 263 سطر 12.

10

فالأولى بيان حكم تمام الصور فنقول:

حيث إنّ الأثر و هو الخيار مرتب على وقوع العقد على ما به عيب حال العقد بمقتضى اخبار خيار العيب، و كذا هذا الأثر مرتب على تلف وصف الصحة قبل القبض بمقتضى قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه بناء على تعميمها لتلف الوصف و تعميم الضمان للخيار، و كذا هذا الأثر مرتب على تلف الوصف في زمان الخيار و قبل انقضائه بمقتضى اخبار خيار الحيوان و غيرها، فلا محالة تجري أصالة عدم حدوث العيب إلى ما بعد حدوث العقد، فالعقد على العين محرز بالوجدان، و عدم العيب إلى ما بعد تحققه بالأصل، فينتفي موضوع الخيار، فإنّه قد اشترى ما ليس به عيب و عوار، و لا مجال لأصالة عدم وقوع العقد إلى ما بعد حدوث العيب، فإنّ موضوع الخيار وقوع العقد على ما به عيب، و هذا لا يثبت بالأصل المزبور إلّا على القول بالأصل المثبت، و تقدم (1) بعض ما يناسب المقام و سيجيء (2) إن شاء اللّه تعالى عما قريب.

و هكذا في الصورتين الأخيرتين لا مجال إلّا لأصالة عدم التلف إلى ما بعد القبض أو انقضاء زمان الخيار، فإنّ الضمان مرتب على التلف قبل القبض و قبل الانقضاء، و عدم التلف إلى ما بعدهما نفي لذلك الموضوع، بخلاف أصالة عدم القبض و عدم الانقضاء إلى ما بعد التلف فإنّه لا يثبت الموضوع المزبور إلّا بالأصل المثبت.

3- قوله (قدّس سرّه): (و لعله لأصالة عدم تسليم البائع .. إلخ) (3).

أمّا أصالة عدم التسليم فمدفوعة بأنّه لا أثر للتسليم و عدمه إلّا من حيث إنّ تلف الوصف قبل القبض موجب للضمان، و قد عرفت (4) أنّه لا أثر إلّا للتلف قبل التسليم لا لعدم التسليم على الوجه المقصود، و أمّا أصالة عدم استحقاق الثمن كاملا فمبنية على أن الأرش بمقتضى قاعدة المعاوضة، و أنّ التقسيط على ذات الموصوف و وصفه يوجب عدم انتقال ما يقابل الوصف، و هو مبنى سخيف ضعيف، فالثمن قد

____________

(1) تعليقه 19.

(2) ح 4: 517، تعليقة 367.

(3) كتاب المكاسب 263 سطر 14.

(4) التعليقة السابقة.

11

انتقل كلا إلى البائع و إنّما الشك في استحقاق المشتري للأرش، و عدمه مطابق للأصل.

و أمّا أصالة عدم لزوم العقد فغاية تقريبها: أنّ موضوع اللزوم هو العقد على الصحيح، و وقوع العقد على الصحيح مسبوق بالعدم، و بعدم وقوعه يحكم بعدم اللزوم.

و يندفع: بما قدمناه في آخر خيار الرؤية (1) بأنّ وصف الصحة لا دخل له شرعا في اللزوم، فموضوع اللزوم هو العقد الصحيح، لا العقد على الصحيح، بل المأخوذ شرعا في دليله هو كون المبيع به عيب و عوار في موضوع الجواز و الخيار، و بما تقدم من الأصل و بأصالة عدم العقد على ما به عيب ينفى موضوع الخيار.

4- قوله (قدّس سرّه): (قال في التذكرة (2) و لو أقام أحدهما بينة .. إلخ) (3).

أمّا سماع البينة من البائع مع كونه منكرا فمبني عن أنّ جعل اليمين على المنكر لمجرد الإرفاق به حيث يتعذّر عليه غالبا إقامة البينة، و معنى أنّ اليمين على المنكر أنّ المدعي لا يستحق من المنكر إلّا المطالبة باليمين، لا أنّه لا يسمع منه البينة، و له شواهد من الاخبار و الآثار و كلمات علمائنا الأخيار فليراجع محله.

و أمّا تقديم بينة المشتري مع إقامة البائع أيضا الراجع إلى تقديم بينة الخارج ففيه بحث طويل، إلّا أنّ وجه التقديم ليس ما في عبارة التذكرة من أن القول قول البائع، لأنّه منكر فالبينة على المشتري، فإنّه خلف لما تقدم منه من سماع بينة المنكر أيضا، فلا بدّ من بيان وجه الرجحان لا وجه البطلان، إلّا أن يكون مرجعه إلى ما قيل في وجه ترجيح بينة الخارج من أنّ وظيفة المنكر مرتبة على عدم قيام المدعي بوظيفته، فكما أنّ اليمين لا يقبل من المنكر مع إقامة المدعي للبينة كذلك لا يقبل منه ما هو بديل اليمين و بمنزلته، فمراده (قدّس سرّه) (فالبينة على المشتري) أن البينة المسموعة بلا حالة منتظرة وظيفة المدعي، فمعها لا مجال لبينة المنكر، لا أنّه لا

____________

(1) 4: 425، تعليقة 309.

(2) التذكرة 1: 541 سطر 8.

(3) كتاب المكاسب 263 سطر 16.

12

تسمع بينة المنكر مطلقا حتى يلزم التهافت بين العبارتين، و اللّه أعلم.

5- قوله (قدّس سرّه): (فلو لم يختبر ففي جواز الاستناد .. إلخ) (1).

حيث إنّ الدعوى متعلقة بالواقع، و البنية حاكية عن الواقع، فكذا اليمين ناظرة إلى الواقع، فاليمين على النفي في الظاهر غير مرتبطة بالدعوى، و لذا اشتهر في كلماتهم أنّ اليمين لا بد من أن يكون على الجزم و البت، فلا يصح الاستناد إلى الأصل في مقام الحلف، كما لا تجوز الشهادة استنادا إلى أصل أو ظاهر أو امارة، و لو كانت بينة، مع أنّه لا شبهة أنّ الدعاوي و الشهادات و الايمان غالبا تتوقف على امارة أو أصل أو أصول، فإنّ ما بيد زيد مثلا و إن كان منتقلا إليه من أبيه جرما إلّا أنّ ولديته له بقاعدة الفراش أو الإقرار، و كون المال مال أبيه حتى يرثه وارثه بمقتضى اليد، و لو فرض الجزم بشرائه فصحة الشراء بالأصل، و كونه مالا لبائعه حتى يصح الاشتراء أيضا بالقاعدة، فلا تكاد تجد موردا يخلو عن أصل أو ظاهر، و ندرة معلومية شيء من جميع الجهات، و من الواضح تبعية النتيجة لأخس المقدمات، فالدعوى و الشهادة و الحلف غالبا غير جزمية و لا بينة، فلا بد حينئذ من عدم سماع الدعاوي و عدم جواز الشهادة و الحلف إلّا نادرا، و هو خلاف طريقة الشارع و المتشرعة.

مضافا إلى ما ورد (2) من جواز الشهادة بمقتضى اليد، كما يجوز الاشتراء من ذي اليد، و الى (3) ما صح عندهم من جواز الشهادة بمقتضى استصحاب الملكية، و ربّما يجمع بين الأمرين ببعض الوجوه التي لا تخلو عن النقض و الإبرام، و لتحقيق الكلام فيه مقام آخر.

6- قوله (قدّس سرّه): (و يمكن الفرق بين الطهارة .. إلخ) (4).

حاصله: أنّ العيب و شبهه من الموضوعات الواقعية و إن اختلف ترتب حكمها عليها بالعلم و الجهل، فمع عدم العلم بها لا يمكن الحلف بتّا على عدمها، و إن جاز

____________

(1) كتاب المكاسب 263 سطر 19.

(2) وسائل الشيعة، باب 25 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعاوي.

(3) عطف على (الى ما ورد ..).

(4) كتاب المكاسب 263 سطر 20.

13

على عدم فعلية أثرها، كأن يحلف على عدم الحق فعلا ردا و أرشا، بخلاف الطهارة و الملكية فإنّهما بنفسهما من الموضوعات الشرعية، فما لا يعلم بتنجسه طاهر فعلا شرعا، و كذا ما كان تحت اليد ملك شرعا، فإذا كانت الدعوى في الطهارة الفعلية و عدمها صح الحلف على الطهارة الفعلية و عدم نجاسته فعلا، و كذا تجوز الشهادة بأنّ العين ملك لذي اليد فعلا.

و بعبارة أخرى وجود الموضوع الواقعي تعبدا ليس إلّا التعبد بحكمه بلسان التعبد بموضوعه، و وجود الطهارة تعبدا أو الملكية تعبدا مقتضاه اعتبار الطهارة فعلا و اعتبار الملكية فعلا على حد اعتبارهما في غير مورد الأصل و الامارة، و تحقيق الحال في كفاية هذا المقدار في جواز الشهادة و الحلف موكول إلى باب القضاء، و اللّه أعلم.

7- قوله (قدّس سرّه): (و إن كان المراد الاكتفاء بالحلف .. إلخ) (1).

لا يخفى أنّ مصب الدعوى إن كان هو العلم لترتب الأثر عليه كما في العلم بالغبن، فالحلف على نفي العلم حينئذ من الحلف على البت، و أمّا إن كان مصب الدعوى هو الواقع كما في دعوى العيب الذي يترتب عليه استحقاق الرد و الأرش من دون دخل لعلمه و جهله به فالاكتفاء بالحلف على نفي العلم حلف لا يطابق الدعوى، فتأثيره في سقوط الدعوى يحتاج إلى دليل، و لم يثبت إلّا على نفي العلم فيما يتعلق بفعل الغير، كما في الوارث بالإضافة إلى الدعوى على الميت، و استفادة الملاك- و هو كونه مما لا يمكن الحلف فيه على نفي الواقع بتّا سواء كان في ما يتعلق بفعل الغير أو فيما يتعلق بموضوع خارجي- مشكلة جدا، و تمام الكلام في محله.

و المورد الذي يثبت فيه الحلف على نفي العلم كما في الوارث فأثره إسقاط الدعوى و الذهاب بالحق المدعى به، و أمّا تأثيره في إيقاف الدعوى إلى أن يقوم بها البينة من المدعي فهو خلاف ظاهر أدلة البينات و الايمان المجعولة ميزانا لفصل الخصومة، و مما ذكرنا تعرف أنّ فصل الخصومة برد اليمين على المدعي أوفق بالقواعد بعد فرض كون إيقاف الدعوى و عدم فصل الخصومة بالحكومة خلاف

____________

(1) كتاب المكاسب 263 سطر 23.

14

حكمة تشريع القضاء

8- قوله (قدّس سرّه): (لأنّ اليمين على نفي العلم .. إلخ) (1).

إلّا أنّه لا دليل على الكفاية و لو قلنا بالكفاية في صورة عدم التمكن من الحلف بتّا، إلّا إذا كان مصب الدعوى هو العلم فإنّه يجوز الحلف على عدمه و لو مع إمكان الحلف على نفي الواقع بتا، و لعله (قدّس سرّه) يريد مثل هذه الصورة، و اللّه أعلم.

إذا اختلف الموكل و المشتري في قدم العيب و حدوثه

9- قوله (قدّس سرّه): (و الوكيل نائب عنه بطلت وكالته .. إلخ) (2).

إلّا إذا علم أنّه وكيل مطلق في أمر المال عقدا و حلا فسخا وردا و اقالة و ما أشبه ذلك، فإنّ المشتري له الرد إليه ملكا و خارجا، إلّا أنّه غير محل الفرض.

10- قوله (قدّس سرّه): (و لا يقبل إقرار الوكيل بقدمه لأنّه أجنبي .. إلخ) (3).

ما يتوهم دليلا لنفوذ إقراره على موكله أمران:

أحدهما: قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به، و حيث إنّه يملك التصرف في المال و ينفذ تصرفه فينفذ منه الإقرار على ما بيده و تحت سلطانه، و ليس زوال وكالته موجبا لعدم نفوذ إقراره، كما هو مقتضى تعليل عدم نفوذه بقوله (رحمه اللّه) (لأنه أجنبي)، فإنّه مبني على اختصاص هذه القاعدة بصورة بقاء الوكالة، مع أنّه لا شبهة في نفوذ إقرار الوكيل بالبيع إذا أنكر الموكل وقوعه، بل الوجه في عدم اندراج ما نحن فيه تحت هذه القاعدة أنّ كل ما يكون أمرا قابلا للاستنابة من التصرفات فإنّها كما تنفذ من الوكيل كذلك ينفذ إقراره بها، و قدم العيب و حدوثه و أمثالهما ليس قابلا للوكالة حتى ينفذ إقرار الوكيل بها، فتدبر.

ثانيهما: ما ورد (4) من وجوب تصديق الوكيل حيث إنّه أمين لا يجوز اتهامه،

____________

(1) كتاب المكاسب 263 سطر 27.

(2) كتاب المكاسب 263 سطر 28.

(3) كتاب المكاسب 263 سطر 29.

(4) لم أجد رواية بهذا النص و انما هو متكرر في عبائر الفقهاء.

15

فيصدّق دعواه بتلف المال، و منه تلف وصفه قبل بيعه و إقباضه.

و الجواب: أنّ الدعوى إن كانت بين الموكل و الوكيل فمقتضى التأمين عدم اتهامه و عدم تغريمه كما هو ظاهر ما ورد في هذا الباب، و أمّا إن كانت الدعوى بين الموكل و المشتري فلا غرامة على فرض صدق الموكل إلّا على المشتري، فلا تضمين للوكيل حتى يقال بأنّه أمين، و لذا ذكروا في باب الوكالة أنّ الوكيل إذا ادعى تلف الثمن و أنكره الموكل كان القول قول الوكيل، فلا يغرم للموكل، بخلاف ما إذا ادعى قبض الثمن من المشتري و أنكره الموكل فإنّ الغرامة لا توجه لها إلّا على المشتري دون الوكيل، فلا يوجب عدم تصديقه تغريمه، و ما نحن فيه من قبيل الثاني هذا.

نعم إن أمكن جريان الوكالة حتى في الإقرار عن الموكل و كان الوكيل وكيلا مطلقا نفذ إقراره على الموكل، من حيث إنّه بنفسه من التصرفات التي له السلطنة عليها، إلّا أنّه خارج عن محل البحث.

11- قوله (قدّس سرّه): (لانه لو اعترف نفع الوكيل .. إلخ) (1).

قد تقرر في محله أنّ كل منكر ليس عليه اليمين، بل فيما يكون عليه غرامة للمدعي بإقراره كان عليه اليمين بإنكاره، و الغرامة هنا في الحقيقة ليست إلّا للمشتري، و تطبيقه على هذه القاعدة المسلمة بتقريب: أنّ الغرامة واقعا و إن كانت للمشتري لكنها حيث توجهت ظاهرا إلى الوكيل فإقرار الموكل يوجب قرار الغرامة المتوجهة نحو الوكيل على الموكل، و حلفه يوجب دفع هذه الغرامة عن نفسه و استقرارها ظاهرا على الوكيل، كما أنّ حلف الوكيل المنكر لقدم العيب يوجب دفع الغرامة المتوجهة نحوه ظاهرا عن نفسه، لا أنّه يوجب دفع الغرامة واقعا عن الموكل، بل لو التفت المشتري إلى كونه وكيلا له اقامة الدعوى على الموكل.

12- قوله (قدّس سرّه): (وجهان بناهما في القواعد .. إلخ) (2).

أمّا الترديد فبملاحظة حصر ميزان القضاء في البينة و اليمين، و حيث إنّ المدعي

____________

(1) كتاب المكاسب 263 سطر 30.

(2) كتاب المكاسب 263 سطر 34.

16

لا يمين عليه فلا بد من أن يكون اليمين المردودة بمنزلة بينة المدعي حفظا للحصر، أو يكون بمنزلة إقرار المنكر الذي لا تبقى معه خصومة حتى يحتاج إلى إعمال موازين الحكومة، فيكون الحصر أيضا محفوظا.

و أمّا كونها ملحقة بالبينة أو بالإقرار فوجه كونها كالبينة أنّها حاكية عن الواقع و حجة مثبتة للمدعى به، و مما يستخرج بها الحق كما في الرواية (1)، لا أنّها مما لا تبقى معه خصومة ليحتاج إلى استخراج المدعى به، و وجه كونها كالإقرار أنّها هي يمين المنكر ردت إلى المدعي، فالمنكر في الحقيقة ملتزم بالمدعى به على تقدير حلف المدعى، و لا نعني بالإقرار إلّا الالتزام بالمدعي به، غاية الأمر أنّه في اليمين المردودة تقديري لا تحقيقي، و تمام الكلام و استيفاء النقض و الإبرام موكول إلى محله، و إن كان أصل الترديد بلا ملزم، لعدم محذور في التخصيص، و على فرض التحفظ على الحصر فكونها كالبينة أوجه من كونها كالإقرار.

13- قوله (قدّس سرّه): (و في مفتاح الكرامة (2) أنّ اعتراضه (3) .. إلخ).

لا موجب لتوهم الابتناء إلّا تعبير جامع المقاصد حيث قال (رحمه اللّه) (لأنّ البينة في هذه الحالة غير مسموعة من الوكيل) (4) بتوهم أن بينة الوكيل- و هو الراد- غير مسموعة منه، فاليمين المردودة بمنزلة بينة الراد و هو الوكيل، مع أنّ المراد أنّ البينة التي يقيمها المشتري و إن كانت حجة له على الوكيل لكنها لا تجدي الوكيل، و لا يصح له الاستناد إليها على الموكل لعلمه بكذبها، و لا منافاة بين صحة استناد المشتري إليها و عدم صحة استناد الوكيل إليها، لوجود المانع من الاستناد في الثاني دون الأول، و منه تعرف أنّ لزوم تنفيذ البينة بعد حكم الحاكم لا يقتضي إلّا نفوذها في حق الوكيل، لا تنفيذ الوكيل لها في حق الموكل مع العلم بكذبها.

14- قوله (قدّس سرّه): (الرابعة: لو رد سلعة بالعيب .. إلخ) (5).

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 7 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعاوي.

(3) كتاب المكاسب 264 سطر 2.

(4) جامع المقاصد 4: 360.

(5) كتاب المكاسب 264 سطر 3.

17

الكلام في مقامين:

أحدهما: ما إذا ادعى المشتري على البائع أنّ هذه سلعتك و هي معيبة، و أنكر البائع كونها سلعته و أنّها سلعة أخرى صحيحة، و مقتضاه الاختلاف في الخيار، و في المسألة أصل موضوعي و أصل حكمي يوافقان إنكار البائع.

أمّا الأصل الموضوعي فأصالة عدم كون هذه السلعة الشخصية واقعة موقع البيع من البائع، لسبق اليقين بعدمها، و هذا هو المراد من أصالة عدم كونها سلعة البائع، إذ لا تعيّن لسلعة البائع إلّا وقوعها موقع البيع منه، و هذه الحيثية هي المسبوقة بالعدم، و أمّا المغايرة خارجا بين هذه السلعة و غيرها فهي محسوسة لا شك فيها، لفرض الاثنينية، كما أنّ أصالة عدم كونها للبائع لا تجدي لما نحن فيه إلّا بملاحظة لازمه العقلي و هو عدم وقوع العقد عليها من البائع، لفرض عدم كونها له.

و أمّا الأصل الحكمي فالخيار حق حادث مسبوق بالعدم، فالأصل عدم حق للمشتري على البائع، و سيجيء (1) إن شاء اللّه تعالى بيان بعض الأصول الأخر التي ربما يقال بجريانها في المقام.

ثانيهما: ما إذا اتفقا على الخيار و اختلفا في كون العين المردودة سلعة البائع، و فيه قولان: قول باشتراكه مع الفرع المتقدم، لاشتراكهما في أصالة عدم كون السلعة مما وقع العقد عليها، و قول بتقديم قول المشتري لوجهين:

الأوّل: أنّ مرجع الاختلاف إلى دعوى البائع لخيانة المشتري بتغيير السلعة و إبراز سلعة أخرى مكانها، و تقريبه بحيث تندفع عنه شبهة جريانه في الفرع المتقدم: هو أنّ المشتري بمقتضى ثبوت حق الخيار و حق رد العين له يكون له الولاية شرعا على العين المشتراة، فيجب تصديقه فيما له الولاية عليه، لأنّه أمين من قبل الشارع فلا يجوز اتهامه و تخوينه للنصوص الخاصة، بخلاف الفرع المتقدم فإنّه أصل الخيار مشكوك فالولاية و الامانة غير ثابتة هناك.

و منه تبين اندفاع ما عن جامع المقاصد (2) بأنّ كل مدعيين يدعي أحدهما خيانة

____________

(1) في نفس التعليقة.

(2) جامع المقاصد 4: 363.

18

الآخر إلى آخر ما قال و تبعه على ذلك المصنف (قدّس سرّه) حيث قال: (أمّا دعوى الخيانة فلو احتاجت إلى الإثبات .. إلخ) و الفارق ما ذكرناه، و أمّا مجرد ظهور حال المسلم في عدم الخيانة فهو كظهور حاله في عدم الكذب، فإنّه لا أثر له إلّا عدم الحكم بفسقه لا وجوب تصديقه.

و منه تعرف أنّ مدرك أصالة عدم الخيانة ليس ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) في طي كلامه من ظهور حال المسلم في عدم الخيانة، و هو الموجب لدعوى الاشتراك بين المسألتين في هذا الأصل، بل ما دل على عدم جواز اتهام الأمين و عدم تغريمه و تضمينه بتخوينه.

و ربما يوجه باندراجه تحت قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به، نظرا إلى أن المشتري يملك الخيار برد العين فيملك الإقرار بحل العقد برد العين، فكما أنّ رده نافذ فكذا الإقرار به نافذ، و مقتضى تقديم قول البائع الحكم بعدم نفوذ رده.

إلّا أنّه- بعد الإغماض عن شمول تلك القاعدة لمورد البحث- يرد عليه أنّه إنّما يسلم إذا كان الفسخ منوطا برد العين، حتى يقال إنّه يجب تصديقه في القيد و هو غير دخيل في سائر الخيارات المجتمعة مع تلف العين، و أمّا في خيار العيب فليس المراد حصول الحل بالفعل و هو رد العين خارجا حتى يختص فسخ العقد بخيار العيب بالفعلي دون القولي، بل المراد قصر حق حل العقد ورد الملك بصورة بقاء العين، و عليه فحل العقد غير منوط برد العين ليكون قيدا لما له السلطنة عليه حتى ينفذ إقراره فيه، فيكون حال العين بعد تحقق الفسخ كحال غيرها من حيث عدم اندراجها تحت القاعدة المزبورة.

الثّاني: أنّ إنكار البائع يقتضي سقوط الخيار المتفق عليه، و الأصل بقاؤه فيقتضي تقديم قول المشتري لموافقته للأصل المزبور، و لا يخفى عليك أنّ غاية ما يقتضيه إنكار البائع عدم حصول الفسخ برد السلعة المتنازع فيها، لا عدم الخيار و استحقاق الفسخ برد المبيع، و لعله لأجله فرض المصنف (قدّس سرّه) تلف المبيع على فرض صدق البائع و أنّ الخيار خيار العيب، و إلّا فلو اتفقا على بقاء المبيع و كان النزاع في تعيينه،

19

أو كان الخيار غير خيار العيب فلا يرجع الأمر إلى دعوى سقوط الخيار.

و يمكن أن يقال: إنّه في فرض إنكار المشتري لوقوع العقد على غير هذه السلعة الخاصة يؤول دعوى البائع إلى عدم إمكان الفسخ، و لا نعني بالخيار إلّا السلطنة على الفسخ فعلا، فالمشتري مع فرض إقراره بوقوع العقد على هذه السلعة لا غيرها لا سلطنة له بحسب إقراره إلّا برد هذه السلعة، و البائع ينكر سلطنته على حال العقد برد هذه السلعة، و المفروض انحصار خيار المشتري في هذه السلطنة الخاصة، و هذا التوجيه وجيه في خصوص خيار العيب المنوط بإمكان رد المبيع.

و يمكن أن يقال أيضا: إنّ الغرض سقوط الخيار بحسب النتيجة، إذ مقتضى انحلال العقد استحقاق المشتري لاسترداد الثمن و استحقاق البائع لاسترداد المبيع، و لكل منهما الامتناع مع امتناع الآخر، فللبائع الامتناع من رد الثمن مع عدم وصول مبيعه اليه، فدعوى البائع ترجع إلى عدم استحقاق المشتري لاسترداد الثمن، لفرض إنكاره لكون هذه السلعة مبيعه، فوجود الفسخ من حيث الأثر كعدمه، و هذا الوجه يعم جميع الخيارات، و دعوى بقاء العين الواقعية و تلفها.

و يمكن أن يقال أيضا: إنّ إنكار البائع يرجع إلى إحدى دعويين، إمّا تلف ما وقع عليه العقد واقعا فلا خيار، و الأصل موافق للمشتري، و إمّا بقاء العين و إمكان الأخذ بالخيار، إلّا أنّ البائع يدعي غرامة ما أنكر المشتري وقوع العقد عليه، و القاعدة موافقة أيضا للمشتري، لأنّه أمين فلا يناسب التغريم و التضمين.

إلّا أنّ هذا الوجه خلاف ما حكي عن الإيضاح (1)، فإنّ ظاهره مخالفة قول البائع لأصلين، لا لأحد أصلين على تقديرين، و هذا الوجه على فرض صحته يختص بخيار العيب، و هو واضح.

ثم إنّه أورد المصنف العلامة (قدّس سرّه) على هذا الوجه- بعد فرض صحة أصالة بقاء الخيار مطلقا- بما محصله: أنّ الأصل- الذي يكون موافقته لأحد الطرفين موجبة لكون الموافق منكرا ليكون قوله مقبولا مع يمينه- هو ما إذا كان الأصل مربوطا بمورد

____________

(1) إيضاح الفوائد 1: 499.

20

النزاع، و حيث إنّ النزاع في كون السلعة الشخصية سلعة البائع- فيجوز للمشتري ردها و يجب على البائع قبولها- أم لا، فأصالة بقاء الخيار لا توجب كون السلعة سلعة البائع، و لا يوجب قبولها على البائع، إذ ليس بقاء الخيار تعبدا أقوى من بقائه قطعا وجدانا، و هو يجامع الشك في كون السلعة سلعة البائع و الشك في لزوم قبولها على البائع.

نعم لازم بقاء الخيار و نفوذ الفسخ برد العين المشكوكة الحال كونها سلعة البائع، و إلّا لما انحل العقد بردها، لما مرّ (1) منا من أنّ بقاء السلطنة على الفسخ [و] (2) رد المعيب- مع أنّه لا تمكن للمشتري إلّا من رد هذه السلعة الشخصية- يقتضي عقلا أن تكون السلعة الخاصة المتمكن من ردها هي متعلق السلطنة الشرعية الفعلية، و الأصل بلحاظ هذا اللازم العقلي من الأصول المثبتة، و مما ذكرنا تبين أنّ الصحيح في المقام الثاني من الوجهين لقبول قول المشتري بيمينه هو الوجه الأول.

15- قوله (قدّس سرّه): (و إن كانت هناك أصول متعددة .. إلخ) (3).

حيث أراد (قدّس سرّه) اشتراك المسألة الاولى مع الثانية في أصالة عدم الخيانة أراد أن يبين أنّ اختصاص المسألة الأولى بأصول متعددة لا يوجب تخصيص قبول قول المشتري لأصالة عدم الخيانة بالمسألة الثانية لوجهين:

أحدهما: أنّ الاعتبار بموافقة قول للأصل و مخالفته له فيما إذا لم يكن الأصل محكوما، و إلّا فالعبرة بالموافقة و المخالفة للأصل الحاكم، و أصالة عدم الخيانة حاكمة على كل أصل عملي يتصور في المسألتين، لأنّ مدركها الظهور المقدم على الأصل العملي الذي هو وظيفة من لا حجة له، إلّا أنّك قد عرفت أنّ مدرك الأصل بمعنى القاعدة ليس هو الظهور، بل النصوص القاضية بأنّ الأمين لا يتهم و لا يغرّم.

و ثانيهما: أنّ بعض هذه الأصول لا اعتبار به في نفسه كأصالة صحة القبض، توضيحه: أنّ المراد بصحة القبض إن كان صحة المقبوض، نظرا إلى عدم حدوث

____________

(1) نفس التعليقة.

(2) اضافة يقتضيها سياق الكلام.

(3) كتاب المكاسب 264 سطر 13.

21

العيب إلى تحقق القبض فهو نظير عدم حدوث العيب قبل العقد المذكور في طي الأصول، إذ لا فرق في عدم الخيار بين عدم حدوث العيب قبل العقد و عدم حدوثه قبل القبض.

و إن كان صحة القبض بنفسه في قبال فساده فهو فاسد، إذ ليس للقبض سببية شرعا لمسبب حتى يوصف بالنفوذ تارة و بعدمه اخرى، بل لو كان له أثر لكان من قبيل الحكم بالإضافة إلى موضوعه، فمع القبض يترتب عليه حكمه و مع عدمه فلا، لا أنّ القبض المحقق يؤثر تارة و لا يؤثر أخرى.

و إن كان صحة القبض بمعنى الخروج معه عن الضمان في قبال عدمه مع عدمه كما فسرها به المصنف (قدّس سرّه) فالجواب عنه: أنّ قبض ذات المبيع يوجب الخروج عن ضمانه في قبال تلفه الموجب لانفساخ العقد، و قبضه موصوفا بوصف الصحة في قبال العيب يوجب الخروج عن ضمانه في قبال تلف الوصف الموجب لخيار المشتري، و من الواضح أنّ قبض ذات المبيع معلوم مفروض هنا، و قبضه موصوفا بالصحة غير معلوم، و لا أصل يقتضي قبض الوصف أو قبض الموصوف بالوصف حتى يترتب عليه الخروج عن ضمانه، بل مقتضى الأصل- كما تقدم من المصنف (قدّس سرّه) في أوائل مسألة التنازع (1)- عدم تسليم المبيع على الوجه المقصود، و إن كان أجنبيا (2) عنه بأنّ الخيار مترتب على التلف قبل القبض، لأنّ اللزوم مترتب على القبض قبل التلف فأصالة عدم تلف الوصف قبل القبض جارية، و مقتضاها عدم الخيار بعدم موضوعها، إلّا أنّها كما مرّ لا دخل لها بأصالة صحة القبض.

و مما ذكرنا تبين: أنّ الوجه في رد أصالة صحة القبض ما ذكرنا من عدم المجال للأصل، إمّا للعلم بحصوله كما في قبض ذات المبيع، و إمّا لعدم العلم بحصوله كما في قبض الوصف بقبض الموصوف، لا أنّ أصالة الصحة صحيحة و لا تثبت لزوم القبض كما هو ظاهر المصنف (قدّس سرّه).

فان قلت: كما أنّ ظاهر حال المتبايعين العقد على الصحيح كذلك ظاهر حالهما

____________

(1) كتاب المكاسب 263 سطر 14.

(2) هذا هو الصحيح و في الأصل (أجنبيا).

22

اقباض الصحيح و قبضه دون غيره، و قبض الصحيح موصوف بالصحة بمعنى الخروج عن الضمان.

قلت: أمّا ظهور حالهما في العقد على الصحيح في مورد العين الشخصية فهو إمّا بمعنى الالتزام بالصحة أو بمعنى الظن بالسلامة لغلبة السلامة، و أمّا ظهور حالهما في إقباض الصحيح و قبضه فليس مقتضاه إلّا الجري على وفق العقد بتسليم ما التزم بصحته و تسلّمه، أو تسليم ما يظن سلامته و تسلّمه، و كلا الأمرين مما لا شك فيه، فإنّ المبيع سواء كان هذه السلعة أو سلعة أخرى مما التزم البائع بصحته و مما يظن بسلامته، و إنّما النزاع في أنّ المبيع هذه السلعة حتى يكون على خلاف ما التزم بصحته أو على خلاف ما ظن سلامته أو سلعة أخرى توافق الواقع من حيث الالتزام أو الظن، و أصالة الصحة بالمعنى المتقدم لا تثبت أنّ المقبوض كان واجدا للوصف المتلزم به أو الوصف المظنون وجوده، فتدبر جيدا.

16- قوله (قدّس سرّه): (قدم منكر العلم فيثبت الخيار .. إلخ) (1).

قد مرّ منه (قدّس سرّه) في مبحث خيار الغبن (2) أنّ المغبون المدعي للجهل مدع، و لذا قال (قدّس سرّه) (إنّه لو تعذّر عليه إقامة البينة قبل قوله بيمينه من حيث إنّه مدع يتعذّر عليه إقامة البينة، فلو لم يقبل قوله لزم إيقاف الدعوى)، و قد مرّ بعض الكلام فيه (3).

و يمكن أن يقال هنا: بكون المشتري منكرا نظرا إلى أخذ عدم العلم في المقتضي للخيار في مقام الإثبات، حيث قال (عليه السلام) (أيّما رجل اشترى شيئا به عيب أو عوار و لم يتبرء اليه و لم ينبه .. الخبر) (4) بتقريب: أنّه لم ينبه حتى يتنبه، فعدم العلم مقوّم المقتضي للخيار و جزء موضوع الأثر، فقول المشتري موافق للأصل الذي له أثر شرعا.

نعم بناء على القول بالخيار بقاعدة الضرر فالأمر مشكل، نظرا إلى أنّ اللزوم الضرري مرفوع و هو مساوق لجواز العقد، و ضررية اللزوم من حيث إنّه حكم ضرري

____________

(1) كتاب المكاسب 264 سطر 18.

(2) كتاب المكاسب 236.

(3) 4: 255، تعليقة 168.

(4) وسائل الشيعة، باب 16 من أبواب الخيار، ح 2.

23

من الشرع يتوقف عقلا على عدم استناده إلى المكلف ليتمحض في استناده إلى الشارع، و مع علم المشتري بالعيب لا استناد في وقوعه في الضرر إلى الشرع عقلا لا شرعا، فلا أثر شرعا لعدم العلم حتى يجري الأصل، فلا محالة تصل النوبة إلى أصالة عدم الخيار و عدم تأثير الفسخ.

17- قوله (قدّس سرّه): (لو اختلفا في زواله قبل .. إلخ) (1).

لا يخفى أنّ هنا مسألتين:

إحداهما: لزوم بقاء العيب عند الرد، بتوهم أنّ موضوعه المعيب، و عدم لزومه لأنّ الموضوع من اشترى شيئا و به عيب أو عوار، و الموضوع صادق بعد زواله عند الرد كما تقدم (2)، فعلى الأول لا مجال للنزاع لارتفاع الخيار، و على الثاني لا مجال للنزاع في بقاء الخيار، فلا يتصور النزاع الذي ينحسم بالبيّنة و اليمين، و إنّما يتصور النزاع في الحكم إذا اختلفا اجتهادا أو تقليدا، فلا ينحسم إلّا بالرجوع إلى الأعلم أو مطلقا.

ثانيهما: ثبوت الخيار بمجرد وجود العيب واقعا أو عدمه إلّا بعد ظهور العيب، و من الواضح أنّه على الأول لا مجال للنزاع و إنّما يتصور النزاع بناء على الثاني، إذ مع زواله قبل العلم لا ظهور للعيب حتى يثبت الخيار، بخلاف زواله بعد الظهور.

و مما ذكرنا تبين: أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من الوجهين غير واردين على مبنى واحد، و أنّ الصحيح تحرير النزاع بلحاظ المبنى الثاني من المسألة الثانية، و عليه فحيث إنّ الموضوع متقوّم بالعيب و ظهوره فكما أنّ الأصل عدم ظهوره حال وجود العيب كذلك الأصل بقاء العيب إلى زمان ظهوره و مع التساقط، فالأصل عدم الخيار، و منه تعرف أنّ النزاع في أصل الخيار لا في سقوطه بعد ثبوته.

18- قوله (قدّس سرّه): (و العبارة المتقدمة من التذكرة .. إلخ) (3).

(و هي لو كان المبيع معيبا عند البائع ثم أقبضه و قد زال عيبه فلا رد لعدم موجبه، و سبق العيب لا يوجب خيارا كما لو سبق على العقد ثم زال قبله .. إلخ) (4) و وجه

____________

(1) كتاب المكاسب 264 سطر 19.

(2) 4: 517، تعليقة 367.

(3) كتاب المكاسب 264 سطر 21.

(4) التذكرة 1: 541 سطر 22.

24

إيمائها إلى الوجه الثاني ما قيل من أنّ سبق العيب لا يوجب خيارا مع زواله، حيث لم يظهر قبل زواله، بل لعل تعبيره (رحمه اللّه) بعدم الموجب للخيار لا بزوال الموجب له أولى بكونه وجها للإيماء، إلّا أنّ الإنصاف أنّ العبارة ظاهرة في أنّ ملاك عدم الخيار نفس زوال العيب، لا عدم ظهوره قبل زواله، لأنّ الحق الثابت هو حق رد المعيب لا حق رد ما كان به عيب، و لذا ذكر في موضع آخر من التذكرة في باب خيار التصرية (لو ظهرت التصرية لكن درّ اللبن على الحد الذي كان يدر مع التصرية و استمر كذلك فلا خيار، لزوال الموجب له، و للشافعي قولان هذا أحدهما، و الثاني لا يسقط لثبوته بمجرد التصرية، و كذا الوجهان إذا لم يعرف المشتري بالعيب القديم إلّا بعد زواله ..

إلخ) (1) فيظهر أنّ المدار في بقاء الخيار نفيا و إثباتا على كون العيب المستمر إلى حال الرد مناطا له، أو مجرد ثبوت العيب حال العقد أو قبل القبض.

19- قوله (قدّس سرّه): (و لا يعارضه أصالة بقاء الجديد .. إلخ) (2).

هذا إذا كان ارتفاع الخيار منحصرا في زوال العيب القديم، و أمّا إذا كان نفس حدوث العيب الجديد مانعا شرعا عن الخيار- كما هو مقتضى المرسلة- فالتعبّد ببقاء العيب الجديد تعبّد بموضوع الحكم لا يلازم موضوع الحكم.

و التحقيق: انا لو قلنا بأنّ زوال العيب القديم لا أثر له في ارتفاع الخيار كما اخترناه سابقا فلا أثر لأصالة بقاء العيب القديم، بل الأثر لبقاء الجديد و زواله فيجري أصالة بقاء العيب الجديد، و أثره سقوط حق الرد و بقاء استحقاق الأرش، و أمّا لو قلنا بأنّ زواله يوجب ارتفاع الخيار و كان النزاع في بقاء حق الخيار بمعنى استحقاق الرد أو الأرش و عدم بقاء حق الرد و الأرش فلا محالة يكون ترتب هذا الأثر بلحاظ بقاء العيب القديم و زواله، و بقاء العيب الجديد أجنبي عن مثله إلّا بلحاظ لازمه و هو زوال العيب القديم، و عليه ينبغي أن يحمل كلام المصنف (قدّس سرّه).

و مما ذكرنا يتبين: أنّ النزاع الصحيح الذي له أثر بأحد وجهين، إمّا بدعوى بقاء العيب القديم و زواله لبقاء خيار العيب و ارتفاعه، و الأصل بقاؤه، و قد عرفت أنّه بلا

____________

(1) التذكرة 1: 527 سطر 41.

(2) كتاب المكاسب 264 سطر 23.

25

معارض، و إمّا بدعوى بقاء العيب الجديد و زواله حتى يكون مستحقا للأرش فقط، أو مستحقا للرد و الأرش معا، و الأصل بقاؤه فلا يستحق إلّا الأرش، و قد مرّ أنّه لا أثر لبقاء العيب القديم و ارتفاعه.

و أمّا بناء على أنّ زوال العيب القديم رافع للخيار فلا يرجع دعوى زوال العيب القديم أو زوال العيب الجديد- بما هما زوال العيب- إلى محصل، لأنّ دعوى البائع يرجع إلى دعوى عدم المقتضي، و دعوى المشتري يرجع إلى دعوى عدم المانع، و من الواضح أنّ مجرد عدم المانع لا أثر له إلّا بعد الفراغ عن وجود المقتضي، و عليه فيتوجه ما حكاه في التذكرة (1) عن الشافعي من التحالف، فإنّ المشتري يدعي زوال العيب الجديد و ينكر زوال العيب القديم تحقيقا للمقتضي مع عدم مانعه فيحلف على عدم زوال العيب القديم، و البائع يدعي زوال العيب القديم و ينكر زوال العيب الجديد فيحلف على عدم زوال العيب الجديد، و مقتضى بقاء العيبين بالحلف على زوالهما من البائع و المشتري استحقاق الأرش فقط، و إنّما يقول بالحلف من البائع على عدم زوال العيب الجديد مع أنّ نفي الخيار بنفي مقتضيه نافع للبائع، لأنّ المشتري حيث يدعي عدم المانع فلا بد في إسقاط دعوى المشتري من الحلف على عدم زواله.

20- قوله (قدّس سرّه): (لو كان عيب مشاهدا غير المتفق عليه .. إلخ) (2).

لا يخفى عليك أنّ لسبق العيب المشاهد المذكور أثرا و هو الخيار، و لو بمعنى استحقاق زيادة الأرش، و للحوقه و حدوثه عند المشتري أثر آخر و هو سقوط الخيار المتفق عليه، فإن كان النزاع بلحاظ استحقاق الأرش الزائد و عدمه فأصالة عدم تحققه إلى حال القبض كاف في نفي الخيار، لانتفائه بانتفاء العيب حال العقد و القبض تعبدا من دون حاجة إلى إثبات التأخر، ليقال بأنّه لا يثبت إلّا على الأصل المثبت، و إن كان النزاع بلحاظ سقوط الخيار و عدمه فأصالة عدم العيب إلى ما بعد القبض لا يثبت الحدوث عند المشتري، فالقول قول البائع على الأول، و قول

____________

(1) التذكرة 1: 530 سطر 42.

(2) كتاب المكاسب 264 سطر 26.

26

المشتري على الثاني، لأصالة بقاء الخيار عند الشك في سقوطه، و لعل كلام الشهيد من جعل القول قول البائع بالنظر إلى النزاع الأول، و لو فرض تحرير النزاع من الوجهين فكل من البائع و المشتري مدع من وجه و منكر من وجه، و مع التحالف يحكم بعدم استحقاق زيادة الأرش و ببقاء الخيار، فتدبر جيدا.

21- قوله (قدّس سرّه): (ثم قال في الدروس لو ادعى البائع .. إلخ) (1).

الكلام في الزيادة كالكلام في أصل وجود العيب الجديد، إلّا أنّ الكلام في الفرق بين هذه المسألة و المسألة المتقدمة، حيث ذكر (رحمه اللّه) في الاولى أنّ القول قول البائع مطلقا، و هنا ذكر احتمالين مع أنّ نسبة أصالة بقاء الخيار المتيقن ثبوته الموهوم سقوطه بالنسبة إلى الفرعين على حد سواء، و كذلك نسبة أصالة عدم التقدم، مع أنّه لا مجال لأصالة بقاء الخيار مع صحة أصالة عدم تقدم العيب الجديد لحكومة الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي.

و يمكن أن يقال: إنّ عدم الزيادة ليس دائما موافقا للأصل، إذ ربّما يتدرج العيب فيخرج من حد النقص إلى الزيادة، و ربّما يحدث من أول الأمر بنحو الشدة و الزيادة، فلا مجرى لأصالة عدم الزيادة حينئذ بعد التعين بأصل وجود العيب المردد بين الزائد و الناقص، و اللّه العالم.

22- قوله (قدّس سرّه): (و ربما يترائى من مكاتبة .. إلخ) (2).

محتملات الرواية بحيث لا تنافي قاعدة البينة على المدعي و اليمين على من أنكر ثلاثة:

أحدها: أنّ موردها البراءة عن العيب بمعنى سلامة المتاع من العيب، لا براءة البائع من عهدة العيب، فقوله (فإذا نادى المنادي عليه بريء من كل عيب) (3) يراد به نداوة على المتاع ببرائته و سلامته من العيب، فقوله (بريء) وصف للمتاع لا صفة للبائع، و قوله فيما بعد (قد تبرئت منها) يراد بأني أظهرت براءة المتاع من العيب، و أنّه لا

____________

(1) كتاب المكاسب 264 سطر 29.

(2) كتاب المكاسب 264 سطر 33.

(3) وسائل الشيعة، باب 8 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

27

عيب فيه حتى يكون تنبيها للمشتري و موجبا لفحصه عن حال المتاع، فيؤول النزاع إلى دعوى تقدّم العيب و تأخره، و قول البائع حينئذ موافق لأصالة عدم العيب إلى ما بعد العقد.

و فيه: أنّه مخالف لظاهر جملة من فقرات المكاتبة، منها قوله (بريء من كل عيب فيه) لظهوره في البراءة من العيب الموجود فيه، لا سلامته من العيب، و حمل قوله (فيه) على سلامته من كل عيب يفرض في مثله خلاف الظاهر جدا، و منها قوله (تبرئت منها) فأنّ ظاهره إظهار البراءة من العيوب لا إظهار براءة المتاع من العيوب، و منها قوله (لم أسمع البراءة) فإنّ النزاع إن كان في وجود العيب حال العقد و عدمه فدعوى النداء و إنكار السماع أجنبي عن محل النزاع الذي يترتب عليه الأثر.

ثانيها: ما عن صاحب الحدائق (1) من ظهور السؤال في أنّ إنكار المشتري إنّما وقع مدالسة من جهة تجدد زهده في المتاع، لا من جهة عدم علمه بالبراءة، و الامام (عليه السلام) إنّما ألزمه بالثمن من هذه الجهة، لا من جهة عدم علمه بالتبري، و قال (رحمه اللّه) أخيرا بأنّهم (عليهم السلام) كثيرا ما يحكمون بمقتضى علمهم (عليهم السلام) بالحال فكيف مع ظهور ذلك في السؤال؟! و فيه: ما في المتن من أنّ السؤال ليس عن حكم المشتري شرعا واقعا، بل عما يقتضيه ميزان القضاء بالنسبة إلى الدعوى المسموعة ظاهرا، و ليس حكم الامام (عليه السلام) في واقعة شخصية رفع أمرها إليه (عليه السلام) حتى يتوهم أنّ القضاء بمقتضى علمه (عليه السلام) جائز نافذ، فلا مورد لما أفاده في الحدائق أخيرا، فتدبر جيدا.

ثالثها: ما أفاده المصنف العلامة (قدّس سرّه) في المتن من أنّ المشتري و إن كان قوله موافقا للأصل، إلّا أنّه مخالف للظاهر الحاكم على الأصل، فقول البائع حيث إنّه موافق للظاهر هو المقبول بيمينه المعلوم من الخارج في كل مورد يقال إنّ القول قول البائع أو المشتري، فلا يرد عليه ما قيل من أنّه لا وجه لإيجاب الثمن على المشتري من دون إحلاف البائع.

____________

(1) الحدائق الناظرة 19: 91.

28

و لعمري إنّه توجيه وجيه إلّا أنّه يتوقف على أنّ موافقة الظاهر و مخالفته الموجبة لتشخيص المدعي و المنكر مجرد الموافقة و المخالفة للظاهر العرفي و إن لم يقم دليل على حجيته، و إلّا فكل ظهور حال لا دليل على حجيته و لو من العقلاء و ظهور مقام النداء في سماع كل من حضر للشراء من هذا القبيل، و اللّه أعلم.

23- قوله (قدّس سرّه): (و ما أبعد ما بينه و بين ما في الكفاية .. إلخ) (1).

ربما يوجه ما في الكفاية من كون الرواية مؤيدة للقاعدة بأنّه مبني على ما استظهره في الحدائق من أنّ حكم الامام (عليه السلام) بأداء الثمن من جهة وقوع إنكار السماع مدالسة، فهي دليل على أنّه لو لا المدالسة كان قول المشتري مقبولا.

و الإنصاف أنّه بناء على الاستظهار المزبور لم تكن الرواية مخالفة للقاعدة، لا أنّها مؤيدة لها، و من المحتمل أن يكون نظر صاحب الكفاية إلى ما أدى اليه نظر المصنف (رحمه اللّه) من كون قول البائع موافقا للظاهر فيوافق قاعدة البينة على المدعي و اليمين على من أنكر، و يحتمل أيضا أن يكون نظره إلى موافقة قول البائع لأصالة عدم الخيار، نعم يتوجه عليه أنّها محكومة بأصالة عدم التبري.

24- قوله (قدّس سرّه): (إمّا بالتزام كفاية تقدم الشرط .. إلخ) (2).

قد مرّ منا في البحث عن خيار المجلس (3) أنّ الشرط الفقهي الذي هو التزام في ضمن الالتزام لا يكاد يتحقق بالتباني عليه، لا لقصور في مقام الإثبات ليجاب بأنّ قرينة الحال نعم الدال، بل لقصور في مقام (4) الثبوت، فإنّ الشرط التزام إنشائي ضمني، و الالتزام السابق وقع لا في ضمن شيء، و البناء و القصد لا يوجب ضمنية ما وقع لا في ضمن شيء، و إلّا لزم الانقلاب، و ليس البناء إنشاء للالتزام الشرطي، فإنّه- مع أنّه ليس هناك إلّا مجرد البناء من دون قول أو فعل ينشأ بهما- فهو خلف أيضا، إذ المفروض كفاية البناء لا حصول إنشاء آخر بعد الإنشاء أولا.

و مما ذكرنا ظهر الفرق بين الالتزام الشرطي و قيود المبيع، فإنّها غير إنشائية،

____________

(1) كتاب المكاسب 265 سطر 1.

(2) كتاب المكاسب 265 سطر 8.

(3) ح 4: 102، تعليقة 56.

(4) هذا هو الصحيح و في الأصل (مقاب).

29

فمجرد ثبوتها لبا عند ارادة البيع مع دلالة حال أو مقال عليها كاف في تقيّد المبيع بها عرفا و شرعا.

لا يقال: لا حاجة في ارتباط الالتزام الشرطي بالبيع إلى وقوعه في ضمن الإنشاء البيعي، بل الغرض ارتباط أحد الالتزامين بالآخر في قبال الالتزام الغير المرتبط، و هو الشرط الابتدائي.

لأنا نقول: لا حاجة إلى الارتباط، إلّا أنّ الارتباط الإنشائي لا يتحقق بمجرد القصد و إن تقوّم بالقصد، بل لا بد من تحقق الارتباط بين الالتزامين الإنشائيين ليكون أحد الالتزامين مرتبطا بالاخر إنشاء لا قصدا و بناء فقط، و لعلنا نستوفي الكلام فيه في بحث الشروط (1) إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّ هذا كله إن كان مدرك تأثير التبري في عدم الخيار رجوع التبري إلى شرط عدم الخيار، و أمّا إن كان مدركه أنّ الخيار من ناحية الالتزام بالصحة و التبري بمعنى عدم الالتزام بصحة المبيع فليس من مقولة الشرط حتى يرد محذور تقدّم الشرط، بل مع التصريح بعدم الالتزام بالصحة قبل العقد لا يبقى وجه لدلالة العقد على الالتزام بالصحة، فلا خيار.

25- قوله (قدّس سرّه): (ثم الحلف هنا على نفي العلم .. إلخ) (2).

لا يخفى عليك أنّ التبري إن كان بمعنى عدم الالتزام بالصحة فهو أمر واقعي يعلم تارة و يجهل اخرى، و إن كان بمعنى الالتزام بعدم الخيار فلا محالة يتقوّم بقبول المشتري، فلا يعقل بلا التفات و علم من المشتري، فلا يبقى نزاع على الوجه الثاني إلّا دعوى الجهل و العلم، فلا حلف إلّا على نفي العلم، و أمّا على الوجه الأول فهو أيضا يكتفي فيه بالحلف على نفي العلم مع عدم التمكن من الحلف بناء (3) على نفي الواقع، حيث إنّ المورد فعل الغير و المشهور الاكتفاء فيه بالحلف على نفي العلم به، و مما ذكرنا تبين أنّ التعليل المذكور في المتن يناسب الوجه الثاني.

____________

(1) تعليقة 52.

(2) كتاب المكاسب 265 سطر 11.

(3) هكذا في الأصل، و الظاهر زيادة لفظ (بناء).

30

26- قوله (قدّس سرّه): (و لو وجد في المعيب عيب .. إلخ) (1).

الظاهر أنّه تكرار لما في المسألة الثالثة من مسائل الاختلاف في المسقط، و لذا ربّما يوجه بأنّ المراد أنّ المبيع كان معيبا و في حال النزاع به عيب يدعي المشتري أنّه ذلك العيب القديم الذي وقع عليه العقد، فالخيار باق، و البائع يدعي أنّ العيب القديم قد زال و هذا عيب حادث عند المشتري فلا خيار، إمّا لزوال الموجب و إمّا لحدوث المسقط (2) لو لم نقل بل زوال العيب القديم مانع من الرد، لكنه خلاف ظاهر العبارة.

ثم إنّ الكلام في الأصل الجاري في الطرفين قد تقدم (3)، إنّما الكلام فيما أفاده (قدّس سرّه) من أصالة عدم وقوع العقد على السليم من هذا العيب، فإنّ وقوع العقد على السليم من هذا العيب لازمه العقلي حدوثه عند المشتري، و أصالة عدم وقوعه على السليم منه ليس نفيا لموضوع الأثر، بل لملزوم موضوع الأثر، فالأصل الصحيح هو أصالة عدم حدوث العيب عند المشتري، فيكون تعبدا بعدم المسقط للخيار.

و منه تعرف أنّه لا مجال لأصالة بقاء الخيار مع ذلك الأصل النافي، كما أنّه لا مجال لتفريع أصالة عدم وقوع العقد على السليم على أصالة بقاء الخيار، و على أصالة عدم السقوط بحدوث العيب عند المشتري، فإنّ كلا منها أصل برأسه، لا معنى لتفريع أصل على أصل، و الأمر سهل.

27- قوله (قدّس سرّه): (يمكن أن يجعل إقراره إنشاء .. إلخ) (4).

ظاهر عبارة الدروس كون إقراره نافذا من حيث إنّه إنشاء للفسخ، لا من حيث إنّه إخبار بالفسخ، حتى يعلل بأنّه من باب قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به، و تحقيق المقام بتنقيح الكلام في موردين:

أحدهما: في نفوذ الإقرار من حيث كونه إنشاء للفسخ فنقول: إن أريد من الإنشاء ما

____________

(1) كتاب المكاسب 265 سطر 13.

(2) هذا هو الصحيح، و في الأصل (أسقط).

(3) تعليقة 20.

(4) كتاب المكاسب 265 سطر 16.

31

يقابل الاخبار الذي هو من وجوه استعمال اللفظ في المعنى ففرض كونه إقرارا- و هو الاخبار عن الفسخ المحقق- يباين فرض الإنشاء الذي به الفسخ يتحقق، كيف و الإنشاء و الاخبار متقابلان، فيستحيل اتصاف الاستعمال بهما؟! و إن أريد من الإنشاء مجرد إيجاد الفسخ، نظرا إلى أنّ تمام حقيقة الفسخ هو عدم الالتزام بالعقد المنكشف بكاشف قولي أو فعلي، و الإقرار بالفسخ يصلح للكشف عن عدم الالتزام بالعقد، فهو مبني على أنّ حل العقد يقابل العقد حتى يكون إنشائيا، و لا يجدي في تحققه مجرد عدم الالتزام واقعا، أو يقابل الإجازة التي هي حقيقة الالتزام بالعقد و إظهار الرضا المتجدد ببقاء العقد، فكما أنّ الإجازة لا تحتاج إلى إنشاء و تسبيب إلى حصول شيء كذلك الفسخ.

و الحق أنّ الفسخ هو حل العقد، فهو مقابل مع العقد تقابلا بالذات، و الإجازة و هي الالتزام بالعقد مقابل لعدمه بالذات، و عليه فتقابل الفسخ للإجازة تقابل بالعرض، لأنّ لازم حل العقد عدم الالتزام بالعقد، لا أنّه عينه، كما أنّ لازم الإجازة هو عدم حل العقد و إبقاؤه على حاله، لا أنّه عينه، و أمّا أنّ الفسخ مع تقابله بالذات للعقد يجب أن يكون إنشائيا تسبيبيا لمجرد المقابلة لأمر تسبيبي فتحقيق حاله موكول إلى مباحث أحكام الخيار، و لعلنا نتكلم (1) فيه إن شاء اللّه تعالى.

ثانيهما: في نفوذ الإقرار من حيث كونه اخبارا عن تحقق الفسخ، فتارة لقاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به، فإنّه المتيقن من موارد القاعدة، لأنّ الفرض عدم انقضاء زمان الخيار، فهو له فعلا إنشاؤه فله الإقرار به، بل يقال إنّ عدوله من الإنشاء إلى الاخبار به مع تمكنه فعلا من إنشائه شاهد عدل على صدق دعواه، و اخرى لقاعدة إقرار العقلاء، نظرا إلى أنّه إقرار بعدم حق الخيار له و إن ترتب عليه استحقاق استرداد الثمن، نظير الإقرار بالطلاق الذي يترتب عليه عدم استحقاق الزوجة للنفقة، و لتفصيل الكلام فيه مقام آخر.

____________

(1) تعليقة 115.

32

28- قوله (قدّس سرّه): (يحتمل أقل الأمرين من الأرش .. إلخ) (1).

لا يخفى عليك أنّ الأرش إذا كان في ذمة البائع كان استحقاق ما يساوي الأرش من زيادة الثمن على القيمة، أو أقل الأمرين من الأرش و زيادة الثمن بحسب الواقع و العلم الإجمالي باستحقاق أحد الأمرين صحيحا، و أمّا إذا كان الأرش غرامة شرعية فمرجعها إلى استحقاق المشتري لتغريم البائع، فلا علم إجمالا بثبوت شيء في ذمة البائع، بل مجرد الاحتمال بالنسبة إلى زيادة الثمن على تقدير التقاصّ فيما يساوي قيمة المبيع، و عليه فمقتضى إقراره بالفسخ- هو الإقرار بعدم استحقاق التغريم- فليس له مطالبة الغرامة.

نعم إذا رجع المدعي للفسخ عن دعواه و صدّق البائع في إنكاره كان له المطالبة بالأرش، إذ لم يثبت من المشتري الإقرار بعدم استحقاق الأرش ليحتمل إسقاط مراده بوجوه (2) لازم الدعوى التي رجع عنها، فتدبر، كما أنّ إنكار البائع ليس إقرارا باستحقاق المشتري للأرش، فتدبر.

29- قوله (قدّس سرّه): (لو اختلفا في تأخر الفسخ عن أول الوقت .. إلخ) (3).

الكلام تارة فيما يقضيه الأصول في الطرفين، و اخرى في أصالة الصحة.

أمّا الكلام في الأصول فنقول: حيث إنّ الفسخ في أول الوقت هو المؤثر شرعا في انحلال العقد فكما أنّ الأصل بقاء زمان الخيار الى حال تحقق الفسخ كذلك الأصل عدم الفسخ في أول الوقت.

و أمّا أصالة بقاء العقد- المذكورة في المتن- فهي ليست في عرض أصالة بقاء زمان الخيار، و لا في عرض أصالة عدم حدوث الفسخ في ذلك الزمان، لأنّ الشك في بقاء العقد مسبب عن الشك فيهما، لكن الظاهر أنّ الفسخ في أول الوقت إنّما يكون له الأثر، و لا أثر للفسخ في غيره، من حيث إنّ إنشاء الفسخ لا يؤثر إلّا إذا كان عن استحقاق و ولاية على الفسخ، و لا ولاية و لا حق إلّا في أوّل الوقت، فأصالة بقاء

____________

(1) كتاب المكاسب 265 سطر 19، و فيه (يحتمل ان يأخذ أقل الأمرين ..)

(2) هكذا في الأصل، و لا يخفى ما فيه.

(3) كتاب المكاسب 265 سطر 21.

33

زمان الخيار إلى زمان الفسخ يوجب التعبد ببقاء الحق حال الفسخ المحقق، و لا حاجة إلى إثبات وقوع الفسخ في تلك الحال، حتى يقال إنّه لا يثبت بالتعبد بنفس بقاء الحق إلّا على الأصل المثبت، و حيث إنّ وقوع الفسخ في أول الوقت بهذا العنوان لا أثر له فليس أصالة عدم حدوث الفسخ في زمان الخيار تعبدا بعدم موضوع الأثر، ليكون تعبدا بعدم الأثر، بل اللازم في تأثير الفسخ الولاية عليه حال تحققه، و هو مما يثبت باستصحاب بقاء زمان الخيار إلى زمان صدور الفسخ، من دون حاجة إلى إثبات وقوعه فيه ليكون الأصل مثبتا، أو يتمسك بأصالة عدم وقوعه فيه، هذه نبذة مما ينبغي أن يقال في هذا المجال.

و أمّا الكلام في أصالة صحة الفسخ: فالإشكال في جريانها في نفسها مع قطع النظر عن مقام التنازع هو ما أشار إليه المصنف (قدّس سرّه) في أواخر كتاب البيع (1) في اختلاف المتبايعين من أنّ مجرى أصالة الصحة ما إذا أحرزت قابلية المحل عقلا و عرفا و شك في تأثيره شرعا، و من الواضح أنّ إنشاء الفسخ بعد انقضاء زمان الخيار لغو في نفسه، إذ لا فسخ ممن لا حق له عقلا و عرفا، نظير ما ذكره (قدّس سرّه) في رجوع المرتهن عن الإذن، فإنّ رجوع المرتهن عن الاذن بعد تصرف الراهن لغو لا أثر له عقلا و لا عرفا، لعدم بقاء المحل لإذنه كي يجدي رجوعه، و قد بينا ما عندنا هناك من أنّ أصالة الصحة التي مدركها بناء العقلاء لا يعقل أن يكون موضوعها البيع العرفي مثلا، بل في كل مورد أحرز أنّ العاقل الشاعر في مقام البيع بإنشاء البيع يبنى على صحته، و إن شك في ما يتقوم به عقلا في شخص هذه المعاملة اتفاقا، حتى مثل قصد التسبب إلى الملكية المنوط به حقيقة العقد، فضلا عن غيره، فراجع (2).

30- قوله (قدّس سرّه): (لا تثبت وقوع الفسخ .. إلخ) (3).

كما لا تثبت وقوع العقد في أوّل الوقت ليترتب عليه ثبوت حق الخيار في حال الفسخ، فالصحيح أصالة بقاء زمان الخيار حال الفسخ المعلوم زمانه كما قدمناه في

____________

(1) كتاب المكاسب 200 سطر 26.

(2) ح 3: 365، تعليقة 278.

(3) كتاب المكاسب 265 سطر 24.

34

مجهول التاريخ (1).

31- قوله (قدّس سرّه): (لو ادّعى المشتري الجهل بالخيار أو بفوريته .. إلخ) (2).

لا يخفى عليك أنّه لا أثر للشارع هنا إلّا بملاحظة الفورية، و إلّا فمع عدمها- سواء كان عالما بالخيار أم جهلا به- فالخيار ثابت (3) واقعا، و مع الالتفات اليه لا مانع من اعماله، فلا معنى للنزاع في الجهل بالخيار بما هو، و عليه فإن كان الخيار بوجوده الواقعي فوريا فلا مجال للنزاع أيضا، إذ مع الالتفات اليه لا خيار على الفرض فلا موقع لأعماله أيضا حتى يتنازع فيه، فينحصر النزاع فيما إذا كان الخيار المعلوم فوريا، بحيث لا فورية له إلّا بعد العلم بأصل الخيار، فلا يبقى نزاع إلّا في الجهل بالخيار، حتى لا يكون فوريا و يبقى مجال اعماله للمشتري.

و أمّا دعوى الجهل بالفورية مع فرض العلم بالخيار- كما هو مقتضى ترديد المتن بين الجهل بالخيار و الجهل بفوريته- فإنّما يعقل إذا أمكن تقيد فورية الخيار بالعلم بفوريته، مع أنّه- كما هو المعروف في نظائره- دور أو خلف محال.

نعم يمكن أن يقال: إنّ فورية الخيار إن كانت بمعنى تقيد الخيار بأول الوقت فكما يقال لا يعقل تقيد الخيار بالعلم به كذلك لا يعقل تقيده بأول الوقت بالعلم بتقيده، و أمّا إن كانت فورية الخيار بمعنى أنّ الخيار المجعول لا قيد له إلّا أنّ الشارع أوجب بعد العلم بالخيار اعماله أو إمضاءه في أول الوقت، و إلّا فلا حق له، فالفورية منتزعة من هذا الإيجاب الخاص، و حينئذ يمكن أن يكون هذا الحكم غير فعلي مع الجهل بواقعة كما في سائر موارد العلم و الجهل بالتكليف، فإنّ إناطة فعليته بوصول الواقع لا يوجب دورا و لا خلفا، و عليه فينبغي ملاحظة مدرك فورية الخيار و أنّ مقتضاها ما ذكرناه أولا أو ما احتملناه ثانيا فراجع (4).

32- قوله (قدّس سرّه): (إن احتمل في حقه الجهل للأصل .. إلخ) (5).

____________

(1) التعليقة السابقة.

(2) كتاب المكاسب 265 سطر 25.

(3) الظاهر انها (ثابت).

(4) ح 4: 336، تعليقة 236.

(5) كتاب المكاسب 265 سطر 25.

35

بأن لا يكون في بلد يعرفون الأحكام حتى لا يكون قوله مخالفا للظاهر، لا بأن يكون في بلد لا يعرفون الأحكام، فإنّ موافقة الظاهر غير لازمة في صيرورته منكرا بعد موافقة قوله للأصل كما هو المفروض، بل مخالفة قوله للظاهر موجبة لكونه مدعيا لا يقبل قوله بيمينه، و منه يعرف ما في عبارة التفصيل المذكور فيما بعد، فإنّ ظاهر الاستثناء لزوم موافقة قول المشتري للظاهر، مع أنّه غير لازم، فالصحيح أن يقال يعذر إلّا إذا نشأ في بلد يعرفون الأحكام، فإنّ قوله حينئذ مخالف للظاهر، فيكون مدعيا لا منكرا، و الأمر سهل لأنّ المقصود معلوم.

بيان ماهية العيب

33- قوله (قدّس سرّه): (أمّا العيب فالظاهر من اللغة و العرف .. إلخ) (1).

توضيح المقام بتنقيح الكلام في أمور:

منها: أنّ المراد بالخلقة الأصلية المعبر بها في كلمات الأصحاب- تبعا لمرسلة السياري (2) الواردة في الباب- ليس ما يتكون خارجا بتكوين اللّه تعالى، فإنّ المتكون من نوع واحد يختلف بالزيادة و النقيصة، فما هو الملاك للأصالة و غلبة الافراد على الفرض كاشفة عن الخلقة الأصلية، و الكلام في تعيينها، و لا مناص من أن يقال إنّ كل نوع من أنواع المخلوقات بلحاظ أول مكون من ذلك النوع الذي هو الأصل لسائر افراده، متقوم بأعضاء خاصة و باجزاء و أوصاف مخصوصة، فما وافق في أصول خلقته ذلك الأصل فهو صحيح تام، و ما نقص عنه أو زاد عليه بما يرغب عنه فهو معيب غير تام.

و هذا قد يعلم من الخارج كما في الإنسان مثلا، و قد يعلم من غلبة افراده على وضع واحد في أصول خلقته، إلّا أنّ هذا الاستكشاف لا ربط له بالكشف عن اقتضاء الماهية المشتركة فيحكم على سائر إفرادها بذلك، و ذلك لأنّ مقتضيات الماهية

____________

(1) كتاب المكاسب 265 سطر 27.

(2) وسائل الشيعة، باب 1 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

36

المشتركة لا يعقل التخلّف عنها، و لذا يشترط في الاستقراء الناقص الموجب للظن بأن [يكون] (1) غير المشاهد من الافراد كالمشاهد منها [في] (2) عدم التخلف و لو في فرد، و إلّا لاستحال حصول الظن بأنّ هذه الخصوصية من مقتضيات الجامع.

و لذا ذكرنا في محله أنّ ملاك افادة الغلبة للظن مغاير لملاك افادة الاستقراء الناقص للظن، فإنّ الغلبة تجامع القطع بمخالفة الأفراد الغالبة للأفراد النادرة دون الاستقراء الناقص، و أنّ مجرد تردد المشكوك في اللحوق بالغالب أو النادر كاف في الظن باللحوق بالغالب، لتقوّي المردد و ترجّحه بالغالب فيظن بأنّه كالغالب لا كالنادر (3).

و منه يتضح ما في المتن من الاستدلال بالإفراد الغالبة على أنّ الجامع كذلك، ثم الحكم به على الفرد المشكوك، و كيفية تطبيق ما نحن فيه على الغلبة أنّ المخلوق بالأصالة يتردد أمره بين أن يكون على طبق الأفراد الغالبة حتى تكون الأفراد النادرة معيبة، أو على طبق الأفراد النادرة حتى تكون الأفراد الغالبة متضمنة لزيادة كمال على المخلوق بالأصالة فيتقوّى الفرد المردد بالغالب، فيظن أنّه كذلك، فافهم جيدا.

منها: أنّ غير واحد من الأصحاب عبّر عن العيب بالخروج عن المجرى الطبيعي العادي، و جعل بعضهم هذه عبارة أخرى عن النقص و الزيادة في أصل الخلقة، و لا يخفى أنّه أوسع من ذلك، فإنّ الخراج على الأرض أجنبي عن الخلقة الأصلية للأرض و مع ذلك فالخراج الثقيل الخارج عن ما جرت العادة عليه في الأراضي عيب عندهم، و كذا كون الأرض محلا لنزول العساكر كما مثلوا به.

و لا يخفى عليك أنّ غلبة الافراد كما يمكن أن تكون كاشفة عن كون الخراج العادي بحسب الوضع الاولي من السلطان هو الثلث و أنّ كونه النصف في بعض الأراضي لخصوصية عارضة فيكون خارجا عن المجرى العادي، كذلك يمكن أن تكون محققة للملاك إذا كان الوضع الاولي في باب قانون الخراج بالإضافة إلى طائفة

____________

(1) اضافة يقتضيها السياق.

(2) اضافة يقتضيها السياق.

(3) هذا هو الصحيح، و في الأصل (كالمنادر).

37

كثيرة من الأراضي بالثلث، و بالنسبة إلى طائفة قليلة منها بالنصف، فلا أصالة لشيء بالإضافة إلى شيء، و لا عادة لشيء بالنسبة إلى شيء، إلّا أنّ الغالب حيث إنّه الثلث فيكون ظاهر الاقدام على ما هو الغالب اقداما على شراء ما يكون خراجه الثلث.

منها: أنّ الاعتبار في خيار العيب بما له من الآثار هل هو على العيب بمعنى خصوص النقص و الزيادة في أصل الخلقة، أو على الأعم منه و من الخروج عن المجرى العادي الذي لا ينبغي الشك في أنّه عيب عرفا؟ و لا يخفى عليك أنّه مع صدق العيب عرفا لا ينبغي الريب في شمول اخبار العيب له إلّا بملاحظة الكلية التي تضمنتها مرسلة السياري و هي قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب .. إلخ) (1) نظرا إلى أنّه في مقام تحديد العيب، فلا حكم شرعا للعيب العرفي فنقول محتملات الكلية ثلاثة:

أحدها: ما هو ظاهرها من أنّ كل ما كان و ثبت في أصل الخلقة من الاجزاء و الأوصاف فزاد ذلك الشيء أو نقص فهو عيب، فينحصر العيب في الزيادة و النقص الخلقي من دون حاجة إلى جعل كان زائدة، و جعل الكلام من باب القلب ليكون معناه أنّ ما زاد أو نقص في الخلقة الأصلية فهو عيب كما توهم.

ثانيها: ما حكي عن بعض المشايخ من جعل الخلقة بمعنى المخلوق، و المعنى كل ما حدث في المخلوق فزاد على أصله أو نقص فهو عيب، فيعم كل زيادة و نقص يوجد في الشيء، و إن لم يكن من اجزائه و صفاته الأصلية، و هو خلاف الظاهر.

و ثالثها: أن يكون الخلقة اسما لمعنى مصدري يراد به ما عليه الشيء من الهيئة و الصفة، فيعم كل نقص أو زيادة على ما هو عليه من الهيئة، و إن كانت عادية لا خلقية و هو أيضا خلاف الظاهر، فإنّ الخلقة و إن كانت للهيئة كالجلسة- بكسر الجيم- لنحو خاص من الجلوس إلّا أنّها لهيئة المخلوقية لا لكل هيئة، و إن كانت عادية عرضية.

و حيث تبين أنّ الظاهر هو المعنى الأول فالأمر في الحصر يدور مدار استفادة التحديد لا مجرد بيان أنّ الزيادة و النقص الخلقي عيب، فإنّه غير مناف لكون الزيادة

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 1 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

38

و النقص اللذين يرغب عنهما من وجه آخر أيضا عيبا، و من البين أنّ لسان التحديد يقتضي جعل العيب موضوعا للقضية، و تعريفه بالزيادة و النقص الخلقي و ليس ما في الكلية كذلك.

مضافا إلى ما ورد في الشرع مما يستكشف منه أنّ العيب شرعا أعم من ذلك، كما في الجارية المدركة التي لا تحيض حيث حكم الامام (عليه السلام) بأنّه عيب (1)، مع أنّ عدم الحيض لا يجب أن يكون لنقص في الخلقة، بل ربما يكون احتباس الدم لعارض مزاجي، و كما في رد الجارية التي وجدها حاملا (2) بناء على أنّها ترد لأجل عيب الحمل، لا لأنّها أم ولد، مع أنّ الحمل ليس من زيادة أو نقص في أصل الخلقة، بل إمّا لكونها في معرض التلف بوضع الحمل، أو لمنع الحمل من استخدامها كما ينبغي، و كما في رد العبد بالإباق (3)، فإنّ الإباق ليس من الزيادة و النقص في الخلقة، فهذه الموارد مما نص شرعا على الرد بها، و لا خيار آخر فيها، فالرد من حيث العيب مع التصريح بكونه عيبا في خبر من لا تحيض، فيعلم منها أنّ العيب الشرعي مساوق للعيب العرفي، و أنّ الكلية ليست إلّا لبيان العيب لا لتحديده كما عرفت.

منها: بعد ما عرفت من التوسعة في دائرة العيب فتارة يلاحظ الصحة و العيب بمقتضى الحقيقة الأصلية الأولية، و بمقتضى الحقيقة العادية الثانوية بالإضافة إلى جهتين، فلكل من الجهتين حكمها، مثلا ربما تكون الأرض سبخة غير قابلة للزرع لكنها خراجية على العادة و المتعارف، و ربما تكون غير سبخة و لا ذات نقص في نفسها لكنها ثقيلة الخراج فلا تزاحم في الملاكين، بل في الأول يحكم بالعيب كما في الثاني، إذ لا يجب أن يكون الشيء معيبا من جميع الوجوه، بل إذا كان صحيحا من ألف جهة و معيبا من جهة جرى عليه حكم العيب.

و اخرى تلاحظ الصحة و العيب خلقة و عادة بالإضافة إلى جهة واحدة، كما إذا كانت الأمة ثيبة و جرت العادة على المعاملة معها معاملة البكر ففيها نقص خلقي،

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 3 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

(2) وسائل الشيعة، باب 5 من أبواب أحكام العيوب، ح 1، 5، 6، و غيرهم.

(3) وسائل الشيعة، باب 2 من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

39

و تمامية عادية من جهة واحدة، و كما إذا كان العبد الكبير أغلف، فإنّه تام من حيث الخلقة لكنه حيث جرت العادة على الختان فيعامل معه معاملة المعيب، فيرون الغلفة زيادة، و هذا مورد مزاحمة الملاكين المعبر عنها في المتن بتعارض مقتضي الحقيقة الأولية و الثانوية، و عليه فنقول:

حيث إنّ العادة العرفية في طول الخلقة الأصلية فعليها المدار في المعاملة الفعلية بحسب الأغراض النوعية العقلائية، إلّا أنّ الكلام في أنّ العيبية و عدمها موضوعية أو حكمية بمعنى أنّ الثيبوبة في الكبار من الإماء ليست عيبا حقيقة عرفا، أو أنّها لشيوعها لا يترتب عليها أثر العيب.

وجه الأول: أنّ مطلق النقص الخلقي و الزيادة الخلقية ليس بعيب، بل إذا كان مرغوبا عنه، مثلا الختان نقص عن الخلقة الأصلية مع أنّه كمال يرغب فيه، لا أنّه يرغب عنه، و زيادة شعر الحواجب و أشفار العين كمال يرغب فيه، لا أنّه يرغب عنه، و عليه فالثيبوبة في الكبار من الإماء ليست نقصا مرغوبا عنه، كما أنّ الغلفة في الكبار من العبيد و إن كانت موافقة لأصول الخلقة لكنها زيادة يرغب عنها، و لا حقيقة للعيب العرفي إلّا النقص و الزيادة المرغوب عنهما بحسب الطباع.

و وجه الثاني: أنّ شيوع النقص المنفر لا يخرجه عن كونه في نفسه مرغوبا عنه، و أمّا جري العادة فتارة عن اقتضاء لغرض نوعي عقلائي كأصل الخراج على الأرض، فإنّه لا يعد عيبا، فإنّه مما له دخل في انتظام البلاد و العباد، و الزيادة عليه عيب، و أخرى لعدم غرض نوعي عقلائي، بل لمكان اللابدية كجري العادة على شراء الإماء مع نقص الثيبوبة غالبا، فإنّ مثل هذه العادة لا تخرج النقص عن كونه عيبا، إلّا أنّه كما أنّ غلبة السلامة توجب كون الاقدام على الشراء اقداما على شراء الصحيح- بما هو- فيكون التزاما ضمنيّا بالصحة، كذلك مع غلبة النقص يكون الاقدام على شرائه إقداما على شراء الناقص فيكون بمنزلة التبري عن نقصه.

نعم إن كانت حقيقة التبري تتحقق بمجرد عدم الالتزام بالصحة فكونه تبريا واضح، و إن كانت حقيقته الالتزام بعدم الخيار فرجوع الأمر إلى التبري غير واضح، إذ

40

لا توجب غلبة النقص إلّا عدم الالتزام بالسلامة.

و فيه: أنّها توجب أزيد من ذلك، و هو الاقدام على شراء المعيب، لا مجرد عدم الاقدام على الصحيح، و مع الاقدام على شراء المعيب لا خيار كما تقدم مع ما يتعلق به من النقض و الإبرام، إلّا أنّه غير التبري بمعنى شرط عدم الخيار فراجع (1) ما قدمناه في البحث عن التبري.

منها: أنّ الثيبوبة التي قد عرفت أنّها ليست بعيب موضوعا تارة، و لا حكم لها اخرى رتب عليها ثمرة في كلام المصنف (قدّس سرّه)، و هي أنّه بناء على أنّها ليست بعيب حقيقة إذا اشترط المشتري على البائع بكارة الجارية فظهرت ثيبة لا خيار له إلّا خيار تخلّف الشرط، بخلاف ما إذا كانت حقيقة عيبا و لمكان شيوعها لا حكم لها، فإنّ الغلبة تحقق ما هو بمنزلة التبري المانع عن تأثير العيب أو الإقدام على شراء المعيب الذي معه لا ملاك للخيار، و مع اشتراط البكارة لا تبري من العيب، و لا اقدام على شراء المعيب فلا مانع عن تأثير العيب، فيؤثر المقتضي أثره الخاص، و هو التخيير بين الرد و الأرش.

و لا يخفى عليك أنّ المقتضي للخيار إن كان هو الالتزام الضمني بوصف الصحة و كان خيار العيب على القاعدة لا تعبدا محضا فشرط البكارة لا يزيل المانع عن الالتزام الضمني، كيف، و الالتزام ضمني بالصحة على ما هو المفروض من غلبة الثيبوبة، و لا يعقل أن يكون محققا للالتزام الضمني أيضا، بل هو التزام صريح بوصف الصحة، فإذا كان الالتزام بوصف الصحة بالخصوص مقتضيا لهذا الخيار المخصوص فصريحه أولى من الضمني، و لا يقاس باشتراط البكارة على الوجه الآخر، فإنّ المفروض فيه أنّ الثيبوبة ليست عيبا حقيقة، فاشتراط البكارة اشتراط وصف كمال لا وصف الصحة في قبال العيب.

و إن كان المقتضي للخيار هو العيب و التبري مانع فقد مرّ (2) أنّ المقتضي في مقام الإثبات بحسب اخبار الخيار متقوّم بعدم التبري، و عدم العلم بالعيب، فمع أحد

____________

(1) ح 4 تعليقة 362.

(2) ح 4 تعليقة 362.

41

الأمرين من التبري و ما بمنزلته أو العلم به لا مقتضي للخيار، و شرط الصحة لا يحقق المقتضي، فليس هناك عنوان المانعية ليكون الشرط مزيلا للمانع، و لا المقتضي موجود، و لا شرط الوصف محقق له على هذا الفرض.

و إن كان المدرك و المقتضي قاعدة الضرر فالشرط و إن كان مانعا عن الاقدام على الضرر فيستند الضرر إلى الشرع، إلّا أنا بيّنا غير مرة أنّ قاعدة الضرر لا تقتضي إلّا رفع اللزوم الضرري، لا حق الخيار، فضلا عن الأرش، و عليه فلا فرق بين خيار تخلّف الشرط و خيار العيب المستند إلى قاعدة الضرر، فافهم و تدبر.

منها: أنّ العيب هل هو مطلق النقص و الزيادة خلقة و عادة أو خصوص النقص للمالية، حتى لا يكون الخصاء عيبا مع كونه من النقص الخلقي لعدم النقص المالي، بل ربما يزيد ماليته، و ينبغي تقديم أمرين حتى يتضح حقيقة الحال:

أحدهما: أنّه لا ريب في تقابل الصحة و العيب، و من البيّن أنّ الصحة هي التمامية من حيث أصول الخلقة أو من حيث العادة أيضا، و لا يعتبر فيها المساواة في المالية مع شيء حتى يكون مقابلها- و هو العيب- متقوما بالنقص المالي، مع أنّه لو زيدت مالية الناقص على التام كما في الخصي خرج عن كونه صحيحا و معيبا، إذ ليس بصحيح للنقص الخلقي، و لا بمعيب لزيادة المالية، و لا يمكن أن يجعل المدار على الزيادة و النقص من حيث المالية فقط، و إلّا لكان الأشياء المختلفة من حيث المالية بعضها صحيحا بالنسبة إلى الآخر و بعضها معيبا و إن لم يتفقا في النوعية.

ثانيهما: أنّ المعاملات المالية مشتملة على غرضين نوعيين عقلائيين.

الأول: من حيث اقامة مال مقام مال بحيث يسد أحدهما مسد الآخر، فإذا تبيّن خلافه- كما في الغبن- فقد تخلّف هذا الغرض النوعي المعاملي فله خيار الغبن.

و الثاني: من حيث عنوان المبيع الذي يترقب منه انتفاعات مخصوصة لنوع المعاملين، فإنّ الغرض من كل عين لها عنوان خاص انتفاع مخصوص، فمع وجود نقص فيه يتطرق الخلل في ذلك الانتفاع المقصود، و هذا ملاك خيار العيب، فالعين المشتراة بأقل من ثمن المثل إذا كان معيبا لم يتخلّف فيها الغرض النوعي المالي،

42

و انما تخلّف عنه الغرض الآخر المترتب على الصحيح، فالرد لتدارك هذا الغرض النوعي، كما أنّ الأرش لتدارك الغرض الشخصي المتعلق بشراء الصحيح بقيمة نازلة، فمع تساوي الصحيح و المعيب في المالية أو زيادة العيب لم يتخلّف الغرض المقتضي للأرش، لا أنّه لم يتخلّف الغرض النوعي المترتب على الصحيح.

إذا عرفت ذلك تعرف: أنّ العيب بلحاظ النقص الخلقي أو العادي في قبال التمامية المترتب عليها الغرض النوعي المعاملي، فالعبد الخصي معيب من الوجهين، أمّا النقص الخلقي فواضح، و أمّا عدم ترتب الغرض المعاملي المترقب من العبد الغير الخصي فكذلك لعدم الانتفاع بفحوليته، و لا بتحميل بعض الخدمات الشاقة، و ليس الصحيح، عنوانا لما يساوي مالية الصحيح، حتى يقال إنّ الخصي مساو في المالية مع غيره، بل ربما يزيد عليه.

و يمكن أن يقال: بناء على تقوّم المعيب بالنقص المالي- إنّ الظاهر هو النقص من حيث ماليته في نفسه، أي بملاحظة الجهة العامة الملحوظة في الانتفاع به، لا بلحاظ الجهة العارضة الموجبة لزيادة قيمته عند أشخاص خاصة.

توضيحه: أنّ مالية كل شيء في حد نفسه تنتزع من رغبة النوع و ميلهم إليه في مقام المعاملة و نحوها، و رغبة النوع بملاحظة ما يترقب من كل شيء من وجوه الانتفاعات العامة، فمالية الجارية بما هي أمة بلحاظ جهة الانتفاع العمومي باستخدامها في الخدمات المتعارفة و وطيها، و كونها مغنية أو رقاصة ليست من الجهات العامة الملحوظة في مقام تقدير ماليتها، و إنّما تكون ملحوظة لأشخاص خاصة يبذلون بإزائها ما لا يبذلون بإزاء فاقدة تلك الجهة، و كالعبد فإنّه- بما هو عبد- يرغب فيه بما له من المنافع الخاصة، و أمّا الانتفاع بالخصي فهي جهة ملحوظة للامراء و السلاطين، لا من الجهات العامة التي تدور عليها المعاملات، و لذا لو غصب العبد غاصب و جعله خصيا يضمن هذا النقص، و ما يتفاوت به مالية التام و الناقص.

و لا يتوهم متوهم أنّه لا يضمن شيئا، لزيادة المالية بتنقيصه، بل كما عن المحقق

43

الأردبيلي (قدّس سرّه) (1) على ما حكي عنه أنّ هذه الزيادة مما أسقطها الشرع، و تقريبه: أنّ المنفعة المقصودة من الخصي ليست إلّا دخوله على النساء مع الأمن منه، و إذا كان ذلك محرما لكونه غير محرم كان بذل المال بإزاء الخصي من حيث المنفعة الخاصة أكلا للمال بالباطل، فيكون كالجارية المغنية إذا بذل المال بإزائها من حيث صفتها الخاصة.

و بناء على ما ذكرنا فكما أنّ هذا النقص الخلقي عيب يقتضي الرد كذلك يقتضي الأرش، لأنّ الخصى مع قطع النظر عن تلك المنفعة الخاصة به أنقص مالية من غير الخصي، فافهم و تدبر.

منها: أنّ العيب لو كان منحصرا في النقص خلقة و عادة و مالية لأمكن القول بالخيار و استحقاق الرد في النقص الغير المالي أيضا، بملاحظة غلبة السلامة من النقص الخلقي الموجبة لظهور الاقدام على شراء السالم من النقص الخلقي، فيستحق الرد في شراء العبد الخصي، و إن لم يستحق الأرش من حيث عدم النقص المالي.

و يمكن أن يقال: كما أنّ الغالب في الأعيان سلامتها من النقص الخلقي كذلك الغالب في النقص الخلقي كونه ناقصا من حيث المالية، و مقتضاه الاقدام على شراء السالم من النقص المنقص للمالية، فلا يكون الخصي خارجا عن مورد الاقدام.

و أمّا ما يورد عليه من أنّ كل غلبة لا توجب صرف الاقدام إلى ما هو الغالب، و إلّا لزم صرف الاقدام على شراء العبد الى العبد الكاتب إذا كانت الكتابة غالبة، مع أنّ القوم لا يلتزمون بذلك.

فيمكن دفعه: بأنّ الغلبة إذا كانت طبيعية كما في سلامة الأعيان من الخروج عما هي عليه فالأمر كما مرّ، بخلاف ما إذا كانت الغلبة اتفاقية كغلبة الكتابة في العبيد فإنّها لا عبرة بها، فتدبر.

منها: في ثمرة القول بكون النقص الخلقي فقط عيبا، و القول بانصراف العقد إلى

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 8: 423.

44

السالم من النقص المزبور و إن لم يكن عيبا فإنّ الخيار على الأول خيار العيب و على الثاني خيار تخلّف الشرط الضمني، و ما ذكره (قدّس سرّه) ثمرتان:

إحداهما: طرو موانع الرد بالعيب فإنّه مسقط للخيار إن كان للعيب، و غير مسقط له إن كان للشرط الضمني، و هذه الثمرة إنّما تصح مع إطلاق المانعية حتى فيما لم يكن فيه أرش، و أمّا مع اختصاصها بصورة ثبوت الأرش فلا ثمرة بين القولين، إذ المفروض عدم النقص المالي فلا أرش، و مع عدم الأرش فالرد باق على حاله، لعدم المانع عنه على الفرض، و قد تقدّم الكلام فيها.

ثانيتهما: بناء على كون النقص المزبور عيبا- فكما أنّ ثبوته حال العقد موجب للخيار كذلك حدوثه قبل القبض أو في زمن الخيار، لما سيأتي (1) إن شاء اللّه تعالى أنّ تلف وصف المبيع قبل القبض و في زمان الخيار على حد تلف الموصوف فيهما موجب للخيار، و أمّا بناء على عدم كونه عيبا فالمسلّم ثبوت خيار تخلّف الشرط، و أمّا ثبوت الخيار بفقد كل وصف مشروط قبل القبض أو في زمان الخيار فلا دليل عليه، فإنّ الظاهر أنّ تلف المبيع ذاتا و جزء و وصفا موجب للخيار، لا تلف ما هو غير داخل في عنوان المبيع و إن وقع موقع التزام آخر غير الالتزام البيعي.

و فيه: أنّ تلف ما التزم به البائع- بما هو- أجنبي عن تلف المبيع، و أمّا تلف ما هو من شؤون المبيع و أوصافه سواء كان أخذه في المبيع بعنوان التوصيف أو بعنوان الشرط فهو داخل في تلف المبيع بناء على أنّ المراد تلف المبيع ذاتا أو جزء أو وصفا كما هو المفروض.

بيان بعض افراد العيب

هل حمل الجارية عيب

34- قوله (قدّس سرّه): (الحبل عيب في الإماء .. إلخ) (2)

توضيح الكلام برسم أمور في المقام:

____________

(1) تعليقة 149.

(2) كتاب المكاسب 267 سطر 23.

45

منها: أنّ الحمل بما هو أو بالعرض عيب أم لا؟

أمّا الحمل بما هو هو فليس نقصا في خلقة الحامل و لا زيادة في أصول خلقته، بل أمر خارج معه لا فيه، و لا موجبا لخروج الأمة عن مجراها العادي و الطبيعي، حتى يكون عيبا بالمعنى الأعم حيث لا عادة على عدم كون الأمة ذات حمل، ليكون الحمل خروجا عن العادة.

و أمّا كونه عيبا بالعرض فباعتبار أحد أمور تكون هي عيوبا بالحقيقة:

الأول: كون الحامل في معرض الخطر بالوضع، و الكلام عائد في أنّ المعرضية مع عدم النقص خلقة و عادة لما ذا تعد عيبا حتى يتصف الحمل بسببه بالعيب؟ فإنّ المعرضية و إن كانت موجبة لنقص المالية و قلة بذل المال بإزائه، بل ربما يبلغ إلى حد لا يبذل بإزائه شيء، إلّا أنّه اناطة المالية أو كثرتها و قلتها بشيء أجنبية عن العيب، فإنّ العيب و إن قيل بتقوّمه بالنقص المالي إلّا أنّه غير متمحض فيه، فليس كل ما يوجب نقص المالية عيبا، بل العيب منقص للمالية، و حيث إنّ المعرضية تجامع حصول جميع الانتفاعات المترقبة.

فلا يتوهم أنّ النقص الموجب لخلل في الانتفاعات المترقبة إذا كان عيبا فمعرضية المنتفع بها للتلف أولى بأن يكون عيبا، لما عرفت أنّ الغرض النوعي المعاملي المتوجه نحو الانتفاعات المرغوبة حاصل مع المعرضية فعلا، فلا مجال للقياس فضلا عن الأولوية إلّا بلحاظ أصل المالية، هذا إلّا أنّه بعد فرض المعرضية عيبا فلا يتدارك بكون الحمل للمشتري، لأنّ تدارك الحامل بمالية الحمل فرع بقاء وجوده الناقص، مع أنّ الأصل و الفرع كلاهما في معرض الخطر.

و أمّا ما في المتن من أنّ الحمل إذا كان للمشتري فالأمر أوضح، فباعتبار زيادة الضرر أصلا و فرعا، إلّا أنّه إنّما يكون كذلك إذا كان الثمن بإزائهما معا، لا بإزاء الأصل و الفرع تابع كما هو المفروض في كلام القائلين بأنّ الحمل للمشتري.

الثاني: أنّ الحمل مانع عن الاستيلاد، و هو متين إذا أريد منه طلب الولد لنفسه لا طلب المملوك و لو بتزويجه ممن يلتزم برقبة الولد، فإنّ هذه المنفعة حاصله إذا كان

46

الحمل للمشتري.

الثالث: عدم الاستفادة التامة من الحامل باستخدامها في الأعمال الشاقة، بل بوطيها أيضا، نعم إذا كان الغرض الانتفاع بمالية خدماتها و لو بإجارتها أمكن أن يقال بتداركها بمالية الحمل إذا كان للمشتري، هذا.

و المعروف- بل ادعى عليه الإجماع- أنّ الحمل عيب في الإماء، و يدل عليه في الجملة اخبار (1) رد الجارية الحبلى، حيث لا موجب له إلّا عيب الحمل كما فهمه الأصحاب، بل قيل إنّ الحمل أعظم عيب فيها، و لذا لا يجوز رد الجارية بعد وطيها و لو قبل العلم بعيبها، بخلاف الجارية الحبلى فإنّه يجوز ردها حتى بعد الوطي، لئلا يقع المشتري في ضرر إمساك الحامل، فعيب الحمل فيها أعظم من غيره من العيوب.

منها: هل الحمل في البهيمة كالحمل في الأمة عيب أم لا؟

أمّا كونه عيبا شرعا فلا دليل عليه كما دل على رد الجارية الحبلى بعيب الحمل، و أمّا المعرضية للخطر فالغالب عدمها في البهائم، و أمّا الاستنتاج منها فيدور مدار كون الحمل للمشتري فالنتيجة حاصله، أو للبائع فتفوت معه هذه المنفعة، و أمّا لزوم الخلل في الانتفاعات الأخر فهو غير معلوم في البهائم، خصوصا مع تداركها بمالية الحمل، و إن كان الأظهر اختلاف الحكم باختلاف الحيوانات و المقامات.

منها: أنّه هل [هناك] فرق بين الحمل عند البائع و الحمل عند المشتري؟ بأن يكون الأول عيبا يرد به الحامل، و الثاني لا يكون عيبا فلا يمنع من الرد بالعيب القديم، بل يدور مدار حصول النقص بالوضع و عدمه كما يوهمه بعض الكلمات، فلذا صار معرضا لاعتراض المصنف (قدّس سرّه)، بدعوى أنّ الحمل في الأمة إن كان عيبا فيرد به الحامل و يمنع عن ردها إذا حدث عند المشتري، و إن لم يكن عيبا فلا يرد به و لا يمنع من الرد، مضافا إلى أنّ زوال العيب لا يوجب سقوط المانع عن المانعية، فما الوجه في دوران الرد مدار النقص بالوضع.

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 5 من أبواب أحكام العيوب.

47

و يمكن أن يقال: إنّ الحمل في الأمة عيب، إلّا أنّ عدم الحكم بمانعية الحمل الحادث عند المشتري ليس من حيث عدم كون الحمل عيبا ليكون منافيا للرد بعيب الحمل عند البائع، بل لدوران المانعية عن الرد- كما هو مقتضى المرسلة التي هي المستند إليها (1) في هذا الحكم- مدار حصول التغيّر و خروج الشيء عن كونه قائما بعينه، لا مدار عنوان العيب، و من الواضح أنّ الجارية قائمة بعينها من دون نقص فيها و لا زيادة فيها، و الحمل زيادة معها كالمتاع المحمول، نعم إن حصل فيها نقص بسبب الحمل أو بسبب وضعه كان المانع ذلك النقص الذي هو موجب لعدم قيام المبيع بعينه، فلا منافاة بين الحكمين، و لا دخل له بمسألة زوال المانع.

نعم ربما نقول: بعدم الرد ما دام الحمل، لا لحصول التغير، بل لأنّ البائع له الامتناع من وضع اليد على مال الغير، و هو الحمل الذي هو للمشتري بمقتضى انعقاده في ملكه، و هذا غير موانع الرد بالعيب ليدخل تحت عنوان زوال المانع الحادث.

هل الثيبوبة عيب

35- قوله (قدّس سرّه): (الأكثر على أنّ الثيبوبة ليست عيبا .. إلخ) (2).

قد استدل لذلك كما في [المتن] (3) بوجهين:

أحدهما: أنّ الثيبوبة حيث كانت غالبة في الإماء فهي بمنزلة الخلقة الأصلية، و ظاهر قوله (بمنزلة الخلقة الأصلية) كون الغلبة محققة للحقيقة العادية الثانوية، فلذا كانت بمنزلة الخلقة الأصلية، لا أنّها كاشفة عن الخلقة الأصلية، حتى يورد عليه- كما في المتن- بأنّ الكاشفية هنا بعد معلومية مقتضى الخلقة الأصلية غير معقولة.

و قد تقدم (4) أنّ الغلبة لا بد من أن تكون محققة للحقيقة الثانوية حتى يتصور التعارض بين الحقيقة الأصلية الأولية و الحقيقة العرضية الثانوية، و إلّا فلا معنى

____________

(1) لو حذفت (إليها) لكانت العبارة أقوى سبكا.

(2) كتاب المكاسب 268 سطر 16.

(3) سقط في الأصل، يحتمل انها لفظة المتن.

(4) تعليقة 33.

48

للتعارض بين الكاشف و المنكشف، كما تقدم (1) منا الوجه في عدم كون الثيبوبة عيبا موضوعا حقيقة، كما مرّ من أنّ كل نقص و زيادة ليس عيبا، بل إذا كان مما يرغب عنهما، و إذا كانت الثيبوبة لغلبتها بحيث لا يرغب عنها فلا محالة ليست عيبا حقيقة.

بل المظنون كما عليه جماعة من الأجلاء أنّ البكارة صفة كمال، و أنّ الثيبوبة عدم كمال، لا أنّها عيب، و الكامل و غيره يتفاوت فيهما الرغبات، و يختلفان من حيث المالية، فليس التفاوت من الوجهين ميزانا للصحة و العيب، إذ الظاهر من الزيادة و النقص الخلقيين المنوط بهما العيب المقابل للصحة ما كان في أصول الخلقة المبنية عادة على الثبات و الدوام، لا مثل البكارة و الغلفة اللتين هما غير مبنيين على الاستمرار.

ثانيهما: رواية سماعة (عن رجل باع جارية على أنّها جارية بكر فلم نجدها كذلك؟

قال: لا ترد عليه، و لا يجب عليه شيء، إنّه قد يكون يذهب في حال مرض أو أمر يصيبها) (2).

و تقريبها: أنّ الثيبوبة لو كانت عيبا لما حكم (عليه السلام) بعدم الرد و الأرش، سواء كان قوله (على أنّها جارية بكر .. إلخ) بمعنى الشرطية أو بمعنى البناء و الزعم الخارجي، إذ العيب لا يدور مدار خطأ الزعم و البناء أو تخلف الشرط و عدمهما، و زوال البكارة بأحد أسبابه- كما هو مقتضى التعليل- لا يمنع عن صدق العيب، إذ لو كانت الثيبوبة في نفسها عيبا فلا يعقل اختلاف الصدق باختلاف الأسباب.

و ما أفاده في المتن من عدم تخلّف الشرط فغايته عدم الخيار من ناحية تخلّف الشرط، و أمّا الخيار من ناحية العيب فلا موجب لنفيه إلّا انتفاء موضوعه و هو العيب.

و التحقيق: أنّ زوال البكارة بما هو ليس عيبا، بل إذا كان بنحو يوجب النفرة، و مقتضى التعليل أيضا ذلك فإنّه إذا كان لمرض أصابها فانفتق أو لنزوة و نحوهما فإنّه لا موجب للنفرة و الرغبة عنها، بخلاف ما إذا كان عن فجور أو بعل في خفاء عن

____________

(1) تعليقة 33.

(2) وسائل الشيعة، باب 6 من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

49

أوليائها فإنّه موجب للعيب و العار، و المظنون بلحاظ التعليل [من] (1) الامام (عليه السلام) أنّ السؤال بلحاظ تدليس البائع ببيعها بعنوان البكر مع أنّها غير بكر، فأجاب (عليه السلام) بأنّ زوال البكارة ربّما يكون لأمر غير منفر، فلا يتعين التدليس و لا العيب و النقص المنفر، فيؤكد هذا التعليل ما ذكرنا من أنّ البكارة كمال و عدمها- بما هو- عدم كمال، إلّا إذا كان على وجه منفر، و عليه فالمراد من قوله (باع جارية على أنّها جارية بكر) أنّه باعها بانيا على ذلك، لا مشترطا للمشتري ليقال بأنّ التخلف موجب للخيار و إن لم يكن عيبا.

و ما ذكره (رحمه اللّه) من ان الشرط لم يتخلف لان المشروط هو عدم زوال البكارة بالوطء فهو خلاف الظاهر، بل الاولى جعل أصل العيب دائرا مداره، و إلّا فقد عرفت أنّ حكم العيب لا يختلف باختلاف أسبابه أو بالاشتراط و عدمه.

و أمّا ما في رواية يونس (2) من إثبات حكم العيب من الأرش فيمكن الجواب عنها بأنّه من أجل اشتراط المشتري، و الخيار لتخلف الشرط، و ثبوت الأرش في شرط الوصف المالي بعد ورود النص و فتوى جماعة من الأساطين لا بأس به، و الفرق بين الروايتين بحمل قوله (على أنّها .. إلخ) على البناء تارة، و على الاشتراط اخرى بسبب قرينة التعليل في الأولى دون الثانية.

هل عدم الختان عيب

36- قوله (قدّس سرّه): (من جملة العيوب عدم الختان .. إلخ) (3).

لا يخفى أنّ الختان مع أنّه نقص خلقي فهو كمال، و عدم الختان- الذي يوافق أصول الخلقة- عدم كمال لا زيادة على أصول الخلقة، و لا زيادة مرغوب عنها عند العقلاء، كيف و تشريع الختان على ما هو المعروف من الخليل (عليه السلام)، نعم حيث إنّ

____________

(1) هذا هو الصحيح، و في الأصل (عن).

(2) وسائل الشيعة، باب 6 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

(3) كتاب المكاسب 268 سطر 33.

50

العادة الدينية جرت على الختان فعدمه في الكبير عيب عادي، إلّا أنّه بحسب الدقة ليس بنفسه عيبا أيضا، لأنّ وجوب الختان لا يوجب كون عدمه عيبا منفرا مرغوبا عنه، بل من حيث المعرضية للخطر إذا كان الختان في حال الكبر، فتدبر.

و بملاحظة ما ذكرنا تعرف عدم الفرق بين المجلوب من بلاد الشرك و غيره، فإنّ المعرضية لا يتفاوت بذلك، و إن تفاوتت العادات بذلك، نعم حيث أنّ الغالب في المجلوب من بلاد الشرك كونه أغلف فمع العلم بجلبه من بلاد الشرك يظن بأنّه أغلف، فالإقدام على شرائه اقدام على المعيب، فتدبر.

هل عدم الحيض عيب

37- قوله (قدّس سرّه): (عدم الحيض ممن شأنها الحيض .. إلخ) (1).

لا يخفى عليك أنّ دم الحيض فضلة لا بد من خروجها في كل شهر، و عدمه تارة لاستقامة في الطبيعة و اعتدال تام في الدم بحيث لا يزيد على ما تحتاج اليه المرأة في تغذية الولد قبل الولادة و بعدها، و هو كمال في المرأة، و لذا عد مثله من خصائص الصديقة الطاهرة (سلام اللّه عليها)، و لأجله لقبت بالبتول فإنّها التي لا ترى الحمرة كما في الخبر، بل الظاهر أنّ ذلك جار في سائر بنات الأنبياء (سلام اللّه عليهم) و أخرى لمرض داخلي أوجب احتباس الدم، فعدم الحيض بهذا الاعتبار من العيوب، و ثالثة لعارض خارجي من شرب دواء أو نوع غذاء أوجب الاحتباس، و هو بنفسه ليس من العيوب، و مورد الرواية كما هو الظاهر هي الصورة الثانية، لعدم مقتض لتلك المرتبة من الكمال، و لعدم فرض استعمال دواء أو غذاء مخصوص.

نعم في الرواية محذوران:

أحدهما: أنّ ظاهر قول السائل (فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر ..

الخبر) (2) أنّ الانقطاع حدث عنده بعد العقد، و مثله من العيوب الحادثة عند

____________

(1) كتاب المكاسب 269 سطر 3.

(2) وسائل الشيعة، باب 3 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

51

المشتري لا يوجب خيارا، بل ربّما يدعي مجامعة هذا الفرض مع فرض العلم بحيضها عند البائع، و بمثله يورد على كلمات الأساطين المقيدة بمضي ستة أشهر تبعا للنص، لا لخصوصية في الموضوع.

و يندفع: بأنّ فرض ستة أشهر في كلام السائل لدفع هذا التوهم، حيث إنّ الانقطاع في شهر أو شهرين يمكن أن يكون لعارض من ريح و نحوه حادث عند المشتري، فلذا ذكر مضي ستة أشهر ليكون كاشفا قطعيا عادة عن كونه عن سبق مرض داخلي قبل العقد، فالعبرة به (1) لا بمضي ستة أشهر عند المشتري.

ثانيهما: أنّ التصرف في المعيب مسقط الخيار، و من البعيد جدا عدم التصرف في مدة ستة أشهر، فكيف حكم عليها بالرد؟! و حمله على الحكم الاقتضائي و أنّه بمثله ترد الجارية، لا أنّها ترد فعلا و على كل تقدير بعيد أيضا، فلا بد إمّا من تخصيص تلك الكلية بهذه الرواية- و هي صحيحة معمول بها- أو تخصيص عموم مسقطية الرضا بالرضا بعد ظهور العيب، و اللّه أعلم.

38- قوله (قدّس سرّه): (الإباق عيب بلا إشكال (2) .. إلخ).

قيل الإباق أصله الهرب من المولى لا مطلق الفرار، و أنّ قوله تعالى في حق يونس (عليه السلام) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (3) أيضا باعتبار أنّ فراره من قومه كان بغير اذن ربه، فحسن إطلاق الإباق عليه، فكأنّه أبق من مولاه.

و لا يخفى أيضا أنّ مطلق الفرار من المولى- و لو للفرار من ظلمه- ليس إباقا، فضلا عما إذا غاب عنه لمصلحة تعود إلى العبد، بل الإباق هو الفرار بعنوان التمرد و الخروج عن سلطان المولى، و مقتضى تحقق النسبة و لو بفعله مرة واحدة تحقق الإباق بلا حاجة إلى التكرار، إذ ليس المبدأ من المبادئ المتضمنة للملكة و نحوها حتى يتوقف صدق المشتق منه على صيرورته عادة و خلقا له، إلّا أنّ الرواية الآتية المتضمنة لكونه موجبا للرد أخذ فيها الإباق بالعنوان الوصفي، حيث قال (عليه السلام): (إلّا أن

____________

(1) هذا هو الصحيح، و في الأصل (فيه).

(2) كتاب المكاسب 269 سطر 7.

(3) الصافات، الآية 140.

52

يقيم البينة على انه كان آبقا عنده) (1) و صدق الوصف في مثله عرفا يتوقف على نحو ثبات و استقرار لا يتحققان بلا تكرار، إلّا أنّ الظاهر عرفا أنّ الفرار في يوم أو يومين لا يعد اباقا، بخلاف ما إذا فرّ من مولاه شهرا أو أكثر فإنّه يصدق الإباق مع أنّه مرة واحدة.

و أمّا كونه عيبا عرفا ففي الجواهر (2) أنّه بحكم التالف، و أنّه أبلغ من السرقة لغيره، فإنّه سرقة لنفسه.

و كلاهما لا يخلو عن مناقشة، أمّا أنّه بحكم التالف فهو يصح في الإباق الفعلي، و أنّ بيع الآبق بالفعل بيع ما هو بحكم التالف، دون ما إذا أبق عند البائع فباعه بعد قبضه و إقباضه للمشتري، نعم إذا كان الوصف خلقا و عادة له كان العبد في معرض كونه بحكم التالف، و هو على فرض صحته أخص من المدعى.

و أمّا أنّه أبلغ من السرقة فوجه اعتباري محض، و لذا لا يترتب عليه أحكام السرقة، بل السند للرد بالإباق ما في صحيح أبي همام أنّ محمد بن علي قال:

للرضا (عليه السلام) (الإباق من احداث السنة؟ قال: ليس الإباق من هذا إلّا أن يقيم البينة على انه كان آبقا عنده) (3).

و منه يتضح الجواب عما في رواية محمد بن قيس (ليس في الإباق عهدة) (4) فإنّ الظاهر هو الإباق الفعلي عند المشتري كالجنون الفعلي عنده و سائر أحداث السنة، فالمنفي في هذه الرواية هو المنفي في الرواية الاولى، و حمل الاولى على التكرار و الثانية على المتحد و إن كان ممكنا في نفسه بالتقريب الذي قدمناه من حيث العنوان الوصفي في الرواية الاولى و مجرد الإباق في الثانية، إلّا أنّه بعيد، فإنّ التقابل بين النفي و الإثبات يكون الإباق عند البائع و كونه عند المشتري، و إن عبّر عن الأول

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 2 من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

(2) جواهر الكلام 23: 280.

(3) وسائل الشيعة، باب 2 من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

(4) وسائل الشيعة، باب 10 من أبواب أحكام العيوب، ح 2، هذا نص مرسلة محمد بن أبي حمزة، إما نص رواية محمد بن قيس (قضى علي (عليه السلام): انه ليس في إباق العبد عهدة الا ان يشترط المبتاع).

53

بالوصف العنواني مع أنّ الثبات الملحوظ في الوصف في قبال التجدد الملحوظ في الفعل دون الثبات المساوق للعادة و الخلق اللذين لا تحقق لهما إلّا بالتكرار.

هل الثفل عيب

39- قوله (قدّس سرّه): (الثفل الخارج عن العادة .. إلخ) (1).

توضيح المقام برسم أمور:

منها: أنّ الثفل له مراتب:

إحداها: المرتبة التي لا تعد من حيث نفسها عيبا، لكون الثفل يسيرا.

ثانيتها: المرتبة التي جرت العادة على انضمامها الى المبيع و إن كان كثيرا في نفسه، و عيبا لو لم تجر العادة على انضمامه.

ثالثتها: المرتبة الزائدة على ما جرت به العادة، و مثلها عيب فعلي بقول مطلق.

لا كلام في حكم الأول و الأخير، إنّما الكلام في المرتبة الثانية، فمن حيث إنّها عيب في نفسها لها حكم العيب إلّا إذا علم بجريان العادة عليها، و من حيث إنّ الاقدام على شراء مثلها اقدام على ما ليس بعيب في المتعارف ليس لها حكم العيب، و لا يجب العلم بجريان العادة عليها، و الأظهر لزوم العلم بجريان العادة و إن لم يعلم بتحقق هذه المرتبة في المبيع تفصيلا، حيث إنّه لا يتحقق الإقدام على المتعارف إلّا مع إحراز تعارفه، و لا يجدي تعارفه واقعا في صرف اقدامه على السليم من كل عيب إلى ما تعارف بيعه و شراؤه.

و رواية ميسر بن عبد العزيز ظاهرة في دوران الخيار و عدمه مدار هذا العلم و عدمه، لا مدار العلم التفصيلي بوجود الدردي و عدمه، حيث قال (عليه السلام): (إن كان يعلم أنّ الدردي يكون في الزيت فليس له أن يرده و إن لم يكن يعلم فله أن يرد) (2) و من الواضح أنّ المراد علمه بكلي هذا الأمر الذي جرت عليه العادة، و إلّا لقال- في

____________

(1) كتاب المكاسب 269 سطر 11.

(2) وسائل الشيعة، باب 7 من أبواب أحكام العيوب، ح 1.

54

جواب سؤال فيجد فيه درديا- إن كان يعلم أنّه فيه درديا فلا ردّ، فتدبر.

و منها: في تحقيق حال الخبرين المذكورين في الباب، و هما رواية ميسر بن عبد العزيز و رواية السكوني.

أمّا الأولى فمحتملاتها ثلاثة:

الأول: ما هو المعروف من كون الخيار للعيب.

الثاني: ما احتمله في الجواهر (1) من كون الخيار لتبعّض الصفقة، لاشتمال المبيع على الزيت و غيره، مع أنّ المقصود هو الزيت كما هو ظاهر رواية السكوني (2) الآتية في السمن و الرب.

الثالث: أن يكون الخيار للتدليس كما احتمل في رواية السكوني.

و على الثاني و الثالث لا ربط للخيار بباب العيب، أمّا الثاني فواضح، و أمّا الثالث فلأنّ التدليس لا يتعين في إخفاء العيب، بل تارة يكون به، و اخرى بإظهار صفة الكمال، و هو هنا خلوص الزيت عن الدردي، و الظاهر من هذه الرواية هو الاحتمال الأول، و ذلك لأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) (فليس له أن يرده) و من قوله (عليه السلام) (فله أن يرد) هو رد زق الزيت و عدمه، فصحة البيع فيما في الزق مفروغ عنها، و إلّا ما لم يكن هناك ملك لا رد له، فاحتمال تبعّض الصفقة هنا خلاف الظاهر جدا، و حيث إنّه لم يفرض في الرواية غير ابتياع زق زيت و وجدان الدردي فلا موجب للتدليس، سواء كان بإخفاء العيب أو بإظهار صفة الكمال، فلا ظهور إلّا في اشتراء زق الزيت و وجدان الدردي و أنّ الخيار مستند إلى وجدان الدردي، لا إلى إخفاء الدردي أو إظهار الخلوص.

مضافا إلى أنّ الفرق بين العلم و عدمه على الوجه الذي ذكرنا في استحقاق الرد و عدمه لا يناسب التدليس، فإنّ العلم بكلي هذا الأمر يجامع إظهار الخلوص في شخص هذه المعاملة، و مع تحقق التدليس له الخيار و إن علم بجريان العادة على

____________

(1) جواهر الكلام 23: 283.

(2) وسائل الشيعة، باب 7 من أبواب أحكام العيوب، ح 3.

55

انضمام الدردي بالزيت.

و أمّا الثانية فظاهر قول السائل (فوجد فيها ربا) (1) كظاهر قول السائل في الرواية الأولى (فيجد فيها درديا) و مع الاتحاد في الموضوع حكم (عليه السلام) في الرواية الأولى بالرد عند الجهل و لم يحكم بالرد في الثانية، بل حكم فيها بحكم ظاهره مخالف للقواعد، حيث حكم (عليه السلام) بأداء السمن بكيل الرب، مع أنّه إن كان الرب موجبا لتعيب السمن فلا يستحق إلّا الرد و الأرش، و إن كان بحد يصدق عليه أنّ ما في العكة سمن و رب، لا سمن فيه رب فلا يصح البيع إلّا في السمن فقط، و له الرد من حيث التبعّض، و على أي حال لا يستحق سمنا بدل الرب، فلا بد من توجيه الرواية بأحد وجوه:

أحدها: فرض المبيع كليا و أداء العكة الخاصة وفاء فلا محالة يستحق السمن بمقدار الرب، و هو خلاف الظاهر، خصوصا بملاحظة قوله (إنّما بعته منك حكرة) أي جملة، فإنّه صريح في أنّ العكة الشخصية مورد البيع، و إلّا فلا معنى لأن يكون كلي السمن المبيع حكرة.

ثانيها: أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) (لك بكيل الرب سمنا) استحقاق ثمن ذلك المقدار من السمن بناء على تبعّض الصفقة.

ثالثها: أن يكون المراد استحقاق ما به التفاوت و هو ما يساوي ثمن ذلك المقدار من السمن بناء على تعيّب السمن بالرب، و كلاهما على المعروف خلاف الظاهر أيضا، نظرا إلى أنّ السمن هو المستحق دون ثمنه أو أرشه، إلّا أنّه غير بعيد بعد التأمل، فإنّ قوله (سمنا) على أي حال تميز لكيل الرب، لا أنّه مبتدأ لقوله (لك)، و كذا قوله (بكيل الرب) لا يمكن أن يكون مبتدأ لمكان الباء، فمبتدأ قوله (لك) محذوف، فالمعنى لك الثمن بمقدار السمن الموازي للرب، أو لك الأرش بذلك المقدار.

ثم إنّ ظاهر قوله (فوجد فيها ربا) كقوله (فيجد فيها درديا) كون الموجود في العكة سمنا فيه رب، لا بالنظر العرفي سمنا و ربا، فيكون السمن معيبا و الخيار للعيب

____________

(1) وسائل الشيعة، باب 7 من أبواب أحكام العيوب، ح 3.

56

و يستحق الرد و الأرش، إلّا أنّ التأمل يقضي بما احتمله في الجواهر من كون المورد من تبعّض الصفقة، فإنّ قوله (يجد فيه درديا) بقرينة قوله (يكون الدردي في الزيت) أنّ المبيع فيه الدردي، بخلاف قوله (فوجد فيها ربا) أي وجد في العكة ربا، و كذا قول البائع (إنّما بعته منه حكرة) أي جمعا و جملة فإنّه ظاهر في كون ما في العكة سمن و رب، لا سمن معيب بما فيه من الرب، و اللّه العالم.

و منها: أنّ ظاهر الروايتين من قوله (فيجد فيه درديا) و قوله (فوجد فيها ربا) أنّ وجودهما غير معلوم حال البيع، و أنّ المبيع هو الزيت و السمن المرتفع عنهما الجهالة بوزنهما على النهج الذي يعرف وزن المظروف في سائر الموارد، و العلم بوجودهما بعد العقد لا يوجب فساد العقد رأسا، و إن تبيّن أنّ الرب مثلا بحيث يساوي السمن و يندرج تحت عنوان التبعّض للصفقة، و لا ينافي ما في الرواية الاولى من التفصيل بين العلم و عدمه مع فرض الصحة على أي تقدير، لأنّ العلم بكلي هذا الأمر لا ينافي اعتقاد أنّ مجموع ما في الزق زيت، أو ما في العكة سمن.

و منه يظهر أنّه لا موجب للاستشكال في الصحة حتى بملاحظة الرواية المفصلة بين العلم و عدمه مع فرض الصحة مطلقا، نعم إنّما يشكل إذا كان المورد من باب التبعّض و علم من الأول بوجود الرب، فإنّ وزن السمن و هو المبيع في فرض العلم مجهول لا يجديه ما ذكر في الإندار للظرف.

و ما أفاده (قدّس سرّه) في المتن من وجوه الصحة و إن كان صحيحا، إلّا أن الصحة بوجه من الوجوه مفروغ عنها في مورد الروايتين و في كلمات الأصحاب، فلا موقع إلّا لدفع توهم الإشكال في صورة العلم بالدردي أو الرب، و قد عرفت أنّه فيما إذا كان الدردي و الرب موجبا لإدراج المبيع في المعيب، فلا فرق بين العلم بهما و الجهل بهما، فإنّ اللازم معرفة المبيع- و هو المعيب- و إن لم يعرف وزن الخالص بعد تخليص المبيع، و إذا كان الدردي أو الرب بحد يعد في قبال الزيت أو السمن فمع الجهل بكون (1) وزن المبيع معلوما دون صورة العلم.

____________

(1) هكذا في الأصل، و الظاهر انها (يكون).