القواعد الفقهية - ج3

- السيد حسن الموسوي البجنوردي المزيد...
340 /
7

26- قاعدة عموم حجية البيّنة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و خير بريته، سيّد الأوّلين و الآخرين، محمّد و آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

قاعدة عموم حجّية البيّنة (1)

و من القواعد الفقهيّة المشهورة قاعدة «حجيّة البيّنة».

و فيها جهات من البحث:

[الجهة] الأولى في الدليل على اعتبارها

فنقول: لا شكّ في أنّ المراد من البيّنة في هذه القاعدة هو شهادة عدلين، فكلّ دليل نأتي به على اعتبارها لا بدّ و أن يكون مفاده حجّية البيّنة بهذا المعنى، لا بمعنى آخر.

____________

(1). «القواعد و الفوائد» ج 1، ص 405، «عوائد الأيام» ص 88 و 273، «عناوين الأصول» عنوان 82، «خزائن الأحكام» ش 40، «القواعد الفقهية» (فاضل اللنكراني) ج 1، ص 461، «القواعد الفقهية» (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 46.

10

فنقول أوّلا: ما هو معنى البيّنة لغة و عرفا؟

و لا شكّ في أنّها صفة مشبّهة من بان، فإذا كان موصوفها مذكّرا يقال: هو بيّن، و إذا كان مؤنّثا يقال: هي بيّنة، فهو كسيّد و سيّدة من ساد.

و حيث أنّ موصوفها هي الحجّة، فيقال: إنّها بيّنة، أي حجّة واضحة لا سترة و لا خفاء فيها، و هي بهذا المعني تكون مرادفة للبرهان.

و قد استعمل بهذا المعني في خمسة عشر موضعا من القرآن العظيم، و قد عبر فيه عن المعجزتين اللتين لموسى (عليه السّلام) تارة بكلمة «برهان» (و أخرى) بلفظة «البيّنة» في قوله تعالى فَذٰانِكَ بُرْهٰانٰانِ مِنْ رَبِّكَ (1) و في قوله تعالى حكاية عن قول موسى (عليه السّلام) قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (2) إلى قوله تعالى فَأَلْقىٰ عَصٰاهُ فَإِذٰا هِيَ ثُعْبٰانٌ مُبِينٌ وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذٰا هِيَ بَيْضٰاءُ لِلنّٰاظِرِينَ (3) فمعني هذه الكلمة لغة و عرفا هي الحجّة الواضحة، و البرهان أي: ما يوجب اليقين.

و لكن الظاهر أنّها في لسان الشرع عبارة عن شهادة عدلين على أمر، و هذا المعنى- بعد حكم الشارع باعتبارها و بعد أن جعلها أمارة و حجّة- تكون من مصاديق الحجّة الواضحة بناء على أنّ حجّية الأمارات من باب تتميم الكشف في عالم الاعتبار التشريعي، فتبادر هذا المعنى في لسان الشرع يرجع إلى انصراف المفهوم الكلّي إلى بعض مصاديقه، و لذلك لم يحتمل أحد من الفقهاء في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (4) أو في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و

____________

(1). القصص (28): 32.

(2). الأعراف (7): 105.

(3). الأعراف (7): 107- 108.

(4). «عوالي اللئالى» ج 2، ص 345، ح 11، «مستدرك الوسائل» ج 17، ص 368، أبواب كيفية الحكم، باب 3، ح 4.

11

الأيمان» (1) أن يكون مراده (صلّى اللّه عليه و آله) غير هذا المعنى؛ لأنّ اليد تكون أمارة شرعية إمضائيّة لما عند العقلاء.

فإذا ادّعى أحد على صاحب اليد فتكليفه بالبيّنة لا يفهم منه إلّا شهادة عدلين، و إلّا لو كان المراد منها مطلق الحجّة، فلو كان سابقا ملكا للمدّعي فاستصحاب ملكيّته حجّة له بناء على اعتبار الاستصحاب- كما هو كذلك- فلا يحتاج إلى حجّة أخرى، ففهمهم شهادة شاهدين من ذلك الكلام دليل على انصراف البيّنة إلى ما هو المتبادر منها في تلك الأذهان و هو شهادة عدلين، و إلّا لو كان مراده (صلّى اللّه عليه و آله) مطلق الحجّة فالمنكر هو الذي يكون قوله مطابقا للحجّة الفعلية، فلا يبقي مجال لهذا التفصيل بين المدعي و المنكر، بل تكون لكلّ واحد منهما الحجة.

فإذا عرفت ما هو المتبادر من لفظة «البينة» في الأحاديث الصادرة عن المعصومين (عليهم السّلام). فنقول:

[أدلة حجية البينة]

استدلّوا لحجية البينة بالمعنى المذكور بأمور:

الأوّل:

رواية مسعدة بن صدقة «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع، أو قهر فبيع، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة» (2).

____________

(1). «الكافي» ج 7، ص 414، باب أنّ القضاء بالبينات و الأيمان، ح 1، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 229، ح 552، باب كيفيّة الحكم و القضاء، ح 3، «معاني الأخبار» ص 279، «وسائل الشيعة» ج 18، ص 169، أبواب كيفية الحكم، باب 2، ح 1.

(2). «الكافي» ج 5، ص 313، باب النوادر (من كتاب المعيشة) ح 40، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 226، ح 989، باب من الزيادات، ح 9، «وسائل الشيعة» ج 12، ص 60، أبواب ما يكتسب به، باب 4، ح 4.

12

و بعد ما عرفت من أنّ المتبادر من لفظة «البينة» في الروايات هو شهادة شاهدين، فدلالة هذه الرواية على عموم حجّيتها في كلّ موضوع و عدم اختصاصها بباب القضاء واضحة، إذ الجمع المعرّف باللام يفيد العموم، مضافا إلى تأكيد كلمة «الأشياء» بكلمة «كلّها».

فمعني الرواية أنّ جميع الأشياء، أي الموضوعات الخارجيّة على ذلك، أي الحلّية إلى أن تعرف بالعلم الوجداني حرمتها أو بالبيّنة، فجعل (عليه السّلام) قيام البيّنة بمنزلة العلم في حصول غاية الحكم بالحلّية في جميع الأشياء، سواء أ كان في باب القضاء أو غيرها.

و أورد على الاستدلال بهذه الرواية على عموم حجّية البيّنة في جميع الموضوعات بايرادات:

الأوّل: عدم اعتبارها، لأنّ راويها مسعدة عامّي و لم يوثّقوه.

و فيه: أنّ عمل الأصحاب بها يوجب الوثوق بصدورها، و موضوع الحجّية هو خبر الموثوق الصدور، لا خبر الثقة.

الثاني: أنّ المراد بقوله (عليه السّلام) «حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة» العلم و العلمي، فيحتاج إثبات أنّ البيّنة- أعني شهادة عدلين- دليل علمي في جميع الموضوعات، سواء أ كان في باب القضاء أو غير القضاء إلى دليل آخر غير هذه الرواية.

و فيه: أنّه و إن تقدّم أنّ لفظة «البيّنة» معناها لغة هي الحجّة الواضحة و لعلّه عرفا أيضا كذلك، فلو كان المراد في هذه الرواية هذا المعنى فهو كما توهّم و يحتاج إثبات أنّ البيّنة بمعنى شهادة عدلين من الحجّة الواضحة إلى دليل آخر غير هذه الرواية.

و لكن قلنا إنّ هذه الكلمة بواسطة كثرة الاستعمال في شهادة اثنين على موضوع عند العرف صارت منقولا عرفيا، و إن أنكرت كونها منقولا عرفيا فلا يمكن إنكار أنّها منقول شرعي، لما قلنا من أنّها في لسان الشارع ظاهرة في شهادة عدلين. مضافا إلى

13

أنّها لو كان المراد منها مطلق الحجّة الواضحة يلزم أن يكون قسم الشيء قسيما له، لوضوح أنّ الاستبانة- أي العلم- قسم من الحجّة الواضحة، بل أعظم و أجلى مصاديقها.

الثالث: أنّ البيّنة في هذه الرواية جعلت غاية للحلّ، فكأنّه قال (عليه السّلام): كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم حرمته أو تقوم البيّنة على حرمته، و لا تدلّ إلّا على حجّية البيّنة لإثبات حكم الحرمة، لا إثبات الموضوعات كخمريّة مائع، أو كرية ماء، أو اجتهاد زيد أو عدالته، و أمثال ذلك من الموضوعات، بل لا تدلّ على حجّيتها لإثبات سائر الأحكام الجزئية كنجاسة ذلك الشيء، أو ملكيّته لفلان، أو زوجيّة فلانة لفلان و أمثال ذلك، و المدّعي هو عموم حجّيتها في جميع الموضوعات.

و فيه: أنّ الظاهر و المتفاهم العرفي من هذه الرواية هو أنّ الحرمة لا تثبت باحتمال ما هو موضوع الحرمة، بل لا بدّ من العلم بالموضوع و أنّه سرقه أو هي رضيعة ذلك الشخص، و أمثال ذلك مثل أنّه ميتة أو خمر أو غير ذلك، أو أن تقوم البيّنة على ذلك الموضوع، أي يحتاج إثبات الحرمة و ارتفاع الحلّية على إثبات ما هو موضوع الحرمة، و المثبت للموضوعات إمّا العلم أو البيّنة، فجعل (عليه السّلام) البيّنة عدلا للعلم.

و حيث أنّ حجّية العلم ذاتيّة فلا يحتاج إلى جعل تشريعي، بل لا يمكن ذلك، و لكن البيّنة ليست كذلك، فيحتاج حجّيتها و أماريّتها إلى الجعل، فلمّا حكم الشارع بكونها لإثبات الموضوعات مثل العلم يستكشف أنّها حجّة و أمارة لإثباتها، فيثبت بها الموضوعات، فيترتّب عليها جميع أحكامها من الحرمة و النجاسة و الطهارة و الملكيّة و الزوجيّة و غيرها، فإذا شهدت البيّنة بعدالة شخص فيجوز الصلاة خلفه و الطلاق عنده، و هكذا بالنسبة إلى سائر الأحكام.

و بعبارة أخرى: ظاهر قوله (عليه السّلام) «الأشياء كلّها على ذلك» أي على الإباحة حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة، أي حتّى تقوم أمارة العلمي أو العلم على

14

ثبوت موضوع الحرمة، فإذا ثبت بالعلم أو الذي كالعلم في الأماريّة- أي البيّنة- فيرتفع الحلّية و الإباحة.

ثمَّ إنّه بعد هذا الاستظهار من الرواية- و أنّها تدلّ على أماريّة البيّنة لإثبات الموضوعات مثل العلم- فلا يبقي مجال لأن يقال غاية ما تدلّ الرواية هي حجّية البيّنة لإثبات الحرمة، لا مطلق الأحكام الجزئية و موضوعاتها، فالدليل يكون أخصّ من المدّعى، لأنّ المدّعي حجّيتها لإثبات جميع موضوعات الأحكام، وضعية كانت أم تكليفيّة، و التكليفية حرمة كانت أو غيرها، و مفاد الدليل هو حجّيتها في خصوص إثبات الحرمة، لا سائر الأحكام و لا الموضوعات مطلقا.

و ذلك من جهة أنّ هذه الموضوعات التي يعدّها (عليه السّلام) في الرواية- من كون المال سرقة، أو كون المملوك حرّا قهر عليه، أو خدع فبيع، أو كون المرأة التي تحته أخته أو رضيعته- جعلها فيما إذا كانت مشكوكة موارد لقاعدة الحلّ إلّا فيما إذا استبان أحد هذه الأمور، أو قامت عليه البيّنة، فكما أنّه لو علم بوجود أحد هذه الأمور يترتّب عليه جميع أحكامه لا خصوص الحرمة، فكذلك في صورة قيام البيّنة.

و المشار إليه لكلمة «على ذلك» في قوله (عليه السّلام): «الأشياء كلّها على ذلك» و إن كان هي الحلّية، لكن موضوع الحلّية في هذه الجملة و هو «الأشياء» عبارة عنها مع الشكّ في حكمها من ناحية الشكّ في موضوع الحرمة بعد الفراغ عن معلوميّة حكم الموضوعات من ناحية الشبهة الحكميّة.

فيكون المراد من الاستثناء بقوله (عليه السّلام) «حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة» استبانة الموضوع و أنّه ممّا هو محرّم كالسرقة، و كون المملوك حرا، و كون المرأة أخته أو رضيعته و غير ذلك من الموضوعات المحرّمة.

و كذلك الأمر في قيام البيّنة، أي الموضوعات المشكوكة أنّها من الموضوعات المحلّلة أو من الموضوعات المحرّمة، فهي حلال إلّا أن يثبت كونها من الموضوعات

15

المحرّمة، و طريق إثباتها أمّا العلم أو البيّنة، فتدلّ الرواية على أنّ البيّنة مثل العلم طريق مثبت للموضوعات، فيترتّب عليها أحكامها مطلقا، حرمة كانت أو غيرها، و هو المطلوب.

و بناء على ما ذكرنا فلا يبقى مجال لأن يقال: غاية ما تدلّ عليه هذه الرواية هو حجّية البيّنة فيما إذا قامت على الحرمة، فلا يقتضي حجّيتها على الموضوع فضلا عن عمومها لجميع الموضوعات، لما عرفت من دلالة هذه الرواية على أنّ البيّنة مثبتة للموضوعات مثل العلم، فكما أنّ العلم مثبت لجميع الموضوعات فكذلك البيّنة، و لا فرق بينهما إلّا أنّ طريقيّة العلم ذاتيّة وجدانيّة، و طريقيّة البيّنة جعليّة تعبّديّة و إمضاء لبناء العقلاء على حجّيتها.

فلا يحتاج إلى أن يتكلّف بأنّ قيام البيّنة على الحرمة أعمّ من أن تكون الحرمة مدلولا التزاميّا أو مطابقيّا لما قامت عليه، فإذا قامت على موضوع محرّم- كالسرقة، أو كون المرأة أختا له أو رضيعته، أو كونه حرّا فبيع، و ما شابهها- فقد قامت على الحرمة التزاما، ثمَّ بعدم القول بالفصل بين مثل هذه الموضوعات و غيرها ممّا ليس حكمها الحرمة يتمّ المطلوب، أي عموم حجّيتها على جميع الموضوعات، و الإنصاف أنّ هذا يشبه الأكل من القفا.

الثاني:

من أدلّة حجّيتها هو الإجماع. و ادّعته جماعة، و في الجواهر نفي وجدانه للخلاف في إثبات النجاسة بها، و لم ينقل الخلاف إلّا من القاضي بن البرّاج، و ظاهر عبارة الكاتب و الشيخ (قدّس سرّه).

قال في الجواهر: بل لا أجد فيه خلافا إلّا ما يحكى عن القاضي و عن ظاهر عبارة الكاتب و الشيخ، و لا ريب في ضعفه (1).

و لا ريب في أنّ المتتبّع في كلام الأصحاب يجد تسالمهم على إثبات كلّ موضوع

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 6، ص 172.

16

ذي حكم شرعي بها، فإنّهم يعترفون بثبوت النجاسة و الطهارة و القبلة و الوقت للصلاة، و أسباب التحريم في باب النكاح من النسب و الرضاع، و ثبوت الوكالات للأشخاص و عزلهم و الوصايا إلى غير ذلك من الموضوعات أو الأحكام الجزئية بها، من غير نكير لأحدهم في إثبات هذه الأمور بها إلّا الشاذّ الذي لا يعبأ بخلافه، بل المخالف الشاذّ أيضا لا يخالف إلّا في بعض الموارد الجزئيّة بجهة أخرى غير إنكار حجّية البيّنة، بل يدّعي مثلا أنّ ارتفاع الطهارة لا يكون إلّا بالعلم بالنجاسة، لأنّ طهارة المشكوك مغيّاة بالعلم بالخلاف و البيّنة ليست بعلم.

و إن كان هذا الكلام باطلا، لأنّ أدلّة حجّية البيّنة، بل الاستصحاب، بل كلّ حجّة شرعيّة على النجاسة كإخبار ذي اليد، أو خبر العدل الواحد- لو قلنا بحجيّته- تكون حاكمة على قاعدة الطهارة.

و الحاصل: أنّ الفقهاء لا يزال يستدلّون على ثبوت الموضوعات التي لها أحكام بقيام البيّنة عليها، و لا ينكر على المستدلّ بها أحد منهم إلّا المناقشات في تحقق البيّنة و في جهات أخر غير جهة حجّيتها.

نعم هاهنا مطلب آخر، و هو أنّه تقدّم منّا مرارا في هذا الكتاب أنّ هذه الإجماعات ليست ممّا هو مصطلح الأصولي التي ثبتت هناك حجّيتها، لاحتمال اعتماد المتّفقين بل الاطمئنان بأنّهم اعتمدوا على بعض هذه المدارك المذكورة أو على كلّها.

نعم هذا الاتّفاق و التسالم منهم يؤيّد ما استظهرنا من رواية مسعدة بن صدقة (1) من مفروغيّة حجّية البيّنة، و أنّها مثل العلم في إثبات موضوعات الأحكام بها.

الثالث:

من أدلّة حجّيتها في جميع الموضوعات الروايات:

منها: ما هو المروي في الكافي و التهذيب عن عبد اللّه بن سليمان، عن الصادق (عليه السّلام)

____________

(1). تقدّم في ص 11، رقم (2).

17

في الجبن: «كلّ شيء حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أنّ فيه ميتة» (1).

و ظاهر هذا الخبر أنّ ارتفاع الحلّية عن مشكوك الحلّية و الحرمة لا يكون إلّا بقيام شاهدين على تحقّق موضوع الحرمة و ثبوته، و هو في المورد عبارة عن كون الميتة فيه، أي في الجبن.

فتكون الرواية ظاهرة في أنّ قيام الشاهدين على وجود موضوع الحرمة- أي كون الميتة فيه- أمارة على وجوده، و معلوم أنّه (عليه السّلام) بصدد بيان أنّ شهادة شاهدين بمنزلة العلم في إثبات ما قامت عليه، و لا خصوصيّة للميتة و إنّما ذكرها في الرواية لبيان المورد، و إلّا فلا خصوصيّة فيها.

و أمّا الإشكال عليها بضعف السند، ففيه أنّ اتفاق الأصحاب على حجّية البيّنة في جميع الموضوعات- إلّا الشاذّ منهم- يكون جابرا لضعف سندها، و موجبا للوثوق بصدورها الذي هو موضوع الحجّية، و قد حرّرنا المسألة من هذه الناحية في كتابنا «منتهي الأصول» (2) و من أراد فليراجعها.

و منها: الأخبار الكثيرة الواردة في ثبوت الهلال بشهادة عدلين- أي البيّنة- كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّ عليّا (عليه السّلام) كان يقول «لا أجيز في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (3) و صحيح منصور بن حازم عنه أيضا أنّه (عليه السّلام) قال: «صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته، فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه». (4) و روايات أخر

____________

(1). «الكافي» ج 6، ص 339، باب الجبن، ح 2، «وسائل الشيعة» ج 17، ص 91، أبواب الأطعمة المباحة، باب 61، ح 2.

(2). «منتهى الأصول» ج 2، ص 91 و 613.

(3). «تهذيب الأحكام» ج 4، ص 180، ح 499، باب فضل صيام يوم الشك، ح 71، «وسائل الشيعة» ج 7، ص 208، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح 8.

(4). «تهذيب الأحكام» ج 4، ص 157، ح 436، باب علامة أوّل شهر رمضان و آخره، ح 7، «الاستبصار» ج 2، ص 63، ح 205، باب علامة أوّل يوم من شهر رمضان، ح 7، «وسائل الشيعة» ج 17، ص 208، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح 4.

18

كهاتين الصحيحتين و بهذا المضمون تقريبا.

و تقريب الاستدلال بهذه الروايات أنّه (عليه السّلام) بصدد أنّه لا يثبت الهلال إلّا بالرؤية و العلم، أو بما هو بمنزلة العلم في إثبات ما قام عليه، فكأنّه (عليه السّلام) جعل أماريّة البيّنة و كونها بمنزلة العلم أمرا مفروغا عنه و من المسلّمات، و لذلك قال (عليه السّلام): «إذا شهد عندك شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه» لأنّ شهادتهما بالرؤية بمنزلة علمك بها، مثبت لها.

و أيضا ظاهر هذه الروايات أنّ الحكم بشهادة عدلين لكونها مثبتة و أمارة و لا دخل في كون متعلّقها رؤية الهلال في أماريّتها، و لكن مع ذلك كلّه ظهور هذه الروايات في عموم حجّية البيّنة- بالنسبة إلى جميع الموضوعات و عدم اختصاصها بإثبات الهلال- لا يخلو من تأمّل و إشكال.

فالأحسن أن تجعل هذه الروايات من المؤيّدات لعموم حجّيتها، و كونها مؤيّدة له لقوّة احتمال عدم كون المتعلّق- و هو رؤية الهلال- دخيلا في اعتبارها.

و منها: الأخبار الواردة في باب الدعاوي و أنّها وظيفة المدّعي و تثبت بها دعواه، كقوله (عليه السّلام): «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (1).

و تقريب الاستدلال بها أنّ حجّيتها في مقابل المدّعي مع كونه صاحب اليد و له أمارة الملكيّة أو غيرها ممّا هو محلّ النزاع، تدلّ على حجّيتها بطريق أولى فيما إذا لم يكن مدّع و صاحب يد في البين، لأنّه (عليه السّلام) إذا قال إنّها حجّة على ما قامت عليه مع معارضتها بحجّة أخرى من قبل الخصم، فالظاهر و المتفاهم العرفي من هذه العبارة حجّيتها فيما إذا لم يكن لها معارض بالأولويّة القطعيّة.

____________

(1). تقدّم في ص 10، رقم (4).

19

و السرّ في ذلك أنّه (عليه السّلام) جعل البيّنة طريقا و مثبتا لما قامت عليه و كاشفا له بحيث لا يبقي مع وجودها للمدّعي اعتبار ليد المنكر في قبالها.

و منها: قوله (عليه السّلام): «إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم» (1). و حكي أيضا: «إذا شهد عندكم المؤمنون فاقبلوا» [1].

و تقريب الاستدلال بهما، هو أنّ المراد بالشهادة قيام البيّنة على شيء أو أمر فيجب تصديقها أو قبول قولهما.

و فيه: أنّ ظاهرهما على فرض أن يكون المراد من التصديق و القبول ترتيب الأثر على قولهم و لزوم العمل على طبق مقالتهم، حجّية خبر كلّ مؤمن و مسلم، سواء أ كان عادلا أم لا، و سواء أ كان واحدا أم كان المخبر متعدّدا. و بعبارة أخرى: مفادهما حجّية خبر كلّ فرد من أفراد المسلمين أو المؤمنين الذي معلوم عدمها.

نعم ربما يقال بحجّية خبر كلّ ثقة في الموضوعات أيضا مثل الأحكام، و لكنّه بهذا العموم لم يقل به أحد.

و الحقّ، أنّ هاتين الروايتين على فرض صحّة سندهما، مفادهما مفاد قوله تعالى:

يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (2) فيكون المراد منهما ما قيل في تفسير الآية من القبول الصوري و عدم تكذيبهم و الإنكار عليهم، أو بعض مراتب التصديق النفسي فيما ينفعهم أو غيرهم و لا يكون مضرّا لغيرهم، لا ترتيب الآثار الواقعيّة على ما أخبروا به و إن كان يضرّ غيرهم.

الرابع: الآيات:

____________

[1]. لم نجده في وسائل الشيعة و بحار الأنوار و مستدرك الوسائل.

____________

(1). «الكافي» ج 5، ص 299، باب في حفظ المال و كراهة الإضاعة، ح 1، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 230، أبواب كتاب الوديعة، باب 6، ح 1. و فيهما: «المؤمنون» بدل «المسلمون».

(2). التوبة (9): 61.

20

منها: قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (1).

و قوله تعالى شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (2).

و قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (3).

و قوله تعالى يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (4).

فالآية الأولى و إن كانت في مورد القرض و الاستشهاد عليه، و الثانية في مورد الوصية، و الثالثة في مورد جزاء الصيد في حال الإحرام و حكم رجلين عدلين و شهادتهما بالمثليّة للصيد، و لكن يستظهر منها أنّ اللّه تبارك و تعالى جعل البيّنة- أي شهادة رجلين عدلين- طريقا و كاشفا مثل العلم، و يثبت بها كلّ موضوع قامت عليه، سواء أ كان أحد هذه الثلاثة- أي القرض و الوصيّة و كون الجزاء مثل الصيد- أو غيرها من سائر الموضوعات.

و كذلك الآيات التي تدلّ على وجوب تحمّل الشهادة و وجوب أدائها و حرمة كتمانها، كقوله تعالى وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ (5) و قوله تعالى وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا (6) و قوله تعالى وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (7) ظاهرة بالدلالة الالتزاميّة في وجوب قبولها، و إلّا يكون وجوب تحملها و وجوب أدائها و حرمة كتمانها لغوا و بلا فائدة.

____________

(1) البقرة (2): 282.

(2) المائدة (5): 106.

(3) الطلاق (65): 2.

(4) المائدة (5): 95.

(5) الطلاق (65): 2.

(6) البقرة (2): 283.

(7) البقرة (2): 283.

21

نعم ظاهر هذه الآيات وجوب قبول إخبار العادل بموضوع من الموضوعات و إن كان واحدا، و لكن يمكن أن يقال بتقييد إطلاقها بكونها متعدّدة، إمّا بالإجماع أو بالأخبار كرواية مسعدة بن صدقة (1) و غيرها.

و خلاصة الكلام: أنّ الفقيه المتتبّع في موارد قبول شهادة الرجلين العادلين، إذا أمعن النظر فيها و لاحظ و تدبّر يقطع بأنّه لا خصوصية لتلك الموارد، بل تكون حجّيتها عامّة في جميع الموضوعات إلّا ما خرج عن تحت ذلك العموم بأدلّة خاصّة.

فما روي الصدوق (قدّس سرّه) في كتاب عرض المجالس عن الصادق (عليه السّلام)، و فيه: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة» (2) ظاهر في أنّ شهادة العدلين في ارتكاب الذنب مثل رؤيته طريق مثبت لارتكاب الذنب، و معلوم أنّه لا خصوصية لارتكاب الذنب من بين سائر الموضوعات.

و الانصاف أنّ إنكار حجّية البيّنة العادلة- التي نسب إلى القاضي عبد العزيز بن برّاج (3) في إثبات النجاسة، و كذا ما هو الظاهر من السيّد في الذريعة (4)، و المحقق الأوّل في المعارج (5)، و الثاني في الجعفريّة (6)، و بعض آخر- قدس اللّه أسرارهم- من أنّ الاجتهاد لا تثبت بشهادة عدلين لعدم الدليل عليه- لا وجه له بعد ما عرفت توافر الأدلّة على عموم حجّيتها.

الخامس:

من أدلّة حجّيتها هي سيرة العقلاء من كافة الملل و إن لم يكونوا من

____________

(1) تقدّم في ص 11، رقم (2).

(2) «الأمالي» للصدوق، ص 91، ح 3، «وسائل الشيعة» ج 18، ص 292، أبواب كتاب الشهادات، باب 41، ح 13.

(3) «جواهر الفقه» ص 9، مسألة 9.

(4) «الذريعة» ج 2، ص 81.

(5) «معارج الأصول» ص 201.

(6) «الجعفريّة» ضمن رسائل المحقق الكركي، ج 1، ص 80.

22

أهل الدين، فجميع الملل و العقلاء يرون شهادة شخصين- غير متّهمين و لا معروفين بالكذب و لا مغرضين بالنسبة إلى المشهود عليه- طريقا مثبتا؛ لما قامت عليه في أحكامهم العرفيّة بالنسبة إلى جميع الموضوعات.

و الحاصل: أنّ كون شهادة شخصين بالقيود التي عندهم من الأمارات العرفيّة و طريقا مثبتا لأيّ موضوع تعلّقت به من المسلّمات عندهم، و عليها- أي حجّية البيّنة في إثبات جميع الموضوعات التي لها آثار عندهم- استقرّت سيرتهم في معاملاتهم و معاشراتهم و سياساتهم و لم يرد ردع من قبل الشارع، بل وردت إمضاءات من قبل الشارع على العمل على طبقها، و هي موارد الأخبار الكثيرة المتقدّمة، بل يمكن ادّعاء جريان سيرة المتشرّعة بما هم متشرّعة على حجّيتها.

نعم خصّصت هذه القاعدة في موارد، مثل شهادتهما على الزناء و اللواط و أمثالهما ممّا لا يكتفي بشهادة الاثنين، بل ثبوتهما يحتاج إلى شهادة أربع من العدول، و كالشهادة على الميّت بكونه مديونا بكذا، فإنّها- أي البيّنة- لا تقبل إلّا مع ضمّ يمين المدّعي إليها، و كشهادتهما على النفي بناء على عدم قبول بيّنة النفي، و كبيّنة المنكر المسمّى ببيّنة الداخل بناء على اختصاص هذه الوظيفة بالمدّعي، و غير ذلك.

فهذه قاعدة شرعيّة قابلة للتخصيص كسائر العمومات الصادرة من الشارع، فيجب الأخذ بها و العمل على طبقها إلّا أن يرد دليل و حجّة من قبله على التخصيص. و إذا حصل الشكّ في مخصّصية شيء يؤخذ بأصالة العموم، كما هو الحال في سائر الموارد.

ثمَّ إنّ هاهنا أمور ينبغي أن يذكر

[الأمر] الأوّل:

في أنّه بعد ما عرفت من عموم حجّية البيّنة في كلّ موضوع، فاعلم: أنّه لا بدّ و أن يكون له أثر شرعي، لأنّه إذا لم يكن له أثر شرعي لا معنى للتعبّد

23

بقبولها.

ففي كلّ مورد لا يكون عدم شيء، أو وجوده، أو بقاؤه محرزا بالوجدان، و الشارع أمر بترتيب الأثر على عدمه كما في مورد أصالة البراءة، أو على وجوده كما في موارد الأمارات و الأصول المثبتة للتكاليف و الأحكام أو لما هو موضوع للحكم الشرعيّ، أو على بقائه و عدم ارتفاعه كما في موارد الاستصحاب لا بدّ و أن يكون لذلك الوجود أو ذلك العدم أو لبقاء ذلك الشيء بعد القطع بحدوثه- سواء أ كانت تلك الحالة السابقة هو الوجود أو العدم- أثر شرعي، كي يكون أمر الشارع بالتعبّد بلحاظ ترتيب ذلك الأثر، فلا بد في مورد قيام البيّنة أيضا أن يكون لما قامت عليه أثر شرعي.

فإن كان موضوع الأثر أمرا محسوسا و قامت البيّنة عليه فلا كلام، و أمّا إن لم يكن من الأمور المحسوسة- كالعدالة و الاجتهاد و سائر الحالات و الملكات النفسانيّة التي لثبوتها أثر شرعي- فهل تقبل البيّنة فيها أم لا؟

و التحقيق في هذا المقام هو أنّ أدلّة حجيّة البيّنة- سواء كانت هي سيرة العقلاء أو الإجماع أو الاخبار أو الآيات- ظاهرة فيما إذا كان أخبارهما عن حسّ، إذ هو المتفاهم العرفي عن لفظة «الشهادة» و «البيّنة».

و لكن المشهود به قد يكون من الأمور المحسوسة بنفسه، كما إذا شهدا بإطلاق ماء أو إضافته أو خمريّة مائع و غير ذلك من الأمور المحسوسة بأحد الحواسّ الخمسة التي لها آثار شرعيّة. و هذا هو الذي لا كلام في حجيّة البيّنة فيها، بناء على عموم حجيتها في جميع الموضوعات.

و قد لا يكون من الأمور المحسوسة بأحد الحواسّ الخمسة بنفسه، و لكن له آثار محسوسة بحيث تكون بينها و بين ذلك المشهود به ملازمة عرفيّة، فالشهادة بمثل هذه الموضوعات أيضا تقبل، و تكون إحساسها بإحساسها آثارها غير المنفكّة عنها عند العرف.

24

و كذلك إذا كان لها أسباب محسوسة، مثل الطهارة و النجاسة و الزوجيّة و الملكيّة، و غير ذلك من الاعتبارات الشرعيّة أو العرفيّة التي لها أسباب محسوسة، فالشهادة بمثل هذه الموضوعات أيضا تقبل، لإمكان عدّها في المحسوسات باعتبار كون أسبابها محسوسة.

و يمكن أن يقال: إنّ الشهادة على هذا المسبّب غير المحسوس شهادة على السبب المحسوس بالالتزام، فإذا ثبت السبب بها لكونه محسوسا يثبت المسبّب، للملازمة بينهما. و حيث أنّ البيّنة من الأمارات و لا مانع من إثبات لوازم ما قامت عليه، و كذلك ملزوماته بها.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ نفس المشهود به إذا كان من المحسوسات فيثبت بالبيّنة، و كذلك فيما إذا كان له سبب محسوس أو كان له أثر محسوس، و أمّا فيما عدا ذلك فلا دليل على وجوب قبولها، لأنّ دليل حجيتها إمّا الأخبار و الآيات، فهي لا تدلّ إلّا على حجيّة البيّنة إذا كانت شهادتهما و أخبارهما عن مشاهدة و عيان.

و بهذا الاعتبار يطلق على أخبارهما بشيء لفظة «الشهادة» و ذلك لأنّ المتفاهم العرفي من كلمة «الشهادة» هو الإخبار عمّا عايناه و علماه بإحدى الحواس الخمس لا مطلق الإخبار عن علم، و لذلك لا يقال للإخبار عن رأيه و اعتقاده فيما إذا أخبر المجتهد عن رأيه: أنّه شهد بذلك.

و كذلك إخبار أهل الخبرة عن رأيه في موضوع يتعلّق بفنّه ليس من باب الشهادة، و لذلك لو قلنا بحجيّة قول أهل الخبرة- كما هو كذلك، لقيام سيرة العقلاء عليها- لا يعتبر فيه التعدّد و لا العدالة.

و إمّا الإجماع و السيرة- أي بناء العقلاء، أو سيرة المتشرّعة- فلأنّ القدر المتيقّن منهما هو فيما إذا كان أخبارهما بأحد الطرق الثلاث، أي يكون نفس المشهود به من المحسوسات، أو له آثار محسوسة، أو يكون له سبب محسوس.

25

الأمر الثاني:

في أنّ البيّنة هل هي عبارة عن شهادة رجلين، و شهادة المرأة خارجة عن البيّنة موضوعا، أم هي أيضا بيّنة و لكن اعتبر شرعا فيها بدل كلّ واحد من الرجلين امرأتان، فتكون البيّنة فيما إذا كن شاهدات عبارة عن شهادة أربع امرأة؟

ثمَّ على تقدير كون البيّنة صادقة على شهادتهنّ عرفا- غاية الأمر مقيّدة بكون عددهنّ أربع إجماعا- فهل يكون مقتضي عموم حجيّة البيّنة حجيّة شهادتهنّ في جميع الموضوعات إلّا ما خرج بالدليل- كثبوت الهلال و الطلاق و غيرهما ممّا لا تجوز شهادتهنّ فيها، لا منفردات و لا منضمات إلى الرجال، لنصوص وردت في عدم جواز شهادتهنّ فيها- أم لا، بل قبول شهادتهنّ في أي موضوع يحتاج إلى ورود دليل على القبول في ذلك الموضوع، و إلّا فمقتضى الأصل عدم القبول، لا منفردات و لا منضمات، و لا في باب الدعاوي و مقام المخاصمة، و لا في غيرها؟

ربما يستشهد لعموم حجيّة شهادتهنّ إلّا ما خرج بالدليل برواية عبد الكريم بن أبي يعفور، عن الباقر (عليه السّلام)، قال (عليه السّلام): «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرّج إلى الرجال في أنديتهم». (1)

و فيه: أنّ ظاهر هذه الرواية أنّه (عليه السّلام) في مقام بيان شروط قبول شهادة المرأة و أن أي امرأة تقبل شهادتها، لا في مقام بيان أنّه في أيّ موضوع تقبل، كي يؤخذ بإطلاقها.

و التحقيق في المقام: أمّا في الأوّل- أي في شمول مفهوم البيّنة حسب المتفاهم العرفي لشهادة النساء، و عدم خروجها عن مفهوم البيّنة موضوعا- فالظاهر أنّها ليست بخارجة عنها موضوعا، بل البيّنة عبارة عن شهادة اثنين، سواء أ كانا رجلين

____________

(1) «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 242، ح 597، باب البيّنات، ح 1، «الاستبصار» ج 3، ص 13، ح 34، باب العدالة المعتبرة في الشهادة، ح 2، «وسائل الشيعة» ج 18، ص 294، أبواب كتاب الشهادات، باب 41، ح 20.

26

أو امرأتين. اللهمّ إلّا أن يدّعي انصرافها إلى الرجلين.

و على كلّ تقدير لا شكّ في ورود الدليل على قبول شهادتهنّ منفردات في بعض الموارد، و منضمات إلى الرجال في موارد أخر.

و الفرق بين الصورتين أنّه بناء على عدم شمول مفهوم البيّنة لشهادتهنّ وضعا أو انصرافا، ففيما إذا لم يوجد دليل خاصّ على القبول في مورد فمقتضى الأصل عدم القبول. و أما بناء على الشمول، فلو كان عموم أو إطلاق بالنسبة إلى حجيّة البينة في كل موضوع- كما ادعينا وجوده- فمقتضى ذلك العموم أو ذلك الإطلاق هو قبول شهادتهن، إلا أن يأتي دليل في ذلك الموارد على عدم القبول.

و قد تعرض الفقهاء في كتاب الشهادات لموارد القبول و عدمه منفردات و منضمات الى الرجال، و الروايات الواردة في باب شهادة النساء مختلفة جدا، فمفاد بعضها جواز شهادتهن فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا اليه و يشهدوا عليه. (1) و ظاهر هذا القسم من الروايات انحصار القبول فيما ذكر، و عدم قبولها فيما يستطيع الرجال ان ينظروا إليه. و مفاد بعضها جواز شهادتهن في النكاح منضمات إلى الرجال، و عدم قبولها في الطلاق. (2) و مفاد بعضها عدم قبولها في الطلاق و الهلال، معللا بضعف رؤيتهن و محاباتهن (3)، إلى غير ذلك من الاختلافات بينها.

و تفصيل هذه المسألة في كتاب الشهادات، و ليس هاهنا مقام بحثها، و الغرض هاهنا بيان حكم مورد الشك، و عدم وجود دليل لا على القبول و لا على عدم القبول.

و قد ذكرنا الفرق بين عدم شمول إطلاقات أدلة حجية البينة لشهادتهن، و شمولها لها ففي الصورة الأولى مقتضى الأصل عدم القبول، و في الثانية قبولها و جوازها في

____________

(1). «وسائل الشيعة» ج 18، ص 258، أبواب كتاب الشهادات، باب 24، ح 4، 5، 7 و 9.

(2). «وسائل الشيعة» ج 18، ص 258، أبواب كتاب الشهادات، باب 24، ح 4، 5، 7 و 11.

(3). «وسائل الشيعة» ج 18، ص 258، أبواب كتاب الشهادات، باب 24، ح 8، 10 و 11.

27

مورد الشك، لعدم دليل لا على القبول و لا على عدمه.

الأمر الثالث:

في أنه بعد ما عرفت حجية البينة في جميع الموضوعات التي لها أثر شرعي، فيجب على كل من علم بقيام البينة- واجدة لشروط اعتبارها- على موضوع ترتيب أثر ذلك الموضوع عليه، إن كان الأثر المترتب على ذلك الموضوع مما يكون مربوطا إليه، سواء أ كان غيره أيضا شريكا معه في هذا الأثر، أم لا.

مثلا إذا شهد شاهدان عدلان عنده: أنك تركت في هذه الصلاة التي صليتها الآن أحد أركانها، فيثبت بالبينة المعتبرة هذا الموضوع، أي فقدان صلاته للركن الفلاني.

و لكن ثبوت هذا الموضوع لا أثر له إلا لنفس المصلي إذا كان ما قرأه صلاة نفسه، فيجب عليه الإعادة أو القضاء إذا قامت عنده البينة، أو علم بوجودها، و لا أثر لقيام هذه البينة في حق غيره، و أما إذا كان غيره شريكا معه في هذا الأثر، كما إذا قامت البينة المعتبرة على نجاسة هذا المائع مثلا، فمن اطلع على هذه البينة يجب عليه الاجتناب عن هذا المائع.

و قد يكون أثر ذلك الموضوع مخصوصا بالغير، كقيام البينة عند زيد على أن عمروا مثلا فات عنه الصلاة الفلانية، فهذه البينة بالنسبة إلى زيد لا أثر له، فإن علم عمرو بوجود مثل هذه البينة يجب عليه ترتيب الأثر، و إلا فلا يجب شيء، لا على عمرو و لا على زيد.

ثمَّ إنه لا يخفى أن ما ذكرناه مبني على أن يكون العلم بقيام البينة المعتبرة عند شخص على موضوع مثبتا لذلك الموضوع عند العالم بقيام البينة عند ذلك الشخص، فيجب ترتيب أثر ذلك الموضوع عليه و إن لم يقم عنده البينة، مثلا لو علم بأن شاهدين عدلين شهدا عند زيد بأنهما رأيا هلال شوال، فبناء على عموم حجية البينة، أو حجيتها في خصوص الهلال مثلا يجب على هذا العالم بقيام البينة عند زيد ترتيب أثر شوال أي الإفطار و حرمة الصوم.

28

أما لو قلنا بأن قيام البينة المعتبرة عند شخص على موضوع لا يثبت ذلك الموضوع إلا لمن قامت عنده البينة، و أما بالنسبة إلى غيره فلا يثبت ذلك الموضوع و لو علم بقيام البينة على وجوده عند شخص آخر.

فليس الأمر كما ذكرنا و قلنا من الأقسام الثلاثة، بأن الأثر إما مخصوص بنفس من قامت عنده البينة، فيجب عليه ترتيب ذلك الأثر فقط، و لا ربط لقيامها بالآخرين. و إما غيره شريك معه، فيجب ترتيب الأثر منه و من غيره. و إما مخصوص بغيره، فيجب ترتيب الأثر من ذلك الغير فقط دون نفسه.

و الظاهر من أدلة عموم حجية البينة- سواء أ كانت الأخبار و الآيات، أو كانت هي سيرة المتشرعة و بناء العقلاء- أن قيامها عند أي شخص على موضوع ذي أثر شرعا مثبت لذلك الموضوع للجميع، فكل من كان ثبوت ذلك الموضوع له أثر يجب عليه ترتيب ذلك الأثر، سواء أ كان من له أثر هو من قامت البينة عنده، أو غيره، أو كانا شريكين.

ثمَّ أنه بناء على القول الآخر- أي اختصاص ثبوت مؤدى البينة بمن قامت عنده- فلا يجب التعرض للآخر، سواء أ كان الآخر شريكا معه في أثر ذلك الموضوع الذي قامت عليه البينة، أو كان الأثر مخصوصا بذلك الغير، لأن المفروض بناء على هذا القول عدم ثبوت المؤدى له و هو باق على جهله.

و لا يتوهم: أن له التعرض من باب الأمر بالمعروف إذا كان أثر المؤدى هو الوجوب عليه- ككون المؤدى مثلا رؤية هلال شهر رمضان و من باب النهي عن المنكر إذا كان المؤدى هي الحرمة، و ذلك ككون المؤدى رؤية هلال شوال باعتبار حرمة الصوم في ذلك اليوم في الفرض الثاني، و وجوبه في الفرض الأول- لأن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر موردهما فيما إذا تنجز التكليف وجوبا في الأول، و حرمة في الثاني على المكلف و قام عليه البيان، و المفروض في المقام أن ذلك الغير جاهل و

29

لم يصل التكليف إليه و لم ينجز عليه، لعدم ثبوت مؤدى البينة لغير من قامت عنده البينة على هذا القول.

نعم لو كان ما قام عليه البينة من المحرمات الكبيرة التي يكون وجودها مبغوضا عند الشارع و لو كان صادرا عن غير المكلفين- كما إذا كان المرتكب صغيرا أو مجنونا أو جاهلا أو غير ذلك مما يرفع الحرمة- فله التعرض و المنع، و لكن لا بمناط النهي عن المنكر، بل بمناط حكم العقل بلزوم المنع عن إيجاد ما هو مبغوض وجوده عند الشارع، و إن كان المرتكب غير مكلف بتركه و لا يعاقب على فعله، لرفع القلم عنه لصغره أو لجنونه أو لكونه مكرها على فعله، أو لم يتنجز عليه لجهله و عدم وصول التكليف إليه.

تتميم

و هو أنه هل الخبر الواحد الذي مخبره عادل حجة في الموضوعات كما أنه حجة في باب الروايات التي مفادها نقل الأحكام عن الإمام (عليه السّلام) أم لا؟

ذهب جماعة إلى الأول، و استدلوا على حجيته في الموضوعات أيضا بسيرة العقلاء و بنائهم أولا، و بالأخبار ثانيا.

فنقول: أما وجود السيرة و بناء العقلاء على قبول خبر الثقة و إن كان غير بعيد، إلا أنه أولا خبر الثقة غير خبر العادل، و بينهما عموم و خصوص من وجه، إذ يمكن أن يكون خبر عدل و لا يكون ثقة، لكثرة الاشتباه، أو عدم الضبط، أو غير ذلك.

و أما كونه ثقة و غير عادل فإمكانه من الواضحات، بل يمكن أن يكون كافرا و ثقة في إخباره، لتحرزه عن الكذب.

و إن ادعى المدعي تحقق السيرة و بناء العقلاء على حجية خبر العدل الواحد، فعهدة هذه الدعوى عليه، إذ العقلاء لا يهتمون بعدالة المخبر، خصوصا إذا كانوا من غير أهل الدين، بل ردهم و قبولهم دائر مدار الوثوق بالمخبر و إن كان كافرا، فضلا

30

عن أن يكون فاسقا، هذا أولا.

و ثانيا: على فرض تحقق السيرة و بناء العقلاء على حجية خبر العدل الواحد، تكون رواية مسعدة بن صدقة «الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» (1) رادعة عن هذه السيرة، كما أنها رادعة عن السيرة و بناء العقلاء على حجية خبر الثقة أيضا، من جهة أن ظاهر الرواية حصر غاية الحلية فيها في الاستبانة و قيام البينة، فلو كان خبر العدل الواحد أو خبر الثقة إذا كان المخبر واحدا حجة، فلم يكن وجه للحصر في ذينك الأمرين.

إن قلت: إن خبر العدل الواحد إذا كان حجة، و كذلك خبر الثقة يكون داخلا في الاستبانة تعبدا، لحكومة أدلة حجية الخبر العدل الواحد، و كذلك أدلة حجية خبر الثقة على الدليل الذي أخذ الاستبانة غاية للحلية، كرواية مسعدة، كما أن استصحاب الحرمة أيضا حاكم، و ذلك لما ذكرنا في الأصول أن الأمارات و الأصول التنزيلية لها حكومة على العلم الذي أخذ في الموضوع على وجه الطريقية. (2)

قلنا: إن هذا الكلام صحيح، و لكن لازمه أن يكون خبر العدل الواحد، أو الخبر الثقة الذي يكون مخبره واحدا عدلا للبينة، فكأنه (عليه السّلام) قال: الأشياء كلها على الحلية، إلا أن تعلم بموضوع الحرمة، أو يخبر عدل واحد أو عدلان بما هو موضوع الحرمة.

و جعل العدل الواحد عدلا للعدلين في غاية الركاكة، خصوصا إذا كانت شهادة العدلين تدريجيا لا دفعة واحدة، لأنه مع شهادة العدل الأول يثبت الموضوع، فشهادة الثاني يكون لغوا و بلا أثر، بل يكون اعتبارها لثبوت المؤدى من قبيل تحصيل الحاصل، فاعتبار التعدد مع ثبوت المؤدى بواحد متنافيان.

نعم اعتبار التعدد في خبر العدل غير الثقة مع ثبوت المشهود به بخبر الواحد

____________

(1) تقدم تخريجه في ص 11، رقم (2).

(2) «منتهى الأصول» ج 2، ص 22 و 538- 539.

31

الثقة لا تنافي بينهما، و لكن اعتبار خبر الواحد الثقة مع إطلاق اعتبار التعدد في خبر العدل- أي و إن كانا ثقتين- متنافيان.

فظهر ممّا ذكرنا أنّه مع اعتبار خبر العدل الواحد، أو خبر الواحد الثقة لا يبقى لاعتبار التعدّد و حجية البينة مجال، فمن دليل حجية البينة و اعتبارها يستكشف عدم اعتبار خبر العدل الواحد، أو خبر الواحد الثقة، فتكون رواية مسعدة رادعة للسيرة و بناء العقلاء على فرض تحققها.

هذا، مضافا إلى خبر عبد الله بن سليمان، المروي في الكافي و التهذيب، في الجبن:

«كل شيء حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة» فجعله (عليه السّلام) غاية الحلية مجيء شاهدين يشهدان أن فيه ميتة، يدل على عدم كفاية مجيء شاهد واحد و لو كان عدلا أو ثقة (1).

و خلاصة الكلام: أن اعتبار التعدد كما في البينة مع عدم اعتبار التعدد كما في خبر العدل الواحد- أو خبر الثقة الواحد كما هو ادعاء الطرف- مما لا يجتمعان، إذ هما متناقضان.

اللهم إلا أن يقال بعدم اعتبار خبر العدل الواحد و خبر الثقة الواحد في كون الميتة في الجبن، و هو لا يخلو- مضافا إلى بعده- من الغرابة.

و أما الأخبار التي استدلوا بها على حجية الخبر العدل الواحد و خبر الثقة الواحد:

فمنها حسنة حريز- أو صحيحته- المروية في الكافي، و فيها بعد ما وبخ الصادق (عليه السّلام) ابنه إسماعيل في دفعه دنانير إلى رجل شارب الخمر بضاعة ليعامل بها و يعطي مقدارا من النفع لإسماعيل، فأتلف النقود ذلك الرجل، قال (عليه السّلام) له: «لم فعلت ذلك و لا أجر لك؟» فقال إسماعيل: يا أبت إني لم أره يشرب الخمر، إني سمعت الناس

____________

(1). تقدم تخريجه في ص 17، رقم (1).

32

يقولون، فقال: «يا بني إن الله عز و جل يقول في كتابه يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (1) يقول: يصدق الله و يصدق المؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم» (2).

و لا شك في أن قوله (عليه السّلام) «إذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم» كلمة «المؤمنون» فيه حيث أنها جمع معرف باللام يفيد العموم الاستغراقي، لأن العام المجموعي- بمعنى أنه إذا شهد عندك جميع المؤمنين معا فصدقهم- قطعا ليس بمراد، لأن شهادة جميع المؤمنين الموجودين في الدنيا على موضوع عادة غير ممكن و محال.

فإذا كان العام استغراقيا، فتنحل إلى قضايا متعددة حسب عدد أفراد المؤمنين كسائر العمومات، فيكون مفاد هذه الجملة أن أي واحد من المؤمنين إذا شهد عندك بموضوع، سواء أ كان هو شرب الخمر كما أنه هو المورد، أو كان غيره فصدقه.

و معلوم أن معنى التصديق في المقام هو ترتيب أثر المشهود به على شهادته، و هذا معنى وجوب قبول خبر الثقة و العدل الواحد، و قد روى بعضهم «إذا شهد عندك المؤمنون فاقبلوا» (3).

و فيه: أولا: أن أحدا لم يقل بحجية خبر كل مؤمن بل كل مسلم، لما حكي بعضهم «المسلمون» في هذه الرواية بدل «المؤمنون».

و ثانيا: لم يقل أحد بحجية خبر الثقة أو العدل الواحد في باب الحدود، بل ينفي تصديق المؤمن الواحد في باب ارتكاب الذنب ما رواه الصدوق في كتاب عرض المجالس، و فيه: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من

____________

(1). التوبة (9): 61.

(2). «الكافي» ج 5، ص 299، باب آخر منه في حفظ المال و كراهة الإضاعة، ح 1، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 230، أبواب كتاب الوديعة، باب 6، ح 1.

(3). تقدم ذكره في ص 19، رقم (2).

33

أهل العدالة و الستر» (1).

و ثالثا: من المقطوع عدم حجيتهما في مقام المخاصمة و مقابل ذي اليد.

و رابعا: يجب تقييدها- أي الحجية بكونهما متعددا- برواية مسعدة بن صدقة (2) و خبر عبد الله بن سليمان (3).

هذا كله، مضافا إلى أنه ليس المراد من وجوب تصديقهم ترتيب الأثر على ما يخبرون به و إن كان فيه ضرر على الغير، لما ورد «كذب سمعك و بصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة و قال لك قولا فصدقه و كذبهم» (4) أي فيما يضره و لا ينفعهم.

فالمراد من وجوب تصديقهم و كذا من قبول قولهم- بناء على صحة الرواية الأخرى- هو التحذر عما أخبر به فيما إذا احتمل أن يكون على تقدير صحة ما أخبر عنه ضرر عليه، كما أنه كذلك كان في مورد صدور الرواية.

و الحاصل: أنه يدور الأمر بين هذه التخصيصات الكثيرة التي ربما يكون العموم مستهجنا معها و تقييد واحد، و هو تقييد وجوب تصديق المؤمن بكونه متعددا، و لا شك في أن الثاني أولى بل هو المتعين، و كذلك الحال في مفهوم آية النبإ بناء على ثبوت المفهوم لها و شموله للأخبار عن الموضوعات و عدم كونه مختصا بالأحكام، فيدور الأمر بين تخصيصه بهذه التخصيصات أو تقييده بالتعدد بالنسبة إلى الموضوعات، و معلوم أن الثاني أولى، بل هو المتعين.

____________

(1). تقدم تخريجه في ص 21، رقم (2).

(2). تقدم تخريجه في ص 11، رقم (2).

(3). تقدم تخريجه في ص 17، رقم (1).

(4). «الكافي» ج 8، ص 147، كتاب الروضة، ح 125، «عقاب الأعمال» ص 295، ح 1، «وسائل الشيعة» ج 8، ص 609، أبواب أحكام العشرة، باب 157، ح 4.

34

و أما الأخبار الواردة في الموارد الخاصة، كقول علي (عليه السّلام): «المؤذن مؤتمن» (1) و كقوله (عليه السّلام): «الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة» (2).

و قوله (عليه السّلام) في رواية إسحاق بن عمار قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير و كان مريضا؟ فقال لي: «إن حدث بي حدث فأعط فلانا عشرين دينارا و أعط أخي بقية الدنانير، فمات و لم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: إنه أمرني أن أقول لك انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي، فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين، و لم يعلم أخوه أن عندي شيئا، فقال (عليه السّلام): أرى أن تتصدق منها بعشرة دنانير» (3).

و الرواية ظاهرة في وجوب قبول قول هذا الرجل المسلم الصادق، حيث أن التصدق على خلاف الإرث، و الروايات الواردة في وجوب الاعلام في بيع الدهن المتنجس (4) و لو لم يكن إخبار البائع واجب القبول، كان وجوب الإخبار لغوا.

و ما ورد في الاعتماد على إخبار البائع بالكيل أو الوزن (5)، و كذلك في إخباره باستبراء الأمة (6) و غير ذلك من الموارد، و في الجميع مضافا إلى المناقشات في دلالتها أنها موارد جزئية لا يظهر منها الدلالة على قاعدة كلية، و هي حجية كل خبر ثقة أو عدل واحد في أي موضوع من الموضوعات.

____________

(1). «تهذيب الأحكام» ج 2، ص 282، ح 1121، باب الأذان و الإقامة، ح 23، «وسائل الشيعة» ج 4، ص 618، أبواب الأذان و الإقامة، باب 3، ح 2.

(2). «الفقيه» ج 3، ص 87، ح 3385، باب الوكالة، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 213، ح 503، باب الوكالات، ح 2، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 286، أبواب كتاب الوكالة، باب 2، ح 1.

(3). «الفقيه» ج 4، ص 235، ح 5561، باب نوادر الوصايا، «تهذيب الأحكام» ج 9، ص 237، ح 923، باب الزيادات، ح 16، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 482، أبواب كتاب الوصايا، باب 97، ح 1.

(4). «وسائل الشيعة» ج 12، ص 66، أبواب ما يكتسب به، باب 6.

(5). «وسائل الشيعة» ج 12، ص 255، أبواب عقد البيع و شروطه، باب 5.

(6). «وسائل الشيعة» ج 14، ص 501، أبواب نكاح العبيد و الإماء، باب 5.

35

و أما الاستدلال بما حكى بعضهم «المؤمن وحده حجة» فلا يخفى ما فيه من حيث السند و الدلالة.

و أما استدلال لقبول خبر الثقة بمضمرة سماعة: سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إن هذه امرأتي و ليست لي بينة، فقال: «إن كان ثقة فلا يقربها، و إن كان غير ثقة فلا يقبل منه» (1).

ففيه أولا: معارضتها برواية يونس، قال: سألته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان، فسألها: أ لك زوج؟ فقالت: لا، فتزوجها. ثمَّ إن رجلا أتاه فقال: هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج؟ قال: «هي امرأته إلا أن يقيم البينة» (2).

و نحوه مكاتبة الحسين بن سعيد (3).

و أيضا معارضتها بخبر عبد العزيز المهتدي، سألت الرضا (عليه السّلام) قلت له: إن أخي مات فتزوجت امرأته، فجاء عمي فادعى أنه كان تزوجها سرا، فسألتها عن ذلك، فأنكرت أشد الإنكار و قالت: ما كان بيني و بينه شيء قط فقال: «يلزمك إقرارها و يلزمه إنكارها» (4).

و معلوم أن المعارض أقوى من مضمرة سماعة، لكثرة عددها، و عمل المشهور بها و إعراضهم عنه، و عدم الفتوى به.

____________

(1). «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 461، ح 1845، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 53، «وسائل الشيعة» ج 14، ص 226، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، باب 23، ح 2.

(2). «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 468، ح 1874، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 82، «وسائل الشيعة» ج 14، ص 226، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، باب 23، ح 3.

(3). «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 477، ح 1914، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 122، «وسائل الشيعة» ج 14، ص 226، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، باب 23، ذيل ح 3.

(4). «الكافي» ج 5، ص 563، باب النوادر (من كتاب النكاح) ح 27، «الفقيه» ج 3، ص 472، ح 4650، باب النوادر (من كتاب النكاح)، «وسائل الشيعة» ج 14، ص 226، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، باب 23، ح 1.

36

و ثانيا: أنه من المحتمل القريب أن يكون النهي عنه من جهة شدة حسن الاحتياط في الفروج، خصوصا مع قوة الاحتمال إذا كان المدعي ثقة، و لذا جعل الشارع وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية في باب الفروج مثل وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية من باب الدماء، لكثرة الاهتمام بهذين البابين.

و خلاصة الكلام: أنه لم نجد دليلا يمكن الركون إليه و الاعتماد عليه من نقل أو بناء العقلاء و سيرتهم على حجية خبر العدل الواحد، أو خبر الثقة الواحد مع إمضاء من قبل الشارع، بل وجدنا الأدلة على عدم حجية كليهما، أي خبر الثقة و خبر العدل الواحد، و قد تقدم ذكر تلك الأدلة.

الجهة الثانية

في نسبة هذه القاعدة، أي قاعدة حجية البينة في جميع الموضوعات مع سائر الأدلة، من الأصول و الأمارات التي تستعمل في الموضوعات.

فنقول: أما بالنسبة إلى الأصول الموضوعية كقاعدة الفراغ كما إذا شك في إتيان العمل تام الأجزاء و الشرائط و فاقدا للموانع، أو أتى به ناقصا بأن أتى به تاركا لجزء أو شرط أو أتى به مقرونا بمانع، و كان هذا الشك بعد الفراغ عن العمل، فمقتضى قاعدة الفراغ عدم الاعتناء بذلك الشك و البناء على أنه أتى به صحيحا و تام الأجزاء و الشرائط و فاقدا للموانع.

فلو قامت بينة شرعية معتبرة على أنه ترك الجزء الفلاني أو الشرط الفلاني أو أتى بالمانع الفلاني أو القاطع الفلاني، فمقتضى حجية البينة بطلان العمل، إلا أن يكون هناك دليل آخر على صحة العمل الفاقد لذلك الجزء أو ذلك الشرط أو واجدا لذلك المانع، كما أنه ورد الدليل بالنسبة إلى الصلاة إن أتى بالناقص نسيانا، و هي صحيحة «لا تعاد» في غير الأركان، و كما أنه وردت أدلة خاصة في باب الحج بأن النقص أو

37

الزيادة في بعض الأجزاء و الشرائط نسيانا لا يضر بصحة العمل، و إن علم وجدانا بالنقص، فضلا عن البينة التي هي أمارة تعبدية.

و خلاصة الكلام: أنه إذا وقع التعارض بين قاعدة الفراغ التي مفادها صحة العمل و عدم الاعتناء بالشك و المضي عنه و عدم وجوب الإعادة، و بين البينة على عدم تماميته و أنه تجب الإعادة، فيجب العمل على طبق قاعدة حجية البينة و الإعادة، إلا فيما ذكرنا من وجود دليل على عدم وجوب الإعادة و إن علم وجدانا بالخلل بالزيادة أو النقيصة، و ذلك من جهة أن البينة أمارة، و قاعدة الفراغ على ما هو الصحيح عندنا أصل تنزيلي، و دليل الأمارة حاكم على دليل الأصل و إن كان تنزيليا، و قد حققنا المسألة في كتابنا «منتهى الأصول». (1)

و قد ظهر مما ذكرنا حال تعارض البينة مع سائر الأصول، كقاعدة التجاوز، و أصالة الصحة، و قاعدة الوقت حائل، و قاعدة الطهارة، و الاستصحاب، و أصالة عدم التذكية، و أصالة الحل، كل ذلك في الشبهات الموضوعية، و المناط في الجميع واحد، و هو حكومة الأمارات على الأصول.

إذ موضوع الأصل و إن كان تنزيليا هو الشك، و الأمارة- على ما هو التحقيق من أن حجيتها من باب تتميم الكشف- يرفع الشك تعبدا، و هذا هو معنى الحكومة، فلا يبقى موضوع للأصل حتى يعارض الأمارة.

و أما حالها مع سائر الأمارات: أما مع اليد، فلا شبهة في تقديمها على اليد، لأن عمدة تشريع حجيتها في باب المخاصمة لإبطال التمسك باليد، و بواسطة قيام البينة من طرف المدعي يؤخذ المال من ذي اليد و يعطى للمدعي.

و لو لم تقدم البينة على اليد يبقى القضاء بلا ميزان، لأن ميزان القضاء هي البينة على المدعي و اليمين للمنكر، و ليس اليمين ابتداء للمنكر، بل ميزانيته في صورة فقد

____________

(1). «منتهى الأصول» ج 2، ص 537.

38

البينة، و إلا في صورة وجود البينة للمدعي لا ميزانية له، فإذا لم يقدم البينة على اليد فيبقي القضاء بلا ميزان، و يقف الحكم.

و أما بالنسبة إلى سوق المسلم، فأمارية السوق على التذكية أو الحلية أو غير ذلك موقوفة على عدم كون البينة على خلافها.

و خلاصة الكلام: أن تقديم البينة على اليد و السوق من الواضحات و المسلمات.

و أما تعارضها مع الإقرار، مثل أن أقيمت البينة على أن هذا المال له و هو أقر بأنه لزيد مثلا و كذب البينة، أو في باب الجنايات فلو شهدت البينة المعتبرة أن هذه الجناية صدرت من فلان، و هو أقر و اعترف بأنه الجاني و فاعل هذه الجناية، فمقتضى القاعدة و إن كان تساقط الأمارتين بناء على ما هو الصحيح عندنا من كون حجية الأمارات من باب تتميم الكشف، و لكن الظاهر أن بناء العرف و العقلاء على تقديم الإقرار عليها، ففي المثال المذكور بعد أن أقر أن هذا المال الذي في يده ليس له و لزيد، فقيام البينة أنه له لا اثر له.

و لعل السر في ذلك أنهم يرون الإقرار أكشف من البينة، كما أنه لو علم كذب البينة فلا حجية لها، لأن التعبد بالأمارة في ظرف الجهل بالمؤدي، و أما لو علم بوجود المؤدى و ثبوته أو علم بعدمه، فلا معنى و لا مجال للتعبد بوجوده أو عدمه.

و الحاصل: أن العقلاء لا يرون كاشفية للبينة في ظرف إقرار المشهود له على خلافها، كما أنه لا كاشفية لها مع العلم بالخلاف.

و لكن وردت روايات في أنه إذا قامت البينة على أن زيدا مثلا قاتل، ثمَّ أقر شخص آخر بأنه أنا القاتل، أن للولي الأخذ بأية واحدة من الأمارتين، فله قتل أي واحد منهما إذا أراد، و كل ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) (1) و قد عملوا بها

____________

(1). «الكافي» ج 7، ص 290، باب النادر (من كتاب الديات) ح 3، «تهذيب الأحكام» ج 10، ص 172، ح 678، باب البينات على القتل، ح 18، «وسائل الشيعة» ج 19، ص 108، أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، باب 5، ح 1.

39

و أفتوا على طبقها و إن كان مفادها على خلاف مقتضى القواعد و الأصول، لكنّه يجب العمل بها في موردها على كل حال.

و أما تعارض البينة مع مثلها، فالتكلم فيه في بيان قاعدة «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر».

الجهة الثالثة في بيان موارد تطبيقها في الفقه

فنقول: إن هذه القاعدة سارية و جارية في جميع أبواب الفقه.

ففي كتاب الطهارة مثلا تستعمل في إثبات الطهارة و النجاسة بناء على عموم حجيتها، و في موضوعات أحكام النجاسات، و في إثبات الملاقاة للنجس و عدم الملاقاة، و في إثبات أن هذا الماء كر أو ليس بكر، و أنه مطلق أو مضاف، و أنه تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجس أم لم يتغير، و أنه توضأ أم لم يتوضأ، و كذلك هل اغتسل أم لا، و أنه هل كان على البشرة و محل غسل الوضوء أو مسحه و كذلك في الغسل مانع و حاجب أم لا، و أنه تيمم أم لا، و هل هذا التراب الذي يريد أن يتيمم عليه طاهر أم نجس، و أنه هل هو مما يصح التيمم عليه أم لا في الشبهة الموضوعية لا الحكمية، و في مقدار المساحة التي يجب الفحص عن الماء في الشبهة الموضوعية لا الحكمية، و في لون الدم الذي تراه المرأة إذا كانت عاجزة عن الرؤية لعمى أو لجهة أخرى و في نفوذه في القطنة و عدمه كذلك، و في كونه مستديرا على القطنة كي يكون دم العذرة أو لا فيكون استحاضة أو حيضا أو شيئا آخر، و أنه هل انقطع على العشرة أو تعدى و أنه هل كان أقل من الثلاثة أم لا.

40

كل ذلك فيما إذا لم يكن في قيام البينة محذور شرعي.

و في كتاب الصلاة تستعمل في معرفة القبلة و الأوقات، و في لباس المصلي من كونه حريرا أو ذهبا أو غير مأكول، و في مكانه من حيث كونه غصبا، و في معرفة ما يصح السجود عليه، و في ضبط عدد الركعات و تعيينها، و في زيادة ركن أو نقيصته و إن كان نسيانا، و في حصول المسافة و تعيينها، و في مقدار الإقامة أو مضي ثلاثين مترددا، و في معرفة حد الترخص، و في صلاة الجماعة من حيث عدالة الإمام و صحة قراءته، و الاتصال مع الإمام، و عدم علو الإمام، و عدم الحائل بين المأموم و الإمام، كل ذلك في الشبهة الموضوعية، و غير ذلك من موضوعات الأحكام في كتاب الصلاة.

و في كتاب الزكاة وصول المال إلى مقدار النصاب في الشبهة الموضوعية، و في إثبات الفقر و كونه ابن السبيل، و أنه من الغارمين، و أن دينه لم يكن من جهة الصرف في المعصية و لا من جهة الإسراف، و في كونه عبدا تحت الشدة، و في كونه مسكينا، و في إثبات بلوغ المالك و كونه عاقلا و حرا متمكنا من التصرف في ماله تمام التمكن، و أن تملكه للغلات بواسطة الزراعة و كونه زارعا، أو انتقل إليه الزرع أو الشجر قبل تعلق الزكاة بهما أي قبل اشتداد الحب في الذرع و قبل بدو الصلاح في الأشجار المثمرة، أعني النخيل و الكروم، و في مقدار مئونة تحصيل الغلات، سواء كانت من قبيل الزرع أو كانت من قبيل أشجار المثمرة، أي النخيل و الكروم.

و في كتاب الخمس أما بالنسبة إلى ما يتعلق به الخمس، فمثل المعدن، أو الغوص، أو الحلال المختلط بالحرام، أو أن له الربح و مقدار الربح مستعمل فيها البينة إذا شك فيها من جهة الشبهة الموضوعية لا المفهومية، لأن المرجع في الشبهة المفهومية هو العرف أو الأدلة الشرعية إن كان تصرف من قبل الشارع فيها، أي فيما أخذ موضوعا لحكمه، و كذا في بلوغ النصاب فيما له نصاب منها كالغوص و المعدن.

و أما بالنسبة إلى المستحق فتستعمل في إثبات كونه من بني هاشم، و أنه لا يملك

41

مئونة سنته، و بالنسبة إلى سهم الإمام (عليه السّلام) و إيصاله إلى الفقيه العادل الجامع للشرائط أو صرفه في ما يأذن أو إعطائه لمن يأذن، ففي جميع هذه الموضوعات تستعمل البينة لإثباتها.

و في كتاب الحج تستعمل في تعيين المواقيت أو محاذاتها من ناحية الشبهة الموضوعية، و كذلك في ثوبي الإحرام و كونهما مما يجوز لبسهما في الإحرام، ثمَّ في عدد أشواط الطواف إذا شك فيه، و كذلك في عدد السعي بين الصفا و المروة، و كذلك في تعيين زمان الوقوف في عرفات و مكانه، و كذلك الأمر بالنسبة إلى المشعر و منى زمانا و مكانا، كل ذلك من ناحية الشبهة الموضوعية، و في شرائط الذبيحة يوم العيد في منى، و غير ذلك من الموضوعات الكثيرة للأحكام الشرعية في كتاب الحج التي لا يخفى على الفقيه المتتبع، و أنه إذا حصل له الشك فيها من ناحية الشبهة الموضوعية فأحد طرق إثباته هي البينة.

و أما في أبواب المعاملات فأغلب الموضوعات للأحكام فيها عرفية، و بعد أخذ المفهوم من العرف إذا شك في مصداقه، فأحد طرق إثباته هي البينة، كالعيب في خيار العيب من ناحية الشبهة الموضوعية، و الغبن أيضا كذلك في خيار الغبن، و كذلك الحال في سائر المعاملات.

و أما في كتاب الصيد و الذباحة و الأطعمة و الأشربة، ففي أكثر الموضوعات المشتبهة من حيث المصداق و الشبهة الموضوعية تثبت الحلية و الحرمة بالبينة، مثلا إذا شك في أنه عند الرمي هل قال: «بسم الله» أم لا؟ فان شهدت البينة بأنه سمى يثبت التسمية، أو إذا شك في أنه ذبح بالحديد، أو بآلة من فلز آخر، أو من شيء آخر- بناء على توقف الحلية على أن يكون الذبح بالحديد- فإن شهدت بأنه كان بالحديد تثبت الحلية بها.

و في الأطعمة و الأشربة إذا شك في أن هذا السمك هل له فلس أم لا؟ فإن

42

شهدت البينة بأنه كان له الفلس تثبت الحلية، أو إذا شك أن هذا الطائر هل له حوصلة أم لا، و أن دفيفه أكثر من صفيفه أم لا؟ فإن شهدت البينة أن دفيفه أكثر، أو أنها شهدت أن له حوصلة أو قانصة أو صيصية فتثبت الحلية.

و أما في كتاب القضاء و أبواب الدعاوي، فهي الركن الركين.

و أما في كتاب المواريث، فالبينة تستعمل في إثبات الأنصاب و مقدار حصص الورثة، و غير ذلك من الموضوعات للأحكام من كفر الوارث، أو كونه قاتلا للمورث، أو كونه أكبر الأولاد و يستحق الحبوة.

و في كتاب الحدود و الديات تستعمل في مقدار الجناية و تعيين الجاني و المجني عليه.

و الحمد لله أولا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.

43

27- قاعدة إقرار العقلاء

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

قاعدة إقرار العقلاء (1) و من القواعد الفقهية المعروفة قاعدة «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

و فيها جهات من البحث:

[الجهة] الأولى في مدركها

و هو أمور:

الأول: اتفاق العقلاء من جميع الملل كافة على نفوذ إقرار كل عاقل على نفسه،

بمعنى أن إقرار العاقل على نفسه طريق مثبت لما أقر به عندهم جميعا، و لم ينكره أحد.

و ذلك أن العاقل لا يقدم على إضرار نفسه إلا لبيان ما هو الواقع لوخز ضميره من الخلاف الذي صدر عنه، سواء أ كان ذلك الخلاف هي السرقة أو جناية أو غصب أو قذف و ما شابه ذلك، أو يقر على نفسه ببيان الواقع حذرا من العذاب الأخروي.

مثلا لو كان مال غيره في يده و تحت سيطرته و تصرفه، فلا يعترف أنه لذلك

____________

(1) «الحق المبين» ص 99، «عوائد الأيام» ص 172، «عناوين الأصول» عنوان 81، «خزائن الأحكام» ش 43، «مجموعه رسائل» العدد 22، ص 497، «مستقصى مدارك القواعد» ص 7، «أصول الاستنباط بين الكتاب و السنة» ص 207، «القواعد» ص 53، «قواعد فقهي» ص 223، «القواعد الفقهية» (فاضل اللنكرانى) ج 1، ص 63، «القواعد الفقهية» (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 403، «در باب إقرار» محمد اعتضاد البروجردي، مجلة «كانون وكلاء» 27، «إقرار» سيد على شايكان نشرة «مجموع حقوقي» العام 1، العدد 30.

46

الغير إلا لما ذكرنا من الوجوه، كما أنه لو كان لنفسه فلا يعترف إنه لغيري، لعدم الداعي إلى ذلك في الغالب.

نعم قد يتفق له الداعي على إقراره بما هو ضرر عليه مع أنه على خلاف الواقع، و لكن هذا القسم شاذ قليل الوجود، و لو لم يكن موجودا أصلا لكان الإقرار على النفس موجبا للعلم بصحة ما أقر به، و لكن وجود هذا القسم من الإقرار على النفس اتفاقا صار سببا لأن يكون من الأمارات الظنية القوية، و لذلك العقلاء بنوا على حجيته.

ألا ترى أن أحدهم لو اتهم بسرقة أو جناية أو غصب أو غير ذلك- مما يكون الإقرار به ضررا على نفسه- لو أقر و اعترف بذلك، لا يتردد أحد في تصديقه و قبول قوله و صدور هذه الأفعال عنه، فإذا أنكر شخص آخر صدور هذه الأفعال عنه يقال له: كيف تقول إنها لم يصدر عنه، و هو بنفسه أقر و اعترف بذلك؟! و لعل هذا مضمون كلام أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السّلام) في مرسل عطار: «المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمن عليه» (1).

و لذلك ترى أن القضاة و الحكام من جميع الملل و الأقطار و الأمصار في جميع الأعصار، يعدون اعتراف الجاني و السارق و القاتل بهذه الأمور من أقوى المدارك لصدور هذه الأفعال عنه، و لم يردع الشارع عن هذه الطريقة، بل أمضاها كما يمر عليك دليل الإمضاء في الأمور الآتية.

و إذا أردت أكثر من هذا أدلة الإمضاء فراجع كتاب القصاص و الحدود و الديات من كتب الحديث التي ألفها العامة و الخاصة.

الثاني: الإجماع من كافة علماء الإسلام،

و عدم الخلاف من أحدهم في حجية

____________

(1) «صفات الشيعة» ص 37، «وسائل الشيعة» ج 16، ص 110، أبواب كتاب الإقرار، باب 3، ح 1.

47

إقرار العقلاء على أنفسهم، و نفوذه في الجملة بطور الموجبة الجزئية.

و لكن أنت خبير بأنّ هذا الإجماع و الاتفاق الظاهر أنه ليس اتفاقا و إجماعا تعبديا من جهة تلقيهم هذا الحكم من المعصوم (عليه السّلام)، بل من جهة أنهم يرونه طريقا عند العقلاء مثبتا لما أقر به، و لم يردع عند الشارع بل أمضاها- كما ذكرنا- فليس من الإجماع المصطلح، كما نبهنا عليه مرارا.

الثالث: الأخبار

، و عمدتها الحديث المشهور بين الفريقين- و قد عبر عنه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بالنبوي المستفيض أو المتواتر (1)، و لا يبعد تواتره لاتفاق الفريقين على نقله و الاستدلال به في الموارد الخاصة- و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (2). و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «قولوا الحق و لو على أنفسكم» (3).

أما قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «قولوا الحق و لو على أنفسكم جائز» سنتكلم عنه في بيان مفاد القاعدة مفصلا إن شاء الله تعالى.

و أما قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «قولوا الحق و لو على أنفسكم». فتقريب الاستدلال به أن الأمر ظاهر في الوجوب، فإذا كان قول الحق واجبا و لو كان على نفسه فيجب قبوله، و إلا يكون وجوب قول الحق لغوا و بلا فائدة، فلا بد من القول بوجوب القبول، و هذا معناه حجية الإقرار على النفس لكونه واجب القبول.

و فيه: أن ظاهر الحديث- بناء على ما ذكرت- أن قول الحق واجب القبول، سواء أ كان على نفسه أو لنفسه، أو على غيره، أو كان لا له و لا عليه، و لكن بعد ما ثبت أنه قول حق بعلم أو علمي، و أما أن كل ما يقول و يقر على نفسه فهو قول حق فمن أين؟

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 35، ص 3.

(2). «عوالي اللئالي» ج 1، ص 223، ح 104، و ج 2، ص 257، ح 5، و ج 3، ص 442، ح 5، «وسائل الشيعة» ج 16، ص 110، أبواب كتاب الإقرار، باب 3، ح 2.

(3). «بحار الأنوار» ج 77، ص 173، ب 7، ح 7. «قل الحق و لو على نفسك».

48

و لعله يقول قولا باطلا، و إقرارا كاذبا على نفسه لجهة من الجهات، كما أنه يريد إظهار سخاوته، فيقول: استدنت من فلان مبلغ كذا و قسمته بين الفقراء، أو يريد إثبات شجاعته فيقول: جنيت على فلان بكذا و كذا.

فالإنصاف أن الحديث لا ربط له بهذه القاعدة، بل في مقام بيان وجوب إظهار الحق و عدم جواز كتمانه، و إن كان إظهاره على ضرره.

و أما الأخبار المروية عن الأئمة المعصومين (عليهم السّلام) فكثيرة جدا، خصوصا في الموارد الخاصة بصورة القضايا الشخصية، و تقدم مرسل عطار عن الصادق (عليه السّلام):

«المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمن». و ظاهره أن شهادة المؤمن على نفسه- أي إقراره على نفسه- أكشف من شهادة سبعين مؤمن، و أيضا خبر جراح المدائني عن الصادق (عليه السّلام): «لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه» (1). و هذا الخبر يدل على نفوذ الإقرار على النفس و إن كان فاسقا، لأنه لا فرق فيما هو المناط في نفوذ إقراره بين أن يكون فاسقا أو عادلا.

و خلاصة الكلام: أن الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السّلام) في الموارد الخاصة الدالة على نفوذ إقرار كل عاقل على نفسه كثيرة جدا، و من راجع كتب الحديث من الفريقين- باب القصاص، و باب الحدود، و باب الديات، و باب الغصب، و باب الإقرار، و باب القضاء منها و أمعن النظر- لا يتأمل في أن ذكر الموارد لأجل تطبيق الكبرى الكلية عليها، أو لأجل الجواب عن القضايا الشخصية، و إلا فلا خصوصية لها، بل الحكم عام، أي مفاد تلك الأخبار نفوذ إقرار كل عاقل على نفسه في أي مورد كان، و يكون حكما كليا لإقرارات جميع العقلاء في جميع الموارد.

الرابع: الآيات

، و منها قوله تعالى:

____________

(1). «الكافي» ج 7، ص 395، باب ما يرد من الشهود، ح 5، «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 242، ح 600، باب البينات، ح 5، «وسائل الشيعة» ج 16، ص 112، أبواب كتاب الإقرار، باب 6، ح 1.

49

أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قٰالُوا أَقْرَرْنٰا قٰالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّٰاهِدِينَ (1).

و منها قوله تعالى وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً (2).

و قوله تعالى كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ (3).

و فيها: أما الآية الأولى، فلا ربط لها بمقامنا و محل بحثنا، أي نفوذ الإقرار على النفس، لأن الله تعالى في الآية يخاطب الناس و يقول بعد أخذ العهد و المواثيق منهم:

أن يؤمنوا و ينصروا رسله، هل أقررتم و أخذتم على ذلكم إصري، أي ثقلي؟ و المراد بالثقل: العهود و المواثيق الذي أخذ منهم، أي قبلتم عهودي و مواثيقي، قالوا: أقررنا، أي قبلنا تلك العهود و المواثيق، فقال الله تعالى: فاشهدوا أيتها الملائكة أو الأنبياء أو الأمم على قبولكم، و أنا الله أيضا من الشاهدين، فلا ربط لها بنفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم، لأن المراد من الأمر بالشهادة تثبيت تلك العهود و المواثيق عليهم و إتمام الحجة، و لذلك يقول هو تعالى بعد ذلك وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّٰاهِدِينَ أي لا يمكن لكم أن تنكروا هذه العهود.

و أما الآية الثانية، فالمراد من قوله تعالى وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ إما هم الفاسقون، المعترفون بذنوبهم، التائبون عما فعلوا من خلط العمل الصالح بالعمل السيء، أو هم المتخلفون عن غزوة تبوك فندموا و تابوا، على التفصيل المذكور في كتب التفاسير، و على كل واحد من التقديرين لا ربط لها بنفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم.

نعم اعترافهم بذنوبهم إقرار على أنفسهم، و لكن أي ربط له بنفوذ إقرار كل عاقل على نفسه.

و أما الآية الثالثة، فتقريب الاستدلال بها أن أمره تعالى بكونهم شهداء لله و لو

____________

(1). آل عمران (3): 81.

(2). التوبة (9): 102.

(3). النساء (4): 135.

50

على أنفسهم ملازم مع وجوب قبول تلك الشهادة التي على النفس، و هذا معناه نفوذ إقراره على نفسه.

و فيه: أن ظاهر الآية وجوب أداء الشهادة و حرمة كتمانها و لو كانت على أنفسهم، و هذا لا يدل على أزيد من وجوب قبول شهادة المؤمنين و إن كانت على أنفسهم إذا كانت واجدة لشرائط وجوب قبول الشهادة من التعدد و العدالة، فلا ربط لها بنفوذ إقرار العاقل على نفسه و إن كان فاسقا و غير متعدد الذي هو محل البحث.

و قد ظهر مما ذكرنا أن الدليل على اعتبار هذه القاعدة أمران:

أحدهما: هو الأمر الأول، أي اتفاق كافة العقلاء على أماريتها، و عدم ورود ردع عن قبل الشارع، بل ورد الإمضاء.

الثاني: هي الأخبار، و عمدتها النبوي المشهور، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

الجهة الثانية في بيان مفاد هذه القاعدة و أنه ما المراد منها

فنقول: إن مفاد القاعدة و المراد منها تابع للسعة و الضيق في مدركها، فإرادة المعنى الأوسع من مدركها يرجع إلى إرادة ما لا دليل عليه، و إرادة الأضيق من دليلها معناه عدم الاعتناء بدليلها، و عدم القول باعتبار ما اعتبره الشارع.

و قد عرفت أن المدرك لهذه القاعدة أمران: اتفاق العقلاء على أن إقرار العاقل على نفسه أمارة على ثبوت ما أقر به، من حيث أنه على نفسه لا بقول مطلق- أي و لو كان له أثر على الغير، فلو أقر بأن فلانة زوجتي، فالعقلاء يبنون على زوجية فلأنه له من حيث الآثار التي على المقر، أي المهر مثلا. و أما أن المرأة تطيعه و ترتب آثار

51

الزوجية فلا- و الأخبار و عمدتها قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» و مفاد الحديث هو عين ما اتفق عليه العقلاء، فلا بد من توضيح مفاد الحديث و بيانه.

فنقول: أما «الإقرار» لغة و بحسب المتفاهم العرفي عبارة عن جعل الشيء ذا قرار و ثبات، فمعنى أقره على شغله أى: جعله ثابتا على ذلك الشغل.

و المتبادر من كلمة «على نفسه» هو كون الشيء على ضرره، كما أن معنى لنفسه كونه لنفعه. و منه قولهم أنت لنا أو علينا، أي: تنفعنا أو تضرنا.

و معنى كلمة «جائز» أي: نافذ و ماض لا الجواز مقابل الحرام، و ذلك من جهة أنها بذلك المعنى ليست مختصة بالإقرار على النفس، بل الإقرار للنفس و بما ينفع المقر أيضا جائز، فمن الواضح أن الجواز هاهنا بمعنى النفوذ و المضي، كما قلنا أن على هذا المعنى اتفاق العقلاء.

هذا، مضافا إلى أن الإقرار على النفس أيضا ربما يكون حراما، و ذلك فيما إذا كان كاذبا فيما يخبر عنه، و خصوصا فيما إذا كان مضافا إلى أنه كذب مضرا للغير و موجبا لإهانته، كما أنه إذا أقر و اعترف كاذبا بأنه زنى بالمرأة المحصنة الفلانية و لا شك في أن مثل هذا الإقرار و إن كان على نفسه، و لكنه من أشد المحرمات، كما هو صريح الآية الشريفة إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ الْغٰافِلٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (1).

ثمَّ إنه إن كان الظرف، أي «على أنفسهم» متعلقا ب«جائز» فيكون المعنى أن إقرار العقلاء مطلقا جائز على أنفسهم، و إن كان متعلقا ب«الإقرار»، فيكون الحاصل أن إقرار العقلاء على أنفسهم لا مطلق أقاريرهم، و تكون كلمة «جائز» مطلقا لا أنه مقيد بالجواز على أنفسهم فقط.

____________

(1). النور (24): 23.

52

و الفرق بين الصورتين في كمال الوضوح، لأنه بناء على الصورة الأولي يكون المعنى عبارة عن أن إقرار العقلاء الذي يكون على ضررهم- لا مطلق إقرارهم و لو لم يكن على ضررهم- نافذ مطلقا، سواء أ كان النفوذ على ضرره أو على نفعه، بمعنى أن الإقرار إذا كان على ضرره و لكن كان له لازم يكون لنفعه، فبناء على تقدير الأول يرتب ذلك اللازم عليه، لأنه يصدق عليه أنه إقرار على النفس. كما أنه لو أقر على أن هذا الولد ابني أو هذه المرأة زوجتي، فهذا الإقرار ضرر عليه من حيث وجوب إعطاء النفقة لهما، و لكن لازمه أنهما لو ماتا يرث منهما.

فلو كان الظرف من قيود الإقرار و كان الجواز مطلقا، فيلزم القول بنفوذ هذا الإقرار بالنسبة إلى هذا اللازم، و أما لو كان من قيود الجواز فيكون المعنى أن إقرارهم جائز في خصوص ما يضرهم لا فيما ينفعهم، فيلزم القول بعدم نفوذ ذلك الإقرار في اللازم المذكور.

و لكن الإنصاف أن ظاهر هذا الكلام أنه (صلّى اللّه عليه و آله) بصدد بيان أن إقرار العقلاء إذا كان على ضررهم فهو- أي: ذلك الإقرار الذي على ضرره- جائز و نافذ على نفسه، فلو كان لإقرارهم الضرري لازم غير ضرري عليه، سواء أ كان نافعا له أو لم يكن، و سواء أ كان ضرر على الغير أو لم يكن، ففي جميع هذه الصور لا يشمله الحديث، لما ذكرنا أن معنى الحديث أن الإقرار الذي على أنفسهم جائز عليهم لا لهم. فكان الظرف المذكور في القضية متعلق بكلمة «إقرار العقلاء» و هو ظاهر اللفظ، و إلا محذوف و مقدر متعلق بكلمة «جائز» بقرينة الأول، مثل قوله تعالى أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ (1) أي: بهم، فحذف من الثاني بقرينة الأول، فكان الكلام هكذا: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز على أنفسهم.

و نتيجة هذا أنه إذا كان للإقرار مدلول التزامي لا يكون ضررا على المقر

____________

(1). مريم (19): 38.

53

لا يشمله الحديث.

إن قلت: إذا حكم الشارع بثبوت المقر به بالإقرار على النفس فقهرا يترتب آثار المقر به عليه، سواء أ كانت تلك الآثار و اللوازم على المقر العاقل أو لنفعه، أو لا لنفعه و لا على ضرره.

قلت: الأمر هكذا بناء على أمارية الإقرار كما هو كذلك، و لكن تقدير الظرف المتعلق بكلمة «جائز» يمنع عن شمول الحديث لغير ما يضر المقر، كما ذكرنا من أن معنى الحديث بعد تقييد الإقرار بكونه على نفس المقر و ضرريا عليه، و أيضا تقييد كلمة «جائز» ب«على نفسه» المقدر، فيكون المعنى أن الإقرار الذي عليه جائز عليه لا له.

إن قلت: بعد حكم الشارع بثبوت المقر به بذلك الإقرار، كيف يمكن التفكيك بين ثبوته و ثبوت لوازمه؟

قلت: إن الثبوت لو كان ثبوته واقعيا تكوينيا لكان لهذا الإشكال مجال، و أما الثبوت التعبدي فهو بلحاظ الآثار، فيمكن أن يرد الدليل بثبوته بلحاظ بعض الآثار دون بعض، فيمكن أن يقول الشارع: تعبد بثبوت ما أقر به بلحاظ آثاره التي تكون على المقر لا له.

فتلخص مما ذكرنا أن معنى هذا الحديث- الذي هو مفاد هذه القاعدة و المراد منها- أن إقرار العقلاء الذي يكون على ضررهم مثبت و طريق كاشف عن وجود المقر به و ثبوته، و لكن من حيث آثاره التي تكون ضررا على المقر، ففي كل مورد لم يكن الأثر ضرريا عليه لا يثبت ما أقر به من تلك الجهة.

و التفكيك بين اللوازم و الملزومات في التعبديات لا مانع منه، و له نظائر كثيرة، لأن الثبوت فيها ليس ثبوتا حقيقيا، بل هو ثبوت تعبدي بلحاظ الآثار، فيمكن التفكيك بين ثبوته- أي: ما أقر به- من حيثية دون أخرى.

54

كما أنه قيل في قاعدة التجاوز و نحن بنينا على هذا (1) إنه لو شك في إتيان صلاة الظهر في أثناء الاشتغال بصلاة العصر، أو شك في أنه توضأ للصلاة أم لا في أثناء الصلاة، فقاعدة التجاوز تثبت الإتيان بصلاة الظهر من حيثية شرطية إتيانها قبل صلاة العصر، و لا تثبت وجودها بقول مطلق، و لذلك بعد الفراغ عن الصلاة يجب الإتيان بها، لأن قاعدة التجاوز مفادها أن بعد التجاوز عن محل الشرط لو شك في إتيان الشرط يمضي في عمله و يبنى على الإتيان بالشرط. فالتعبد بوجود صلاة الظهر بما هو شرط، لا بما هو هو.

و بعبارة أخرى: مفاد القاعدة أنه تعبد بأن العمل الذي أنت مشغول به ليس فاقد الشرط، و أما ذات صلاة الظهر و أنه أتى بها أو لم يأت بها، فلا نظر للقاعدة إليها، و لذلك بعد الفراغ يلزم أن يأتي بها.

و كذلك الأمر في الشك في الوضوء في أثناء الصلاة، فقاعدة التجاوز تثبت وجود الطهارة من حيث شرطيتها لهذه الصلاة، و لا تثبت ذات الوضوء من حيث نفسه، و لذلك بالنسبة إلى الصلوات الآخر لا بد له إلا أن يتوضأ.

و حاصل الكلام: أن قاعدة التجاوز مفادها التعبد بوجود صلاة الظهر من حيث شرطيتها لصلاة العصر، و كذلك بوجود الوضوء من حيث شرطيته للصلاة، لا أصل وجوده.

و مما ذكرنا ظهر أنه لا وجه لما توهموه من الإشكال، بأنه إن كان الإقرار على النفس مثبتا لما أقر به فيجب ترتيب جميع آثار ما أقر به، و إن لم يكن مثبتا له فلا يترتب عليه شيء أصلا، لأنه بناء على هذا يكون إقراره، وجوده كعدمه، و ذلك من جهة أن إقراره يثبت ما أقر به، لكن بالنسبة إلى آثاره التي تكون على ضرر المقر، لا ما يكون له، و لا ما يكون ضررا على غيره، و لا ما يكون لنفع غيره، و لا ما يكون لا له

____________

(1) «القواعد الفقهية» ج 1، ص 315.

55

و لا عليه.

فلا ينقض على هذه القاعدة بأنّه لو أقرّ بما يكون له ضرر على نفسه، و على نفسه و على غيره، كالزنا مثلا، فإنّ ما أقرّ به يكون عليه و على غيره، أي المرأة التي يقرّ بالزنا معها.

فالفقهاء يقولون بأنّ المقرّ يجلد إذا كان غير محصن، و يرجم إذا كان محصنا.

و أمّا المرأة فلا شيء عليها من ناحية هذا الإقرار، نعم هي بنفسها لو أقرّت، أو أقيمت عليها البيّنة تكون حالها حال المقرّ من ناحية إقرار نفسها، أو من ناحية قيام البيّنة على أنّها مزنية بها.

و ذلك من جهة أنّ إقرار ذلك الرجل بالزنا لا يثبت الزناء إلّا بالنسبة إلى الآثار التي تكون ضرريّة على المقرّ دون غيرها. و أمّا التفكيك بين اللوازم، فقلنا إنّه لا مانع منه في التعبّديات.

و كذلك لو أقرّ بأبوّة شخص له، أو بنوّته، أو أخوّته، أو غير ذلك من النسب التي تكون من الطرفين و لم يقرّ الآخر، فلا يترتب على إقراره إلا الآثار التي تكون ضررية على المقر، دون ما يكون ضررا على ذلك الطرف الآخر، فإذا كان واجب الإنفاق على المقر يجب عليه الإنفاق عليه، و يرث من المقر.

و أما الطرف الآخر فلا يجب عليه الإنفاق على المقر، و إن كان على تقدير ثبوت النسبة التي أقر بها واقعا يجب عليه الإنفاق على المقر و يرث المقر منه، و لكن الإقرار لا يثبت النسبة واقعا و تكوينا، و التعبد أيضا ليس بلحاظ جميع الآثار، بل يكون بلحاظ الآثار التي تكون ضررية على المقر، و لا يثبت الآثار التي تكون ضررية على غير المقر، و لا الآثار التي تكون فيها نفع المقر.

إن قلت: أ ليس الإقرار أمارة على ثبوت المقر به، فإذا ثبت الزناء مثلا القائم بالطرفين- الزاني و المزني بها- و لا يمكن تحقق أحدهما بدون الآخر، و هكذا الحال في

56

جميع موارد المتضايفين، فأبوه زيد لعمرو لا يمكن أن تتحقق بدون بنوة عمرو، فإذا أقر زيد بأبوته لعمرو و قلنا أن أبوته لعمرو تثبت بالإقرار الذي من الأمارات، فقهرا يثبت بنوة عمرو بتلك الأمارة.

كما أنه لو قامت البينة على أبوه زيد لعمرو، تثبت بنوة عمرو له أيضا بتلك البينة، و ذلك لحجية مثبتات الأمارات.

قلت: أن أمارية الإقرار ليست مطلقة، بل يثبت ما أقر به من حيث كونه منشأ للآثار التي تكون ضررية على المقر، و لا يثبت ما أقر به مطلقا، و قلنا إن الثبوت ليس ثبوتا حقيقيا وجدانيا و تكوينيا، و إنما هو ثبوت تعبدي بلحاظ الآثار، فيمكن أن يكون الإقرار أمارة على ثبوت الأبوة من حيث آثارها التي تكون ضررية على المقر فقط، كما مثلنا بقاعدة التجاوز و الشك في أثناء صلاة العصر أنه أتى بصلاة الظهر أم لا، و الشك في أنه توضأ أم لا.

و خلاصة الكلام: أن الإقرار قد يكون على نفس المقر فقط- مثل أن يقر بأن لفلان عليه كذا- فنافذ قطعا، و قد يكون على نفسه و على غيره، و هذا على قسمين:

الأول: أن يكون المقر به في كل واحد منهما مستقلا غير مربوط بالآخر، مثل أن يقر أحد الشريكين ببيع تمام دار المشترك بينه و بين غيره، فينفذ في حصته من تلك الدار دون حصة شريكه. و هذا الصورة أيضا لا كلام و لا إشكال فيها، لأنه في الحقيقة إقراران: إقرار ببيع حصته، و هذا على نفسه و نافذ. و إقرار ببيع شريكه حصته، و هذا إقرار على الغير و ليس بنافذ.

الثاني: أن يكون المقر به في كل واحد منهما مربوطا بالآخر، لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن المقر به معنى قائم بالطرفين، و ذلك كإقراره بأبوة شخص أو بنوته أو أخوته، أو بالزنا مع امرأة معينة، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة لهذا القسم.

و هذا القسم هو الذي وقع محل الإشكال، و أنه كيف يمكن التفكيك بأن يكون