أنوار الفقاهة (كتاب المزارعة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
26 /
1

[في معنى المزارعة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

كتاب المزارعة

المزارعة مفاعلة من الزرع و هو مصدر و اسم عين و هي تقتضي المشاركة في المبدأ و لما كان الزرع من العامل و الطلب من المالك تحققت المشاركة تنزيلًا للطلب منزلة الفعل و نقلت شرعاً لمعاملة على الأرض بحصة من نمائها أو للعقد الدال على ذلك أو لمجموعهما أو لكل واحد منهما على الاشتراك اللفظي و يخرج بقيد على الأرض غيرها من المعاملة على المال في المضاربة و المعاملة على الأصول في المساقاة و بقيد بحصته من نمائها إجارة الأرض أو الصلح عليها بمال أخر و لا بد في الحد إلى أجل معلوم لخروج الفاسدة و يملك بها العامل منفعة الأرض بمعنى أنه يملك الحصة المقدرة و يملك بها المالك العمل على العامل و يملك العامل الحصة بعد ظهورها ملكاً حقيقياً و يدخل في نماء الأرض كل ما نبت فيها و لكن بسبب العامل و ما لم يكن بسببه فلا يدخل و تطلق في الأخبار على ما يشتمل المساقاة إطلاقاً مجازياً و قد تطلق على ما يشتمل إجارة الأرض للزراعة فترادف القبالة و الظاهر أنه مجازي أيضاً و قد تسمى في لسان الشارع المخابرة من الخبارة و هي الأرض الرخوة القابلة للزرع أو من معاملة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لأهل خيبر يقال خابرهم أي عاملهم في خيبر أو من الخبير و هو الذكاء

و هنا أمور:

أحدها عقد المزارعة:

المزارعة من العقود اللازمة للأصل و الإجماع منقولًا بل محصلًا و لعموم الأدلة الدالة على لزوم الوفاء بالعقود و الشروط و للاستصحاب و لظاهر مشروعية العقود و لا يبطلها ما يبطل الجائز من جنون و موت و فسخ من أحدهما و يبطلها التقابل من الطرفين أو تلف أحد العوضين من منفعة الأرض

2

أو عدم إمكان عمل العامل بنفسه و بغيره إن كانت المزارعة مطلقة و أن اشترطت فيها المباشرة أبطلها عدم إمكان عمل العامل بنفسه و أن ظهر نماء كان العامل شريكاً فيجري عليه بعد موته ما يجري على الشركاء و يشترط فيها الإيجاب و القبول اللفظين و الفعلين إذا كان معاطاة و لا يجزي غير المعاطاة من الأفعال للأصل بل للإجماع و يجزي فيها الفضولي و يشترط البلوغ و العقل و القصد و الاختيار و الرشد و يصح وقوع الإيجاب اللفظي من كل من المالك و العامل و أن كان الأولى قول المالك للإيجاب و العامل للقبول بل قد يظهر من بعض العبارات لزوم ذلك و هل يكفي تركب العقد من إيجاب لفظي و قبول فعلي الأظهر العدم للأصل في محل الشك سواء كان الفعل معاطاة أو غيرها و يظهر من بعض الفقهاء جواز القبول الفعلي و هو بعيد عن ضوابط العقود اللازمة و يشترط في لفظ الإيجاب قصد الإنشاء و كونه صريحاً في الدلالة أما بوضعه المطابقي كزارعتك أو بوضعه للأعم مع القرينة المعينة كعاملتك أو قبلتك هذه الأرض أو سلمتها إليك أو بوضعه للأخص مع القرينة أيضاً أو بوضعه مشتركاً لفظياً مع قرينة التعيين أو مجازاً قريباً مأنوساً و لا يكفي المجاز من دون قرينة و لا المجاز البعيد اقتصاراً على المورد الخاص و يشترط متابعة القبول للإيجاب و عدم الفصل الطويل بينهما و في اشتراط تقديم الإيجاب وجه و يشترط كونهما بصيغة الفعل فلا تكفي الجملة الاسمية و أن جاز ذلك في الرهن لقربه للعقد الجائز كما هو ظاهر الفتاوى و في اشتراط العربية وجه و الأولى كونها بصيغة العربية للعربي و العجمي إذا تمكنا من العربية و لو لم يتمكن منها فلا بأس و إن كان الأولى التوكيل مع عدم الإمكان و هل يشترط الصيغة الماضوية اقتصار على مورد اليقين أو لا يشترط فيكفي الأمر و المستقبل وجهان و يدل على الثاني الأخبار فمنها الصحيح في المساقاة يقول استق هذا الماء أو غيره و لك نصف ما خرج قال لا بأس و منها رواية نضر بن سويد يقول ازرع فيها كذا و كذا إن شئت نصفاً و أن شئت ثلثاً و منها رواية أبي الربيع

3

و لكن يقول لصاحب الأرض ازرع أرضك و لك منها كذا و كذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط و قد تضعف دلالة الأخبار بأنها غير مسوقة لبيان حكم الصيغة أو لا و بالذات فلعل بيانها موكول لمحل أخر و العرف و العادة كما يشعر به عدم ذكر القبول و غيره من شرائطها على أن الأخيرين ضعيفاً السند و الأخير منها محتمل للأمر و المستقبل و ما يظهر من تجويز جمع من الأصحاب وقوع المزارعة بلفظ الأمر ضعيف و مع عدم إمكان اللفظ تكفي الإشارة كالأخرس و يجزي لفظ الأرتل و الألتغ و الأحوط المحافظة على عدم اللحن في الأعراب و الأظهر لزوم المحافظة مع عدم اللحن في البنية و يكفي في القبول كل لفظ يدل على الرضا عاماً أو خاصاً لقرينة أو حقيقة متحدة أو متعددة مع قرينة التعيين و لا يبعد الاكتفاء فيه بالجملة الاسمية كما يقول أنا قابل لذلك و في انعقاد المزارعة بلفظ الإجارة مع نصب قرينة على إرادة المزارعة وجه لأنه من المجازات القريبة الجائزة في العقود اللازمة مع احتمال عدمه و لو قصد الإجارة نفسها بطل لجهالة العوض.

ثانيها العقد يقع من مالك الأرض:

يقع عقد المزارعة من مالك الأرض أو ممن له الحق الاختصاص بها لتحجير أو أولوية لسبق و شبهه أو لعطاء المتولي لها كالأراضي المفتوحة عنوة و شبهها و ذلك لأن المالك مالك للانتفاع فله أن يملكه للانتفاع و يملك عليه العمل بحصة من نمائها كما يصح للمزارع أن يزارع و كذا للمستأجر و كذا يصح لمن بيده الأرض الخراجية من والي المسلمين أن يؤجرها على منفعتها و قد ورد في الصحيح عمن له أرض من أراضي الخراج فيدفعها إلى رجل يعمرها و يصلحها و يؤدي خراجها و ما كان من دخل فهو بينهما قال لا بأس و في آخر عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف أو الثلث قال لا بأس و بالجملة فالشرط في المزارعة ملك المنفعة و الانتفاع و لا يشترط ملك الرقبة فلا حاجة إلى ما ذكره الشهيد (رحمه الله) من استعمال الحيل في صحة المزارعة الأراضي

4

الخراجية و نحوها نعم لو كانت الأرض غير مملوكة لأحدهما كالمباحة من دون اختصاص بأحدهما و كالمغصوبة فطريق الحيلة في ملك النماء لهما أن يشتركا في البذر و يكون الحاصل لهما على نسبة ما لهما و يكون عمل أحدهما تبرعاً فإن أراد التفاضل فإن كان الفضل لصاحب العمل شرطاه و لا بأس و إن كان الفضل لغيره فلا بد من الحيلة في الزيادة إذا قلنا بعدم صحة هذا الشرط بأن يصالح أحدهما الأخر على جميع بذره و عمله ببعض من بذر الأخر و بعض من عمله أو بعض من عمل عوامله على وجه ضبط المدة في الجميع و لو كان البذر من واحد صالحة على ثلث بذره و عمله بعمله أو بعض من عمله أو عمل عوامله فإن أراد مجرد ملك كل منهما العمل على الأخر أو عمل العوامل عليه كل منهما على عمله بعمله أو ببعض منه أو بعمل عوامله أو ببعض منه أو اكترى كل منهما الأخر أو عوامل الأخر بقدر معين فيملك كل منهما على الأخر العمل و لا بد في جميع ذلك من تقييد عمل العامل في حصة صاحبه إذ لا يمكن أن يملك أحدهما على الأخر في ماله إذ لا يستحق الإنسان على العمل في ماله مالًا ثمّ أن صاحب الأرض يزارع من له العمل فقط و من له العوامل فقط و من له كلاهما و من له أحدهما مع البذر و من له كلاهما معه و هل له أن يزارع من له البذر فقط سواء كان العمل و العوامل من صاحب الأرض أو من غيره لعموم أدلة العقود و الشروط و إطلاقات أدلة المزارعة أو ليس له اقتصاراً على مورد اليقين من مزارعة المالك مع العامل أو مع ذي العوامل سواء كان البذر منه أو منهما وجهان و لا يبعد الجواز مطلقاً مع الاتحاد أو التعدد فيجوز للمالك أن يزارع صاحب البذر و لو كان العمل أو العوامل أو مجموعهما من غيره فيملك عليه وضع البذر في الأرض و الحصة من نماء بذره و لو كان لصاحب البذر حصة مشروطة بين المالك و العامل فلا إشكال في الجواز لعموم أدلة الشروط و لأنه ليس أحد المتعاقدين و إنما شرط له شرطاً و بالجملة تصح المزارعة من مالك الأرض فقط أو مالكها مع العوامل و البذر و العمل أو مع أحدهما مع مالك العمل فقط أو العوامل فقط أو البذر فقط أو المركب من الاثنين أو الثلاثة و تصح من اثنين أو من ثلاثة أو من أربعة و لو كان الرابع هو صاحب البذر على

5

الأظهر تبعض الملك للأرض أو العمل أو العوامل أو البذر ضربت جميع الصور بعضها مع بعض إلى المائة و لا تمتنع منها سوى ما إذا خلا كلا المتعاقدين من ملك الأرض منفعة أو من حق اختصاص فيها أو أولوية فإنه لا تصح المزارعة بينهما بمجرد الاشتراك في العمل أو العوامل و البذر أو مع انفراد كل منهما بواحد مع الأخر.

ثالثها لزوم الشرط في العقد:

عقد المزارعة عقد قابل للشروط السائغة فيلزم الشرط فيها لعموم دليل لزوم الشروط و يصح اشتراط الخيار فيه فإن فسخ العامل قبل ظهور النماء فلا شيء له و أن فسخ بعده كان شريكاً و هل يلزم بالاستيجار على إتمام عمل المزارعة كلام سيجيء إن شاء الله تعالى و أن فسخ المالك قبل ظهور شيء فهل للعامل أجرة المثل فيه بحث و إن فسخ بعد ظهور النماء صار العامل شريكاً له و لو اشترط المالك على العامل شيئاً لزمه القيام به فإن امتنع جبره عليه فإن لم يتمكن منه جاز للمالك الفسخ و هل للعامل قبل ظهور النماء أجرة المثل فيه بحث و لا يبعد ثبوتها بعد ظهور النماء فهل للعامل حصة منه فيكون شريكاً أو له أجرة المثل لأنه فسخ للعقد من أصله فيعود النماء كله للمالك وجهان و لا يبعد الأول و عليه فهل يلزم بالقيام بباقي العمل أم لا يلزم وجهان أيضاً و لو وقع في عقد المزارعة شرط فاسد لتحريمه حلالًا أو تحليله حراماً أو لكونه غير مقدوراً و مناف لمقتضى العقد أو لكونه غير متمول على الأظهر فيهما فسد و أفسد العقد مع احتمال صحة العقد لو كان غير متمول أو كان عبثاً أو سفهاً و يفسد العقد لو كان الشرط معلقاً على أمر محتمل الوجود أو كان مرد فيه بالنسبة إلى العامل أو إلى الحصة أو إلى الأرض أو إلى الشرط تضمنه العقد أو كان الشرط مجهولًا جهالة لا تغتفر كجهالة نوع المشروط و وصفه أو قدره و لا يبعد الاكتفاء بالمشاهدة في المكيل و الموزون و المعدود فإذا فسد العقد ثبتت أجرة المثل لصاحب الأرض على العامل إذا كان البذر من العامل أو كان الزرع له و ثبتت أجرة المثل للعامل من صاحب الأرض إن كان البذر منه و له الزرع و تثبت أجرة المثل للأرض و للعامل على صاحب البذر إن كان البذر من ثالث و لو كان البذر بين مالك الأرض و العامل فالحاصل بينهما و لكل منهما

6

أجرة على الأخر مثل عمله في مال الأخر دون مال نفسه فيرجع كل منهما بالأجرة على نسبة ما للآخر من الحصة و لا يتفاوت الحال في ذلك بين العلم بالفساد و بين عدمه على الأظهر مع احتمال أن العامل أن لا شيء له لأقدامه على عوض يعلم أنه لا يسلم له و يجري الحكم في العوامل كما يجري في العامل و العين غير مضمونة هنا بالعقد الفاسد لعدم ضمانها بالصحيح بخلاف المنفعة.

رابعها ثبوت أجرة المثل للمالك و العامل:

الأصل في هذا المقام تبعية النماء للبذر و ثبوت أجرة المثل للمالك و العامل و غاية ما خرجنا عن ذلك في عقد المزارعة بما قام عليه الدليل من إجماع أو إطلاق شامل للمشكوك فيه بحيث أنه مسوق لبيان حكمه خصوصاً أو عموماً فلو كان مسوقاً لبيان حكم أخر لم يصح التمسك بإطلاقه لما سبق إليه و الاستناد إلى عموم أوفوا بالعقود و المؤمنون عند شروطهم عند الشك محل نظر و تأمل كما سبق غير مرة ما ذكرناه فلا بد من معلومية قدر الربح بكسر معين عند المتعاقدين غير مجمل أو موقوف على حساب لم يعرفه أحد المتعاقدين و كونه غير مردد فيه و كونه متمولًا و كونه مقدوراً على تسليمه و كونه غير معلق كما يشترط ذلك في الأرض و العمل و كونه بينهما لا يختص به أحدهما و كونه بين صاحب الأرض و العامل و صاحب البذر لا بينه و بين أجنبي و لو جعل المالك النماء بين العامل و بين أجنبي فإن أجاز الأجنبي احتملت الصحة و تملك الأجنبي له و مع عدم الإجازة فالفساد أقوى مع احتمال صيرورته للمالك قهراً و لشرط كونه بينهما على وجه الإشاعة تفاضلًا أو تساوياً و كونه على إشاعة الشركة لا على نحو إشاعة الكلي في قدر من المال لأنه المتيقن من الأخبار كالصحيح و غيره و لا بأس بالمزارعة بالثلث و الربع و الخمس لا تقبل الأرض بحنطة مسماة و لكن بالنصف و الثلث و الربع و الخمس لا بأس به فلو اشترطا شيئاً لهما أو لأحدهما من النماء فسد سواء جعلا الباقي بينهما أو خصصاه بأحدهما و عليه فلو شرط أحدهما البذر له خاصة و للآخر الباقي أو أن الباقي بينهما فسد سواء كان الغالب زيادة النماء عليه أم لا

7

خلافاً للمحكي عن الشيخ (رحمه الله) و جماعة من صحته استثناء قدر البذر و للمحكي عن العلامة (رحمه الله) من صحته استثناء شيء مطلقاً و رجحه بعض المتأخرين لأنها تجارة عن تراض و هو ضعيف لمعارضته بفتوى المشهور و الإجماع المنقول على لزوم الإشاعة و لزوم الغرر و الضرر لأنه قد يعطب النماء فتقل بركته و أن لم يتلف منه شيء كي يسقط بحسابه و لم يبق حينئذٍ سوى ما عيناه فيبقى المالك أو العامل الذي لم يعين له من غير شيء نعم يجوز اشتراط مال خارج عن النماء لأحدهما أو لكل منهما سواء كان بقدر البذر أو أكثر و سواء كان طعاماً أو غيره لعموم أدلة الشروط و لفتوى المشهور نقلًا بل تحصيلًا و ربما يظهر من بعضهم نقل الاتفاق عليه و لا معارض له من دعوى لزوم الغرر و الضرر و دعوى منافاته لكون النماء على الإشاعة لمنع حصول الغرر و الضرر فيهما بعد بيانه و العلم بقدره و منع منافاته لإشاعة النماء بعد كونه شرطاً خارجاً عنه و ربما كان في بعض الأخبار أشعار بالجواز ففي الخبر عن الرجل يزرع له الحراث الزعفران و يضمن له أن يعطيه في كل جرب أرض يمسح عليه وزن كذا و كذا درهماً فربما نقص و عزم و ربما استفضل و زاد قال لا بأس به إذا تراضيا و حيث صح بشرط شيء معلوم كان قراره مشروطاً بالسلامة كاستثناء ارطال معلومة من المبيع في النماء فلو تلف الكل لم يكن له شيء و لو تلف البعض سقط من الشرط بحسابه لأنه كالشريك و إن كانت حصته معينة مع احتمال أن لا يسقط شيء بتلف البعض ما دام قدراً لمشروط باقياً تنزيلًا للشرط منزلة الكلي المنحصر في قدر معين كبيع رطل من صبرة مشتملة عليه أو اشتراط الأمر خارج فالأظهر فيه بحسب القواعد التزام المشروط عليه به مطلقاً تلف النماء كلًا أو بعضاً أو بقي مع احتمال أنه كالأول و هو الظاهر من كلام الفقهاء و الظاهر أنه يشترط في إشاعة الحصة بينهما كونها على وجه الشركة و لا يجوز اشتراطها على نحو إشاعة الكلي في قدر من المال لعدم تبادره من لفظ المزارعة و للشك في شمول أدلة صحة المزارعة له و يشترط كون الحصة مشاعة في جميع المال الذي وقع عليه عقد المزارعة فلو شرط أحدهم حصة في زرع خاص دون زرع أخر أو اشترط أحدهم نوعاً من الزرع له و نوعاً آخر لآخر أو اشترط المتقدم لواحد و الآخر

8

للآخر أو شرط ما يزرع على الجداول لواحد و ما يزرع على غيرها للآخر بطل عقد المزارعة و كذا لو شرط أحدهم للآخر حصة مشاعة من بقعة معينة من الأرض المزارع عليها على الأظهر.

خامسها مدة العقد:

ظاهر الأصحاب اشتراط اقتران عقد المزارعة بمدة معلومة قابلة للانطباق على المزروع أو تزيد عليه و لا يكفي وكولها إلى العرف و العادة الغالبة في ذلك الزرع و المكان إقامة للعادة مقام التصريح بالمدة لاختلاف العادة باختلاف السنين و المياه و الأهوية فيلزم الضرر و عدم الانضباط و يظهر من بعضهم أن الحكم بذلك اتفاقي و يؤيده عموم النهي عن الضرر و إحالة عدم صحة المزارعة في غير المورد اليقيني و لو قرنت بمدة مجهولة بطل العقد و لو قرن بمدة زائدة على العمر الطبيعي فلا بأس ما لم يكن سفهاً كألف عام و شبهه و لو زارع على الأرض الخراجية من كانت تحت يده فوق السنة الواحدة فالظاهر بطلان ما زاد على السنة ما لم يكن المزارع نفس السلطان أو من قام مقامه على الإطلاق لأنه يكون بحكم مالك الأرض و أما حكام الجور في هذه الأزمنة و من كان تحت أيديهم أو من كانت عطية منهم فأنهم لا ولاية لهم على أرض الخراج سوى سنة واحدة و هي السنة التي تقبلوها من السلطان فلا تمضي مزارعتهم في غير تلك السنة و لو قرن بمدة ناقصة عن ذلك الزرع المطلوب احتملت المزارعة لجواز التراضي بعدها و جواز القطع بدونه مهما أمكن الانتفاع به نعم لو لم يكن التراضي بعد المدة و لم يمكن الانتفاع بالمقلوع لقصر المدة جداً كان عقد المزارعة سفهاً و كان فاسداً و احتمل الفساد مطلقاً لأن العوض في المزارعة هو الحصة من النماء و لا يتحقق في المدة فيبقى العقد من غير عوض حاصل عند انتهاء المدة و لأنه خلاف المعهود من وضع المزارعة و خلاف المتيقن من دليلها و لو ذكرا مدة يقطعان أو يظنان عادة إدراك الزرع فيها صح عقد المزارعة لإطلاق أدلتها المنصرف لمثل ذلك و نحوه فإن أدرك الزرع فيها فلا كلام و إلا فإن تأخر لنفسه بسبب قلة الماء أو تغير الهواء و نحو ذلك فالأظهر أن للمالك الإزالة مع الأرش و هو بذل تفاوت ما بين كونه قائماً و بين كونه مقلوعاً و له

9

التبقية مع أخذ الأجرة و لكن مع رضا العامل لأنه إيجاب عوض في ذمته يقتضيه العقد رضاه و لا يقدر الأرش تفاوت ما بين كونه قائماً بالأجرة مستحقاً للقطع بالأرش و بين كونه مقلوعاً لأنه لا يسلم من شبهة الدور لتوقف معرفة الأرش المدفوع على معرفة الأرش المستحق و لا يجب أن يلحظ فيه استحقاقه للقلع من دون أرش لأنه الفرض ثبوته فلا يفرض عدمه و لأنه يخل بتدارك فائته لصيرورته بمنزلة العلف حينئذ و قد يقال أن للمالك الإزالة من دون أرش لانقضاء المدة التي يستحق فيها المتبقية و الأصل

تسلط المالك على ملكه كيف شاء و لأن الزارع بعد المدة لا حق له فيكون إبقاؤه بدون رضا المالك ظلماً نعم لو اتفقا على إبقائه بعوض أو غيره صح لأن الحق لا يعدوهما لكن لا يجبر أحدهما عليه و هو قوي و قد يقال أيضاً بأن المالك ليس له الإزالة مطلقاً لأنه وضع في الأرض بحق فلم يكن للمالك إزالته لحق الزارع كما لو استأجر مدة للزرع فانفضت قبل إدراكه و هل يستحق المالك أجرة مطلقاً وجهان أقربهما أنه يستحق أجرة المثل توفية لحق المالك و جمعا بين الحقين و أن كان التأخير بتفريط الزارع فالأوجه الوسط لصدور التقصير المسقط احترام ماله و لا يستحق شيئاً و لو كان بتفريط المالك فالأوجه الأخير و يضم إليه استحقاقه أجرة المثل اسقاطاً حرمة ماله بتفريطه و لو قبل فيه بالوجه الأول كان حسناً و لو كان بتفريط أجنبي كان الوجه فيه هو الأول و يضم إليه ثبوت غرامة الأرش عليه لحدوثها بفعله ثمّ أنهما لو اتفقا على الإبقاء بأجرة لزم بيانها كابتداء الإجارة و لو تراضيا على دفع أجرة المثل جاز و على تقدير القلع بالأرش أو بغيره فالمقلوع لهما بناءً على أن الزارع يملك الحصة و أن لم ينعقد الحب و لا أجرة للمالك على ما مضى من المدة أن لم ينتفع بالمقلوع لأن مقتضى عقد المزارعة هو قصر الحق على الحصة الخاصة فلا يستحق غيرها مع احتمال وجوبها على الزارع لو كان التأخير بتفريطه لتضيعه منفعة الأرض على المالك بتأخيره حيث لم ينتفع بالمقلوع بل قد يتوجه أكثر الأمرين من أجرة المثل و من الحصة لو فرض أن للمقلوع منفعة ناقصة عن المعتاد لاستناد النقصان إلى تفريطه أيضاً و لا فرق في كون المقلوع بينهما بين كون البذر من مالك الأرض أو من الزارع أو منهما فيتوجه للزارع الأرش على ما اخترناه

10

لاستحقاقه فيه الحصة كما لو كان البذر منه و لو كان من ثالث ضمن الأرش لهما و لو لم ينمُ البذر فقلعه المالك كان الأرش لصاحبه فقط لعدم اشتراك غيره معه و أما العامل فلا شيء له على كل تقدير سواء كان التأخير بتفريطه أو لم يكن بتفريطه و يشكل فيها لو كان المقلوع لا قيمة له و حكمنا عليه بعدم الأرش لخلو عمله عن العوض حينئذٍ مطلقاً و هو عمل محترم قد أذن فيه المالك و لو شرط الزارع تأخير الزرع إذا لم يدرك بعد المدة بطل الشرط و العقد لمكان الجهالة على القول باشتراط المدة المعلومة و اشتراط الزيادة تابع جيء به لاحتمال الحاجة إليه و يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع و فيه أن المجموع يكون مدة واحدة فيلزم جهالة الجميع أو صيرورته شرطاً معلقاً و كلاهما فاسد مفسد.

سادسها تحمل العامل أجرة المثل عند ترك الزراعة:

لو ترك العامل الزراعة في المدة فإن قبضها بالعقد الصحيح ضمن منفعتها لتفويتها على المالك فعليه أجرة المثل و احتمال ضمانه لمثل الزرع المقدر للمالك عادة غير وجيه لأنه لم يتحقق وجوده ليتعلق بإتلافه ضمان و يلزم العامل الأرش هو ضمان النقصان بترك الزرع كما قد يتفق في بعض الأراضي و أن لم يقبضها فإن كان باختياره فحكمه كالأول و أن كان بمنع المالك فلا شيء عليه لتفويت المالك ماله بنفسه و هل للعامل عليه شيء لتفويته عليه الحصة المقدرة فيأخذ مثلها تخميناً أو يأخذ أجرة مثله في تلك المدة أو ليس له وجوه أقربها الوسط و قد يقال بعدم لزوم أجرة المثل على العامل لو ترك العمل اضطرار لمانع منعه من ذلك لعدم تقصيره حينئذٍ فإيجاب شيء عليه لا يقتضيه العقد ضعيف بخلاف الإجارة إذ الأجرة ثابتة على المستأجر على كل حال و إن قبضها بالعقد الفاسد ضمن للمالك أجرة المثل مع جهل المالك و مع علمه على الأظهر و إن لم يقضيها فلا يبعد ضمانه مع جهل المالك بالفساد لأن التفويت صار بسببه و مع العلم فلا ضمان لعدم الموجب له و عدم دليل عليه.

11

سابعها القدرة على تسليم الأرض أو تسلمها:

يشترط في عقد المزارعة القدرة على تسليم الأرض أو تسلمها و القدرة على تسليم العمل بنفسه أو بغيره أن أطلق العقد فيها و أن اشترطت المباشرة اشترطت القدرة على تسليمه بنفسه و يشترط أيضاً إمكان الانتفاع في الأرض بالمزارعة بأن يكون لها ماء عادة من عين أو نهر أو مطر أو بئر و أن تكون الأرض لها قابلية الزرع بأن تكون رخوة غير صلبة كأرض الحجاز و أن تكون مما ينبت الزرع ليست صبخة و لا مالحة و هذه الشرائط واقعية لا علمية و لو كان طرو الماء عليها نادراً غير معتاد ففي صحة العقد نظر و لو عقد ابتداءً على ما لا ماء لها فتجدد لها ماء قبل فوات محل الزرع احتملت الصحة و البطلان أوجه و يظهر من المحقق (رحمه الله) أنه لو زارع على ما لا ماء لها مع العلم بذلك صح العقد و لا خيار و مع الجهل يثبت له الخيار و هو مشكل جداً و الأوجه حمله على إرادة عدم الماء المعتاد في تلك الأرض على النحو المألوف في استخراجه و حينئذ فلو زارعه و هو عالم بكون مائها ليس على النحو المعتاد و لا إخراجه على النحو المألوف بل يحتاج إلى مؤن كثيرة و تعب عظيم صح العقد و لا خيار له و أن لم يكن عالماً صح العقد و يثبت له الخيار و يمكن إبقاءه على ظاهره لأن العقد على تلك الحال سفه و عبث فلا وجه لصحته و لو انعكس الحال كما إذا زارعه على أرض لها ماء ابتداءً فأنقطع في الأثناء فإن كان انقطاعاً بالكلية انفسخ و ليس للمالك شيء في باب المزارعة و له التقسيط في الأجرة في باب الإجارة و أن لم يكن انقطاعاً بالكلية بل كان على غير المعتاد و احتاج إلى مؤن كثيرة لم يكن محتمله سابقاً و أمكن الانتفاع في الأرض في الجملة فللعامل الخيار بين الإمضاء و ليس له إلا ما يمكن حصوله من حصته و بين الفسخ و ليس له شيء حينئذ و لو كانت الأرض مستأجرة ففسخ كان للمالك أجرة ما سبق من المدة على سبيل التقسيط و يظهر من المحقق (رحمه الله) بقاء صحة العقد عند انقطاع الماء و ثبوت الخيار للزارع استصحاباً للصحة السابقة و انجبار ضرره بالخيار و هو ضعيف و حمله على ما قدمناه أوجه كما يظهر من آخرين و لزم

12

أجرة المثل لما مضى من المدة في المزارعة عند فسخه لأنه قد استوفى منفعة أرض الغير من غير عوض و هو ضعيف لأن المالك لا يستحق الحصة فإيجاب شيء أخر على العامل مما لا يقتضيه العقد منفي بالأصل كما أن العامل لا يستحق شيئاً على المالك عوض عمله لأقدامه على الحصة في مقابلة عمله و فواتها لم يكن بتفريط المالك و لو استأجر العامل أرضاً على وجه الإطلاق و لم يمكن الانتفاع بها للزراعة لم يبطل العقد و لا يثبت فيه خيار إلا إذا انصرف للزراعة فيبطل إذا أخذت الزراعة شرطاً فيثبت الخيار للمستأجر و لو زارع على ما لا ينحسر عنه الماء وقت الزراعة أصلًا بطلت المزارعة و كذا لو استأجرها للزراعة و لو كان ينحسر عنها قليلًا فإن علم المستأجر صح و لا خيار له و أن جهل صح و كان له الخيار و لو زارع على ما ينحسر عنه الماء تدريجاً فإن كانت الأرض معلومة في الجملة و لا يفوت من منافعها شيء على ما هو المعتاد صح العقد و لا خيار و أن لم تكن معلومة بطل في الإجارة قطعاً و في المزارعة على الأظهر و أن كانت معلومة إلا أنه يفوت شيء من منافعها فإن كان العامل عالماً بذلك فلا خيار و إلا تسلط على الخيار.

ثامنها جواز زراعة العامل ما يشاء:

إذا أطلق المزارعة مالك الأرض أو العامل أو عمال أفراد الزرع جاز للعامل إذا كان البذر منه أن يزرع ما يشاء و ليس للمالك منعه عن زرع دون آخر و لا للعامل منع عامل أخر كذلك إلا إذا كان البذر من أحدهما ففي رجوع التخيير إليه وجه قوي و كذا لو اختلف المالك و العامل و كان البذر من المالك ففي رجوع التخيير إليه أو إلى العامل فيجبره على ما يريد من البذر وجهان أجودهما الأول و الفرق بين التعميم فالخيار للعامل مطلقاً و لو كان البذر من المالك و بين الإطلاق فللمالك إذا كان البذر منه وجه لا يخلو من قوة و لو تشاح العاملان أو العامل مع ذي العوامل بعد أن زارعا المالك مطلقاً أو عاماً اقترعا و تنزيل المطلق منزلة العام هنا هو فتوى المشهور و قد نقل عليه الإجماع و قد يؤيد بأن المطلق دال على الماهية من حيث هي هي فكل فرد صالح لحلول الماهية في ضمنه و كذا لو كان مدلوله الفرد الشائع و قد قالوا أن المطلق الامتثال

13

به بكل جزئي من جزئياته بل قالوا أن الأمر به أمر بكل جزئي من جزئياته و مع ذلك فلا يخلو عن مناقشة لتوجه احتمال البطلان في المطلق باعتبار حصول الجهالة و الغرور المنهي عنه لاختلاف الزرع في تأثيره في الأرض نفعاً و ضرراً و اختلافه بالنسبة إلى العمل ضعفاً و قوة و تنزيل المطلق منزلة العام مع تفاوت أفراد المطلق تبادراً أو غلبة أو كثرة أو نفعاً للمالك أو للعامل أو ضرر عليهما زيادة أو نقصاً ممنوع لحصول الاختلاف غالباً بسبب ذلك و ادعاء كل منهم تنزيل المطلق على ما ينصرف ذهنه إليه من حصول نفع فيه أو دفع ضرر عنه فيلزم الغرر و الضرر و ذلك الممنوع كما يمنع ببيع الكلي المتفاوت الأفراد و إجارته كذلك و بالجملة فالإطلاق إذا لم تتساو الأفراد بالنسبة إليه بل كانت متفاوتة شدة و ضعفاً و خفاءً و ظهور اتساق إليه الغرر من دون تعيين صنف أو فرد من أفراده فلا تتحمله عقود المعاوضة و ان جاز استعماله في الأحكام و الأوامر الشرعية لابتنائها على العبودية و الانقياد لا على رفع مادة النزاع و الشقاق و العناد و قد يتوجه أيضاً احتمال الصحة و الانصراف إلى الزرع النافع أو الأقل ضرراً كما ينصرف عقد الوكالة للبيع بثمن المثل أو أزيد و الشراء به أو انقص و ينصرف العمل في باب المضاربة لما كان أعود نفعاً للمال و اكثر ربحاً و لكن قد يعارض ذلك احتمال انصراف الزرع إلى ما هو أعود للعامل و اكثر نفعاً له سواء كان للأرض نفع أو لا و سواء دخلها منه ضرر أم لا فيعود الإجمال و بالجملة فالاحتمال في صورة الإطلاق ثلاثة الأخذ به مطلقاً و بطلانه مطلقاً لوقوع الغرر فيه و انصرافه لما هو أعود للأرض أو انصرافه إلى ما هو أعود للعامل و أجودها الحكم بالبطلان لو لا الشهرة المحكية و الإجماع المنقول إذا عين المالك على العامل نوعان من الزرع أو صنفاً أو فرداً لزم اتباعه لعموم لزوم الوفاء بالشرط و لحرمة التصرف بمال الغير من غير طيب نفس منه إلا إذا فهم التعدي بلحن الخطاب أو بقرائن حالية أو مقالية كما إذا عين له الأكثر ضرر في الأرض و الأقل نفعاً لنفسه فإنه يفهم منه تسويغ الأقل ضرراً و الأكثر نفعاً بطريق أولي إلا أن يحتمل إرادة الخصوصية لأمر أخر كوفاء دين عليه من جنس المزروع أو من نذر و شبههما فلا يجوز التعدي كذلك و لا يتفاوت الحال في ذلك بين أخذ العين شرطاً أو أخذه ركناً في العقد

14

إلا أن أخذه شرطاً لا توجب مخالفته بطلان المزارعة بل يقع عمله صحيحاً و للمالك الخيار بين الإمضاء فيستحق الحصة مع ضمان العامل لأرش نقصان الأرض لمكان التعدي عليها و بين الفسخ فيأخذ من العامل أجرة المثل و الزرع للعامل أن كان البذر منه و للمالك أن كان كذلك و لا يستحق العامل عليه شيء لمخالفته أمر المالك في نوع ما عمل مع احتمال أن مخالفة الشرط هنا موجبة للبطلان لتعلقها بنفس العمل المتعلق بركن المعاوضة و ليس كالشرط الخارجي يوجب الخيار فقط و حينئذ فتبطل المزارعة بالنسبة إلى المزروع و يستحق المالك عليه أجرة المثل و أرش الأرض لو أحدث فيها نقصاً و أما أخذه ركناً في العقد فموجب لبطلان المزارعة في المخالف لعدم وقوع العقد عليه فيكون الزرع لصاحب البذر و على العامل أجرة المثل للأرض و لا شيء على المالك هذا كله على موجب القواعد و لكن يظهر من جملة من المحققين تخيير المالك بين

الفسخ فله الأجرة و بين الإمضاء فله المسمى و الأرش من غير فرق بين اتخاذه شرطاً أو شطراً معللين ذلك بأن مقدار المنفعة المعقود عليها قد استوفيت بزيادة في ضمن زرع الأخر فيتخير بين الفسخ لذلك فله الأجرة لوقوعه بغير أذنه غير المعقود عليه و بين الإمضاء و أخذ المسمي في مقابلة مقدار المنفعة و الأرش في مقابلة المنفعة المعينة و الأرش في مقابلة الزائد الموجب للضرر و هو ضعيف لما قدمنا من أن وقوع الزرع المعين شطراً مما يخصص العقد به فيكون غيره غير مأذون به و لا معقود عليه فيبطل نعم قد يتجه ذلك في الشرط لاحتمال أنه يكون بمنزلة الالتزام الخارجي و إلا فالمقصود أولًا و بالذات هو نفس الزرع و لكنه لا يخلو من إشكال أيضاً لأن الشرط معين هنا أو كالمعين فيعود كالأول و يظهر مما ذكرنا أيضاً ضعف ما ذكره جملة من الأصحاب من أن للعامل زرع ما هو أقل ضرراً للأرض من دون أذن المالك فيستحق المسمى من الحصة و لا أرش عليه و لا خيار للمالك لعدم الضرر عليه و لدخوله تحت مفهوم الأولوية و وجه ضعفه أن الأقل ضرراً غير معقود عليه مع أن النماء تابع للبذر الأخير فلا يخرج عنه إلا بدليل و لم يقم هنا ما يدل على خروجه و دعوى أن الرضا بزرع الأخير بالنسبة إلى الأرض يقتضي الرضا بالأقل ضرراً فحوى و بالمساوي مفهوماً مردودة بأن ذلك مسلم فيما لو

15

كان غرض المالك و مقصوده فيما يعود إلى الأرض نفعاً و ضرراً و هو ممنوع لجواز تعلق غرض المالك بنفس الزرع للاحتياج إليه بوفاء دين أو تزويج أو مبرة يمين و أن عاد على الأرض ضرر بنقصها أو إتلاف منفعتها فتبطل دلالة الفحوى و المفهوم حينئذٍ نعم يتمشى ذلك في زراعة الأرض في الإجارة فيما إذا أذن صاحب الأرض للمستأجر بنوع خاص فإنه له التعدي بالنسبة إلى الأخف لأن المقصود منها نفس الأجرة دون الزرع و لا يتعلق للمؤجر غرض به فكلما خفف المستأجر بالزرع عادت منفعته إلى الأرض من دون ضرر بوجه من الوجوه فما أطلقه المحقق (رحمه الله) من أن الزارع له زرع الأخف و ظاهره أن له الحصة و لا خيار له و ما أطلقه العلامة (رحمه الله) من أن المالك مخير بين أخذ الحصة مجاناً و بين الفسخ و أخذ أجر المثل لا يجريان على القواعد.

تاسعها مباشرة العمل من قبل العامل أو غيره:

للزارع أن يزرع الأرض بنفسه و بغيره مع أذن المالك و عدمه و مع فعل ذلك بعنوان التوكيل و الاستنابة أو نقل بعض الحصة بعقد ناقل بعنوان الشركة أو بعنوان المزارعة الثانية كل ذلك لنقل منفعة الأرض إليه بعقد لازم و الناس مسلطون على أموالهم و لظاهر فتوى المشهور بل الإجماع المنقول نعم لا يبعد عدم جواز تسليم الأرض من دون أذن المالك للعامل الثاني لحرمة التصرف بمال الغير من دون أذنه و اقتضاء العقد جواز عمل الأخر معه أو مزارعته له لا يقتضي بجواز تسليم الأرض و اشتراط بعضهم في جواز مشاركة الغير أو مزارعته أو العمل معه كون البذر منه فيكون تمليك الحصة منوطاً به و لأن الأصل أن يسلط على البذر سوي المالك أو من أذن له كما أن في المساقاة ليس للعامل أن يساعده في غيره لأنه لا يملك منها سوى الحصة من الثمرة بعد ظهورها و الأصل فيها للمالك فهو كالبذر يعامل عليه من يملكه و هو جيد في مزارعة الغير و غير متجه في مشاركة غيره بالعقد بعد ملك الحصة أو مشاركته في العمل من دون مزارعة على أنه قد يقال أن لزوم عقد المزارعة يقضي تسلط المزارع على العمل بنفسه و بغيره على جهة ملك ذلك على صاحب الأرض

16

و من جملة العمل التصرف بالبذر في الزرع فيجوز نقله إلى الغير و الاستنابة فيه إذا لم تشترط عليه المباشرة بنفسه فلو اشترط عليه ذلك لزم بالشرط لعموم لزوم الشروط و لا يكون ذلك الشرط منافياً للعقد لأدائه إلى منع تصرف الإنسان بماله لأن انتقال العمل إليه و صيرورته ملكاً له على ذلك الوجه الخاص حيث أنه قد تعلق بمال الغير فلا يحل له إلا بطيب نفسه بل و لو شرط عليه أنه لا تشارك غيرك و لا يختص بحصته لزم الشرط أيضاً على ما صرح له المحققون و لم يكن محرماً حلالًا و هو تسلط الناس على أموالهم لأن للمالك اشتراط منع الغير عن شغل أرضه بزرعه و أن لزم من ذلك منع العامل من نقل حصة الزرع إلى غيره و عموم الناس مسلطون على أموالهم مخصوص بما لا يقتضي ضياع حق الأخر كالراهن فإنه محجور في ملكه فيما ينافي حق المرتهن.

عاشرها لزوم العمل على الزارع عند إطلاق المزارعة:

إذا أطلقت المزارعة اقتضى عقدها لزوم العمل على الزارع و المراد به تعلق بنفس الزرع من نثر بذره و حرث الأرض له و ما يتوقف عليه الحرث من منافع العوامل أو الآلات و سقي الزرع و تنقية الأرض و جمع الزرع و أجراء السواقي و تنقية النهر و حراسة الزرع و قلع ما يضر بقاءه منه أو من غيره و لو اشترطها المالك كان الشرط مؤكداً و لكن الأولى فيه حينئذٍ عدم البيان حذراً من الوقوع في الجهالة في الشروط المصرح بها و لو شرط الزارع على المالك شيئاً من ذلك لزم عليه و سقط عن العامل و كذا لو شرط على ثالث بعضاً من العمل أو بعضاً من العوامل و الآلات لزم على الثالث أيضاً و بالجملة فالمرجع في ذلك إلى العرف و المعتاد من عمل الزارعين فما دخل فيه قطعاً فهو داخل و ما خرج عنه قطعاً فهو خارج و لو كان مختلفاً بحسب البلدان و الأراضي و أصناف الزرع كما أن الدياس و القسمة على العامل في كثير من البلدان و ما شك فيه فالأصل براءة ذمة العامل منه و ما كان يدخل مرة و يخرج أخرى فالأولى بل اللازم بيان خروجه أو دخوله و ما عدا العمل مما يتعلق بمصالح الأرض من حفر أنهار كبار على الدوام أو بناء حائط أو حفر عين أو بئر أو بناء دولاب أو بناء قلعة لجلوس الحرسة بها يكون كله على المالك و لا يبعد أن للعامل إلزامه بها فإن لم يفعل

17

كان له الخيار و للمالك أن يشترط من ذلك على العامل كلًا أو بعضاً فيلزم العامل القيام به و على المالك أيضاً أجرة الأرض و خراجها من مال و طسق مقاسمة سواء أخذ على النحو المعتاد أو أزيد من ذلك و أما البذر فإن قضت العادة بكونه من الزارع كبعض المزارع لزم عليه و إلا كان على المالك و الأظهر أنه إذا لم تكن عادة تقضي بكونه على أحدهما أو اضطربت العادة لزم البيان و إلا توجه الحكم بالبطلان و قد يستدل على كون البذر من العامل بما ورد في الصحيح عن المزارعة النفقة منك و الأرض لصاحبها و لكنه ضعيف لاحتمال وروده مورد الغالب و لإجمال النفقة فيه و لأنه أن أريد منها العموم أو أريد كونها من العامل حكماً شرعياً لا يصح خلافه لا نقول به و أن أريد منها الطبيعة فلا دلالة فيها على البذر بخصوصه و أن أريد في الحكم الكشف عن ظاهر العرف في عقد المزارعة فهو مسلم إذا قضي العرف بذلك و لو أراد السلطان زيادة في الخراج ضربها على الزرع نفسه أو على المزارع لم يلتزم المالك بها لأصالة البراءة و لأن من ظلم لا يظلم إلا مع اشتراطها على المالك مع التعيين لرفع الجهالة إلا أنه قد ورد في الخبر فيمن أجر قوماً أرضاً فزاد السلطان عليهم فقال أعطهم فضل ما بينهما لم أزد عليهم قال أنهم إنما أزاد على أرضك و هو دال على غرامة صاحب الأرض لذلك إلا أنه لضعف سنده و مخالفته للقواعد ينبغي طرحه أو حمله على الشرط لذلك أو على الندب و لو قلنا بمضمونه لزم الاقتصار على مورده فلا يسري الحكم لسكنة الدار المستأجرة لو ضرب الظالم عليها مالًا غصباً بحيث كان ضرب المال عليها لا على ساكنيها كما يتفق في مثل هذه الأزمنة فإنه لا يصح لساكن الدار الرجوع إلى مالكها فيما غرمه.

حادي عشرها اشتراط المالك الخراج على العامل:

إذا شرط المالك الخراج على العامل جاز مع العلم بقدرة عادة لعموم أدلة الشروط و العقود و لخصوص الأخبار الخاصة كخبر داود بن سرحان في الرجل يكون له الأرض عليها الخراج و ربما زاد و ربما نقص فدفعها إلى الرجل أن يكفيه خراجها و يعطيه مائتي درهم في السنة قال لا بأس و في أخر مثله و في ثالث في أرض الخراج

18

يدفعها إلى الرجل على أن يعمرها و يصلحها و يؤدي خراجها و ما كان من فضل فهو بينهما قال لا بأس و ظاهر هذه الأخبار جواز اشتراط الخراج على العامل سواء كان معلوم القدر أم لا و سواء كان مما يزيد و ينقص أم لا حتى أنه لو شرط الخراج عليه فزاد السلطان فيه زيادة كانت الزيادة على المشروط عليه و هو مشكل من حيثية الغرر و الجهالة المؤديان إلى بطلان الشرط فينبغي أن يكون زيادة السلطان على المالك و أنه لو اشترطها بطل العقد لجهالته كما صرح به جملة من المحققين إلا أن التخطي عن هذه الأخبار المعتبرة من دون معارض قطعي أو شهرة محصلة منضمة إلى دليل ظني أشكل و المناقشة فيها بدلالتها على نفي البأس الدال على الجواز مع حصول التراضي دون اللزوم مردودة بأن الشرط هاهنا متى جاز و ارتفعت عنه شبهة الفساد و النهي من حيثية الجهالة لزم لأنه في عقد لازم و شأن المشروط فيها ذلك و لا شك أن ظاهر هذه الأخبار ورودها في المزارعة التي هي من العقود اللازمة إلا أنها واردة في معاملة أخرى جائزة و في بيان أن مجرد التراضي بين الشخصين على ذلك النحو جائز كما هو الظاهر من مساقها نعم ورد في بعض الأخبار نظير ذلك إلا أنه غير ظاهر في المزارعة و لا يمكن حمله على الإجارة للزوم المعلومية فيها إجماعاً فلا بد من حملها على مجرد بيان جواز التراضي على دفع الخراج مطلقاً و أخذ الحاصل كخبر إبراهيم بن ميمون في قرية أناس بأيديهم و عليها خراج فاعتدى عليهم السلطان فطلبوني فأعطوني أرضهم على أن أكفيهم السلطان ما قبض قال فلا بأس بذلك ما كان من فضل و خبر داود بن سرحان عن قوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون كلها و أدِ خراجها قال لا بأس به إذا شاءوا أن يأخذوها و في ثالث في رجل يأتي أهل قرية قد اعتدى عليهم السلطان و ضعفوا عن القيام بخراجها فيدفعونها إليه على أن يؤدي خراجها فيأخذها منهم و يؤدي خراجها و يفضل بعد ذلك شيء كثير قال لا بأس بذلك إذا كان الشرط عليهم ذلك و حملها على ما ذكرنا خير من حملها على المعاملة الجديدة أو جواز الإجارة المجهولة و قد ورد في الأخبار في باب المزارعة ما يخالف ظاهره القواعد الشرعية فمنها ما تقدم من هذه الأخبار الدالة على جواز أخذ الأرض من مالكها على أن يؤدي خراجها و يأكل

19

حاصلها فإنها لو جعلناها عقداً جديداً جائزاً كما يظهر من بعضهم لأصالة اللزوم أو إجارة جائزة أو لازمة أو جعالة لمن أدى الخراج أو صلحاً كان كله مخالفاً للقواعد لأن العقود محصورة و ليس منها و لاشتراط المعلومية في الإجارة و ليس كذلك و لأن الجعالة في مقابلة عمل لا في مقابلة دفع مال و لأن الصلح لا يحتمل من الغرر ما لا طريق إلى معرفته بمشاهدة و نحوها و لأنه من العقود اللازمة و الأظهر هاهنا الجواز فلا بد حينئذٍ من تأويلها و الاقتصار فيها على مورد النص في باب المزارعة دون غيرها لمخالفتها القواعد على كل حال و منها ما ورد في الأخبار المتكثرة أن للرجل أن يتقبل الأرض من الأخر على أن يعمرها و له حاصلها إلى وقت معلوم كالصحيح في الرجل يعطي الأرض و يقول أعمرها و هي لك ثلاث سنين أو خمس سنين أو ما شاء الله قال لا بأس و في أخر في قبالة الأرض من أهلها عشرين سنة أو أقل أو أكثر فيعمرها و يؤدي ما خرج عليها و لا يدخل العلوج في شيء من القبالة فإنه لا يحل و في ثالث في القبالة أن يأتي الأرض الخربة فيقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقل أو أكثر و يؤدي ما خرج عليها فلا بأس به و في رابع في القبالة أن يأتي الأرض الخربة عشرين سنة كانت عامرة فيها علوج فلا يحل قبالتها إلا أن يتقبل أرضها فيستأجرها من أهلها و لا يدخل العلوج في شيء من القبالة فإن ذلك لا يحل و في خامس في حل القبالة قال يتقبل من أربابها بشيء معلوم إلى سنين مسماة فيعمر و يؤدي الخراج فإن كان فيها علوج فلا يدخل العلوج في قبالة الأرض فإن ذلك لا يحل و هذه الأخبار أيضاً خارجة عن مقتضى القواعد سواء قلنا أنها عقد مستقل بصيغة قبلتك و شبهه أو إجارة يغتفر فيها الجهالة أو جعالة على تعمير الأرض لأن الأول للصيغ المعهودة في العقود و الثاني مخالف للإجارة صيغة و معلومية و الثالث مخالف لقواعد الجعالة من حيثية اشتراط تأديته الخراج و لو حملناها على الصلح لكان أقرب إلا أنها تخالفه في الصيغة و في زيادة الجهالة و كذا لو حملناها على الإجارة المطوي ذكر الأجرة فيها و المشروط في عقدها الخراج على المستأجر فإنه و أن قرب بوجه يبعد من وجه آخر و منها ما ورد في جملة من الأخبار من جواز خرص المالك على الزارع بعد انعقاد الحب و ظهور الثمرة في النخلة مقدار حصته تخميناً

20

و يقبله إياه أو من يجب منه غيره فإذا قبله لزم عليه زاد خرصه أو نقص فإن زاد خرصه غرمه الزارع و إن نقص كان عليه و من الأخبار الصحيح و فيه فلما بلغت الثمرة أمر عبد الله بن رواحه فخرص عليهم النخل فلما فرغ منه خيرهم فقال قد خرصنا هذا النخل بكذا و كذا صاعاً فإن شئتم فخذوه وردوا علينا نصف ذلك و أن شئتم أخذناه و أعطيناكم نصف ذلك فقالت اليهود قامت السماوات و الأرض و في أخر مثله و في ثالث أن لنا اكرة فنزارعهم فيقولون قد حرزنا هذا الزرع بكذا و كذا فأعطونا و نحن نضمن لكم أن نعطيكم حصة على هذا الخرص قال و قد بلغ قلت نعم قال لا بأس بهذا قلت فإنه يجيئني بعد ذلك يقول أن الحرز لم يجيء كما حرزت قد نقص قال فإذا زاد يرده عليكم قلت لا قال فلم تأخذوه بتمام الحرز كما أنه إذا زاد كان له كذلك إذا نقص و في رابع عن الرجل يمضي ما خرص عليه في النخل قال نعم قلت أ رأيت أن كان افضل مما خرص عليه الخارص أ يجزيه ذلك قال نعم و هذه الأخبار مخالفة للقواعد لأنها إن كانت عقداً مستقلًا خرجت عن العقود المحصورة و أن كانت بيعاً بطلت لدخولها في المحاقلة و المزابنة و أن كانت صلحاً فإن كانت بحب خارج عن نفس الزرع لزم امضاؤه من اشتراط السلامة على ما شرطوا باشتراطها و أن كان بحب منه كان ضرراً و عزر أن لا يحتمله عقد الصلح و لكن لما كانت الأخبار في هذا المضمار معتبرة و انعقد على مضمونها الإجماع لزم القول بها و أن خرجت عن تلك الضوابط فلنا الالتزام بأنه عقد مستقل جاء به الدليل ينعقد بلفظ قبلتك و شبهه و يفتقر إلى القبول بما دل عليه قول أو فعل و لا يكفي مجرد الإيجاب لأصالة عدم الانتقال في غير المتيقن و هذا هو الأقرب إلى الأخبار و لنا الالتزام بأنه بيع أو صلح قد دل الدليل على جوازهما على هذا النحو بل و لا يبعد وقوعهما بصيغة قبلتك و نحوها ثمّ أن الأصحاب قالوا أن شرط استقرار هذه المعاوضة سلامة الزرع أو الثمرة من الآفة الإلهية فلو تلف أجمع فلا شيء على الزارع و لو تلف البعض سقط منه بالنسبة و لو أتلفه متلف ضمن لم يغتفر المعاملة و لو صدر العقد قبل بلوغ الثمرة أو انعقاد الحب بطل و الأخير مسلم و تدل عليه الأخبار و الوسط على وفق ضوابط المعاملة و الأول مخالف لضوابط العقود

21

فإن انعقد عليها إجماع قلنا به و إلا فمحل مناقشة و تطبيق ذلك على القواعد أن العوض فيها بمنزلة معاوضة مشروطة بقبض العوض و وصوله إلى يد صاحبه و لو لم يسلم لم يحصل ذلك كالمبيع إذا تلف قبل القبض منظور فيه لمنع عموم تلك القاعدة أولًا و منع كونه غير مقبوض بعد التخلية ثانياً و لكن الحكم بعد كونه مشهوراً بل متفقاً عليه لا يمكن التعدي عنه.

ثاني عشرها استئجار شخص الزرع:

إذا استأجر شخص الزرع فإن نص على العموم جاز و كذا أن عين و أن أطلق بطل لتفاوت أفراد الزرع نفعاً و ضرراً و ابتداءً و انتهاءً و كذا لو ردد بين زرعين أو ثلاثة و أن أستأجرها للزرع أو الغرس بطل أيضاً و أن أستأجرها لكل منهما صح مع تعيين المزروع و المغروس و تعيين مدتها و أرضهما و كذا لو استأجرها لزرعين و غرسين فإنه يشترط تعينهما و تعيين قدر أرضهما و لو استأجرها لكل ما يريد من زرع أو غرس لأي زرع و لأي غرس صح لارتفاع الجهالة بالعموم و لو شرط في المزارعة غرساً اشترط أيضاً تعيينه و تعيين مدته و قدر أرضه كما يشترط في الإجارة لو أستأجر لزرع و غرس فإنه يشترط تعيين قدر أرض كل منهما حذراً من الجهالة و لو أطلق في الاستئجار الأرض لهما احتملت الصحة و الحمل على التصنيف لظهور التسوية في مقام التشريك بين شيئين في أخبار أو إنشاء و احتمل البطلان لوقوعهما على التصنيف و غيره أو لعام لا يدل على الخاص و الأقوى الأول و لو أستأجر أرضاً لغرس تبقى فيها بعد المدة غالباً قيل بأن للمالك إبقاؤها بالأجرة و له قلعه مع أرش النقصان الحادث من الإزالة و وجه طلب الأجرة مع إبقائه أنه شغل ملكاً له من أذن فيه فيستحق عليه الأجرة و وجه الإزالة أنه شغل لمالكه من دون أذن فيها لانتهاء المدة المأذون فيها بانتهاء العقد الذي قد أقدم المستأجر على تعينها به و وجه الأرش أنه قد وضعه حين وضعه بحق لأنه مالك و المالك يتصرف بملكه و لأنه ليس بظالم حين الغرس فيشمله مفهوم ليس لعرق ظالم حق فيدفع الأرش له جمعاً بين الحقين و قيل أن له قلعة من دون أرش لعدم ثبوت حق له بعد المدة و إنما حقه قبلها و سبب الاقتصار عليها إنما جاء من قبله فلو حصل منه

22

ضرر كان الضرر مسبباً عن أقدامه فلا يلتزمه المستأجر بل قد يقال أنه بعد المدة ظالم صرف فليس لعرقه حق وجود و كونه موضوعاً في المدة بحق لا يستلزم حقية الاستمرار عليه و القول الثاني أقوى و احتمل بعضهم بطلان العقد من أصله للشك في شمول دليل الإجارة له لاستلزامه الضرر على المؤجر و المستأجر في الإبقاء أو القلع و هو احتمال بعيد عن الصواب لأنها إجارة ينتفع بها لهما على كل حال فلا تنافي مقصود العقلاء و احتمال الضرر لأحدهما عند القلع غير مناف لصحتها.

ثالث عشرها كراهية إجارة الأرض للزراعة:

تكره إجارة الأرض للزراعة دون غيرها بعقد الإجارة لا الصلح على الأظهر بالحنطة و الشعير مطلقاً زرعت كذلك أو زرعت غيرهما كانت الحنطة و الشعير منها في وجه قوي إذا كانت واسعة بحيث يظن عادة خروجهما منها على قدر الأجرة أو كانا من غيرهما كل ذلك للأصل و العمومات الدالة على الجواز و للتفصي عن شبهة التحريم و النهي فتوى و رواية بحملها على الكراهة نعم ربما نسب بالأشهر تحريم إجارتهما بحنطة و شعير منها لعدم الأمن بخروج ذلك القدر فيعود إلى الغرر كما منع في السلف و للخبرين عن إجارة الأرض بالطعام فقال أن كان من طعامها فلا خير فيه و يظهر من بعضهم نقل الإجماع عليه و بالإجماع المنقول و بفتوى المشهور تتقوى دلالة هذين الخبرين المشتملين على نفي الخير الغير الصريح في الحرمة و كذا سندهما أيضاً مع أن أحدهما صحيح إلى صفوان و هو ممن أجمع على تصحيح ما يصح عنه بل قد يقال أن دلالة مجبورة أيضاً بالأخبار المعتبرة الناهية عن إجارة الأرض بالحنطة و الشعير و الزبيب و التمر و الطعام كما في الموثق و المشعر بذم من يؤجر الأرض بالطعام و النهي عن الأخذ من ماله كما هو ظاهر الصحيح و المعللة بمنع إجارة الأرض بالطعام لأن الذي يخرج من الأرض حنطة و شعير و لا يجوز إجارة حنطة بحنطة و شعير بشعير كما في خبر العلل و المعللة لجواز الاستئجار بالذهب و الفضة بأنهما مضمونان دون الطعام كما في جملة من الأخبار إذا لم نقلها بعمومها لمعارضته للفتوى المشهور و الأصول و القواعد نقول بدلالتها على تحريم خصوص الفرد الداخل فيها المحكى عليه الشهرة

23

بل الإجماع فالقول بالتحريم مما لا ينبغي العدول عنه إلا أنه يمكن صرفه إلى الأراضي الغير المتسعة التي لا تؤمن الانقطاع عنها اقتصاراً على المتيقن في مورد التحريم و لكن الخروج عن ظاهر الأدلة المتقدمة و صرفها إلى ما ذكرناه بعيد جداً و على ذلك فهل يخص الحكم الحنطة و الشعير فقط أو يشمل كل ما يخرج منها ظاهر التعليل المتقدم و بعض الأدلة السابقة الأول و كون الحكم مخالفاً للأصل فيقتصر فيه على مورد اليقين هو الثاني و الأجود التفضيل بين الأراضي المتسعة المأمون نماؤها فيصح في غير الحنطة و الشعير و بين ما لا يؤمن نماؤها فيفسد و مع ذلك فالأولى و الأحوط عدم إجارة أرض المزارعة بجمع أنواع الطعام كان منها أو من غيرها كلياً أو معيناً حنطة أو شعيراً أو غيرهما لإطلاق جملة من الأخبار الناهية عن ذلك و لو لا فتوى المشهور بخلافها أو معارضتها للعمومات القوية لكان الركون إليها متوجهاً و يشتد جانب الاحتياط زيادة فيما إذا استؤجرت بحنطة أو شعير لتزرع ما استؤجرت به لفتوى بعض المحققين بالمنع من ذلك و لإشعار بعض الأخبار به بالخصوص كخبر العلل و كالصحيح لا تستأجر الأرض بالحنطة ثمّ تزرعها بحنطة نباتاً على ظهور انصراف النهي للاستئجار لا للزرع بعده و ربما يؤيده الخبران الناهيان عن استئجار الأرض بما كان من طعامها نباتاً على إرادة الجنس أي من جنس طعامها و الجميع حيث أنه صالح الإثبات الحكم التحريمي معارضة ما ذكرناه كان الاحتياط في العمل به قطعاً ثمّ أنه على القول بالتحريم فالظاهر عدم ملازمته للحكم بالفساد إلا فيما ذكرناه في غير التسع فإنه يلازم الفساد لعدم صلاحه لوقوعه في مقابلة المنفعة فيفسد العقد بفساده و أما غيره فيصح و أن كان محرماً.

رابع عشرها في بيان استئجار الأرض للزراعة:

يجوز لمستأجر الأرض للزراعة أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به سواء اتحد أم اختلف و يجوز أن يزارع بحصة يزيد فإنها على قدر ما استأجرت به خالفه في الجنس أو وافقه و يجوز للمزارع أن يزارع بقدر ما زارع عليه و دفعه للمالك و بأكثر منه فيكون الزائد له و لا يتفاوت الحال في ذلك كله بين أن يحدث في الأرض حدثاً و بين أن لا يحدث و بين أن يكون الحدث مقابلًا لما استزاده و غير مقابل بل كل ذلك للأصل

24

و العمومات الدالة على أن الناس مسلطون على أموالهم و الدالة على صحة العقود أجناساً و أنواعاً و خصوص خبر سهل المعتبر على الظاهر في الرجل يستأجر الأرض ثمّ يؤجرها بأكثر مما استأجرها قال لا باس و في أخر مثله و في ثالث في المزارعة أتقبل الأرض بالثلث و الربع و أقبلها بالنصف قال لا باس و في رابع إذا تقبلت أرضاً بذهب أو فضة لا تقبلها بأكثر مما تقبلتها و أن تقبلتها بالنصف فلك أن تقبلها بأكثر مما تقبلتها به و النهي عن تقبيلها بالأكثر إذا تقبلها بالذهب و الفضة محمول على إرادة النهي عن أصل التقبيل بالذهب و الفضة و هي مزارعة بها لاشتراط الحصة المشاعة فيها أو على الكراهة في الإجارة دون المزارعة و لو أحدث فيها حدثاً فلا إشكال في الجواز كما دل عليه النص و الفتوى في باب الإجارة و كذا لو أجرها بغير الجنس الذي استأجره به كما هو ظاهر الأصحاب و ربما أشعرت به الأقلية و الأكثرية و مع ذلك فالاستئجار بالأكثر مكروه لفتوى الكثير من الأصحاب و للتفصي عن شبهة التحريم فتوى و رواية و لظاهر النهي في بعض الأخبار المحمول على الكراهة فظهر مما ذكرنا ضعف القول بتحريم استئجار الأرض بالأكثر حتى نقل بعضهم عليه الإجماع و استدل بالخبر عن رجل استأجر من أرض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام مسمى و شرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل أو أكثر و له في الأرض بعد ذلك فضل أ يصلح له ذلك قال نعم إذا حفر نهراً أو عمل لهم شيئاً يعينهم بذلك و بالثاني النافي للبأس عن إجارة الأرض و الدار و السفينة بالأكثر إذا أصلح فيها شيئاً و الكل منظور فيه لضعف الإجماع المنقول لمخالفته الشهرة المنقولة و المحصلة بين المتأخرين و تحصيلها بالنسبة إلى المتقدمين على التحريم لم يثبت و ضعف الروايتين سنداً و دلالة لاشتمالهما على لفظ يصلح و على نفي البأس و كل منهما غير صريح في التحريم و اشتمالهما على المفهوم الضعيف الذي لا يصلح لمقابلة المنطوق الصريح المعتضد بالمرجحات العديدة و الأصول و القواعد الدالة على الجواز و مع ذلك فالاحتياط غير خفي.

25

خاتمة

في التنازع و الاختلاف لو اختلفا في أرض الزرع و عدمها كان القول قول منكرها و لو اختلفا في المدة قصراً و طولًا فالقول قول منكر الزيادة إلا أن يدعي نقصانها عن أمد الزرع عادة فلا يبعد حينئذٍ تقديم قول مدعي الزيادة إلى ذلك الأمد لموافقته للظاهر و لو اختلفا في الحصة فالقول قول صاحب البذر لأصالة النماء له فمدعي الزيادة عليه البينة و لو تعارضت البينات قدمت بينة الخارج على الأظهر و احتمال القرعة كما احتمله بعضهم لأنها لكل أمر مشكل و لا إشكال و لو اختلفا فقال المالك أنها في يدك مزارعة و قال العامل هي وديعة فالقول قول العامل و كذا لو قال العامل

أنها عارية و لم تكن متصرفاً بها مع احتمال التداعي فيحلف كل منهما للآخر و تعود الأرض لصاحبها و هل للمالك تغريمه أجرة مثلها لفوات نفعها عليه و هي في يده و أن لم يتصرف لأصالة ضمان منفعة مال الغير أن استولت يده عليها و أن لم ينتفع بها أو ليس له تغريمه لأصالة البراءة من ضمان المنفعة الفائتة من دون تصرف و للشك في شمول عموم على اليد ما أخذت للشك في تحقق الأخذ في هذه الصورة وجهان و لا يبعد الأول و لو اختلفا بعد التصرف في الأرض كانا متداعيين فيحلف كل منهما على نفي ما يدعيه الأخر و تعود الأرض إلى المالك و الزرع إلى العامل و يغرم العامل أجرة المثل للمالك أن كانت مساوية لما يدعيه من الحصة أو المسمى لو كانت الأرض مستأجرة أو أقل و أن كانت أجرة المثل أكثر غرم قدر الحصة أو المسمى التي يدعيها المالك لا غير لاعترافه بأنه لا يستحق سوى ذلك و احتمال القرعة هنا ضعيف جداً لأنه ليس من الأمر المشكل و لو أقاما بينتين أخذ بالراجح منهما و أن تساويا فالقرعة و أورد بعضهم على الحاكم بثبوت أقل الأمرين فيما لو كانت الحصة أقل بأن الإقرار إنما يؤخذ به فيما لو كانت الدعوى مسموعة و المفروض بطلان كل من الدعويين فتبطل دعوى المالك فيبطل إقراره بالحصة فيثبت أجرة المثل مطلقاً و لا يخفى ضعفه لأن بطلان الدعوى و عدم سماعها في حق الغير لا ينافي إلزامه بما تضمنه من الإقرار و ذكر بعضهم هنا أن يمين الزارع لا فائدة لها بعد يمين المالك لأن الزارع لو اعترف بما يدعيه لم يكن

26

له أزيد من أقل الأمرين و فائدة اليمين أنه لو لم يحلف لإقرار أو نكل فيثبت عليه الحق نعم لو كان ما يدعيه أزيد من أجرة المثل اتجهت فائدة يمين الزارع لأنها تنفي الزائد مما يدعيه المالك على الأجرة و هو حسن و قد يقال هنا أن القول قول الزارع لأصالة براءته من غير ما يدعيه المالك و ما يدعيه المالك قد سقط بيمين الزارع و ليس للمالك استحقاق في غير ما يدعيه فلا يحتاج إلى التحالف بل يكفي يمين الزارع على نفي الحصة و فيه أن ادعاء العامل العارية أنما هو لرفع الغرامة اللاحقة له من استيفاء منفعة مال الغير الذي حكم الشارع بضمانه إذا صدر من دون اذن المالك و حينئذ فلو انتفت دعواه بيمين المالك لزم عليه دفع العوض لصدور التصرف منه بغير أذن و على ما اخترناه فيبقى الزرع يعد التحالف ثابتاً في الأرض إلى أوانه بأجرة لأنه قد وقع في الأرض بحق على كل الدعويين إلا إذا كانت دعوى الزارع إلى أمد ينقص عن المعتاد و قد انتهى أمده ففيه وجهان و احتمال أن للمالك قلعه بعد التحالف لانفساخ كل من العقدين اللذين يدعيانها بيمين كل منهما على نفي ما يدعيه الأخر فيبقى الزرع بعد ذلك لاحق في الأرض فللمالك قلعه بعد الانفساخ الواقعي أو لا تسليمه و منع كونه مما يزيل الحق الثابت بالوضع ابتداء و استدامة ثانياً و لو اختلفا فقال الزارع أن الأرض إعارة و قال المالك هي غصب فالقول قوله لأصالة عدم العارية فيحلف المالك على نفي الإعارة فيأخذ من العامل أجرة المثل لما فات و أرش النقص لو كان و له قلع الزرع من دون أرش و له طلب الأجرة مع الإبقاء و احتمال أن القول قول العامل في نفي الغصب بعيد جداً