أنوار الفقاهة (كتاب المكاسب)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
149 /
1

الكلام في العقود

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

العقد في الأصل العهد الموثق من الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال بينهما و المراد بها هاهنا كما هو عند الشارع أو المتشرعة صيغ خاصة بجعل الشارع و تقريره لها آثاراً خاصة لفظيّة أو ما قام مقامها صادرة من طرفين حقيقة أو حكماً مقرونة برضاهما و قصدهما حقيقة أو حكماً و المعروف إطلاقها على الألفاظ دون الأفعال و دون مدلولات الألفاظ بل إطلاقها على غير الألفاظ يكون مجازا و إن أطلقت أسماء أفرادها على غير الألفاظ حقيقة و لا ملازمة و من العقود كتاب التجارة و يراد به هنا النقل بالبيع أو نفس الصيغة و توابعه و ذكر غيره و فيه استطراداً و لا يراد بها ما هو المعنى المعروف لها من المعاوضة مداً مطلقاً لطلب الربح زائداً على رأس المال كما هو ظاهر الكتاب و السنة و لا المعاوضة مطلقاً و لا المعاوضة على الأعيان مطلقاً أو مع طلب الربح و لا البيع المقيد بذلك و لا الصناعة و الحرفة و لا نفس الأعيان كما تطلق عليها مجازاً و لا الاكتساب بالملك و التمليك مطلقاً و لا مع ملاحظة الربح و إن كان في كثير منها يمكن القول بالاشتراك و الكلام هنا يقع في مطالب تشترك فيها جملة من العقود أو أكثرها أوكلها ثمّ الكلام على البيع إن شاء الله تعالى.

المطلب الأول: يشتمل على فصول:

أحدها: الأحكام الخمسة لا تتعلق بالأعيان

بل بفعل المكلف و ما تعلق به الحكم من الأعيان فهو من باب المجاز و الفعل المتعلق بالاكتساب ينقسم باعتبار جهاته إلى الأحكام الخمسة إلا أن تعلق الواجب و المندوب بالأنسب بمجرد الجهة المقتضية لوجوب التكسب أو ندبه كوفاء دين أو نفقة واجبة أو للتوسعة على عياله أو لطلب

2

الرزق و تعلق الثلاثة الباقية لخصوصية في نفس النقل أو المنقول كالنهي عن بيع المنابذة و النهي عن بيع النجس و النهي عن بيع المزابنة و المحاقلة و كراهة بيع الطفل دون أمه و كراهة البيع في أوقات معلومة أو أحوال معلومة.

ثانيها: إذا تعلق لفظ التحريم بالمعاملة أو النهي بصيغة و كان بنفسها أو بجزئها أو بثمنها

فالظاهر منه الفساد للاستقراء أو للإجماع المنقول أو لظهوره في الإرشاد إلى فساده أو لظهوره من حال الناهي الغني أو لخلوّه بعد النهي عن دليل الصحة و الأصل عدمها و ليس النهي مستعملًا في التحريم و فساد المنهي عنه أو الإرشاد إلى فساده لعدم معهودية استعمال اللفظ في معنييه الحقيقيين أو الحقيقي و المجازي بل هو مستعمل في تحريم الفاسد لا دخول الفاسد في معناه بل أنه كاشف عن فساده فليس استعماله في فساد المحرم و لا في التحريم و فساد المحرم بوجه.

ثالثها: قد يقال إن هنا أصلًا من الأخبار

و هو أن الله إذا حرم شيئاً فقد حرم ثمنه و تحريم الثمن دليل على فساد المعاملة لأن تحريمه لمكان انه لم ينتقل عن صاحبه لا أنه حرام على المشتري تعبداً و لكن لا يخلو من تأمل فإن كان المراد من تحريم الشيء تحريمه في الجملة لزم تحريم بيع أكثر الأشياء و إن أريد تحريم المنفعة الظاهرة له كتحريم الشرب للخمر و الأكل للميتة و الدم و الخنزير أو جميع المنافع لتسليطه على العين نفسها كحرّمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير كان له وجه باستلزام تحريم منفعته الظاهرة أو جميع المنافع لعدم صحة انتقاله لعود المعاوضة عليه سفهاً إلا أنَّ الرواية غير صحيحة و هي مبنية على القاعدة المتقدمة و هي دلالة التحريم على فساد المنهي عنه.

رابعها: المشكوك في جواز استعماله و الانتفاع به

فالأصل إباحته و المشكوك في ملكيته يعد كونه موضوعاً تحت اليد فيه وجهان من أصالة عدم الملك لأنه حكم شرعي مفتقر إلى دليل و لم يثبت أن مجرد دخول الشيء تحت اليد و كان من المباح دخول مملك غاية ما في الباب أن اليد كاشفة عن ملك ما يملك أو مملكة ما يملك لا أنها مثبتة لملك المشكوك في إمكان ملكه أم لا و من أنا لا نعنى من الملك إلا السلطنة على ما جاز وضع

3

اليد عليه و جواز التصرف فيه على كل حال فيجرى على ما كان كذلك حكم الأملاك و الأوّل أقوى.

خامسها: لا ملازمة بين صفة الملك و المالية فرب شيء يعد مالًا

و لا يملك و رب شيء يعد مالكاً و لا يعد مالًا فعلى ذلك ما كان تحت اليد لا يحكم بمجرد ذلك بالمُلكيّة و إن عد مالًا عرفاً و لا يحكم بما لا يعد مالًا عرفاً فعلى بعدم الملك لأجل ذلك.

سادسها: ما كان تحت اليد فالأصل يقضي باختصاصه بصاحبه

و لا يجوز مزاحمته عليه سواء عد مالًا أم لا و سواء قلنا بملكه أم لا أما على القول بملكه فظاهر و أما على القول بعدمه فلأن مزاحمته ظلم و عدوان و لأن للسابق حق فلا يجوز دفعه عنه و لكل امرءٍ ما سعى.

سابعها: إن المعاوضة على رفع اليد عن الاختصاص جائزة بصلح و بشبهة

لعموم أدلته و لعدم عده سفهاً سواء في ذلك ما يتمول و غيره.

ثامنها: لا ملازمة بين الملك و بين جواز النقل و التمليك في المشكوك بجواز نقله و تمليكه

لأصالة العدم سواء كان النقل بمعاوضة أو مجاناً لأن النقل بأسباب شرعية فلا بد من القطع بحصول السبب و عمومات الصلح و البيع لا تدل إلا على أن القابل للنقل يجوز أن ينقل بالبيع و الصلح و أنهما سببان للنقل و ليس مساق أدلتهما كأحل الله البيع و الصلح جائز قاض بجواز بيع كل شيء مشكوك بنقله و انتقاله و بالجُملة فهما مبينان للنقل لا قاضيان ببيان ما ينقل و ما لا ينقل و قد يحتمل ذلك كما أستدل بعض الفقهاء على جواز نقل المشكوك بانتقاله بعمومات (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و ب(وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) الأول أوجه.

تاسعها: لا ملازمة بين جواز النقل مطلقاً و بين جواز المعاوضة لتوقفه على عده مالًا يقابل بالعوض

و الأصل في المشكوك به عدم المالية و عدم القول و الاستناد لعموم الأدلة منظور فيه كما قدمنا.

عاشرها: الأعيان النجسة أصالة كالخمر و النبيذ و الفقاع و الخنزير و الدم مما لا يقبل التطهير

لا يجوز استعماله فيما يُعد استعمالًا و انتفاعاً يعود للمنتفع لعموم الأدلة

4

كتاباً و سنة نعم يجوز الانتفاع بها في المنافع الخارجة التي تؤدي إلى إتلافها كإحراقها بالنار فينتفع بتلك النار أو يدهن به بعض الحيوانات أو يصلح بها بعض المزارع و النخل مع احتمال المنع مطلقاً سيما في الميتة لخصوص الأخبار الدالة على حرمة الانتفاع بشيء منها و هل يجري عليها حكم الاختصاص الوجه نعم فيما جاز اقتناؤه و جاز الانتفاع به بوجه من الوجوه و إلا فلا اختصاص و أما صفة الملك و التمليك فلا يتعلق بهما مطلقاً لعموم الأدلة و الإجماع.

حادي عشرها: كل ما يقبل التطهير بملك و يجوز نقله

لعدم شمول أدلة المنع له كالكافر بالإسلام و العصير بالنقص بل قد يدعى أن العبد المرتد الفطري يجوز ملكه و تمليكه و إن كان نجساً عيناً و لا تقبل توبته ظاهراً و لا باطناً لانصراف دليل المنع من ملك الأعيان النجسة و تمليكها بل كانت نجاسته تمنع الانتفاع به مطلقاً و الميتة لمنفعته الظاهرة و العبد الكافر لا تمنع النجاسة صنعته من منافعه الظاهرة و جواز قتله لا يلزم منه كون المعاوضة عليه سفها و لكن الأوجه الأول.

ثاني عشرها: المائع المتنجس بالعارض أن قبل التطهير قبل جموده بالاتصال

كالماء المطلق و بعض المائعات على قول أو بعد جموده و لو ظاهراً كالذهب و الفضة و القير و الطين لو صار خزفاً و العجين لو جُفف كذلك و كذا الطين و وضعا في ماء كثير جاز استعماله و ملكه و تمليكه بعوض و بدونه لعدم انصراف أدلة المنع لمثله و احتمل المنع من ذلك مطلقاً أخذاً بالإطلاق و هو بعيد و إن لم يقبل التطهير فإن لم تمنع نجاسته الانتفاع به في الجهة المقصودة منه جاز استعماله و ملكه و المعاوضة عليه لعدم انصراف دليل المنع إلى ذلك لأنه ليس تعبداً محصناً و عموم أدلة الجواز شاملة له و الإجماعات المنقولة منصرفة إلى المائع الذي تبطل النجاسة منفعته المقصودة أو جميع منافعه فحينئذٍ لا بأس ببيع الأصباغ لو طرأت عليها نجاسة عارضية و كذا الصابون مائعاً أو جمد بعد ذلك لاستصحاب ملكها السابق و عدم القطع بالمزيل و شمول ادلة العقود و البيوع لها و انصراف أدلة المنع لغيرها مما يمتنع الانتفاع به مع نجاسته.

5

ثالث عشرها: الدهن

و يلحق به الشحم المذاب و الشمع و النفط لو أصابته نجاسة عارضية فإن أبطلت الانتفاع به بالاستصباح مطلقاً أو تحت السماء خرج عن الملكية و إن لم يخرج عن الاختصاص و جواز الاستعمال و الانتفاع فلا تصح المعاوضة عليه و لا تمليكه مجاناً و جاز استعماله للأصل و انصراف أدلة المنع للاستعمال الباعث على عدم الاكتراث بالنجس و عدم المبالاة به أو المؤدي إلى معاملته معاملة الأملاك نعم يستثنى من ذلك دهن الميتة المتخذ من شحمها فإن استعماله و الانتفاع به ممنوع كتاباً و سنة و إجماعاً سوى ما لا يعد عرفاً استعمالا و انتفاعاً و لا يشترط في الاستصباح به كونه تحت السماء للأصل و لعدم زوال منفعتُه بالنجاسة و لإطلاق الأخبار المتكثرة في مقام البيان فلا يقيدها الضعيف من المراسيل و الإجماع المنقول على لسان بعض و كذا الشهرة المنقولة على لسان جماعة و كان ذلك محمول على الندب و التعليل بنجاسة السقف بعيد و التعبد مفتقر إلى ما يقاوم تلك الإخبار و ليس فليس و على التقييد بذلك فالظاهر إرادة أن الضياء تحت السماء لا المستضيء و الظاهر ان الشبابيك من الحائل و كذا الثوب و لو استضاءوا به تحت السقف نعل من أناره أو وضعه حراماً و أما من كان مستضيئاً فوجهان و لو اشتبه الدهنان ترك الجميع من باب المقدمة و لا يشترط بعد حصول منفعة الاستصباح جعله غاية للبيع لفظاً أو قصداً من البائع أو المشتري أو كليهما فلو تركاها بل لو قصد غيرها من المحللات جاز و ان قصد المحرم ففي الصحة و عدمها وجهان و هل يشترط في الاستصباح الاحتياج إليه فلو استصبحا به نهاراً عناداً ففي الجواز وجهان و كذا لو استغني بالتعدد عن ضوئه أو بإشراق البدر و يجوز استعماله عند الاستصباح بالطبخ عليه و تسخين البدن به.

رابع عشرها: لو تعامل المجتهدان المختلفان في التقييد و الإطلاق و كان الدهن لا قابلية له للاستصباح تحت السماء

بطل العقد بينهما على الأظهر و هكذا الحكم في كل مختلف في إباحتها و لأن العقد لا يصح من جانب و يبطل من الآخر مع احتمال صحة من أفتى بصحته و الأصل الصحة فيكون العقد كله صحيحاً من جانب و كله باطلًا من جانب آخر و لا بأس بذلك.

6

خامس عشرها: لا تملك عذرة الإنسان و لا كل عذرة نجسة العين

فلا تصح المعاوضة عليها و لا نقلها نعم يتعلق بها حق الاختصاص لو كان منفعة تصرف إليها و يجوز استعمالها و الانتفاع بها لتسخين الحمامات و تسميد الخضر و الزرع نعم تمنع الاستعمالات المؤدية إلى عدم الاعتناء بالدين و عدم المبالاة بالنجاسة أو ما يعود للبدن منهما و ما دل على جواز منع بيع العذرة محمول على عذرة ما يؤكل لحمه و الميل إليه بعيد نعم يجوز الصلح على رفع حق الاختصاص منها لو كانت تحت يد من له غرض بالانتفاع بها و أما صاحبها فالظاهر أنه لا اختصاص بها.

سادس عشرها: يجوز استعمال النجس في الجهة المنهي عنها لمكان تقية أو مرض أو اضطرار

كأكل الميتة في المخمصة و شرب الخمر للتداوي به و نحو ذلك لأن حفظ النفس أهم من اجتناب المنهي عنه كما يشعر به الكتاب و السنة و يشترط في التداوي به انحصار الدّواء به و القطع أو الظن العادي أو المأخوذ من خبر عدلين أو طبيب حاذق مأمون بنفعه و حصول البرء به و كون المرض مضر ضرراً لا يحتمل عادة (و ما جعل الله في محرم شفاء) متروك لا محرم عند التداوي به على تحريمه.

سابع عشرها: بيع النجس المائع أو الجامد في مقام جوازه إذا كان مأكولًا أو مشروباً يجب الإعلام بنجاسته للمشتري

و يجب على المشتري لو كان ذو يد وكيلًا أو أصيلا لحصول الضرر منه على مشتريه أما واقعا أن قلنا إن في نجاسته سمية واقعية و أما لخوف العاقبة من الأذية الحاصلة منه بعد العلم به و للأخبار الآمرة بالأعلام الواردة في الدهن النجس و لا يجوز دفع النجس للأكل و الشرب لعياله و أطفاله و أضيافه لأنه من المنكر و الإغراء بالقبيح و ما ورد من النهي عن الأخبار بنجاسة اليد أو الثوب محمولًا على ما لا يؤدي إلى استعماله في الأكل و الشرب أو إلى ما لا يدفعه الإنسان لغيره مما ظاهره الطهارة.

ثامن عشرها: لا يجوز بيع النجس على مستحليه مطلقاً

و ما ورد من الجواز غير معمول به و لا يجوز بيع المخلوط من المُذكّى و الميتة و لا من جلودها و بما ورد من الجواز متروك أو محمول على التقية.

7

تاسع عشرها: يجوز الانتفاع بالأرواث الطاهرة و بيعها لحصول النفع بها من غير معارض

فتشملها أدلة العقود و البيوع و ما ورد من النهي محمول على منها و خصوص الأدلة تقضي به أيضا و أما الأبوال الطاهرة فيجوز الانتفاع للأصل من غير معارض بل يجوز بيعها إذا كانت لها منافع مقصودة لعموم الأدلة و ما لم تكن له منفعة ظاهرة لا يجوز نقله و انتقاله و إن جرى حكم الاختصاص عليه و هل تتعلق به صفة الملك وجهان و في جواز شربها اختياراً قولان أرجحهما العدم لاستخباثها عرفاً إلا بول الإبل فلا يبعد جواز شربه لعدم استخباثه عند أهله و لخصوص الروايات الواردة فيه من غير معارض و قد يحض جواز شربه بالاستشفاء و إن لم ينحصر فيه الدواء فيجوز بيعه لتلك الجهة أو مطلقا بل قد يقال إن بيع غير بول الإبل غير جائز و إن حصلت ببيعه منفعة لأن منافعه نادرة و المنافع النادرة و لا يقبح الاكتساب فيدخل تحت ما لا ينفع فيه و لأن منفعته الظاهرة منهي عنها كما تقدم و أن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه و لا يرد أن منفعة العقاقير نادرة فلا ينبغي أن تباع لأن نقول في العقاقير إن منفعتها نادرة الوجود و الوقوع يعد كونها منفعة و هذه نفعها نادر الوجود و الوقوع لقلة الانتفاع بها مع الحاجة إلى الانتفاع بها و الفرق ظاهر و من الفقهاء من منع بيع البول مطلقاً و منهم من أجاز مطلقاً و أجاز شربها و منع الاستخباث المدعى فيها استنادا إلى الأخبار المجوزة لشربها و منهم من أجاز بيع العذرة مطلقاً للأخبار المجوزة و لأن لها نفعاً في الجملة و منهم من منعها مطلقاً للأخبار المانعة و منهم من حمل الأخبار المانعة على اختلاف البلدان أو التقية و منهم من فرق بين عذرة غير مأكول اللحم فمنعها مطلقاً و بين غيرها فأجازها مطلقاً للأخبار الدالة على جواز بيع العذرة و منهم من منع بيع الأرواث مطلقاً لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه و الأرواث محرمة الأكل كالطحال و الذكر و منهم من خص المنع بالنجس لأن الروث لا يستلزم حرمة أكله حرمة بيعه لأنه ليس معداً للأكل و منهم من أستند في المنع في كثير مما تقدم إلى عدم المالية عرفاً و قد عرفت أن عدمها لا ينافي الملك و التمليك و أن نافى المعاوضة و الضمان بالقيمة أو المثل و بعد التأمل و النظر لا يمكن المحيص عما بنينا عليه.

8

العشرون: تحريم الخبائث و تحليل الطيبات

فالمعلوم من أحدهما بالرجوع لأهل العرف فلا كلام فيه و المشكوك فيه يرجع فيه إلى اصل الحل لتعارض أصلي العدم في كل منهما سواء كان المشتبه ابتداء أو كان مشتبهاً في غير محصور و هل بين الطيب و الخبيث واسطة أو كلما ليس بخبيث فهو طيب أو بالعكس و يترتب على ذلك أحكام منها أن كلما اعد للأكل و الشرب و كان خبيثاً حرم ثمنه لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه فيلزمه تحريم المعاملة اللازم لفسادها شرعاً.

الحادي و العشرون: النهي المتعلق بالكل متعلق بالأجزاء التزاماً عرفياً

ما لم تبين أن المراد الكل بشرط الانضمام و الاجتماع فالنهي عن بيع الميتة نهي عن جميع ما حله الموت من الأجزاء و كذا النهي عن بيع الكلب و الخنزير إلا أن الفرق بينهما أن ما لا تحله الحياة من الميتة لا يدخل تحت إطلاق الميتة لأن الظاهر منه مجموع ما لا تحله الحياة منها أو المراد جميعها و خرج ما لا تحله الحياة بالدليل الدال على طهارته و جواز الانتفاع به فعلى ذلك لا يخرج عن الملك ما ينتفع به من الميتة من عظم و شبهه و يجوز نقله إذا كان فيه نفع يعتد به بل لو باع الميتة أجمع تبعضت الصفقة على المشتري بالنسبة إلى ما لا يملك منها و ما يملك و أما ما لا تحله الحياة من الكلب و الخنزير فحكمه حكم ما حلته الحياة.

الثاني و العشرون: ميتة غير ذي النفس السائلة يجوز ملك ما ينتفع به منها و بيعه و شراؤه

كدهن السمك و الضفادع و بعض لحومها للأدوية و تحريم أكله للاستخباث لا يستلزم حرمة بيعه لعدم انحصار منفعته الظاهرة في الأكل.

الثالث و العشرون: اللهو الذي من شأنه أن يُنسي ذكر الله تعالى و عبادته و يلهي عن اكتساب الخير و الرزق حرام

سواء كان بآلة أو بدونها كالرقص و بعض أنواع الصفق و اقتناء بعض الطيور للّعب بها و صيد اللهو و هذا هو المفهوم من ذم اللّهو و اللعب في الكتاب و السنة و لأنه لو وزن الحق و الباطل لكان من الباطل و يحرم اقتناء الآلات المعدّة له المختصة منافعها الظاهرة به و إن أمكن الانتفاع نادراً بها بغيره كالطبل في غير الضرورة و مقام الحرب و المزامير و الرباب و السنطور و الناقوس بل ربما يلحق

9

بها المراصع و الشاخات و الطوبة و القلل بل الكعاب المعمولة للهو بها و يحرم استعمالها و نقلها و انتقالها بعوض و بدونه للأخبار و الاجماع المنجبرين بالشهرة المحصلة و يلحق بذلك آلات الخمور و القمار كالشطرنج و النرد و الأربعة عشر بل أواني الذهب و الفضة و الدراهم الزيوف و الدنانير كذلك و الجواهر المغشوشة و نحو ذلك و لو باع المادة مجردة عن الصورة لم يصح و لو شرط على المشتري أن يكسرها قبل الاقباض أو أن يكسرها المشتري لو كان عدلًا أو يتلفها لم يصح لتعلق النهي ببيعها على جهة الإطلاق على احتمال الصحة سيّما لو علم أن المشتري يكسرها فوراً و الأقرب فورية وجوب كسرها و يجب على من تمكن من إتلاف صورتها و إرجاع المادة لمالكها أو عدم منعه منها و بذله له ذلك و لو أتلف المادة فإن كان لعدم إمكان إتلاف الصورة بدونها لم يضمن و ان أمكنه إتلاف الصورة بدون المادة فالأقوى ضمانها بالمثل أو القيمة مجرد عن الصورة و لو باع الصورة و المادة باسمها بطل البيع و لم تتبعض الصفقة و كذا لو باعهما منفردين و لا يدخل ملك الصورة في ملك الكافر إلا المستحل فيه وجهان و لو كانت الآلة ذات جهتين كبعض الآلات القابلة للهو و لظرفية المآكل و المشارب و القابلة للخمر و لغيره اتبع القصد في الحرمة و الحل و في الصحة و الفساد كلام سيجيء إن شاء الله تعالى.

الرابع و العشرون: كلما يمكن الاكتساب به في جهتين محرمة و محللة اتبع في التحريم و التحليل قصد الناقل و المنقول إليه

أو هما معاً و أما الفساد فما تعلق تعلق به نهي نفسي أو انعقد إجماع على فساده فهو فاسد و إلا فلا دليل على فساده لأن النهي في المعاملة إذا لم يكن اصلياً نفسياً لا يدل شرعاً و لا عرفاً على فساد المعاملة و لم يقم إجماع على فساد ما نهي عنه كغيره فعلى ذلك لو باع الطعام فقصد بائعه أو مشتريه القوة به على الزنى و كذلك اللباس لتحسين الأولاد و الزانيات كان حراماً لما فيه من الإعانة على الإثم و العزم على المحرم و لم يكن فاسداً لعدم الدليل على فساده حتى لو أخذ شرطاً لم يفسد لتحريمه و إنما يفسد لفساد الشرط المحرم و فساد الشرط يقضي بفساد المشروط و تحرير المسألة أن المحرم إما أن يكون معلوماً وقوعه بعد النقل و الانتقال و لكن غير مقصود لهما على سبيل العلّية المصرحة أو المضمرة أو الشرطية نعم يعلم

10

البائع أنه يصنع العنب خمراً بعد انتقاله أو يعلم المشتري كذلك و لكنه قصده السلطان و الملك نعم يعلم أنه لو ملك لوقع منه ذلك فالظاهر أن هذا صحيح و لا حرمة في نفس النقل و الانتقال و لا يدخل تحت الإعانة المحرمة لأن الظاهر أن الإعانات في المشتركات تتوقف على النية سيما لو كان الحرام المترتب بعيداً تربته كما إذا باع أرضاً يعلم أن صاحبها يكري لها نهراً و يغرس فيها عنباً ثمّ يصنع منه خمراً و السيرة القطعية قاضية بعدم المنع في ذلك و إلا لما بيع على الفسقة أكلًا و شرباً و ثياباً و على الظلمة دوراً و عقاراً في الخبر فيمن يؤجر سفينته و دابته أن يحمل عليها الخمر و الخنازير قال لا بأس و في الآخر يبيع الخشب ممن يتخذه برابط قال لا بأس و في ثالث عن عصير العنب ممن يجعله خمراً قال يبيعه حلال و يجعله ذلك حراماً و في رابع نحو ذلك و في خامس يبيع العنب ممن يعلم أنه يجعله خمراً قال لا بأس ببيعه و في سادس إنا نبيع تمرنا ممن يعلم أنه يصنعه خمراً و في سابع بعه إذا كان عصيراً قال إنه يشتريه من عصيره فيجعله خمراً قال بعته حلالًا فجعله حراماً أبعده الله و احتمال طرح هذه الأخبار أو حملها على صورة عدم العلم في ما ليس فيها أعلم أو حمل العلم على الظن فيما فيها ذلك أو حملها على الجبر أو على الذمة الذين يرون حلية ذلك أو أداؤه الخمر المحرمة أو غير ذلك كله تعسف و خلاف الظاهر و أما أن يكون مظنوناً بالظن الشرعي أو العادي و هما أولى بالجواز من العلم نعم قد يقال بتحريم ما علم تأذيته إلى تلف النفوس و هتك الأعراض لأنه مصدر الفساد و لا يدخل في أدلة الجواز و أما أن يكون مأخوذاً شرطاً منهما أو من أحدهما فالأقوى هنا الحرمة و البطلان لأن المشروط باطل ببطلان شرطه و أما أن يكون شرطاً مضمراً مبنياً عليه العقد فهو كذلك و أما أن يكون راعيا و علة منهما مصرحا بها منهما أو مطوية بينهما لفظاً لا قصداً و علة مصرحة من المشتري أو علة مطرية من البائع فالظاهر الحرمة في جميع هذه لأنه من المعاونة عرفاً على الإثم و من التعاون عليه مع اتفاقهما سيما في التقريب من الفعل كبيع العنب و العصير أو الثمر للخمر أو الخشب للصليب و المباشر هنا و ان كان أقوى من السبب إلا أن الإعانة عرفاً حاصلة و لا يرد أن الله خلق قوة المعصية و آلاتها و شرائطها و مقتضياتها و مع ذلك فليس بمعين قلنا نعم لو

11

خلق تلك لمجرد المعصية لكان معيناً و لكن تلك للطاعة و إن علم صرفها بمعصية فصرفها عبده بسوء اختياره في المعصية فهو ليس بمعين إلا على الخير و الطاعة فتأمل و على الشرطية أو العلية المصرح بها منهما أو من البائع أو المطوية من البائع منزل الأخبار و المانعة من بيع الخشب ليعمله صليباً و عن أجرة البيت فيباع فيه الخمر أو تحمل على الكراهة أو على تحريم الأجرة لأنها من ثمن الخمر لعدم تصريح الرواية بأنه باعه لمن يعلم أنه يبيع فيه الخمر و أما الفساد في ذلك فهو قريب مع التصريح بالعلية من البائع أو منهما لظاهر فتوى المشهور و الإجماع المنقول و بعض النواهي الأصلية و أما مع نية البائع فقط فيشكل الحكم بالفساد لعدم تحقق الإجماع و لعدم التصريح بالنهي في خصوص الصورة الخاصة و أما مع نية المشتري فقط فالظاهر أنه لا تحريم أصلًا للسيرة و للأخبار المتقدمة.

الخامس و العشرون: من جملة مشترك الجهتين بيع السلاح لأعداء الدين

و الظاهر أن بهذا خصوصية زائدة على ما تقدم من جهة تكثر الإخبار بالنهي عنه فيحرم سواء علم أن السلاح يعينهم على المقاتلة أو لم يعلم بل لو علم عدم المقاتلة به على إشكال و سواء كانت الحرب قائمة أم لا و سواء قصد المشتري ذلك أم لا و سواء قصد البائع ذلك أم لا نعم لا يبعد انه لو كانت هدنة بيننا و بين أعدائنا مرجوة لبقاء مدة يعتد بها أمكن أن يدور التحريم مدار قصد الإعانة و عدمه من البائع أو منهما معاً و الأقوى أنه يفسد مع ذلك لتكثر النواهي الأصلية عنه و ان ظهر احتمال أنه لمكان تقويتهم و إعانتهم على الإثم و ظاهر الأصحاب و الإجماع المنقول الفساد و يشمل التحريم كل سلاح من حديد أو غيره من الخشب كالقوس أو صوف كالذي يصنع لرمي الحجارة أو عصي معدة للسلاح كالجناة و ما كان مشتركاً ككثير من الخشب اتبع القصد و لا فرق بين النقل المجاني و بعوض في التحريم و الفساد كما لا فرق بين الأعداء من المسلمين و الكفار بل لو بغي على فريق من الإمامية كان كذلك على أشكال لخروجه عن مورد النصوص و لا يشمل لفظ السلاح ما يتقى به من الدرع و البيضة و لا يجري لما لا يكون سلاحاً كقوالب الحديد و ما بعد بالفعل عن السلاح و لا يلحق

12

ظروف الأسلحة في الأسلحة و لو تجردت الأسلحة عن ظروفها شملها الحكم و ربما يلحق السرج بالسلاح في رواية و ربما يقيد الحكم بوقت الفتنة كما في رواية أخرى و هو غير بعيد إلا أن العمل بالإطلاق و حمل الرواية على تأكّد التحريم أظهر و لا يبعد كون المعونة للظالمين علمية لا واقعية فلو لم يعلمها لم يترتب تحريم و لا فساد بل لا يبعدان كلما كان تحريمه لنهي مفارق يجتمع معه في الوجود الخارجي يتوقف فساده و حرمته على العلم بل ربما يدعى أنه لا يفيد فساداً إلا مع ورود النهي في الأخبار بحيث يعود معه كالنهي الأصلي.

السادس و العشرون: كلما لا نفع له يعتد به في المعاوضة لذاته أو لخسته أو لقلته

كحبة حنطة في الأعيان و عمل قليل في المنافع لا تصح المعاوضة عليه إن بذل العوض في مقابله و منه ما لا يصلح للنقل مطلقاً و لو مجاناً و منه لا يتعلق به ملك أصلًا و منه لا يتعلق به اختصاص و ربما يختلف باختلاف البلدان و الأزمان و الأحوال و لا بد من التأمل في ذلك و التمييز بين ما لا نفع فيه أصلًا و رأساً و بين ما فيه منفعة لكنها غير معتد بها لعدم الاعتناء بها و بين ما له منفعة ظاهرة و بين ما لا له منفعة خفية و بين ما له منفعة نادرة يندر وقوعها و حكمها حكم المنفعة الظاهرة كمنافع بعض الأدوية و الفرق بين نادرة الوقوع و بين ما لا يعتد به ظاهر و المنفعة الغير المعتد بها حكمها حكم ما ليس له منفعة و لا يدور الحكم هنا مدار الحشرات أو السباع أو المسوخ أو الفضلات و نحو ذلك فيجوز بيع كثير من الطير المشتمل على نفع و العلق من الدود و زنبور العسل ودود القز و عظام الفيل و دهن السمك و بالجملة فالشيء إما أن لا يكون له في حد ذاته منفعة إلا نادرة لا يعتد بها كالدود و القمل و البرغوث و البق و إما أن يكون له منفعة و لكنه مستغنى عن منفعته كبيع الماء على من هو فيه و الطين على من هو في محله أو تكون له منفعة و لكن عرض له عارض عن الانتفاع كماء البحر لملوحته و بعض المياه كذلك أو تكون له منفعة و لكن لا طريق إلى الوصول إليها كدار لا طريق لها في الدخول إليها أو بستان كذلك أو تكون له منفعة بعد عمله كالتراب بعد صيرورته آجراً أو بعد هيأته كوضع الطين على هيئة اللبن أو الترب الحسينية المشرفة أو على غيرها من الهيئات

13

المطلوبة أو يكون له نفع ببلد دون آخر أو قوم دون آخرين و بالجملة فما لا نفع فيه لا تصح المعاوضة عليه إذا كان مسلوب المنفعة بحد ذاته لأن شرع العقود لمصالح العباد و لتكسبهم و لحصول النفع لهم و لأن بذل العوض به من السفه المرغوب عنه و أخذه من أكل المال بالباطل نعم يتعلق به حق الاختصاص ما لم يمنع مانع من جواز اقتنائه كما قيل في بعض السباع المؤذية و السموم القاتلة الخالية عن النفع بغير ذلك فالدرياق المركب من خمر و لحم الأفاعي بل و يتعلق حقّ الملك في الكثير من ذلك لإجراء حكم الأملاك على كثير منها بل و التمليك المجاني سوى المعاوضة عليه و من ذلك ما لا تصح المعاوضة عليه لقلته أو لعدم الوصول إليه مع احتمال أن القليل تصلح المعاوضة عليه بالمثل و إن لم تصلح بالقيمة كما يصلح نقله و انتقاله مجاناً و قد ذكروا هنا المسوخ و السباع و الحشرات و بعض الحيوانات الصغار فمنع جماعة من بيع السباع كلها و جوز آخرون بيعها كلها و ثالث جعل الأمر دائراً مدار النفع و رابع استثني الفهود و خامس ما يصاد به و سادس الهرة و جوارح الطير و في جملة من الأخبار تجويز بيع الهرة و الفهد و سباع الطير و جلود السباع و السباع و جلد النمور و هو دليل على جواز بيع ما اشتمل على نفع و جلده أو صيده أو عظمه و الانتفاع بجلده دليل على طهارته و جواز بيعه و أما المسوخ فهو الحيوان المبدل من صورة إلى أقبح منها و يقال إنه لا يبقى أكثر من ثلاثة أيام فالموجود اليوم إما مواليدها إن كان لها مواليد أو الحيوان الذي على صورتها المتقدم عليها خلقاً كما هو الظاهر أو المتأخر عنها خلقاً فذهب الشيخ إلى تحريم بيعها مطلقاً بناءً على نجاستها و هو ضعيف لضعف المبنى عليه و اجماعه المنقول معارض بما هو أقوى و في الأخبار ما يدل على جواز بيع عظم الفيل مشطا و هو دليل على جواز استعماله بيعه حيّاً لمكان عظمه أو الصلح على عظمه و هو حي و ما يدل على جواز استعمال جلود الثعالب و الأرانب و هو دليل على جواز بيعه لأنه لم يحرم لبسه فلا يحرم ثمنه إذ لا يراد بما إذا حرم الله شيئاً حرم ثمنه بتحريمه و لو من جهة واحدة بديهة بل إما من كل جهة أو من جهة ما حرم بينهما فعلى ذلك يجوز بيعهما لمكان جلدهما أو الصلح على جلدهما حيين و بالجملة فما أمكن الانتفاع به من المسوخ بشمله

14

عمومات الأدلة من العقود و البيوع و الإجارات و نقل عن العلامة (رحمه الله) أنه يقول إنَّ (أحل الله البيع) شامل لجميع أنواع المبيع عند الفقهاء في جميع الإعصار و يدخل تحت الملك لتحقق السلطان عليه مع وجود نفع يعود لمن تحت يده و لا تجوز مزاحمته و لا رفع يده فهو إما ملك أو اختصاص شبه الملك و ربما يقال إنه لا فرق مع وجود المنفعة بين حيوان دون آخر اتفاقا فما في بعض الأخبار من النهي عن بيع القرد و شرائه أما خاص أو على الكراهة أو على نية اللهو أو كاشف عن أنه لا ينتفع به و أما الحشرات فهي التي لا تحتاج إلى الماء و لا إلى شم الهواء و مثله الحيوانات الصغار كالسلبوح و الذباب و ما شاكلها فحكمها كما قدمنا من جواز التكسب بها مع حصول النفع المعتد به و عدمه مع عدمه و تعلق الاختصاص به بعد وضع اليد عليه لأن مزاحمة الواضع ظلم و أما الملك فيشكل الحكم فيه لعدم كونه مالا أو مقتطعاً من مال أو يئول إلى مال أو يعتد به بحيث يعده أهل العرف عداد المملوكات و لو شككنا في حيوان أنه مما ينتفع به أم لا فالأصل عدم الانتفاع به و مما يعد هنا فضلات الإنسان أيضاً من شعره و عرقه و بصاقه و كذا فضلات غيره من الحيوانات مما لا نفع له عادةً و إن أمكن الانتفاع نادراً في بعض الفضلات لخاصية فيها عند بعض أهل الخواص أو عند بعض أطباء الحيوان أو أهل الأسرار أو انتفعت امرأة بشعر أخرى فإن هذه المنافع لا يسوغ معها النقل و الانتقال بالعوض بل و لا التمليك المجاني و في حصول الملك في بعضها وجه كما أن الاختصاص في كثير منها لا محيص عنه و أما التراب فالظاهر أنه مما لا يحتاج إليه فيدخل تحت دليل السفه في وجه و ليس مما لا ينتفع فيه بل اكثر النفع فيه في عبادات و معاملات و كذلك الرمل و يجوز بيع النوى و كثير من قشور الفواكه و الخضروات و الجوز و البندق و إن استغنى عنها ما لم يدخل تحت دليل السفه و أما بيع الدخان المتصاعد في المملوك حطباً أو غيره أو بيع البخار المتصاعد من الماء المملوك و نحو ذلك فلا يخلو عن إشكال و لو أمكن قبضه للشك في دخوله في الملك و حصول الانتفاع به نفعاً يقابل بالعوض و قد يقال بمنع بيع الهرة بعدم قضاء سيرة المسلمين ببيعها مع حاجتهم للتكسب و كثرة تداولها و ما ورد من جواز بيعها محمول على دفع حق الاختصاص عنها و من ذهب

15

إلى التصدق بثمنها يشير إلى عدم لزوم نقلها أو انتقالها و يجوز بيع لبن الامرأة لأنه يشتمل على نفع يعتد به و هو مملوك لها على الأظهر لأن الحر يملك منافعه و فوائده و هل يجوز نقل لبن الكافرة لتغذية الطفل أو منفصلًا لجواز استرضاع الذمية وجهان من حصول النفع المعتد به و من كونه من المائعات النجسة و الأقرب جوازه تبعاً لأصالته و يجوز بيع لبن الأتان للتداوي به بل كل لبن ينتفع به نفعاً يعتد به و لو كان من غير مأكول اللحم.

السابع و العشرون: مما يحرم الاكتساب به عمل الصور المجسمة ذوات الظل على شكل حيوان

أو إنسان أو غيره صغيراً أو كبيراً حيّاً أو ميتاً معيناً بنفسه أو على شكل رجل أو ولد أو بنت أو امرأة كلية للأخبار و الاجماع و ظاهر المنع فيها مخصوص بالصور ذوات الجسم الذي يمكن أن يقوم بنفسه فلا اعتبار بالصور الحاصلة من البناء أو الحياكة من مقابلة بعض الأحجار لبعض أو مقابلة بعض المسوخ لبعض و كذا لا اعتبار بالأصباغ و أما الصبغ الذي يشتمل على أجزاء تلصق بالورق أو الحجارة فوجهان من أنها لا تقوم بنفسها و الأصل الحل و من أنها جسم لاصق بجسم و إن خف و لطف و له ظل لو فرضنا قوامه بنفسه و المدار على تمام الصورة فإن نوى عملها حُرم عليه ابتداء العمل و أن نوى الأبعاض بشرط عدم غيرها لم يحرم عليه ابتداء العمل و إن فعل متردداً في الإتمام و عدمه فوجهان و لا يبعد التحريم و إن اشترك اثنان حرم عليهما معاً عند اجتماعهما و لو ترتبا احتمل فعل الأخير فقط و أحتمل تحريم المبتدئ أيضاً إذا كان من نيته أن يبتدئ لعامل آخر تم العمل و لو وجد شخص صورة ناقصة فأتمها تعلق التحريم به و الظاهر أن المدار على ما ظهر من الصورة فلا اعتبار بالبواطن فلو لم تكن لها قلب و كرشة أو مصران أو طحال لم يسقط به حكم التحريم و لو كانت ناقصة جزء لا ينافي صدق اسم الحيوان عليه فالظاهر عدم سقوط حكم التحريم و كذا لو كان موضوعاً على شكل النادر من الإنسان كالموضوع على ذي حقوين أو ذي رأسين أو نحو ذلك و كذا لو كان على شكل اعور أو اعرج أو أعمى على الأظهر و لو كان موضوعاً على شكل مبدأ الإنسان كعلقة أو مضغة فوجهان و لو عمل أجزاء

16

متفرقة فإن نوى تواصلها في الغير أو يواصلها حرم الابتداء و إن لم ينو تعلقت الحرمة بالمواصل و لو توهم شكل حيوان ليس على طرزه شيء من الحيوانات الخارجة فصور بهذه النية فلا تحريم و لو ركب حيوانا من حيوانين نصفا و نصفا أو غيره من الكسور فإن كان مما وقع في الوجود حرم و إلا فوجهان و لا اعتبار بالشعر وجوداً أو عدما و لا بالقرن و الأظفار و لا يحرم تصوير الأشجار بمجسم أو غيره و كذا غير الحيوان مطلقاً لظهور الأخبار في تحريم تصوير ذوات الأرواح نعم لا يبعد تحريم تصوير الجن إذا كانت صورهم معلومة أو الملائكة أما إذا لم تكن معلومة و لكنها مخترعة كبعض ما يخترعونه من صور السعالي و نحوها من الصور التي يقرب لهم أنها صورهم فوجهان و الحل أقوى بحسب النظر و الفقاهة و بالجملة فلا بأس بصورة غير مجسمة لجسم أو غيره سواء كان المجسم حيواناً أو غيره و لا بأس بصورة مجسمة لغير مجسم أو لمجسم ما لم يكن حيواناً و الأقوى جواز اقتناء الصور مطلقاً بل استعمالها و التكسب بها بعد عملها لو كان لها نفع يعتد به ما لم تدخل في اسم الملاهي و غيرها من المحرمات و الصور و النقوش في الدور و الفرش مما جرت عليه سيرة المسلمين و لو اشتركت الصورة بين الحيوان و غيره اتبع القصد و لا يجب منع الصبيان عن التصوير لعدم كونه مثاراً للفساد و يجوز النظر إلى صورة الامرأة من غير لذة و لو كانت صبية بل يجوز النظر إلى صورتها المعكوسة في مرآة و نحوها للأصل.

الثامن و العشرون: مما يحرم فعله و الاكتساب به الغناء

إجماعا كتاباً و سنة بل و عقلا لأنه منبع الفساد الذي نهى عنه رب العباد و هو كالزنا حرام لنفسه لا للعوارض اللاحقة له الباعثة على الفساد كدخول الرجال على النساء و اجتماع الأولاد و حدوث العشق و اللواط و استعمال الملاهي من الرقص و آلات اللهو و الضرب بالعود و الرباب و نحو ذلك كما قد يتخيل و هو خيال واه مخالف لظواهر الأدلة بل الإجماع المحصل نعم ربما يكون ذلك حكمة للحكم لا علة و الاستناد في جوازه بنفسه إلى بعض الأخبار الضعيفة الموافقة للعامة المخالفة للشهرة بل الإجماع محصلة و منقولة بل الأخبار المتواترة الدالة على النهي عنه بقول مطلق لا وجه بالكلية سواء أراد أنَّ تحريمه مقصور

17

على اقترانه بذلك أو أراد إن موضوعة موقوف صدقه على ذلك كلاهما بديهي البطلان أعاذنا الرحمن من وساوس الشيطان و من أن حب الشيء يعمي و يصم و مثل ذلك من قصد تحريمه أو موضوعه في احتمال على ما لم يكن في قرآن أو تعزية لأخبار ضعيفة غير قابلة للتخصيص بل لا تقوم في نفسها في الحجية موافقة في الكتاب للعامة و هي في تعزية الحسين (عليه السلام) لطمع الدراهم من القارئين أو شهوة النفس من المستمعين و دعوى العموم من وجه بين أدلة استحباب قراءة القرآن و تعزية الحسين (عليه السلام) و تقديم أدلة الاستحباب لموافقتها الأصل من الأغلاط الواضحة لمنع تعارض الأدلة أولًا لأن الغناء من كيفيات الأصوات فالنهي عنه أخص من المأمور به و هو القرآن غاية ما في الباب دخول الكيفيات في إطلاق القراءة و هو لا يعارض النهي بالعام عن الغناء قطعاً و ثانياً من المعتبر الوارد قوله (عليه السلام): (ما أجتمع حلال و حرام إلا و غلب الحرام) و ثالثاً أن موارد أدلة الاحتياط اللازم هي هذه الموارد و شبهها و رابعاً أن هذا التخصيص خلاف العرف و الشرع و لو ساغ ذلك لحلت جميع الحرمات عند دخول المستحبات فيها من إجابة التماس أو سرور مؤمن أو غيره و هو خلاف البديهة بل لا يفهم أهل العرف إلا تخصيص المندوبات بالمحرمات على أن المطلقات من المثبتات تخصيصها النواهي لأن عمومها كالنص بالنسبة إلى الظاهر و هو ظاهر و خامساً أنه قد ورد إياكم و لحون أهل الفسق فإنه سيجيء قوم يرجعون القرآن ترجيع الغناء نعم العوام من الناس الذين لا يعرفون العرف لقلة تميزهم و إدراكهم سوى ما كان مستعملًا عندهم لا يسمون المؤذن و الداعي و القارئ و الناعي على الحسين (عليه السلام) مغنياً لاشمئزاز أطباعهم عن انتساب هذه الصفة لهؤلاء الفاعلين و بالجملة فالغناء لا يزيل حكمه و لا يرفع اسمه كونه في مندوب أوفى واجب و لا في كونه في قريض أو في شعر اليوم من البدو و المعدان و كذلك لا يثبت حكمه و لا يحقق اسمه بعد أن كان مقولة الأصوات الغير مشروطة اسماً و حكماً بشرط من الأمور الخارجة كونه يشتمل على الباطل من الكلام أو كونه مثاراً للفساد و دخول الرجال على النساء أو كونه مصاحباً لآلات اللهو للقطع بانه من مقولات الأصوات أو كيفياتها كما هو عند أهل

18

اللغة و العرف فلا مدخلية لمصاحبته لشيء خارج عنه و لا يتوقف تحريمه على شيء خارج عنه لأنه هو اللغو و اللهو و قول الزور نعم لو اتحد مع آلة اللهو صوت المغني كان حراماً من جهتين و ما ورد في خبر (علي بن جعفر) عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى قال لا بأس ما لم يعص به فهو محمول على التقية أو مطرح أو يراد به المشارف على تسميته غناء و هو استعمال شائع أو على الغناء في العرس إن قلنا به المقارن للعيدين و مثله في الحمل ما يقرب إليه مما يؤدي ذلك الحكم نعم قد أضطرب كلام اللغويين و الفقهاء في بيان معناه و كذلك أهل العرف حصل لهم الاشتباه فيه لاشتباهه عندهم فلنا أن نرميه بالإجمال أو نبينه فإن رميناه بالإجمال قلنا أن لا نشك أن للغناء معنى واحد لغة و عرفاً و شرعاً و ليس له معان متعددة حتى نحمل الأخبار على اللغة أو على العرف العام إن قدمناه عليها أو على المعنى الشرعي إن وجد بل هو المقدم عليهما و ذلك المعنى الواحد اشتبهت ماهيته علينا فيجب علينا تجنب الجميع من باب المقدمة بناء على أن المحصور عند الاشتباه حكمه حكم الواجب فيجب ترك الجميع كما يجب الإتيان بالجميع و لا يتفاوت في لزوم الاجتناب بين شبهة الموضوع الراجعة إلى شبهة الحكم أو الراجعة إلى الموضوع نفسه كما قد يتخيل لا يقال إن هذه الشبهة في غير المحصور فلا يلزم اجتنابها للاجماع و العسر و الحرج لأنا نقول ذلك حتى لو كان الاشتباه في افراد الأصوات أما لو كان الاشتباه في الأنواع كان من قبيل المحصور لا يلزم من الاجتناب عنه العسر و الحرج لأنه من المعلوم أن كلامنا و أصواتنا المعتادة ليست غناء و وقع الشك في أنواع أخرى كيفيات خاصة مضبوطة و لو انها من غير معتاد الكلام و الأصوات فيلزم اجتنابها و لا عسر و لا حرج بل قد يقال إن المقامات و الألحان المشكوك في دخول الغناء فيهن أمر مضبوط عند المغنين بل كتبوا فيه كتباً و رسائل فيجتنب ذلك المشكوك به و يرتكب ذلك المقطوع بعدمه لا يقال إنّا فنتمسك بالأصل كالتكليف المجمل لا التكليف بالمجمل تأخذ فرداً مقطوعاً بأنه غناء و نتمسك في غيره بالأصل قلنا من المقطوع به أن هذا تكليف بالمجمل و لا يجري فيه الأصل على الأقوى لانقطاعه بمثله و دعوى أنه يؤخذ فيه بالفرد المقطوع بأنه غناء و يتمسك في الباقي

19

بالأصل مسلّم و لكنه ليس فرض المسألة لأن فرض المسألة الفرض إجمال هذا الموضوع بحيث لم يحصل تميز لبعض أفراده أو أنه حصل تميز لبعض أفراده و لكن قطعنا أن له أفراداً قد اشتبهت في غيره أما لو ظهر نوع أو فرد من المحرم و شككنا بعد ذلك في حرمة غيره فلا شك أن الأصل حل الباقي لعدم المقتضى لتحريمه لأن المقتضى الإجمال الذي دفعه ظهور فرد ينطبق عليه ذلك المجمل فيبقى الباقي مشكوكاً في أصل تعلق الخطاب به فالأصل إباحته نعم قد يقال إن الأصوات المتجددة ليست كالموجودات الخارجية في وجوب الاجتناب عنها في الشبهة لأن المتجدد إذا اجتمع مع الأصوات المتجددة المفروضة و هما ليس حكمها كحكم الموجودات الخارجية بحيث يتعلق بها خطاب المقدمة و مثل ذلك ما لو علمت أن فيما يصنعه الكواز إلى شهر إناء نجساً فقام يصنع و يبيع أ لا ترى يجب علينا تجنب ما يعمله الكواز إلى شهر أو أكثر أو يقال إن هذا البئر من كل شهر يوماً من بالوعة نجسه و لكن لم يدر أي يوم من أيام الشهر إلى غير ذلك و لكن الأظهر في النظر عدم الفرق بين المتحدد و الموجود لأنه موجود بحسب الإمكان في أحد الأزمنة فيجعل حكمه الموجود و يجري حكم الشبهة في النوع إلى الشبهة في الفرد بعد العلم بأن نوع الغناء هو الكيفية الخاصة فقرأ شخص أو قرأ القاري نفسه يلحق شك في دخوله تحت العنوان و عدمه فله أن يتمسك بأصل الإباحة و له أن يمنع الاحتياط لكونه كالشبهة المحصورة في الموجودات الخارجة و له أن يتمسك بالأصل بعد العلم بدخول فرد تحت الغناء غير هذا فإن لم يعلم فلا بد من الاحتياط و إن بيّناه فبيانه بعد العلم بأن معناه واحد أما بالرجوع إلى أهل اللغة النقلة أو الفقهاء الناقلين و الرجوع إليهم يقضي بأخذ إثبات كل منهم و طرح ما نفاه أو بأخذ المتفق عليه منهم و طرح ما انفرد به كل واحد منهم أو ننظر في الترجيح بين النقل من الأكثرية و الأعدلية و الأضبطية لأن كل واحد منهم مثبت لما نفاه الأخر و لأن ظاهر النقل أن التفسير هو تمام المفسر منطبق عليه لا أقل أنه خاصة أو جنس أو عوض عام فلا يكون جعله رسماً بما يلحقه مرة من الصفات و مرة لا يلحقه لأن الذين يقولون انه رسم يدعون أن تفاسيرهم كلها تشير إلى المعنى العرفي كالسعدانة نبت و هذا ضعيف لأن النبت بالنسبة

20

إلى السعدانة جنس بخلاف من فسر الغناء بالترجيع و الآخر بالمطرب فإنه على الأول قد ينفك عن الثاني بل قد ينفك عن الأول فلا يصلح تفسير الشيء بما يلحقه مرة و أخرى لا يلحقه فكيف يمكن أن جميعهم يريدون معنى واحداً يعرفه الجميع نعم الجميع يحاولون بيان المعنى العرفي و كل منهم بنظره أن المعنى العرفي ما فسره به لأنه في مقام البيان لأن الغناء من المحتاج إلى معرفة موضوعة لعدم التساهل بحكمه فظهر عدم إمكان القول بأن التعاريف لفظية و لا معارضة فيها و كلهم متفقون على معنى واحد يشيرون إليه بذلك التفسير إشارة و إن لم يكن المفسر به ملازماً لمخالفة الظاهر تمام المخالفة و على ما ذكرنا فلا بد من الترجيح و الطرح و الرجوع إلى العرف لإمكان اشتباههم في العرف فلعلنا نفهم غير ما فهموه و طرح البعض لمفارقته دون الآخر أو جعل الجميع غناء عندهم على سبيل الاشتراك المعنوي أو اللفظي و إن كان بعيداً لظهور وحدة معناه أو جعل ما ذكروا غناء و ما حكم به العرف أيضاً كذلك إن خالفهم و لا يمكن حمل المطلق على المقيد في كلامهم أو حمل العام على الخاص لأن شرط حمل المطلق و العام على المقيد و الخاص كونهما من متكلم واحد أو شبهه ككلام الأئمة (عليهم السلام) على أن ذلك في التفاسير و الحدود غير موافق للضوابط و على كل حال فالمعروف في تفسيره و الأقوى إلى العرف هو الصوت الممدود أو مد الصوت المشتمل على رجع المطرب أي الذي من شأنه الإطراب لفاعله أو لمستمعة و إليه يرجع انه ترجيع الصوت و مده أو انه من الأصوات ما طربه أو انه تحسين الصوت أو انه مد الصوت و موالاته أوانه الصوت المطرب أو انه مد الصوت ضرورة إدارة مده على نحو غير نحو النداء أو الصراخ و أما العرف فمن المعلوم عندهم انه ليس كل من مد صوتاً في كلامه غناء سواء صرخ أو نادى و لا كل من رجع غناء و لو بالترجيع المنكر و لو مرة و لا كل من اعتنى بصوته و حسن غناءه لأن كلًا من الداعين و القارئين و الزائرين كذلك و لا كل من أطرب بنفس صوته لحسنه غناء كما ينقل عن سيد الساجدين عن الأنبياء الماضين (عليهم السلام) و لا كل من رقّقَ غناء و لو كان لضعف أو لأمر آخر أو لقبح كما يفعله النساء و هل المراد بالترجيع المرة و المرتين أو المراد و هل الطرب فيه في النفس أو لذة و ميل

21

للصوت و هديه أو بالمد العرفي أو الصرفي و ربما عاد الإجمال في كلا تفاسيرهم و الأظهر انه كيفية للصوت يعرفها أهل العرف لا نفس الصورة و له لوازم تنبعث عنه لكونه مطرباً محدثاً لخفة النفس عند استماعه مهيجاً لتذكر المعشوق عند سماعه و فعله محركاً للشهوة الحيوانية و هذه كلها تلحقه من حيث نفسه ما لم يمنع من السامع له من تقوى أو حزن أوهم مانع أو ما لم يمنع مانع من فاعله لكراهته و قبح صورته و خشونة صوته و يعرفه أهل العرف كما يعرفون الفرق بين حركة الرقص اللهوي المطرب و حركة اللطم الحزين و بين حركة الذي يسمونه يهوس في الحرب و كما يفرقون بين المهللة و المغنية و إن اشتملت الهلاهل على صوت و عود و ترجيع و بالجملة فاللغويون حاولوا كشف معناه عرفاً و كل منهم تخيل وصوله إلى العرف دون ما هو عند أهل اللغة و إن كان كله بمعنى واحد و الظاهر أنه لو أجتمع في الصوت المد و الترجيع و التحسين و الموالاة و الأطراب المنشاني و الترنيق على نحو خاص كان غناء عرفاً فالهلاهل غناء و الحوراب الذي يصنع في الحرب كذلك و يمكن أن يقال أن الغناء يتبع القصد عند اجتماع هذه الأوصاف فإن قصد به القارئ و المستمع الطرب و اللّهو و تذكر المعشوق كان غناء و إن قصد به حزناً أو بكاء أو مدحاً أو قدحاً لم يكن غناء و ربما يساعد ذلك العرف اليوم و لكنه بعيد عن مذاق الفقهاء.

التاسع و العشرون: و قد استثني بعضهم من حرمة الغناء ما يتبع في الأعراس

للصحيح أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس ليست بالتي تدخل عليها الرجال و إلا حرم كسب المغنيات التي تدخل عليها الرجال حرام و التي تدعى للأعراس ليس به بأس بناء على أن تحليل الأجرة يلازم تحليل المستأجر عليه لأن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه و إضافة الأجر إليها ظاهر فإن الأجرة على الغناء و ظاهر في شموله للدوام و المتعة و لكن لا بد من الاقتصار على المغنية دون المغني و الاقتصار على حالة الزفاف و من الامرأة إليه لا من الرجل إليها حين الزفاف لا يومه كله مع احتمال ذلك مع دخول الليل و قيد بعضهم بما إذا لم تدخل عليها الرجال و لا بد من تقييده بالأجانب لمكان حرمة صوتها و احتمال العموم ضعيف و لم تتكلم بالباطل و لم تتلعّب

22

بالملاهي و القيد الأول قد تشعر به الرواية و إن كان ظاهر الأخيرة المقابلة و أن الذي للأعراس لا بأس به مطلقاً لأن استعدادها للعرس و الفرح لدخول الرجال فتخصيص التحريم بمن استعدت لدخول الرجال إلا أن أشعارها بعموم التحريم عند دخول الرجال ظاهر لا ينكر و أما التكلم بالباطل فهو حرام بنفسه لا يجوز اخذ الأجرة عليه فلو قلنا إن الغناء نفس الصوت حرمت اجرته لاتحاده مع الكلام بالباطل و إن قلنا انه كيفية الصوت احتمل وجهان التحريم لمكان اتحاده و حليته لكونه كالمقدمة له و أما اللعب بالملاهي فحرام لا ينافي اخذ الأجرة على الغناء المصاحب له إلا مع فرض اتحاد صوت آلة اللهو معه و قد نقل بعضهم الشهرة على الحكم حتى يتسرّى بعضهم إلى جواز الدف معه العادي عن الصَّنج و الجلاجل و لكن الحق خلاف جميع ذلك لعموم النهي عن اللهو و عن قول الزور و انه لو ميّز الحق عن الباطل لكان الغناء منه و انه الباعث عن الفسوق و الفجور و على إتيان الفساد و الأحوال التي لا يرضى بها رب العباد فكان تحريمه كتحريم القبيح العقلي الذي لا يقبل التخصيص و دعوى بعضهم أن العقل لا يقبح ذلك و لا لقبح الالتذاذ بتقبيل النساء و مجالستهن بل و مجامعتهن فإن ذلك مما يفيد طرباً و لذة و خفة مع انه مرغوب إليه دعوى لا محصل لها لأن العقل يقبح مثار الفساد الباعث على معاصي رب العباد المانع من الحلال الداعي إلى الحرام لا يقبح ما شرعه رب العدل من اللذة الحافظة للنسل الموافق حسنها لجمال العقل المبتني عليها نظام العالم و الذي صدر عنها سلسلة بني أدم و قد بنيت الشرائع على حفظ الأصول الخمس الذي هذا منها و قد يستثنى الحد لرواية عبد الله بن رواحة (رضي الله عنه) حيث أمره النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالارتجاز و كان جيد الحد و هو ضعيف إن دخل الحد و في مصداق الغناء لعدم القابلية للتخصيص و إن لم يدخل كما هو الظاهر فلا بأس بالقول بتحليله و لو قلنا بدخوله في اسم الغناء لزم الظالمين لحرمتها بنفسها بما تسمى إعانة عرفاً سواء بعدت مقدماتها أو قربت و تحرم إعانة الظالم بنفسه على معصيته و الظالم لغيره في ماله أو نفسه أو عرضه أو دينه و في ظلمه أو لأجل ظلمه أو على ظلمه لقوله تعالى: (وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (هود آية 113) أو لقوله: (وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ) (المائدة آية 2).

23

و مفهوم قوله تعالى: (كٰانُوا لٰا يَتَنٰاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) (المائدة آية 9) و للأخبار المتواترة الناهية عن الميل إلى الظلمة و خدمتهم و الكتابة لهم و بناء مسجد لهم و قضاء حوائجهم و السعي في مصالحهم و حب بقائهم و لقائهم و وطء فراشهم و طلب معاشهم و لكن كل ذلك مخصوص بما قصد المعونة لهم على ظلمهم فيحرم لتحريم ما قصد له أو على الميل القلبي له من حيثية مناصبهم و ارتفاع كلمتهم أو على تقويم أمرهم و إعلاء شأنهم و تقوية جندهم أو جر النفع لهم في رئاستهم و بقاء منصبهم أو ربط المودة معهم الباعثة على تسوية كلمتهم و الميل إليهم بسب ظلمهم و جبروتهم أو تكثير سوادهم أو إهدائهم إلى معاني الظلم أو إعانتهم في النظر أو المشورة أو أعداد الملابس لجندهم أو جمع الأطعمة لعساكرهم أو غير ذلك مما لا أختص وجهه في المحرم أو مما كان مشتركاً و لكن قصدت جهة الحرام نعم يكره ما كان عبثاً لا لقصد محرم و لا لقصد مندوب من الأمور المشتركة أما لو كان في المشتركات عود النفع للعامل من المباحات فلا بأس به من طبخ الزاد لهم و خياطة ثيابهم و حمل الأطعمة لهم و بيعها عليهم و بيع الملابس و الدور و البساتين عليهم و إكرام ضيفهم و دفع اللقمة لسائليهم و دفع الماء عند العطش لعطشانهم و الهدية لهم و حجامتهم و فصدهم و طبياتهم و البيطرة لدوابهم فلا بأس به للسيرة القطعية من قديم الزمان إلى الآن على معاملتهم و مزارعتهم و أخذ المضاربات منهم و البيع عليهم و الشراء منهم و استئجار أرضهم و إجاراتهم و أخذ الدواب منهم و بيعها عليهم إلى غير ذلك و يشعر بذلك ما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) من عود مرضاهم و تشييع جنائزهم و الصلاة معهم و إظهار المودة لهم فإن ذلك من لوازم هذا و آثاره لأن ترك معاملتهم مما ينفر طباعهم و يُبعد الرحمة عن قلوبهم و توحش أنفسهم بل قارنت نية مخالطتهم و معاملتهم و القرب إليهم تفريج الكربة عن المؤمنين و دفع الشدة عن المتعلمين و قضاء حوائج الفقراء و المساكين و كانت مرتبة (علي بن يقطين) من أعظم القربات و من أعلى المندوبات و من أجل ما يرضى رب السماوات و هو الذي يظهر من الأخبار و الآثار و السيرة القطعية و رفع العسر و الحرج و الشريعة السمحة السهلة و الجمع بين ذلك إن سلاطين الملل الخارجة عن فرقة الحق لا تجوز إعانتهم في المباحات الراجعة

24

إلى تقوية شوكتهم و إعلاء كلمتهم و اجتماع جندهم و تكثير سوادهم و لا في المباحات المشتركة بين ذلك و بين غيرها مما يباح مع قصد أعانتهم على ظلمهم و تقوية كلمتهم و يكره أعانتهم في المباحات الراجعة إلى خدمة أشخاصهم و صحة أبدانهم و تقوية أمزجتهم و خياطة لباسهم و جلب طعامهم و تضييفهم و عطائهم لا بنية إعانتهم بل تكره محبة أشخاصهم و لو لمكارم أخلاقهم و حسن سجاياهم و تستحب أعانتهم و القرب إليهم لقصد دفع أذاهم و تقليل ظلمهم و فك الحبيس منهم و إطلاق الأسير من أيديهم و حفظ الأموال المعتصمة منهم فتندب معاشرتهم و السلوك معهم و إظهار مودتهم كي يقول: (رحم الله جعفر بن محمد ما أحسن ما كان يؤدب أصحابه) و هذا يعمُّ سائر الفرق و لكن يختص فرقة المخالفين بندب تقيتهم و مخالطتهم بالمعروف و الإحسان إليهم و إن لم يكن التقية قائمة في الحال و أما ظلمة أهل المناصب من الإمامية فيحرم القسمان الأولان بالنسبة إليهم و يندب الأخير و يباح الثالث و حكمهم كحكم غيرهم من العصاة في مخالطة و معاملة إلا أن تخيير خلطهم و معاملتهم إلى ارتكاب الشبهات و أكل المال المشتبه و الوقوع في المحرمات فإن طاف حول الحمى أو شك أن يقع فيه أو يئول إلى تكثير سوادهم و تقوية جندهم و الاستعداد لكونه من أتباعهم فإن ذلك بين محرم و مكروه و أما المعاملة التي تعلق بها التحريم لدخولها تحت المعونة المحرمة فالظاهر صحتها لعدم تعلق النهي الأصلي عنه و النهي عن الوصف المفارق لا يفضي بالفساد و إن اتحد في الوجود الخارجي مع فرد المعاملة لعدم قيام إجماع أو قضاء عرف بالفساد نعم ما يتعلق به النهي الأصلي كبيع المسوخ و السلاح لأعداء الدين و نحو ذاك يقضي بالفساد كما قدمنا ما لم يعلم أن نهيه غير ما كان بالنهي عن البيع وقت النداء و المقام لا يخلو من تأمل.

الثاني و الثلاثون: يحرم التكسب بكتب الضلال نسخاً و بيعاً

تعليماً و حفظاً على الصدر أو حفظاً من التلف و يحرم اقتناؤها و تلاوتها وهبتها و عاريتها و استيداعها بل و يجوز ميراثها و لا يمكن ملك صورتها كل ذلك لظاهر فتوى الأصحاب حتى كاد أن يكون في الجملة إجماعاً محصلًا و لنفي الخلاف عن حرمة حفظها و نسخها لغير

25

النقض كما عن العلامة و لأنها أولى بالإتلاف من هياكل العبادة و آلات اللهو و لأنها من قول الزور و اللغو و لهو الحديث المأمور بالاجتناب عنهن و لدخول جملة منها في ذم الله تعالى: (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا) (البقرة: من الآية 79) و لأنها أولى بالإتلاف من إتلاف الكفار و المخالفين و جهادهم لأن إتلافهم لسوء اعتقادهم فما هو سبب الاعتقاد أحرى بالإتلاف و لرواية (تحف العقول) الناهية عن بيع و شراء و إمساك و ملك وهبة و عارية و جميع تقلبات ما فيه من وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحق و إتلافها يكون بإتلافها أجمع و بإتلاف موضع الضلال منها فبالنقض عليها لأنه نوع إتلاف لما تضمنته من القضايا الفاسدة لأن إتلاف بعض آحادها لا يقضي بإتلاف أصلها و الرد عليها قاض بإتلاف أصل قضاياها نعم لو لم يكن إلا كتاب واحد فلا يبعدان إتلافه بحيث لا تظهر مفاسده خير من نسخه و الرد عليه و لا يبعد أن نسخه المنقض على هيئة الأصل و الشرح خير من نسخه منفرداً لإمكان ذهاب النقض و بقائه و الظاهر أنه لا يدخل الضلال في الكتب المشتملة على التواريخ الكاذبة و الأحاديث المضحكة (كمقامات الحريري و بديع الزمان و السلوانات) لأن الظاهر إرادة ما فيه إضلال لأنه ضلال بنفسه نعم لو اشتمل الكتاب على كذب في اللغة أو القواعد العربية أو الصرفية أو التفسير كان من كتب الضلال و أما الكتب الباعثة على الإضلال في الأعمال و الإسراف في الأموال ككتب الكيمياء الكاذبة غالباً و كتب الجفر و الفال مما لا يدخل تحت عنوان السحر فلا يبعد أيضاً انه مما يبنى على الفساد و يحرم التكسب به و مثلها الكتب المصورة للنجوم و للعوالم مع العلم بعدم معرفة صاحبها ذلك فكذلك الواجب اتلاف ما كان يرجى أو يحتمل احتمالا عادياً إضلاله فلو كان بخط يعلم انه لا يعرف كتابته أو كان موضوعاً أو وضع بموضع لا يمكن الوصول إليه عادة لم يلزم إتلافه تعبداً و قد يناقش في حرمة حفظ الضلال على الصدر لمن يعتقد ضلالها فحفظها من قال لها أو حفظ معانيها لمجرد أن العلم بالشيء خير من الجهل به و حينئذٍ فدعوى حرمة حفظها على الصدر كما أطلقه جماعة لا أرى لها دليلًا شافياً لضعف رواية (تحف العقول) أو عموم: (اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) لتفسيرها

26

بغيره و يدخل في كتب الضلال الكتب السماوية المحرفة و المشتملة على الحجج في العقائد الفاسدة ككتب الفلاسفة و كتب النصارى و كتب القائلين بالجبر و كتب المستدلين على خلافة القوم و الكتب المشتملة على حجج إنكار أحوال المعاد الجسماني من الصراط و الميزان و الجنة و النار و الكتب المشتملة على الغلو و إنكار الضروريات ككتب الغلاة و المجسمة و بعض كتب ما يسمونهم اليوم كشفية و الكتب المشتملة على جميع الشبهات على العقائد الحقة و إيقاع الشبهة في تلك العقائد و الكتب المعدة لبيان الأصول الفاسدة المعلومة البطلان المترتبة عليها الأحكام الشرعية ككتب القياس و الاستدلال عليه و تصحيحه و كذا بعض كتب الأخبارية المعدة لبيان الأصول الفاسدة و الاستدلال عليها لسب المجتهدين و بيان بطلان مذهبهم و الطّعن فيهم و في مذاهبهم و كذا كتب الصوفية المشتملة على الاحتجاج لمذاهبهم و على بيان طرائقهم و مقاماتهم و طرق رياضتهم و كذا الكتب المشتملة على بيان وحدة الوجود و قدم العالم و بيان الجديدة المجسمية و العقول العشرة أو بيان ما لا يفهمونه من خلق الملائكة و الجن على غير طريقة المتكلمين أو الأخبار و كذا الكتب الموصوفة لسياسة الجند تعليماً لهم لقتال المسلمين و نهب أموالهم و استيلاء بلادهم و كذا الكتب الكاذبة في طب الأبدان المؤدية إلى هلاك النفوس و كذلك المشتملة على الأحاديث الباطلة و الروايات الكاذبة و لا بأس بكتب فروع العامة لأن طرحها من ضروريات مذهب الشيعة و حالها معلوم فلا تكون مما شانُها الإضلال و يجوز بيعها و شراؤها و نسخها للاطلاع على مذهبهم دفعاً للتقية أو للأخذ بما خالفهم أو للتنبيه على فروع المسائل أو للرد عليهم و لا بكتب أحاديثهم لأن الضلال منه معلوم نقضه عندنا و معرف لدينا فيجوز بيعها و نسخها للأغراض المتقدمة و ما كان منهم من شأنه الضلال فحكمه حكم كتبه و لا بأس أيضاً بكتب أهل الضلال المشتملة على بيان المقدمات الاجتهادية من كتب الأبيات و الأصول و المنطق و إن اشتملت على جملة من الضلال لأن ضلالها معلوم و نقضه لدى كل أحد مفهوم و لا بأس بكتب الأنبياء و إن علم انها منسوخة فيجوز نقلها و انتقالها لاكتساب مواعظها و الاطلاع على أخبارها و آثارها و لا بأس بكتب تفسير القرآن من العامة و الخاصة و إن

27

علم أنه بالرأي و الاجتهاد و إذا كان مما يمكن استخراجه من منطوق الألفاظ و معانيها و من كتب الضلال كتب الكذب على الأنبياء و نفي عصمتهم و نقل المناقب فيهم و نسبته ما لا يرضى لهم فلا يجوز استعمالها إلا مع النقض و لا يجوز نقلها و لا تعليمها و لا نسخها و لا فرق في وجوب إتلاف قضايا الضلال بين كون الكتاب كله كذلك أو أكثره أو من بعض منه و تجوز سرقته من أهله لإتلافه إذا لم تكن تقية و يجب إنكاره على المعير و له أن يحلف و يودي و يحب الإنكار على من عنده بالقلب و اللسان و اليد ما لم يصل إلى حرج أو قتل و يصدق من ادّعى استعماله لغرض صحيح حملًا لفعل المسلم على الصحة و الحق جماعة بكتب الضلال الكتب المنسوخة السماوية و إن لم تكن محرفة كالتوراة و الإنجيل و الزبور و هو على إطلاقه مشكل لأن الإضلال بها مع معلومية حالها بين المسلمين بعيد بل لا يكاد يوجد استعمالها لغرض صحيح لا بأس به و لو كان الاطلاع عليها لإبطال مذهب اليهود بما فيها و للرد عليهم و الإنكار على مذهبهم الذي لم يوص أفق الكتب السماوية لتحريفهم اياها و تبديلهم ما فيها في شك في رجحانه كما يفعله اليوم علماؤنا كما أن الرد على المحرف منه من أعظم الطاعات.

الثالث و الثلاثون: يحرم التكسب بهجاء المؤمنين و أخذ الجعالة عليه و قبول العطايا لأجله

لحرمته في نفسه للإجماع بقسميه و لأنه من إشاعة الفاحشة المنهي عنها كتاباً و سنة و لما دل على لزوم تعظيم شعائر الله و تحريم هتك حرماته و ما دل على حرمة إيذاء المؤمن و ما دل على حرمة نفسه و ماله و عرضه و ما دل على حرمة غيبته و ما دل على النهي عن الباطل و لو وزن الحق و الباطل لكان من الباطل و للنهي عن الاستهزاء به و الغمز عليه و لأنه غالباً من لغو الحديث و قول الزور و المراد بالمؤمنين الاثني عشرية الذين كانوا لم يخالفوا ضرورياً إسلامياً و لا ضرورياً إيمانياً و لم يكونوا من أهل البدع و الأهواء و الخروج عن أداء العلماء و يلحق مستضعفهم بهم و أولادهم المميزة بل و مجانينهم أيضاً و لا فرق بين هجاء النوع و العشيرة و الصنف و الشخص و لا بين الميت و الحي و هل يختص لفظ الهجاء بالشعر القريض و غيره حتى ما يسمى اليوم بنداً و لو شطيراً واحداً و يعم حتى النثر ظاهر جملة من كلام أهل اللغة اختصاصه

28

بالشعر و ربما يساعده العرف و قد يلحق بالشعر المستمع من الكلام الثري القابل رسمه في الدواوين الكثير ما يسمى هجاء في عرفنا اليوم و لو هجا شخصاً معيناً عنده غير معين عند السامعين حرم لكنه أقل وزراً من المعين و لو هجا شخصاً موهوماً و واحداً لا بعينه فلا بأس و لو هجا غير المؤمن من المشركين و المستضعفين منهم جاز (و قد ورد أمر من النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الله عليه و آله حساناً يهجوهم و قال أنه أشد عليهم من رشق النبال) و كذا يجوز سبهم و شتمهم و لعنهم ما لم يكن فحشاً أو قذفاً غير جامع لشرائط الجواز و لو هجا كافراً فآمن ففي وجوب محوه كفاية أو على الفاعل أو العدم وجوه و في الأخير قوة و الأول أحوط و لو هجا مؤمناً فكفر جاز ابقاؤه و مع بقائه مؤمناً يجب محوه على الفاعل و وجوبه كفاية و الهجاء هو ذكر المعايب الواقعية و لا يبعد شموله للكاذبة و على كل حال فهي أعظم وزراً لزيادة الكذب المحرم على المحرم الأول و أما هجو الفِرق الضالة فمن العبادة لمساواتهم للمشركين في عاقبة الأمر و للسيرة القطعية في صدور ذلك زمن خلفاء بني أمية و العباسيين و أتباعهم و تقدير الأئمة (عليهم السلام) للشعراء الهاجين لهم و لو لم يكن إلا ما صدر من علي (عليه السلام) و الحسن و الحسين (عليهما السلام) مع معاوية و أتباعه و جلسائه مما هو أعظم من الهجو و أبسط لكفى و ما ورد من شتمهم و سبهم و أنهم أنجس من الكلاب و أنهم مجوس هذه الأمة أصرح شاهداً على ذلك و يلحق بالفرق الضالة من تديَّن بدينهم و ارتكب طريقهم و احتذى حذوهم من غير تقية أو داع و إن أعتقد الحق بقلبه و أولئك المنافقون الذين جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم (قلوبهم).

الرابع و الثلاثون: قد يستثنى من حرمة الهجاء ما كان واقعاً للمنكر المصر عليه صاحبه

لما دل على لزوم النهي عن المنكر و لأنه إحسان لرفعة عن الضرر الأخروي بجزئي من الضرر الدنيوي و هو كما ترى موقوف على ترجيح أحد العاملين من وجه و هو ما دل على النهي عن المنكر على الأخر و هو ما دل على حرمة الهجاء و كذا تشييع ما كان لرفع ضرر دنيوي عنه بنفس أو عرض أو مال و لا بأس به في الأول و الثاني و أما الثالث فإشكال و إن رضي به المهجو لأنه حق إلهي لا يسقط برضاه و قد

29

يستثنى المتجاهر بالفسق و لا يبعد جواز ذلك فيما تجاهر به أما ما لم يتجاهر به فعموم تحريم الهجاء أقوى من دليل جواز غيبة المتجاهر و لا يستثنى الإنشاد بل لو نوى بإنشاده هجو معين كان كإنشائه و في لزوم محوه وجه و ظني أن الهجو فيه معنى إنشائي يزيد على الغيبة كالإنشاء الحاصل من اللغو و السب و الشتم و القذف و قد يستثنى الظلمة الغاصبون لمنصب الأئمة (عليهم السلام) و اتباعهم من حرمة هجاء المؤمنين و إن كانوا مؤمنين و لكنه بعيد لا يدين به من خاف مقام ربه و قد نستثني هجو الهاجي من المهجو لقوله تعالى: (جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا) و من غيره تأديباً له و قد يستثنى الهاجي نفسه للشك في دخوله تحت أدلة تحريم الهجو.

الخامس و الثلاثون: مما يحرم التكسب به لحرمته في نفسه الكذبُ

فلا تجوز المعاملة و لا لفظاً لأجله و لا بذل المال للكاذب من جهة كذبه و حرمته من البديهيات و الضروريات الشرعية و هو على الله و رسوله و الأئمة في الأحكام الشرعية من اعظم المعاصي و كذا عليهم في غيرها و إن كان الأول أشد و كذا الكذب على العلماء في الأحكام الشرعية و في غيرها و إن كان في الأول أشد و كل كذب حرام و قد يتضاعف اثمه بتضاعف المكذوب عليه و الكاذب و المكذوب به و لا بد في الكذب من مخاطب عاقل فلو القى كلاماً لنفسه من دون مخاطب و خاطب من لا يعقل فلا بأس إلا إذا قصد بذلك إفهام من يعقل و أغراه بالجهل فلا يبعد أن حكمه حكم الكذب بل حكمها حكم الإغراء بالجهل و لو كانت موضوعة على الدوام كانت أعظم ديناً من الكلام و المبالغة من الكذب إلا إذا ظهرت قرينتها لدى المخاطب و كان الشيء من شأنه المبالغة كالمدح و القدح في الشعر و النثر لا يجب إظهار قرينة المبالغة بعد العلم بحسب العادة أن المقام مقامها على نظم القوافي من معادنها (و ما عليّ إذا لم تفهم البقر) و من ألقى كلاماً ماله ظاهر و لكن المخاطب يفهم غيره لم يكن كذباً و يمكن تعلق الإثم به لمكان الإغراء بالجهل و يمكن أنه لم يغره و إنما أغرى هو بنفسه و من خاطب شخصاً كذباً يعلم المخاطب كذبه ليسمع غيره فيعتقد الظاهر ليس كذباً و لكن لا يخلو من الإغراء و من أخبر بالظاهر عازماً على القرينة فيها لا إثم عليه و من عمد على عدم القربة كان

30

كاذباً و ان استدركها بعد ذلك و من عزم على القرينة في مقام كلامه فلا إثم عليه و من عزم على القرينة بعد الخطاب بمدة كان كاذباً و من أنشأ كلاماً إنشائياً يتضمن خبراً كاذباً دخل في الكذب حكماً لا اسماً و من قال يا زيد فإن قصد بيان أن زيداً موجود أو ليس كذلك و كان موجهاً الأفهام بمعين كان حكم الكذب و الأفعال الظاهرة في شيء غير مطابق للواقع بحكم الكذب في أسمه فمن لبس عمامة خضراء ليبان أنه سيد أو تحنك لإظهار تقدسه أو لزم السبحة أو وضع كتاباً في يده لإظهار انه عالم أو لبس ثياباً فاخرة لإظهار أنه غني أو بالعكس لإظهار فقره و كان على خلاف ذلك دخل في الكذب حكماً لا اسماً و من أتى بظاهر و أراد ظاهره و لم يكن مطابقاً للواقع فهو كذب قطعاً و إن لم يرد ظاهره و لم ينصب قرينة فهو إما كذب أو حكمه حكمه و لو دار الأمر بين الأول و الأخير للضرورة أو لتقية لزم إرادة الأخير و قد يسمى ذلك بالتورية و قد تكون التورية في إرادة أحد معين المشترك من دون بيانه و لا أثم في ذلك و كل محمل أريد معانيه فليس من الكذب إلا أن يكون له ظاهر و أريد خلاف ظاهره و لو أضطر للكذب لحفظ نفس أو مال أو عرض جاز و لا يبعد لزوم التورية و إرادة المجاز و لو لا بعد العلائق لأنها أقل قبحاً و لو خرج كاذباً و لم ينصب قرينه كان كاذباً و لو قال (كلما أتكلم به اليوم كذب فتكلم صادقاً كذب) في الأول و لا أثم على كذبه و لو قال كلامي اليوم صدق و كذب فلا يبعد عدم الإثم بكذبه لعدم الإغراء بالجهل و لو نقل عن نقل عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لم يكن كاذباً على النبي (صلى الله عليه و آله) و لم يبين ذلك و لو قال: قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فهل كذب على رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو على فلان وجهان و الأوجه الأول حكماً بل قد يقال و اسماً و لا يجوز على سيد الشهداء للبكاء و نحوه و لا على الأئمة (عليهم السلام) و نحوه للتعظيم و إظهار الشعائر و من حدث نفسه حديثاً كذباً فليس كاذباً حكماً و لا اسماً و إظهار قضاء الحاجة للعيال و تفريحهم و وعدهم بالجميل ليس من الكذب حكماً لجريان العادة به بل و لا اسماً و المخبر عن شك كاذب و عن ظن وجهان و لو قال أظن لا في نفس الخبر و كذا من قال أحتمل أو أشك.

31

السادس و الثلاثون: يحرم التكسب به سب المؤمنين

كما يفعل بعض العصاة لأخذ الأموال من المخالفين و الأعداء الظالمين و هو حرام لنفسه كتاباً و سنة و إجماعاً لاشتماله على الظلم و إيذاء المؤمن و هتك حرمته و إفشاء الفاحشة عليه و ورد (أن سباب المؤمن فسوق) و لا يتفاوت بين التقي منهم و الفاسق نعم قد يستثنى المتجاهر منهم بالمعاصي الكبائر و الظالم لغيره سيما الغاصبين لمنصب الشارع و التابعين لهم لجريان السيرة على لعنهم و لأنهم قد أسقطوا حرمتهم بفعلهم و ظلمهم و تجاهرهم و لأن الكتاب و السنة مشحونان بلعن الظالمين و الغاصبين لحق الأئمة (عليهم السلام) و أشياعهم و اتباعهم و يدخل المستضعفون فيهم و كذا أولادهم المميزون بل و غيرهم نعم يستثنى ما كان لمصلحة دنيويه أو أخروية ترجيح على قبح فعله عن أمر بالمعروف و نهي عن منكر أو حفظ لنفس المسبوب أو عرضه أو ماله أو حفظ نفس محترمة أخرى و من كان أبوه كافراً جاز سب الأب منفرداً بحيث لا يكون سباً للولد و إهانة له فلو قال لمن كان أبوه كافراً لعن الله أباك جاز و إن قال له يا ملعون الأب و يا خبيث الأصل حرم و المراد بالسبب كل ما يقضي بالإهانة من قول أو إشارة بل و كتابة مع القصد إليها في وجه من لعن أو بقبيح أو ذكر عيب قاصد به إنشاء الاهانة كي يفارق الغيبة كما يقول يا أعور يا دنيء يا اقرع و كذا لو أبرزه بصورة دعاء عليه كأبعدك الله و قبحك و أدخلك النار و غضب عليك و قد يكون بخطاب و قد يكون بغيبة و كذا لو شبهه بالحمار أو بالكلب أو أطلق عليه الكلب، أو الكافر، أو الشيطان، أو بعض الكفرة كفرعون و يزيد و الشمر أو أطلق عليه أوصافاً رديئة (كيا مغني و يا طبلكي و يا لئيم و يا بخيل و شحيح و يا حبار الأولاد و يا فائن ما لم يدخل القذف فيكون قذفاً و سباً أو نفى الأوصاف عنه الحسنة كقليل الحياء و المروءة و العفة و الديانة و الأمانة يختص و كثير مما يطلق عليه لفظ الشتم له و لأبيه من هذا القبيل و قد يختص لفظ الشتم بنسبة القبح لأبيه المنسوب إليه أو اللعن و مثله حين نسبته إليه و حكم الشتم كحكم السب.

السابع و الثلاثون: مما يحرم التكسب به (النميمة)

كما يفعله الأسافل لتحصيل المال من جهتها و لها جعالة أو مواطاة و هي حرام كتاباً و سنة و إجماعاً بقسميه و ورد

32

أن النمام شرُّ من وطأ الأرض بقدمه و غالبا هي مثار الفتنة التي تحريمها نطق به الكتاب حتى قال: (و الفتنة أكبر من القتل) و في الرواية أنها من السحر الذي يفرق بين المتحابين و يعادى به المتصافين و يسفك به الدماء و يهدم به الدور و يكشف به الستور و يستثنى منها ما كان بين المشركين أو لإطفاء نائرة المخالفين و إشغالهم عن محاربة المؤمنين شغل الله الظالمين بالظالمين و أخرجنا منهم سالمين أو ما كان لتخليص نفسه أو عرضه أو ماله أو نفس محترمة أو عرض محترم و المراد بالنميمة حمل ما يسوء و لو صدقاً من شخص لآخر يوقع بهما الشحناء و العداوة بقول أو فعل أو بكتابة سواء كان أقوالًا أو نقل أفعال لآخر ليترتب عليه ما ذكر كمن يذكر أفعال زوج مع إحدى زوجاته من المحاسن لضرتها كي تقع الفتنة بين الزوج و الزوجة أو الزوجتين و كذا نقل ما يفعله أحداً لأخوه أو المتحابين بعضاً مع بعض الآخر كي يفتتنا و كذا لو نقل ما تكلم به شخص على آخر بوجه من الوجوه المكدرة أو أخبره انه استعابه أو أعاب عليه أو أنه يكرهه أو يحسده أو نحو ذلك صادقاً أو كاذباً نعم لو كان كاذباً يزيد ذنبه لمكان الكذب و قد يدخل فيها ذكر المعايب المنفورة بين المتحابين و المؤدية للكراهة بين المتوادين و ليس من النميمة نصح المشتري بل نصح المؤمن إذا خيف عليه من الآخر فأنذره و حذره و كان قصده ذلك من أفضل الطاعات و لا بد من تجريد النفس من مخائل الشيطان في مثل هذه و أمثالها و قد يدخل فيها كشف السر الذي ينبغي صونه و كتمانه على المؤمن لأنه قد يترتب عليه قتل النفوس و هتك الأعراض كما يقول فلان تمتع بفلانة و أهلها ممن يشينهم ذلك أو يقول فلان معشوق لفلانة أو فلانة معشوقة لفلان و ظهر مما ذكرنا حكم الفتنة التي هي اكبر من القتل و هي غالباً من الكبائر الموبقة.

الثامن و الثلاثون: مما يحرم التكسب به (النفاق) و هو أخذ المال ممن يريه المودة و الصداقة و النصح لتلك الغاية و هو من الأعداء المبغضين له و المريدين له السوء. و النفاق حرام لنفسه كتاباً و سنة و إجماعاً و يلحق به ذو اللسانين و الوجهين الذي يتردد بين متخاصمين فيرى كلًا منهم المودة و بغض الآخر و هو ليس منهما في شيء و في الخبر أنه (شرهما عباد الله و يوم القيامة يجعل له لسانين من نار أحدهما من قدامه و الآخر

33

من قفاه) و قد يكون من حسن السلوك و لا بأس به إذا لم ينافق و لم يذكر الآخر بسوء و لم يبطن غير ما يظهره و يريد إثماً لو اشتمل على الكذب و أكل المال بالباطل.

التاسع و الثلاثون: مما يحرم التكسب به (مدح المذموم و ذم الممدوح)

و لو اشتمل على الغيبة زاد الإثم و كذا لو اشتمل على الكذب و الظاهر أن تحريمه من خشية أن تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح كإهانة من لا يستحق الإهانة و في إلحاق القول بالفعل وجه.

الأربعون: يحرم التكسب (بالاستهزاء و السخرية بالمؤمن)

لإضحاك الخلق عليه و إحطاط قدره و إذهاب هيبته و رفعته و هذا حرام في نفسه كتاباً و سنة و إجماعاً و فيه إيذاء المؤمن و عدم احترامه المأمور به و إهانته المنهي عنها و يكون بالقول بأن يضرب به مثالًا مضحكة و تشابيه رديئة و بالفعل بأن يمد له لسانه أو يعمل فعله الدنيء فيغمض عينه كما لو كان أعمى أو أعور أو يعوج فمه أو يطلع لسانه لو كان مفهماً أو يمشي مشيه أو يحكي حكيه أو يصيح صياحه أو يأكل أكله أو يشكل بشكله أو يتشكل بشكله و قد يكون بالغمز عليه و الرمز و يكون بضربه بالنجاسة و الخزفة و يقطع كلامه بالمضحكات و يكون بإظهار عدم الاعتناء به على وجه يسخر به المجلس و يكون محمل المهزوء به على كلام أو فعل إذا صدر منه ضحك عليه الجالسون لغباوة أو بلادة أو فهاهة و يكون بكثرة الضحك عليه عند مواجهته إلى غير ذلك مما يسمى عرفاً استهزاء أو سخرية فيدخل في عموم النهي عن الاستهزاء و ذم المستهزئين و في عموم النهي عن السخرية و في أن الرجل فيقول الكلمة ليضحك بها المجلس فيهوى من السماء إلى الأرض و يحرم التكسب بالفحش قولًا و فعلًا و الفحش في الكلام كما يقول العوام اير الحمار بفرج كذا أو بدبر كذا فيه أو في أرحامه أو ما شابه ذلك فإنه من الفحشاء و المنكر المنهي عنه كتاباً و سنة و الظاهر أن لفظ الفرج لو أنفرد لم يكن فحشاً و لا حراماً و كذا لو لم يحمل عليه لفظ يؤدي به إلى الفحش فلو قال الزوج لزوجته أحب منك كذا لم يكن حراماً و لا يجتنب عن ذلك و تسميته فحشاً و لا اعتبار به قطعاً.

34

الواحد و الأربعون: يحرم التكسب (بالدعاء على المؤمنين) كُلًا أو بعضاً

و ما عدا دعا المظلوم لرفع ظلمه و هو حرام لما فيه من الإيذاء و قصد إيصال الضرر لغير مستحقه و لما فيه من الظلم و الحنق و الحقد و حب السوء في أخيه المؤمن و الفجيعة و القطيعة و تشتد في العلماء و الأرحام و المحسنين.

الثاني و الأربعون: يحرم التكسب (بالمكر و الخديعة و الحيلة)

كما لو دفع مالًا لآخر ليمكر له بأخيه المؤمن فيريه القبيح حسناً فيقدم عليه و الحسن قبيحاً فينفر منه و يوقعه بالمهلكات من حيث لا يشعر بها و ربما يتفق معه في أمر و بعد أن يقدمه عليه يتنحى عنه مما ينال به الضرر و الفضيحة و نهب المال و قد يكون الحيل بالكذب فتشتد حرمتها من جهة الحيلة و المكر و الخدع و الخديعة جاءت بحرمتها عمومات الكتاب و السنة نعم لا بأس بالحيل الشرعية المباحة للتوصل بها إلى مباح من تصحيح عقد أو إيقاع أو الفرار من الحرام إلى الحلال و بالجملة فالحيل الجالبة للضرر على الغير بمكر و كذب غير الحيل الشرعية التي يقصد بها الفرار من موضوعي شرعي إلى آخر و من حكم إلى آخر و نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال و كثير من أهل النفاق هم أهل الحيل و قد يجب المكر و الحيلة بتخليص نفس محترمة من القتل و تجوز لتخليص الوصي و المال و تجوز لإدخال الضرر على المحاربين و المخالفين بتشتيت شملهم و تفريق جمعهم و إضعاف كلمتهم.

الثالث و الأربعون: مما يحرم التكسب به و اخذ المال عليه أو لأجله أو شرائه الضمني و المصرح به فعل منافيات المروءة

و يسمى اليوم (بالقشمر) فيلعب و يهزأ بنفسه و يهز رأسه و أعطافه و يخرج الصوت من دبره و فمه و إبطيه و يتقلب و يتكلم بالفحش من الكلام الغير اللائق بأهل المروءات و يدل على تحريمه ما دل على حرمة الفواحش ما ظهر و ما بطن و يشعر به ما جاء في الصمت و السكينة و الوقار المشعر بالنهي عن المنافيات للمروءة و الأمر بما وافقها و هو كثير و أن الرجل يأتي بالكلمة يضحك بها المجلس فيهوى من السماء إلى الأرض.

35

الرابع و الأربعون: مما يحرم التكسب به لحرمة فعله كتاباً و سنة و إجماعاً بقسميه (الغيبة)

فيحرم أخذ المال لأجلها أو شرطها المصرح به أو الضمني و ورد إنها أشد من الزنى و جعلها في الكتاب كأكل لحم أخيه الميت و جعلها النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كأكل الكلب المنتن و في الآية إشعار باختصاصها بالمؤمنين الاثنى عشرية لتصديرها بالذين آمنوا و تشبيهها بأكل لحم الأخ و الأشعار لا ينكر و إن لم يلزم من التشبيه بلحم الأخ كون المستغاب أخاً و في بعض الأخبار تعليق الحكم على لفظ المؤمن و هو لا يخلُو من إشعار بالمؤمن من لفظ الناس و المسلم و إن لم يحمل العام على الخاص في المثبتين كل ذلك لما دل على جواز سبهم و لعنهم و إظهار معايبهم فعلًا و تقريراً من أئمتنا (عليهم السلام) و إنهم كالكلاب الممطورة و أن من قدم الجبت و الطاغوت (ناصبي) و أنه اشر و انجس من الكلب و ما وقع بين علي و الحسن و الحسين (عليهما السلام) و بين كثير من الصحابة مع من قابلهم و أخذ منصبهم ما فيه بلاغ فما مال إليه المقدس الأردبيلي و من تبعه من عموم حرمة الغيبة لغير الفرقة الاثني عشرية من المسلمين لا وجه له و موضوع الغيبة معروف بالعرف و اللغة و ليس من الموضوعات التي يطرقها الإجمال و حاصل معناها أن تقول أو تفعل فعلًا في أخيك يكرهه و يشينه و يسوؤه و ينقضه بمعنى أن يكون من شأنه ذلك و على ذلك تنطبق عبارات اللغويين و الرواية الواردة عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم): (أن تذكر أخاك بما يكره) و أن قرئ بالمبني للمجهول أيضاً كان معناه أنه من شأنه أن يكره و إن فسره بذكر العيوب و ما شابهه و من قيد المنشأ نية تبين أنه لو لم يكره المستغاب الغيبة و لم تؤثر فيه نقصاً لجلالته و عدم مبالاته و عدم تأثير الغيبة فيه شيئاً من الأحوال التي هو فيها كان غيبته و كذا لو كره إظهار ماله أو عزة قدره و علو شأنه و انتسابه للتقوى و الصلاح و العفاف فذكر بذلك لم يكن غيبة و إن كره بيان ذلك نعم الظاهر من العرف و اللغة قيد الغيبة في الغيبة فالحاضر يلحقه في الحكم لا في الاسم و من فارقت روحه الدنيا كان كالغائب و إن كان قبل نقله لقبره و من لا يسمع و لا يعقل كالمجنون فالظاهر أنه مشارك للغائب اسماً و حكماً و من كان وراء جدار أو ستر كان غائباً و إن سمع في وجه و كذا أيضاً منها عمومها للقول و الفعل و في الرواية المعتبرة أن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم)

36

قال لعائشة (لما أشارت إلى قصر امرأة بإيمائها بيدها اغتبتيها) مع احتمال الاقتصار بها على القول و مشاركة الفعل بها كتابة أو إشارة بالحكم لا بالاسم نعم يدخل في القول التنبيه و التعريض و المفهوم و الفحوى و نحوها من دلالات الألفاظ الالتزامية و الظاهر دخول تحقق العيب فيه فلو لم يكن فيه كان كذباً كما تدل عليه الرواية بل و يقضي به كلام بعض أهل اللغة و العرف و كذا دخول وجود السامع لها و فهمه الخطاب فلو لم يكن سامعاً و لا فاهماً فالظاهر عدم الدخول في الحكم و الاسم و كذا دخول التعيين في اسمها و حكمها مع احتمال الدخول في الاسم و الخروج عن الحكم فلو ذكر لفظاً مجملًا بين محصور و غيره لم يكن فيه غيبة أو لم يكن محرماً و إن أمكن للسامع بعد السؤال معرفته و كذا لو قال رجلًا واحداً (من في الدار) (أو أحد أولاد فلان) و الأحوط في المحصور التجنب أما لو عيَّنه باسمه الخاص، أو لقبه، أو كنيته، أو بوصفه من دخول و خروج أو مال أو حال بحيث لا يشاركه أحد كان غيبة حكماً و اسماً و إن لم يعرفه السامع و لم يشاهده و لا يوصل إليه و لا يلاقيه إلى يوم القيامة و لو علقه على مستقبل كما يقول: (من دخل الدار هذا اليوم فهو فاسق) أو: (من يجلس معي بعد هذا المجلس فهو مغنٍ) كان غيبته حكماً و اسماً و لو ذم أهل قرية فإن أراد العموم كان غيبة و إن أراد الأكثر كما هو الظاهر فالظاهر عدم دخوله في الاسم و الحكم و لو ذكر أهل القرية فقال كلهم فسقه إلا واحداً كان غيبة حكماً و اسماً على الظاهر و الفرق بين هذا و بين ما تقدم ظاهر و تكون الغيبة بذكر الوصف الرديء و الخلق الرديء و الأفعال الرديئة و الآثار الرديئة فكلما يفيد شنأً أو نقصاً أو عيباً و مهانة بنفي صفة حسن أو إثبات صفة قبح فهو غيبة و قد يستثنى مما ذكر من موضوع الغيبة و حكمها أو اسمها فقط أو حكمها فقط أمور و ما شك في دخوله تحت الاسم أهون مما يشك في دخوله تحت الحكم لتمسك ذلك بأصل البراءة و افتقار هذا إلى تخصيص أدلة تحريم الغيبة فيحتاج إلى قوة المخصص و مبنى المسألة في التخصيص أما على قوة دليل المخصص ليحكم على العام و تكون المسألة في التخصيص إما على قوة دليل المخصص ليحكم على العام أو يكون بين الدليلين عموم من وجه و لكن يقوى العام الأخر

37

بالمرجحات الخارجية على عموم النهي عن الغيبة و الأمور منها المتجاهر في الفسق و هو فيما إذا تجاهر بجميع أنواع الفسق بحيث لا يتخفى في واحدة منها كثير من الفسقة و إن لم يستعمل الجميع فعلًا لكنه أعد نفسه لها و كذا فيما تجاهر فيه لا كلام فيه لفتوى الأصحاب و أخبار الباب كقوله (عليه السلام) (لا غيبة لفاسق) فإن الظاهر من حيثيته ما فسق فيه و لأن المتيقن من تخصيص أدلة تحريم الغيبة هو المتجاهر فيه و حمله على الفحص لا قائل به و لما ورد من أن تارك صلاة الجماعة يحل غيبته بناءً على حملها على صلاة الجمعة و المراد أنها فيما يتعلق بترك الصلاة لما ورد: (أن من ألقى جلباب الحياء عن نفسه فلا غيبة له) بناء على إرادة أنه من حيثيته ما خلع و أما لو تجاهر في كبيرة و تخفى في غيرها من المعاصي كأتباع الظلمة و كف العيوب فهل تجوز غيبته فيما تخفى فيه حكم بذلك جماعة أخذا بعموم تلك الأدلة فيخص بها أدلة تحريم الغيبة و هو قوي إلا أن الأول أقوى و أحوط لضعف العمومات سنداً و طرحة في العموم فلا يقاوم عمومات التحريم و منها المتجاهر في عيب يعود نقصاً عليه كالجبن، و البخل، و التلاعب، و المزح، و سوء المنطق و إحداث الأصوات من فمه و من دبره فإنه يجوز استغابته بهن لقوله (عليه السلام): (من ألقى جلباب الحياء عن نفسه فلا غيبة له) و أما ما تخفى فالأظهر عدم الجواز لعموم أدلة التحريم و منها ما كان فيه نهياً عن منكر إذا كانت الغيبة باعثة على انتهائه إذا وصل إليه الخبر و منها ما كان كذلك إلا أنه لأجل أن ينهاه السامعون عن منكره و يردعوه عنه و هو مبني على تقديم عمومات من المنكر على أدلة تحريم الغيبة لأنه بمنكره كأنه أسقط احترامه كما أسقط احترامه في الزجر و الضرب و الإهانة و ليس مما جاز فيه الحرام لرفع حرام آخر كما قد يثبته لأن الله لا يطاع من حيث يعصى فلا يجوز لشخص أن يفعل حراماً لدفع منكر يفعله شخص آخر و منها ما كان لحفظ نفس المستغاب و عرضه و ماله فإنه يجوز لأن الضرورات تبيح المحظورات و منها ما يكون تقية على نفسه و عرضه و ماله لجواز هتك الأعراض و نهب الأموال في الضرورة و التقية فالاستغابة بطريق أولى و منها ما تكون الاستغابة لنفسه للشك في شمول أدلة التحريم و إن اشترطنا الغيبة في الغيبة فهذا خارج عنها لنفسه و منها جرح

38

الشهود عند الحاكم و منها جرح الرواة في كتب الرجال و منها الشهادة على السّرقة و القذف في الزنا و نحوها عند الحاكم و هذه الثلاثة دل عليها الإجماع و الأخبار و السيرة القطعية و منها الشكاية من المظلوم إلى من يرجو رفع ظلمه فيما يظلمه و قد دل عليه الكتاب و السنة و الإجماع و منها الشكاية عند من لا يرجى لرفع الظلم و منها ذكر المظلوم معائب الظالم و لو في غير ما ظلم به و في هذين بحث عموم الأدلة و كونه إلا من ظلم و بعض الأخبار ظاهرة في الاختصاص بما ظلم فيه عند من يرجو لرفع ظلمه و لا أقل أنها ليست صريحة في العموم و منها الاستفتاء عن حال من صدر منه يحتاج السائل إلى معرفة حكمه كما تقول: (فلان غصب مالي فهل لي أن أقاصّه) أو (قذفني) أو (فلان صدرت منه كلمة فهل هي كفر) أو (فلان قال كذا فهل هو كبيرة) و يدل عليه فتوى الأصحاب و رواية هند عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأظهر لزوم الاقتصار على المجمل مهما أمكن فيقول شخص فعل كذا معي أو وقع منه كذا فما حكمه نعم لو توقف بيان الحكم على التعيين جاز و منها نصح المؤمن عن آخر مخالطة أو مكالمة أو معاملة فيذكر عيوبه له و الظاهر لو أمكن النصح بدون ذكر العيوب لزم و إن أطلق جماعة ذلك و منها نصح المشتري لو كان مؤمناً بذكر معايب من استشير فيه صحبة أو معاملة و يدل عليهما ما دل على نصح المستشير بضميمة فتوى الأصحاب و السيرة القطعية و للنبوي في مشورة (فاطمة بنت قيس) في خطابها فقال لها معاوية صعلوك لا مال له و أبو الجهم لا يضع العصا عن عاتقه في غير المؤمن وجه قوي و منها الكلام على المضيف إذا لم يحسن الضيافة فيما لم يحسن فيه لبعض الأخبار و الأظهر المنع و يحتمل على المتجاهر في سوء الضيافة و منها تحذير المؤمن عن الوقوع في الهلاك ديناً أو دنيا كتحذير الناس عن الرجوع إلى صاحب الطريقة الفاسدة كالأخباري و من ليس له قابلية الفتوى و من يجمع مزخرفات من بعض العلوم فيكون مقداماً لا قوام يتبعونه في مزخرفاته و خرافاته و دليله ما جاء في حق المؤمن على المؤمن من نصح و مودة و أنه يحب لأخيه كما يحب لنفسه و السيرة قاضية بالجواز و منها ذكر شخص بوصف مشهور معروف به كفلان الأعرج أو الأعمى و لم يكن معروفاً به إذا كان لضرورة التعريف

39

لكنه لا يخلو عن إشكال إلا أن يدخل تحت الضرورات المبيحة للمحظورات و منها ذكر عيوب شخص للعالم بها لعدم دخول النقض عليه به و فيه إشكال لعدم دليل صالح لتقييد عموم النهي عن الغيبة بالنسبة إلى عالم بها و منها نفي نسب من انتسب إلى غير نسبه سيما كبعض السادات لتحصيل الخمس أو لأنه يعلم اللزوم الخلل بترك البيان بالنسبة إلى الأحوال و المواريث و النفقات و الأنكحة و منها تفضيل بعض العلماء على بعض و إن استلزم نقص المفضول لجلالة قدره و عظم منزلته نعم قد تكون غيبة فيما إذا كان الغرض إحطاط قدر المفضول و إبانة حاله للناس و منها ذكر ما لا عقل له و لا تمييز بما هو فيه كذكر المجانين و أطفال المؤمنين و يشكل ذكر عيوب الطفل فيما لا يتعلق بالطفولية من الأوصاف الذميمة و كذا المجنون و أشكل منه فيما لو ذكره بوصف منقص له بعد بلوغه و عقله لأن أطفال المؤمنين يلحقون بهم في الاحترام و الغيبة هي ما من شأنها أن يسوء و ينقص و إن لم يكن من الطفل و المجنون إدراك الإساءة و النقصان و منها فعل الحسن من شخص فيدل على عيب الآخر بتركه له أو ترك القبيح منه فيدل على فعل الآخر له و دليله ظاهر إذا لم يكن القصد إلى ذلك و لو كان القصد إليه فالأحوط التخفي في إظهار ما لو صلى منفرداً عن جماعة شخص لإظهار إني لا أثق به أو معرض عن كلامه و رأيه و تقليده فهو غيبة وليته أخفى ما أظهر إذ ليس داعيه لا استغابة المنهي عنه و منها ذكر بعض عياله و أولاده و أتباعه ببعض صفات ذميمة تأديباً لهم عنها أو يعود نقصها عليه أو يعود بقاؤها إلى ضرر عليه ديناً أو دنيا فتحاول زجرهم بذلك و ردعهم عما هم فيه و السيرة قاضية به و في بعض الأخبار (كخبر أم إسماعيل) دليل عليه و للتخلص من الضرر العائد إليهم و إليه و منها ذكر عيوب المملوك لمشتريه و منها ذكر عيوب المرأة لمن أراد نكاحها فإنه جائز للبائع و جائز للمشتري و جائز للمشار و جائز للمخطوب منه و دليله يعرف مما تقدم و منها ذكر عيوب شخص و قد تاب عنها أو ذهبت فيقال كان فبان و تبدلت بأحسن منها و في كتب الرجال كثير من ذلك منها ذكر معايب معروفة يقصد أبطالها و إرادة أن ربَّ مشهور لا أصل له و منها أن يخبر عمن استغاب فتقول قال فلان إن فلاناً كذا نعم هو غيبة للقائل

40

لا القول فيه و لو أجمل المخبر فقال قيل في فلان كذا أو قال من لا أسميه أو أعرفه كذا و كذا أو فلان لم يكن إلا إذا استلزم هذا القيل نقصاً في المقول فيه لأنه:

فما اعتذارك من شيء إذا قيلا قد قيل إن حقاً و إن كذبا

و منها تعليق الذم بطائفة يعلم أنه لم يرد الجميع و إنما أراد الأغلب و منها لو أرسل شخص شخصاً في أمر إلى ثالث فأجابه بفحش الكلام أو كلام محرم أو أبداً له ما يحرم نقله ابتداءً جاز للرسول أن ينقل إليه الجواب و إن كان الجواب فسقاً و غيبة و منها الرد على المستغيب و لو استلزم قدحاً فيه: (فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) و منها ما يقع في مقام المناظرة و نقل الأقوال فيقول قال فلان كذا أو أفتى بكذا كان للآخر أن يقول أخطأ و غلط و ما أصاب و على الأمرين جرت السيرة من العلماء و غيرهم إلا أن ابن إدريس أفرط حيث أنه يقول للشيخ كلام يضحك الثكلى كما أن الفاضل كذلك في رده حيث يقول جاهل مغرور معجب بنفسه لا يدري أين يذهب و هذان معاً إفراط و خير الأمور أوسطها و منها كلام يقضي مع بعض في مقام المناظرة فيُخَطِّئ بعضهم بعضا و ينسب كلامه إلى الخطأ و الزلل و هذا جرت عليه السيرة و لا يدخل في اسم الغيبة لمكان الحضور و يجب الاستغفار على المستغيب فوراً إلا أنَّ التوبة عن المعصية واجب فوري و الإصرار عليها كبيرة موبقة و هل يجب الاستغفار للمستغاب في بعض الأخبار ما يدل على وجوبه و إنه كفارة للمستغيب كلما ذكر المستغاب و هو مندوب لعدم العمل عليه و هل يجب طلب العفو من المستغاب و براءة ذمة المستغيب وجه و لكن الأوجه ندبه لأن الظاهر أن حق الغيبة من الحقوق الإلهية و يحرم استماعها و الإصغاء إليها لما فيه من المعاونة على الإثم و للأخبار الدالة على ذلك و فيها أنه أعظم وزراً من المستغيب إذا لم يرد سبعين مرة و يجب الرد على المستغيب للنهي عن المنكر و للأخبار الخاصة الآمرة بذلك فإن لم يسمع الرد كان ندباً و الأولى القيام عن ذلك المجلس.

الخامس و الأربعون: مما يحرم التكسب له حد المال بجهته أو بشرطه الضمني أو المصرح به أو الدفع لقلته عمل السحر

و لو و تعليمه بالعلم غير ما يستثنى و تعلم السحر

41

و تعليمه للعمل به غير ما يستثنى لحرمته كذلك في نفسه ضرورة من المسلمين و في الكتاب و السنة ما يقضي بكفر فاعله و معلمه لفعله و أن ساحر المسلمين يقتل و قال سيد الساجدين: (يا قابل السحر اقبلني) و فيه إشعار بأنه أعظم من الكفر و قال سبحانه و تعالى: (وَ لٰا يُفْلِحُ السّٰاحِرُ حَيْثُ أَتىٰ) (طه آية 69). فقد نفى عنه الفلاح على وجه العموم و ليس له في الشرع حقيقة شرعية و لم ينبه الشارع تمام البيان فالمرجع فيه إلى العرف و اللغة فإن عرفناه منهما فلا كلام و إلا أمكن الأخذ بجميع تفاسيرهم على وجه الاشتراك اللفظي و المعنوي حيث لا يمكن حمل مطلقها على مقيدها لأنهم ليسوا بحكم متكلم واحد و الأقرب لزوم الترجيح بينها بأنواع الترجيح إن أمكن فإن لم يمكن الترجيح عاد كالمجمل لأن الحق لا يعدو الجميع و لا يخص بواحد و قد حصل الاختلاف بينهم فإن كل واحد منهم يدعى أن ما فسره به هو معناه كما هو ظاهر التغيير أو لأن كل واحد منهم أشار إلى بعض لوازمه فالجميع يريدون معنى واحداً قد عبروا عنه بتعابير مختلفة و لكن خفي علينا ما أراده الجميع فعاد كالمجمل أيضاً و حكم المجمل هنا إما التمسك بأصل البراءة حتى يعلم تحقق الموضوع أما لأن نوعه غير محصور فيلزم من التجنيب العسر و الحرج و أما لأن فرده غير محصور فيلزم التجنب ذلك لأن الأفعال لا حصر لها و إما لأن ما يتجدد من الأفعال و الأقوال لا يجري فيه حكم الشبهة المحصورة لاختصاصها بالموجودات الخارجية و أما لأن المجمل إذا بانَ فرد منه على وجه اليقين و هو ما اتفق عليه جاز التمسك في الباقي بالأصل لأنه يعود للشك في التكليف لا في المكلف به و أما حكمه لزوم التجنب لأنه من الشبهة المحصورة أنواعها و لا عسر و لا حرج في تجنب المشتبه إذ لا ضرورة تدعو إليه و دليل الاحتياط محكم في هذا و أمثاله بعد العلم بأن ما نحتاجه ليس منه.

السادس و الأربعون: في بيان موضوعه للشك أن كل ما كان عادياً فعله و عادياً تأثيره

و ليس من الأمور الغريبة و لا من الأحوال العجيبة و لم يكن مبنياً على إخفاء العمل و استعمال الحيل لم يكن السحر و ذلك كالاستشفاء بالدعاء أو بملامسته جسد بعض الصلحاء و بالتربة الحسينية و التعوذ و التحصّن بالحروز و بالتربة الشريفة و قضاء

42

المطالب بحسن التوكل و الانقطاع و الدعاء و المناجاة و بطاعة رب السماوات يا عبدي أطعني تكن مثلي و الاستعانة على أمور الدنيا بنافلة الليل و بالتهجد في الأسحار و كثرة الاستغفار و التعقيب بعد الفرائض و جلب الرزق البعيد حصوله بأدعية الرزق و الطلب في أوقات معلومة من رب الخلق و تحصيل الجاه و العز و الاعتبار بمجرد الانقياد للملك الجبار من خاف الله خافته الناس و تيسر العسير من جهة التعلق بالعليم القدير و الانقطاع إليه و الالتفات عند الشدائد إليه و الهيبة في عيون الخلق لمداومته على تهذيب النفس و الوقار و الصمت و حسن الخلق و كذلك آيات الكتاب المجيد كتابة و قراءة للشفاء و الحفظ بل و لقضاء الحوائج بل و للعزة و الهيبة و المحبة لقوله (عليه السلام): للمسلم خذ من القرآن ما شئت لما شئت و قوله سبحانه: (نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الاسراء: من الآية 82) و كذا خواص بعض الأسماء الحسنى و بعض الأوراد و كذا خواص جملة من طلّسمات الأعداد و كذا خواص بعض الحروف التي لم يكن تأثيرها من عجائب الواقعات و لا فعلها من غرائب الحادثات و كذا خواص بعض الأحجار العادية التأثير من نحو ذلك المضمار كحجر الياقوت و المغناطيس و كذا بعض المعادن كالذهب و كذا خواص بعض الأدوية من المفردات و المركبات فيما كان التأثير من العبادات العاديات كالاستشفاء أو التمريض أو القتل كالسموم أو الأدوية المفرحة أو المنشطة أو المشهية و لو كانت إفراطا أو النافعة للشعر أو القامعة أو المغيرة للون أو المبقية و كذا ما استند إلى علوم النجوم من الأخبار بحوادث العالم أو أستند إلى قوة الحدس و جلاء الفكر أو أستند إلى علم الجفر من ترتب الحروف و استنطاقها أو أستند إلى علم الرمل و كذا ما أستند إلى التفاؤل بالكتاب المجيد و كذا الاستخارة الكاشفية كما حررناه عن المغيبات التي يخير الله تعالى لعبده فيها و كذا فراسة المؤمن و حدسه سيما الذين تجردوا عن العلائق الدنيوية و عن الانغماس في الشهوات و استعملوا الرياضيات الشرعية بالمداومة على الطاعة و تجنب المعصية خمص البطون عمش العيون قد شدوا حجر المجاعة على بطونهم و قد تعلقوا بالعالم الأعلى فإن لهؤلاء حدساً

43

صائباً و فكراً ثاقباً و تسهيلًا لما أراد من الأمور العسيرة و تيسيراً لما حاولوا من الأمور الخطيرة و كذا ليس منه الأعمال العادية و إن دقَّت و خفيت على غير أهلها كبعض النساجة و الحياكة و عمل الساعات و الصور الفاعلة للأعمال بالحركات و التركيبات و المسامير و البراغي و المراكب الدخانية و المشي السريع بآلاته و تركيباته و غير ذلك و على ما ذكرنا فالظاهر أنه يرجع إلى عرف أهله لأنهم أعرف من غيرهم يعرفونه كما يعرف الطبيب الصحة و المرض و عامة الخلق لعدم استعمالهم إياه لا يميزون تمام التمييز كما يرجع بمعرفة المعادن إلى أهلها و معرفة العلماء إلى أهل الخبرة بالعلم و بالصناعات إلى أهلها فيميزون صفة عن أخرى فيعرفون أن هذا نساجة و هذا تطريز و هذا تشبيك و هذا عمل الحدادين و هذا عمل الصائغين و هذا عمل النجارين و يعرف أهل الخمر الخمر من غيره و أهل الأواني الصيني من غيره و بالجملة فأهل العرف إن دار الأمر بينهم كلا أو جلًّا رجع إليهم و أن أختص به قوم دون قوم رجع إلى من أختص بذلك منهم و كان مستعملًا فيما بينهم و معروفاً لديهم.

السابع و الأربعون: للغويين و الفقهاء اختلاف في تفسير السحر

فمنهم من فسره بما لطف مأخذه ودق و منهم من فسره بصرف الشيء عن وجهه و منهم بإخراج الباطل بصورة الحق و منهم بأنه كلام يتكلم به أو يكتبه أو رقية أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من دون مباشرة و زاد بعضهم فقال كلام أو عقد و زاد آخر فقال أقسام و عزائم ثمّ قال يحدث بسببها ضرر و منهم من قال كسحر بالكلام و الكتابة و الرقية و الدخنة بعقاقير الكواكب و تضمنية النفس و التصوير و العقد و النفث و الأقسام و العزائم بما لا يفهم معناه و يضر بالغير فعله و من السحر الاستخدام للملائكة و الجن و استنزال الشياطين في كشف حال الغائب و علاج المصاب و منه الاستحضار بتلبيس الروح ببدن مغفل كالصبي و المرأة و كشف حال الغائب عن لسانه و منه النيرنجات و هي إظهار غرائب خواص الامتزاجات و أسرار النيرين و يلحق به الطلسمات و مع تمزيج القوى العالية الفاعلة بالقوى السافلة المنفعلة ليحدث عنها فعل الغرائب و منهم من ادّعى أن السحر عمل يحدث منه ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة و أسباب

44

خفية و منهم من يدعي أنه استحداث الخوارق و التأثيرات النفسانية و منهم من يدعي أنَّ العزم على المصروع و إحضار الجن من الخرافات الباطلة و لا أصل لها و منهم من يدعي أن الاستخدام من الكهانة لا من السحر و منهم من يدعي أن إحداث الخوارق بالاستعانة بالفلكيات فقط التي هي دعوة الكواكب ليست من السحر كذا الاستعانة بتمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية هو الطلسمات و كذا الاستعانة بالأرواح الساذجة هو العزائم و يدخل فيه النيرنجات و كذا الاستعانة بخواص الأجسام السفلية هو علم الخواص و كذا الاستعانة بالنسب الرياضية هو علم الحيل و جر الأثقال و منهم كالوالد (أعلى الله مقامه) أرجعه إلى العرف و فهم من العرف أنه عبارة عن إيجاد شيء يترتب عليه أثار غريبة و أحوال عجيبة بالنسبة إلى العادة بحيث أنها تشبه الكرامات و توهم أنها من المعجزات من غير استناد إلى الشرعيات من حروز و دعوات و نحوها من المأثورات و ما أخذ من الشارع كالعوذ و الهياكل و الطلسمات فليست منه و غرض الشارع بجسم مادته المنع من التدليس و التلبس في الأسباب كالمنع منهما في المسببات و أن حدوث الأفعال من دون سبب بين مخصوص برب العالمين و هو راجع إلى ما ذكرنا من الرجوع إلى عرف أهل الصناعة الذين يميزونه و يعرفونه كما يعرف الضائع موضوعات صنايعهم ورد عليه بعضهم أنه لا محصل لذلك لطول هذا العلم و كثرة أبوابه و شعبه فلا يفهمه أهل العرف و لأن كثيراً من علوم الجبر و الهيئة و النيارجة يحدث عن عالمها أثار عجيبة و أفعال غريبة و يكفيك ما يفعله الإفرنج من الغرائب و هو كما ترى بعد ما بينا أن الرجوع لأهله و أهل المعرفة به و كونه طويلًا عريضاً لا ينافي ضبطه بضبط موضوعه هب أنه كعلم الفقه و عمله و دخول جملة من أفراده في علم آخر لا ينافي دخوله فيه بعد قضاء العرف به و نلتزمه و لا بأس به و أما أعمال الإفرنج فهي أعمال ذوات أسباب معلومة عادية و تأثيرات و مسببات عرفية كإحداث البناء العجيب و الشرير الغريب و الحديد القاطع و البارد و بعض الأسلحة و إذا ظهر حال الأسباب و أنها من جهة زيادة الأستادية و المعرفة بالأمور العملية بطل العجاب في جميع هذه الصنائع العادية و قد رأينا أهل الطبخ يصفون ألواناً في المأكل تحدث من

45

تركيبات المفردات بعضاً مع بعض لا يهتدي إليها أكثر الناس و قد يترك الأول للآخر ما لا يصل إليه و أعمال الإفرنج لو عملناها و استعملناها لكانت عندنا من سائر الأعمال العادية و لكن البلاد غير البلاد و الاستعداد غير الاستعداد و أعمال الصيني من الجيني و نحوه ما يشابه ذلك فلا وجه لهذا الايراد و منهم من جعل الخواص حتى خواص الحروف و ما يحصل من رياضة النفس الذي يعد مثله كرامة لدخوله يا عبدي أطعني تكن مثلي و ما يرجع منه إلى تركيب الأجسام على النسب الهندسية أو غيرها لم يثبت كونه سحراً و الأصل البراءة و لو استلزم منها ضرر الغير أو دعاء نبوة حرم لذلك و هو كما ترى لا يطرد و لا ينعكس و منهم من فصله تفصيلًا طويلًا حاصلة أنه أقسام ثمانية.

القسم الأول: سحر الكذابين

و هم عبدة الكواكب و يزعمون أنها المدبرة للعالم و هم ثلاثة فرق الأولى تزعم أن الكواكب واجبة الوجود لذاتها و أنها الخالقة و المدبرة لهذا العالم. الثانية أنها قديمة لقدم العلة التامة المؤثرة فيها. الثالثة أنها حادثة إلا أن خالقها خلقها خلاقة مختارة و قد فرض أمر العالم إليها و الساحر عند هذه الفرق هو من عرف القوى العالية الفعالة ببسائطها و مركباتها و يعرف ما يليق بالعالم السفلي و يعرف مقدماتها ليعدّها و عوائقها ليرى منها بحسب الطاقة البشرية فيكون متمكناً من استجداب ما يخرق لعادة.

القسم الثاني: سحر أهل الأوهام و النفوس القوية

و هو يكون تجريد النفس عن الشواغل البدنية و مخالطة الخلق فيحصل ما تريده النفس و توجد صورته في ذهنها و يقتدر بها على خوارق العادة و هي مختلفة فمنها قوية منجذبة بنفسها إلى العالم السماوي حتى كأنها من الأرواح السماوية فلا تحتاج في تأثيرها إلى آله و أداة و منها ما تحتاج إلى تعينه و علاج و قد تحتاج إلى الاستعانة على ذلك بالرقى و العزائم المعلومة ألفاظها بل و غير المعلومة لحصول دهشة للنفس و حيرة و قد تستعين على ذلك بالدخن الموضوعة للكواكب و بالجملة فتأثير النفس إذا صفت بفعل خوارق العادة إما لأنها مخلوقة كذلك و إما لأنها تصير قابلة لفيض الأنوار من الأرواح السماوية و النفوس الفلكية فتقوى بها على إحداث الأمور الغريبة لاجتذاب ما يشبهها إليها.

46

القسم الثالث: يحصل بالاستعانة بالأرواح السفلية و هم الجن

و يكون بالتصفية و التجريد و بالدخن و العزائم.

القسم الرابع: يحصل بالتخيلات و الأخذ بالعيون

و سببها الخفة و سرعة الحركة في فعل يشتغل الناظر إليه فيشتغل إلى غيره كذلك فيريهم العجيب حيث وقع هذا الأمر الغريب بلا سبب.

القسم الخامس: يحصل من تراكيب آلات على النسب الهندسية

أو على ضرورة الخلاء فيحصل من ذلك آثار عجيبة و كتصويرها فارسين يقتل أحدهما الآخر و تصاوير الروم التي تصورها ضاحكة و تصاوير صندوق الساعات قيل و منه جر الأثقال بآلة خفيفة.

القسم السادس: خواص الأدوية المزيلة للعقل و الدخن المسكرة.

القسم السابع: تعليق القلب بالأكاذيب

كمن يرى الناس أنه يعرف الاسم الأعظم و إن الجن تطيعه و تنقاد إليه الأمور فيجذب إليه العقول الضعيفة و العقول السخيفة.

القسم الثامن: السعي بالنميمة و الضرر بالوجوه الخفية

و هذا كله كما ترى منه ما لا محصل له و ما لا محصل له لا يدخل في السحر و في الخبر أن السحر على وجوه شتى منها بمنزلة القلب كما أن الأطباء وصفوا لكل داء دواء فكذلك علماء السحر احتالوا لكل صحة آفة و لكل عافية سقماً عاهة و لكل معنى حيلة و نوع آخر معه حفظ و سرعة و مخاريق و خفة و نوع آخر منه ما يأخذ أولياء الشياطين منهم قال فمن أين علم الشياطين (السحر) قال من حيث عرف الأطباء الطب بعضه بتجربة و بعضه بعلاج إلى أن قال: قال أ يقدر الساحر أن يحول الإنسان بسحره في صورة الكلب و الحمار و قال هو أعجز عن ذلك و أضعف من أن يغير خلق الله من أبطل ما ركبه الله و صوره فهو شريك الله تعالى في خلقه لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم و الآفة و لنفي البياض عن رأسه و الفقر عن ساحته و ذكر بعضهم أن من السحر ما يؤثر المحبة و البغضاء و ربط الرجل عن زوجته كما صنع في عمارة بن الوليد حيث نفخوا الزئبق

47

في إحليله فصار مع الوحوش فلما قبضوا عليه أضطرب حتى مات و قد يذكر في كتب السحر و عند أهله الاختفاء عن الأعين و الطي و الطيران و الدخول في الأرض و الحائط و المسخ بصورة لا الحقيقة و الدخول في النار و المشي على الماء و الدخول في الإبريق و في الحيوان و ذبح الإنسان و جر الأثقال و المشي على الحبال و أخذ عقول النساء و الرجال و اتباعهم لهم أبداً من غير شعور و قلع الحصن و القصور بما لا يعلم سببه كي يبطل عجبه و إدخال الحديد في البدن و إخراجه و الضرب بسلاح منه و قيء الإبر و إخراج الضوال و جذب ما في البحر و تجفيف النهر و الإضحاك و الإبكاء و تغير الألوان و زرع الساعة و بناء المدن دفعة و الدخول إليها فجأة و إخراج الخيوط من بطنه و إحراق ثياب حاجبه و جليسه و إماتة من شاء على ما وقته من الأوقات و تسخير السباع و الوحوش و الطيور و تسخير الملوك و إخراج الماء من الحصى و وضع البيض تحت الأسنان و جلب الدراهم و إحضار من يريد و تشتيت الشمل من الإنسان و ابتلاع الجسيم و إخراج الفواكه من تحت الفراش و عمل الترج و عمل الدخن و قلب المعادن و إجماد الماء إلى غير ذلك و إن كان أكثره كما سيجيء إن شاء الله تعالى لا حقيقة له و هذا كله ينبغي التأمل في الداخل فيه في السحر الخارج عنه و لو وجد عندنا علماؤهم و أهل الخبرة منهم لميزوا بينه و بين غيره كما يميزون أهل الصناعات صناعاتهم و أهل الحرف أعمالهم و لا عبرة بما دق و لطف من الأعمال و تراكيب الأغذية و الأدوية و لا كما دق و لطف من مبتكرات المسائل في العلوم و لا بما دق و لطف من ألسنة بعض الناس إذا تكلموا في أمر بنحوه إلا يحسن الكلام و اللطائف بحيث لا يدرك من إليه الحاجة إلا قضاها و كم من يدركه الأسف بعد ذلك فيقول سحرني بكلامه فقضيت له الأمر من غير شعور و لا بما دق و لطف من الحيل في جلب الرزق و هذا كله لا كلام فيه و لعلنا نقول إن كثيراً مما قدمناه يشارك السحر في الحكم لا في الاسم لترتب الفساد عليه باعتبار خرق العادة بالفعل المشابه للمعجزة الذي أراد الله تعالى دفعه و قطع مادته لتأثيره الخلل في النبوّات و إظهار المعجزات و ربما يطلق على كثير مما تقدم لفظ السحر.

48

الثامن و الأربعون: الأقرب أن السحر أكثره تخييل

بمعنى أن العين تراه على غير الواقع و هو الأغلب بين الناس كما يدل عليه عجزهم عمَّا هو أضعف مما فعلوه من الغناء و الاعتبار و القوة و حفظ أنفسهم من الغرق و القتل و الضرب فدل على أن الأقوى فيه أنه تخييل لا حاصل له و يدل عليه قوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ) (طه آية 66) و قوله تعالى: (وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ) (البقرة 102) و قوله: (وَ لٰا يُفْلِحُ السّٰاحِرُ) (طه آية 69) لظهورها في نفي الفلاح في الدنيا و الآخرة و قوله تعالى: (كَيْدُ سٰاحِرٍ) (طه آية 69) و ظاهر المكيدة أنها تخييل لا حاصل و قوله تعالى: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ) و لظهورها في أن السحر مؤثر في العين لا في الواقع و منه تحقيق و يشير إليه بقوله: (وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ) (البقرة: من الآية 102) بمعنى أن المضر منه إنما يضر إذا لم يبطل الله أثره كما أبطل الله نار إبراهيم فمعناه أن الله ترك السبب و المسبب على مقتضى السبية لأثر السبب أثره و يدل عليهِ ما ورد عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أنه سحر عليه فأثر في بدنه فأنزل الله المعوذتين و فيهما (وَ مِنْ شَرِّ النَّفّٰاثٰاتِ فِي الْعُقَدِ) (الفلق: آية 4) هي ظاهرة في السحر و من ادعى أن تأثير السحر مناف لمنصب النبوة و أن النبي عنده دعوات و إحراز و لا يمكن تسلط السحر عليه معها و أن النفس الشريرة لا يمكن أن تفعل بنفس النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لخلوصها و تجردها و إنما تفعل في النفوس القابلة للانفعال و رددناه أن تأثير السحر ما لم يكن في العقل أو في شيء تنفر الطباع منه لا بأس به و دعوى أن تأثير السحر ينفُر الطباع منه لأن النبي ينزه عن تسلط الساحر عليه حيث أن تسلطه عليه مما يجوز تسلطه على عقله و منه فتنفر عنه الطباع و يقال فيه: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلّٰا رَجُلًا مَسْحُوراً) (الإسراء آية 47 و الفرقان آية 8) ممنوعة عند سلامة عقله و دينه و بصره و حواسه المقر فقدانها بنبوته مطلقاً فهو كتأثير السم و المرض و الحديد و أما الإحراز و الأدعية فقد تقتضي المصلحة بعدم استعمالها أو استعمالها و عدم تأثيرها لعدم إذن الله تعالى بذلك كما وقع على الأوصياء من القتل و السم و الحبس مع أنهم

49

أهل علم الجفر و الجامعة و هم أهل الدعوات المستجابات و أما تأثير النفس الشريرة فمسلم لو كان يخل بدين النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كتسليط الشياطين أو بما يقضي بنقص نبوته و أما تأثيره بنفس جسمه فلا مانع منه و بالجملة فكون أن بعضه تحقيقي مشاهد بالوجدان و العيان و ربما يشير إليه بقوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلّٰا رَجُلًا مَسْحُوراً) (الإسراء آية 47 و الفرقان آية 8) إن السحر كله تخييل لتأثيره بالوهم من المنفعل ظاهرة البطلان لأنه يؤثر فيمن لا يعلم كدعوى أن آثار الجن حقيقية قطعاً لإمكان كون الجن و فعلهم كله تخييل و لا أثر لذلك كما قال (منه) إنه من الخرافات و لو سلمنا لكان ما يرى الجن تخييل لهم و الظاهر أن المسألة قليلة الثمرة و إن أمكن ظهورها في القصاص لأنه على التخييل لا قتل واقعاً و إنما يتراءى للناظر فلو بطل السحر لعاد حيّاً بل و لا دية مع احتمال أن القتل الذي يقاد به و تأخذ عليه الدية هو ما تراه العين و يترتب عليه آثار الموت و بالجملة فالتخييل في المؤثر لا ينافي العقر و بعد تحقق القتل بذلك التخييل و أما التخييل في الموت و في الأثر فلا قود فيه و كذا لو أقر أني قتلته بالسحر عمداً أو أني قتلته خطأ مع احتمال أنه يؤخذ بإقراره مطلقاً و تظهر الثمرة في المقاصة في المال و تظهر في إمكان إبطاله بعد القتل و تلف الشيء فعلى التحقيق لا يتدارك و على التخييل له جهة انتظار.

التاسع و الأربعون: يقتل المسلم المستحل السحر

لأنه مستحل له و لو اجتمع معه كفر آخر كاعتقاده ربوبية الكواكب أو خلقها و تدبيرها على سبيل الاختيار و كذا لو اجتمع معه إهانة القرآن كوضعه في قاذورة أو إهانة عظم نبي أو سبُّ نبي من الأنبياء أو ذكر ما لا ينسب إلى جبار السماء و لا بقتل الكافر الأصلي به و لو تفرد للعمل فهل حده القتل أم لا ظاهر الأخبار الأول لإطلاق الكفر عليه و لأنه لو توقف على الاستحلال لساوى بقية المعاصي لأن الساحر كآلة اللهو يلزم إتلافه لمنافاته لمعاجز الأنبياء و عود الفاسد منه لأرباب الشرع و لما يظهر من بعض الأخبار و من آية (هاروت و ماروت) و من كلام بعض العلماء أنه كفر مطلقاً و قد يقال إن الأخبار و الآية على المبالغة كما ورد في تارك الصلاة في كثير من المعاصي و إعراض الأصحاب عن ذلك

50

أقوى شاهد على ذلك و قوله: (هاروت و ماروت) فلا تكفر الاستدلال به على الكفر لعدم ثبوت كونهما معصومين لما ورد أنهما خرجا عن العصمة لتغير خلقهما حيث جعل الله فيهما القوة الشهوية فعشقا امرأة و راوداها فرفعها الله و مسخها الزهرة و أنهما أخذا في تعليم الناس السحر ببابل و هما معلقان منكوسين بين السماء و الأرض أو مراد فلا تكفر بما استلزم الكفر من السحر و الأظهر في (هاروت و ماروت) أنهما ملكان نزلا لتعليم الناس السحر و النهي عنه و لذا قالوا نحن فتنة ففعلهما كان للاختبار أو كانا يميزان للناس السحر من غيره لما فشا السحر ببابل لضعف الخبر الأول لاشتماله على المسخ إلى نجم في السماء و يقال بقاء المسوخ على الدوام و نسبة المعصية للملائكة و كله خلاف الظاهر و قد يقال إن السحر إن اتخذ صنعة و يداً أو ادّعى صاحبه سلطاناً شرعياً كان حدّه القتل و إلا فلا جمعاً بين الأخبار.

الخمسون: قد يستثنى من السحر اسماً و حكماً فقط أمور

منها تعلمه و تعليمه لا بقصد العمل بل بقصد أن العلم بالشيء خير من الجهل به أو كان لمقصد صحيح لأصالة البراءة من حرمة تعلمه و علمه لمجرد الاطلاع و لفظ الساحر ينصرف إلى عامله كالمغني و كذا سائر الصنائع بخلاف العلوم كالنحوي و منها عمله لحل المعقود أو لإبطاله فيبطل سحراً بسحر و يداوي سحراً بسحر و في الأخبار ما يشعر بذلك ففي خبر عيسى بن شقفي الساحر أنه قال له أبو عبد الله (عليه السلام) حل و لا تعقد و في علل الصدوق توبة الساحر أن يحل و لا يعقد و الحل في الأخبار أن أريد به حل السحر كان دليلًا على حلّية الإبطال و إن أريد به حل المربوط كان خاصاً و في ثالث أن الله بعث ملكين إلى نبي ذلك الزمان يذكر ما يسحر به السحرة و ما يرد به سحرهم و يبطل كيدهم فتلقاه النبي عن الملكين و أراه إلى عباد الله فأمر الله تعالى أن يتقوا به و يبطلوا و نهاهم عن أن يسحروا به و في رابع و أما هاروت و ماروت كانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به عن سحر السحرة يبطلوا كيدهم و في خامس عن الامرأة يحلون السحر عنها قال لا أرى بذلك بأساً و يريد ذلك أن الظاهر من تحريم السحر السحر المقصود به الضرر أو أمور أخرى لا يرضى بها رب البشر كدعوى نبوة أو رد على نبي أو تحصيل المال أو