رياض المسائل - ج8

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
471 /
5

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

و به نستعين الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام علىٰ خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الجهاد

كتاب الجهاد فعال، و هو في اللغة: إما من الجَهد بالفتح و هو التعب و المشقة، أو منه بالضم و هو الوسع و الطاقة.

و شرعاً: بذل الوسع بالنفس و المال في محاربة المشركين أو الباغين، علىٰ الوجه المخصوص.

و قيل: إنه بذلهما في إعلاء كلمة الإسلام و إقامة شعار الإيمان. و أُريد بالأول إدخال جهاد المشركين و بالثاني جهاد الباغين (1).

و يرد عليه قتال الكفار للأمر بالمعروف، فإنه إعلاء كلمة الإسلام، إلّا أن يراد به الإقرار بالشهادة.

و قد يطلق علىٰ جهاد من يدهم علىٰ المسلمين من الكفار بحيث يخافون استيلاءهم علىٰ بلادهم و أخذ (مالهم) (2) أو ما أشبهه و إن قلّ.

____________

(1) المسالك 1: 148.

(2) في «ك»: مال.

8

و جهادِ من يريد قتل نفس محترمة أو أخذ مال أو سبي حريم.

و منه جهاد الأسير بين المشركين دافعاً عن نفسه، و ربما أُطلق علىٰ هذا القسم الدفاع لا الجهاد.

و البحث هنا عن الأول و الثاني، و ذكر الثالث استطراداً، و ذكر الرابع في كتاب الحدود.

و هو من أعظم أركان الإسلام، بالكتاب و السنة و الإجماع.

قال اللّٰه عزّ و جلّ إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (1).

و عن النبي (صلى الله عليه و آله): «فوق كل برّ (2) برّ حتى يقتل الرجل في سبيل اللّٰه فليس فوقه برّ» (3).

و عن الفاخر: إنّ الملائكة تصلّي علىٰ المتقلّد (4) بسيفه في سبيل اللّٰه حتى يضعه، و من صدع رأسه في سبيل اللّٰه غفر اللّٰه له ما كان قبل ذلك من الذنب (5).

و النظر في كتاب يقع في أُمور ثلاثة:

____________

(1) التوبة: 111.

(2) في «ك» و «ق»: ذي برّ كما في الوسائل.

(3) التهذيب 6: 122/ 209، الخصال: 9/ 31، الوسائل 15: 16 أبواب جهاد العدو و ما يناسبه ب 1 ح 21.

(4) في «ق»: المقلد.

(5) نقله عنه في الدروس 2: 29.

9

[الأول في من يجب عليه]

الأول: في بيان من يجب عليه الجهاد.

و هو بالمعنى الأول فرض كفائي علىٰ كل من استكمل شروطاً سبعة بمعنى وجوبه علىٰ الجميع إلىٰ (1) أن يقوم به منهم من فيه الكفاية، فيسقط عن الباقين سقوطاً مراعى باستمرار القائم به إلىٰ أن يحصل الفرض المطلوب شرعاً.

و قد يتعين بأمر الإمام لأحد علىٰ الخصوص و إن قام من فيه كفاية.

و تختلف بحسب الحاجة بسبب كثرة المسلمين و قلّتهم و ضعفهم و قوتهم.

و لا يجب عيناً بلا خلاف إلّا من ابن المسيب، كما في الغنية و كنز العرفان و المنتهىٰ (2).

و في الأولين الاستدلال عليه بالإجماع، و قوله تعالىٰ لٰا يَسْتَوِي الْقٰاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقٰاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ (3) الآية.

و زاد الثاني قوله: و لانتفاء المسبب عند انتفاء السبب.

و ذكر فيهما في تقريب الاستدلال بالآية بما يرجع حاصله إلىٰ أنه

____________

(1) في «ك»: إلّا.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 584، كنز العرفان 1: 341، المنتهىٰ 2: 898.

(3) النساء: 95.

10

تعالىٰ فاضل بين المجاهدين و القاعدين غير اولي الضرر و وعد كلّاً منهم الحسنىٰ، و لو لا أن وجوبه علىٰ الكفاية لما وعد القاعدين عنه الحسنىٰ و المثوبة، و لما كان لهم فضيلة.

و حجة المخالف غير واضحة عدا ما استدل به الثاني: من قوله (عليه السلام):

«من مات و لم يغزو، و لم يحدث نفسه بالغزو مات علىٰ شعبة من نفاق» (1) قال: و ليس بدالّ علىٰ مطلوبهم (2). و هو كذلك.

و أشار إلىٰ الشروط بقوله: البلوغ، و العقل، و الحرية، و الذكورة، و ألّا يكون هِمّاً أي شيخاً كبيراً عاجزاً و لا مقعداً إذا عرج بالغ حدّ الإقعاد و لا أعمى و لا مريضاً أيضاً يعجز معه عنه أي عن الجهاد.

فهذه شروط ثمانية، إن جعلنا المنفي ب«لا» كلا منها شرطاً علىٰ حدة، و إلّا فخمسة بجعل الخامس السلامة عن الأُمور المذكورة، و علىٰ التقديرين فليس الشروط سبعة كما ذكره.

و كان عليه أن يذكر السلامة من الفقر الموجب للعجز عن نفقته أو نفقة عياله أو طريقه أو ثمن سلاحه و بالجملة ما يحتاج إليه في جهاده أيضاً؛ إذ لا خلاف في اشتراطها، كما لا خلاف في اشتراط البواقي أعلمه (3) و به صرّح في الغنية في الجميع (4)، و في المنتهىٰ في البلوغ و الذكورة (5)، بل

____________

(1) سنن أبي داود 3: 10.

(2) انظر كنز العرفان 1: 342.

(3) ليس في «ق».

(4) الغنية (الجوامع الفقهية): 583.

(5) المنتهىٰ 2: 899.

11

صرّح فيهما و في الثاني و الثالث و العمىٰ بالإجماع (1)، و ظاهره انعقاده في البواقي أيضاً حيث لم ينقل خلافاً فيها أيضاً؛ و هو الحجة.

مضافاً إلىٰ الأُصول، و عدم عموم في أدلة الجهاد يعتدّ به يشمل فاقدي الشروط كلّاً أو بعضاً، عدا العبد فإنه داخل في العموم فيجب عليه، كما ربما يعزىٰ إلىٰ الإسكافي حيث لم يذكر الحرية في الشروط (2)، بل زاد فروى مرسلًا: أنّ رجلًا جاء إلىٰ أمير المؤمنين (عليه السلام) ليبايعه فقال: يا أمير المؤمنين، أبسط يدك أُبايعك علىٰ أن أدعو لك بلساني، و أنصحك بقلبي، و أُجاهد معك بيدي، فقال (عليه السلام): «حرّ أنت أم عبد؟» فقال: عبد، فصفق (عليه السلام) يده فبايعه (3).

و لذا جعل في المختلف اشتراط الحرية مشهوراً لا إجماعاً (4).

لكنه اختار اشتراطها مستدلًا عليه في المنتهىٰ بالإجماع؛ و بأنّ النبي (صلى الله عليه و آله) كان يبايع الحرّ علىٰ الإسلام و الجهاد، و العبد علىٰ الإسلام دون الجهاد؛ و بأنه عبادة يتعلق بها قطع مسافة، فلا يجب علىٰ العبد كالحج (5).

و في الكتاب (6) بقوله لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (7) مجيباً عن الرواية بحملها علىٰ الجهاد معه علىٰ تقدير الحرية أو إذن المولى أو عموم الحاجة.

____________

(1) المنتهىٰ 2: 899.

(2) المختلف 4: 394.

(3) المختلف 4: 394، الوسائل 15: 23 أبواب جهاد العدو ب 4 ح 3.

(4) المختلف 4: 394.

(5) المنتهىٰ 2: 899.

(6) أي المختلف 4: 394.

(7) التوبة: 91.

12

و لا بأس بالجواب عن الرواية؛ فإنّها مع ضعف سندها غير صريحة في الجهاد معه في غير الصور المزبورة، بل غايتها إفادة الجهاد معه في الجملة، و نحن نقول به.

و لا بالاستدلال بالآية إن جعل مناط الدلالة قوله لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ فإنّه بعمومه شامل لكل من فاقدي الشروط حتى الحرية، فإنّ المملوك ضعيف عاجز، لأنه لا يقدر علىٰ شيء كما في نصّ الكتاب (1).

و يشكل إن جعل المناط قوله سبحانه وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ (2) كما صرّح به في المختلف (3) و تبعه المقداد في الكنز، قال:

و العبد لا يملك شيئاً عندنا فلم يحصل في حقه الشرط (4).

و فيه نظر؛ فإنّ عدم الملكية لا يستلزم عدم الوجدان، فقد يجد بالبذل له و ليس بمالك فلا يدخل في الآية، و يجب عليه الجهاد بعموم الأدلة.

و لذا إنّ الأصحاب جعلوا الحرية شرطاً آخر غير اشتراط السلامة من الفقر (5)، و لو صحّ ما ذكراه من التلازم لأغنى اشتراط السلامة من الفقر عن اشتراط الحرية.

مع أنه موقوف علىٰ القول بعدم مالكية العبد كما هو الأشهر، و أمّا علىٰ القول بالمالكية كما هو رأي جماعة مطلقاً أو في الجملة (6) فلا

____________

(1) ليست في «ك».

(2) النحل: 75.

(3) المختلف 4: 394.

(4) كنز العرفان 1: 352.

(5) كالشيخ في المبسوط 2: 4، و المحقق في الشرائع 1: 307، و الشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 382.

(6) منهم: الشيخ في النهاية: 543، و المحقق في الشرائع 2: 58.

13

تلازم، مع أنهم اشترطوا الحرية أيضاً.

فإذاً العمدة علىٰ اشتراطها الإجماع المنقول المؤيد بعدم ظهور خلاف يعتدّ به حتى من الإسكافي؛ لعدم تصريحه بالمخالفة.

مضافاً إلىٰ الآية المتقدمة بالتقريب الذي عرفته، و فيها الدلالة علىٰ اعتبار سائر الشروط أيضاً كما سبق إليه الإشارة؛ مضافاً إلىٰ الأخبار النبوية المروية في المنتهىٰ في كل من البلوغ و الذكورة و الحرية (1).

فلا يجب علىٰ الصبي مطلقاً، و لا المجنون كذلك، و لا العبد بأنواعه حتى من انعتق بعضه، و لا الكبير العاجز عن الجهاد، و لا المريض كذلك، و يجب علىٰ القادر منهما، و لا الأعمىٰ و إن وجد قائداً، و كذا الأعرج المقعد، دون من يمكنه الركوب و المشي، فإنّه يجب عليه الجهاد و إن تعذر عليه شدّة [العدو (2)]، كما في المنتهىٰ قال: لتمكنه منه (3).

أقول: مع عدم انصراف إطلاق الآية يرفع الحرج عنه إلىٰ مثله.

و يتحقق العمىٰ بذهاب البصر من العينين معاً، فيجب علىٰ الأعور و الأعشىٰ و غيرهما.

و إنّما يجب الجهاد بالمعنى الأول علىٰ من استجمع الشروط المزبورة مع وجود الإمام العادل و هو المعصوم (عليه السلام) أو من نصبه لذلك أي النائب الخاص و هو المنصوب للجهاد أو لما هو أعم، أما العام كالفقيه فلا يجوز له و لا معه حال الغيبة، بلا خلاف أعلمه، كما في ظاهر

____________

(1) المنتهىٰ 2: 899.

(2) في النسخ: العذر، و ما أثبتناه من المصدر.

(3) المنتهىٰ 2: 899.

14

المنتهىٰ و صريح الغنية (1)، إلّا من أحمد كما في الأول (2)، و ظاهرهما الإجماع.

و النصوص به من طرقنا مستفيضة بل متواترة. منها: «إن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير» (3) و منها:

«لا غزو إلّا مع إمام عادل» (4).

و في جملة أُخرى: «الجهاد واجب مع إمام عادل» (5).

و لا يكفي وجود الإمام، بل لا بدّ من دعائه إليه.

و علىٰ هذا الشرط فلا يجوز الجهاد مع الجائر إلّا أن يَدْهَم المسلمين من أي عدوّ يخشىٰ منه علىٰ بيضة الإسلام أي أصله و مجتمعه، فيجب حينئذ بغير إذن الإمام و نائبه.

أو يكون بين قوم مشركين و يغشاهم عدو ف يجاهد حينئذ و يقصد الدفع عن الإسلام و عن نفسه في الحالين لا معاونة الجائر كما في الصحيح و غيره (6)، فيأثم و يضمن لو قصد معاونته بلا إشكال. و هل يأثم و يضمن لو جاهد بغير قصد؟ قيل: نعم (7). و هو أحوط إن لم نقل بأنه أظهر.

____________

(1) المنتهىٰ 2: 899، الغنية (الجوامع الفقهية): 583.

(2) المنتهىٰ 2: 899.

(3) الكافي 5: 23/ 3، التهذيب 6: 134/ 226، الوسائل 15: 45 أبواب جهاد العدو ب 12 ح 1.

(4) الكافي 5: 20/ 1، التهذيب 6: 135/ 228، الوسائل 15: 43 أبواب جهاد العدو ب 10 ح 2.

(5) الخصال: 607، تحف العقول: 313، الوسائل 15: 49 أبواب جهاد العدو ب 12 ح 9، 10.

(6) الوسائل 15: 29 أبواب جهاد العدو ب 6.

(7) المسالك 1: 148.

15

و هل يشترط في العدو الزاحم كونه كافراً؛ كما عن الشيخ (1)، أم لا، كما عن الأكثر (2)؟ قولان.

و لا يخفىٰ أن هذا الاستثناء منقطع؛ إذ الجهاد الذي يعتبر فيه إذن الإمام و سائر الشروط إنما هو الجهاد بالمعنى الأوّل دون غيره اتفاقاً، و الجهاد المذكور بعد الاستثناء غيره.

و لذا قال في الشرائع بعده: و لا يكون جهاداً (3). و أشار به إلىٰ أن حكم الشهيد من عدم تغسيله و تكفينه لا يلحق المقتول هنا، و كذا حكم الجهاد من تحريم الفرار و قسمة الغنيمة. نعم هو بمنزلة الشهيد في الأجر، و إطلاق الأخبار بكونه شهيداً (4) ينزل عليه.

و من عجز عن الجهاد بنفسه و قدر علىٰ الاستنابة لغيره ممن لا يجب عليه كالفقير وجبت عليه الاستنابة و عليه القيام بما يحتاج إليه النائب.

وفاقاً للشيخ و القاضي و الحلّي (5)، و عليه الفاضل المقداد في كنز العرفان (6)، و المحقق الثاني مستدلًا عليه بقوله تعالىٰ وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ (7) و أن الميسور لا يسقط بالمعسور (8). قال: و قوله سبحانه لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ إلىٰ قوله وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا

____________

(1) انظر المبسوط 2: 8.

(2) حكاه عنهم في المسالك 1: 148.

(3) الشرائع 1: 307.

(4) انظر الوسائل 15: 120، 121 أبواب جهاد العدو ب 46 الأحاديث 5، 8، 9، 10.

(5) الشيخ في النهاية: 289، القاضي في المهذب 1: 298، الحلي في السرائر 2: 3.

(6) كنز العرفان 1: 352.

(7) التوبة: 41.

(8) عوالي اللئلئ 4: 58/ 205.

16

يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (1) محمول علىٰ نفي الحرج عن جهاده بنفسه، لكثرة الأوامر الدالة علىٰ الوجوب (2).

خلافاً للفاضلين في الشرائع و المنتهىٰ و المختلف، و الشهيد الثاني (3) و المفلح الصيمري، فيستحب.

و لعلّه الأظهر؛ للأصل، و فقد المخصص له عدا ما مرّ، و ما في الكنز من قوله تعالىٰ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (4) قال: ذمّهم علىٰ عدم إنفاقهم أموالهم مع القدرة عليها، و ليس ذلك مع الجهاد بالنفس و إلّا لكان إنفاقه علىٰ نفسه، فيكون لا معه، و هو المطلوب (5).

و فيهما نظر؛ فإنّ تقييد نفي الحرج بما مرّ ليس بأولى من تقييد الأمر بالجهاد بالمال بما إذا جاهد بالنفس.

و كذا يمكن تخصيص عموم الميسور بغير محل البحث، لآية نفي الحرج، كما يمكن العكس، فاختياره ليس بأولى من اختيار مقابله، و كثرة الأوامر غير موجبة للترجيح في نحو محل البحث مما التعارض فيه بين القطعيين.

و بالجملة: التعارض بين الدليلين من الطرفين تعارض الظاهرين، يمكن صرف كل إلىٰ الآخر، و حيث لا مرجح كما في محل البحث وجب الرجوع إلىٰ مقتضىٰ الأصل و هو عدم الوجوب.

____________

(1) التوبة: 91.

(2) جامع المقاصد 3: 372.

(3) الشرائع 1: 308، المنتهىٰ 2: 901، المختلف: 324، الشهيد الثاني في المسالك 1: 149.

(4) التوبة: 81.

(5) كنز العرفان 1: 352.

17

و آية الذم علىٰ ترك الإنفاق ليست نصاً في صورة العجز عن الجهاد بالنفس بل و لا ظاهرة فيها، إلّا علىٰ تقدير كون الإنفاق علىٰ نفسه مع جهاده بنفسه ليس من الجهاد بالمال في سبيل اللّٰه تعالىٰ. و لا ريب في ضعفه؛ إذ الإنفاق في سبيل اللّٰه تعالىٰ أعمّ منه علىٰ نفسه و علىٰ غيره قطعاً لغةً و عرفاً.

هذا مع أنّ الجهاد بالمال أعمّ من الاستنابة؛ إذ يدخل فيه أيضاً إعانة المجاهدين في الخيل و السلاح و الظهر و الزاد و سدّ الثغر، كما حكي القول بوجوبها في المختلف عن الحلبي (1)، و لكن لم يقولا به.

ثم إنّ هذا إذا لم يحتج إلىٰ الاستنابة بأن يعجز القائمون بدونها، و إلّا فتجب قولًا واحداً.

و لو استناب مع القدرة علىٰ الجهاد و وجوبه عليه جاز أيضاً عندنا بغير خلاف ظاهر، و عزاه في المنتهىٰ إلىٰ علمائنا (2) مؤذناً بدعوىٰ الإجماع عليه، مستدلّاً عليه بالنبوي: «من جهّز غازياً كان له مثل أجره» (3) و المرتضوي: عن الإجعال للغزو، فقال: «لا بأس به أن يغزو الرجل عن الرجل و يأخذ منه الجُعل» (4).

و فيهما لولا الإجماع نظر؛ لضعف سندهما و دلالتهما، لأنّ غاية الأخير نفي البأس عن أخذ الجُعل للنائب، و هو غير جواز الاستنابة للقادر.

و غاية الأوّل إفادة الثواب علىٰ تجهيز الغازي، و هو غير ما نحن فيه.

و ربما يستدل عليه أيضاً بأن الغرض من الواجب الكفائي المقتضي لسقوطه عمّن زاد عمّن فيه الكفاية لحصول من فيه الكفاية، تحصيله علىٰ

____________

(1) المختلف: 324.

(2) المنتهىٰ 2: 900.

(3) كنز العمال 4: 321/ 10710، مسند أحمد 4: 115.

(4) التهذيب 6: 173/ 338، قرب الإسناد: 132/ 464، الوسائل 15: 33 أبواب جهاد العدو ب 8 ح 1.

18

المكلف بالواجب بنفسه أو بغيره (1). و لا بأس به.

و المرابطة إرصاد لحفظ الثغر و المراد به الموضع الذي يكون بأطراف بلاد الإسلام للإعلام بأحوال المشركين علىٰ تقدير هجومهم علىٰ بلاد الإسلام.

و كلّ موضع يخاف منه يقال له ثغر لغة و هي مستحبة مطلقاً و لو كان الإمام مفقوداً أي غائباً، لكن تستحب مع حضور الإمام مؤكداً و مع غيبته غير مؤكّد، كما في السرائر (2)، و المنتهىٰ، قال: لأنها لا تتضمّن جهاداً، بل حفظاً و إعلاماً فكانت مشروعة حال الغيبة إلىٰ أن قال-: فإن رابط حال ظهور الإمام بإذنه و سوّغ له القتال جاز له ذلك، و إن كان مستتراً أو لم يسوّغ له المقاتلة لم يجز له القتال ابتداءً، بل يحفظ الكفار من الدخول إلىٰ بلاد الإسلام، و يُعلم المسلمين بأحوالهم، و إرادة دخولهم إليهم إن أرادوا ذلك و لم يبدأهم بالقتال، فإن قاتلوه جاز له قتالهم، و يقصد بذلك الدفع عن نفسه و عن الإسلام، و لا يقصد به الجهاد (3). انتهىٰ.

و الأصل في ذلك الصحيح: جعلت فداك إنّ رجلًا من مواليك بلغه أنّ رجلًا يعطي سيفاً و فرساً في سبيل اللّٰه، فأتاه فأخذهما منه، ثم لقيه أصحابه و أخبروه أن السبيل مع هؤلاء لا يجوز و أمروه بردّهما، قال: «فليفعل» قال:

قد طلب الرجل فلم يجده و قيل له: قد شخص الرجل، قال: «فليرابطه و لا يقاتل» قلت: مثل قزوين و عسقلان و الديلم و ما أشبه هذه الثغور؟ قال:

«نعم» قال: فإن جاء العدو إلىٰ الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟

____________

(1) المسالك 1: 149.

(2) السرائر 2: 4.

(3) المنتهىٰ 2: 902.

19

قال: «يقاتل عن بيضة الإسلام» قال: يجاهد؟ قال: «لا إلّا أن يخاف علىٰ ذراري المسلمين، أ رأيتك لو أن الروم دخلوا علىٰ المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم» قال: «يرابط و لا يقاتل، فإن خاف علىٰ بيضة الإسلام و المسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان؛ لأنّ في دروس الإسلام دروس ذكر محمد (صلى الله عليه و آله)» (1). و هو صريح في جواز المرابطة في زمان عدم بسط يد الإمام و الغيبة، لتضمنه الأمر بها حينئذ و أقلّه الجواز و إن لم نقل الاستحباب. و حيث ثبت الجواز ثبت الاستحباب؛ لفتوىٰ أكثر الأصحاب، بناءً علىٰ التسامح في أدلّة السنن حيث لا يحتمل فيها ضرر كما هنا علىٰ ما فرضناه.

و لا ينافيه الأمر بردّ المال في صدره بناءً علىٰ أنّ الظاهر أنّ الباذل له من هؤلاء كما صرّح به في خبر آخر (2)، و مراده في سبيل اللّٰه الجهاد الجائز عندهم مع حُكّامهم، فلذا أُمر بالردّ، لعدم جواز الجهاد معهم عندنا، و المال لمّا كان مشروطاً به لم يبح إلّا به، و لمّا لم يجز وجب الرد، و لمّا فرض السائل عدم إمكان الرد إباحة له (عليه السلام) بشرط الرباط بدله، فإنّه أقرب إلىٰ مقصود الباذل من صرفه في سائر وجوه البرّ.

فما يعزىٰ إلىٰ الشيخ و القاضي من عدم استحباب المرابطة زمن الغيبة (3)، لا وجه له، مع أنهما أفتيا بمضمون الرواية، فلعلّهما أرادا منها ما ذكرنا في معناها، و إن زادا فذكرا لفظ المرابطة، بحملها علىٰ المرابطة الغير

____________

(1) الكافي 5: 21/ 2، التهذيب 6: 125/ 219، الوسائل 15: 29 أبواب جهاد العدو ب 6 ح 2.

(2) قرب الإسناد: 345/ 1253، الوسائل 15: 32 أبواب جهاد العدو ب 7 ح 2.

(3) كما في المنتهىٰ 2: 903، و هو في النهاية: 290، و المهذب 1: 303.

20

المشروعة التي تتضمن القتال و الجهاد مع هؤلاء الفجرة، كما هو الغالب في زمن الغيبة.

و من هنا يظهر وجه تفاوت استحبابها في زمن الحضور و الغيبة، بالتأكّد في الأول؛ لعدم الخلاف فيه حينئذ فتوى و رواية. دون الثاني؛ لوجوده فيه أو احتماله فتوى، بل و روايةً، مع أن عبارة السرائر (1) صريحة في عدم جزمه بالاستحباب بل ظاهر مساق عبارته العدم.

و من هنا يظهر ما في حكم جملة منهم بتأكد الاستحباب في الحالين (2).

و لو عجز عن المرابطة بنفسه جاز أن يربط فرسه أو غلامه هناك أي في الثغر لينتفع به المرابطون، و حاز بذلك الثواب، لإعانته علىٰ البرّ. و هو في معنىٰ الإباحة لهما علىٰ هذا.

و ظاهر العبارة هنا، و في السرائر و التحرير و المنتهىٰ اشتراط العجز عنها (3)، و مقتضى الدليل العموم، كما في اللمعة (4) و شرحها. و هو الأقوىٰ.

و لو نذر المرابطة وجبت مع وجود الإمام (عليه السلام) اتّفاقاً.

و كذا مع فقده عندنا كما في السرائر (5) مؤذناً بدعوىٰ الإجماع عليه، لأنها طاعة كما مضى، و قد نذرها فيجب عليه الوفاء، لعموم الأدلّة بلزوم الوفاء بالنذر كتاباً و سنةً.

____________

(1) السرائر 2: 5.

(2) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 572، و الشهيدين في اللمعة (الروضة البهية 2): 385.

(3) السرائر 2: 5، التحرير 1: 134، المنتهىٰ 2: 903.

(4) اللمعة (الروضة البهية 2): 386.

(5) السرائر 2: 4.

21

و كذا لو نذر أن يصرف شيئاً إلىٰ المرابطين لإعانتهم، وجب عليه الوفاء به مطلقاً و إن لم ينذره ظاهراً و لم يخف الشنعة يتركه لعلم المخالف بالنذر و نحوه.

و لا يجوز صرف ذلك أي المنذور في غيرها أي غير المرابطة من وجوه البرّ إجماعاً مع ظهور الإمام و بسط يده، كما في المختلف (1)، و كذا مع غيبته و خوف الشنعة بتركه اتفاقاً. و في غيرهما كذلك أيضاً علىٰ الأشبه الأشهر بل عليه عامّة من تأخّر وفاقاً للحلي (2)؛ لما مرّ من عموم لزوم الوفاء بالنذر بناءً علىٰ صحته هنا كما مرّ.

و يقابل الأشبه قول الشيخ و القاضي بجواز صرفه في وجوه البرّ (3) حينئذٍ؛ للخبر: «إن كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته، و إلّا فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البرّ» (4).

و يضعف أوّلًا: بأنها مكاتبة، و ذلك موجب لضعفها. و ثانياً: بجهالة السائل. و ثالثاً: بمخالفة الأُصول؛ لأن النذر إن كان صحيحاً وجب الوفاء به، و إلّا كان باطلًا، لا أنه يصرف في وجوه البرّ.

أقول: و لو لا الشهرة العظيمة بين الأصحاب، المرجّحة لعموم أدلة النذر لأمكن الجواب عن جميع ذلك.

و لكن بعدها فلتطرح، أو تحمل علىٰ مرابط لا يسوغ صرف النذر إليه، كما هو الغالب زمن الغيبة، لا مطلق المرابط. أو علىٰ نذر بغير لفظ بل

____________

(1) المختلف: 324.

(2) السرائر 2: 5.

(3) الشيخ في النهاية: 291، القاضي في المهذب 1: 303.

(4) التهذيب 6: 126/ 221، الوسائل 15: 32 أبواب جهاد العدو ب 7 ح 1.

22

بمجرد نية و قصد، كما هو الغالب في نذر العوام فيما نشاهد في زماننا الآن، و ربما يشير إليه قوله (عليه السلام): «اصرف ما نويت من ذلك» و لم يقل:

ما نذرت، فتدبّر.

و يحمل الأمر فيه بصرفه في وجوه البرّ علىٰ التقديرين علىٰ الاستحباب.

و كذا من أخذ من غيره شيئاً علىٰ وجه الجعالة أو الإجارة ليرابط له لم يجب عليه أي علىٰ الآخذ إعادته أي الشيء علىٰ ذلك الغير.

و إن وجده أي ذلك الغير جاز له المرابطة فيما إذا كان الأخذ علىٰ جهة الجعالة أو وجبت فيما إذا كان علىٰ جهة الإجارة مطلقاً و لو كان الإمام غائباً علىٰ الأشهر الأقوىٰ؛ لنحو ما مضى في المسألة السابقة.

خلافاً للشيخ و القاضي (1)، فأوجبا عليه الردّ علىٰ باذله إجارة أو جعالة مع إمكانه و إلّا فليرابط.

و لعلّ مستندهما نحو الصحيح الماضي (2) هو مع الجواب، و لا وجه لإعادته.

____________

(1) الشيخ في النهاية: 291، القاضي في المهذب 1: 303.

(2) في ص: 3565.

23

[النظر الثاني في من يجب جهاده]

النظر الثاني:

في بيان من يجب جهاده و هم ثلاثة

[الأول البغاة]

الأول: البغاة جمع باغ، و هو من خرج علىٰ المعصوم من الأئمة ((عليهم السلام)) كما يستفاد من النص و كلمات القوم.

و منها قوله: يجب قتال من خرج علىٰ إمام عادل (1) بالإجماع الظاهر المصرّح به في عبائر (2)، بعد الكتاب و السنة.

قال اللّٰه سبحانه وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ فَإِنْ فٰاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (3). و في النبوي: «من أعطىٰ إماماً صفقة يده و ثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنقه» (4).

____________

(1) في المختصر المطبوع زيادة ليست في نسخ الرياض و هي: إذا دعا إليه هو أو من نصبه، و التأخر عنه كبيرة، و يسقط بقيام من فيه غنى ما لم يستنهضه الإمام على التعيين، و الفرار منه في حربهم كالفرار في حرب المشركين المختصر: 110.

(2) انظر الخلاف 5: 335، و الغنية (الجوامع الفقهية) 584.

(3) الحجرات: 9.

(4) مسند أحمد 2: 161، سنن أبي داود 4: 96/ 4248، سنن ابن ماجه 2: 1306/ 3956.

24

و في الخاصّي الصادقي (عليه السلام) «بعث اللّٰه تعالىٰ محمداً بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلّا أن تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا» إلىٰ أن قال: «و سيف منها مكفوف، و سيف منها مغمود سلّه إلىٰ غيرنا و حكمه إلينا» إلىٰ أن قال:

«و أما السيف المكفوف علىٰ أهل البغي و التأويل، قال اللّٰه تعالىٰ» و ذكر الآية، ثم قال: «فلمّا نزلت قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): إنّ منكم من يقاتل بعدي علىٰ التأويل كما قاتلت علىٰ التنزيل، فسئل (عليه السلام) من هو؟ قال: هو خاصف النعل يعني أمير المؤمنين (عليه السلام). فقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ثلاثاً، و هذه الرابعة، و اللّٰه لو ضربونا حتّى يبلغونا السعفات من هَجَر لعلمنا أنّا علىٰ الحق و أنّهم علىٰ الباطل.

و كانت السيرة من أمير المؤمنين (عليه السلام) ما كان من رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) إلىٰ أهل مكّة يوم فتح مكّة، فإنّه لم يَسْبِ لهم ذرّية و قال: من أغلق بابه و ألقى سلاحه أو دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و كذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيهم: لا تسبوا لهم ذريّةً، و لا تتمّوا علىٰ جريح، و لا تتبعوا مدبراً، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن» (1).

و في آخر: «القتال قتالان، قتال الفئة الكافرة حتى يسلموا، و قتال الفئة الباغية حتى يفيئوا» (2).

و في ثالث: «ذكرت الحرورية عند علي (عليه السلام)، قال: إن خرجوا علىٰ إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم، و إن خرجوا علىٰ إمام جائر فلا تقاتلوهم،

____________

(1) الكافي 5: 10/ 2، التهذيب 6: 136/ 230، الخصال: 274/ 18، الوسائل 15: 25 أبواب جهاد العدو ب 5 ح 2.

(2) الخصال: 60/ 83، الوسائل 15: 28 أبواب جهاد العدو ب 5 ح 5.

25

فإنّ لهم في ذلك مقالًا» (1).

و الرواية السابقة ناصّة بإرادة هذه الطائفة من الآية المتقدمة، و لذا استدلّ بها هنا جماعة كالشهيد في الدروس تبعاً للفاضل في المنتهىٰ (2).

لكن خطّأه الفاضل المقداد في كنز العرفان، قال: فإنّ الباغي هو من خرج علىٰ الإمام العادل بتأويل باطل و حاربه، و هو عندنا كافر، لقوله (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) «يا علي، حربك حربي و سلمك سلمي» (3) فكيف يكون الباغي المذكور مؤمناً حتّى يكون داخلًا في الآية؟! و لا يلزم من ذكر لفظ البغي في الآية أن يكون المراد بذلك البغاة المعهودين عند أهل الفقه كما قال الشافعي: ما عرفنا أحكام البغاة إلّا من فعل علي (عليه السلام)، يريد فعله في حرب البصرة و الشام و الخوارج، من أنّه لم يتبع مدبري أهل البصرة و الخوارج و لم يجهز علىٰ جريحهم، لأنهم ليس لهم فئة، و تبع مدبري أهل الشام و أجهز علىٰ جريحهم، و لذا لم يجعلها الراوندي حجة علىٰ قتال البغاة، بل جعلها في قسم مَن يكون من المسلمين أو المؤمنين، فيقع بينهم قتال و تعدى بعض إلىٰ بعض، فيكون البغي بمعنى التعدي فيقاتل المتعدي حتى يرجع عن تعدّيه إلىٰ طاعة اللّٰه و امتثال أوامره. انتهىٰ (4).

و أجاب عنه في المنتهىٰ بعد تخطئة من استفاد مِن الآية أن البغاة مؤمنون لأنّ اللّٰه تعالىٰ سمّاهم المؤمنين، بنحو ممّا ذكره من أنّهم كفّار عندنا فقال: التسمية علىٰ سبيل المجاز بناءً علىٰ الظاهر، أو علىٰ ما كانوا عليه،

____________

(1) علل الشرائع: 603/ 71، الوسائل 15: 80 أبواب جهاد العدو ب 26 ح 3.

(2) الدروس 2: 41، المنتهىٰ 2: 903.

(3) أمالي الصدوق: 86، كنز الفوائد 2: 179، البحار 24: 261/ 15.

(4) كنز العرفان 1: 386.

26

أو علىٰ ما يعتقدونه، كما في قوله وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ يُجٰادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مٰا تَبَيَّنَ كَأَنَّمٰا يُسٰاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (1) و هذه صفة المنافقين إجماعاً (2). انتهىٰ.

و هو حسن و إن خالف المجاز الأصل؛ لوجوب المصير إليه بعد قيام الدليل عليه، و هو الرواية السابقة و إن ضعف سندها، لاشتهارها فتوًى و روايةً حتى أنه روتها المشايخ الثلاثة بطرق عديدة.

و في الظاهر الغنية و صريح المنتهىٰ: لا خلاف بين المسلمين كافّة في وجوب جهاد البغاة (3). بل صريح الأخير أيضاً الإجماع.

و إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الخارج بين القليل و الكثير حتى الواحد كابن ملجم لعنه اللّٰه. و به صرّح في المنتهىٰ و التذكرة كما في المسالك و استحسنه (4)، و صرّح به أيضاً في الروضة (5).

و فيه مناقشة؛ لاختصاص الأدلّة كتاباً و سنة بالكثير.

و بالجملة: كيفية قتال البغاة مثل قتال المشركين في جميع ما مرّ، بلا خلاف يظهر فيه، و للنهي أنّه يجب مصابرتهم من الصبر و هو الحبس، و المراد به حبس النفس في جهادهم بترك ما يشبهه من تركه، فيخالفها بمصابرتهم حتى يفيئوا إلىٰ الحق، و يرجعوا إلىٰ طاعة الإمام أو يقتلوا.

____________

(1) الأنفال: 5، 6.

(2) المنتهىٰ 2: 982.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 584، المنتهىٰ 2: 983.

(4) المنتهىٰ 2: 983، التذكرة 1: 454، المسالك 1: 160.

(5) الروضة 2: 407.

27

و ظاهر المنتهىٰ أنّ عليه إجماع العلماء (1)؛ للنص زيادة علىٰ ما مرّ، و فيه: «القتال قتالان: قتال لأهل الشرك لا ينفر عنهم حتى يسلموا أو يؤدّوا الجزية عن يد و هم صاغرون، و قتال لأهل الزيغ» (2).

و في المنتهىٰ: فإذا فاءوا حرم قتالهم؛ لقوله تعالىٰ حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (3) تعالىٰ، جعل غاية الإباحة لقتالهم الرّجوع إلىٰ أمر اللّٰه تعالىٰ، فيثبت التحريم بعدها. و لأنّ المقتضي لإباحة القتل هو الخروج عن طاعة الإمام، فإذا عادوا إلىٰ الطاعة عُدِمَ المقتضي، و لا نعلم فيه خلافاً. و كذلك إن ألقوا السلاح و تركوا القتال. أما لو انهزموا فإنّه يجب قتالهم إن كان لهم فئة يرجعون إليها (4).

و إلى هذا أشار الماتن أيضاً و غيره من الأصحاب (5) من غير خلاف بقوله: و من كان له فئة يرجعون إليها كأصحاب معاوية يجهز من الإجهاز، و هو الإسراع في القتل أي يسرع و يعجل علىٰ جريحهم في القتل و أُتبع مدبرهم و مُولّيهم عن الحرب و قتل أسيرهم.

بلا خلاف يظهر فيه أيضاً و لا في أنّ من لا فئة له الخوارج اقتصر علىٰ تفريقهم فلا يذفّف بالذال المعجمة و بالمهملة، و في اخرىٰ من ذفّ يذفّ من باب قتل: إذا جهز عليه، أي لا يسرع علىٰ جريحهم

____________

(1) المنتهىٰ 2: 984.

(2) التهذيب 4: 114/ 335، الوسائل 15: 28 أبواب جهاد العدو ب 5 ح 3؛ بتفاوت يسير.

(3) الحجرات: 9.

(4) المنتهىٰ 2: 984.

(5) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 205، و العلّامة في التذكرة 1: 455، و الشهيد في الدروس 2: 42.

28

في القتل و لا يتبع مدبرهم و لا يقتل أسيرهم.

و في ظاهر المنتهىٰ الإجماع علىٰ هذا التفصيل منّا، و نفي الخلاف عن الحكم فيمن لا فئة له بين العلماء (1).

و الأصل في المقامين بعد الإجماع أخبارنا.

منها: عن طائفتين إحداهما باغية و الأُخرى عادلة، فهزمت العادلة الباغية، قال: «ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبراً، و لا يقتلوا أسيراً، و لا يجهزوا علىٰ جريح، و هذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد و لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، فإذا كان لهم فئة يرجعون إليها فإنّ أسيرهم يقتل و مدبرهم يتبع و جريحهم يُجاز عليه» (2).

و منها: عمّن شهد حروب علي (عليه السلام) قال: لمّا هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تتّبعوا مولِّيا و لا تُجيزوا علىٰ جريح، و من أغلق بابه فهو آمن» فلمّا كان الصفين قتل المقبل و المدبر و أجاز علىٰ الجريح، فقال له أبان بن تغلب: هذه سيرتان مختلفتان [فقال:] إنّ أهل الجمل قتل طلحة و الزبير، و إنّ معاوية كان قائماً بعينه و كان قائدهم» (3).

و نحوه رواية أُخرى مرويّة في الوسائل عن تحف العقول (4).

و قصور الأسانيد و ضعفها مجبور بالشهرة بين أصحابنا، مضافاً إلىٰ الإجماع عليه كما عرفته من المنتهىٰ.

____________

(1) المنتهىٰ 2: 987.

(2) الكافي 5: 32/ 2، التهذيب 6: 144/ 246، الوسائل 15: 73 أبواب جهاد العدو ب 24 ح 1.

(3) الكافي 5: 33/ 5، التهذيب 6: 155/ 276، الوسائل 15: 74 أبواب جهاد العدو ب 24 ح 3.

(4) تحف العقول: 359، الوسائل 15: 75 أبواب جهاد العدو ب 24 ح 4.

29

و اعلم أنّ قوله: و لا يسترقّ ذريتهم و لا نساؤهم لا تعلّق له بمن لا فئة له خاصة، بل يعمّ الفريقين كما صرّح به جماعة (1)، من غير خلاف بينهم أجده، و في صريح الشرائع و السرائر الإجماع عليه (2)، لكن في الروضة عزاه إلىٰ المشهور (3) مؤذناً بوجود خلاف فيه، كما صرّح به أخيراً وفاقاً للدروس (4)، لكن عزاه إلىٰ الشذوذ معربين عن الإجماع أيضاً (5).

و المخالف غير معروف و لا منقول، إلّا في المختلف، فنقل فيه عن العماني بعد اختياره المنع، قال: و قال بعض الشيعة: إنّ الإمام في أهل البغي بالخيار، إن شاء منَّ عليهم و إن شاء سباهم.

قال: و احتجّوا بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) للخوارج، لمّا سألوه عن المسائل التي اعتلّوا بها، فقال لهم: «أمّا قولكم إنّي يوم الجمل أحللت لكم الدماء و الأموال و منعتكم النساء و الذرية، فإنّي مننت علىٰ أهل البصرة، كما مَنَّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) علىٰ أهل مكة» [قالوا: فأخبر بأنه لم يسبهم، لأنه منّ عليهم كما من رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) علىٰ أهل مكّة (6)] و لو شاء لسباهم كما لو شاء النبي أن يسبي نساء أهل مكة (7).

أقول: و ظاهر عبارته المزبورة أنّ القائل غير واحد من الشيعة، و هو

____________

(1) منهم: الشيخ في النهاية: 297، و العلّامة في التذكرة 1: 456، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 574.

(2) الشرائع 1: 327، السرائر 2: 16.

(3) الروضة 2: 408.

(4) الدورس 2: 42.

(5) الروضة 2: 409.

(6) أضفناه من المصدر.

(7) المختلف: 337.

30

أيضاً ظاهر جملة من الأخبار مستفيضة، غير الرواية المزبورة، مروية في التهذيب و غيره.

منها: «سيرة علي (عليه السلام) في أهل بصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس، إنّه علم أنّ للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته» قلت:

فأخبرني عن القائم (عليه السلام)، أ يسير بسيرته قال: «إنّ علياً (عليه السلام) سار فيهم بالمنّ لمّا علم من دولتهم، و أنّ القائم (عليه السلام) يسير فيهم خلاف تلك السيرة، لأنّه لا دولة لهم» (1).

و منها: أ يسير القائم (عليه السلام) بخلاف سيرة علي (عليه السلام)؟ قال: «نعم، و ذلك إنّ عليّاً (عليه السلام) [سار] بالمنّ و الكف، لأنه علم أنّ شيعته سيظهر عليهم، و إنّ القائم (عليه السلام) إذا قام سار فيهم بالسيف و السبى، و ذلك أنه يعلم أنّ شيعته لم يظهر عليهم من بعده أبداً» (2).

إلىٰ غير ذلك من الأخبار الكثيرة الّتي سيأتي إلىٰ بعضها الإشارة.

و لو لا إعراض الأصحاب عنها و نقلهم الإجماع علىٰ خلافها، مع ضعف أسانيدها جملة، لكان المصير إليها متّجهاً.

و لا تؤخذ أموالهم أي البغاة مطلقاً كانت لهم فئة أم لا، بلا خلاف في الأموال التي ليست في العسكر بل عليه الإجماع في التحرير و المنتهىٰ و المسالك و الروضة (3) و غيرها (4)؛ و هو الحجة فيه، دون عموم

____________

(1) الكافي 5: 33/ 4، التهذيب 6: 155/ 275، الوسائل 15: 76 أبواب جهاد العدو ب 25 ح 1، و رواه في علل الشرائع: 149/ 9، و المحاسن: 320/ 55.

(2) التهذيب 6: 154/ 271، علل الشرائع: 210/ 1، الوسائل 15: 77 أبواب جهاد العدو ب 25 ح 3.

(3) التحرير 1: 156، المنتهىٰ 2: 988، المسالك 1: 160، الروضة 2: 408.

(4) كالخلاف 5: 346.

31

النبوي (صلى الله عليه و آله) الآتي: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب من نفسه» (1) لابتنائه علىٰ القول بإسلام البغاة، و هو منظور فيه، فإنّ الإسلام الحقيقي ما يحقن به الدماء، و يردّ به الأمانات، و يردّ به الأمانات، كما في الأخبار المعتبرة، و هؤلاء غير محقوني الدم إجماعاً، و لذا وجب قتالهم.

و ظاهر جملة من الأخبار العامية و الخاصية كفرهم، كما عليه أصحابنا فيما حكاه الشيخ (2) و غيره (3)، لكن قال: ظاهرهم الإسلام.

و كيف كان، فبعد الإجماع الظاهر و المحكي لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه.

و منه يستفاد تحريم أموال سائر فرق الإسلام و إن حكم بكفرهم، كما صرّح به شيخنا في المسالك، قال: لأنّ هذا الوصف ثابت في البغاة و زيادة، مضافاً إلىٰ ما دلّ عليه من الكتاب و السنة (4).

أقول: و هذه الزيادة ما عرفته، مضافاً إلىٰ أنّ المستفاد من بعض المعتبرة خلافه، و فيه: «خذ مال الناصب حيثما وجدته، و ارفع إلينا الخمس» (5) فالاكتفاء بالاستناد إلىٰ الإجماع و فحواه أولىٰ. و يحتمل أن يكون أراد بالزيادة تأييداً.

و هل يؤخذ من أموالهم ما حواه العسكر ممّا ينقل فيه قولان مشهوران أظهرهما الجواز وفاقاً لأكثر الأصحاب علىٰ الظاهر، المصرّح به في جملة من العبائر (6)، بل في ظاهر الغنية و عن صريح

____________

(1) عوالي اللئلئ 1: 222/ 98، مسند أحمد 5: 72.

(2) الخلاف 5: 335، المبسوط 7: 264.

(3) انظر كنز العرفان 1: 386.

(4) المسالك 1: 160.

(5) التهذيب 4: 122/ 350، الوسائل 9: 487 أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 6.

(6) كالمهذَّب 1: 298، و التنقيح الرائع 1: 573.

32

الخلاف الإجماع عليه (1)؛ و هو الحجة، مضافاً إلىٰ الأصل و الأخبار و المستفيضة.

منها: زيادة علىٰ ما سيأتي إليه الإشارة مرسلة العماني المتقدمة مستنداً لجماعة من الشيعة في المسألة السابقة (2)، و المرسلة الأُخرىٰ المروية هي كالسابقة عنه في المختلف، و فيها: إنّ رجلًا من عبد القيس قام يوم الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين ما عدلت حيث قسمت بيننا أموالهم، و لا تقسم بيننا نساءهم و لا أبناءهم، فقال له: «إن كنت كاذباً فلا أماتك اللّٰه حتى تدرك غلام ثقيف، و ذلك أنّ دار الهجرة حُرّمت ما فيها، و أنّ دار الشرك أُحلّت ما فيها، فأيّكم يأخذ امّه في سهمه؟» (3) الحديث.

و نحوهما المرسلة الآتية (4).

و الضعف بالإرسال مجبور بالشهرة بين الأصحاب معتضدة بالأصل، و فحوى ما مرّ من الأخبار بجواز قتلهم و سبيهم، فأخذ أموالهم أولىٰ.

خلافاً للمرتضىٰ و الحلّي (5)، و الفاضل في جملة من كتبه (6)، لكنّه رجع عنه إلىٰ المختار في المختلف (7)، و الشهيد في الدروس و اللمعة (8)، لكن وافق المختار في خمس الدروس (9)، فمنعا عنه؛ للنبوي «المسلم أخو

____________

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 584، الخلاف 5: 346.

(2) راجع ص: 3575.

(3) المختلف: 337، المستدرك 11: 61 أبواب جهاد العدو ب 24 ح 10.

(4) في ص: 3580.

(5) المرتضىٰ في الناصريات (الجوامع الفقهية): 225، الحلي في السرائر 2: 19.

(6) كالمنتهىٰ 2: 988، و التحرير 1: 156، و القواعد 1: 118.

(7) المختلف: 337.

(8) الدروس 2: 42، اللمعة (الروضة البهية 2): 408.

(9) الدروس 1: 258.

33

المسلم لا يحلّ دمه و لا ماله إلّا بطيبة من نفسه» (1).

و سيرةِ علي (عليه السلام) في أهل البصرة، فإنّه أمر بردّ أموالهم، فأُخذت حتى القدر كفاها صاحبها، و لم يصبر علىٰ أربابها.

و في الأول: ما مرّ. و لو سلّم فيخصص بما سبق.

و في الثاني: بأنه لنا لا علينا، إذ لولا جوازه لما فعله أوّلًا. و ظاهر الحال و فحوى ما عرفت من الأخبار أنّ ردّها بطريق المنّ لا الاستحقاق، كما مَنّ النبي (صلى الله عليه و آله) علىٰ كثير من المشركين، كما صرّح به شيخنا في المسالك و الروضة (2).

و المبسوط، ففصّل بين من لم يرجع إلىٰ الحق و إلى طاعة الإمام فالأول، و من رجع إلىٰ طاعة الإمام فالثاني (3).

و استوجهه في المهذب البارع شرح الكتاب فقال: هو الوجه استناداً إلىٰ فعل علي (عليه السلام)، فإنه لم يقسّم أموال البصرة حيث يرجعوا إلىٰ طاعته، و قسّم ما غنموه إلىٰ أهل الشام، و كل ما ورد من منع القسمة فإنّه في واقعة البصرة (4). و نحوهما الشهيد في الدروس (5)، بل ظاهره انحصار الخلاف في الأول، حيث أفتىٰ في الثاني بالمنع من غير نقل خلاف، ثم نقل الخلاف في الأول.

و فيه نظر، فإنّه ظاهر كلمة الأصحاب المجوّزين و المانعين الإطلاق

____________

(1) عوالي اللئلئ 1: 222/ 98، مسند أحمد 5: 72 بتفاوت يسير.

(2) المسالك 1: 160، الروضة 2: 408.

(3) المبسوط 7: 266.

(4) المهذب البارع 2: 302.

(5) الدورس 2: 42.

34

من غير تفصيل، و في المختلف (1) اختصاصه بالمبسوط.

و كيف كان، فالمختار الأول؛ لما مرّ مضافاً إلىٰ مرسل آخر مرويّ في المبسوط فقال: و روى أصحابنا أنّ ما يحويه العسكر من الأموال فإنّه يغنم (2). و ظاهره الإطباق علىٰ روايته.

و هو مطلق كسابقيه لا وجه لتقييده بعد روايتها بقوله: هذا يكون إذا لم يرجعوا إلىٰ طاعة الإمام، و أمّا إن رجعوا إلىٰ طاعته فهو أحقّ بأموالهم (3).

و عدم قسمة علي (عليه السلام) أموال أهل البصرة لعلّة بطريق المنّ، كما عرفته.

و يدلّ عليه رواية صريحة، و فيها: إنّ الناس يروون أنّ عليّاً (عليه السلام) قتل أهل البصرة و ترك أموالهم، فقال: «إنّ دار الشرك يحلّ ما فيها» فقال: «إنّ عليّاً (عليه السلام) إنّما مَنّ عليهم فأراد أن يُفتدى به في شيعته، فقد رأيتم آثار ذلك، هو ذا يسار في الناس بسيرة علي (عليه السلام)، و لو قتل علي (عليه السلام) أهل البصرة جميعاً و أخذ أموالهم [لكان ذلك له حلالًا (4)] لكنّه مَنّ عليهم ليمنّ علىٰ شيعته من بعده» (5).

و قريب منها آخر: «لولا أنّ عليّاً (عليه السلام) سار في أهل حربه بالكفّ عن السبي و الغنيمة، للَقِيَتْ شيعته من الناس بلاءً عظيماً» قال: «و اللّٰه لسيرته كانت خيراً لكم ممّا طلعت عليه الشمس» (6).

____________

(1) المختلف: 337.

(2) المبسوط 7: 266.

(3) المبسوط 7: 266.

(4) في النسخ: لكان في ذلك إجلال، و ما أثبتناه من المصدر.

(5) علل الشرائع: 154/ 1، الوسائل 15: 79 أبواب جهاد العدو ب 25 ح 6.

(6) علل الشرائع: 150/ 10، الوسائل 15: 79 أبواب جهاد العدو ب 25 ح 8.

35

و حيث قلنا بالجواز تقسم كما تقسم أموال أهل الحرب من المشركين بغير خلاف.

[الثاني أهل الكتاب]

الثاني: أهل الكتاب بالكتاب و السنة و الإجماع.

و هم اليهود و النصارى، لهم التوراة و الإنجيل. فهو لا يطلب منهم إلّا أحد الأمرين: إمّا الإسلام، أو الجزية. فإن أسلموا فلا بحث، و إن امتنعوا و بذلوا الجزية أُخذت منهم و أقرّوا علىٰ دينهم، بلا خلاف ظاهراً. و صرّح به في المختلف و المنتهىٰ مؤذناً بكونه مجمعاً عليه بين العلماء (1)؛ و هو الحجة، مضافاً إلىٰ الكتاب و السنة.

قال اللّٰه تعالىٰ سبحانه قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (2) و في الخبر المتقدّم المتضمن لأنّ اللّٰه تعالىٰ بعث محمداً (صلى الله عليه و آله) بخمسة سيوف، و عدّ من الثلاثة الشاهرة منها هذا، فقال: و الثاني يعني من السيوف الثلاثة علىٰ أهل الذمة، قال اللّٰه سبحانه قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ ساق الآية إلىٰ أن قال: فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل (3).

و في آخر: «القتال قتالان؛ قتال لأهل الشرك لا ينفر عنهم حتّى يسلموا و يؤدوا الجزية عن يدٍ و هم صاغرون» (4).

____________

(1) المختلف: 333، المنتهىٰ 2: 905.

(2) التوبة: 29.

(3) راجع ص: 3569.

(4) التهذيب 4: 114/ 335، الوسائل 15: 28 أبواب جهاد العدو ب 5 ح 3؛ بتفاوت يسير.

36

و يلحق بهم المجوس الذين لهم شبهة الكتاب في ذلك بلا خلاف ظاهر من عد العماني (1).

و صرّح به في المنتهىٰ أيضاً مؤذناً بكونه إجماعياً بين العلماء أيضاً؛ مستدلًا بالنبوي (صلى الله عليه و آله): «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» (2) و هو مرويّ في الفقيه و مجالس الشيخ كما حكي مرسلًا في الأوّل (3) و بسند غير نقيّ في الثاني (4)، لكنّه مشهور بين الخاصّة و العامة، بل قيل (5): متّفق عليه بينهم.

و يدلّ عليه مضافاً إليه صريح النصوص.

منها: عن المجوس كان لهم نبيّ؟ فقال: «نعم، أما بلغك كتاب رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) إلىٰ أهل مكة: أسلموا و إلّا نابذتكم بحرب، فكتبوا إلىٰ النبيّ (صلى الله عليه و آله): أن خُذْ منّا الجزية، و دعنا علىٰ عبادة الأوثان. فكتب النبيّ (صلى الله عليه و آله): إني لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب. فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه-: زعمتَ أنك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، ثم أخذت من مجوس هجر (6)، فكتب رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) إليهم: إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه، و كتاب فأحرقوه. أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور» (7).

____________

(1) راجع المختلف: 333.

(2) المنتهىٰ 2: 905.

(3) الفقيه 2: 29/ 105، الوسائل 15: 127 أبواب جهاد العدو ب 49 ح 5.

(4) مجالس الشيخ: 375، الوسائل 15: 128 أبواب جهاد العدو ب 49 ح 9.

(5) لم نعثر عليه.

(6) هَجَر: مدينة و هي قاعدة البحرين، و قيل ناحية البحرين كلها هجرُ و هو الصواب، و قيل: هجر قرية قرب المدينة. معجم البلدان 5: 393.

(7) الكافي 3: 567/ 4، التهذيب 4: 113/ 332، الوسائل 15: 126 أبواب جهاد العدو ب 49 ح 1.

37

و منها: [كيف] يؤخذ الجزية عن المجوس و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبي؟ فقال: «بلىٰ قد أنزل اللّٰه تعالىٰ عليهم كتاباً و بعث إليهم نبيّاً» (1).

و منها: «إنّما ألحقوا باليهود و النصارى في الجزية و الدّيات لأنّهم كان لهم فيما مضى كتاب» (2).

و قريب منها رواية أُخرى: عن المجوس، فقال: «كان لهم نبيّ قتلوه، و كتاب أحرقوه، أتاهم نبيّهم في اثني عشر ألف جلد ثور. و كان يقال له: جاماست» (3).

و ظاهر هذه الأخبار أنّهم من أهل الكتاب، كما صرّح جملة من الأصحاب (4)، لا أنهم ملحقون بهم.

و البحث هنا يقع في أُمور ثلاثة.

فيمن تؤخذ الجزية منه، و كمّيتها، و شرائط الذّمة و هي

[فيمن تؤخذ الجزية منه]

أي الجزية تؤخذ من اليهود و النصارى اتّفاقاً فتوًى و نصّاً كتاباً و سنةً مستفيضة، كما عرفتها.

و ممّن له شبهة الكتاب، و هم المجوس كما هو الأشهر الأقوىٰ، بل لا خلاف فيه صريحاً إلّا من العماني، فألحقهم في ظاهر كلامه بسائر

____________

(1) أمالي الصدوق: 280/ 1، الوسائل 15: 128 أبواب جهاد العدو ب 49 ح 7 ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(2) المقنعة: 270، الوسائل 15: 128 أبواب جهاد العدو ب 49 ح 8.

(3) التهذيب 6: 175/ 350، الوسائل 15: 127 أبواب جهاد العدو ب 49 ح 3.

(4) منهم: ابن زهرة في الغنية: 584، و الحلبي في الكافي في الفقه: 249، و الشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 388.

38

أصناف الكفار (1). و هو مع عدم صراحة كلامه في المخالفة ضعيف (2) بلا شبهة.

و يستفاد منها جواز أخذها، و قد اتّفقت الأدلّة في الدلالة علىٰ أن يقاتل هؤلاء كما يقاتل أهل الحرب حتى يسلموا أو ينقادوا لشرائط الذمة، فهناك أي بعد ما انقادوا لشرائطها يقرّون علىٰ معتقدهم.

و لا تؤخذ الجزية من الصبيان و المجانين و النساء و البُله بضم الباء الموحدة و سكون اللام: جمع أبله، أي الذي لا عقل له، فيدخل في المجانين، و لذا لم يذكره كثير. أو الذي ضعف عقله، و لعلّه المراد من المعتوه الوارد في النص. و عبّر بعض (3) بدله بالسفيه.

كلّ ذلك للنص: عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن؟ قال: فقال:

«لأنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) نهىٰ عن قتل النساء و الولدان في دار الحرب إلّا أن يقاتلن، فإن قاتلن أيضاً فأمسك عنها مهما أمكنك و لم تخف خللًا. فلمّا نهىٰ عن قتلهنّ في دار الحرب كان ذلك في دار الإسلام أولىٰ. و لو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها [فلمّا لم يمكن قتلها] رفعت الجزية عنها.

و لو امتنع الرجال أن يؤدّوا الجزية كانوا ناقضين للعهد، و حلّت دماؤهم و قتلهم، لأن قتل الرجال مباح في دار الشرك. و كذلك المُقعد من أهل الذمة، و الأعمىٰ و الشيخ الفاني و المرأة و الولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية» (4).

____________

(1) كما حكاه عنه في المختلف: 333.

(2) في «ق»: شاذّ.

(3) كابن حمزة في الوسيلة: 204.

(4) الكافي 5: 28/ 6، الفقيه 2: 28/ 102، التهذيب 6: 156/ 277، الوسائل 15: 64 أبواب جهاد العدو ب 18 ح 1، ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

39

و ضعف السند مجبور بفتوىٰ عامّة العلماء، كما في المنتهىٰ في الصبيان و النساء، و فيه: الإجماع مطلقاً في المجانين مطبقاً (1). هذا مضافاً إلىٰ نصوص أُخر عامية و خاصيةٍ في بعضها.

ففي الخبر: «لا تؤخذ الجزية من المعتوه و لا من المغلوب علىٰ عقله» (2).

و يُستفاد من الرواية الأُولىٰ سقوطها عن الهِمّ، أي الكبير الفاني، و المقعد و الأعمىٰ، كما عن الإسكافي (3). و وافقه الماتن هنا في الأول بقوله: علىٰ الأظهر و كذا الفاضل في القواعد فيه، خلافاً له فيه في الأخيرين (4)، و في التحرير و المختلف في الجميع، فقال بعدم السقوط تبعاً لما حكاه عن الشيخ و القاضي ابن البراج و ابن حمزة. قال: لعموم الكتاب، و لأنّها وضعت للصغار و الإهانة، و هو مناسب للكفر الثابت في هؤلاء، فيجب وضعها عليهم عملًا بالمقتضي. و أجاب عن الرواية بضعف راويها مع معارضتها لعموم القرآن (5).

و ظاهر الماتن في الشرائع و الشهيد في الدروس و غيرهما من المتأخرين التردّد فيه (6). و لعلّه في محله و إن قوي دليل المنع عن السقوط؛

____________

(1) المنتهىٰ 2: 963، 964.

(2) الكافي 3: 567/ 3، الفقيه 2: 28/ 101، التهذيب 4: 114/ 334، الوسائل 15: 131 أبواب جهاد العدو ب 51 ح 1.

(3) علىٰ ما حكاه عنه في المختلف: 335.

(4) القواعد 1: 112.

(5) التحرير 1: 149، المختلف: 335.

(6) الشرائع 1: 327، الدروس 2: 34؛ و أُنظر التنقيح الرائع 1: 575.

40

لابتنائه علىٰ ضعف سند النص. و ربما يجبر بموافقته الأصل و فتوى الأصحاب بمجلة ما فيه و لو في غير ما نحن فيه.

و في المسالك: و فصّل بعضهم بأنه إن كان ذا رأي و قتال أُخذت منه، و إلّا فلا. و الأقوى الوجوب مطلقاً للعموم (1).

و في سقوط الجزية عن المملوك أم العدم قولان:

المشهور كما في المنتهىٰ و المختلف (2) الأول؛ للنبوي: «لا جزية علىٰ العبد» (3) و أنّ العبد مال فلا تؤخذ منه كغيره من الحيوان» و به أفتىٰ في القواعد و المختلف و المسالك، بناءً علىٰ أنه لا يقدر علىٰ شيء (4).

خلافاً لظاهر الصدوق في الفقيه، و صريحه في المقنع كما حكي، فالثاني (5)، و وافقه في التحرير (6)؛ للمرتضوي العامّي (7) و الباقري الخاصّي (8)، و فيهما: أنها تؤخذ من سيّده، كما أفتيا به.

و ظاهر المنتهىٰ و الدروس و غيرهما التردّد فيه (9).

و لعلّه في محله، إلّا أنّ مقتضي الأصل حينئذٍ المصير إلىٰ الأوّل، و إن كان الأحوط الأخذ بالثاني.

و من بلغ منهم أي من الصبيان أُمر بالإسلام أو التزام الشرائط،

____________

(1) المسالك 1: 157.

(2) المنتهىٰ 2: 965، المختلف: 334.

(3) المغني لابن قدامة 10: 587.

(4) القواعد 1: 112، المختلف: 334، المسالك 1: 157.

(5) الفقيه 2: 29، المقنع: 160.

(6) التحرير 1: 149.

(7) المغني لابن قدامة 10: 588.

(8) الفقيه 2: 29/ 106، الوسائل 15: 128 أبواب جهاد العدو ب 49 ح 6.

(9) المنتهىٰ 2: 965، الدروس 2: 34؛ و أُنظر الشرائع 1: 327.

41

فإن امتنع صار حربياً كما هنا و في جملة من كتب الفاضل، و منها المنتهىٰ (1)، و ظاهره عدم خلاف فيه بين العلماء، حيث لم ينقل فيه خلافاً؛ و لعلّه للعموم كتاباً و سنةً خرج منه حال الصباوة و بقي غيرها.

و منه يظهر أنه لو أفاق المجنون أو أُعتق العبد فعليهما الجزية و يستأنف العقد معهما، أو يسلما. فإن امتنعا صارا حربيين كما صرّح به في القواعد (2)، و فيه و في المنتهىٰ: أنّه لا اعتبار بجزية الأب (3). و هو كذلك؛ للأصل السالم عن المعارض.

و الأولى أن لا يقدّر الجزية بحسب الشرع كليةً، لا في طرف القلّة و لا في طرف الكثرة، وفاقاً للأكثر كما في كتب (4)، بل لا خلاف فيه يظهر و لا ينقل إلّا من نادر سيظهر، و في الغنية الإجماع عليه (5)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلىٰ الأصل، و إطلاقات الكتاب و السنة، و خصوص الصحيح: ما حدّ الجزية علىٰ أهل الكتاب؟ و هل عليهم في ذلك شيء موظّف لا ينبغي أن يجوز إلىٰ غيره؟ فقال (عليه السلام): «ذلك إلىٰ الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء علىٰ قدر ماله و ما يطيق، إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا، فالجزية تؤخذ منهم علىٰ قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتّى يسلموا، فإنّ اللّٰه تعالىٰ قال حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ و كيف يكون صاغراً و هو لا يكترث لما يؤخذ منه

____________

(1) المنتهىٰ 2: 963، و أُنظر التحرير 1: 149.

(2) القواعد 1: 112.

(3) المنتهىٰ 2: 963.

(4) راجع المنتهىٰ 2: 965، و المسالك 1: 157.

(5) الغنية (الجوامع الفقهية): 584.

42

حتّى لا يجد (1) ذلّاً لما أُخذ منه، فيألم لذلك فيسلم» (2).

و مع ذلك فإنّه أنسب بالصغار كما استفيد من الصحيح المزبور، و صرّح به الحلّي، فقال بعد أن ذكر اختلاف المفسرين في تفسير الصغار-: و الأظهر أنّه التزام أحكامنا عليهم و إجراؤها، و ألّا يقدر الجزية فيوطّن نفسه عليها، بل يكون بحسب ما يراه الإمام (عليه السلام) بما يكون معه ذليلًا صاغراً خائفاً، فلا يزال كذلك غير موطّن نفسه علىٰ شيء، فحينئذٍ يتحقق الصغار الذي هو الذلّة. ثمّ قال: و ذهب المفيد إلىٰ أنّ الصغار هو: أن يأخذهم الإمام بما لا يطيقون حتى يسلموا، و إلّا فكيف يكون صاغراً و هو لا يكترث بما يؤخذ منه فيسلم (3).

خلافاً للإسكافي، فقدّرها في طرف القلّة، بأنه لا تؤخذ من كلّ كتابي أقلّ من دينار، و وافق المختار في طرف الكثرة (4)؛ للنبوي العامي: أنه (صلى الله عليه و آله) أمر معاذاً أن يأخذ من كلّ حالِم ديناراً (5).

[في كميتها]

و لنادرٍ غير معروف، فقدّرها بما في بعض الأخبار المشهورة بين الخاصّة و العامّة من أنّه كان عليّ (عليه السلام) يأخذ من الغنيّ ثمانية و أربعين درهماً، و من المتوسط أربعة و عشرين درهماً، و من الفقير اثني عشر درهماً (6).

____________

(1) في المصادر عدا الوسائل: حتى يجد.

(2) الكافي 3: 566/ 1، الفقيه 2: 27/ 98، التهذيب 4: 117/ 337، الإستبصار 2: 53/ 176، الوسائل 15: 149 أبواب جهاد العدو ب 68 ح 1.

(3) السرائر 1: 473.

(4) كما نقله عنه في المختلف: 334.

(5) سنن البيهقي 9: 193.

(6) المقنعة: 272، الوسائل 15: 153 أبواب جهاد العدو ب 68 ح 7.

43

و ضعفهما ظاهر؛ إذ بعد الإغماض عن سند الروايتين، و عدم معارضتهما للصحيح المتقدم بوجه، قضيّتان في واقعة. فلعلّ فعلهما ((عليهما السلام)) كان لاقتضاء المصلحة ذلك التقدير في ذلك الوقت لا أنه كان منهما توظيفاً لازماً يجب العمل به و لو اقتضىٰ المصلحة خلافه.

و يؤيّده أنه لو كان توظيفاً، لما زاد الأمير (عليه السلام) عمّا قدّره النبي (صلى الله عليه و آله). فالروايتان بعد ضمّ إحداهما مع الأُخرىٰ، يمكن الاستدلال بهما للمختار لو صحّ سندهما كما فعله في المنتهىٰ (1).

و يجوز وضع الجزية علىٰ الرؤوس أو الأرض أي علىٰ أحدهما من غير أن يتعيّن شيء منهما، بلا خلاف أجده فتوًى و نصاً.

و في جواز الجمع بينهما في الجزية، بأن توضع عليهما ابتداءً أو مطلقاً قولان، أشبههما عند الماتن هنا و في الشرائع الجواز (2) وفاقاً للمحكي عن الإسكافي و التقي (3)، و اختاره أكثر المتأخرين (4)، و منهم الفاضل في جملة من كتبه (5).

و استدلّ عليه في المنتهىٰ بأنّ الجزية غير مقدّرة في طرفي النقصان و الزيادة، بل هي موكولة إلى نظر الإمام (عليه السلام)، فجاز أن يأخذ من أراضيهم و رؤوسهم، كما يجوز له أن يضيف الجزية علىٰ رؤوسهم في الحول

____________

(1) المنتهىٰ 2: 965.

(2) الشرائع 1: 328.

(3) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 334، التقي (أبو الصلاح) في الكافي: 249.

(4) كالشهيدين في الدروس 2: 34، و الروضة 2: 389، و المحقق الكركي في جامع المقاصد 3: 451.

(5) كالمنتهىٰ 2: 966، و التحرير 1: 149، و القواعد 1: 113.

44

الثاني، و لأنّ ذلك أنسب بالصغار (1).

و أجاب عنه في المختلف حيث إنّه فيه ممّن اختار المنع، وفاقاً لمن حكاه عنه من النهاية و القاضي و ابن حمزة و الحلّي، فقال: و الجواب: ليس النزاع في تقسيط جزية علىٰ الرأس و الأرض، بل في وضع جزيتين عليهما، و استدلّ علىٰ المنع بالصحيح: «عليهم ما أجازوا علىٰ أنفسهم، و ليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء الإمام وضعها علىٰ رؤوسهم و ليس علىٰ أموالهم شيء، و إن شاء فعلى أموالهم و ليس علىٰ رؤوسهم شيء» (2) (3). أقول: و نحوه صحيح آخر لراويه (4).

و أجاب عنهما في المنتهىٰ بعد أن استدلّ بهما للمنع بأنّا نقول بموجبهما و نحملهما علىٰ ما إذا صالحهم علىٰ قدر معيّن، فإن شاء أخذ من رؤوسهم و لا شيء له حينئذٍ علىٰ أرضهم و بالعكس. و ليس فيهما دلالة علىٰ المصالحة علىٰ أن يأخذ من رؤوسهم و أرضهم ابتداءً (5).

و كلامه هذا كما ترى ظاهر بل صريح في أنّ محل النزاع إنّما هو تقسيط الجزية علىٰ الرؤوس و الأرض معاً ابتداءً، و أنه لو تصالح معهم علىٰ أحدهما فليس له الأخذ بالأُخرىٰ اتّفاقاً. مع أنّ المستفاد من كلامه في

____________

(1) المنتهىٰ 2: 966.

(2) الكافي 3: 566/ 1، التهذيب 4: 117/ 337، الإستبصار 2: 53/ 176، الوسائل 15: 149 أبواب جهاد العدو ب 68 ح 1.

(3) المختلف: 334.

(4) الكافي 3: 567/ 2، التهذيب 4: 118/ 338، الإستبصار 2: 53/ 177، الوسائل 15: 150 أبواب جهاد العدو ب 68 ح 2.

(5) المنتهىٰ 2: 966.

45

المختلف أنّ جواز تقسيط الجزية الواحدة عليهما ليس محلّ خلاف، و إنّما هو في تقسيط الجزيتين عليهما مطلقاً و لو بعد أن صالح علىٰ جزية واحدة علىٰ أحدهما ابتداءً.

و علىٰ هذا فلم يتشخّص محل النزاع، أ هو ما في المختلف أو ما في المنتهىٰ، و لكن إطلاق نحو المتن يعمّهما، فيعمّهما القول بالمنع و الجواز.

فما في المتن من الجواز كذلك أقوى؛ لما مرّ في المنتهىٰ، مضافاً إلىٰ الأصل، و الإطلاقات السليمة عمّا يصلح للمعارضة، عدا الصحيحين المشار إليهما، و ليس فيهما الدلالة علىٰ المنع في محل النزاع أصلًا، و هو تقسيط الجزية الواحدة علىٰ الأمرين أو أخذ جزيتين عليهما ابتداءً أو مطلقاً. و إنما غايتهما أنه ليس عليهم بعد الجزية شيء، فإذا جعلها الإمام علىٰ رؤوسهم، فليس عليهم بعد هذه الجزية شيء آخر غيرها علىٰ أموالهم و بالعكس، لا أنه ليس للإمام أن يقسطها عليهما مثلًا. و لا تعرّض لهما فيهما بنفي أو إثبات أصلًا. فينبغي الرجوع فيهما إلىٰ مقتضىٰ الأُصول و العمومات، و هو الجواز مطلقاً كما قدّمنا.

ثم إنّه ليس في المتن و عبائر كثير تقييد الجواز بالابتداء، و قيّده به في الشرائع (1) معرباً عن عدم الخلاف بالمنع في غيره.

و ظنّي أن المراد به الاحتراز عمّا لو تصالح ابتداءً معهم علىٰ جزية رؤوسهم أو أراضيهم إحداهما، فلا يجوز له أخذ جزية أُخرى و لو موضوعة علىٰ غير ما وضع عليه الأُخرىٰ، كما تقدّم التصريح به في المنتهىٰ (2).

____________

(1) الشرائع 1: 328.

(2) المنتهىٰ 2: 966.

46

و نحوه الفاضل المقداد في شرح الكتاب فقال بعد نقل القولين مع الدليل من الطرفين-: و الأقوى أن نقول: إذا اتّفقوا هم و الإمام علىٰ قدر معيّن فأراد الإمام بعد ذلك تقسيطه علىٰ الرؤوس و الأموال جاز، و أمّا إذا أراد جعل جزية أُخرى علىٰ الأرض فلا يجوز للرواية (1). و أشار بها إلىٰ الصحيحين.

أقول: و في دلالتهما علىٰ ذلك أيضاً نظر، يظهر وجهه ممّا مرّ.

و في المسالك: أنه احترز بهذا القيد عمّا لو وضعها علىٰ رأس بعضهم و علىٰ أرض بعض آخر، فانتقلت الأرض التي وضعت عليها إلىٰ من وضعت علىٰ رأسه، فإنه يجتمع عليه الأمران، لكن ذلك ليس ابتداءً، بل بسبب انتقال الأرض إليه (2).

و فيه نظر: فإنّ الاحتراز به عن ذلك إنّما يتمّ لو قيّد للمنع به و ليس كذلك، فإنّه قد أطلق المنع أولًا، ثم نقل قولًا بالجواز بهذا القيد فيقيّد المنع في غيره قولًا واحداً لا الجواز، كما لا يخفىٰ، ثم إنّ الجواز في غير الابتداء بالمعنى الذي ذكره غير واضح؛ لعدم وضوح دليل عليه، إلّا أن يكون إجماعاً، كما ربما يفهم منه و من غيره، بل نفىٰ الخلاف عنه بعض العلماء.

و إذا أسلم الذمي قبل حلول الحول سقطت عنه الجزية فلا يجب عليه أداؤها إجماعاً، كما في المنتهىٰ (3).

و لو كان إسلامه بعده و قبل الأداء لها فقولان: أشبههما السقوط أيضاً و هو أشهر، بل لا يكاد فيه خلاف يعتدّ به يظهر، إلّا من

____________

(1) التنقيح الرائع 1: 576.

(2) المسالك 1: 157.

(3) المنتهىٰ 2: 968.

47

فحوى عبارة الحلبي المحكية في المختلف (1)، و لم يحكه فيه عن أحد غيره، حتى الشيخ في الخلاف، بل أطلق مصيره إلىٰ الأوّل من غير تقييد بما عدا الخلاف، لكن حكاه عنه في المنتهىٰ، و ولده في الإيضاح (2).

و كيف كان فلا ريب في ندرة هذا القول، و ضعف مستنده من الأصل، لوجوب تخصيصه بحديثي الجبّ و نفي الجزية عن المسلم المجمع عليهما من أصلهما، و المعتضدين هنا بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، بل الإجماع في الغنية (3).

و إطلاق النصّ و الفتوىٰ يقتضي عدم الفرق بين ما لو أسلم لإسقاطها و عدمه و به صرّح جماعة (4).

خلافاً لبعضهم (5)، فأحتمل الفرق بينهما بالسقوط في الصّورة الثانية دون الاولى.

و هو ضعيف جدّاً.

و تؤخذ الجزية من تركته لو مات بعد الحول ذميا بلا خلاف فيه بيننا كما يظهر من المنتهىٰ (6)؛ للأصل السليم عن المعارض، عدا بعض القياسات العامية.

[الشروط]

أمّا الشروط فهي علىٰ ما ذكر هنا خمسة:

قبول الجزية.

____________

(1) المختلف: 335.

(2) المنتهىٰ 2: 968، إيضاح الفوائد 1: 386.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 584.

(4) منهم: العلّامة في المنتهىٰ 2: 968، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 158.

(5) كالشيخ في التهذيب 4: 135.

(6) المنتهىٰ 2: 967.

48

و أن لا يؤذوا المسلمين، كالزنا بنسائهم و اللواط بأطفالهم و السرقة لأموالهم و نحو ذلك.

و أن لا يتظاهروا بالمحرّمات كشرب الخمر و الزنا و نكاح المحرّمات من الأخوات و بناتهن و بنات الأخ.

و أن لا يُحدثوا كنيسةً و لا يضربوا ناقوساً و لا يعلوا بناءً.

[و أن تجري عليهم أحكام الإسلام] (1). و زاد جماعة (2) سادساً، و هو: أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان، مثل العزم علىٰ حرب المسلمين، و إمداد المشركين.

و إنّما لم يذكره الماتن هنا و كثير؛ لأنّه من مقتضيات العقد، و لذا لم يجب اشتراطه فيه، كما في المنتهىٰ. و ينقض بالإخلال به و لو لم يشترط فيه، كما فيه، و فيه نفي الخلاف عن لزوم ذكر الشرط الأول و الخامس فيه، و انتقاضه بالإخلال بأحدهما مطلقاً (3).

و ظاهره عدم لزوم ذكر الشروط الأُخر، و أنّه ممّا ينبغي، و عدم انتقاض الذمة بالإخلال بها كلا أو بعضاً إلّا مع الشرط، فيفعل بهم ما يوجبه شرع الإسلام من حدّ أو تعزير. و هو خيرته في جملة من كتبه (4) تبعاً للماتن في الشرائع (5)، و تبعهما شيخنا في المسالك و الروضة (6).

____________

(1) أضفنا هذه الفقرة من المختصر المطبوع.

(2) منهم: الماتن في الشرائع 1: 329، و الشهيد في الدروس 2: 34، و المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 7: 439.

(3) المنتهىٰ 2: 969.

(4) كالتذكرة 1: 443، و التحرير 1: 150.

(5) الشرائع 1: 329.

(6) المسالك 1: 158، الروضة 2: 389.

49

خلافاً لظاهر المتن و اللمعة، فظاهرهما الانتقاض به مطلقاً (1)، و به صرّح في الدروس (2) وفاقاً للنهاية و السرائر و الغنية (3)، و فيها الإجماع فتوى. و في الأوّلين الإجماع رواية (4). فقالا: و روى أصحابنا: أنهم متى ما تظاهروا بشرب الخمر، و أكل لحم الخنزير، و نكاح المحرّمات في شرعنا و الربا، نقضوا بذلك العهد.

و لعلّهما أرادا بها الصحيح «أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قبل الجزية من أهل الذمة علىٰ أن لا يأكلوا الربا، و لا يأكلوا لحم الخنزير، و لا ينكحوا الأخوات و لا بنات الأخ و لا بنات الأُخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمّة اللّٰه تعالىٰ و ذمّة رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)» (5). و في دلالته علىٰ حصول النقض بالإخلال بها مطلقاً نظر.

نعم هو نصّ في ذلك مع الشرط. فيردّ به ما عن الشيخ- ((رحمه الله)) من عدم النقض به مطلقاً و لو مع الشرط (6) سيّما مع ندرته و دعوىٰ الإجماع منه و من غيره علىٰ خلافه. فلولاه لكان القول بالتفصيل بين الإخلال مع الشرط فالنقض و بدونه فالعدم، متوجهاً.

و يلحق بذلك البحث في الكنائس و المساجد و المساكن.

____________

(1) اللمعة (الروضة البهية 2): 388.

(2) الدروس 2: 34.

(3) النهاية: 292، السرائر 2: 7، الغنية (الجوامع الفقهية): 584.

(4) الظاهر أن مراده من الأولين النهاية و السرائر، و العبارة موجودة في السرائر 1: 474، و لم نجدها في النهاية، بل هي موجودة في المبسوط 2: 44 من دون ذكر لفظ الربا.

(5) الفقيه 2: 27/ 97، التهذيب 6: 158/ 284، الوسائل 15: 124 أبواب جهاد العدو ب 48 ح 1.

(6) انظر المختلف: 335.

50

فنقول: لا يجوز لأهل الكتاب استئناف البِيَع بكسر الموحدة و تحريك المثناة [الياء: جمع بيعة النصارى و معبدهم، كسدرة و سدر.

و الكنائس جمع كنيسة، و هي معبد اليهود كما هو ظاهر الأصحاب. و قيل: النصارى أيضاً كما عن الصحاح (1)، لكن من غير ذكر اليهود، و نحوه فيه غيره.

و علىٰ هذا فيكون معبد اليهود مخلّاً بذكره، و كان عليه التنبيه عليه بذكر باقي المعابد كصومعة الراهب و غيرها من أنواع البيوت المتخذة لصلاتهم و عباداتهم، لاشتراك الجميع في الحكم في المنع عن إحداثها في بلاد الإسلام سواء أنشأها المسلمون و أحدثوه ككوفة و بغداد و بصرة، و سرّمنرأى فيما ذكره جماعة (2)، و فتحوها عنوةً أو صلحاً علىٰ أن يكون لنا و لم يشترط لهم السكنى فيها، بلا خلاف في الأُولىٰ بين العلماء، كما في صريح المنتهىٰ (3) و ظاهر السرائر، و فيه التصريح بأنّه لا يجوز أن يقرّهم علىٰ ذلك و أنّه إن صالحهم علىٰ ذلك بطل الصلح بلا خلاف (4).

و كذا في الثانية، كما في التحرير (5).

و في المسالك و الدروس الإجماع في الأُولىٰ (6)؛ و هو الحجة، مضافاً إلىٰ عدم خلاف فيها و لا في غيرها لا ظاهراً و لا محكياً؛ و ما في المنتهىٰ

____________

(1) الصحاح 3: 972.

(2) منهم: العلّامة في المنتهىٰ 2: 972، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 158.

(3) المنتهىٰ 2: 972.

(4) السرائر 1: 475.

(5) التحرير 1: 152.

(6) المسالك 1: 158، الدروس 2: 39.

51

و غيره: من أنّ هذا البلد للمسلمين و هو ملك لهم، فلا يجوز لهم أن يبنوا فيه مجامع الكفر (1). لكنه لا يفي بما هو ظاهر الأصحاب من إطلاق المنع و عمومه لما إذا أقرّهم علىٰ ذلك الإمام، و به وقع التصريح في السرائر (2).

و نحوه فيه الخبر المرويّ في المنتهىٰ عن ابن عباس أنّه قال: أيّما مصر مصره العرب فليس من أهل الذمّة أن يبني فيه بيعة، و ما كان قبل ذلك فحق علىٰ المسلمين أن يقرّ لهم (3).

و في حديث آخر: «أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، و لا يضربوا فيه ناقوساً، و لا يشربوا فيه خمراً، و لا يتخذوا فيه خنزيراً» (4). مضافاً إلىٰ عدم حجية الخبر و وهنه.

و كلّ موضع لا يجوز لهم إحداث شيء من ذلك يزال لو استحدث كما هنا و في كتب الفاضل (5)، من غير ظهور خلاف فيه و لا نقله.

و احترز بالاستئناف عمّا لو كان موجوداً في الأرض قبل أن يمصّره المسلمون، فإنه يقرّ علىٰ حاله، مثل كنيسة الروم في بغداد، فإنّها كانت في قرىٰ لأهل الذمّة و أقرّت علىٰ حالها، كما صرّح به جماعة و منهم شيخنا في المسالك و العلّامة في المنتهىٰ من غير نقل خلاف فيه أصلًا (6).

و يعضده مضافاً إلىٰ الخبر السابق الأصل و اختصاص المانع من النص و الفتوىٰ بالإحداث.

____________

(1) المنتهىٰ 2: 972؛ و أُنظر التذكرة 1: 445.

(2) السرائر 1: 475.

(3) المنتهىٰ 2: 972.

(4) المنتهىٰ 2: 972 و فيه: مصَّرَه النبي (صلى الله عليه و آله).

(5) كالإرشاد 1: 351، و التحرير 1: 152، و المنتهىٰ 2: 973.

(6) المسالك 1: 158، المنتهىٰ 2: 972.

52

و منه يظهر الوجه فيما أشار إليه بقوله: و لا بأس بما إذا كان من ذلك عاديا أي قديماً قبل الفتح و لم يهدمه المسلمون.

و عزاه في المسالك إلىٰ المشهور قال: و لم ينقل المصنف و الأكثر في ذلك خلافاً، و نقل في التذكرة أقول: و في التحرير و المنتهىٰ (1) أيضاً عن الشيخ أنّه لا يجوز إبقاؤه؛ لما تقدّم من الدليل علىٰ المنع عن الإحداث، و العمل علىٰ المشهور، و قد فتح الصحابة كثيراً من البلاد عنوةً و لم يهدموا شيئاً من الكنائس، و حصل الإجماع علىٰ ذلك، فإنّها موجودة في بلاد الإسلام من غير نكير. و تردّد في التذكرة حيث نقل المنع عن الشيخ ساكتاً عليه (2).

أقول: و كذا في كتابيه المتقدمين.

و لكن لا وجه له سيّما مع عدم وضوح دليل علىٰ المنع سوىٰ، ما قدّمنا، و ليس بجارٍ هنا كما مضى.

و كذا لا بأس بما أحدثوه في أرض الصلح علىٰ أن تكون الأرض لهم أو لنا و شرط لهم السكنى فيها و أن يحدثوا فيها كنائس و بيعاً و نحوهما.

و به صرّح جماعة، و منهم السرائر و المنتهىٰ من غير نقل خلاف فيه أيضاً، و لا في أنه إن شرط عليهم أن لا يحدثوا شيئاً أو يخربوها جاز ذلك أيضاً، و إن لم يشترط لم يجز لهم تجديد شيء (3).

و في المنتهىٰ: إذا شرط لهم التجديد و الإحداث فينبغي أن يعيّن

____________

(1) التذكرة 1: 445، التحرير 1: 152، المنتهىٰ 2: 972.

(2) المسالك 1: 158.

(3) السرائر 1: 475، المنتهىٰ 2: 973؛ و أُنظر المبسوط 2: 46.

53

مواضع البيع و الكنائس. و كل موضع لا يجوز لهم إحداث شيء فيه إذا أحدثوا فيه جاز نقضه و تخريبه. و كل موضع لهم إقراره لا يجوز هدمه، فلو انهدم هل يجوز إعادته؟ تردّد الشيخ في المبسوط في ذلك. ثم نقل الخلاف في ذلك و التردّد أيضاً عن العامة، و لم يرجّح شيئاً. و قال بعد ذلك-: قد وقع الاتفاق علىٰ جواز رمّ ما يشعب منها و إصلاحه (1).

و لعلّه المستند في قوله: و يجوز رَمّها مضافاً إلىٰ الأصل و كونه من مقتضيات عقد الصلح.

و لا يجوز أن يُعلي الذمّي بنيانه فوق بنيان المسلم بلا خلاف فيه ظاهراً، بل عليه الإجماع في المسالك و المنتهىٰ (2)، و فيه للنبوي: «الإسلام يعلو و لا يُعلىٰ عليه» (3).

و ظاهر المتن و صريح الشرائع عدم المنع من المساواة (4). و هو خلاف ظاهر النصّ و الأكثر، كالشيخ و جمع ممّن تأخر، و منهم الحلّي و الفاضل و الشهيدان و غيرهم (5) و لعلّه الأظهر.

و مقتضى إطلاق النصّ و الفتوىٰ عدم الفرق في المنع بين كون بناء الجار معتدلًا، أو في غاية الانخفاض حتى لو كان نحو السرداب، لكن استثناه الشهيدان. قال في المسالك: لعدم صدق البناء (6).

____________

(1) المنتهىٰ 2: 973.

(2) المسالك 1: 158، المنتهىٰ 2: 973.

(3) الفقيه 4: 243/ 778، الوسائل 26: 14 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 11.

(4) الشرائع 1: 332.

(5) الشيخ في المبسوط 2: 46، الحلي في السرائر 1: 476، العلّامة في المنتهىٰ 2: 973، الشهيد الأول في الدروس 2: 35، الشهيد الثاني في المسالك 1: 159؛ و أُنظر جامع المقاصد 3: 463.

(6) المسالك 1: 159.

54

و هو حسن لو علّق المنع في النصّ علىٰ صدق البناء، و ليس كذلك كما ترى و إنما ذلك في الفتوىٰ و هو علىٰ تقدير حجّيّته لا يفيد الجواز في غيره ممّا يدخل في عموم المنع المستفاد من النصّ.

و منه يظهر أنّ المعتبر فيه ما يصدق عليه العلوّ عرفاً من بناء أو هواء، لا خصوص البناء كما قطع به الشهيد الأول و احتمله الثاني (1).

و يظهر الفائدة فيما لو كان بيت الذمّي علىٰ أرض مرتفعة و دار المسلم في منخفضة، فعلى ما ذكره الشهيدان يجوز للذمّي أن يرتفع بحيث لا يبلغ طول حائط المسلم، و علىٰ غيره يعتبر ارتفاع الأرض عن المسلم من جملة البناء، و جوّزا مع الانعكاس أن يرتفع الذمّي إلىٰ أن يقارب دار المسلم و إن أدّى إلىٰ الإفراط في الارتفاع.

ثم إنّ الظاهر أنّ المنع من ذلك إنّما هو لحقّ الدين، لا لمحض الجار بحيث يسقط مع رضاه. و أنّه لا يجب أن يكون أقصر من بناء المسلمين بأجمعهم في ذلك البلد، و إنما يلزمه أن يقصر عن بناء محلّه، كما صرّح به في السرائر و المنتهىٰ و غيرهما من غير نقل خلاف فيه أيضاً (2).

و يقرّ ما ابتاعه من مسلم علىٰ حاله و إن كان عالياً.

و كذا لو كان للذمّي دار عالية فاشترىٰ المسلم داراً إلىٰ جنبها أقصر منها، أو بنىٰ المسلم داراً إلىٰ جنبها أقصر منه فإنه لا يجب علىٰ الذمّي هدم علوّه، بلا خلاف في شيء من ذلك يظهر و لا ينقل.

و لو انهدم دار الذمّي العالية فأراد تجديدها فكالمستحدثة لم يعل به علىٰ المسلم إجماعاً، و لم يساو علىٰ الخلاف.

____________

(1) الشهيد الأول في الدروس 2: 35، الشهيد الثاني في المسالك 1: 159.

(2) السرائر 1: 476، المنتهىٰ 2: 973؛ و أُنظر التحرير 1: 152.