رياض المسائل - ج11

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
485 /
5

بسم الله الرحمن الرحيم

و به ثقتي و عليه توكّلي الحمد للّٰه ربّ العالمين، و صلّى اللّٰه على محمّدٍ و آله الطاهرين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[كتاب النكاح]

كتاب النكاح هو في اللغة: الوطء، على الأشهر كما نُقل (1)، بل عليه الإجماع في المختلف (2) (3)، و هو الظاهر من الجوهري (4) كغيره من أهلها (5)، إلّا أنّ المحكيّ عن الراغب استحالته (6).

و عن أبي القاسم الزجّاج: اشتراكه بينه و بين العقد (7). و هو الظاهر من غيره أيضاً (8).

و ربما قيل بمجازيّته فيهما؛ لأخذهما من الضمّ و الاختلاط

____________

(1) نقله في كشف اللثام 2: 6.

(2) المختلف: 523.

(3) و عن الإيضاح 3: 3. منه (رحمه الله).

(4) كما في الصحاح 1: 413.

(5) الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1: 263، الطريحي في مجمع البحرين 2: 421.

(6) راجع المفردات: 505.

(7) نقله عنه في المغرب 2: 228.

(8) تهذيب اللغة 4: 103، المغرب 2: 228.

8

و الغلبة (1).

و ردّ بعدم منافاة التجوّز باعتبار أصله الحقيقة فيهما، أو في أحدهما في عرف اللغة (2).

مضافاً إلىٰ كون إطلاقه على الوطء باعتبار وجود أحد المعاني فيه، و هو لا ينافي الحقيقة.

و يتوجّه على الأول: أنّ عدم المنافاة فرع وجود الدليل على الدعوى، و ليس، فالأصل عدم النقل.

و على الثاني: أنّه يتوقّف صحّته على إرادة ما ذكر من حاقّ اللفظ و الخصوصيّة من الخارج، و ليس الكلام فيه، بل هو في استعماله في المركّب منهما، و هو غير الأصل، فيكون مجازاً.

و في الشرع: العقد خاصّة، على الأشهر كما حكي (3)، بل عن الشيخ و الحلّي و الإيضاح دعوى الإجماع عليه (4)، و هي الحجّة فيه، مع أصالة عدم النقل إن قلنا باتحاد اللغة معه، و غلبة استعماله في الشرع كذلك، حتى قيل:

إنّه لم يرد في القرآن بذلك إلّا قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (5) لاشتراط الوطء في المحلّل (6). و فيه نظر.

____________

(1) قال به الفيومي في المصباح المنير: 624.

(2) كشف اللثام 2: 6.

(3) حكاه في كشف اللثام 2: 6.

(4) عدّة الأُصول 1: 170، السرائر 2: 524، الإيضاح 3: 2، إلّا أنّه ليس في العدّة و الإيضاح دعوى الإجماع عليه.

(5) البقرة: 230.

(6) حكاه في إيضاح الفوائد 3: 3، جامع المقاصد 12: 7، الحدائق 23: 19، المسالك 1: 430.

9

و هي (1) أمارة الحقيقة؛ لإيراثها التبادر، لا لصحّة النفي في مثل: «هذا سفاحٌ و ليس بنكاح»؛ لاحتمال الاعتماد على القرينة كما فيه.

و قيل بالعكس؛ للأصل، بناءً على كونه لغةً كذلك (2).

و قيل بالاشتراك بينهما؛ للاستعمال و الأصل فيه الحقيقة و لقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ (3) لدخول الأمرين فيه (4).

و يضعّف الأول بعد تسليم الثبوت لغة كذلك-: بتخصيص الأصل بما مرّ.

و الثاني: بأعميّة الاستعمال، و عدم الدليل على إرادتهما معاً من الآية.

و تساويهما في الحكم على تقدير تسليمه غير ملازم لذلك. هذا على القول بجواز استعمال المشترك في معنييه، و إلّا فهو باطلٌ من أصله.

و أقسامه أي الكتاب ثلاثة و إنّما قلنا ذلك للزوم أن يلغو الظرف في قوله: «الأول: في الدائم» على تقدير رجوع الضمير إلىٰ النكاح.

[الأول في الدائم]

الأول: في النكاح الدائم.

و هو يستدعي فصولًا:

____________

(1) أي الغلبة.

(2) كما حكاه عنه في كشف اللثام 2: 6.

(3) النساء: 22.

(4) حكاه في كشف اللثام 2: 6.

10

[الأول في صيغة العقد، و أحكامه و آدابه]

الأول:

في صيغة العقد، و أحكامه و آدابه

[الصيغة]

أمّا الصيغة التي لا بُدّ هنا منها بإجماع علماء الإسلام ف هي: الإيجاب و القبول و يشترط في الأول: النطق بأحد الألفاظ الثلاثة التي هي: زوّجتك، و أنكحتك، و متّعتك و الاكتفاء بأحد الأوّلَين مجمعٌ عليه، كما في الروضة و عن التذكرة (1) و غيرهما (2)، و ورد بهما القرآن العزيز (3).

و بالثالث مختلفٌ فيه، فالأكثر و منهم الإسكافي و المرتضى و أبو الصلاح و ابن حمزة و الحلّي (4) كما حُكي (5) على المنع؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل على المتيقّن، و التفاتاً إلى عدم ورود التعبير به في الدائم في شيء من الأخبار؛ لانحصار التعبير عنه فيها في الأوّلَين.

خلافاً للمتن و الشرائع و الإرشاد و النهاية (6)؛ لعدم النصّ على حصر لفظه في شيء، مع دلالته على المقصود، و كونهِ (7) من ألفاظ النكاح؛ لكونه

____________

(1) الروضة 5: 108، التذكرة 2: 581.

(2) انظر كشف اللثام 2: 12، و التنقيح الرائع 3: 7.

(3) القصص: 27 الأحزاب: 37.

(4) نقله عن الإسكافي في المختلف: 533، المرتضىٰ في الناصريات (الجوامع الفقهية): 210، أبو الصلاح في الكافي: 293، ابن حمزة في الوسيلة: 291، الحلي في السرائر 2: 550.

(5) و عن ظاهر السيد في الطبريات (نقله عن كشف اللثام 2: 12) الإجماع عليه. منه (رحمه الله).

(6) الشرائع 2: 273، الإرشاد 2: 6، النهاية: 450.

(7) أي لفظ المتعة.

11

حقيقةً في المنقطع منه و إن توقّف معه (1) على الأجل، كما لو عبّر بأحد الأولَين فيه و ميّزه به، فأصل اللفظ صالح للنوعين، فيكون حقيقةً في القدر المشترك بينهما، و يتميّزان بذكر الأجل و عدمه.

و حكمِ (2) جماعةٍ (3) تبعاً لروايةٍ بأنّه لو تزوّج متعةً و نسي ذكر الأجل انقلب دائماً (4)، و ذلك فرع صلاحيّة الصيغة له.

و في الجميع نظر؛ لعدم الاكتفاء في مثله بعدم النصّ على الحصر و مجرّد الدلالة على المقصود، و إلّا لاكتُفي بالإشارة المعربة عنه، و هو باطل إجماعاً.

و استلزام كونه حقيقةً في المنقطع مجازيّته في غيره مطلقاً (5) بمعونة أصالة عدم الاشتراك، فلا اشتراك معنويّاً.

و على تقدير كونه حقيقةً في القدر المشترك يستلزم مجازيّته في خصوص أحد الطرفين، و منه الدائم.

و دعوى إرادة الخصوصيّة من القرينة و هي عدم ذكر الأجل ممنوعة؛ لعدم الملازمة بينه و بين الدوام، كيف لا؟! و هو أوّل الكلام، فلا يكفي حينئذ؛ إذ لا يكفي ما يدلّ بالمجاز حذراً من عدم الانحصار.

و النقض بالأوّلين مدفوع بالوفاق، مع احتمال كون الاشتراك فيهما لفظيّاً، أو كونهما حقيقةً في الدائم مجازاً في المنقطع، فلا محذور.

هذا، بعد تسليم كونه (6) حقيقةً في القدر المشترك، و إلّا فالظاهر كونه

____________

(1) أي مع المنقطع.

(2) عطف علىٰ قوله: عدم النص. منه (رحمه الله).

(3) منهم الشيخ في النهاية: 450، القاضي في المهذب 2: 241، الحلبي في الكافي: 298.

(4) الوسائل 21: 47 أبواب المتعة ب 20.

(5) أي سواء كان الدائم أم القدر المشترك. منه (رحمه الله).

(6) أي لفظ المتعة. منه (رحمه الله).

12

حقيقةً في المنقطع خاصّة؛ للتبادر، و صحّة السلب عن الدائم، و منع القول المحكيّ لضعف دليله و القبول هو اللفظ الدالّ صريحاً على الرضا بالإيجاب مطلقاً وافقه لفظاً أم خالفه مع الموافقة له معنىً، اقتصر على لفظه أم اتبع بالإيجاب عندنا.

خلافاً لبعض من خالفنا في الاقتصار (1). و هو ضعيف.

و هل يشترط وقوع تلك الألفاظ المعتبرة في الأمرين بلفظ الماضي؟ الأحوط على بعض الوجوه، بل الأظهر الأشهر مطلقاً كما نُقل (2) نعم إمّا لأنّه صريحٌ في الإنشاء عرفاً عامّاً أو خاصّاً؛ لورود التعبير به شرعاً مجرّداً عن قرينة زائدة على قرينة التخاطب لا غير، فلا ينافيها (3) كونها للإخبار لغةً.

أو للاتّفاق على الوقوع به، فلا يعارَض بمثله ممّا هو بمعنى الإخبار؛ لبطلان القياس، و لزوم الاقتصار في المخالف على محلّ الوفاق.

خلافاً لمن سيأتي.

و لو أتى بلفظ الأمر قاصداً به الإنشاء المعتبر هنا، المعبّر عنه بالرضاء الباطني بالنكاح بالفعل كقوله أي الزوج و من في حكمه لها أو للولي و من في حكمه: زوِّجيني نفسك، أو زَوّجنيها، فقال:

زوّجتك، قيل: يصحّ القائل: الشيخ، و ابنا زهرة و حمزة، و الماتن في غير الكتاب (4).

____________

(1) كالشافعي على ما حكاه عنه في المغني و الشرح الكبير 7: 428.

(2) نقله الشهيد الثاني في المسالك 1: 442، و السبزواري في الكفاية: 154.

(3) أي الصراحة.

(4) الشيخ في المبسوط 4: 194، و الخلاف 4: 291، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 609، ابن حمزة في الوسيلة: 291، الماتن في الشرائع 2: 273.

13

كما في قضيّة سهل الساعدي المشهورة، المرويّة بطرق من الخاصّة و العامّة، و فيها الصحيح: إنّ رجلًا سأل النبيّ (صلى الله عليه و آله) تزويج امرأة، فقال: زَوّجنِيها، فسأله عمّا يصدقها به إلىٰ أن قال:

«زوّجتك بما معك من القرآن» (1). و ليس فيها في شيء من الطرق إعادة القبول، مع أنّ الأصل عدمها.

و الأقوى: المنع، وفاقاً للأكثر، و منهم: السرائر و الجامع و المختلف و ابن سعيد (2) و اللمعة و الروضة (3)؛ عملًا بأصالة الحرمة، و استضعافاً للرواية بعدم الصراحة و الظهور التامّ، الذي هو المناط لتخصيص مثلها (4).

و اختصاصها بالقبول مع وقوع التصريح فيها بالماضي في الإيجاب، و هو و إن كان يندفع بالإجماع، إلّا أنّه لا يرفع الوهن الحاصل فيها به، المعتبر مثله في التعارض، الموجب لمرجوحيّة المشتمل عليه.

و قصورها عن المقاومة للأصالة المزبورة؛ لاشتهار العمل بها بين الطائفة، و اعتضادها بالاحتياط المأمور به في الشريعة.

نعم، قد لا يجامعها الاحتياط، بل يخالفها فيما إذا وقع العقد بما في الرواية، و لا ريب أنّه خلاف الاحتياط الحكم حينئذٍ بعدم الزوجيّة؛ لاحتمالها بالبديهة.

____________

(1) قال في المسالك 2: 443 كما ورد في خبر سهل الساعدي المشهور بين العامة و الخاصة، و رواه كل منهما في الصحيح. إلّا أنّا لم نقف عليه بهذا المتن في مصادر حديثنا. نعم، ورد بتفاوتٍ في عوالي اللئلئ 2: 263/ 8، المستدرك 14: 313 أبواب عقد النكاح ب 1 ح 4.

(2) كذا في النسخ، و لعلّه تكرار لسبق ذكر الجامع.

(3) السرائر 2: 574، الجامع للشرائع: 437، المختلف: 533، الروضة البهية 5: 109.

(4) أي مثل أصالة الحرمة.

14

و ممّا ذُكِرَ ظهر وجه تقييد الاحتياط في المتن ببعض الوجوه، و ينبغي مراعاته حينئذٍ أيضاً بعقد جديد بلفظ الماضي مع بقاء التراضي، و إجراء الطلاق مع العدم.

و لو أتى بلفظ المستقبل قاصداً به الإنشاء كقوله: أتَزوَّجُكِ و قالت: زَوَّجتُكَ نفسي قيل: يجوز القائل: العماني و الماتن في غير الكتاب (1)، و جماعة (2).

للروايات المستفيضة في تجويز مثله في عقد المتعة:

منها الموثّق: قال: «لا بُدّ أن يقول فيه هذه الشروط: أتَزَوَّجُكِ متعةً على كذا و كذا» الحديث (3).

و مثله الحسن: قال: «تقول: أتَزَوَّجُكِ متعةً على كتاب اللّٰه تعالىٰ و سنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله)» الخبر (4).

و مثلهما رواية أبان بن تغلب، المشار إليها بقوله: كما في خبر أبان عن مولانا الصادق (عليه السلام) في المتعة: «أتَزَوَّجُكِ متعةً .. فإذا قالت:

نعم .. فهي امرأتك (5) و كذا غيرها (6) المشترك معها في ضعف الإسناد، و الأوّلان و إن اعتبرا

____________

(1) نقله عن العماني في الحدائق 23: 163، الماتن في الشرائع 2: 273.

(2) منهم السبزواري في الكفاية: 154، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 12، و صاحب الحدائق 23: 164.

(3) الكافي 5: 455/ 2، التهذيب 7: 263/ 1138، الوسائل 21: 44 أبواب المتعة ب 18 ح 4.

(4) الكافي 5: 455/ 4، التهذيب 7: 263/ 1137، الوسائل 21: 43 أبواب المتعة ب 18 ح 2.

(5) الكافي 5: 455/ 3، التهذيب 7: 265/ 1145، الإستبصار 3: 150/ 551، الوسائل 21: 43 أبواب المتعة ب 18 ح 1.

(6) الكافي 5: 455/ 5، الوسائل 21: 44 أبواب المتعة ب 18 ح 3.

15

بحَسَبه إلّا أنّهما بالقطع، و عدم النسبة إلى إمام مشاركان لها فيه ايضاً، فلا يمكن الاستناد إليها في الجواز.

مضافاً إلى اختصاصها بالمتعة، و لا بُدّ من الدليل في التعدية إلى ما حكم به الجماعة، و فقده واضح بالبديهة.

فإذاً القول بالمنع في غاية القوّة؛ بالنظر إلى أصالة الحرمة، و عدم الدليل على الإباحة بهذه العبارة، وفاقاً للمختلف و ابني سعيد و حمزة و الشهيدين في اللمعة و الروضة (1).

نعم، مراعاة الاحتياط المتقدّم في الصورة المزبورة في سابق هذه المسألة محمودة في الشريعة. و القول بعدم الجواز في هذه المسألة أقوى منه في المسألة السابقة.

و لو قال مستفهمٌ للوليّ: زوَّجتَ بنتك من فلان؟ فقال: نعم بقصد إعادة اللفظ تقديراً، و إقامة «نعم» مقامه للإنشاء لا بقصد جواب الاستفهام فقال الزوج: قَبِلتُ، صحّ عند المصنّف هنا، و في الشرائع على تردّد (2)، وفاقاً للشيخ و ابن حمزة، و العلّامة في الإرشاد قطعاً، و في القواعد مستشكلًا (3).

لأنّه يتضمّن السؤال و جارٍ مجراه اتّفاقاً، فكأنّه قال: زوَّجْتُها منه، و ربما يرشد إليه خبر أبان المتقدّم و غيره.

و التردّد و الاستشكال لضعف الرواية و اختصاصها بالمتعة، و التأمّل في

____________

(1) المختلف: 533، ابن سعيد في الجامع للشرائع: 437، ابن حمزة في الوسيلة: 291، الروضة البهية 5: 109.

(2) الشرائع 2: 273.

(3) الشيخ في المبسوط 4: 193، ابن حمزة في الوسيلة: 291، الإرشاد 2: 6، القواعد 2: 4.

16

أنّ حكمَ الصّريح في الشيء حكمهُ شرعاً.

مضافاً إلى أنّ مقتضى تضمّنه السؤال إفادته الإخبار الخالي عن الإنشاء، بناءً على تضمّن السؤال الاستخبار عن وقوع المسئول في الماضي، و مراعاة التطبيق بينه و بين الجواب يستلزم كونه إخباراً عن الوقوع، لا إنشاءً للتزويج، فلو صرّح به فيه لارتفع التطابق اللازم المراعاة، و من هنا يمكن أن يقال بعدم وقوع التزويج لو أبدل «نعم» بالصريح (1).

فالأقوى: المنع، تبعاً للأكثر كما في المسالك (2)؛ عملًا بالأصل الخالي عن المعارض.

و لا يشترط تقديم الإيجاب على القبول في المشهور، بل عليه الإجماع عن المبسوط و السرائر (3)؛ و هو الحجّة في تخصيص الأصل.

لا التعليل بأنّ العقد هو الإيجاب و القبول، و أنّ الترتيب كيف اتفق غير مخلٍّ بالمقصود.

و أنّه يزيد النكاح على غيره بأنّ الإيجاب من المرأة، و هي تستحيي غالباً من الابتداء به، فاغتُفِرَ هنا و إن خولف في غيره؛ لعدم الدليل على الاغتفار.

لعدم ما يدلّ على كفاية الاستحياء، مع أنّه أخصّ.

و كون الأوّل مصادرة، إلّا على تقدير عمومٍ دالٍّ على كفاية حصول المقصود باللفظين بأيّ وجهٍ اتفق، و فقده ظاهر. و لذا رجعوا إلى الأصل في كل ما اختُلِفَ في صحّته مع عدم قيام دليلٍ عليها، و على تقدير وجوده لزم أن يكون الأمر بالعكس، فتدبّر.

____________

(1) أي زوَّجتُ.

(2) المسالك 1: 444.

(3) المبسوط 4: 194، السرائر 2: 574.

17

ثم إنّه يعتبر حيثما قدّم القبول كونه بغير: قبلتُ و رضيتُ، ك:

نكحتُ و تزوّجتُ، و هو حينئذٍ بمعنى الإيجاب؛ و ذلك لعدم صدق المعنى بذلك.

و يجب إيقاع الركنين بالعربيّة و لا تجزي الترجمة عنهما أو أحدهما بمثل الفارسيّة مع القدرة على النطق على الأشهر الأظهر، بل اتّفاقاً منّا كما عن المبسوط و التذكرة (1).

لتوقيفيّة العقود، و لزوم تلقّيها من الشارع، و ليس ما وصل إلّا ما ذُكِر، مع الأصل و الاحتياط في الفروج.

و احتمالُ كون اقتصاره بذلك لكونه عرفه و اصطلاحه فلا يمنع عن جواز غيره، حسنٌ مع قيام دليلٍ على صحّته عموماً أو خصوصاً، و فقدهما ظاهر، فإجازة ابن حمزة ذلك ضعيفة، لكن مع استحباب العربيّة (2).

و تجزئ كما قطع به الأصحاب كما حكي (3) مع العذر كالمشقّة الكثيرة في التعلّم، أو فوات بعض الأغراض المقصودة كالأعجم و لا فرق في ذلك بين العجز عن الركنين أو أحدهما، و لكن تختصّ الرخصة في الأخير بالعاجز، و يُلزَم بالعربيّة غيره، و يصحّ حينئذٍ أيضاً كما في اختلاف الترجمتين، بشرط فهم كلّ منهما كلام الآخر، و لو بمترجمين عدلين، أو عدل واحد في وجهٍ قوي، و ذلك مع عدم حصول القطع بإخباره، و معه فلا ريب في كفايته.

و الأصل في المسألة بعد حكاية الإجماع فحوى اجتزاء الأخرس

____________

(1) المبسوط 4: 194، التذكرة 2: 582.

(2) ابن حمزة في الوسيلة: 291.

(3) الحاكي هو الفاضل الهندي في شرح القواعد (كشف اللثام 2: 12). منه (رحمه الله).

18

بالإشارة في الطلاق، مع لزوم الحرج في الاقتصار بالعربيّة و لو في الجملة، فلا وجه لإيجاب التوكيل، و لا سيّما في مقابلة الأصل بالمرّة (1).

و كذا تجزئ الإشارة المفهمة للآخر المراد للأخرس مطلقاً، موجِباً كان أو قابلًا أو هما معاً، أصليّاً كان أو طارئاً؛ لقطع الأصحاب به هنا أيضاً كما حكي (2)، و للضرورة، مع أصالة عدم لزوم التوكيل، مضافاً إلى عدم تعارفه، و التأيّد بالاكتفاء بها في الطلاق.

[أمّا الأحكام، فمسائل]

و أمّا الأحكام، فمسائل أربع:

[الاولى لا حكم لعبارة الصبي]

الاولى: لا حكم لعبارة الصبي و الصبيّة مطلقاً (3) و لا المجنون و المجنونة كذلك و إن كان أدواريّاً، بشرط عدم الإفاقة حين العقد.

للأصل، مع عدم الدليل على اعتبارها، مضافاً إلىٰ فقد القصد الباطني المشترط في الصحّة إجماعاً في بعض الصور.

و لا السكران مطلقاً، موجباً كان أو قابلًا، أجاز بعد الإفاقة أم لا، على أصحّ القولين و أشهرهما؛ لعين ما ذُكِر.

و ليس في صورة الإجازة من الفضولي فيلحق به لعموم أدلّة جوازه؛ لاختصاصه بالصحيح لا الفاسد من أصله. و على تقدير كونه منه يمنع الإلحاق بمنع العموم؛ لاختصاص المصحّح له بما ذكرنا، فلا يقيّد الأصل إلّا بدليل.

____________

(1) و في الكفاية (155) نقل الاتّفاق ظاهراً على عدم وجوب التوكيل. منه عفي عنه و عن والديه.

(2) الحاكي هو الفاضل الهندي في شرح القواعد (كشف اللثام 2: 12). منه (رحمه الله).

(3) أي مميّزاً كان أم غيره، و خصّهما الولي في إجراء الصيغة أم لا، أجاز بعده أم لا. منه (رحمه الله).

19

و لكن ورد في رواية صحيحة عمل بها الشيخ في النهاية و تبعه ابن البرّاج (1): أنّه إذا زوّجت السَّكرى نفسها، ثم أفاقت فرضيت، أو دخل بها فأفاقت و أقرّته، كان ماضياً (2) إلّا أنّها لمخالفتها الأُصول القطعيّة، المعتضدة في خصوص المقام بالشهرة العظيمة، لا يجوز التعويل عليها في مقابلتها و تخصيصها بها؛ مع أنّ المذكور فيها الإنكار بعد الإفاقة، الملازم لعدم الرضاء بالصحّة، نعم تضمّنت الإقامة معه بعده لمظنّة اللزوم، إلّا أنّها مع عدم معلوميّة كونها الرضاء المعتبر غير نافعة بعد الإنكار.

فلا يمكن الإلحاق بالفضولي من هذا الوجه أيضاً، فطرحها رأساً أو حملها على ما في المختلف (3) و غيره (4) و إن بَعُدَ متعيّن.

[الثانية لا يشترط حضور شاهدين]

الثانية: لا يشترط في صحّة العقد حضور شاهدين عدلين مطلقاً، دائماً كان أو منقطعاً، تحليلًا أو ملكاً؛ لعموم بعض النصوص (5)، مع الإجماع فيما عدا الأوّل. و لا ينافيه اختصاص الباقي أو التخصيص فيها بالأوّل؛ لوروده في مقام الردّ على جمهور الجمهور المعتبرين له فيه، فلا عبرة بمفهومه لو كان.

و هذا الحكم مشهور بين الأصحاب، بل كاد أن يكون إجماعاً، بل

____________

(1) النهاية: 468، ابن البراج في المهذب 2: 196.

(2) الفقيه 3: 259/ 1230، التهذيب 7: 392/ 1571، الوسائل 20: 294 أبواب عقد النكاح ب 14 ح 1.

(3) المختلف: 538.

(4) انظر السرائر 2: 571.

(5) التهذيب 7: 409/ 1635، الوسائل 20: 99 أبواب مقدمات النكاح ب 43 ح 6.

20

حكي صريحاً عن الانتصار و الناصريات و الخلاف و الغنية و السرائر و التذكرة (1) (2)، و النصوص به مستفيضة (3)، منها: الحسان بل الصحاح على الصحيح و الموثّقان.

ففي الحسن: في الرجل يتزوّج بغير بيّنة، قال: «لا بأس» (4).

خلافاً للحَسَن (5)، فاشترطه؛ للخبر: «التزويج الدائم لا يكون إلّا بوليّ و شاهدين» (6).

و هو مع ضعفه سنداً، و قصوره عن المقاومة لما تقدّم عدداً و اعتباراً محمولٌ على التقيّة، و يؤيّده كونه مكاتبة؛ مع إشعار متنه بذلك أيضاً، كتصريح غيره به، كالموثّق (7) و غيره (8).

نعم، يستحبّ ذلك؛ لدفع التهمة و تحقّق النسب و الميراث و القسم و النفقات، و به بعض المعتبرة (9).

و لا حضور وليّ مطلقاً إذا كانت الزوجة بالغةً رشيدةً، على

____________

(1) حكاه عنهم في كشف اللثام 2: 7، و هو في الانتصار: 118، الناصريات (الجوامع الفقهية): 210، الخلاف 4: 261، الغنية (الجوامع الفقهية): 610، السرائر 2: 550، التذكرة 2: 571.

(2) و التنقيح (3: 12)، و المسالك (1: 431). منه (رحمه الله).

(3) الوسائل 20: 97 أبواب مقدمات النكاح ب 43.

(4) الكافي 5: 387/ 3، الوسائل 20: 98 أبواب مقدمات النكاح ب 43 ح 4.

(5) و هو ابن أبي عقيل، على ما حكاه عنه في المختلف: 535.

(6) التهذيب 7: 255/ 1101، الإستبصار 3: 146/ 529، الوسائل 21: 34 أبواب المتعة ب 11 ح 11.

(7) التهذيب 6: 281/ 774، الإستبصار 3: 26/ 81، الوسائل 27: 360 أبواب الشهادات ب 24 ح 35.

(8) الوسائل 20: 97 أبواب مقدمات النكاح ب 43.

(9) الوسائل 20: 97 أبواب مقدمات النكاح ب 43 الأحاديث 1، 2، 3، 6، 8.

21

الأصحّ الأشهر، كما يأتي.

[الثالثة لو ادّعى زوجيّة امرأة، و ادّعت أُختها زوجيّته فالحكم لبيّنة الرجل]

الثالثة: لو ادّعى رجل زوجيّة امرأة، و ادّعت أُختها زوجيّته: فمع عدم البيّنة منهما و الدخول بالمدّعية، الحكم له في قطع دعواها مع اليمين، و كذلك معه (1) على الأظهر؛ لترجيح الأصل على الظاهر.

و لها مع الردّ، فتحلف على الدعوى، و على نفي العلم بما ادّعى.

و كذا الحكم له مع اختصاص البيّنة به، فيحلف معها. و قيل بعدم لزومه (2). و هو مشكل. و لا فرق فيه بين الدخول و العدم، كما تقدّم.

و مع اختصاصها بها فالحكم لها مع الحلف على نفي العلم.

و معها لهما مطلقاً (3)، فالحكم لبيّنة الرجل قيل: لرجحانها على بيّنتها؛ لإنكارها فعله الذي لا يعلم إلّا من قبله، فلعلّه عقد على الاولى قبل العقد عليها (4).

و فيه نظر، مضافاً إلى اختصاصه بصورة إطلاق البيّنتين، أمّا مع تأرّخهما بتاريخين متساويين فلا.

فالأصل في المسألة الخبر الذي ضعفه و لو من وجوه، بالشهرة بل و عدم الخلاف و الإجماع المحكيّ (5) قد انجبر-: في رجل ادّعى على امرأة أنّه تزوّجها بوليّ و شهود، و أنكرت المرأة ذلك، و أقامت أُخت هذه المرأة على هذا الرجل البينة أنّه تزوّجها بوليّ و شهود و لم توقّت وقتاً: «أنّ البيّنة

____________

(1) أي مع الدخول.

(2) الروضة 5: 132.

(3) أي سواء كانت البيِّنتان مطلقتين أو مؤرّختين بتأريخين متساويين. منه (رحمه الله).

(4) قال به الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 14.

(5) المسالك 1: 446.

22

بيّنة الزوج، و لا تقبل بيّنة المرأة؛ لأنّ الزوج قد استحقّ بضع هذه المرأة، و تريد أُختها فساد هذا النكاح، و لا تصدّق (1) و لا تقبل بيّنتها إلّا بوقت قبل وقتها أو دخول بها» (2).

و إشكال بعضهم فيه بأنّ الزوج منكر فلا وجه لتقديم بيّنته (3)؛ مدفوعٌ بصراحته بإنكار الاولى زوجيّته، فاعتبار بيّنته بالإضافة إليها لكونه مدّعياً في مقابلها.

و أمّا التقديم فلعلّه للرجحان المتقدّم، مع أنّه لا يمكن الجمع بين قضيّتهما؛ للتنافي، كذا قيل (4).

و هو حسن، إلّا في وجه التقديم، و فيه النظر السابق.

نعم، يتوجّه عليه حينئذٍ: أنّ الإشكال في التقديم إنّما هو من حيث ارتكابه بلا مرجّح لا من حيث إنّه منكر فلا وجه لتقديم بيّنته، ففيه المخالفة للقاعدة من هذه الجهة؛ و لذا يستشكل في انسحاب الحكم في مثل البنت و الأُمّ: من التساوي، و الخروج عن النصّ، و هو الأقوى، لا لما ذكره.

نعم، الإشكال من تلك الجهة أيضاً متوجّه على إطلاق (5) عبائر الأصحاب، إلّا أن يُخَصَّ بما في النص.

و ظاهر إطلاقه كإطلاق كلام الأكثر الاكتفاء في التقديم بالبيّنة من

____________

(1) ليست في «ص».

(2) الكافي 5: 562/ 26، التهذيب 7: 433/ 1729، الوسائل 20: 299 أبواب عقد النكاح ب 22 ح 1.

(3) كما في المسالك 1: 446.

(4) قال به الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 14.

(5) المشتمل لما إذا لم تكن المرأة الأُولىٰ منكرة. منه (رحمه الله).

23

دون يمين، و إلّا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

و ربما قيل بعدمه و لزوم ضمّها إليها؛ جمعاً بينه و بين القاعدة، فيحلف الرجل؛ من حيث إنّ بيّنته إنّما هي لإثبات ما ادّعاه على المرأة الأُولى، و بينه و بين أُختها دعوى اخرى، و هو منكر بالنسبة إليها، فلا بُدّ من اليمين لقطع دعواها، و لا يضرّ إقامتها البيّنة؛ لإمكان سبق العقد على الاولى (1). و هو أحوط، فتقدّم بيّنته معها.

إلّا أن يكون مع بيّنة المرأة المدّعية ترجيحٌ على بيّنة الرجل من دخول، أو سبق تاريخ فيحكم لها حينئذٍ مطلقاً، كما في ظاهر الخبر.

و ربما يشترط في المرجّح الأول حلفها على نفي العلم بما ادّعى؛ لاحتمال تقدّم العقد على الاولى، و لتعارض البيّنتين في أنفسهما بالنظر إلى المرأتين و إن كانت مدّعية خاصّة، و الدخول غايته رفع مرجّح بيّنته، فيبقى التعارض إلى أن تحلف. و ليس في ذلك خروجٌ عن النصّ؛ إذ غايته ترجيح البيّنة، و هو لا ينافي إيجاب اليمين، و هو كالسابق و إن خالف ظاهر الخبر، إلّا أنّه أحوط.

و لو عقد على امرأة، و ادّعى آخر زوجيّتها، لم يلتفت إلى دعواه، إلّا مع البيّنة فتقبل دعواه حينئذٍ لا مطلقاً، بلا خلاف؛ للنصوص:

منها الحسن: إنّ أخي مات و تزوّجت امرأته، فجاء عمّي فادّعى أنّه كان تزوّجها سرّاً، فسألتها عن ذلك فأنكرت أشدّ الإنكار، فقالت: ما كان بيني و بينه شيء قطّ، فقال: «يلزمك إقرارها و يلزمه إنكارها» (2).

____________

(1) انظر كشف اللثام 2: 14.

(2) الكافي 5: 563/ 27، الفقيه 3: 303/ 1452، الوسائل 20: 299 أبواب عقد النكاح ب 23 ح 1.

24

و الخبر: عن رجل تزوّج امرأة في بلد من البلدان، فسألها: أ لك زوج؟ فقالت: لا، فتزوَّجَها، ثم إنّ رجلًا أتاه فقال: هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج؟ فقال: «هي امرأته، إلّا أن يقيم البيّنة» (1).

و أمّا الموثّق الناهي عن القرب منها إن كان المدّعى ثقة (2)، فشاذّ، فحمله على الاستحباب متعيّن.

ثم إنّ مقتضى الأصل كإطلاق العبارة و النصوص الماضية انقطاع الدعوى بعدم البيّنة مطلقاً و لو لم تحلف المرأة، و لا خلاف فيه بالإضافة إلى نفي الزوجيّة للمدّعي.

و أمّا بالإضافة إلىٰ ما يترتّب عليه فكذلك؛ لما مرّ من الأصل و إطلاق النصّ.

خلافاً لجماعة، فأوجبوا اليمين عليها بالإضافة إلى هذا (3)؛ تمسّكاً بعموم: «اليمين على من أنكر» (4) فيخصّ به الأصل و إطلاق ما مرّ.

و فيه نظر؛ لعدم عمومٍ فيه يشمل ما نحن فيه؛ نظراً إلى أنّ المتبادر منه لزوم الحلف لقطع أصل الدعوى لا لوازمه، و العمدة في التعدية هو الإجماع، و ليس؛ لظهور إطلاق عبائر الأكثر فيما مرّ. و لكن الأحوط:

اليمين.

ثم ظاهر الحصر في العبارة: انحصار انقطاع الدعوى بالبيّنة، فلا يتحقّق بإقرار المرأة، و به صرّح جماعة (5)؛ و لعلّ الوجه فيه مع خلوّ

____________

(1) التهذيب 7: 468/ 1874، الوسائل 20: 300 أبواب عقد النكاح ب 23 ح 3.

(2) التهذيب 7: 461/ 1845، الوسائل 20: 300 أبواب عقد النكاح ب 23 ح 2.

(3) منهم الشهيد الثاني في الروضة 5: 124، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 14.

(4) غوالي اللئلئ 2: 258/ 10، ج 3: 523/ 22.

(5) منهم الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 14، و البحراني في الحدائق 23: 188.

25

النصوص الماضية عنه الأصل، و أنّه إقرارٌ في حقّ الغير، فلا يسمع.

[الرابعة لو كان لرجل عدّة بنات فزوّج واحدة و لم يُسَمِّها]

الرابعة: يشترط تعيين الزوج و الزوجة بالاسم، أو الإشارة، أو الوصف القاطع للشركة، إجماعاً؛ للأصل، و لزوم الضرر و الغرر بعدمه، المنفيّين بالأدلّة القطعيّة، و للصحيح الآتي في الجملة.

و يتفرّع عليه ما لو كان لرجل عدّة بنات فزوّج واحدة منهنّ و لم يُسَمِّها و لا ميّزها بغيره، فإن لم يقصد معيّنة بطل النكاح مطلقاً (1)، كبطلانه بقصده مع عدم قصد الزوج، أو قَصْده الخلاف؛ لعدم التعيين في شيء من ذلك.

و إن قصدا معيّنة ثم اختلفا في المعقود عليها بعد الاتّفاق على صحّة العقد، المستلزم لورود الطرفين على واحدة بالنيّة المتّفق عليها بينهما فيبطل أيضاً مطلقاً عند الحلّي و المسالك و الروضة (2)؛ لعين ما ذكر في الصور السابقة.

و يصحّ على الأظهر، وفاقاً للأكثر كما في المسالك (3)، و منهم: النهاية و القاضي و الفاضلان و اللمعة (4)، و غيرهم (5). لكن بشرط يأتي ذكره، لا مطلقاً.

فالقول قول الأب، و عليه أن يسلّم إليه التي قصدها في العقد إن

____________

(1) أعمّ من أن يكون الزوج قصد إحداهنّ أم لا. منه (رحمه الله).

(2) الحلي في السرائر 2: 573، المسالك 1: 446، الروضة 5: 113.

(3) المسالك 1: 445.

(4) النهاية: 468، القاضي في المهذب 2: 196، المحقق في الشرائع 2: 275، العلّامة في التحرير 2: 5، و القواعد 2: 4، و التذكرة 2: 584، اللمعة (الروضة) 5: 113.

(5) الكفاية: 155.

26

كان الزوج رَآهُنّ هذا شرط للتقديم، لا وجوب التسليم، و هو المراد بما وعدناه.

و إن لم يكن رَآهُنّ فالعقد باطل كما في الصحيح (1)، و عليه العمل؛ لصحّة سنده، مع عمل الأكثر بمضمونه، فتُخصَّص به القاعدة؛ لمخالفته لها بدلالته على صحّة العقد مع عدم التسمية مع الرؤية، و عدمها مع العدم. و مقتضاها البطلان مطلقاً مع الرؤية و عدمها.

و لا يتصوّر الفارق بينهما إلّا ما قيل من ظهور رضاء الزوج بتعيين الأب، و تفويضه ذلك إليه مع الرؤية، و عدمه مع عدمها فيبطل (2).

و هو مشكل؛ لأعمّية الرؤية من التفويض المدّعى، كأعمّية عدمها من عدمه.

و دعوى ظهورها فيه كدعوى ظهور عدمها في عدمه ممنوعة.

فالاعتذار بالتعبّدية أولى من ارتكاب التوجيه في الفَرْق بمثل ذلك.

و للمخالفة المزبورة طَرَحَه (3) الحلّي رأساً (4)؛ بناءً على أصله لكونه من الآحاد.

و لا وجه لطرحه سوى ذلك، فمتابعة شيخنا في المسالك (5) له فيه لا وجه لها، مع عدم موافقته له على أصله.

____________

(1) الكافي 5: 412/ 1، الفقيه 3: 267/ 1268، التهذيب 7: 393/ 1574.

(2) قال به المحقّق الثاني في جامع المقاصد 12: 81.

(3) أي الصحيح منه (رحمه الله).

(4) السرائر 2: 573.

(5) المسالك 1: 446.

27

[أمّا الآداب]

و أمّا الآداب.

فقسمان:

[الأول آداب العقد]

الأول: آداب العقد.

و هي أُمور:

منها: أنّه يُستحَبّ أن يتخيّر من النساء البكر للنصوص، منها: النبويّ: «تزوّجوا الأبكار، فإنّهنّ أطيبُ شيءٍ أفواهاً، و أدرُّ شيءٍ أخلافاً» بالفاء «و أحسنُ شيءٍ أخلاقاً، و أفْتَخُ (1) شيءٍ أرحاماً» (2).

و لأنّه أحرى بالموافقة و الائتلاف.

العفيفة فرجاً و غيره؛ للنصوص (3)، و حفظ النسب.

قيل: و لأنّ الإعراض عن الفاسقة ضربٌ من إنكار المنكر (4). و فيه نظر.

الكريمة الأصل الغير الناشئة هي و آباؤها و أُمّهاتها عن زناء و حيض و شبهه، البعيدة هي كوالدتها عن الألسن؛ للنصوص:

منها: النبويّ: «تخيّروا لنطفكم، و لا تضعوها في غير الأكفاء» (5).

____________

(1) بالخاء المعجمة، أي: ألين و أنعم، كما عن السرائر 2: 560. منه (رحمه الله).

(2) الكافي 5: 334/ 1، التهذيب 7: 400/ 1598، التوحيد: 395/ 10، الوسائل 20: 55 أبواب مقدمات النكاح ب 17 ح 1، 2 بتفاوت.

(3) الكافي 5: 324/ 1، الفقيه 3: 246/ 1167، التهذيب 7: 400/ 1597، الوسائل 20: 28 أبواب مقدمات النكاح ب 6 ح 2.

(4) قال به الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 6.

(5) سنن الدارقطني 3: 299/ 198 إلّا أنّ فيه: لا تضعوها إلّا في الأكفاء.

28

و في آخر: «إيّاكم و خضراء الدِّمَن» قيل: و ما خضراء الدِّمَن؟ قال:

«هي المرأة الحسناء في منبت السوء» (1).

و منها: أن يقصد السنّة و يراعي الأصل و العفّة، و لا يقصر على الجمال و المال و الثروة فربما حرمهما كما عن مولانا الصادق (عليه السلام): «إذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو مالها وُكِّل إلى ذلك، و إذا تزوّجها لدينها رزقه اللّٰه تعالى الجمال و المال» (2).

و منها: أن يصلّي مُريد التزويج قبل تعيين المرأة ركعتين و يحمد اللّٰه تعالى بعدهما و يسأل اللّٰه تعالى أن يرزقه من النساء أعفّهنّ فرجاً و أحفظهنّ له ما عليها نفساً و مالا و أوسعهنّ رزقاً، و أعظمهنّ بركة في نفسها و ولدها.

كما عن مولانا الصادق (عليه السلام): «إذا همَّ بذلك فليصلّ ركعتين، و يحمد اللّٰه تعالى و يقول: اللّهمّ إنّي أُريد أن أتزوّج، فقدّر لي من النساء أعفّهنّ فرجاً، و أحفظهنّ لي في نفسها و في مالي، و أوسعهنّ رزقاً، و أعظمهنّ بركة، و قدّر لي منها ولداً طيّباً تجعله خَلَفاً صالحاً في حياتي و بعد موتي» (3).

و يستحبّ الإشهاد و الإعلان في العقد، و لا يجب كما مرّ قريباً (4).

و الخُطبة بضمّ الخاء أمام العقد؛ للتأسّي، و أقلّها: الحمد للّٰه،

____________

(1) معاني الأخبار: 316/ 1، الوسائل 20: 35 أبواب مقدمات النكاح ب 7 ح 7.

(2) الكافي 5: 333/ 3، الفقيه 3: 248/ 1180، التهذيب 7: 403/ 1609، الوسائل 20: 49 أبواب مقدمات النكاح ب 14 ح 1.

(3) الكافي 5: 501/ 3، الفقيه 3: 249/ 1187، التهذيب 7: 407/ 1627، الوسائل 20: 113 أبواب مقدمات النكاح ب 53 ح 1.

(4) في ص: 19.

29

كما في بعض الأخبار (1)، و أكملها الخطب المرويّة عنهم (عليهم السلام)، و هي كثيرة (2).

و إيقاعه ليلًا فعن مولانا الرضا (عليه السلام): «من السنّة: التزويج بالليل؛ لأنّ اللّٰه تعالى جعل الليل سكناً، و النساء إنّما هنّ سكن» (3).

و يكره إيقاعه و القمر في برج العقرب؛ لقول الصادق (عليه السلام):

«مَن تزوّج و القمر في العقرب لم يرَ الحُسنى» (4).

و أن يتزوّج العقيم التي لم تلد، بل تستحبّ الولود، التي من شأنها ذلك بعدم يأسها و لا صغرها و لا عقمها.

قال (عليه السلام): «تزوّجوا بكراً ولوداً، و لا تزوّجوا حسناء جميلة عاقراً، فإنّي أُباهي بكم الأُمم يوم القيامة حتى بالسقط يظلّ مُحْبَنِطئاً (5) على باب الجنّة، فيقول اللّٰه عزّ و جلّ: أدخل الجنّة، فيقول: لا، حتى يدخل أبواي قبلي، فيقول اللّٰه تبارك و تعالى لمَلَكٍ من الملائكة: ائتني بأبويه، فيأمر بهما إلىٰ الجنّة، فيقول: هذا بفضل رحمتي لك» (6).

____________

(1) الكافي 5: 368/ 2، التهذيب 7: 408/ 1630، الوسائل 20: 96 أبواب مقدمات النكاح ب 41 ح 2.

(2) الوسائل 20: 97 أبواب مقدمات النكاح ب 42، المستدرك 14: 201 أبواب مقدمات النكاح ب 33.

(3) الكافي 5: 366/ 1، التهذيب 7: 418/ 1675، الوسائل 20: 91 أبواب مقدمات النكاح ب 37 ح 3.

(4) الفقيه 3: 250/ 1188، التهذيب 7: 407/ 1628، المقنعة: 514 (بتفاوت يسير)، الوسائل 20: 114 أبواب مقدمات النكاح ب 54 ح 1.

(5) المُحْبَنْطِئ: الممتلئ غضباً، و قيل: المغضِّب المستبطئ للشيء، و قيل: هو الممتنع امتناع طلب لا امتناع إباء انظر لسان العرب 7: 271، 272.

(6) الوسائل 20: 54 أبواب مقدمات النكاح ب 16 ح 1، و 55 ب 17 ح 1 و 2.

30

[القسم الثاني في آداب الخلوة]

القسم الثاني في آداب الخلوة و الدخول بالمرأة و هي أيضاً أُمورٌ أشار إليها بقوله:

[المستحبات من آداب الخلوة]

يستحبّ صلاة ركعتين إذا أراد الدخول، و الدعاء بعدهما، بعد أن يمجّد اللّٰه تعالىٰ، و يصلّي على النبيّ (صلى الله عليه و آله)، بقوله: «اللّهمّ ارزقني إلفها و ودّها و رضاها، و أرضني بها، و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و آنس ائتلاف، فإنّك تحبّ الحلال و تكره الحرام» أو غيره من الدعاء.

و أن يأمرها بذلك عند الانتقال فتصلّي ركعتين بعد الطهارة، و تدعو اللّٰه تعالى بمعنى ما دعا.

كلّ ذلك للصحيح (1).

و أن يجعل يده على ناصيتها و هي: ما بين النزعتين من مقدم الرأس عند دخولها عليه، مستقبل القبلة و يكونا على طهر و يقول:

«اللهمّ على كتابك تزوّجتُها، و في أمانتك أخذتها، و بكلماتك استحللتُ فرجها، فإن قضيتَ لي في رحمها شيئاً فاجعله مسلماً سويّاً، و لا تجعله شرك الشيطان» كما في الخبر (2)، و قريبٌ منه الحسن (3) و غيره (4).

____________

(1) الكافي 5: 500/ 1، التهذيب 7: 409/ 1636، الوسائل 20: 115 أبواب مقدمات النكاح ب 55 ح 1.

(2) الكافي 5: 501/ 3، الفقيه 3: 249/ 1187، التهذيب 7: 407/ 1627، الوسائل 20: 113 أبواب مقدمات النكاح ب 53 ح 1.

(3) الكافي 5: 500/ 2، الفقيه 3: 254/ 1205، الوسائل 20: 116 أبواب مقدمات النكاح ب 55 ح 2.

(4) الكافي 5: 501/ 4، الوسائل 20: 116 أبواب مقدمات النكاح ب 55 ح 3.

31

و أن يكون الدخول ليلًا و قد تقدّم من الأخبار ما يدلّ عليه (1).

و في الخبر: «زفّوا عرائسكم ليلًا، و أطعموا ضحى» (2).

و يناسبه الحياء، فيستحبّ إضافة الستر المكاني و القولي إلى الستر الزماني؛ لإشعار النبويِّين بذلك (3).

و أن يسمّي عند الجماع و يتعوّذ باللّٰه من الشيطان؛ كما في المعتبر، بل الصحيح (4) على الصحيح.

و أفضلها ما في المرتضوي: «إذا جامع أحدكم فليقل: بسم اللّٰه و باللّٰه، اللّهمّ جنّبني الشيطان، و جنّب الشيطان ما رزقتني، قال: فإن قضى اللّٰه تعالى بينهما ولداً لا يضرّه الشيطان بشيء أبداً» (5).

و أن يسأل اللّٰه تعالىٰ أن يرزقه ولداً ذَكَراً فعن مولانا الباقر (عليه السلام): «إذا أردت الجماع فقل: اللهمّ ارزقني ولداً، و اجعله تقيّاً زكيّاً، ليس في خلقته زيادة و لا نقصان، و اجعل عاقبته إلىٰ خير» (6).

[المكروهات من الآداب]

و يكره الجماع ليلة الخسوف و يوم الكسوف للصحيح: «يكره في الليلة التي ينكسف فيها القمر، و اليوم الذي

____________

(1) راجع ص: 29.

(2) الكافي 366/ 2، الفقيه 3: 254/ 1203، التهذيب 7: 418/ 1676، الوسائل 20: 91 أبواب مقدمات النكاح ب 37 ح 2.

(3) الأول: سنن البيهقي 7: 194، صحيح مسلم 2: 1060/ 123، 124. الثاني: سنن البيهقي 7: 194.

(4) الكافي 5: 502/ 1، الوسائل 20: 135 أبواب مقدمات النكاح ب 68 ح 1.

(5) الكافي 5: 503/ 3، الوسائل 20: 136 أبواب مقدمات النكاح ب 68 ح 3.

(6) التهذيب 7: 411/ 1641، الوسائل 20: 117 أبواب مقدمات النكاح ب 55 ح 5.

32

تنكسف فيه الشمس، و فيما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق، و من طلوع الفجر إلىٰ طلوع الشمس، و في الريح السوداء و الصفراء و الزلزلة، و لقد بات رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) عند بعض نسائه فانكسف القمر في تلك الليلة، فلم يكن منه فيها شيء، فقالت له زوجته: يا رسول اللّٰه بأبي أنت و أمّي كلّ هذا البغض، فقال: و يحك هذا الحادث من السماء، فكرهت أن أتلذّذ فأدخل في شيء، و قد عَيَّر اللّٰه تعالىٰ قوماً، فقال عزّ و جلّ وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمٰاءِ سٰاقِطاً يَقُولُوا سَحٰابٌ مَرْكُومٌ (1) و أيم اللّٰه لا يجامع [أحد (2)] في هذه الساعات التي وصفت فيرزق من جماعه ولداً و قد سمع بهذا الحديث فيرى ما يحبّ» (3).

و عند الزوال كما في وصيّة النبيّ (صلى الله عليه و آله) لعليٍّ (عليه السلام)، معلّلًا فيها بأنّه: «إن قضي بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول، و الشيطان يفرح بالحول في الإنسان». إلّا زوال يوم الخميس كما فيها، فقال (عليه السلام): «و إن جامعتها يوم الخميس عند زوال الشمس عند كبد السماء فقضي بينكما ولد، فإنّ الشيطان لا يقربه حتى يشيب و يكون قيماً (4)، يرزقه اللّٰه عزّ و جلّ السلامة في الدين و الدنيا» رواها الصدوق في الفقيه في نوادر النكاح (5).

____________

(1) الطور: 44.

(2) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر، لاستقامة المتن.

(3) الفقيه 3: 255/ 1207، التهذيب 7: 411/ 1642، الوسائل 20: 126 أبواب مقدمات النكاح ب 62 ح 2 بتفاوت يسير.

(4) أي بأُمور الناس للّٰه. روضة المتقين 9: 231.

(5) الفقيه 3: 358/ 1712، الوسائل 20: 251 أبواب مقدمات النكاح ب 149 ح 1.

33

و عند الغروب حتى يذهب الشفق للصحيح المتقدّم.

و في المحاق و هو: الثلاثة أيّام من آخر الشهر؛ للخبر: «من أتى أهله في محاق الشهر فليسلّم لسقط الولد» (1).

و تتأكّد الكراهة في الليلة الأخيرة منه؛ للنهي عنه بخصوصه في بعض الأخبار (2).

و بعد الفجر حتى تطلع الشمس للصحيح المتقدّم (3).

و في أوّل ليلة من كلّ شهر، إلّا شهر رمضان، و في ليلة النصف منه و آخره، عطف على «أوّل» لا على المستثنى.

ففي الوصيّة: «يا عليّ، لا تجامع امرأتك في أوّل الشهر و وسطه و آخره؛ فإنّ الجنون و الجذام و الخبل يسرع إليها و إلى ولدها» (4).

و عن مولانا الصادق (عليه السلام): «يكره للرجل أن يجامع في أوّل ليلة من الشهر و في وسطه و آخره؛ فإنّه من فعل ذلك خرج الولد مجنوناً، أ لا ترى أنّ المجنون أكثر ما يصرع في أوّل الشهر و وسطه و آخره؟!» (5).

و روى الصدوق عن علي (عليه السلام) أنّه قال: «يستحبّ للرجل أن يأتي

____________

(1) الكافي 5: 499/ 2، الفقيه 3: 254/ 1206، التهذيب 7: 411/ 1643، الوسائل 20: 127 أبواب مقدمات النكاح ب 63 ح 1.

(2) الوسائل 20: 128 أبواب مقدمات النكاح ب 64.

(3) في ص: 32.

(4) الفقيه 3: 358/ 1712، أمالي الصدوق: 454/ 1، علل الشرائع: 514/ 5، الوسائل 20: 129 أبواب مقدمات النكاح ب 64 ح 5.

(5) علل الشرائع: 514/ 4 و فيه: .. عن أبيه جعفر، عن أبيه (عليهم السلام)، عيون الأخبار 1: 225/ 35، الوسائل 20: 129 أبواب مقدمات النكاح ب 64 ح 6 و فيه: .. عن علي بن محمد العسكري، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام).

34

أهله أول ليلة من شهر رمضان؛ لقول اللّٰه عزّ و جلّ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ (1)» (2). و في السفر إذا لم يكن معه ماءٌ للغسل للنهي عنه عن مولانا الكاظم (عليه السلام) في الموثّق (3)، مستثنياً منه خوفه على نفسه.

و عند الزلزلة، و الريح الصفراء و السوداء للصحيح المتقدّم (4).

و تعليل الكراهة في الخوف فيه مشعرٌ بها في كلّ آية، كما عن سلّار و ابن سعيد (5).

و مستقبل القبلة و مستدبرها للنهي عنه في الرواية (6). و لضعفها بجهالة راويها، مع معارضة الأصل لها حملت على الكراهة، فالقول بالحرمة كما عن بعض (7) فيه ما فيه.

و قيل: و خوفاً من فقر الولد (8).

و في السفينة للنهي عنه في الرواية (9). و قيل: إنّ النطفة لا تستقرّ فيها (10).

____________

(1) البقرة: 187.

(2) الفقيه 3: 303/ 1455، الوسائل 20: 129 أبواب مقدمات النكاح ب 64 ح 4.

(3) التهذيب 1: 405/ 1269، الوسائل 3: 390 أبواب التيمم ب 27 ح 1.

(4) في ص: 32.

(5) سلّار في المراسم: 151، ابن سعيد في الجامع للشرائع: 453.

(6) الفقيه 3: 255/ 1210، التهذيب 7: 412/ 1646، الوسائل 20: 137 أبواب مقدمات النكاح ب 69 ح 1.

(7) قال به الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 20.

(8) حكاه الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 8.

(9) الفقيه 3: 255/ 1211، التهذيب 7: 412/ 1646، الوسائل 20: 138 أبواب مقدمات النكاح ب 69 ح 2.

(10) حكاه الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 8.

35

و عارياً للنهي عنه فيها (1).

و عقيب الاحتلام قبل الغُسل أو الوضوء للنبوي: «يكره أن يغشى الرجل المرأة إن احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى، فإن فعل ذلك و خرج الولد مجنوناً فلا يلومنّ إلّا نفسه» (2).

و ليس فيها الاجتزاء بالوضوء عن الغسل في رفع الكراهة، كما هنا و في القواعد و اللمعة، و عن النهاية و المهذّب و الوسيلة (3). و دليله غير واضح؛ و لذا اقتصر الحلّي على الغُسل (4)، و هو أحوط. و قيّده ابن سعيد بتعذّر الغُسل (5).

و لا تكره معاودة الجماع بغير غُسل؛ للأصل، و فعل النبيّ (صلى الله عليه و آله) (6)؛ مع اختصاص الرواية و الفتوى بالاحتلام، و القياس حرام.

و لا ينافيه ما عن الرسالة الذهبية المنسوبة إلىٰ مولانا الرضا (عليه السلام):

«الجماع بعد الجماع من غير فصلٍ بينهما بغسلٍ يورث الولد الجنون» (7).

لاحتمال فتح الغين دون ضمّها، فغايته استحباب غَسل الفرج، و نفى عنه الخلاف في المبسوط، لكن مع ضمّ وضوء الصلاة (8).

____________

(1) و قد تقدمت الإشارة إليها في ص 34 الهامش 6.

(2) الفقيه 3: 256/ 1212، التهذيب 7: 412/ 1646، علل الشرائع: 514/ 3، المحاسن: 321، الوسائل 20: 139 أبواب مقدمات النكاح ب 70 ح 1.

(3) القواعد 2: 2، اللمعة (الروضة البهية) 5: 94، النهاية: 482، المهذب 2: 222، الوسيلة: 314.

(4) السرائر 2: 606.

(5) الجامع للشرائع: 453.

(6) سنن البيهقي 7: 191 192.

(7) الرسالة الذهبية للرضا ((عليه السلام)): 28 بتفاوت يسير، المستدرك 20: 308 أبواب مقدمات النكاح ب 118 ح 19.

(8) المبسوط 4: 243.

36

و روى الوشّاء الوضوء عن الرضا (عليه السلام) (1)، كابن أبي نجران مرسلًا عن الصادق (عليه السلام) في الجارية يأتيها ثم يريد إتيان أُخرى (2).

هذا، و المسامحة في أدلّة الكراهة تقتضي الاكتفاء في الإلحاق بالاحتلام بمجرّد احتمال الضمّ، مضافاً إلىٰ كونه الظاهر، فتأمل.

و يكره أيضاً الجماع، و عنده من ينظر إليه بحيث لا ينظر إلى عورته، و إلّا فيحرم.

قال (صلى الله عليه و آله): «و الذي نفسي بيده، لو أنّ رجلًا غشي امرأته و في البيت [صبيٌّ] مستيقظ، يراهما و يسمع كلامهما و نَفَسَهما، ما أفلح أبداً، إن كان غلاماً كان زانياً، و إن كانت جارية كانت زانية» (3).

و عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: «لا يجامع الرجل امرأته و لا جاريته و في البيت صبيّ، فإنّ ذلك ممّا يورث الزناء» (4).

و إطلاقهما كإطلاق كلام أكثر الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين المميّز و غيره، مع ما عن بعض الكتب عن الصادق (عليه السلام): «نهى أن توطأ المرأة، و الصبي في المهد ينظر إليهما» (5) فالتخصيص بالمميّز لا وجه له.

____________

(1) كشف الغمة 2: 302، الوسائل 1: 385 أبواب الوضوء ب 13 ح 2.

(2) التهذيب 7: 459/ 1837، الوسائل 20: 257 أبواب مقدمات النكاح ب 155 ح 1 و فيه: عن عثمان بن عيسى عمّن ذكره، و هو سهو، و في التهذيب: عن ابن أبي نجران عمَّن رواه .. و أمّا عثمان بن عيسىٰ فقد روى خبر آخر مرسلًا في التهذيب قبل هذه الرواية، و لعلّ هذا كان منشأً للسهو.

(3) الكافي 5: 500/ 2، الوسائل 20: 133 أبواب مقدمات النكاح ب 67 ح 2 و ما بين المعقوفين من المصدر.

(4) الكافي 5: 499/ 1، التهذيب 7: 414/ 1655، المحاسن: 317/ 42، الوسائل 20: 132 أبواب مقدمات النكاح ب 67 ح 1.

(5) الجعفريات: 96، المستدرك 14: 228 أبواب مقدمات النكاح ب 51 ح 1.

37

نعم، عن النعمان بن عليّ بن جابر، عن الباقر (عليه السلام): «إيّاك و الجماع حيث يراك صبيٌّ يحسن أن يصف حالك» قال: قلت: يا ابن رسول اللّٰه، كراهة الشنْعَة (1)؟ قال: «لا، فإنّك إن رُزِقت ولداً كان شهرةً و علماً في الفسق و الفجور» (2).

فيمكن أن يراد بالتميّز ما تضمّنه الخبر، و لكن الإطلاق أولى.

و النظر إلى فرج المرأة مطلقاً؛ لإطلاق النهي عنه في وصيّة النبيّ (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) (3).

و حال الجماع أشدّ كراهةً؛ لإيراثه العمى كما في الموثّق (4).

و إلى الباطن أقوى؛ لوروده في بعض الأخبار (5).

و ضعف الجميع، و التصريح بنفي البأس في الموثّق المزبور كغيره (6) المعتضد بالأصل، و الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعاً في الحقيقة، كما صرّح به في الخلاف (7) أوجب الجواز، لكن مع الكراهة؛

____________

(1) الشنْعَة: القباحة و الفضاعة مجمع البحرين 4: 355.

(2) طب الأئمة: 133، الوسائل 20: 134 أبواب مقدمات النكاح ب 67 ح 8، البحار 100: 293/ 40؛ و في الجميع: النعمان بن يعلى، عن جابر. و لم نقف في معاجم الرجال المتوفرة لدينا على من يسمى بالنعمان بن يعلى، و لا بالنعمان بن علي بن جابر.

(3) الفقيه 3: 358/ 1712، أمالي الصدوق: 454/ 1، علل الشرائع: 514/ 5، الوسائل 20: 121 أبواب مقدمات النكاح ب 59 ح 5.

(4) التهذيب 7: 414/ 1656، الوسائل 20: 121 أبواب مقدمات النكاح ب 59 ح 3.

(5) الخصال: 637 (ضمن حديث الأربعمائة)، الوسائل 20: 124 أبواب مقدمات النكاح ب 60 ح 4.

(6) انظر الوسائل 20: 120 أبواب مقدمات النكاح ب 59.

(7) الخلاف 4: 249.

38

للمسامحة. فظهر ضعف قول ابن حمزة بالحرمة (1).

و الكلام عند الجماع بغير ذكر اللّٰه تعالى فعن مولانا الصادق (عليه السلام):

«اتّقوا الكلام عند ملتقى الختانين، فإنّه يورث الخرس» (2).

و من الرجل مع كثرته آكد، ففي وصيّة النبيّ (صلى الله عليه و آله): «يا علي لا تتكلّم عند الجماع كثيراً؛ فإنّه إن قضي بينكما ولدٌ لا يؤمن أن يكون أخرس» (3).

و تعليل المنع بذلك كالتعليلات السابقة يشعر باختصاصه بصورة احتمال تكوّن الولد لا مطلقاً، فلا كراهة في الحامل و اليائسة، إلّا أنّ متابعة الأصحاب أولى؛ للمسامحة في أدلّة الكراهة.

[مسائل]

مسائل سبع:

[الاولى يجوز النظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها و كفّيها]

الاولى: يجوز النظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها و كفّيها ظاهرهما و باطنهما، من رؤوس الأصابع إلىٰ المعصم (4)، مرّةً أو مراراً، و إن لم يستأذنها؛ بالإجماع، و النصوص المستفيضة، كالحسن أو الصحيح:

«لا بأس بأن ينظر إلىٰ وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوّجها» (5).

و الصحيح: «لا بأس بأن ينظر الرجل إلىٰ المرأة إذا أراد أن يتزوّجها، ينظر إلىٰ خلفها و إلى وجهها» (6).

____________

(1) الوسيلة: 314.

(2) الكافي 5: 498/ 7، التهذيب 7: 413/ 1653، الوسائل 20: 123 أبواب مقدمات النكاح ب 60 ح 1.

(3) المتقدم ذكرها أعلاه الهامش (3).

(4) كمنبَر، موضع السوار، أو اليد. القاموس 4: 153.

(5) الكافي 5: 365/ 2، الوسائل 20: 88 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 2.

(6) الكافي 5: 365/ 3، الوسائل 20: 88 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 3.

39

و في الحسن: عن الرجل يريد أن يتزوّج [المرأة] أ ينظر إليها؟ قال:

«نعم، إنّما يشتريها بأغلى الثمن» (1).

و نحوه الموثّق المرويّ في العلل: الرجل يريد أن يتزوّج المرأة، يجوز له أن ينظر إليها؟ قال: «نعم، و ترقّق له الثياب؛ [لأنّه] يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» (2).

و يشترط العلم بصلاحيّتها: بخلوّها من البعل، و العدّة، و التحريم، و تجويز إجابتها، و مباشرة المريد بنفسه، فلا تجوز الاستنابة فيه و إن كان أعمى. و لا ينافيه إطلاق النصوص؛ حملًا له على المتبادر منه، و اقتصاراً فيما خالف الأصل على المتيقّن.

و منه يظهر اشتراط الاستفادة بالنظر ما لا يعرف قبله، كما عن بعض الأصحاب (3)، فردّه بالإطلاق غير جيّد، إلّا إذا نسي ما استفاده، أو احتمل تغيّرها قبله.

و في اشتراط عدم الريبة و التلذّذ نظر، أقربه: العدم، إلّا مع خوف الفتنة قبل العقد، وفاقاً للتذكرة (4)؛ عملًا بالإطلاق، مع عدم الصارف.

و الرواية الآتية المشترطة له لضعفها متروكة، مع أنّها فيما (5) عدا مفروض (6) المسألة خاصّة.

____________

(1) الكافي 5: 365/ 1، الوسائل 20: 87 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 1 و ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) علل الشرائع: 500/ 1، الوسائل 20: 90 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 11 و ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) كالشهيد الثاني في الروضة 5: 98، و السبزواري في الكفاية: 153.

(4) التذكرة 2: 573.

(5) هو الشعر و المحاسن. منه (رحمه الله).

(6) هو الوجه و اليدان. منه (رحمه الله).

40

و ليس في النصوص غير نفي البأس (1)، فلا وجه للاستحباب كما في اللمعة (2). و على تقدير تضمّنها الأمر أو ورود روايةٍ به، فدلالتها على الاستحباب غير واضحة؛ لورودها في مقام توهّم الحظر، و لا يفيد سوى الإباحة كما برهن في محلّه. و لكن لا بأس به؛ بناءً على المسامحة في أدلّة الندب و الكراهة.

و هذه النصوص مع كثرتها مختصّة بالرجل، و إلحاق المرأة به قياس، و الأولويّة ممنوعة، و العلّة المدّعاة مستنبطة، و المنصوصة بالرجل مختصّة، بل الحكمة تقتضي العدم؛ لاحتمال ابتلائها به و لا يمكنها التزويج بعدم رغبته فيها، فمراعاة الأصل لازمة.

ثم إنّ المشهور اختصاص الجواز بالموضعين.

و لكن في رواية مرسلة: عن الرجل ينظر إلى المرأة يريد تزويجها، فينظر إلىٰ شعرها و محاسنها، قال: «لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذّذاً» (3) و مثلها الموثّق في المحاسن خاصّة (4)، و الضعيفة بجهالة الراوي (5) في الشعر خاصّة (6).

و العمل بمضمونها متّجه، وفاقاً للمشايخ الثلاثة (7)، و لا سيّما

____________

(1) الوسائل 20: 87 أبواب مقدمات النكاح ب 36.

(2) اللمعة (الروضة البهية) 5: 97.

(3) الكافي 5: 365/ 5، الوسائل 20: 88 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 5.

(4) التهذيب 7: 435/ 1735، الوسائل 20: 89 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 8.

(5) هو الحكم بن مسكين. منه (رحمه الله).

(6) الفقيه 3: 260/ 1239، التهذيب 7: 435/ 1734، الوسائل 20: 89 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 7.

(7) المفيد في المقنعة: 520، الصدوق في الفقيه 3: 260، الطوسي في النهاية: 484، و الخلاف 4: 247.

41

القديمَين (1)، و جمع من الأصحاب (2)، لا لها؛ للضعف بالإرسال و غيره.

بل لعدم دليل على المنع يشمل المقام؛ لفقد الإجماع مع الخلاف، و انصراف المطلق من أدلّته إلى غيره، بناءً على عدم تبادره، فالأصل:

الإباحة، مضافاً إلى إشعار تعليله الوارد في الأخبار من خوف الوقوع في الفتنة (3)، و أنّه سهم من سهام إبليس (4) بعدم العموم لمثله.

و للموثّق المتقدّم و إن اختصّ بالمحاسن.

و إلحاق الشعر بها إمّا بناءً على عموم المحاسن؛ لتفسيرها بمواضع الزينة، أو ما خلا العورة، أو الشعر منها بالبديهة. و أمّا بعدم القائل بالفرق.

مضافاً إلى الصحيح فيه (5) المرويّ في الفقيه (6)، مع تأيّدهما بالضعيفين (7)، و إطلاق الحسن المتقدّم و الموثّق بعده (8)، مع عموم التعليل المنصوص المبيح للنظر في الموضعين، و اعتضادهما بخصوص ما دلّ على الوجه و الكفين (9)؛ بناءً على ندرة تحقّقهما و لا سيّما الأول بدون المحاسن و الشعر، و لزوم الاقتصار عليهما طرح البحث كالأخبار من أصله، إلّا في صورة نادرة لا يمكن حمل الإطلاق عليها. إلّا أنّ مراعاة

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) منهم الحلبي في الكافي: 296، العلّامة في القواعد 2: 2، الشهيد في الروضة 5: 97.

(3) الكافي 5: 521/ 5، الوسائل 20: 192 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 4.

(4) التهذيب 7: 435/ 1736، الوسائل 20: 89 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 9.

(5) أي الشعر. منه (رحمه الله).

(6) الفقيه 3: 260/ 1239، الوسائل 20: 89 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 7.

(7) أي المرسلة و الضعيفة المتقدمتين أعلاه.

(8) راجع ص 38 39.

(9) الوسائل 20: 200 أبواب مقدمات النكاح ب 109.

42

المشهور و الاحتياط أولى.

و كذا يجوز النظر إلى وجه أمة يريد شراءها و كفّيها، اتّفاقاً كما حكاه جماعة (1).

للمستفيضة المنجبر ضعفها بالشهرة، منها: عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها، قال: «لا بأس أن ينظر إلى محاسنها و يمسّها، ما لم ينظر إلىٰ ما ينبغي النظر إليه» (2).

و فيه الدلالة على جوازه في الشعر و المحاسن، بل ما عدا العورة كما عن التذكرة (3)؛ له، و للحاجة، و تضمّن التعريض للبيع الإذن فيه.

و فيه نظر؛ لضعف الخبر، و عدم جابر له في محلّ البحث، مع طروّ الإجمال له بالاستثناء؛ بناءً علىٰ إجمال المستثنى، و احتماله ما عدا الوجه و الكفّين، و عدم تعيّنه للعورة، فتأمّل.

و تندفع الحاجة بالردّ بالعيب أو بالخيار.

و الإذن في ضمن التعريض غير معلوم، و لا كلام معه.

و لعلّه لذا اقتصر المفيد على الوجه و الشعر (4)، و الشيخ ظاهراً عليهما و علىٰ اليدين (5)، و هو المحكيّ عن ظاهر التحرير (6).

نعم، في المسالك دعوى الوفاق في الشعر و المحاسن (7)؛ و هو

____________

(1) منهم الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 8، الشهيد الثاني في المسالك 1: 435.

(2) التهذيب 7: 75/ 321، الوسائل 18: 273 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 1.

(3) التذكرة 2: 573.

(4) المقنعة: 520.

(5) راجع النهاية: 484، المبسوط 2: 129.

(6) التحرير 2: 3.

(7) المسالك 1: 435.

43

الحجّة فيهما، مع ما مرّ من جواز النظر إليهما في الزوجة (1)، فهنا بطريق أولى.

و الاقتصار عليهما مع الوجه و الكفّين أولى، و إن كان ما في التذكرة من إباحة النظر إلىٰ ما عدا العورة ليس بذلك البعيد، لا لما مرّ؛ بل للأصل، مع انتفاء المُخرِج عنه؛ لفقد الإجماع، و انصراف إطلاق أخبار المنع (2) إلىٰ ما عداهن، أو إليهنّ في غير محلّ البحث.

بل المستفاد من بعض الأخبار: الجواز مطلقاً (3) مع الكراهة:

منها: «لا أُحبّ للرجل أن يقلب جارية إلّا جارية يريد شراءها» (4).

و في آخر: إنّي اعترضت جواريَ المدينة، فأمذيت، فقال: «أمّا لمن تريد الشراء فلا بأس، و أمّا لمن لا تريد أن تشتري فإنّي أكرهه» (5).

و يؤيّد ما اختاره (6) في المقام: الخبر المرويّ في قرب الإسناد: «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان إذا أراد أن يشتري الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها» (7).

و كذا يجوز النظر إلىٰ أهل الذمّة و شعورهنّ، على الأشهر الأظهر؛ للأصل، مع فقد الصارف عنه من إجماع و غيره.

____________

(1) في ص 40.

(2) المتقدمة في ص 41.

(3) حتى في صورة عدم الشراء. منه (رحمه الله).

(4) التهذيب 7: 236/ 1030، الوسائل 18: 274 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 3 و فيه بتفاوت يسير.

(5) التهذيب 7: 236/ 1029، الوسائل 18: 273 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 2.

(6) أي التذكرة. منه (رحمه الله).

(7) قرب الإسناد: 103/ 344، الوسائل 18: 274 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 4.

44

و خصوص الخبر، بل الصحيح أو القويّ: «لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلىٰ شعورهنّ و أيديهنّ» (1).

و مثله الآخر: «لا بأس بالنظر إلىٰ أهل تِهَامة (2) و الأعراب و أهل البوادي من أهل الذمّة و العُلُوج (3)؛ لأنّهنّ لا ينتهين إذا نُهين» (4) و ضعفه كالأول لو كان منجبرٌ بالأصل و الشهرة.

خلافاً للحلّي و المختلف (5)؛ لإطلاق الآية قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (6). قلت: بل هي مجملة، و على تقدير الإطلاق فهو مقيّد بما تقدّم، و الحسن المتضمّن لأنّهنّ مماليك الإمام (7)، فَيَكنّ بمنزلة الإماء اللاتي يجوز النظر إليهنّ و إلى شعورهنّ مطلقاً في المشهور كما حكي (8)؛ للروايات المتقدّمة. و ضعفها بالشهرة المحكيّة مع أصالة الإباحة منجبر.

و لا يخفىٰ عليك منافاة هذا التعليل المقتضي لجواز النظر إليهنّ علىٰ

____________

(1) الكافي 5: 524/ 1، الوسائل 20: 205 أبواب مقدمات النكاح ب 112 ح 1.

(2) تِهَامة: اسم لكلّ ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز. قيل: هي مشتقة من: تَهمَ الحرُّ، اشتدّ مع ركود الريح لشدة حرّها. و في المجمع: هي مشتقة من التهَم و هي الحرّ و سكون الريح؛ و هي أرض أولها ذات عِرْق من قِبَل نجد إلىٰ مكّة و ما وراها بمرحلتين أو أكثر، و تأخذ إلىٰ البحر مجمع البحرين 6: 24.

(3) العِلج: الرجل من كفّار العجم، و الأُنثى عِلْجة لسان العرب 2: 326.

(4) الكافي 5: 524/ 1، الفقيه 3: 300/ 1438، علل الشرائع: 565/ 1 بتفاوت يسير، الوسائل 20: 206 أبواب مقدمات النكاح ب 113 ح 1.

(5) الحلي في السرائر 2: 610، المختلف: 534.

(6) النور: 30.

(7) الكافي 5: 358/ 11، التهذيب 7: 449/ 1797، الوسائل 20: 545 أبواب ما يحرم بالكفر ب 8 ح 1.

(8) حكاه السبزواري في الكفاية: 153.

45

العموم تقييدَه سابقاً بإرادة الشراء، و لا بُدّ في دفعها من تكلّف.

و كيف كان، فالأقوى الجواز مطلقاً ما لم يكن لتلذّذ و لا ريبة، و معهما فلا؛ حسماً لمادّة الفساد، و حذراً من وقوع النفس في التهلكة.

و يجوز أن ينظر الرجل و السيّد إلىٰ جسد زوجته مطلقاً، و أمته الغير المزوّجة من الغير مطلقاً كالعكس باطناً و ظاهراً إجماعاً؛ للأصل، و فحوى جواز الجماع، و ما تقدّم من الأخبار النافية للبأس عن النظر إلىٰ سَوءة الزوجة (1).

و المرسل كالصحيح: في الرجل ينظر إلى امرأته و هي عريانة، قال:

«لا بأس بذلك، و هل اللذّة إلّا ذاك» (2).

و إلى محارمه و هنّ هنا: اللاتي يحرم نكاحهنّ مؤبّداً، بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فيما قطع به الأصحاب ما خلا العورة التي هنا هي الدبر و القبل.

و الحكم بذلك مع عدم التلذّذ و الريبة مشهور بين الأصحاب، بل قيل: مقطوع به بينهم (3)، مشعراً بدعوى الوفاق، بل صرّح به بعض الأصحاب (4).

و المستند فيه بعده الأصل السالم عمّا يصلح للمعارضة، و الآية الكريمة وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ الآية (5)، و الزينة تعمّ الظاهرة

____________

(1) راجع ص 37.

(2) الكافي 5: 497/ 6، التهذيب 7: 413/ 1652، الوسائل 20: 120 أبواب مقدمات النكاح ب 59 ح 1.

(3) نهاية المرام 1: 55.

(4) كالفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 9.

(5) النور: 31.

46

و الباطنة، و منها: الذراعان و مستور الخمار كما في الصحيح (1).

و في صحيحة منصور دلالة على جواز تغسيل المحارم، كالزوجة دائمة كانت أو منقطعة مجرّدات، إلّا أن يلقي على عورتهنّ خرقة (2).

و الأخبار الدالّة على الأمر به من وراء الثياب (3) محمولٌ على الاستحباب عند جماعة من الأصحاب (4)، و يؤيّده ورود مثله في الزوجة (5)، مع كونه للاستحباب بالبديهة.

و إذا ثبت جواز النظر حال الموت فكذلك حال الحياة؛ لعدم الفارق، مع ما ورد من أنّ حرمة المؤمن ميّتاً كحرمته حيّاً (6).

و في الخبر القوي على القوي نفي البأس عن النظر إلى شعورهن (7).

و قيل بالمنع فيما عدا الوجه و الكفّين و القدمين؛ لكونهنّ عورة، خرجت الأُمور المتّفق عليها و بقي الباقي (8).

و فيه: منع كلّية الكبرى؛ لجواز النظر إليهنّ فيما عدا المتّفق عليه

____________

(1) الكافي 5: 520/ 1، الوسائل 20: 200 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 1.

(2) الكافي 3: 158/ 8، التهذيب 1: 439/ 1418، الإستبصار 1: 199/ 699، الوسائل 2: 516 أبواب غسل الميت ب 20 ح 1.

(3) الوسائل 2: 516 أبواب غسل الميت ب 20.

(4) منهم الشهيد في الذكرى: 39، المحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 360، السبزواري في الكفاية: 6.

(5) الفقيه 1: 94/ 433، الوسائل 2: 516 أبواب غسل الميت ب 20 ح 2.

(6) التهذيب 1: 419/ 1324، المقنع: 11، الوسائل 3: 219 أبواب غسل الميت ب 51 ح 1.

(7) الفقيه 3: 304/ 1461، الوسائل 20: 193 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 7.

(8) انظر إيضاح الفوائد 3: 9، التنقيح الرائع 3: 22.

47

أيضاً، كإباحة النظر إلى الأُمور المسلّمة، مع كونها بالإجماع من العورة، فلا تلازم بين العورة و حرمة النظر لجميع الأشخاص بالكلّية، بل تلازمها في الجملة. و لا ينافي ذلك صدق العورة عليها؛ لاحتمال كونه بالنظر إلىٰ غير المحارم.

و ربما خُصّت الإباحة بالمحاسن خاصّة، و هي مواضع الزينة؛ جمعاً بين الآية المتقدّمة (1)، و الأُخرى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا الآية (2).

و هو أحوط؛ لأخصّية الآية الأُولى عن تمام المدّعى، مع ما في الخبر المرويّ في تفسير عليّ بن إبراهيم في تفسير الزينة في الآية المزبورة:

«فهي الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكفّ و السوار، و الزينة ثلاث:

زينة للناس، و زينة للمَحرَم، و زينة للزوج، فأمّا زينة الناس فقد ذكرناه، و أمّا زينة المَحرَم: فموضع القلادة فما فوقها و الدُّمْلُج (3) و ما دونه و الخلخال و ما أسفل منه، و أمّا زينة الزوج: فالجسد كلّه» (4) انتهى.

و فيه دلالة و لو بضميمة (5) على جواز النظر إلى الوجه و الكفّين من الأجنبيّة مطلقاً (6) كما هو أحد الأقوال في المسألة استناداً إليها، مع الأصل، و الآية وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ (7). بناءً علىٰ تفسير الزينة الظاهرة بأُمور أربعة لا يمكن إرادة بعضها

____________

(1) في ص 45.

(2) النور: 30.

(3) الدُّمْلُج: المِعْضَد من الحُليِّ لسان العرب 2: 276.

(4) تفسير القمي 2: 101، المستدرك 14: 275 أبواب مقدمات النكاح ب 85 ح 3.

(5) من الإجماع المركب. منه (رحمه الله).

(6) أي مرّة أو مراراً. منه (رحمه الله).

(7) النور: 31.

48

كالثياب لعدم الدليل عليه، بل و قيام الدليل علىٰ خلافة من العموم المستفاد من لفظة: ما الموضوعة له، فلا وجه لتخصيصها بها، فتعيَّن إرادة البواقي:

أحدها: الكحل و الخاتم و الخضاب في الكفّ، كما قيل (1)؛ للخبر المتقدّم، و غيره بنقص الأخير، كرواية زرارة (2)، و ليس في سندها مَن يُتوقّف فيه، سوى قاسم بن عروة، و قد قيل بحسنه (3)، و نحوهما خبر آخر (4)، لكن بزيادة: «المَسَكة» (5) بدل: الكحل و الخضاب.

و ثانيها: الوجه و الكفّان، و ربما أشعر به الخبر المجوّز لرؤيتهما (6).

و ثالثها: الكفّ و الأصابع.

و ذَكَرَ الأوّلَين قولًا الطبرسيُّ في جامع الجوامع (7)، و روى الثالث عنهم (عليهم السلام) (8).

و الأخبار و إن ضعف سندها إلّا أنّ العرف المحكَّم في الألفاظ يؤيّدها.

____________

(1) قال به الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 9.

(2) الكافي 5: 521/ 3، الوسائل 20: 201 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 3.

(3) حكاه ابن داود عن الكشي في رجاله 1: 153.

(4) الكافي 5: 521/ 4، الوسائل 20: 201 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 4.

(5) المَسَكُ: أسورة من ذَبْلٍ أو عاج، و الذبْل: شيءٌ كالعاج مجمع البحرين 5: 288.

(6) الآتي في الهامش (2) من ص 49.

(7) قال في الذريعة 5: 48 لكن الصحيح: جوامع الجامع، و كذا ذكره في ص: 248.

(8) جامع الجوامع: 314 315.

49

و على هذه التفاسير يثبت المطلوب. أمّا على الثاني فواضح، و كذا الأول و الثالث، لكن بعد ضمّ الإجماع، و يدلّ عليه مضافاً إلىٰ المتقدّم الصحيح المرويّ في الكفاية عن قرب الإسناد، و فيه: عمّا تُظهِر المرأة من زينتها؟ قال: «الوجه و الكفّان» (1).

و المرسل: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن مَحرَماً؟

قال: «الوجه و الكفّان و القدمان» (2).

و الإرسال غير قادح؛ لاعتضاده بالأصل، و فتوى جماعة به، كالكليني و الشيخ في النهاية و التبيان و كتابي الحديث و ظاهر المسالك و سبطه في الشرح (3)، و جماعة من متأخّري المتأخّرين (4) مطلقاً، و المحقّق الثاني كما حكي، و المصنّف في الشرائع و العلّامة في جملة من كتبه، و اللمعة و الروضة (5) في الجملة، و نسبه الصيمري في شرح الشرائع إلىٰ الأكثر.

فلا يقدح فيه الاشتمال على القدمين، المجمع على عدم جواز النظر إليهما، و إن هو إلّا كالعامّ المخصَّص، مضافاً إلىٰ عدم ذكر الشارح المزبور لهما، فيقوى احتمال الزيادة.

و الخبر الذي لا تبعد صحّته كما قيل (6)-: عن الرجل ما يصلح له

____________

(1) الكفاية: 153، و هو في قرب الإسناد: 82/ 270، البحار 101: 33/ 7.

(2) الخصال: 302/ 78، الوسائل 20: 201 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 2.

(3) الكليني في الكافي 5: 521، النهاية: 484، التبيان 7: 428، التهذيب و الاستبصار: لم نعثر عليه فيهما، المسالك 1: 436، نهاية المرام 1: 55.

(4) منهم السبزواري في الكفاية: 153، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 9، صاحب الحدائق 23: 55.

(5) المحقّق الثاني في جامع المقاصد 12: 28، الشرائع 2: 269، العلّامة في القواعد 2: 3، و التذكرة 2: 573 و التحرير 2: 3، الروضة 5: 99.

(6) قال به السبزواري في الكفاية: 154.

50

أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال: «الوجه و الكفّان و موضع السوار» (1).

و احتمال إرادة المَحرَم من المرأة في السؤال بعيد، مع دلالة حصر المحلَّل منها في الثلاثة على إرادة غيرها من الأجانب؛ للإجماع على عدم الحصر فيها، مع أنّ العموم الناشئ عن ترك الاستفصال كافٍ في الاستدلال. و لا تقدح في الحجّية زيادة السوار؛ لما تقدّم.

و ممّا ذُكِر ظهر وجه اندفاع المناقشات في هذه الأدلّة، سيّما مع اعتضادها بالشهرة في الجملة، الظاهرة و المحكيّة، و بحجّةٍ أُخرى في غاية القوّة بحيث كادت تُعدّ من الأدلّة القطعيّة و هي فحاوى كثير من الأخبار الواردة في أبواب النظر إلىٰ النسوة، المتواترة معنىً، المتضمّنة لحكمه منعاً و جوازاً، سؤالًا و جواباً و بياناً؛ لدلالتها علىٰ الجواز من حيث كون محطّ الحكم فيها بطرفيه في كلّ من السؤال و الجواب و البيان هو خصوص الشعر و اليدين و الرأس و الذراعين و غيرهما، و بالجملة: ما عدا الوجه و الكفّين، مع أنّهما أولى بالسؤال عن حكمهما و بيانه بحسب النظر بشدّة الابتلاء به، و غلبته و سهولته، من حيث عدم احتياجه إلىٰ كشف ساتر من خمار و مقنعة، دون الرأس و الشعر؛ لندرة الابتلاء بالنظر إليهما و عسره؛ للاحتياج إلىٰ كشف الستور عنهما غالباً.

فالسكوت عن حكمهما (2) مطلقاً سؤالًا و بياناً كاشف عن وضوح حكمهما جوازاً لا عكساً، و إلّا لكان حكم النظر إليهما (3) منعاً أخفى من

____________

(1) قرب الإسناد: 227/ 890، البحار 101: 34/ 11.

(2) أي: الوجه و الكفّين.

(3) أي الرأس و الشعر.

51

حكم النظر إلىٰ الوجه و الكفّين كذلك (1) جدّاً، و هو مخالف للبديهة قطعاً؛ لاتّفاق المسلمين على ثبوت المنع في النظر إليهما مطلقاً، و خفاؤه في النظر إلىٰ الوجه و الكفّين، بحيث ذهب الأكثر إلىٰ حِلّه في الجملة أو مطلقاً.

و يدلّ على أوضحيّة حكم النظر منعاً منه كذلك في الوجه و الكفّين أيضاً: تجويزهم النظر إليهما لمريد التزويج المتمكّن منه، و اختلافهم في تجويزه إلىٰ الشعر كما مضى (2)، و ليس هذا إلّا لما ذكرنا كما لا يخفى.

و لو لم يكن في المسألة دليل علىٰ الجواز غير فحاوى هذه الأخبار لكفانا؛ لحصول الظنّ القويّ القريب من القطع بكون الحكم فيها الجواز، فلا ينبغي أن يرتاب فيه، و إن كان الأحوط: الترك مهما أمكن، من باب التسامح في أدلّة السنن.

هذا، مضافاً إلىٰ النصوص الواردة في كتاب الحجّ في باب: ما يجوز أن تلبسه المحرمة من الثياب، و هي كثيرة:

منها الصحيح: «مرّ أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة متنقّبة و هي محرمة، فقال:

أحرمي و أسفري و أرخِ ثوبكِ من فوق رأسك، فإنّك إن تنقّبتِ لم يتغيّر لونك، فقال رجل: إلىٰ أين ترخيه؟ فقال: تغطّي عينيها» الحديث (3).

و الصحيح: «تسدل الثوب علىٰ وجهها» قلت: حدّ ذلك إلىٰ أين؟

قال: «إلىٰ طرف الأنف قدر ما تبصر» (4).

____________

(1) أي منعاً. منه (رحمه الله).

(2) راجع ص 40.

(3) الكافي 4: 344/ 3، التهذيب 5: 74/ 245، الوسائل 12: 494 أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 3.

(4) الكافي 4: 344/ 1، التهذيب 5: 73/ 243، الوسائل 12: 493 أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 2.

52

و الخبر الضعيف بسهل الذي ضعفه سهل-: «مرّ أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة محرمة قد استترت بمِرْوَحَة، فأماط المروحة بنفسه عن وجهها» (1).

و الأمر بالإرخاء في الأوّل و السدل في الثاني للرخصة؛ لعدم القائل بوجوب ستر قدر ما أُمر فيهما بستره قطعاً.

و هذه النصوص سيّما الأخير، و الأوّل من حيث التعليل ظاهرة في عدم تستّر تلك النسوة بشيء آخر غير ما تستّرن به من كجاوة (2) و نحوها، و هذا أيضاً ممّا يدلّ علىٰ ما قدّمناه من أشدّية حكم الشعر منعاً من حكم الوجه جدّاً كما لا يخفىٰ.

و الاستدلال للجواز بإطباق الناس على خروج النسوة سافرات، غير موجّه، كالاستدلال للمنع باتفاقهم من منع خروجهنّ غير متستّرات.

لمخالفتهما الوجدان؛ لاختلاف الناس في الزمان، فبين من يجري على الأول، و من يحذو حذو الثاني.

و تزيد الحجّة على الثاني باحتمال استناده إلى الغيرة و الاحتجاب من الناظر بشهوة، الغير الحاصل إلّا به مطلقاً.

و يشاركه في الضعف باقي أدلّته، كعمومي لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ (3) و يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (4) لتخصيصهما بما ظهر من الأدلّة؛ مع إجمال الثانية، مع عدم المبيّن لها، سوى الإجماع المنحصر بيانه

____________

(1) الكافي 4: 346/ 9، الفقيه 2: 219/ 1010، قرب الإسناد 363/ 1300، الوسائل 12: 494 أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 4.

(2) كجاوة: كلمة فارسية تعني: الهَوْدَج؛ و هو من مراكب النساء مقبّب و غير مقبّب لسان العرب 2: 389.

(3) النور: 31.

(4) النور: 30.

53

في القدر المتّفق عليه، و لا كلام فيه.

و حديث (1) الخَثْعَمية (2)؛ إذ لا دلالة فيه عليه، لو لم يدلّ علىٰ الجواز.

و كذا غير ما ذكر من الأدلّة التي أجبنا عنها في رسالة مفردة في المسألة.

مضافاً إلىٰ ندرة القول بالمنع مطلقاً؛ لعدم نقله إلّا عن التذكرة و فخر الدين (3)، و إن مال إليه بعض من تأخّر عنهما (4).

و قيل بالجواز مرّة و الحرمة ثانية (5)؛ لأخبار (6) أكثرها ضعيفة السند، قاصرة الدلالة كالمعتبر منها، و قد أوضحنا جميع ذلك في الرسالة، من أراد التحقيق فليرجع إليها.

نعم، هو أحوط، و أحوط منه الأول.

و تتّحد المرأة مع الرجل، فتُمنَع في محلّ المنع و لا في غيره إجماعاً؛ و يشير إليه المقطوع المرويّ في الكافي، الآمر لعائشة و حفصة بدخولهما البيت بعد دخول الأعمى عليهما (7).

و يستثنى من الحكم مطلقاً (8) إجماعاً: محلّ الضرورة، و القواعد من

____________

(1) البحار 96: 351/ 3، المستدرك 14: 269 أبواب مقدمات النكاح ب 81 ح 7.

(2) خَثْعَم: أبو قبيلة، و هو خثعَم بن أنمار من اليمن، و يقال: هم من معدّ، و صاروا باليمن. الصحاح 5: 1909، مجمع البحرين 6: 55.

(3) التذكرة 2: 573، فخر الدين في إيضاح الفوائد 3: 6.

(4) كالشهيد الثاني في الروضة 5: 99.

(5) قال به الشهيد في اللمعة (الروضة البهية) 5: 99.

(6) الوسائل 20: 190 أبواب مقدمات النكاح ب 104.

(7) الكافي 5: 534/ 2، الوسائل 20: 232 أبواب مقدمات النكاح ب 129 ح 1.

(8) أي في الرجل كان أو المرأة، في محلّ الوفاق أو الخلاف. منه (رحمه الله).

54

النسوة، و الصغير غير المميّز، و الصغيرة، فيجوز النظر منهنّ مطلقاً، و إليهنّ كذلك، على الأقوى؛ للأصل، مع فقد الصارف، و اختصاص أدلّة المنع علىٰ تقدير ثبوتها بغيرهم بمقتضى التبادر.

مضافاً إلىٰ الآيتين في القواعد (1) و الصغير (2) بالنسبة إلىٰ المرأة، مع الصحاح في القواعد (3).

و في جواز نظر المميّز إلىٰ المرأة إن لم يكن محلّ ثوران تشوّق و شهوة قولان، أحوطهما: المنع، فيمنعه الوليّ له عنه.

و في جواز نظر المرأة إلىٰ الخصيّ المملوك لها و العكس خلافٌ بين الأصحاب، ينشأ من الأصل، و عموم وَ لٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ (4) الشامل لمحلّ النزاع، كالمستفيضة (5) التي فيها الصحيح و الموثّق و غيرهما، المجوّزة لرؤية المملوك مالكته مطلقاً في بعض، و مخصّصاً بالشعر في آخر. و خروج غيره (6) منها لشبهة الإجماع غير قادح.

مضافاً إلىٰ عموم التّٰابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ (7) المفسّر بما يشمله.

و خصوص الصحيح: عن قناع الحرائر من الخصيان، قال: «كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن (عليه السلام) و لا يتقنّعن» قلت: فكانوا أحراراً؟

____________

(1) النور: 60.

(2) النور: 31.

(3) الوسائل 20: 202 أبواب مقدمات النكاح ب 110.

(4) الأحزاب: 55، و في «ح» أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ النور: 31.

(5) الوسائل 20: 223 أبواب مقدمات النكاح ب 124.

(6) أي الخصي. منه (رحمه الله).

(7) النور: 31.