رياض المسائل - ج14

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
496 /
5

[كتاب الغصب]

[النظر الأوّل في تعريفه]

كتاب الغصب و النظر في يقع في أُمور الأوّل: في تعريفه.

اعلم أنّ الغصب كما هنا و في الشرائع و اللمعة و الدروس (1) هو الاستقلال و الاستبداد بإثبات اليد على مال الغير عدواناً و ظلماً، و هو قريب من معناه اللغوي الذي هو الأخذ ظلماً (2).

و خرج بالاستقلال بإثبات اليد ما لا إثبات معه أصلًا كمنعه من ماله حتّى تلف كما يأتي، و ما لا استقلال معه كوضع يده على ثوبه الذي هو لابسه، فإنّ ذلك لا يسمّى غصباً لغةً و لا عرفاً.

و خرج بالمال الاستقلال باليد على غيره كالحرّ فإنّه لا يتحقّق فيه الغصبية جدّاً، فلا يضمن.

____________

(1) الشرائع 3: 235، اللمعة (الروضة البهية 7): 13، الدروس 3: 105.

(2) العين 4: 374، الصحاح 1: 194، القاموس المحيط 1: 115.

6

و خرج بإضافة المال إلى الغير ما لو استقل بإثبات يده على مال نفسه عدواناً كالمرهون في يد المرتهن، و الوارث على التركة مع الدين على قول، فليس كلّ منهما بغاصب عرفاً و إن أثما و ضمنا.

و خرج بالعدوان إثبات المرتهن و الوليّ و الوكيل و المستأجر و المستعير أيديهم على مال الراهن و المولّى عليه و الموكّل و المؤجر و المعير.

و لانتقاض هذا التعريف في عكسه بما لو اشترك اثنان فصاعداً في غصبٍ بحيث لم يستقلّ كل منهما باليد، بُدّل الاستقلال فيه بالاستيلاء (1) ليشمله؛ لصدق الاستيلاء فيه دون الاستقلال.

و لانتقاضه أيضاً بالاستقلال بإثبات اليد على مطلق حقّ الغير كالتحجير و حق المسجد و نحوه مما لا يعدّ مالًا مع كون الغصب فيه متحقّقا عرفاً بُدّل المال فيه بمطلق الحق (2)؛ ليشمله.

فتلخّص من ذلك أنّ الأجود في تعريفه: أنّه الاستيلاء على حق الغير عدواناً.

و أمّا إبدال العدوان بغير حقّ؛ ليتناول التعريف من ترتّبت يده على يد الغاصب جاهلًا بالغصب، و من سكن دار غيره غلطاً، أو لبس ثوبه خطأً فإنّهم ضامنون و لم يدخلوا في التعريف بدون التبديل المذكور.

فمردود؛ لعدم صدق الغصب عرفاً على شيء من ذلك جدّاً، و الحكم بالضمان فيها لم يكن وجهه في الغصب منحصراً؛ لعدم التلازم بينهما إجماعاً، و لذا قالوا: إنّ أسباب الضمان غير منحصرة فيه (3).

____________

(1) لاحظ تحرير الأحكام 2: 137، تبصرة المتعلّمين: 108، إيضاح الفوائد 2: 166، الروضة البهية 7: 15، 19، جامع المقاصد 6: 208، المفاتيح 3: 170.

(2) كما في الروضة البهية 7: 19، و المفاتيح 3: 170.

(3) التذكرة 2: 374، الروضة 7: 19، مجمع الفائدة و البرهان 10: 493، 495.

7

مع أنّ الغصب من الأفعال المحرّمة بدليل العقل و الآيات المتكاثرة و السنة المستفيضة، بل المتواترة، و إجماع الأُمّة المحقّق و المحكيّ في كلام جماعة (1) إلى حدّ الاستفاضة، فلو صدق الغصب عليها حقيقةً لاستلزم حرمتها مع أنّها مقطوع بعدمها.

و حيث قد عرفت اعتبار الاستقلال أو الاستيلاء في الغصب ظهر لك الوجه بعد ملاحظة الأصل أيضاً أنّه لا يضمن أحد و إن أثم- لو منع المالك من إمساك الدابّة المرسلة فتلفت، لا عينها و لا منفعتها زمن المنع.

و كذا لا يضمنهما لو منعه من القعود على بساطه و السكنى في داره فتلفا؛ لما عرفت من الأصل، و عدم صدق الغصب الموجب للضمان بالإجماع بناءً على فقد جزئه المفهوم منه لغةً و عرفاً هنا، و هو إثبات اليد.

قيل: و يشكل بأنّه لا يلزم من عدم الغصب عدم الضمان؛ لعدم انحصار السبب فيه، بل ينبغي أن يختصّ ذلك بما لا يكون المانع سبباً في تلف العين بذلك بأن اتفق تلفها مع كون السكنى غير معتبرة في حفظها، و المالك غير معتبر في مراعاة الدابّة كما يتّفق لكثير من الدور و الدوابّ، أمّا لو كان حفظه متوقّفاً على سكنى الدار و ركوب الدابّة لضعفها أو كون أرضها مسبعة مثلًا فإنّ المتّجه الضمان؛ نظراً إلى كونه سبباً قويّاً مع ضعف المباشر (2).

____________

(1) كالعلّامة في التذكرة 2: 373، و الشهيد الأول في الدروس 3: 105، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 253، و 254، و الروضة 7: 18.

(2) قال به الشهيد الثاني في الروضة 7: 19.

8

و هو حسن، وفاقاً لجماعة من المتأخّرين كما في المسالك و الكفاية (1) و اختاراه أيضاً، لا لما ذكر من أنّ عدم الغصب لا يلزم منه عدم الضمان لاحتماله بسبب آخر؛ لنفيه بالأصل المتقدّم، و لذا سُلّم عدم الضمان في صورة عدم سببيّة المانع للتلف.

بل لأنّ نفي احتمال سببيّة سبب آخر في الضمان بالأصل، إنّما يتوجّه حيث لا يمكن إثباته بدليل آخر أقوى منه و أخصّ، و هو في صورة سببيّة المانع و ضعف المباشر ممكن؛ لعموم: «لا ضرر و لا إضرار في الدين» (2) بناءً على صدق الإضرار بمنع المانع في هذه الصورة عرفاً، فيتوجّه ضمانه حينئذٍ جدّاً.

و من هنا يتوجّه الحكم بضمان نقص القيمة السوقية للمتاع إذا حصل بمنع المالك عن بيعه و لو مع بقاء العين و صفاتها.

و ذكر القائل المتقدّم هنا أنّه لم يضمن قطعاً؛ لأنّ الفائت ليس بمال، بل اكتسابه (3).

و هو كما ترى؛ لاتّحاد وجه الحكم بالضمان هنا و فيما مضى، و هو صدق الإضرار المنفيّ شرعاً، و ليس فيه ما يقتضي تخصيص الضرر المنفيّ بما يكون متعلّقه مالًا، و لعلّه لذا قوّى الشهيد(رحمه الله) في بعض فتاويه الضمان في الجميع (4)، و إنّ قوّى في الدروس عدم الضمان مطلقاً (5)، وفاقاً

____________

(1) المسالك 2: 254، الكفاية: 255.

(2) انظر الوسائل 25: 427 أبواب إحياء الموات ب 12.

(3) الروضة البهية 7: 21.

(4) حكاه عنه في المسالك 2: 254.

(5) الدروس 3: 105، 106.

9

للمشهور كما في المسالك و الكفاية (1).

و يصحّ أي و يتحقّق و يتصوّر غصب العقار كالمنقول بلا خلاف بيننا، بل في ظاهر الكفاية و المسالك أنّ عليه الإجماع منّا و من أكثر العلماء (2)؛ لأنّ المعتبر منه الاستقلال بإثبات اليد أو الاستيلاء، و تحقّقهما ممكن في العقار كغيره.

و من ثمّ أمكن قبضه في البيع و نحوه ممّا يعتبر فيه القبض، و هو لا يتحقّق بدون الاستقلال بإثبات اليد عليه، فليكن هنا كذلك.

هذا مضافاً إلى الخبر: «من غصب شبراً من الأرض طوّقه اللّٰه تعالى من سبع أرضين إلى يوم القيامة» (3).

و في آخر: «من خان جاره شبراً من الأرض جعله اللّٰه تعالى طوقاً في عنقه من تخوم الأرض السابعة حتّى يلقى اللّٰه عزّ و جلّ يوم القيامة مطوّقاً إلّا أن يتوب و يرجع» (4).

و في ثالث: «من أخذ أرضاً بغير حقّ كُلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر» (5).

خلافاً لبعض العامة، فقال: لا يمكن غصبه بل إنّما يضمن بالانهدام فإذا دخل و انهدم ضمن المهدوم (6).

____________

(1) المسالك 2: 254، الكفاية: 255.

(2) الكفاية: 255، المسالك 2: 254.

(3) المغني لابن قدامة 5: 379 بتفاوت يسير.

(4) الفقيه 4: 6/ 1، الوسائل 25: 386 أبواب الغصب ب ا ح 2.

(5) التهذيب 6: 294/ 819، الوسائل 25: 388 أبواب الغصب ب 3 ح 2.

(6) قال به أبو حنيفة و أبو يوسف، حكاه عنهما السرخسي في المبسوط 11: 73، و ابني قدامة في المغني و الشرح الكبير 5: 375، 378.

10

و ضعفه ظاهر، مع عدم الدليل عليه.

و اعلم أنّه إنّما يضمن بمجرّد الاستقلال به أي: بالعقار، بإثبات اليد عليه و لو بأن يستولي عليها و يتسلّم مفاتيحها من دون أن يزعج المالك و يخرجه منها، على ما يقتضيه إطلاق العبارة و نحوها، و به صرّح جماعة كالمسالك و الكفاية (1).

خلافاً للعلّامة فاعتبر مع ذلك الدخول و الإزعاج (2).

و وجهه غير واضح؛ لصدق الغصب بدونهما بمجرّد الاستقلال و الاستيلاء عرفاً، أ لا ترى أنّه لو كان المالك غائباً يتحقّق الغصب و لا إزعاج أصلًا، و كذا لو استولى مع المالك صار غاصباً و لو في الجملة مع أنّه لا إزعاج فيه بالمرّة، فظهر أنّ الاعتبار باليد و الاستقلال بلا شبهة.

قيل: و لعلّ المراد به عدم قدرة المالك على تصرّفه فيما هو بيده و تصرّفه، بمعنى أنّه لم يمكّنه من ذلك و إن كان جالساً معه، فإنّه حينئذٍ يكون وجوده و عدمه سواء (3).

و هو حسن.

و لو سكن الغاصب الدار قهراً مع صاحبها ففي الضمان قولان مبنيّان على الاختلاف في تعريف الغصب بأنّ المعتبر فيه الاستقلال فلا يضمن، أو الاستيلاء فيضمن، و حيث قد عرفت أظهرية الثاني ظهر لك توجّه الضمان كما عليه الأكثر وفاقاً للشيخ (4)، و نبّه على الأكثرية شيخنا في

____________

(1) المسالك 2: 254، الكفاية: 255.

(2) القواعد 1: 201.

(3) قال به الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 10: 503.

(4) المبسوط 3: 73.

11

المسالك و صاحب الكفاية (1).

هذا مع إمكان تصحيح هذا القول على تقدير اعتبار الاستقلال أيضاً كما هو ظاهر جمع، منهم: الشهيدان في الدروس و الروضة (2)، و الفاضل المقداد في التنقيح، قال فيه بعد تعليل عدم الضمان بعدم استقلال يد الغاصب؛ لأنّه إنّما يحصل برفع يد المالك و لم يرفع-: و فيه نظر؛ لأنّه إن أراد باستقلال اليد عدم المشاركة فهو باطل و إلّا لزم عدم الضمان على شخصين اشتركا في غصب شيء واحد، و إن أراد به إثباته على وجه يرتفع به يد المالك فهو مصادرة على المطلوب؛ لأنّ ذلك غير المتنازع فيه (3).

و لو قلنا بالضمان ضمن النصف عيناً و قيمةً، كما إذا كان له شريك في الغصب. و إطلاق العبارة و نحوها من عبائر الجماعة يقتضي عدم الفرق في ضمانه النصف بين وحدة المالك و تعدّده.

و يحتمل تخصيصها بالصورة الأُولى و الرجوع في الثانية إلى الضمان بالنسبة، فلو كان اثنين لزمه الثلث، و ثلاثة لزمه الربع، و أربعة لزمه الخمس.

و استقربه في التنقيح إلحاقاً للمفروض بما لو تعدّد الغاصب، و قال بعد ذلك: و التحقيق يقتضي الضمان على نسبة ما استولى عليه و استقلّ به، إن نصفاً فنصفاً، و إن ثلثاً فثلثاً، و هكذا (4).

و هو جيّد.

و على القول بالضمان لا بُدّ من التقييد بكونه متصرّفاً في النصف مثلًا

____________

(1) المسالك 2: 255، الكفاية: 255.

(2) الدروس 3: 106، الروضة 7: 21.

(3) التنقيح 4: 66.

(4) التنقيح 4: 67.

12

بحيث يمنع المالك من أنواع التصرّفات فيه كالبيع و الهبة و أمثالهما، لا مجرّد السكنى. و كونِ شركته على الإشاعة من غير اختصاص بموضع معيّن، أمّا معه فالمتجه ضمانه كائناً ما كان.

و لو كان قويّاً مستولياً و صاحب الدار ضعيفاً بحيث اضمحلّت يده معه احتمل قويّاً ضمان الجميع.

و لو انعكس الفرض بأن ضعف الساكن الداخل على المالك عن مقاومته، و لكن لم يمنعه المالك مع قدرته ضمن الساكن اجرة ما سكن خاصّة؛ لاستيفائه منفعته بغير إذن مالكه.

هذا مع حضور المالك، و أمّا مع غيبته فلا شبهة في ضمانه العين أيضاً؛ لتحقق الاستيلاء حينئذٍ جدّاً.

و يضمن حمل الدابّة لو غصبها، و كذا غصب الأمة الحامل غصب لحملها بلا خلاف أجده ظاهراً؛ لأنّه مغصوب كالأُمّ، و الاستقلال باليد عليه حاصل بالتبعية لها.

و ليس كذلك حمل المبيع فاسداً حيث لا يدخل في البيع؛ لأنّه ليس مبيعاً فيكون أمانةً في يد المشتري؛ لأصالة عدم الضمان، و لأنّ تسلّمه بإذن البائع.

مع احتمال الضمان؛ لعموم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1) مع الشك في صدق الأمانة عليه. و به قطع الماتن في الشرائع (2).

قالوا: فإن أسقطت الحمل و بقيت الامّ لزمه تفاوت ما بين قيمتها

____________

(1) غوالي اللآلي 1: 224 و 2: 345، مستدرك الوسائل 17: 88 أبواب الغصب ب 1 ح 4.

(2) الشرائع 3: 236.

13

حاملًا و حائلًا، و إن تلفت بعد الوضع أُلزم بالأكثر من قيمة الولد و قيمتها حاملًا إن اعتبرنا الأكثر، و إلّا فقيمة يوم التلف (1).

و اعلم أنّه لا خلاف في أنّه لو تعاقبت الأيدي على المغصوب فالضمان على الكل سواء علموا بالغصب جمعياً أم جهلوا أم بالتفريق؛ لتحقّق التصرّف في مال الغير بغير إذنه الموجب للضمان؛ لعموم قوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» و إن انتفى الإثم عن الجاهل بالغصب.

و حينئذ يتخيّر المالك في تضمين من شاء منهم العين و المنفعة، أو تضمين الجميع بدلًا واحداً بالتقسيط و إن لم يكن متساوياً؛ لأنّ جواز الرجوع على كلّ واحد بالجميع يستلزم جواز الرجوع بالبعض.

و كذا له تقسيط ما يرجع به على أزيد من واحد و ترك الباقين؛ لما ذكر. و يرجع الجاهل منهم بالغصب إذا رجع عليه المالك على من غرّه فسلّطه على العين أو المنفعة و لم يُعلِمه بالحال، و هكذا الآخر إلى أن يستقرّ الضمان على الغاصب العالم و إن لم تتلف العين في يده.

هذا إذا لم يكن يد من تلفت في يده يد ضمان كالعارية، و إلّا لم يرجع على غيره.

و لو كانت أيدي الجميع عاريةً تخيّر المالك في الرجوع عليهم أو بعضهم، و استقرّ الضمان على من تلفت في يده فيرجع غيره عليه لو رجع المالك عليه دونه، و كذا يستقرّ المنفعة على من استوفاها.

و الحرّ لا يُضمن بالبناء للمفعول بالغصب عيناً و لا منفعةً مطلقاً

____________

(1) كما في التحرير 2: 137، و المسالك 2: 255، و الكفاية: 255.

14

و لو كان صغيراً؛ للأصل، و عدم صدق الغصب عليه عرفاً؛ لأنّ متعلّقه فيه ما كان مالًا كما مضى، و هو ليس بمال مطلقاً.

لكن لو أصابه تلف بسبب الغاصب من نحو الجناية على نفسه أو طرفه مباشرةً أو تسبيباً ضمنه إجماعاً، كما يأتي في محلّه في كتاب الجنايات إن شاء اللّٰه تعالى.

ثم إنّ عدم الضمان في غير هذه الصورة إجماعيّ في الكبير مطلقاً، و الصغير إذا كان تلفه بالموت الطبيعي من قبل اللّٰه تعالى، كما في الروضة و التنقيح (1).

و لو كان لا من قبل اللّٰه تعالى و لا بسببه أي الغاصب كالموت بافتراس السبع و لدغ الحيّة و نحو ذلك فقولان للمبسوط (2)، ينشئان مما مرّ، و من أنّه سبب الإتلاف، و أنّ الصغير لا يستطيع دفع المهلكات عن نفسه، و عروضها أكثريّ فمن ثَمّ رجّح السبب.

و قوّى هذا في الخلاف و القواعد و المختلف و الدروس (3)، و يعضدهم الخبر: «من استعار حرّا صغيراً فعيب ضمن» (4) بناءً على أنّ الاستعارة أهون من الغصب.

لكنّه بعد الإغماض عن سنده شاذّ لا قائل بإطلاقه، و مع ذلك كفتوى الجماعة بالضمان في المسألة موافق لرأي أبي حنيفة، كما عن

____________

(1) الروضة 7: 27، التنقيح 4: 67.

(2) المبسوط 3: 105، و 7: 18.

(3) الخلاف 3: 421، القواعد 1: 202، المختلف: 459، الدروس 3: 106.

(4) الكافي 5: 302/ 2، قرب الإسناد: 146/ 527 و فيه: من استعان، الوسائل 29: 246 أبواب موجبات الضمان ب 12 ح 2.

15

الخلاف و في التذكرة (1)، و مع ذلك تعليلهم المشار إليه غير صالح للحجّية، و تخصيص أصالة البراءة القطعية.

فالمسألة إمّا الأظهر فيها عدم الضمان كما هو الأشهر بين الطائفة على ما صرّح به في المسالك و الكفاية (2)، أو محل تردّد كما هو ظاهر المتن و الإرشاد (3)، و لكن ربما يستوحش منه.

و يعضد القول بالضمان ملاحظة أنّ فتح باب عدم الضمان في مثله يفضي إلى الحيل لقتل الناس بأن يخلّيه و يدعه في مسبعة و مضيعة، و أنّ الضمان يناسب عدوانه و يقابل بفعله الشنيع.

و هو مع ما فيه من أنّه استبعاد محض جارٍ في الكبير أيضاً، و لذا قيل: إنّ الظاهر عدم الفرق بين الكبير (4) المجنون و الطفل الغير المميز الغير القادر على الدفع عن نفسه و هو مثل الحيوان. بل الظاهر عدم الفرق بينهما (5) و بين الكبير إذا حبس بحيث لا يقدر على الخلاص منه، ثم حصل في الحبس شيء أهلكه مثل لدغ الحيّة أو غيره؛ لاشتراك العلّة المتقدّمة، (فإنّ الكبير مع عدم قدرته) (6) على دفع الحيّة و العقرب إذا لم يره في الحبس لظلمته كالطفل، بل و كالحيوانات التي لا شعور لها (7)، انتهى.

و لكنّ الأكثر خصّوه بالصغير فلا يمكن أن يستدلّ لهم بهذا التعليل.

____________

(1) الخلاف 3: 421، التذكرة 2: 376.

(2) المسالك 2: 255، الكفاية: 255.

(3) الإرشاد 1: 445.

(4) في «ص» زيادة: و، و الصواب ما أثبتناه من المصدر.

(5) في «ص» بينهم، و ما أثبتناه من المصدر.

(6) بدل ما بين القوسين في «ص»: فإنّ كبره مع قدرته، و ما أثبتناه من المصدر.

(7) مجمع الفائدة و البرهان 10: 512.

16

و لو حبس صانعاً حرّا زماناً له اجرة عادةً لم يضمن أُجرته إذا لم يستعمله، قالوا: لأنّ منافع الحرّ لا تدخل تحت اليد تبعاً سواء كان قد استأجره لعمل قد اعتقله و لم يستعمله، أم لا. نعم لو كان قد استأجره مدّة معيّنة فمضت زمن اعتقاله و هو باذل نفسه للعمل استقرّت الأُجرة؛ لذلك، لا للغصب، بخلاف الرقيق؛ لأنّه مال محض و منافعه كذلك.

و ظاهرهم القطع بعدم الضمان في صورته، و به صرّح في الكفاية (1).

فإن تمّ إجماعاً، و إلّا ففيه مناقشة حيث يكون الحابس سبباً مفوّتاً لمنافع المحبوس؛ لقوّة الضمان فيه، لا للغصب؛ بل لإيجابه الضرر عليه المنفيّ.

و عليه نبّه الفاضل المقدس الأردبيلي في الشرح، قال بعد تقوية الضمان-: لدفع المفاسد، و لدفع ضرر عظيم، فإنّه قد يموت هو و عياله من الجوع، و لا يكون في ذلك مانع (2)، مع كونه ظالماً و عادياً؛ و وجودِ ما يدلّ على جواز التعدي بما اعتدى، و جزاء السيئة سيئة، و القصاص، و نحو ذلك، فتأمّل. انتهى (3).

و تبعه خالي العلّامة دام ظلّه في حواشيه عليه، قال بعد تقوية ما ذكره الشارح-: و بالجملة إن ثبت إجماع أي على ما ذكره الأصحاب و إلّا فالأمر كما ذكره (4) أي الشارح.

أقول: و يحتمل قويّاً اختصاص ما ذكره الأصحاب بصورة عدم

____________

(1) الكفاية: 255.

(2) في النسخ: مال، و ما أثبتناه من المصدر.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 10: 513.

(4) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 615.

17

استلزام الحبس التفويت كما فرضناه، بل الفوات خاصّةً.

و ربما يستفاد ذلك من التذكرة حيث إنّه مع تصريحه بما ذكره الأصحاب قال في عنوان البحث: منفعة بدن الحرّ تضمن بالتفويت لا بالفوات (1)، انتهى، فتأمّل.

و يظهر الفرق بين المقامين فيما لو حبسه مدّةً لها أُجرة عادةً، فإن كان لو لم يحبس لحصّلها كان حبسه سبباً لتفويتها فيضمن هنا كما ذكراه. و إن كان لو لم يحبس لم يحصّلها أيضاً لم يكن حبسه سبباً لتفويتها، و هذا مراد الأصحاب في حكمهم بنفي الضمان فيه كما احتملناه من كلامهم.

و لا شبهة فيه، كما لا شبهة في أنّه لو انتفع به باستخدامه ضمن اجرة الانتفاع مع أنّه لا خلاف فيه.

و لا تضمن الخمر لو غصبت من مسلم أو كافر متظاهر و إن كان قد اتّخذها للتخليل؛ إذ لا قيمة لها في شرع الإسلام. لكن هنا يأثم الغاصب و يجب عليه ردّها مع بقاء عينها.

و لو تخلّلت ردّها خَلّاً؛ لأنّها مملوكة على هذا الوجه، فلا يزول ملكها بانتقالها إلى الصفة المحلّلة، بل تتأكّد.

و إن تلفت عينها عند الغاصب فإن كان بعد التخليل لزمه الخلّ، و إن كان قبله أثم و سقط عنه الضمان في المشهور، كما في المختلف و المسالك (2) و غيرهما؛ لأنّ حق الإمساك لا يوجب الضمان.

خلافاً للإسكافي (3) فحكم له بقيمتها خلّاً؛ لأنّ له حقّ اليد فكان عليه

____________

(1) التذكرة 2: 382.

(2) المختلف: 459، المسالك 2: 256.

(3) نقله عنه في المختلف: 459.

18

الضمان بإتلاف حقّه، و لا يصحّ الضمان بالمثل، فيضمن بالقيمة و يجب الخلّ؛ لأنّه أقرب إلى العين.

و يضعّف بأنّ فيه تدافعاً؛ لأنّ جعلها حينئذٍ قيميّةً يقتضي إيجاب القيمة كيف كان، فلا وجه للانتقال إلى الخلّ و إن كان أقرب.

و لا فرق في إطلاق العبارة و غيرها من عبائر الجماعة، بل صريح بعضها بين كون الغاصب مسلماً أو كافراً، و بالإجماع على عدم الضمان مطلقاً في الأوّل صرّح الفاضل في التذكرة (1)، و ظاهرها عدم الخلاف فيه كذلك في الثاني. و به أيضاً يضعّف (2) مختار الإسكافي.

و يضمنها الغاصب مطلقاً مسلماً كان أو كافراً لو غصبها من ذمّي مستتر بلا خلاف بيننا، بل عليه في ظاهر المبسوط و التذكرة إجماعنا (3)؛ لأنّها مال بالإضافة إليه و قد أقرّ عليه، و لم يجز مزاحمته فيه.

ثم إن كان الغاصب مسلماً لزمه قيمتها عند مستحلّيها قولًا واحداً كما في المسالك (4)، و في ظاهر التذكرة أنّ عليه إجماعنا (5)؛ لتعذّر إلزامه بالمثل شرعاً و إن كان بحسب القاعدة مثليّا.

و إن كان الغاصب كافراً ففي إلزامه بالمثل أو القيمة وجهان: من أنّه مال مملوك لهم و هو مثليّ فيضمن بمثله؛ إذ لا مانع منه هنا. و من أنّه يمتنع في شرع الإسلام الحكم بثبوت الخمر في ذمّة أحد، و إن كنّا لا نعترضهم إذا لم يتظاهروا بها، فامتنع الحكم بالمثل لذلك فوجب الانتقال إلى القيمة، كما

____________

(1) التذكرة 2: 379.

(2) في «ص» زيادة: لنا.

(3) المبسوط 3: 100، التذكرة 2: 379.

(4) المسالك 2: 256.

(5) التذكرة 2: 379.

19

لو تعذّر المثل في المثليّ.

و لعلّ هذا أقوى وفاقاً لأكثر أصحابنا، بل عليه في ظاهر التذكرة إجماعنا (1).

خلافاً للقاضي في أحد قوليه فاختار الأوّل (2). و نقله في التذكرة عن أبي حنيفة (3).

و كذا الحكم في الخنزير إلّا أنّ ضمان قيمته حيث يجب واضح؛ لأنّه قيميّ حيث يملك.

و اعلم أنّه كما يوجب الغصب الضمان كذلك الإتلاف يوجبه أيضاً بلا خلاف؛ و لعلّه لحديث: لا ضرر و لا إضرار (4).

و لا فرق في المتلف بين كونه عيناً أو منفعةً. و هو قد يكون بالمباشرة و إيجاد علّة التلف كالأكل، و الحرق، و القتل، و نحو ذلك، و بالسبب و فعل ملزوم العلّة كحفر البئر. و إذا اجتمعا قدّم المباشر بلا خلاف ظاهر، بل ظاهرهم الإجماع عليه، و به صرّح المقدس الأردبيلي (رحمه الله) قال: و كأنّه مجمع عليه (5).

و ذلك كما لو سعى إلى ظالم بآخر فأخذ ماله، أو فتح بابه على مال فسرق أو دلّ السرّاق إلى مال فسرقوه، فإنّ في جميع هذه المسائل ضمن المباشر الذي هو الظالم السارق دونه أي دون السبب. قالوا: لأنّه أقوى.

____________

(1) التذكرة 2: 379.

(2) المهذب 1: 444.

(3) التذكرة 2: 379.

(4) الوسائل 25: 427/ أبواب إحياء الموات ب 12.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 10: 501.

20

و فيه نظر، فإنّ القوّة لا تدفع الضمان عن السبب بعد وجود ما يقتضي ضمانه أيضاً، و هو ما مرّ من حديث نفي الضرر. و لا امتناع في الحكم بضمانهما معاً و تخيّر المالك في الرجوع إلى أيّهما شاء كالغصب. فلولا الإجماع الظاهر المعتضد بالأصل لكان القول بضمانهما كترتّب الأيدي في الغصب في غاية الحسن.

و على هذا نبّه خالي العلّامة دام ظلّه في حاشيته على شرح الإرشاد (1)، إلّا أنّ ظاهره سلّمه اللّٰه المصير إليه، أو بقاؤه في شباك التردّد من دون أن يقطع بما ذكره الأصحاب، و لعلّه لتوقّفه في فهم الإجماع، و تردّده في قبول حكايته من ناقله؛ لعدم قطعه به.

و هو حسن، و لكن الإجماع ظاهر، فالمصير إلى ما ذكره الأصحاب متعيّن إلّا مع قوّة السبب كالمكره، و الملقي للحيوان في المسبعة لو قتله السبع؛ لاتّفاقهم أيضاً على هذا الاستثناء.

و لذا قالوا: لو أزال القيد عن فرس و نحوه فشرد، أو عن عبد مجنون فأبق أو قفص طائر فطار ضمن المزيل، و نفى الخلاف في جميع ذلك في المبسوط (2) في الجملة، و عليه كذلك في ظاهر التذكرة إجماع الإماميّة (3). و يحتج لضمانه زيادةً عليه بما مرّ من حديث نفي الضرر.

و يبقى الإشكال في (4) الحكم بنفي الضمان عن المباشر لو كان؛

____________

(1) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 609.

(2) المبسوط 3: 89.

(3) التذكرة 2: 375.

(4) في «ص» زيادة: نفي.

21

لثبوت ضمانه و إن ضعف بعموم على اليد، و لا مانع من اجتماع الضمانين كما مرّ. و لكن المخرج عن هذا الإشكال كالمخرج عن الإشكال الأوّل بناءً على انعقاد الإجماع في الظاهر على اختصاص الضمان بالسبب القويّ دون المباشر.

و مما ذكرنا يظهر الوجه فيما حكموا به من غير خلاف يعرف من أنّه لا يضمن لو أزاله أي القيد عن عبد عاقل بناءً على قوّة المباشر أي هو العبد؛ لأنّ له اختياراً صحيحاً فذهابه محال عليه؛ إذ لا يتوقّع منه الفرار، بخلاف المجنون.

قيل: هذا إذا لم يكن آبقاً، و إلّا ففي ضمانه وجهان: من أنّه بعقله يحال عليه الفعل. و من أنّ إطلاقه و قد اعتمد المالك ضبطه إتلاف عليه فكان كحلّ المجنون و البهيمة. انتهى (1).

و هذا ظاهر في عدم الإجماع على الحكم في الآبق، و عليه فالوجه الثاني متعيّن؛ لما مرّ من عموم ما دلّ على ضمان السبب، و إنّما خرج عنه في محلّ الإجماع به، و هو مفقود في المقام بمقتضى الفرض.

[الثاني في الأحكام]

الثاني: في الأحكام يجب ردّ المغصوب على مالكه ما دامت العين باقيةً يمكنه ردّها، سواء كانت على هيئتها يوم غصبها أم زائدة، أم ناقصة و إن تعسّر ردّه، و استلزم ذهاب مال للغاصب كالخشبة المستدخلة في البناء، و اللوح في السفينة و الخيط في الثوب، و الممزوج الشاق تمييزه كالحنطة بالشعير و نحو ذلك.

____________

(1) قال به الشهيد الثاني في المسالك 2: 257.

22

بلا خلاف في شيء من ذلك إلّا في وجوب فوريّة الردّ مع ذهاب مال للغاصب أو من بحكمه. و بعدم الخلاف صرّح في التذكرة (1)، و هو ظاهر المسالك (2) و غيره (3). و بالإجماع عليه صرّح جماعة كالشهيدين في الدروس و الروضة، و المقدّس الأردبيلي (4) (رحمه الله) و هو ظاهر الكفاية (5)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلى عموم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي». و لم ينقل الخلاف في المسألة إلّا عن أبي حنيفة (6) في الخشبة المستدخلة في البناء أو المبنيّ عليها حيث حكم فيها بملكه للغاصب، و وجوب غرم قيمته على الغاصب.

و يضعّف زيادة على ما مر بأنّ البناء العدوان لا يزيل ملك المالك، كما لو غصب أرضاً و بنى عليها باعترافه، و أنّ القدرة على المثل تمنع العدول إلى القيمة؛ لأنّ المثل أقرب إلى المغصوب، فأولى أن تمنع القدرة على العين العدول إلى القيمة.

و بالجملة لا ريب في فساد ما ذكره، و وجوب ردّ العين فوراً إلى مالكه و إن استلزم ذهاب مال الغاصب، كما هو ظاهر إطلاق العبارة و الأكثر

____________

(1) التذكرة 2: 395، 396.

(2) المسالك 2: 258.

(3) انظر السرائر 2: 484.

(4) الدروس 3: 109، الروضة 7: 36، الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 10: 520.

(5) الكفاية: 256.

(6) حكاه عنه في الخلاف 3: 409.

23

كما في المسالك (1).

و ذكر فيه و في الروضة و الشهيد في الدروس (2) أنّه لو خيف غرق الغاصب أو غرق حيوان محترم، أو مال لغيره و لم يكن بحكمه كأن تصرّف في المغصوب جاهلًا بالغصب لم ينزع إلى أن يصل إلى الساحل.

و لو عاب بالإخراج من البناء و نحوه ضمن الأرش إجماعاً كما في الروضة (3)؛ لأنّه عوض عن أجزاء ناقصة، أو أوصاف، و كلاهما مضمون، سواء كان النقص من الغاصب أو من غيره و لو من قبل اللّٰه تعالى.

و لو بلغ حدّ الفساد على تقدير الإخراج بحيث لا يبقى لها قيمة، فالواجب تمام قيمتها بلا خلاف.

و في جواز إجباره على النزع حينئذٍ وجهان: من فوات الماليّة، و بقاء حقّ المالك في العين. و الأوّل أجود و إن حكى في المسالك عن ظاهر الأصحاب الثاني؛ لأنّها تنزّل منزلة المعدوم (4). و فيه نظر و لو تلف المغصوب أو تعذّر العود إليه و ردّه ضمن الغاصب مثله إن كان المغصوب مثليّا، بلا خلاف؛ لأنّه أقرب إلى التالف.

و قد اختلف عباراتهم في ضبط المثليّ، فالمشهور بينهم كما في المسالك و الكفاية (5) أنّه ما كان متساوي الأجزاء قيمةً، أي أجزاء النوع الواحد منه، كالحبوب و الأدهان، فإنّ المقدار من النوع الواحد منه يساوي مثله في القيمة، و نصفه يساوي نصف قيمته.

____________

(1) المسالك 2: 258.

(2) الروضة 7: 36، الدروس 3: 109.

(3) الروضة 7: 44.

(4) المسالك 2: 258.

(5) المسالك 2: 259، الكفاية: 257.

24

و ضبطه بعضهم بالمقدّر بالكيل أو الوزن (1)، و بعضهم بأنّه ما تتساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية (2). و زاد آخرون عليه اشتراط جواز السلم فيه (3).

و عرّفه في الدروس (4) بأنّه المتساوي الأجزاء و المنفعة المتقاربة الصفات، و تبعه في المسالك و الكفاية (5)، قائلين: إنّه أقرب التعريفات إلى السلامة.

و لا يذهب عليك عدم ظهور حجّة لهذه التعريفات عدا العرف و اللغة، و هما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثل المطلق و ترجيحهما أحدَ الآراء لا دلالة لهما؛ إذ هي فرع تعليق الحكم على لفظ المثل في دليل، و ليس بموجود عدا قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (6). و فيه نظر؛ لاحتمال كون المراد بالمثل فيه مثل أصل الاعتداء، لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه، فتأمّل. هذا.

مع أنّه لم يظهر حجّة على أصل اعتبار المثل في المثلي، و القيمة في القيمي عدا الإجماع و الاعتبار، و ليس فيهما ما يرجّح أحد التعريفات، فليرجع في خصوص الأفراد إلى ما جُمع على كونه مثليّا أو قيميّاً.

و لا إشكال فيما ظهر فيه، و يشكل الأمر فيما عداه، و ينبغي الاحتياط

____________

(1) انظر الأُم 3: 254، بداية المجتهد 2: 317.

(2) غاية المراد 2: 398.

(3) انظر فتح العزيز المطبوع مع المجموع 11: 266.

(4) الدروس 3: 113.

(5) المسالك 2: 259، الكفاية: 257.

(6) البقرة: 194.

25

في مثله بالرجوع إلى الصلح و التراضي إن أمكن، و إلّا فلا يبعد ترجيح مختار الأكثر؛ لرجحانه بالشهرة.

و لولاها لكان العمل بالتخيير بين الآراء متّجهاً، كما هو الحال في ترجيح الأقوال المختلفة التي لا مرجّح لأحدها على الآخر من الأدلّة.

و ربما يرجّح مختار الأكثر أيضاً على أكثر ما عداه بسلامته عن النقض الذي يورد عليه من شموله للثوب؛ لأنّ قيمة أجزائه متساوية، مع أنّه قيمي، و ذلك فإنّه يمكن أن يقال: الثوب ليس بمتساوي الأجزاء فإنّ ذراعاً منه قد يسوى عثمانيا و الآخر شاهيات، بل ربما لا تكون له قيمة أصلًا كما لا يخفى.

و أمّا ما يورد على مختارهم من أنّه إن أُريد التساوي بالكلّية فالظاهر عدم صدقه على شيء من المعرّف؛ إذ ما من شيء إلّا و أجزاؤه مختلفة في القيمة في الجملة مثل الحنطة و الشعير و جميع ما قيل إنّه مثلي، فإنّ حنطة قد تكون تغارها تساوي عشرين و الآخر عشر شاهيات، و بالجملة التفاوت معلوم.

و إن أُريد التساوي في الجملة فهو في القيمي أيضاً موجود مثل الثوب و الأرض و نحوهما.

و إن أُريد مقداراً خاصّاً فهو حوالة إلى المجهول.

فيضعّف بما ذكره خالي العلّامة (1) دام ظلّه بأنّه لعلّ المراد التفاوت المتعارف المعتدّ به عند أهل العرف، أي ما يكون متساوي الأجزاء عرفاً يكون مثليّا، و غير المتساوي كذلك غير مثليّ، فتأمّل. و أيضاً المثلي

____________

(1) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 620.

26

ما تعارف تحقّق المثل له بحيث يساويه و يماثله في الطبيعة و المميّز النوعي و الصنفي، و هو أقرب إليه من كلّ جنس و إن كان مثل الدرهم و الدينار، فتأمّل.

ثم إنّه إذا كان المثل موجوداً و لم يسلّمه حتّى فقد، لزمت القيمة عليه. و ذكر جماعة (1) أنّ المراد من الفقدان أن لا يوجد في ذلك البلد و ما حوله ممّا ينقل إليه عادةً.

و فيه نظر، بل مقتضى الأصل لزوم تحصيل المثل و لو من البلاد النائية التي لم ينقل إليها عادةً، إن لم يستلزم التكليف بالمحال، فتأمّل.

و في القيمة المعتبرة حينئذٍ أوجه:

أوّلها و هو أشهرها كما في المسالك و الكفاية (2)-: اعتبار قيمته حين تسليم البدل.

و ثانيها: اعتبارها وقت الإعواز.

و ثالثها: اعتبار أقصى القيم من حين الغصب إلى حين دفع العوض، و هو المعبّر عنه بيوم الإقباض.

و رابعها: اعتبار الأقصى من حينه إلى حين الإعواز.

و خامسها: اعتبار الأقصى من حين الإعواز إلى حين دفع القيمة.

و العمل على الأوّل.

و اعلم: أنّه قد ظهر مما مرّ أنّه إن لم يكن المغصوب مثليّا يلزم قيمته إجماعاً.

____________

(1) منهم العلامة في التذكرة 2: 383، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 259، و السبزواري في الكفاية: 257.

(2) المسالك 2: 259، الكفاية: 257.

27

و في اعتبار ضمانها بين الأصحاب أقوال: أحدها و هو الذي اختاره الماتن هنا مشيراً إليه بقوله: و قيمته يوم الغصب إن كان مختلفها (1) [مختلفاً. أي مختلف الأجزاء قيمة، وفاقاً لموضع من المبسوط (2) و نسبه في الشرائع (3) إلى الأكثر؛ لأنّه أوّل وقت دخول العين في ضمان الغاصب، و الضمان إنّما هو لقيمتها فيقضى بها حالة ابتدائه به.

و يضعّف بأنّ الحكم بضمان العين حينئذٍ بمعنى أنّها لو تلفت وجب بدلها و هو القيمة، لا وجوب قيمتها حينئذٍ، فإنّ الواجب ما دامت العين باقية ردّها، و لا ينتقل إلى القيمة إلّا مع تلفها، فلا يلزم من الحكم بضمانها على هذا الوجه اعتبار ذلك الوقت.

نعم ربما يمكن أن يستدلّ له بصحيحة أبي ولّاد (4) الطويلة المشهورة الواردة في ضمان البغلة المغصوبة المتضمّنة لقوله (عليه السلام) بعد أن سأله الراوي: أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني؟: «نعم قيمة بغل يوم خالفته». لكنّه مبنيّ على كون المراد القيمة الثابتة يوم المخالفة، لكنّه معارض باحتمال أن يكون المراد: يلزمك قيمة البغل يوم المخالفة، متعلّقاً ب«يلزم»، يعني لزوم القيمة في ذلك اليوم. و عليه فحدّ القيمة غير مبيّن مرجوع إلى ما يقتضيه الدليل.

و مع ذلك معارض باعتباره (عليه السلام) بعد ذلك في أرش العيب القيمة يوم

____________

(1) في المطبوع من المختصر (256):

(2) المبسوط 3: 60.

(3) الشرائع 3: 240.

(4) الكافي 5: 290/ 6، التهذيب 7: 215/ 943، الإستبصار 3: 134/ 483، الوسائل 25: 390 أبواب الغصب ب 7 ح 1.

28

الردّ، حيث إنّه (عليه السلام) بعد أن سأله الراوي بعد ذلك بقوله: قلت: و إن أصاب البغل كسر أو دبر أو عقر قال: «عليك قيمة ما بين الصحّة و العيب يوم تردّه عليه». فهذا القول ضعيف غايته، مع أنّي لم أجد القائل به عدا من مرّ و إن نسبه الماتن إلى الأكثر.

و قيل: أعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف اختاره الشيخ في النهاية و الخلاف و موضع من المبسوط، و ابن حمزة و الحلي (1).

و استحسنه الماتن في الشرائع (2)، و نسبه في المختلف و التنقيح (3) إلى الأشهر. و مال إليه في الدروس، و اختاره في اللمعة (4)، و قوّاه شيخنا في شرحها معتمداً على الصحيحة المتقدّمة، قال: و يمكن أن يستفاد منه اعتبار الأكثر منه إلى يوم التلف. و هو قويّ عملًا بالخبر الصحيح، و إلّا لكان القول بقيمته يوم التلف مطلقاً أقوى (5).

و في إمكان استفادة ما ذكره منها نظر، مع أنّه ذكر قبل هذا الكلام أنّ فيها ما يدلّ على القول الأوّل. و فيه أيضاً ما مرّ.

و لعلّه لذا لم يستدلّ بها على أحد هذين القولين و لا غيرهما من

____________

(1) حكاه عن النهاية في المهذّب البارع 4: 252، و المسالك 2: 260، و الموجود فيها في موضع (402): قيمة يوم الغصب، و في آخر (446): قيمة يوم التعدّي، و في ثالث (780): قيمة يوم التلف، و لم نعثر على غيرها، الخلاف 3: 403، 415، المبسوط 3: 70، الوسيلة: 276، السرائر 2: 481.

(2) الشرائع 3: 240.

(3) المختلف: 455، التنقيح 4: 70.

(4) الدروس 3: 113، اللمعة (الروضة البهية 7): 40.

(5) الروضة 7: 43.

29

القدماء أحد، بل استدلّوا بغيرها و منهم أرباب هذا القول، فقد استدلّوا له بأنّه مضمون في جميع حالاته التي من جملتها حالة أعلى القيم، و لو تلف فيها لزمه ضمانه فكذا بعده، و أنّه يناسب التغليظ على الغاصب.

و يضعّف بما يأتي من أنّ الزيادة للسوق ما دامت العين باقية غير مضمونة إجماعاً، و لا يلزم من ضمانها لو تلفت في تلك الحالة ضمانها مع عدم تلفها؛ لأنّ ضمان القيمة على تقدير تلفها (1) [حينئذٍ ما جاء من قبل الزيادة، بل من حيث الانتقال من ضمان العين إلى القيمة لفوات العين، و هو منتفٍ على تقدير عدم تلفها في تلك الحالة العليا.

و مؤاخذة الغاصب بالأشقّ لا يجوز بغير دليل يقتضيه، و قد تبيّن ضعفه.

و فيه وجه آخر بل وجهان، أحدهما: ضمان القيمة يوم التلف، اختاره القاضي و الفاضل في المختلف (2)، و نسبه في الدروس (3) إلى الأكثر.

و ما أبعد ما بينه و بين ما يستفاد من ظاهر العبارة أنّه ليس قول أحد و إنّما هو مجرّد وجه.

و وجهه أنّ العين ما دامت موجودة لا حقّ لمالكها في القيمة زادت أم نقصت، و لهذا لم يحكم عليه بزيادة القيمة السوقية عند نقصانها حين الردّ إجماعاً كما يأتي، و صرّح به هنا الفاضل في المختلف (4). و الانتقال إلى القيمة إنّما هو عند التلف فتعتبر القيمة في تلك الحال.

و فيه نظر سبق التنبيه على وجهه في كتاب التجارة في غير محلّ، و هو منع استلزام التلف الانتقال إلى القيمة حينه؛ إذ لا مانع من تعين القيمة

____________

(1) في «ح» و «ر» زيادة: حينئذٍ ما جاء من قبل الزيادة، بل من حيث الانتقال من ضمان العين إلى القيمة لفوات العين، و هو منتفٍ على تقدير عدم تلفها.

(2) المهذب 1: 436، 437، المختلف: 455.

(3) الدروس 3: 113.

(4) المختلف: 455.

30

الأعلى حينه لأمرٍ آخر كحديث: لا إضرار و لا ضرر (1)؛ إذ لا ريب أنّ حبس العين عن المالك حين ارتفاع قيمتها ضرر على المالك، و تفويت لتلك القيمة العليا عليه.

و من هنا يُوجّه الوجه الثاني، و هو ضمان أعلى القيم من حين الغصب إلى حين الردّ. ذكره الخال العلّامة دام ضلّه في حاشية شرح الإرشاد، و اختاره (2).

و فيه نظر (3) مع أنّ الإجماع المحكيّ عموماً و خصوصاً على عدم ضمان القيمة السوقيّة يدفع هذا الوجه المبنيّ عليه ما اختاره، مضافاً إلى شذوذه و ندرة القائل به؛ إذ لم يحك القول به إلّا عن الماتن في أحد قوليه، و كافّة الأصحاب على خلافه؛ لأنّ الواجب القيمة فمتى حكم بها استقرت، فلا عبرة بزيادتها و لا نقصانها يوم التلف.

و مع ذلك لم يوجّه مختار الماتن هذا بما ذكر، بل بما نبّه عليه في المسالك تبعاً للدروس، فقال بعد ذكر التعليل المتقدّم على ردّه-: نعم لو قلنا بأنّ الواجب في القيمي مثله كما ذهب إليه ابن الجنيد مخيّراً بين دفع القيمة و المثل و مال إليه المصنف في باب القراض اتّجه وجوب ما زاد من القيمة إلى حين دفعها كما في المثلي (4).

و كيف كان فالمسألة محلّ إشكال. و الاحتياط يقتضي المصير إلى مختار الخال، لكن على سبيل الاستحباب.

____________

(1) في «ح»: لا ضرر و لا ضرار.

(2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 624.

(3) ليس في «ص»، أثبتناه من سائر النسخ لاستقامة المتن.

(4) المسالك 2: 260، و هو في الدروس 3: 113.

31

و أمّا الاحتياط الواجب لتحصيل البراءة اليقينيّة عمّا اشتغلت به الذمّة فمقتضاه المصير إلى القول الثاني، و إنّما لم يجب الاحتياط في الوجه الرابع مع جريان دليله فيه؛ لظهور الإجماع من الكلّ كما عرفت على خلافه.

ثم إنّ محلّ الخلاف كما صرّح به جماعة من الأصحاب (1) من غير خلاف هو ما إذا كان نقصان القيمة مستنداً إلى السوق. أمّا إذا استند إلى حدوث نقص في العين ثم تلفت فإنّ الأعلى مضمون بلا خلاف، بل عليه في المسالك (2) الوفاق. و مرّ وجهه في ضمان أرش العيب، مع نقل الإجماع أيضاً في الروضة (3).

و اعلم: أنّ المعروف بين الأصحاب كما في الكفاية (4) أنّه مع ردّه أي الشيء المغصوب بعينه لا يجب على الغاصب أن يردّ زيادة القيمة السوقية و بعدم الخلاف فيه صرّح في المبسوط (5)، و بالإجماع صرّح في المختلف (6) كما مرّ، و هو ظاهر التذكرة و المسالك (7) حيث لم ينقلا الخلاف فيه بيننا، و نسباه إلى أكثر أهل العلم، و حكيا الخلاف فيه عن شذوذ من العامّة.

و هو كالصريح في انعقاد الإجماع عليه منّا و من أكثر العامّة؛ و هو

____________

(1) كالشهيد الثاني في المسالك 2: 260، و السبزواري في الكفاية: 258، و الكاشاني في المفاتيح 3: 172.

(2) المسالك 2: 260.

(3) الروضة 7: 44.

(4) الكفاية: 257.

(5) المبسوط 3: 63.

(6) المختلف: 455.

(7) التذكرة 2: 385، المسالك 2: 259.

32

الحجّة المعتضدة بالأصل، و أنّ الفائت رغبات الناس لا شيء من المغصوب، فإنّ عينه موجودة فالواجب ردّها خاصّة. و بذلك يخصّ عموم حديث نفي الضرار، و لولاه لكان المصير إلى ضمانها في غاية من القوّة؛ للحديث المزبور بناء على أنّ تفويتها بالغصب ضرر بلا شبهة.

و عليه نبّه الخال العلّامة (1) دام ظلّه لكن ظاهره الميل إليه؛ لإظهاره التردّد في الإجماع، و احتماله كون المراد منه في كلام الحاكي غير معناه المصطلح. و ليس للقاصر محل تردّد، و فتح باب الاحتمال المزبور يوجب سدّ باب حجيّة الإجماعات المنقولة. هذا.

مع أنّ عدم الخلاف لا أقلّ منه قطعاً، و هو حجّة ظنيّة كما بينّاه في رسالة مفردة في تحقيق الإجماع. و لا ريب أنّ الظنّ المستفاد منه أقوى من الظنّ المستفاد من عموم الخبر المتقدم؛ لكونه خاصّاً فليكن مقدّماً.

و تردّ الزيادة أي زيادة القيمة إن كانت لزيادة في العين كاللبن و الشعر و الولد و الثمرة أو الصفة كتعلّم الصنعة و نحوه، و إن كانت بفعل الغاصب. بلا خلاف في شيء من ذلك أجده.

(و وجه الأوّل واضح. و أمّا الثاني، فقيل (2): وجهه أنّه بعد وجود الصفة في العين صارت ملكاً للمالك و جزءاً لمملوكه من غير عوض له للغاصب، فيكون مضموناً. و لا فرق في ذلك بين حصوله ثانياً و كونه أوّلًا؛ إذ بعد الوجود صار ملكاً له و مضموناً بيد الغاصب المكلف بدفعه و بعوضه لو تلف، فيضمن كالأصل و الأجزاء السابقة و الأوصاف السالفة كالكبر بزيادة

____________

(1) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 618، 619.

(2) قال به المقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 10: 442.

33

الأجزاء بعد الغصب عنده) (1) [بناء على ما سيأتي من استحقاق المالك الزيادة عينا كانت أو آثارا محضة فيتبعها القيمة فتأمّل.

و لو كان المغصوب دابّة فعابت عند الغاصب ردّها مع الأرش مطلقاً و لو كان العيب من قبل اللّٰه تعالى أو أجنبيّ؛ لما مضى في ضمان أرش العيب من الإجماع و غيره.

و يتساوى في ذلك بهيمة القاضي و الشوكي بلا خلاف فيه بيننا، بل عليه في كلام جماعة إجماعنا (2)؛ و هو الحجة، مضافاً إلى عموم الأدلّة.

خلافاً لبعض العامة (3) فحكم في الجناية على بهيمة القاضي بالقيمة و يأخذ الجاني العين المغصوبة؛ نظراً منه إلى أنَّ المعيب لا يليق بمقام القاضي.

ثمّ إنّ إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الحكم بلزوم الأرش بالعيب بين ما لو كان بجناية الغاصب في العين و نحوها ممّا في البدن منه اثنان، و بين غيره. و عليه عامّة المتأخّرين وفاقاً للمبسوط و القاضي و الحلي (4)، قالوا: لأنّه مال، فيجب فيه الأرش كغيره من الأموال.

أقول: و يعضده إطلاق صحيحة أبي ولّاد المشهورة، بل عمومها، و فيها: قلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو عقر، فقال (عليه السلام): «عليك قيمة

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ر» و «ح»: بناءً على ما سيأتي من استحقاق المالك الزيادة عيناً كانت أو آثاراً محضة فيتبعها القيمة.

(2) الخلاف 3: 396، الروضة البهية 7: 46.

(3) حكاه عن مالك في المجموع 14: 245، و المغني لابن قدامة 5: 386.

(4) المبسوط 3: 62، القاضي في المهذب 1: 437، الحلي في السرائر 2: 487، 488، 498.

34

ما بين الصحة و العيب يوم تردّه عليه» (1).

خلافاً للخلاف (2) فأدّعى في جناية الغاصب في إحدى العينين و ما في معناها نصف القيمة، و في كلتيهما تمامها محتجّاً بالإجماع و الرواية، و هي: كلّ ما في البدن منه اثنان ففي الاثنين جميع القيمة و في الواحد نصفها (3).

و نسب ذلك في المبسوط (4) إلى روايات الأصحاب، بل فتاويهم.

و ردّه الحلّي (5) بأنّ الرواية ليست إلّا في الإنسان، و حمل الدابة عليه قياس.

و حملهما الفاضل في المختلف (6) على جناية غير الغاصب في إحدى العينين بشرط نقص القدر عن الأرش.

و أمّا الخبران المثبتان في عين الدابّة ربع القيمة فليسا بمنطبقين على أحد المذهبين، مع أنّه لا قائل بهما في البين فليطرحا، أو يحملا على التقية فقد حكى في التذكرة (7) القول بمضمونهما عن أبي حنيفة، أو على ما إذا توافق الأرش و القيمة. و هذا و إن كان بعيداً غايته إلّا أنّه لا بأس به جمعاً بين الأدلّة.

و لو كان المغصوب المعيب بالجناية عبداً أو أمة و كان الغاصب هو الجاني ردّه و دية الجناية إن كانت مقدّرةً مطلقاً، وفاقاً

____________

(1) الكافي 5: 290/ 6، التهذيب 7: 215/ 943، الوسائل 25: 390 أبواب الغصب ب 7 ح 1.

(2) الخلاف 3: 397.

(3) الوسائل 29: 283/ أبواب ديات الأعضاء ب 1.

(4) المبسوط 3: 62.

(5) السرائر 2: 498.

(6) المختلف: 457.

(7) التذكرة 2: 380.

35

للمبسوط و الخلاف (1) تسويةً بين الغاصب و غيره؛ لأصالة العدم.

و فيه قول آخر أفتى به الحلّي و الفاضلان و الشهيدان (2)، و عامّة المتأخّرين على الظاهر المصرّح به (3)، و هو ضمان أكثر الأمرين من القيمة و المقدّر شرعاً في الجناية؛ لأنّ الأكثر إن كان هو المقدّر فهو جانٍ، و إن كان هو الأرش فهو مال فوته تحت يده كغيره من الأموال؛ لعموم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (4) و هذا أظهر.

مع أنّ المحكيّ عن المبسوط ما يوافق هذا القول (5) فلا خلاف، و لذا إنّ الفاضل في المختلف (6) حمل كلامه السابق على إرادة الجاني غير الغاصب؛ فإنّ الحكم فيه ذلك بلا خلاف، بل عليه الوفاق في المسالك و غيره (7).

و الفرق أنّ ضمان الغاصب من جهة الماليّة فيضمن ما فات منها مطلقاً، و ضمان الجاني منصوص فيقف عليه. و أنّ الجاني لم يثبت يده على العبد فيتعلّق به ضمان المالية، بخلاف الغاصب؛ لأنّ يده يد عدوان يوجب ضمان العين عليه بالقيمة مطلقاً، حتّى لو مات العبد عنده ضمن قيمته مطلقاً بلا خلاف، كما في الكفاية (8) و غيرها.

____________

(1) المبسوط 3: 64، الخلاف 1: 680.

(2) الحلي في السرائر 2: 488، المحقق في الشرائع 3: 241، العلامة في التذكرة 2: 380، الشهيدان في اللمعة (الروضة البهية 7): 48، 47.

(3) في «ر» و «ح» زيادة: في الدروس، (3: 114).

(4) راجع ص 12 الرقم 1.

(5) حكاه عنه في المختلف: 457، و هو في المبسوط 3: 98.

(6) المختلف: 457.

(7) المسالك 2: 261، الكفاية: 258.

(8) الكفاية: 258.

36

و لا فرق في ذلك على القولين بين ما لو كانت الجناية على الطرف أو النفس.

و يتفرّع على المختار أنّه لو قتله غيره و زادت قيمته عن دية الحرّ لزم القاتل الدية و الغاصب الزيادة؛ لأنّ ماليّته مضمونة عليه، و كذا لو جنى عليه غيره فقطع يده مثلًا ضمن أقلّ الأمرين من نصف القيمة و نصف دية الحرّ.

ثمّ إن زاد نصف القيمة عن نصف دية الحر تخيّر المالك بين الرجوع إلى الغاصب بنصف القيمة فيرجع الغاصب على الجاني بأقلّ الأمرين، و بين أن يرجع على الجاني بأقلّهما و إلى الغاصب بالزيادة.

و لو مزج الغاصب المغصوب بغيره أو امتزج في يده بغير اختياره كلّف قسمته بتمييزه إن أمكن التمييز مطلقاً و إن شقّ، كما لو خلط الحنطة بالشعير، أو الحمراء منها بالصفراء بلا خلاف؛ لوجوب ردّ العين حيث يمكن.

و لو لم يمكن التمييز كما لو خلط الزيت بمثله أو الحنطة بمثلها صفة ردّ العين وفاقاً للأكثر، بل لعلّه عليه عامّة من تأخّر؛ لأنّ عين مال المالك موجودة في الجملة و غايته أنّها بغيرها ممتزجة، و ذلك لا يخرجها عن ملكه؛ و لأنّ في ذلك إيصال المالك إلى بعض حقّه بعينه، و إلى بدل بعضه من غير زيادة فوت على الغاصب، فكان أولى من إيصاله إلى بدل الكلّ.

خلافاً للحلّي فقال: ينتقل إلى المثل؛ لاستهلاك العين إذ لا يقدر الغاصب على ردّها لو طلبه (1).

____________

(1) السرائر 2: 482.

37

و يضعّف بأنّ ذلك لا يوجب خروجها عن ملكه، كما لو اختلط المالان بغير اختيارهما أو برضى المالكين. و بأنّه لو غصب رطلًا من هذا و رطلًا من هذا و خلطهما و جعلهما بذلك هالكين يلزم انتقال الملك فيهما إلى الغاصب و هو تملّك اختياريّ.

و كذا لو كان الخلط بأجود منه لوجود عين المغصوب المقتضي لتسلّط المالك عليهما، و عدم الانتقال إلى مثلها أو قيمتها.

و لا يقدح في ذلك الزيادة؛ لأنّها زيادة صفة بفعل الغاصب، فكان كما لو علّم العبد صنعة، أو صاغ النقرة حليّاً.

خلافاً للمبسوط و الحلي (1)، فقالا: يتخيّر الغاصب في دفع القدر من العين أو غيرها؛ لأنّ العين قد استهلكت، إذ لا يقدر على الرد لو طالبه.

و التخيير في الحقيقة راجع إلى ضمان المثل؛ لأنّه حينئذ لا ينحصر في العين و هي أجود ممّا يلزمه فإذا بذلها وجب قبولها بطريق أولى؛ و لأنّ بعضها عين حقّه و بعضها خير منه، مع أنّه لا خلاف فيه كما في التنقيح (2).

و اعلم: أنّ ما ذكره الأكثر في المقامين أظهر إن أرادوا نفي الخيار للغاصب و إثباته للمالك. و إن أرادوا لزوم القبول عليه فمشكل حيث يعتذر لعدم قبوله بعذر موجّه، ككون ماله حلالًا و مال الغاصب الممزوج به مشبوهاً، أو نحوه، فإنّ إيجاب القبول حينئذٍ ضرر و أيّ ضرر. فالتحقيق في المقامين ثبوت الخيار للمالك وفاقاً للتنقيح (3).

و لو كان الخلط بأدون منه ضمن المثل بلا خلاف كما في

____________

(1) المبسوط 3: 79، السرائر 2: 482.

(2) التنقيح 4: 72.

(3) التنقيح 4: 72، 73.

38

التنقيح (1)، قيل: لتعذّر ردّ العين كاملةً؛ لأنّ المزج في حكم الاستهلاك من حيث اختلاط كلّ جزء من مال المالك بجزء من مال الغاصب، و هو أدون من الحق فلا يجب قبوله، بل ينتقل إلى المثل، و هذا مبنيّ على الغالب من عدم رضاه بالشركة (2).

و في الروضة أنّ الأقوى تخييره بين المثل و الشركة مع الأرش؛ لأنّ حقّه في العين لم يسقط، لبقائها، كما لو مزجها بالأجود، و النقص بالخلط يمكن جبره بالأرش (3).

و هو حسن حيث يكون المتمازجان غير ربويّين، أو ربويّين و رضي المالك بالناقص من دون أرش. و يشكل في غير ذلك، إلّا أن يدفع باختصاص الربا بالبيع، و لكنّه خلاف التحقيق، كما مرّ في بحثه.

و لو زادت قيمة المغصوب فهو أي الزائد لمالكه مطلقاً، و لو كانت الزيادة بفعل الغاصب كما مضى؛ لأنّها حصلت في ملك غيره.

أمّا لو كانت الزيادة لانضياف عين من مال الغاصب إلى المغصوب كالصبغ و الآلة في الأبنية أخذ الغاصب العين المضافة إن قبلت القلع و الفصل و لو بنقص قيمة الثوب و البناء و ردّ الأصل المغصوب جمعاً بين الحقين. و يضمن الغاصب الأرش إن نقص المغصوب بالقلع. و هذا هو المشهور بين الأصحاب سيّما المتأخّرين وفاقاً للشيخ (4).

____________

(1) التنقيح 4: 72.

(2) قال به الشهيد الثاني في الروضة 7: 56.

(3) الروضة البهية 7: 56.

(4) المبسوط 3: 77.

39

خلافاً للإسكافي و المختلف (1) فقالا: ليس للغاصب قلع الصبغ بغير إذن المالك. فإن لم يرض و دفع قيمة الصبغ وجب على الغاصب قبوله؛ لأنّ عين مال الغاصب قد استهلكت، لعدم الانتفاع بصبغه، مع استلزام القلع التصرف بغير إذن المالك؛ كيف و لو أعار أرضاً للغرس فغرسها المستعير ثم استعاد المالك الأرض و بذل قيمة الغرس اجبر الغارس على أخذها عند الشيخ (2)، مع أنّه أذن في الغرس، و في صورة النزاع لم يأذن المالك بالصبغ، فكيف لا يجبر الغاصب على أخذ قيمة الصبغ إن بذلها المالك مع تضرّره بالقلع و عدم تضرّر معير الأرض بقلع الغرس؟

. قال في التنقيح بعد ذكر ذلك-: ما ذكره العلّامة حسن، و تعليله جيّد، لكن تمثيله بالأرض و الغرس إلزام للشيخ، و إلّا فقد قال في القواعد:

الأقرب توقف تملّك الغرس بالقيمة على التراضي منهما. و نعم ما قال؛ لأنّه فرق بين الغصب و العارية بعدم الإذن في الغصب و حصوله في العارية، فإذاً قول ابن الجنيد جيّد و عليه الفتوى (3). انتهى.

و إلى مختارهم يميل الخال العلّامة دام ضلّه مبالغاً في تقريبه في حاشيته على شرح الإرشاد (4). و هو غير بعيد؛ نظراً إلى قواعدهم المقرّرة في الغصب.

و قد استدرك شيخنا في الروضة على الحكم المشهور تعليل العلّامة و أجاب عنه، فقال: و لا يرد أنّ قلعه يستلزم التصرّف في مال الغير بغير إذنه

____________

(1) المختلف: 455، و قد حكاه فيه عن الإسكافي.

(2) المبسوط 3: 55.

(3) التنقيح 4: 74.

(4) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 629.

40

و هو ممتنع، بخلاف تصرّف مالك الثوب في الصبغ لأنّه وقع عدواناً لأنّ وقوعه عدواناً لا يقتضي إسقاط ماليّته، فإنّ ذلك عدوان آخر. بل غايته أن ينزع و لا يلتفت إلى نقص قيمته، أو اضمحلاله أو بعضه (1). انتهى.

و فيه نظر، فإنّه كما أنّ وقوعه عدواناً لا يقتضي إسقاط ماليّة الغاصب فله التصرف فيه بالقلع، فكذلك عدوانه لا يقتضي نفي سلطنة المالك عن ملكه فله أن يمنع الغاصب عن التصرّف فيه بالقلع. و حيث تعارض الحقّان ينبغي أن يترجّح جانب المالك؛ لعدم تقصيره و تداركه مال الغاصب بقيمته. و لا كذلك الغاصب؛ لعدوانه فلا حرمة لسلطنته كما لا حرمة لفعله الذي له اجرة و نحو ذلك، سيّما مع استلزامه عيباً في ملك المالك أو نقصاً فيه. و جبره بالأرش ليس بأولى من تدارك مال الغاصب بالقيمة، بل هو أولى كما مضى.

و بالجملة فهذا القول أجود، و إن كان الأحوط للمالك ما عليه الأكثر.

و من هنا يتّجه ما ذكره جماعة (2) من أنّه إذا طلب أحدهما البيع من غيرهما يجبر الغاصب على الإجابة إن كان الطالب هو المالك دون العكس، و ضعف ما يقال من أنّه يحتمل أن لا يجبر أحدهما على موافقة الآخر لمكان الشركة، و أن يجبر المالك للغاصب على الإجابة أيضاً تسويةً بين الشريكين.

ثمّ إنّ كلّ ذا مع إمكان فصل العين المضافة، و أمّا مع عدمه كان الغاصب شريكاً للمالك لكن يلزمه إجابة المالك لو طلب منه البيع من

____________

(1) الروضة 7: 51، و فيه: أو اضمحلاله للعدوان بوضعه.

(2) منهم العلامة في التذكرة 2: 394، و القواعد 1: 206، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 263، و الروضة البهية 7: 53.

41

ثالث، و كذا قبول القيمة لو دفعها إليه كما في السابق.

و إن نقصت قيمة الثوب بالصبغ لزم الغاصب الأرش، و لا يلزم المالك ما ينقص من قيمة الصبغ. و لو بيع مصبوغاً بنقصان لم يستحقّ الغاصب شيئاً إلّا بعد توفية المالك قيمة ثوبه، و لو بيع بنقصان من قيمة الثوب لزم الغاصب إتمام قيمته.

و اعلم أنّ جميع ما ذكر إنّما هو فيما إذا صبغ الغاصب بصبغ منه، و لو صبغ بصبغ من المالك فإن لم يحصل بفعله نقصان لم يكن على الغاصب أرش. نعم إن أمكن إزالته فالظاهر أنّ للمالك طلب ذلك، و على الغاصب الأرش إن حصل نقص في المصبوغ، و عليه قيمة الصبغ إن لم يبق العين.

و إن صبغه بصبغ غيرهما عدواناً كان المالكان شريكين، فإن لم يحدث بفعله نقصان فلا غرم عليه، غير أنّه يجب عليه الفصل مع إمكانه لو طلباه أو أحدهما. و إن حصل النقص فيهما أو في أحدهما عمّا كان قبل الصبغ غرمه الغاصب لمن حصل في حقّه.

[الثالث: في اللواحق و هي ستّ مسائل]

الثالث: في اللواحق و هي ستّ مسائل.

[الأُولى: فوائد المغصوب للمالك]

الاولى: فوائد المغصوب للمالك بلا خلاف؛ لأنّها نماء ملكه و فوائده فتكون مضمونة عند الغاصب كالأصل، سواء تجدّدت عنده أم لا، أعياناً منفصلةً كانت كالولد، أو متّصلةً كالصوف و السمن، أو منفعة كاجرة سكنى الدار و ركوب الدابة و كذا منفعة كلّ ما له اجرة في العادة.

و لا فرق بين أن يستعمل العين و عدمه.

و لو استعملها و كان لها منافع مختلفة القيم كعبد يكون كاتباً

42

و خيّاطاً فإن استعمله في الأعلى ضمنها قطعاً، و إن استعمله في الدنيا أو الوسطى، أو لم يستعمله أصلًا ففي ضمان أُجرة متوسّطة أو العليا وجهان.

و يعتبر أُجرته في الوقت المعتاد لعمله كالنهار في أكثر الأشياء، إلّا أن يكون له صنعة بالنهار و صنعة بالليل فيعتبر أُجرتهما.

و لو سمنت الدابّة في يد الغاصب، أو تعلّم المملوك صنعة أو علماً فزادت قيمته ضمن الغاصب قيمة الزيادة، و إن كانت بسببه كما قالوه و مرّت إليه الإشارة.

فلو هزلت الدابّة، أو نسي المملوك العلم أو الصنعة فنقصت بذلك القيمة ضمن الغاصب الأرش إن ردّ العين المغصوبة، و لو تلفت ضمن الأصل و الزيادة.

و لا فرق في إطلاق الفتاوى و صريح جماعة (1) بين أن يكون الهزال و النسيان بتفريط من الغاصب و عدمه، قالوا: لأنّ زيادة الأثر في المغصوب تابعة له و لا يستحقّ الغاصب عليه شيئاً بالكلية، فإذا صارت ملكاً للمغصوب منه فهو مع الأصل في ضمان الغاصب.

و لا يضمن شيئاً من الزيادة المتّصلة ما لم تزد به القيمة و ذلك كما لو سمن المغصوب مثلًا و قيمته بعد السمن و قبله واحدة فإذا زال السمن المفرط و كانت القيمة بحالتها الأُولى باقية لم يكن عليه ضمان هذه الزيادة؛ لأنّ المعتبر من هذه الصفات القيمة فما لا أثر له في زيادتها لا اعتبار به. و لا فرق في ذلك بين الموجود حال الغصب، و المتجدّد في يد الغاصب بعده.

____________

(1) منهم السبزواري في الكفاية: 260.

43

و لو كان بعض السمن لا أثر له في القيمة، و بعضه له أثر فزال الجميع فإنّه يضمن ما له أثر فيها دون ما زاد عليه.

و لا خلاف في شيء من ذلك أجده و لا نقله ناقل في الكتب الاستدلاليّة و غيرها بالكليّة. و لعلّ مثله كافٍ في إثبات مثل هذه الأحكام و إن خلت عن حجّة أُخرى ظاهرة.

[الثانية: لا يملك المشتري ما يقبضه بالبيع الفاسد]

الثانية: لا يملك المشتري ما يقبضه بالبيع الفاسد بلا خلاف و لا إشكال؛ لأنّ نقل الملك إلى مالك آخر موقوف على أسباب نصبها الشارع، و حدود حدّدها فما لم يحصل فالملك باقٍ على أصله. و تسميته على تقدير فساد الشراء مشترياً مجاز بحسب الصورة، و إلّا فالبيع حقيقة لا يطلق إلّا على الصحيح.

و يضمنه أي المبيع و ما يحدث من منافعه، و ما يزداد في قيمته لزيادة صفة فيه كتعلّم و نحوه.

أمّا ضمان العين و منافعه العينيّة التي دخلت تحت يده فلعموم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1) السليم عن المخصّص حتّى عن شبهة كون الأخذ برضا المالك الموجب لانتفاء الضمان بالنصّ و الإجماع، و ذلك لاختصاص الدليلين النافيين للضمان فيما لو أخذ بالرضا بما إذا كان الرضا بمجرّد الأخذ و التصرّف فيه من دون أن يستعقب ضماناً، و أمّا إذا رضي به مع تعقّب الضمان و بشرطه كما فيما نحن فيه لأنّ المشتري قبضه ليكون مضموناً عليه و دفعه البائع إليه كذلك فلا يدلّان على نفي الضمان فيه لو لم نقل بدلالتهما على ثبوته، و لذا صرّحا بثبوته في العارية المضمونة بالشرط

____________

(1) عوالي اللئلئ 2: 345/ 10، المستدرك 17: 88 أبواب الغصب ب 1 ح 4.

44

و نحو ذلك. و عليه فيبقى العموم الدالّ على إطلاق الضمان بحاله.

و من هنا يتوجّه القاعدة المشهورة أنّ كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. و قد قدّمنا التحقيق في وجهها مرّة أُخرى في كتاب التجارة، و فساد ما يقال عليها و على عموم الرواية.

و أمّا ضمان زيادة القيمة لزيادة الصفة فحسن حيث صار المشتري سبباً في إتلافها؛ إذ لا ضرر و لا ضرار في الشريعة. و يشكل فيما عداه؛ لعدم وضوح مأخذه إلّا إلحاق مثل هذا القبض بالغصب، و هو حسن إن لم نعتبر في تعريفه قيد العدوان، و أمّا مع اعتباره كما هو الأظهر و مذهب الماتن هنا و في الشرائع (1) فالوجه عدم ضمانها.

[الثالثة: إذا اشتراه عالماً بالغصب]

الثالثة: إذا اشتراه أي المغصوب أحد عالماً بالغصب حين الشراء و قبضه فهو كالغاصب بل غاصب محض إن كان عالماً بحرمة الشراء و القبض؛ لصدق تعريفه عليه حينئذٍ بالاتّفاق، و يطالب بما يطالب به البائع الغاصب.

و يتخيّر المالك بين مطالبته بالعين مع بقائها، و بعوضها مِثلًا أو قيمةً مع تلفها، و مطالبة ما جرت عليه يده من المنافع، و بين مطالبة البائع. فإن طالبه رجع على المشتري بالعين أو البدل و ما استوفاه من المنافع؛ لاستقرار التلف في يده مع دخوله على ضمانه.

نعم لو استوفي قبل البيع شيئاً من المنافع، أو مضى زمان يمكن فيه استيفاء شيء منها، أو حصل في يده نقصان مضمون عليه كان الضمان عليه من غير رجوع على المشتري. و إن رجع على المشتري فيما رجع عليه

____________

(1) الشرائع 3: 235.

45

ضمانه لم يكن له الرجوع إلى البائع؛ لاستقرار الضمان عليه بالتلف أو ما في حكمه في يده.

و لا يرجع المشتري إلى البائع بما يضمن للمالك من الثمن مع تلفه إجماعاً كما في التنقيح و المسالك (1) و غيرهما (2). قيل: للأصل، و أنّه قد سلّطه عليه و أذن له في إتلافه، و أنّه مع علمه بأنّه لا يسلم له العوض في حكم المسلّط عليه مجّاناً (3).

و أمّا مع بقائه ففي جواز الرجوع له به على البائع قولان: أشهرهما عدم الرجوع. قيل: لأنّه بإعطائه إيّاه عالماً بعدم عوض حقيقيّ في مقابلته في معنى هبته إيّاه (4).

و فيه بعد تسليم كونه هبة أنّه لا يستلزم عدم جواز الرجوع، بل الأصل فيه جوازه إلّا ما استثني. و حمل المنع عن الرجوع على صورة الاستثناء بعيد عن إطلاقات عبائرهم.

و المتّجه الجواز مطلقاً، حتّى فيما لو كان البائع بالنسبة إلى المشتري ممّن لا يجوز له الرجوع في هبته، وفاقاً لأحد قولي الماتن (5). و به صرّح في التنقيح (6). و قوّاه شيخنا الشهيد الثاني في كتابيه (7)، و تبعه من متأخّري

____________

(1) التنقيح 4: 74، المسالك 2: 265.

(2) انظر الكفاية: 260.

(3) قال به المحقق السبزواري في الكفاية: 260.

(4) انظر المسالك 2: 265، و الكفاية: 260.

(5) حكاه عنه الشهيد الثاني في الروضة 3: 235، و عن بعض رسائله في المسالك 2: 265.

(6) التنقيح 4: 74، 75.

(7) المسالك 2: 265، الروضة البهية 3: 235.

46

المتأخّرين جماعة (1). و لكن يشكل بما يحكى عن التذكرة (2) من الإجماع على العدم مطلقاً بناءً على أنّ الإجماع المنقول حجّة، كما هو الأشهر الأقوى، سيّما إذا اعتضد بفتوى أكثر أصحابنا.

و لو كان المشتري جاهلًا بالغصب كان كالغاصب من حيث ترتّب اليد في وجوب دفع العين المبتاعة بعينها مع بقائها و بدلها مثلًا أو قيمةً مع تلفها إلى مالكها إن رجع عليه و يرجع بالثمن مع بقائه، و ببدله مع تلفه على البائع لفساد المعاوضة الموجب للترادّ في العوضين.

و لو كان عوض العين الذي غرمه للمالك أزيد من الثمن الذي دفعه إلى البائع ففي جواز رجوعه بالزيادة إليه وجهان: أوجههما الأوّل، وفاقاً لشيخنا الشهيد الثاني (3)؛ لتغرير البائع له و إيقاعه في خطر الضمان فليرجع عليه.

و لو رجع المالك إلى البائع رجع هو على المشتري، و في رجوعه إليه في القدر الزائد على الثمن على تقدير الزيادة الوجهان، و المختار هنا العدم، وفاقاً لمن مرّ؛ لما مرّ.

و المعروف من مذهب الأصحاب أنّ للمشتري أن يرجع بما (4) بجميع ما غرمه للبائع (5) ممّا لم يحصل له في مقابلته عوض كقيمة الولد و النفقة

____________

(1) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 8: 164، و البحراني في الحدائق 18: 392، و السبزواري في الكفاية: 260.

(2) حكاه عنه الكركي في جامع المقاصد 6: 326، و الشهيد الثاني في الروضة 3: 235، و هو في التذكرة 1: 463.

(3) المسالك 2: 265.

(4) في «ر» و المختصر (257):.

(5) كذا، و لعلّ الأنسب: للمالك، كما في الشرح الصغير 3: 134.

47

و العمارة و نحو ذلك؛ لمكان التغرير، و ترتّب الضرر به مع عدم جابر له من العوض.

و في جواز الرجوع عليه بما ضمن و غرمه من المنافع كعوض الثمرة و أُجرة السكنى تردّد ينشأ: من مباشرته الإتلاف مع حصول نفعه في مقابله، و أولويّة حوالة الضمان على مباشر الإتلاف.

و من أنّ الغاصب قد غرّه و لم يشرع على أن يضمن ذلك فكان الضمان على الغارّ، كما لو قدّم إليه طعام الغير فأكله جاهلًا و رجع المالك على الآكل، أو غصب طعاماً فأطعمه المالك فإنّه يرجع على الغارّ.

و إلى هذا ذهب الماتن في كتاب التجارة من الشرائع، و الفاضل المقداد في التنقيح (1).

و إلى الأوّل ذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف، و الحلي (2). و هو أوفق بالأصل، مع عدم معلوميّة صلوح المعارض للمعارضة بناءً على عدم وضوح دليل على ترتّب الضمان على الغارّ بمجرّد الغرور و إن لم يلحقه ضرر، كما فيما نحن فيه بمقتضى الفرض؛ لاستيفائه المنفعة في مقابلة ما غرمه. و الإجماع على هذه الكلية غير ثابت بحيث يشمل نحو مفروض المسألة.

نعم ربما يتوجّه الرجوع حيث يتصوّر له الضرر بالغرور، كما إذا أُخذت منه قيمة المنافع أزيد ممّا يبذله هو في مقابلتها من غير ملكه و نحو ذلك. و كيف كان الأحوط له عدم الرجوع مطلقاً.

____________

(1) الشرائع 2: 14، التنقيح 4: 75.

(2) المبسوط 3: 69، 71، و حكاه عن الخلاف في المسالك 2: 265، الحلي في السرائر 2: 348، 493.

48

[الرابعة: إذا غصب حبّا فزرعه، أو بيضة فأفرخت، أو خمراً فخلّلها]

الرابعة: إذا غصب حبّا فزرعه، أو بيضة فحضنها تحت دجاجة له فأفرخت، أو خمراً فخلّلها فالكلّ للمغصوب منه بلا خلاف ظاهر في الأخير، و كذا في الأوّلين؛ إذ ليس المخالف فيهما إلّا الشيخ (1) في أحد قوليه، مع أنّه قد رجع عنه (2) كما في السرائر و غيره (3). و نفى في الأوّل عنه الخلاف بين الأصحاب، و حكى فيه عن المرتضى في الناصريات (4) الإجماع فيهما؛ و هو الحجّة، مضافاً إلى أصالة بقاء الملك [ملك المالك بحاله، و عدم دليل على تملّك الغاصب إيّاه بفعله سيّما مع النهي عنه، مع أنّه عين مال المالك و إنّما حدث بالتغيير اختلافات الصور، و نماء الملك للمالك و إن كان بفعل الغاصب. و ضعف قول الشيخ ظاهر برجوعه عنه، فلا نطيل بنقله و ردّه، سيّما مع موافقته لرأي أبي حنيفة باعترافه.

[الخامسة: إذا غصب أرضا فزرعها]

الخامسة: إذا غصب أرضا فزرعها أو غرسها فالزرع و الغرس لصاحبه و عليه أُجرة الأرض عن مدّة شغلها بالزرع فيها.

و لصاحبها أي الأرض إزالة الزرع و الغرس و لو قبل بلوغهما؛ إذ ليس لعرق ظالم حقّ، كما في الخبر المتلقّى بالقبول (5).

و له أيضاً إلزامه أي الغاصب بالإزالة و طمّ الحفر، و الأرش إن نقصت بالقلع أو الزرع؛ لدفع الضرر، بلا خلاف في شيء من ذلك إلّا ممّن يأتي، بل في التنقيح إنّه عليه انعقد إجماع القوم، قال: و لا نعلم فيه

____________

(1) المبسوط 3: 105، الخلاف 3: 42.

(2) انظر المبسوط 3: 56.

(3) السرائر 2: 483، التنقيح 4: 75.

(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 218.

(5) التهذيب 7: 206/ 909، الوسائل 19: 157 أبواب أحكام الإجارة ب 33 ح 3.

49

خلافاً إلّا ما يحكى عن ابن الجنيد من أنّ لصاحب الأرض أن يردّ ما خسره الزارع؛ لقوله (صلى الله عليه و آله): «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته و ليس له من الزرع شيء» (1) و الحقّ الأوّل؛ لأنّه نماء ملك الزارع و هو البذر فيتبعه في الملك، فالأرض و الماء و الهواء و الشمس معدّات لصيرورة البذر زرعاً ثم حبّا بالتدريج و الفاعل هو اللّٰه سبحانه، فهو بمنزلة من غصب دجاجة و أحضنها على بيض له فإنّه يملك الفرخ و عليه اجرة الدجاجة، و كذلك إذا غصب أرضاً و بذراً فزرعه فيها يتبع الزرع البذر و لا يكون للغاصب شيء (2).

و الخبر الذي تمسّك به الإسكافي قد ذكر الأصحاب عدم ثبوت صحّته، مع أنّه مخالف للأصل القطعي عندهم المعتضد بالشهرة العظيمة، و حكاية الإجماع المتقدّمة المعلومة الصحّة بتتبّع فتوى الجماعة.

و معارض بخصوص الخبر المروي في التهذيب في كتاب المزارعة:

عن رجل أتى أرض رجل فزرعها بغير إذنه حتّى إذا بلغ الزرع جاء صاحب الأرض فقال: زرعت بغير إذني فزرعك لي و عليّ ما أنفقت، إله ذلك؟

فقال: «للزارع زرعه، و لصاحب الأرض كراء أرضه» (3).

و أظهر منه الموثّق المرويّ ثمّة بعده بلا فصل: في رجل اكترى داراً و فيها بستان، فزرع في البستان و غرس نخلًا و شجراً و فواكه و غير ذلك، و لم يستأمر صاحب الدار في ذلك، فقال: «عليه الكراء و يقوّم صاحب الدار الزرع و الغرس قيمة عدل فيعطيه الغارس إن كان استأمره في ذلك، و إن لم

____________

(1) سنن الترمذي 2: 410/ 1378، سنن أبي داود 3: 261/ 3403.

(2) التنقيح الرائع 4: 77.

(3) الكافي 5: 296/ 1، التهذيب 7: 206/ 906، الوسائل 25: 387 أبواب الغصب ب 2 ح 1.

50

يكن استأمره في ذلك فعليه الكراء و له الغرس و الزرع و يقلعه و يذهب حيث شاء» (1).

و فيه دلالة على ما مر عن الشيخ (2) في العارية من لزوم أخذ المستعير قيمة ما زرعه أو غرسه في أرض الغير بعد بذله إيّاها له و عدم لزومه في الغصب.

لكنّه مرويّ في الكافي بهذا السند و المتن إلى قوله: «فيعطيه الغارس» و ليس فيه ما يعده، بل ذكر بعده: «و إن استأمر فعليه الكراء و له الغرس و الزرع يقلعه و يذهب به حيث شاء». و ليس فيه حينئذٍ دلالة على ما ذكره الشيخ و لا الأصحاب في الباب، بل ظاهر فيما ذكره الإسكافي، فيشكل الأمر، سيّما بملاحظة ما قدّمناه في مسألة زيادة العين بغصب الغاصب و نحوه من قوّة ما ذكره الإسكافي و المختلف (3) ثمّة خلافاً لهم أيضاً، ألّا أن يجاب هنا باختلاف النسخة فلا يقوم بها على أحد حجّة.

و رجحان نسخة الكافي بأضبطيّته و موافقتها لسياق السؤال و الجواب، لا يبلغ رجحان أدلّة الأصحاب هنا من الإجماع المنقول و الرواية السابقة المنجبرة بالشهرة، فلا تترجّح عليها هي و لا ما قدّمناه لتأييد الإسكافي ثمّة.

و على ما ذكره الأصحاب لو بذل و عوّض صاحب الأرض قيمة الغرس و الزرع لم يجب على الغاصب إجابته و قد مرّ الكلام

____________

(1) الكافي 5: 297/ 2، التهذيب 7: 206/ 907، الوسائل 25: 387 أبواب الغصب ب 2 ح 2.

(2) المبسوط 3: 55.

(3) المختلف: 455، و قد حكاه فيه عن الإسكافي.

51

في مثله فيما تقدّم، و لكن ما ذكره الأصحاب هنا أظهر؛ إذ لم أجد الخلاف فيه إلّا من الإسكافي، و مع ذلك ظاهر الخبرين يساعدهم.

[السادسة: لو تلف المغصوب و اختلفا في القيمة]

السادسة: لو تلف المغصوب و اختلفا في القيمة فالقول قول الغاصب الغارم، وفاقاً للمبسوط و الخلاف و الحلي و الفاضلين و الشهيدين (1)، و كثير من المتأخّرين، بل عامتهم؛ استناداً إلى أنّه منكر و غارم، و الأصل عدم الزيادة.

و قيل كما عن النهاية و المقنعة (2)، و نسبه الماتن في الشرائع إلى الأكثر (3)-: إنّ القول قول المغصوب منه قيل: لأنّ المالك أعرف بقيمة ماله من الغاصب (4)، مع مناسبة ذلك لمؤاخذته بأشقّ الأحوال. و لا ريب في ضعفه.

نعم: في صحيحة أبي ولّاد المشهورة قلت: من يعرف ذلك؟ أي القيمة قال: «أنت و هو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فتلزمك، و إن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة فيلزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود أنّ قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا، فليزمك» (5) الحديث.

____________

(1) المبسوط 3: 75، 101، الخلاف 3: 412، السرائر 2: 490، الشرائع 3: 249، القواعد 1: 209، التذكرة 2: 399، تحرير الأحكام 2: 144، تبصرة المتعلّمين: 109، المختلف: 458، إرشاد الأذهان 1: 488، الدروس 3: 117، اللمعة (الروضة البهية 7): 58، المسالك 2: 268.

(2) النهاية: 402، المقنعة: 607.

(3) الشرائع 3: 249.

(4) قال به الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4: 78.

(5) الكافي 5: 290/ 6، التهذيب 7: 215/ 943، الإستبصار 3: 134/ 483، الوسائل 25: 390 أبواب الغصب ب 7 ح 1.

52

و لو لا إطباق متأخّري الأصحاب على العمل بالأصل العام و إطراح الرواية لكان المصير إليها في غاية القوّة، لكن لا مندوحة عمّا ذكروه؛ لاعتضاد الأصل بعملهم، فيرجّح عليها و إن كانت خاصّة لفقد التكافؤ، و مع ذلك فالاحتياط لازم في المسألة بمراعاة المصالحة.

53

[كتاب الشفعة]

كتاب الشفعة

[تعريف الشفعة]

و هي فُعْلَة من قولك: شفعت كذا بكذا إذا جعلته شفيعاً به أي زوجاً، كأنّ الشفيع يجعل نصيبه شفيعاً بنصيب شريكه. و أصلها التقوية و الإعانة، و منه الشفاعة و الشفع.

و شرعاً: ما عرّفه الماتن هنا بقوله: الشفعة استحقاق حصّة الشريك لانتقالها بالبيع و كذا في الشرائع (1) إلّا أنّه بدّل حصّة الشريك بقوله: أحد الشريكين حصّة شريكه. و لعلّه أجود لما فيه من التنبيه على اتّحاد الشريك المشترط في ثبوتها كما يأتي.

و الاستحقاق بمنزلة الجنس يدخل فيه استحقاق الشخص مال آخر بالإرث، و الاستحقاق بالحيازة و الإحياء و غيره. و بقيد المستحقّ بكونه أحد الشريكين خرج منه استحقاق من ليس بشريك و لو بحصّة أُخرى ببيع و غيره. و خرج بقيد انتقالها بالبيع ما إذا استحقّ أحد الشريكين حصّة الآخر بهبة و غيرها.

و هذا التعريف و إن انتقض في طرده بأُمور، منها: ما لو باع أحد الشريكين حصّته للآخر، فإنّه يصدق عليه أنّ المشتري قد يستحقّ حصّة شريكه الآخر بسبب انتقالها بالبيع.

إلّا أنّه أجود ممّا عرّفها به في القواعد من أنّها استحقاق الشريك

____________

(1) الشرائع 3: 253.

54

انتزاع حصّة شريكه المنتقلة عنه بالبيع (1)؛ لانتقاضه طرداً زيادة على ما ينتقض به الأوّل بأنّه قد يستحقّ الشريك حصّة شريكه المنتقلة عنه بالبيع لا بسبب الشفعة، بل بسبب آخر كالإرث و غيره. و إنّما لا ينتقض ما هنا به؛ لتعليل الاستحقاق بالانتقال بالبيع ليخرج عنه ما كان الانتقال لا به، بل بغيره من النواقل كالهبة و الإصداق و الصلح و نحو ذلك، هذا.

و التحقيق أنّ هذه التعريفات اللفظيّة لا يقدح فيها ما يورد أو يرد عليها من النقض و المناقشة، فإنّما المقصود منها التمييز في الجملة ليتذكّر فيترتّب عليها الأحكام بسهولة، و إنما يحصل تمام التمييز بالعلم بالشرائط من الأدلّة.

و الأصل فيها بعد الإجماع المحقّق المحكيّ في كلام جماعة (2) السنة المستفيضة، بل المتواترة من طريق الخاصّة و العامة، و ستتلى عليك جملة منها في الأبحاث الآتية.

[و النظر فيه يستدعي أُموراً]

[الأوّل ما تثبت فيه الشفعة]

و النظر فيه أي في هذا الكتاب يستدعي أن نذكر فيه أُموراً الأوّل: في بيان ما تثبت فيه الشفعة.

و اعلم أنّه تثبت في الأرضين و المساكن إجماعاً كما هنا و في الشرائع و شرحه، و شرح الإرشاد للمقدس الأردبيلي (3). و النصوص بذلك

____________

(1) القواعد 1: 209.

(2) منهم ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 590، و الحلي في السرائر 2: 389 و ابن فهد في المهذّب البارع 4: 259، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 270، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 9: 8.

(3) الشرائع 3: 253، المسالك 2: 269، مجمع الفائدة و البرهان 9: 13.