النهاية في غريب الحديث و الأثر - ج1

- ابن الأثير المبارك بن محمد الجزري المزيد...
472 /
3

(1) مقدمة التحقيق

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه فاتحة كل خير و تمام كل نعمة، نحمده سبحانه و تعالى حمدا طاهرا طيّبا مباركا فيه، و نصلى و نسلم على سيدنا محمد أفصح العرب لسانا، و أبينهم حجة، و أقومهم عبارة، و أرشدهم سبيلا، صلى اللّه و سلم عليه و على آله الطاهرين و صحابته أجمعين، و بعد:

فقد نشط العلماء منذ بدء التدوين إلى التصنيف فى غريب الحديث. و شهدت أواخر القرن الثانى الهجرى و مطالع القرن الثالث أولى هذه المحاولات المباركة. فيقال إن أول من ارتاد الطريق و صنف في غريب الحديث أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى التيمى، المتوفى سنة (210 ه) (1) ثم تتابعت الجهود و أخذت تخطو نحو الكمال، فصنّف أبو عدنان السلمى، عبد الرحمن بن عبد الأعلى معاصر أبى عبيدة كتابا في غريب الحديث، وصفه ابن دَرَسْتَوَيه بقوله: «ذكر فيه الأسانيد، و صنفه على أبواب السنن و الفقه إلا أنه ليس بالكبير» (2).

و فى القرن الثالث ألّف فى غريب الحديث النَّضْر بن شُمَيْل المتوفى سنة (203 ه).

و محمد بن المستنير، قُطْرُب، المتوفى سنة (206 ه) و اسم كتابه «غريب الآثار».

و أبو عمرو الشيبانى، إسحاق بن مِرار، المتوفى سنة (210 ه)

____________

(1) انظر ص 5 و ما بعدها من هذا الكتاب، و تاريخ بغداد للخطيب 12/ 405، و الفهرست لابن النديم ص 87، ط ليبزج. و معجم الأدباء لياقوت 19/ 155 ط دار المأمون، و بغية الوعاة للسيوطى ص 395، و كشف الظنون لحاجى خليفة ص 1203، ط استانبول، و المعجم العربى للدكتور حسين نصار ص 50 و ما بعدها.

(2) تاريخ بغداد 12/ 405.

4

و أبو زيد الأنصارى، سعيد بن أوس بن ثابت، المتوفى سنة (215 ه).

و عبد الملك بن قُرَيْب، الأصمعىّ، المتوفى سنة (216 ه).

و الحسن بن محبوب السرّاد، من أصحاب الإمام الرضا المتوفى سنة (203 ه).

و أبو عُبيد القاسم بن سلّام، المتوفى سنة (224 ه) و من كتابه نسخة بدار الكتب المصرية برقم (2051 حديث).

و ابن الأعرابى، محمد بن زياد، المتوفى سنة (231 ه).

و عمرو بن أبى عمرو الشيبانى. المتوفى سنة (231 ه).

و على بن المغيرة الأئرم. المتوفى سنة (232 ه).

و أبو مروان عبد الملك بن حبيب المالكى الإلبيرى. المتوفى سنة (238 ه).

و أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادى النحوى. المتوفى سنة (245 ه).

و أبو جعفر محمد بن عبد اللّه بن قادم (1).

و شَمِر بن حَمْدَوَيه الهروى، المتوفى سنة (255 ه).

و ثابت بن أبى ثابت، ورّاق أبى عبيد القاسم بن سلّام.

و ابن قتيبة، أبو محمد عبد اللّه بن مسلم. المتوفى سنة (276 ه).

و أبو محمد، سَلَمة بن عاصم الكوفى (2).

و أبو إسحاق إبراهيم الحربى. المتوفى سنة (285 ه).

و أبو العباس محمد بن يزيد، المبرّد. المتوفى سنة (285 ه).

و محمد بن عبد السلام الخُشَنى. المتوفى سنة (286 ه) وصف محمد بن خير (3) كتابه فقال: «نيف على عشرين جزءا، شرح حديث النبى (عليه الصلاة و السلام) فى أحد عشر جزءا، و حديث الصحابة فى ستة أجزاء، و التابعين فى خمسة أجزاء».

____________

(1) انظر البغية ص 59 حيث يذكر السيوطى أن أبا جعفر خرج من بيته و لم يرجع سنة (251 ه).

(2) قال ابن الجزرى: توفى بعد السبعين و مائتين فيما أحسب (طبقات القراء 1/ 311). و ذكر صاحب كشف الظنون أنه توفى سنة (310 ه) (كشف الظنون ص 1730.

(3) فهرسة ما رواه عن شيوخه ص 195 ط بيروت سنة 1963 م

5

و أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب، المتوفى سنة (291 ه).

و ابن كَيسان، محمد بن أحمد بن إبراهيم. و كتابه نحو أربعمائة ورقة (1).

و محمد بن عثمان الجَعْد، أحد أصحاب ابن كيسان.

و من رجال القرن الرابع صنف فى غريب الحديث قاسم بن ثابت بن حزم السَّرَقُسْطِى، المتوفى سنة (302 ه) قال ياقوت: «ذكره الحُمَيْدى (2) و قال: هو مؤلف كتاب غريب الحديث، رواه عنه أبوه ثابت، و له فيه زيادات، و هو كتاب حسن مشهور. و ذكره أبو محمد على بن أحمد [ابن حزم] و أثنى عليه و قال: ماشآه أبو عبيد إلا بتقدم العصر» (3).

و قال القِفْطى: «ألّف قاسم بن ثابت كتابا فى شرح الحديث سمّاه كتاب «الدلائل» و بلغ فيه الغاية من الإتقان و التجويد حتى حُسد عليه. و ذكر الطاعنون أنه من تأليف غيره من أهل المشرق، و مات قبل إكماله فأكمله أبوه ثابت بن عبد العزيز. و قال أبو على إسماعيل بن القاسم القالى: لم يؤلف بالأندلس كتاب أكمل من كتاب ثابت فى شرح الحديث. و قد طالعت كتبا ألفت فى الأندلس، و رأيت كتاب الخُشَنى فى شرح الحديث، و طالعته فما رأيته صنع شيئا، و كذلك كتاب عبد الملك بن حبيب» (4).

توفى قاسم سنة (302 ه) و توفى أبوه ثابت سنة (313 ه).

و أبو محمد القاسم بن محمد الأنبارى المتوفى سنة (304 ه).

و أبو موسى الحامض، سليمان بن محمد بن أحمد. المتوفى سنة (305 ه).

و ابن دُرَيد، أبو بكر محمد بن الحسن. المتوفى سنة (321 ه).

و أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارى. المتوفى سنة (328 ه). و قيل إن مصنفه فى غريب الحديث خمسة و أربعون ألف ورقة (5).

____________

(1) معجم الأدباء 17/ 139. و قد ذكر الخطيب أن ابن كيسان توفى سنة 299 ه(تاريخ بغداد 1/ 335) و مثله فى إنباه الرواه 3/ 59، و فيه «قال الزبيدى: و هذا التاريخ لوفاته غلط» و قال ياقوت: الذى ذكره الخطيب لا شك سهو، فإنى وجدت فى تاريخ أبى غالب همام بن الفضل أن ابن كيسان مات فى سنة عشرين و ثلاثمائة (معجم الأدباء 17/ 141).

(2) جذوة المقتبس ص 312

(3) معجم الأدباء 16/ 237 و فيه: رواه عنه ابنه ثابت. و كذا فى الجذوة

(4) إنباه الرواه 1/ 262

(5) وفيات الأعيان 3/ 464

6

و أبو الحسين عمر بن محمد بن القاضى المالكى. المتوفى سنة (328 ه).

و أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، غلام ثعلب. المتوفى سنة (345 ه) و كتابه على مسند أحمد بن حنبل.

و ابن دَرَسْتَوَيْه، أبو محمد عبد اللّه بن جعفر. المتوفى سنة (347 ه).

و أبو سليمان الخطّابى، حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطّاب البُسْتى الشافعى. المتوفى سنة (388 ه).

و ممن توفى فى القرن الخامس أبو عبيد الهروىّ، أحمد بن محمد. المتوفى سنة (401 ه) و كتابه فى غريبى القرآن و الحديث أحد كتابين اعتمد عليهما ابن الأثير فى تأليف كتابه. و تقتنى دار الكتب المصرية عدة نسخ منه، سنتكلم على واحدة منها فيما بعد.

و أبو القاسم إسماعيل بن الحسن بن الغازى البيهقى المتوفى سنة (402 ه) و اسم كتابه «سمط الثريا فى معانى غريب الحديث» (1).

و أبو الفتح سُليم بن أيوب الرازى الشافعى. المتوفى سنة (447 ه) و يوجد بدار الكتب المصرية نسخة من كتابه باسم «تقريب الغريبين» برقم (1017 تفسير).

و إسماعيل بن عبد الغافر، راوى صحيح مسلم. المتوفى سنة (449 ه).

و فى القرن السادس ألّف الشيخ العميد إبراهيم بن محمد بن إبراهيم النَّسَوِىّ المتوفى سنة (519 ه) قال ياقوت: «صنف فى غريب الحديث لأبى عبيد تصنيفا مفيدا» (2).

و أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسى. المتوفى سنة (529 ه) و اسم كتابه «مجمع الغرائب فى غريب الحديث» و بدار الكتاب المصرية الجزء الثالث و الأخير منه برقم (506 حديث) و يبدأ بحرف الفاء.

و أبو القاسم جار اللّه محمود بن عمر بن محمد، الزمخشرى المتوفى سنة (538 ه) و كتابه «الفائق فى غريب الحديث» طبع مرتين؛ أولاهما فى حيدرآباد سنة 1324 ه، و الثانية فى مصر سنة 1364 ه1945 م. بتحقيق الأستاذين محمد أبو الفضل إبراهيم، و على البجاوى.

____________

(1) معجم الأدباء 6/ 140، و بغية الوعاة 194.

(2) معجم الأدباء 2/ 14

7

و الحافظ أبو موسى محمد بن أبى بكر المدينى الأصفهانى، المتوفى سنة (581 ه) و كتابه «المغيث فى غريب القرآن و الحديث» ثانى كتابين اعتمد عليهما ابن الأثير فى تصنيف «النهاية» و منه مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية برقم (500 حديث) عن نسخة بمكتبة كوبريلى.

و أبو شجاع محمد بن على بن شعيب بن الدهّان المتوفى سنة (590 ه) و قد وصف السيوطى كتابه بأنه فى ستة عشر مجلدا (1).

و ابن الجوزى، أبو الفرج عبد الرحمن بن على. المتوفى سنة (597 ه).

و فى القرن السابع ألّف ابن الأثير المتوفى سنة (606 ه) «النهاية» و ابن الحاجب، أبو عمرو عثمان ابن عمر المتوفى سنة (646 ه) و قد وصف حاجى خليفة كتابه بأنه فى عشر مجلدات (2).

و ممن صنف فى غريب الحديث و لم نقف له على تاريخ ميلاد أو وفاة:

فُسْتُقَة (3). و أحمد بن الحسن الكندى (4). و أبو القاسم محمود بن أبى الحسن بن الحسين النيسابورى الغزنوى، الملقب ببيان الحق (5). و اسم كتابه «جمل الغرائب فى تفسير الحديث».

* * *

هذه جهود العلماء فى شرح غريب الحديث بدأت متواضعةً على يد أبى عبيدة مَعْمر بن المثنى، ثم أخذت تخطو نحو الكمال حتى انبعثت بعمق و شمول على يد ابن الأثير.

لقد انتهى إلى ابن الأثير حصادٌ طيّب فى شرح غريب الحديث أفاد منه و أربى عليه فى استقصاء مُعجز و دأب مشكور بحيث جاء كتابه بحق «النهايةَ» فى هذا الفن الشريف، و لم تندّ عنه إلا أحاديث يسيرة ذكرها السيوطى فى «الدر النثير» و فى «التذييل و التذنيب».

و قد ظهرت ثقافة ابن الأثير المتعددة الجوانب فى كتابه «النهاية» فهو لم يقف عند حدود المادة اللغوية فى شرح غريب حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و آثارِ الصحابة و التابعين؛ فنراه يناقش

____________

(1) بغية الوعاء ص: 77

(2) كشف الظنون ص 1207.

(3) هكذا ذكره ابن النديم فى الفهرست ص 87، و هو محمد بن على بن الفضل المدينى شيخ الطبرانى، و ليس هو ولد على ابن المدينى شيخ البخارى (نزهة الألباب فى الألقاب، لابن حجر- مصورة بدار الكتب المصرية برقم 2603 تاريخ).

(4) ذكره ابن النديم فى الفهرست ص 88 و صاحب كشف الظنون ص 1205، و ابن الأثير ص 7 من هذا الكتاب

(5) ذكره صاحب كشف الظنون ص 205، 601، 1205. و ياقوت فى معجم الأدباء 19/ 124 و السيوطى فى البغية ص 387.

8

مسائل فقهية؛ مثل ما ورد فى النهى عن جلود السباع (1) و يثير قضايا صرفيّة (2) و يحاول التوفيق بين الأحاديث المتعارضة فى الظاهر، مثل ما ورد فى الرُّقْية (3). كل ذلك فى إيجاز واف بليغ.

و لم نقف على أحد صنّف فى غريب الحديث بعد ابن الأثير سوى ابن الحاجب المتوفى سنة (646 ه) و انحصرت الجهود بعد ذلك فى التذييل على النهاية و اختصارها.

فممن ذيل عليها صفىّ الدين محمود بن أبى بكر الأُرموى المتوفى سنة (723 ه).

و ممن اختصرها الشيخ على بن حسام الدين الهندى، الشهير بالمتقى، المتوفى سنة (975 ه).

و عيسى بن محمد الصفوى، المتوفى سنة (953 ه) فى قريب من نصف حجمها (4).

و جلال الدين السيوطى المتوفى سنة (911 ه) و سمى مختصره «الدر النثير، تلخيص نهاية ابن الأثير».

و قد طبع «الدر» بهامش النهاية. ثم رأى السيوطى أن يفرد زياداته على النهاية و سماها «التذييل و التذنيب على نهاية الغريب» و يوجد هذا التذييل بآخر نسخة من نسخ النهاية بدار الكتب المصرية برقم (2094 حديث) و هو فى سبع ورقات. و من التذييل نسخة ببرلين برقم (1660) (5).

و قد نظم النهاية شعرا عماد الدين أبو الفدا إسماعيل بن محمد بن بردس البعلى الحنيلى الحافظ المتوفى سنة (785 ه) و منه نسخة ببرلين تحت رقم (1659) باسم «الكفاية فى نظم النهاية» (5).

* * *

____________

(1) انظر مادة «سبع»

(2) انظر مادة «رمم»

(3) انظر مادة «رقى»

(4) كشف الظنون ص 1989

(5) بروكلمان 1/ 357 و ملحق الجزء الأول ص 607

9

(2) التعريف بابن الأثير (1):

هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيبانى الجَزَرى ثم الموصلى الشافعى، يكنى أبا السعادات، و يلقّب مجد الدين، و يعرف بابن الأثير.

و قد اتفق المؤرخون على أنه ولد سنة (544 ه) ما عدا ابن تَغْرِى بَرْدِى الذى ذكر أنه ولد سنة (540 ه) و هو قول لا يُعاج به، حيث انعقد الإجماع على أنه ولد فى أحد الربيعين سنة (544 ه) بجزيرة ابن عمر (2).

نشأ أبو السعادات بالجزيرة، و لَقِن بها دروسَه الأولى، و لما استوى يافعا انتقل إلى الموصل سنة (565 ه) و هناك أخذت شخصيته تنضج و ثقافته تغزر، و أقبل على ألوان المعرفة يتشرّبها على مهل ليخرجها بعد ذلك إلى الناس علما نافعا فيه خير و بركة و نماء.

و قد استطاعت شخصية أبى السعادات أن تجذب إليه أنظار الحكام الذين رغبوا فى الإفادة من هذا العالم الكبير الجليل. قال ياقوت: «حدثنى أخوه أبو الحسن قال: تولى أخى أبو السعادات الخِزانة لسيف الدين الغازى بن مودود بن زنكى، ثم ولّاه ديوان الجزيرة و أعمالها، ثم عاد إلى الموصل فناب فى الديوان عن الوزير جلال الدين أبى الحسن على بن جمال الدين محمد بن منصور الأصبهانى، ثم اتصل بمجاهد الدين قايماز [و كان نائب المملكة] (3) بالموصل، فنال عنده درجة رفيعة، فلما قبض على مجاهد

____________

(1) مصادر الترجمة:

معجم الأدباء، لياقوت 17/ 71- 77 ط دار المأمون.

إنباه الرواه للقفطى 3/ 257- 260

وفيات الأعيان، لابن خلكان 3/ 289- 291 ط النهضة المصرية.

طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكى 5/ 153، 154

النجوم الزاهرة، لابن تغرى بردى 6/ 198، 199

بغية الوعاه، للسيوطى 385، 386

شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلى 5/ 22، 23

(2) بلدة فوق الموصل، بينهما ثلاثة أيام. قال ياقوت فى معجم البلدان: «و أحسب أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبى» و ذكر ابن خلكان عن الواقدى أنه بناها رجل من أهل بَرْقَعِيد، يقال له عبد العزيز بن عمر.

(3) زيادة فى وفيات الأعيان.

10

الدين سنة (589 ه) (1) اتصل بخدمة الأتابك عز الدين مسعود بن مودود [و ولى ديوان الإنشاء له] (2) إلى أن توفى عز الدين فاتصل بخدمة ولده نور الدين أرسلان شاه، فصار واحد دولته حقيقة، بحيث إن السلطان كان يقصد منزله فى مهامّ نفسه؛ لأنه أقعد فى آخر زمانه، فكانت الحركة تصعب عليه، فكان يجيئه بنفسه أو يرسل إليه بدر الدين لؤلؤ الذى هو اليوم أمير الموصل».

و كان أبو السعادات ذا دين متين، فلم تبهره أضواء الحكم، و لم تثنه عما أخذ به نفسه من الدرس و التحصيل. و قد أراد نور الدين أن يستخلصه لنفسه، فعرض عليه الوزارة غير مرة فرفضها، و هى منصب خطير تعشو إليه الأنظار و تعنو له الجباه.

قال ياقوت: «حدثنى أخوه المذكور قال: حدثنى أخى أبو السعادات قال: لقد ألزمنى نور الدين بالوزارة غير مرة و أنا أستعفيه، حتى غضب منى و أمر بالتوكيل بى. قال: فجعلت أبكى، فبلغه ذلك فجاءنى و أنا على تلك الحال، فقال لى: أ بَلغ الأمر إلى هذا؟ ما علمت أن رجلا ممّن خلق اللّه يكره ما كرهتَ! فقلت: أنا يا مولانا رجل كبير، و قد خدمت العلم عمرى، و اشتهر ذلك عنى فى البلاد بأسرها، و أعلم أننى لو اجتهدت فى إقامة العدل بغاية جهدى ما قدرت أؤدّى حقَّه، و لو ظُلم أكّار (3) فى ضيعة من أقصى أعمال السلطان لنُسب ظلمه إلىّ، و رجعت أنت و غيرك باللائمة علىّ، و المُلك لا يستقيم إلا بالتسمّح فى العسف، و أخذ هذا الحق بالشدة، و أنا لا أقدر على ذلك. فأعفاه. و جاءنا إلى دارنا فخبّرنا بالحال، فأما والده و أخوه فلاماه على الامتناع، فلم يؤثّر اللوم عنده أسفا».

و هكذا سارت حياة أبى السعادات بين عزوف عن الدنيا، و إقبال على العلم، و رغبة فى المعرفة، و استكثار من الخير و البر، حتى عرض له مرض النِّقْرِس فأبطل حركة يديه و رجليه، بحيث صار يحمل فى مَحَفّة. و لقد قابل (رحمه اللّه) هذه المحنة بقلب راضٍ و نفس مطمئنّة، و رأى فيها الفرصة للبعد عن ضوضاء الناس و لهوهم، و الفراغ إلى الدرس و التصنيف.

____________

(1) فليس صحيحا إذن ما ذكره ناشر جامع الأصول فى مقدمته من أن الأمير مجاهد قبض على ابن الأثير و سجنه.

فالمقبوض عليه هو مجاهد الدين نفسه، قبض عليه عز الدين مسعود لما تولى بعد أخيه سيف الدين. انظر ص 7، 8 ج 1 من «جامع الأصول» و قارنه بما جاء فى وفيات الأعيان 3/ 247، 289، و معجم الأدباء 17/ 72

(2) زيادة من طبقات الشافعية.

(3) الأكار: الحراث.

11

قال ابن خلِّكان: «حكى أخوه عز الدين أبو الحسن علىّ أنه لما أُقعد جاءهم رجل مغربى، و التزم أنه يداويه و يبرئه مما هو فيه، و أنه لا يأخذ أجرا إلا بعد بُرْئه، فمِلنا إلى قوله، و أخذ فى معالجته بدُهن صنعه، فظهرت ثمرة صنعته، و لانت رجلاه، و صار يتمكن من مدّهما، و أشرف على كمال البرء.

فقال لى: أعط هذا المغربىّ شيئا يرضيه و اصرفه، فقلت له: لماذا و قد ظهر نُجح معاناته؟ فقال: الأمر كما تقول، و لكنى فى راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم و الالتزام بأخطارهم، و قد سكنت روحى إلى الانقطاع و الدَّعة. و قد كنت بالأمس و أنا معافى أذلّ نفسى بالسعى إليهم، و ها أنا اليوم قاعد فى منزلى، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءونى بأنفسهم لأخذ رأيى؛ و بين هذا و ذاك كثير، و لم يكن سبب هذا إلا هذا المرض، فما أرى زواله و لا معالجته، و لم يبق من العمر إلا القليل، فدعنى أعيش باقيه حرّا سليما من الذلّ، و قد أخذت منه أوفر حظ. قال عز الدين: فقبلت قوله و صرفت الرجل بإحسان».

و هكذا لزم الرجل بيته صابرا محتسبا، يغشاه الأكابر و يحفِد إليه العلماء؛ يقبسون من علمه و ينهلون من فيضه. و كان آجره اللّه قد أنشأ رِباطا بقرية من قرى الموصل تسمى «قصر حرب» و وقف أملاكه عليه و على داره التى كان يسكنها بالموصل، و وقف داره على الصوفية.

قال ابن خلّكان: «و بلغنى أنه صنف هذه الكتب كلها فى مدة العطلة، فإنه تفرغ لها، و كان عنده جماعة يعينونه عليها فى الاختيار و الكتابة».

و فى يوم الخميس سلخ ذى الحجة سنة (606 ه) فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، و دفن برباطه بدرب درّاج داخل البلد.

قال القِفْطى: «ذكر لى أخوه أبو الحسن علىّ أنه رآه بعد موته أن نجاسة قد آذته. قال:

فاستقصيت و بحثت عن صحة هذه الرؤبا، فوجدت أحد الأهالى قد أطلق غنما له فوق سطح الصُّفَّة التى هو فيها مدفون، و قد كثر ما يخرج من أجوافها فوق ذلك الموضع، فأزلته و نظفته مما حصل فيه» (رحمه اللّه) و جزاه بما يجزى به العلماء المخلصين.

12

أسرته:

«ابن الأثير» اسم يعرفه كل من اتصل بالمكتبة العربية؛ محدَّثا أصوليا، أو مؤرِّخا نسّابة، أو كاتبا بليغا. و لم يعرف لرب الأسرة عناية بالعلم أو تصنيف فيه، و لكنه أنجب عباقرة ثلاثة، كان لهم فى تاريخ الثقافة العربية شأنٌ أىّ شأن. لقد اندفع كل منهم فى الطريق الذى اختاره يشكّل معالم نهضتنا الفكرية و يُثرى جوانبها بإنتاجه الخِصب الوفير.

و قد اختار مجد الدين الحديث و الفقه، و آثر عزّ الدين التاريخ و الأنساب، بينما مال ضياء الدين إلى الكتابة و البيان.

و عز الدين هو أبو الحسن علىّ، ولد بجزيرة ابن عمر فى رابع جمادى الأولى سنة (555 ه).

و توفى فى شعبان سنة (630 ه) بالموصل (1). قال ابن خلّكان: «كان إماما فى حفظ الحديث و معرفته و ما يتعلق به، و حافظا للتواريخ المتقدمة و المتأخرة، و خبيرا بأنساب العرب و أيامهم و وقائعهم و أخبارهم» و هو صاحب «الكامل» فى التاريخ، و «اللباب فى تهذيب الأنساب» و «أسد الغابة فى معرفة الصحابة».

و ضياء الدين هو أبو الفتح نصر اللّه. ولد بالجزيرة أيضا فى يوم الخميس العشرين من شعبان سنة (558 ه) و توفى يوم الاثنين التاسع و العشرين من شهر ربيع الآخر سنة (637 ه) ببغداد (2).

و هو الكاتب البليغ صاحب «المثل السائر فى أدب الكاتب و الشاعر» قال ابن العماد: «جمع فيه فأوعى، و لم يترك شيئا يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره» (3).

علمه و ثقافته:

قال مجد الدين فى مقدمة كتابه (جامع الأصول من أحاديث الرسول): «ما زلت منذ رَبْعان الشباب و حداثة السنّ مشغوفا بطلب العلم و مجالسة أهله، و التشبه بهم حسب الإمكان، و ذلك من فضل

____________

(1) وفيات الأعيان 3/ 34.

(2) وفيات الأعيان 5/ 32.

(3) شذرات الذهب 5/ 188.

13

اللّه علىّ و لطفه بى أن حبّبه إلىّ، فبذلت الوسع فى تحصيل ما وُفِّقت له من أنواعه، حتى صارت فىّ قوة الاطّلاع على خفاياه و إدراك خباياه. و لم آلُ جهدا- و اللّه الموفّق- فى إكمال الطلب و ابتغاء الأرب؛ إلى أن تشبثت من كلٍّ بطرَف تشبهت فيه بأضرابى، و لا أقول تميزت به على أترابى.

فلله الحمد على ما أنعم به من فضله و أجزل به من طوله ...» (1).

و قال ياقوت: «كان عالما فاضلا و سيّدا كاملا، قد جمع بين علم العربية و القرآن و النحو و اللغة و الحديث و شيوخه و صحته و سقمه، و الفقه، و كان شافعيّا».

و فى الشذرات: «قال ابن خلّكان: كان فقيها محدّثا أديبا نحويّا، عالما بصنعة الحساب و الإنشاء، ورعا عاقلا مهيبا ذا برّ و إحسان» (2).

و هكذا لم يترك أبو السعادات باباً من أبواب المعرفة إلا ولجه، و لا نافذة من نوافذ الثقافة إلا أطلّ منها، حتى اكتملت له شخصية علمية ناضجة، غنيت جوانبها و أثرى إنتاجها.

و مجد الدين يقول الشعر- مقلّا- على طريقة العلماء، و لكن له بعض مقطوعات تشِفّ عن حسٍّ أدبى رهيف. قال ياقوت: «حدثنى عز الدين أبو الحسن قال: حدثنى أخى أبو السعادات- (رحمه اللّه)- قال: كنت أشتغل بعلم الأدب على الشيخ أبى محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوى البغدادى بالموصل، و كان كثيرا ما يأمرنى بقول الشعر، و أنا أمتنع من ذلك. قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم رأيت الشيخ فى النوم و هو يأمرنى بقول الشعر، فقلت له: ضع لى مثالا أعمل عليه، فقال:

جًبِ الفَلا مُدمناً إن فاتك و الظَّفَرُ * * * و خُدَّ خَدَّ الثرى و الليلُ مُعتكرُ

فقلت أنا:

فالعِزّ فى صَهَوات الخيل مَرْكَبُه * * * و المجدُ ينتجه الإسراءُ و السَّهرُ

فقال لى: أحسنت؛ هكذا فقل، فاستيقظت فأتممت عليها نحو العشرين بيتا.

«و حدثنى عز الدين أبو الحسن قال: كتب أخى أبو السعادات إلى صديق له فى صدر كتاب و الشعر له:

____________

(1) جامع الأصول 1/ 12

(2) هذا النقل لم تجده فى وفيات الأعيان المطبوع.

14

و إنى لمُهدٍ عن حنين مبرِّح * * * إليك على الأقصى من الدار و الأدنى

و إن كانت الأشواق تزداد كلّما * * * تناقص بُعدُ الدار و اقترب المغنى

سلاما كنَشْر الروض باكره الحيا * * * و هبّت عليه نسْمةُ السحرَ الأعلى

فجاء بمِسْكِىّ الهوا متحليّا * * * ببعض سجايا ذلك المجلس الأسمى

«و أنشدنى عز الدين قال: أنشدنى أخى مجد الدين أبو السعادات لنفسه:

عليك سلام فاح من نَشْر طيبه * * * نسيمٌ تولى بثَّه الرَّنْدُ و البانُ

و جاز على أطلال مىٍّ عشيّةً * * * و جاد عليه مُغْدِقُ الوَبْل هَتّانُ

فحمّلتُه شوقا حوته ضمائرى * * * تميد له أعلام رَضْوَى (1) و لُبْنانُ

«و استنشدته شيئا آخر من شعره فقال: كان أخى قليل الشعر، لم يكن له به تلك العناية، و ما أعرف الآن له غير هذا».

و من شعره ما أنشد للأتابك صاحب الموصل، و قد زَلّت به بغلته:

إن زلَّت البغلة من تحته * * * فإن فى زَلّتها عذرا

حَمَّلها من علمه شاهقا * * * و من ندى راحته بحرا

قال ابن خلِّكان: «و هذا معنى مطروق، و قد جاء فى الشعر كثيرا».

* * *

شيوخه و من رووا عنه:

تلمذ أبو السعادات لطائفة من العلماء الأجلاء، فقرأ الأدب و النحو على ناصح الدين أبى محمد سعيد ابن المبارك بن على بن الدهّان البغدادى النحوى، المتوفى سنة (569 ه) (2).

و أبى الحرم مكّىّ بن ريّان بن شَبَّةَ بن صالح الماكِسِينىّ النحوى الضرير، نزيل الموصل، المتوفى سنة (603 ه) (3).

____________

(1) جبل بالمدينة.

(2) إنباه الرواه 2/ 47، و بغية الوعاه 256

(3) الإنباه 3/ 320، و البغية 397

15

و أخذ النحو و سمع الحديث من أبى بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدى القرطبى، النحوى اللغوى المقرئ الأديب. المتوفى بالموصل سنة (567 ه) (1).

و سمع الحديث بالموصل من جماعة، منهم خطيب الموصل أبو الفضل عبد اللّه بن أحمد بن محمد الطوسى المتوفى سنة (578 ه) (2).

و قدم بغداد حاجّا فسمع بها من أبى القاسم صاحب ابن الخَلّ (3).

و ابنِ كُلَيْب، أبى الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد الحَرّانى، ثم البغدادى الحنبلى التاجر، المتوفى ببغداد سنة (596 ه) (4).

و عبد الوهاب بن سُكَيْنة، الصوفى الشافعى، المتوفى سنة (607 ه) (5).

و قد روى عنه ولدُه (6). و الشهاب الطوسى، أبو الفتح محمد بن محمود بن محمد بن شهاب الدين، نزيل مصر و شيخ الشافعية، المتوفى بمصر سنة (596 ه) (7)- و جماعة.

و آخر من روى عنه بالإجازة فخر الدين بن البخارى (8).

و ممن روى عنه أيضا القِفْطى المتوفى سنة (646 ه) قال: و رويت عنه- (رحمه اللّه)-. و قال:

كتب إلىّ الإجازة بجميع مصنّفاته و مسموعاته و مرويّاته.

* * *

____________

(1) طبقات القراء لابن الجزرى 2/ 372، و البغية 412

(2) النجوم الزاهرة 6/ 94، و شذرات الذهب 4/ 262

(3) هكذا ذكر ياقوت، و لم نعثر على ترجمة لأبى القاسم هذا. أما ابن الخل فهو أبو الحسن محمد بن المبارك بن محمد بن عبد اللّه بن محمد، الفقيه الشافعى البغدادى، ولد سنة (475 ه) و توفى سنة (552 ه). وفيات الأعيان 3/ 362 و طبقات الشافعية 4/ 96

(4) وفيات الأعيان 2/ 394، و شذرات الذهب 4/ 327

(5) النجوم الزاهرة 6/ 201، و طبقات الشافعية 5/ 136

(6) هكذا ذكر ابن السبكى، و لم يذكر اسمه

(7) طبقات الشافعية 4/ 185، و شذرات الذهب 4/ 327

(8) هكذا قال ابن السبكى، و لعله قاضى القضاة أبو طالب على بن على بن هبة اللّه بن محمد بن على بن البخارى الشافعى المتوفى ببغداد سنة (593 ه)، طبقات الشافعية 4/ 279، و النجوم الزاهرة 6/ 143

16

مصنفاته:

ترك ابن الأثير إنتاجا طيبا يشهد بثقافته الواسعة و علمه الغزير. فمن مصنفاته:

1- الإنصاف فى الجمع بين الكشف و الكشّاف

(تفسيرى الثعلبى (1) و الزمخشرى (2)) قال ياقوت: أربع مجلدات.

2- الباهر فى الفروق

فى النحو. ذكره ياقوت و السيوطى، و هو عند ابن السبكى باسم «الفروق و الأبنية»

3- البديع

فى النحو. ذكره ياقوت و القفطى و السيوطى. و ذكره ابن خلّكان و ابن السبكى و ابن تغرى بردى باسم «البديع فى شرح الفصول لابن الدهان».

قال ياقوت: نحو الأربعين كُرّاسة، و قال: وقفنى عليه [أخوه عز الدين المؤرخ] فوجدته بديعا كاسمه، سلك فيه مسلكا غريبا، و بوّبه تبويبا عجيبا.

4- تهذيب فصول ابن الدهان

ذكره ياقوت و السيوطى. و هو فى النحو أيضا.

5- جامع الأصول فى أحاديث الرسول

قال ياقوت: «جمع فيه بين البخارى و مسلم و الموطأ و سنن أبى داود و سنن النسائى و الترمذى.

عمله على حروف المعجم، و شرح غريب الأحاديث و معانيها و أحكامها و وصف رجالها، و نبه على جميع ما يحتاج إليه منها. ثم قال: أقطع قطعا أنه لم يصنف مثله قط و لا يصنف» و قد طبع فى القاهرة سنة 1368 ه1949 م فى اثنى عشر جزءا. بعناية الشيخين عبد المجيد سليم و حامد الفقى.

____________

(1) هو أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، الثعلبى النيسابورى، توفى سنة (427 ه) طبقات الشافعية 3/ 23 و تفسيره «الكشف و البيان فى تفسير القرآن».

(2) هو أبو القاسم جار اللّه محمود بن محمد، توفى سنة (538 ه) و تفسيره «الكشاف عن حقائق التنزيل»

17

6- ديوان رسائل 7- رسائل فى الحساب مُجَدْوَلات

ذكرها ياقوت.

8- الشافى، شرح مسند الشافعى

قال ياقوت: «أبدع فى تصنيفه، فذكر أحكامه و لغته و نحوه و معانيه، نحو مائة كرّاسة» و منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم (306 حديث) فى أربع مجلدات. و نسخة أخرى فى مجلد واحد برقم (221184 ب).

9- شرح غريب الطّوال

ذكره ابن السبكى.

10- الفروق و الأبنية

فى النحو، ذكره ابن السبكى. و هو عند ياقوت و السيوطى باسم «الباهر فى الفروق».

11- كتاب لطيف فى صنعة الكتابة

ذكره ابن خلّكان و ابن تِغْرِى بَرْدِى.

12- المختار فى مناقب الأخيار- أو الأبرار

ذكره ياقوت، و قال: «أربع مجلدات». منه نسخة بليدن برقم (1090) (1) كما يوجد النصف الثانى منه بمكتبة فيض اللّه باستانبول برقم (1516) و هو مصور بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية.

13- المرصع فى الآباء و الأمهات، و الأبناء و البنات، و الأذواء و الذوات

ذكره ياقوت و السيوطى و ابن السكبى. قال ياقوت: مجلد، و قال السيوطى: «وقفت عليه و لخصت

____________

(1) بروكلمان 1/ 357 و ملحق الجزء الأول ص 607

18

منه الكُنى فى كرّاسة» و قد طبع فى «ويمار» سنة 1896 م بعناية «سيبولد» الألمانى، فى 267 صفحة من القطع الصغير.

14- المصطفى و المختار فى الأدعية و الأذكار

ذكره ابن خلّكان و ابن تغرى بردى و ابن السبكى و ابن العماد.

15- النهاية فى غريب الحديث و الأثر

و هو الذى نقدم له.

(3) منهاج التحقيق:

طبعت «النهاية» ثلاث طبعات: الطبعة الأولى بطهران سنة 1269 ه، طبع حجر، و هى غير مضبوطة و نقع فى مجلد واحد، فى 199 ورقة.

و الثانية بالمطبعة العثمانية سنة 1311 ه، و هى مضبوطة بالشكل الكامل، و تقع فى أربعة أجزاء و على هامشها «الدر النثير» للسيوطى، تلخيص النهاية. و هى بتصحيح عبد العزيز بن إسماعيل الأنصارى الطهطاوى.

و الطبعة الثالثة بالمطبعة الخيرية سنة 1318 ه، و هى غير مضبوطة، و تقع فى أربعة أجزاء، و بأسفلها طبع «الدر النثير» و قد ذكر فى الصفحة الأولى من الجزء الأول أن بهامشها كتابين، أحدهما «مفردات الراغب الأصفهانى» فى غريب القرآن. و ثانيهما «تصحيفات المحدثين» فى غريب الحديث، للحافظ أبى أحمد الحسن بن عبد اللّه العسكرى، و لكن لم يطبع بالهامش سوى «مفردات الراغب».

و أدق هذه الطبعات طبعة العثمانية، و هى على ما بذل فيها من جهد طيب مشكور لم تسلم من التصحيف و التحريف، و جاء معظم ضبطها بحسب الشائع الدائر على الألسنة، مما نبهنا على بعضه، و أغضينا عن بعضه الآخر لظهور وجه الخطأ فيه. على أننا قد أفدنا من التقييدات و فروق النسخ التى

19

ذكرت بهامش هذه الطبعة و ذكرناها معزُوّة. و قد اعتمدنا على هذه الطبعة و اعتبرناها أصلا.

و كان لا بد من الرجوع إلى مخطوطة للنهاية. و نسخ النهاية الخطية موفورة بدار الكتب المصرية و بغيرها من المكتبات. و قد استوثقنا نسخة بدار الكتب المصرية برقم (516 حديث) تقع فى مجلد واحد و عدد أوراقها 343 ورقة، و مسطرتها 30 سطرا فى الصفحة، و مقاسها 25* 15 سم، و هى بخط نسخى دقيق جدا، و قد ضبطت بالشكل الكامل، و كتبت المواد على الهامش بالحمرة، و بالهامش تفسيرات لغوية و إضافات معظمها من «الفائق» للزمخشرى. تمت كتابة سنة (1089 ه) فى صبح يوم الأربعاء، منتصف شهر ربيع الثانى. على يد إبراهيم بن سيد عبد اللّه الحسينى الخوراسكانى و قد أشرنا إلى هذه النسخة بالرمز (ا)

و حيث اعتمد ابن الأثير على كتاب «الغريبين» للهروى فقد اعتمدنا فى عملنا نسخة من «الغريبين» و هى محفوظة بدار الكتب المصرية برقم (55 لغة تيمور) فى ثلاثة مجلدات، تمت كتابة سنة (619 ه). و قد أفدنا كثيرا من مقابلتنا على كتاب الهروى هذا لتوثيق نقول ابن الأثير، و وقعنا على فروق فى غاية الأهمية. و ما لم ينص فى طبعة العثمانية على أنه من الهروى صدرناه بعلامة الزيادة [ه] على أن كثرة من الأحاديث التى سبقت بالعلامة (ه) رمز النقل عن الهروى فى طبعة العثمانية لم نجدها فى نسخة الهروى التى بين أيدينا، فلم ننبه على عدم وجودها، اعتمادا على أن ابن الأثير نفسه يذكر أن لكتاب الهروى نسخا متعددة. و قد التقطنا زيادات الهروى؛ من إنشاد شعر أو ذكر مَثَل، استئناسا على قاعدة، أو تدعيما لرأى.

ثم رأينا استصحاب «الفائق فى غريب الحديث» للزمخشرى. و قد رجعنا إليه فى مواطن كثيرة، سواء فيما ينقل عنه ابن الأثير أم فى غيره.

و لما كان ابن منظور قد أفرغ النهاية فى لسان العرب فقد اعتبرنا ما جاء من النهاية فى اللسان نسخة منها، و أثبتنا ما بينه و بينها من فروق. كذلك نظرنا فى «تاج العروس، شرح القاموس» للمرتضى الزّبيدى، و أثبتنا رواياته، حيث جاء معظم أحاديث «النهاية» فيه.

و قد نظرنا فى «الدر النثير» للسيوطى، و سجلنا تعقيباته و زياداته، و معظمها عن

20

ابن الجوزى، و لعله اطلع على غريبه، فهو يكثر من النقل عنه.

و حيث أشكل متن الحديث رجعنا إلى كتب السنة. و خرّجنا منها الحديث، ما وسع الجهد و أمكنت الطاقة.

هذا و تحت يدنا «جامع الأصول من أحاديث الرسول» لابن الأثير، و هو يحتفل فيه بغريب الحديث و يفرد له شرحا فى آخر كل كتاب.

على أن اهتمامنا تركّز فى ضبط المادة اللغوية بالاحتكام إلى المعاجم فى كل صغيرة و كبيرة. و ما وجدناه خطأ فى الطبعة العثمانية- أصح الطبعات- قوّمناه حين كان الضبط بالقلم، و نبهنا عليه حيث كان الضبط بالعبارة. و لم نتدخل إلا بالقدر الذى يُجلّى النّص و يوثِّقه، أو يرفع احتمالا و يزيل شبهة. و اللّه من وراء القصد، و هو ولىّ التوفيق.

القاهرة فى المحرم سنة 1383 همايو سنة 1963 م الطاهر احمد الزاوى، محمود محمد الطناحى