المراسم العلوية و الأحكام النبوية

- الفقيه سلار المزيد...
262 /
7

[تقديم]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يعد «سلار» من كبار الفقهاء الإماميين الذين يمثلون النشاط الفقهي في عصوره القديمة. و من المعلوم أن النشاط المذكور زحف مع عصور الغيبة حتى بلغ ذروته في أخريات القرن الرابع متبلورا في القرن الخامس بخاصة، فيما ظهر اعلام من أمثال «الصدوق» و «المفيد» و «المرتضى» و «الطوسي» كما ظهر أعلام تتلمذوا على الأسماء المذكورة دون ان يرتفعوا إلى مستوي نشاطهم كما و كيفا، بيد أنهم فرضوا شخصياتهم في ميدان النشاط الفقهي و قدموا مؤلفات في هذا الصدد، جعلت شخصياتهم تقترن بالأسماء المذكورة، و من ثم فان نظراتهم الفقهية تظل موضع تسجيل لكل من يؤرخ أو يقارن أو يناقش ظاهرة فقهية قديما و حديثا.

و «سلار» أحد الفقهاء الذين لم يغب اسمه من ذاكرة الباحثين في الميدان المذكور عند ما يعرضون وجهات النظر الفقهية القديمة، مشكلا بذلك واحدا من بضعة أسماء أو أكثر تتردد على لسان كل باحث، انها أسماء الصدوق و المفيد و المرتضى و الطوسي و ابن زهرة و ابن حمزة و ابن البراج و ابن إدريس و أبي الصلاح و نحوهم.

إن النشاط الفقهي الذي قدمه «سلار» لم يصل إلينا منه غير هذا الكتاب الذي بين أيدينا «المراسم». و هو كتاب فتوائي يمثل وجهة نظره الفقهية.

و مع أن الفتوى تكشف عن «الفقهية» دون ان تكشف عن مستواه العقلي

8

المتمثل في ممارسة عملية الاستدلال، إلا أن هذا الوجه الأخير من الممكن أن تتضح خيوطه من ملابسات كثيرة، منها: ما يتصل بالكتاب الفتوائي نفسه لغة و منهجا، و منها: ما تتخلله من تلميحات غابرة ترد في تضاعيف الفتوى، و منها:- و هذا أمر يتم بغاية الأهمية- ما يكشف عنه أساتذة أو تلامذة أو فقهاء معاصرون له، عرفوا بمستوياتهم العقلية فيما يسجلون تقديرهم لتلك الشخصية.

و «سلار» فيما تقول التراجم تلميذ للمفيد و المرتضى. و حين يزكي أحدهما- و هو المرتضى- تلميذا مثل سلار فإن هذه التزكية لتشكل وثيقة ضخمة تسجل لصالح الشخصية. ليس هذا فحسب، فإن التزكية- فيما يبدو- انفردت لسلار دون غيره من التلامذة الذين كانت تعج بهم مدرسة المرتضى في بغداد. كان سلار فيما يقول مترجموه: [من أخص خواص السيد المرتضى، و لاعتماد أستاذه على فهمه و فقهه و جلالته عينه- من جملة من عينه- للنيابة عنه في حلب باعتبار مناصب الحكام، و ربما كان يدرس الفقه ببغداد نيابة عن أستاذه السيد المرتضى] و [ان أبا الحسين البصري لما كتب نقض الشافي للسيد المرتضى أمر السيد سلارا تلميذه بنقض نقضه فنقضه].

إن أمثلة هذه الإناطة تعد وثيقة لافتة للكشف عن شخصية سلار العملية و العلمية.

و إذا أردنا الوقوف على معالم هذه الشخصية وجدناها لم تقتصر في نشاطها على التأليف الفقهي الصرف، بل تعدتها إلى أكثر من جانب تستكمل بها الشخصية العلمية. إن كتب التراجم تشير إلى أنه كاتب [فقهي] و [أصولي] و [كلامي]، فقد ذكر أحد مترجميه أن مؤلفاته تتمثل من: [المقنع في

9

المذهب، و التقريب في أصول الفقه، و المراسم في الفقه، و الرد على أبي الحسين البصري من نقض الشافي، و التذكرة من حقيقة الجوهر].

و من المجال الفقهي الذي نتحدث عنه نجد سلارا لم يقتصر على كتابه الفتوائي الذي نقدمه للقارئ (المراسم بل تعداه إلى مناخ عصره، مناخ أساتذته، ممتدا إلى النشاط الفقهي المقارن. لقد كتب أستاذاه- المفيد و المرتضى- و معاصره: الطوسي، مؤلفات في هذا الصدد قارنوا- من خلالها- بين المذهب الإمامي و المذاهب الأخرى، كما حاول البعض منهم النهوض بالمقارنة [داخل] المذهب الإمامي. بيد ان هذا الضرب الأخير من المقارنة لم يتمحض له بنحو منهجي شامل إلا فقيه متأخر زمنيا عنهم، و هو (العلامة) في كتاب (المختلف).

و يبدو ان سلارا ألف كتابا في المقارنة داخل المذهب. لقد أشار نفسه إلى الكتاب المذكور في «مراسمه» الذي بين أيدينا عند حديثه عن نوافل رمضان، فيما قال: [لا خلاف في أنها ألف ركعة، و إنما الخلاف في ترتيبها و نحن نذكر الأظهر في الرواية. و كتابنا الكبير يتضمن الخلاف في ذلك].

فنحن نستخلص من الفقرة المتقدمة أن لسلار كتابا كبير الحجم، و انه يعتمد المقارنة، و انها داخل المذهب.

بيد ان الكتاب المذكور و سائر الكتب التي سبقت الإشارة إليها لم تصل إلينا خلا كتابه الذي نقدمه للقارئ «المراسم» و هو كتاب فتوائي صرف- كما قلنا.

و الحق: لا يمكننا أن نحدد بوضوح مستويات الممارسة الفكرية عند

10

سلار ما دام الوجه التأليفي غائبا عنا، أي: الممارسة الاستدلالية. و كل ما يمكننا الوقوف عليه هو ان نعرض لمنهجه بشيء من الحديث، و ان نستخلص ما أمكننا شذرات البعد الفكري المذكور بنحو أو بآخر، فيما ترد في ثنايا الفتوى متناثرة هنا و هناك.

أما منهج الكتاب فيقسم بقيامه على تبويب مضغوط سليم بالمسائل الرئيسة و جزئياتها في خطوط تتداخل و تستقل و فيه تقسيم منطقي لافت. و قد طبع الاقتصاد الشديد ملامح الكتاب المذكور بحيث يعد أصغر الكتب الفقهية الموروثة حجما مع أنه دورة فقهية كاملة. و قد أشار المؤلف إلى طابع المنهجية و الاختصار اللذين و سما كتابه في المقدمة و الخاتمة، مبينا المسوغات التي دفعته إلى ذلك: [قد عزمت على جمع كتاب مختصر يجمع كل رسم و يحوي كل حتم من الشريعة و أتيته على القسمة ليتقرب حفظه و يسهل درسه]. و في خاتمة الكتاب أشار سلار إلى المسوغ المذكور و تميز الكتاب بمنهجية لها تفردها في هذا الحقل: [أتينا من هذا الكتاب على كتب الفقه مع الاختصار و جنبنا الإطالة و الإكثار] إنه [مع قلة حجمه و صغر جسمه حاو للعبادات يتضمن للشرعيات. مليح المباني غزير المعاني] إنه [على طريقة من القسمة غير مألوفة و ملية غير معروفة].

إن قارئ (المراسم) يتحسس فعلا قيامه على «قسمة غير مألوفة» على نحو ما مرت الإشارة إليه.

و يهمنا- في الواقع- ان نقف على البعد الفكري منه. و يكاد البعد المذكور ينحصر في تقديم الدليل الروائي و ما يستلزمه من أدوات التعامل العابر، مع إبهام للنص، و صمت عن التعقيب عليه في الغالب.

11

و طبيعي: أن مثل هذا التقديم للدليل عابرا تفرضه طبيعة الكتاب ذاتها ما دامت وظيفتها منحصرة في الفتوى لا في دليلها. و حينئذ يكون توشيحها بالأداة المذكورة عملية إضاءة للفتوى لا تخلو من فائدة.

و واضح، أن جملة ممن تقدم سلار أو عاصره أو تأخر عنه: أمثال «الصدوق» و «المفيد» و «المرتضى» و «الطوسي» و «ابن البراج» و «ابن حمزة» و غيرهم، قدموا كتبا فتوائية من نحو «المقنع» و «الهداية» و «المقنعة» و «جمل العلم و العمل» و «النهاية» و «جواهر الفقه» و «الوسيلة». و شحوها عابرا بجملة من الأدلة الرئيسة و الثانوية، مشفوعة بأدوات التعامل العابر: مع إبهام للدليل الروائي و غيره حينا، و التنصيص عليه حينا آخر.

بيد أن «المراسم» يطبع الإبهام كل لمحاته الروائية، و اللجوء نادرا إلى أدوات التعامل، فيما نستكشف من ذلك: ان حرصه الشديد على الاختصار يكمن وراء تحديد كتابع بالطابع المذكور.

و بعامة، يتمثل الإبهام الروائي عند «سلار» في عبارات تكاد تنحصر في:

1- «روي».

2- «وردت الرواية».

3- «و في بعض الروايات».

4- «على إحدى الروايتين».

12

5- «و على الرواية الأخرى».

6- «إن صحت الرواية».

7- «الأظهر في رواياتنا».

و قد يستخدم المؤلف مصطلحات أخرى غير الرواية تفصيح عن العنصر الروائي ذاته، من نحو:

1- «المأثور من آل الرسول (ع)».

2- «المتلقى عن الأئمة (ع)».

3- «لقد فوضوا (ع) إلى الفقهاء».

و ربما يستخدم المؤلف مصطلح:

1- «قيل» أيضا بمعنى «روي» فيما نلحظه من السياق.

و قد يستخدم موارد الندب أو الرخصة و نحوهما، مفصحا عن العنصر الروائي بدوره، من نحو:

1- «ورد الندب».

2- «رخص» إلخ.

و يهمنا- في الواقع- من لغته المتقدمة: تحديد موقع الرواية من فتواه و الكشف عن نمط الممارسة الفكرية لديه، فإنها تفصح- في حالات كثيرة- عن جزمه بوجهة النظر أو ترجيحه أو احتياطه أو تردده، إلخ. كما أنها تسعف القارئ- في حدود دائرة الاحتمال- في استشفاف الدليل الروائي لدى المؤلف، و استشفاف خطوات الأدلة الأخرى.

13

أولئك جميعا: يمكننا ملاحظته و نحن نواجه استخدامة المبهم للعنصر الروائي.

من هنا، يحسن بنا أن نتابع استخدام الكاتب للمصطلحات الروائية المتقدمة- بادئ ذي بدء.

1- تجيء اللمحة الروائية جنبا معبرة من فتواه على نحو الجزم، فيما يفتي بمضمون الرواية الملمح بها.

و استخدامه الروائي- في هذا الحقل- يقسم نمطين:

أحدهما مباشر: من نحو قوله: [في المأثور عن آل الرسول انه- أي الحسن- في كل ما غنم بالحرب. إلخ]، و من نحو فرزه حقلا للزكاة المندوبة فيما حددها بالخيل و الحبوب و أمتعة التجارة. إلخ. متوكئا في ثالثها على التلميح الروائي:

[فأما أمتعة التجارة: فروي أنه إذا حال عليها حول و طلبت فيه برأس المال أو بالربح فلم تبع طلب الزيادة، ففيها الزكاة ندبا].

الآخر غير مباشر: من نحو ذهاب الكاتب إلى كراهة الصوم المندوب في السفر، فيما أفرز الكاتب حقلا عدد فيه أنماط الصوم المكروه، جاعلا الصوم المذكور واحدا منها. حتى إذا جاء إلى حقل آخر قرر عدم جواز صوم المسافر فرضا و نقلا: [و لا يصوم المسافر تطوعا و لا فرضا] ثم عقب:

[و قد روي جواز صوم التطوع في السفر].

14

فمن الواضح، أن الكاتب حمل الرواية التي لمح بها على الكراهة- و ان لم يصرح بذلك مباشرة عند تعقيبه الروائي ما دام قد جعل الصوم المندوب في السفر ضمن قائمة الصوم المكروه في حقل متقدم.

2- حينا ثانيا، تجيء الرواية معبرة عن وجهة نظر مخالفة، فيما يلمح الكاتب بالرواية بما أنها مجرد نص مطروح قبال فتواه التي اعتمدت دليلا غيره. من نحو عده لمندوبات صلاة الجماعة فيما جعل عدم قراءة المأموم خلف الإمام واحدا منها، معقبا بالتلميح الروائي التالي:

[و روي: ان ترك القراءة في صلاة الجهر خلف الإمام واجب. و الا ثبت الأول] أي: الندب لا الوجوب.

3- حينا ثالثا، يجيء استخدامه الروائي مفصحا عن موقفه الاحتياطي: من نحو ذهابه إلى مطهرية النار للطعام الذي وقعت فيه نجاسة مثل الدم:

[ما وقع فيه دم كالمرق فأغلى، فإنه يزول حكم نجاسته و يحل أكله] ثم تعقيبه الروائي الطعام الذي وقعت فيه نجاسة مثل الخمر:

[فأما ما يقع فيه شراب محرم: فقد روي أنه لا يؤكل المرق، بل يغسل اللحم و التوابل، و يؤكل].

و الأحوط: اجتنابه].

و واضح: ان الكاتب يتحفظ قبال النص الملمح به، على مستوي الاحتياط لا الرفض.

15

4- حينا رابعا، تجيء الرواية معبرة عن تردده: من نحو ذهابه إلى عدم وجوب زكاة الطفل، فيما عقب:

[فان صحت الرواية بوجوب الزكاة في أموال الأطفال، حملناها على الندب].

5- حينا خامسا يجيء التلميح الروائي صامتا عن تحديد الموقف الرافض أو المردد أو المحتاط أو. إلخ: من نحو تحديده لميراث الأزواج، [من النصف للزوج و الربع للزوجة مع عدم الولد، و الربع و الثمن معه. ثم صمته حيال انفرادهما بالموروث، متوكئا على قول الأصحاب في الرد على الزوج و عدمه على المرأة، معقبا على هذا الأخير بالتلميح الروائي التالي:

[و روى: انه يرد عليها كما يرد على الزوج].

ففي مثل هذا التلميح الروائي صمت واضح عن تحديد وجهة نظره إيجابا أو سلبا أو تحفظا.

6- حينا سادسا تجيء اللمحة الروائية ملفعة بالضبابية- لا انها صامتة عن التحديد. من نحو: عده للأغسال الواجبة، فيما صرح بأنها سبعة أقسام، جاء غسل المس واحدا منها على النحو التالي من الاستخدام الروائي:

[. و غسل من مس موتى الآدميين: على إحدى الروايتين] فالكاتب حينما يقرر في بداية الحقل: [فالواجب على سبعة أضرب]، ثم يجعل الوجوب إحدى روايتيه، لا يرسي بنا إلى مرفأ محدد.

إن التعامل الروائي بنحوه المبهم، ينسحب على تعامل الكاتب مع فتوى الآخرين، على اختلاف تفرضه طبيعة كل من الرواية و الفتوى.

16

فالكاتب يشير إلى الأصحاب خلال عرضه الفتوائي، محددا وجهة نظرهم في جملة من المواقع، يتفاوت التحديد من خلالها وضوحا أو غموضا، على ما لحظناه، في التلميح الروائي.

و العبارة التي يستخدمها في التلميح الفتوائي تكاد تنحصر في [و في أصحابنا من].

أنها تجيء مرة- و هي الخط الغالب- لتعبر عن مخالفتها لوجهة نظره.

من نحو ذهابه إلى وجوب الترتيب بين الرجلين في مسح الوضوء، و تعقيبه:

[و في أصحابنا من لا يرى بين الرجلين ترتيبا].

فتلميحة الفتوائي هنا مفصح من وجهة نظر مخالفة الأصحاب.

و يجيء التلميح حينا- و هو النادر- معبرا عن التوافق في وجهة النظر.

من نحو إيجابه تكبيرات الركوع و السجود، و غيرهما، من خلال توكأه على الأصحاب، معقبا:

[و في أصحابنا من ألحق به [الكاتب يعدد الواجب من أفعال الصلاة]:

تكبيرات الركوع و السجود و القيام و القعود و الجلوس في التشهدين، و التسليم. [هو الأصح، في نفسي حينا ثالثا يتوكأ على الأصحاب خلال طرح وجهة النظر توافقا و تخالفا، و هكذا.

و تلميحة الفتوائي يمضي حينا بلا تعقيب، و حينا آخر مع التعقيب كما لحظنا في التدبير، و ما نلحظه في نحو من استشهاده بقول بعض الأصحاب بوجوب إزالة عرق الجنب من حرام مثلا، و بمطهرية المائع ثم تعقيبه على أولهما:

17

[و هو عندي ندب]. و على ثانيهما:

[و إزالته بالمياه أفضل].

و يلاحظ أن مصطلح «الأثبت»- فضلا عما لحظناه من مصطلح [الأصح]- يستخدمه الكاتب فتوائيا أيضا بالنحو الذي لحظنا استخدامه روائيا. من نحو تعقيبه على قول الأصحاب في ذهاب بعضهم إلى أن أقل المجزي من الزكاة خمسة دراهم، و ذهاب بعضهم إلى أنه درهم، ثم تعقيبه: [و الأثبت: الأول].

و على آية حال، ما دمنا نتابع لغته الفتوائية و الروائية: حينئذ يجدر بنا أن نقف عندها لملاحظة أو استشفاف الممارسة الفكرية لدى الكاتب خلال اللغة المتقدمة.

ان تعامل المؤلف روائيا و فتوائيا، يمكننا استشفافه في ضوء التوكؤ على أدوات الممارسة العابرة.

و لعل التأليف بين النصوص المتضاربة، أو الترجيح لأحد أطرافها، يمثل مظهرا من الممارسة المذكورة.

و من أوضح النماذج في هذا الصدد- فيما يتصل بعملية التأليف- ذهابه مثلا إلى أنه:

[لا صلاة في مكان يكون في قبلته تصاوير مجسمة، أو نار مضرمة، أو سيف مجرد، أو إنسان مواجه].

18

ثم تعقيبه على السطور المتقدمة، بقوله [و هذا كله داخل عندي في قسم المكروه، و إن وردت الرواية بما يدل ظاهرها على حظره].

و من الواضح أن الكاتب ألف بين النصوص المانعة و النصوص المجوزة، مستخلصا الكراهة، من خلال ما يسمى بعملية الجمع العرفي.

و الأمر نفسه فيما يتصل باستخلاص الندب مثلا، من نحو عده لمندوبات الوضوء فيما جعل مسح الرجلين من الأصابع واحدا منها، معقبا على ذلك:

[لأن في بعض الروايات إجازة مسحهما من الكعبين إلى الأصابع فالكاتب حينما يجعل المسح من الأصابع في قائمة الأفعال المندوبة، ثم يستشهد بالنص المخالف المجيز، حينئذ يكون ارتكان حكمه المذكور بالندب قائما على أساس عملية التأليف- كما هو بين.

و إذا اتجهنا إلى الضرب الثاني من الممارسة: أي الممارسة القائمة على التضارب بين النصوص على نحو (التعارض) فيما يفرض الترجيح- في ضوء وجوه الترجيح المعروفة- طرح النص الآخر. حينئذ يمكننا أن نظفر بقسط كبير من الممارسات في هذا الصدد.

و لعل ارتكان الكاتب إلى مصطلح ( [الأثبت]، يمثل الظاهرة المذكورة بوضوح.

فهو حينما يجعل القول الآخر رواية، مع التعقيب على وجهة نظره أو التعقيب على الرواية المعزرة لوجهة نظره. حينما يعقب على ذلك:

[و الأثبت: الأول].

19

حينئذ نستكشف بوضوح طرحه للرواية الملمح بها، و ترجيحه للرواية التي أفتى بمضمونها.

و لعل استشهادنا ببعض النماذج المتقدمة فيما تتصل بقراءة المأموم نحوها تفصح عن الترجيح المذكور.

إن الكاتب، إذا كان في الممارسات المذكورة يدلنا بوضوح على نمط الممارسة- سواء أ كان قائمة على التأليف بين النصوص المتضاربة أو الترجيح لأحد الأطراف المتضاربة،. فإنه، في ممارسات أخر، أو بالأحرى فإننا في ممارساته الأخرى لا نكاد نستخلص بوضوح نمط الممارسة لديه.

و لعل من أوضح النماذج في هذا الصدد، ممارسته التالية:- و قد سبق التلميح إليها- فيما تتصل بزكاة الأطفال. فقد قرر الكاتب أنه:

[أما من يجب عليه الزكاة فهم الأحرار العقلاء البالغون المالكون للنصاب].

ثم عقب الكاتب على ذلك:

[فإن صحت الرواية بوجوب الزكاة في أموال الأطفال حملناها على الندب].

إن الكاتب قد يتعامل مع السند حينما يثير التشكيك بالرواية: من خلال توله [فان صحت].

بيد أن رجوعنا إلى الرواية، و هي معتبرة: رواها الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن زرارة محمد بن مسلم. تجعلنا نتحفظ في إمكان تشكيك المؤلف بها سندا- إذا انسقنا إلى مقولة: إعراض الأصحاب، و مقولة القرائن المحتفة إلخ و ما إلى ذلك مما يوجب وهنها.

20

بعدئذ: نتوقع أن يكون الترجيح لديه في ضوء مخالفة العامة.

و رجوعنا إلى فتاواهم تفصح عن اختلاف وجهات النظر في هذا الصدد- إلا إذا انسقنا إلى مقولة: تحديد هوية القاضي زمن صدور الرواية.

ثم اننا نتوقع- في المرحلة الثالثة- أن يكون الترجيح لديه للشهرة الروائية بصفة أن الرواية شاذة قبال نصوص متكثرة لرواة متعددين أمثال: الحلبي و أبي بصير و يونس بن يعقوب- بل زرارة و محمد بن مسلم ذاتهما. و كل هذه النصوص تنفي الوجوب.

ثم نتوقع- بعد ذلك كله- أن الكاتب ألف بينها و بين النصوص النافية على نحو الجمع، لا الترجيح، حينما افترض الكاتب إمكانية الصحة،- و من ثم إمكانية حملها على الندب.

بيد أن التردد- على النحو المتقدم- لا يساعدنا على مثل هذا التوقع، ما دامت الممارسة مذيلة بقوله (فان صحت.).

إن الاحتمالات المذكورة تفرض ذاتها دون أدنى شك. و إذا كان غياب الممارسة الاستدلالية كامنا وراء ذلك- و هو أمر تفرضه طبيعة الكتاب بطبيعة الحال- إلا أن ظاهرة «التردد» «التردد» ساهمت في تضبيب الاحتمالات المذكورة.

و الحق: ان التردد المذكور يطبع غالبية الممارسات الاستدلالية قديما و حديثا. و إذا كانت الظاهرة المذكورة تجد مسوغاتها- في تصور البعض- خلال الممارسات القائمة على تقليب الوجوه، و تفنيد وجوه النظر المخالفة،

21

و سد النوافذ أمام الاحتمالات المفترضة فيها. فإنها لتنتفي- من حيث المسوغات- في المؤلفات الفتوائية ما دام الهدف منصبا على تحديد وجهة نظر معينة. و حتى في المؤلفات الاستدلالية لا نتحسس بفائدة ذات بال- من خلال التردد المذكور- ما دام لم يسهم في تحديد وجهة نظر نهائية، أو في تحديد موقف احتياطي: فتوى أو عملا.

و على آية حال: إذا كانت الممارسة المتقدمة لسلار تشكك في وجوب الزكاة على الأطفال،. فإن الكاتب في ممارسته التالية يدرم التشكيك بين الأطراف لبوح المسألة متأرجحة لا يكاد يستخلص القارئ آية تقوية لجانب دون آخر. لقد أفرد الكاتب حقلا للأغسال الواجبة، و بدأ بسردها واحدا واحدا، حتى إذا جاء غسل مس الميت ذيله:

[و غسل من مس موتى الآدميين- على إحدى الروايتين].

إن الكاتب أشار في مقدمة الحقل إلى أن الأغسال الواجبة سبعة، و عد الغسل المذكور منها. و عند ما جاء إلى حقل الأغسال المندوبة لم يجعل الغسل المتقدم منها، فيما نستكشف من ذلك أن غسل المس واجب لديه. و إذا كان الأمر كذلك فإن تذليل الوجوب على إحدى روايتين لا يتساوى مع الحقيقة المتقدمة. و إذا افترضنا أعد الكاتب للأغسال المندوبة لم يكن على سبيل الحصر، و توقعنا أن يكون الندب حصيلة الرواية الأخرى حتى لو لم يدخل حقل الأغسال المندوبة بسبب المتقدم. حينئذ لا يتاح للقارئ أن يتخلص وجوب الغسل أو ندبيته عند المؤلف.

بغض النظر عما تقدم. حين نتابع معالجات الكاتب في ضوء ممارساته

22

القائمة على التأليف بين النصوص أو الترجيح وحدها، أو الممارسة الفكرية بعامة. نجد المؤلف- في خطه الغالب- إذ يتوافق مع الآخرين ممارسة و فتوى،. فإنه- في الآن ذاته- يتميز بانتهائه إلى وجهات نظر و يتفرد بها، أو يكاد.

من ذلك مثلا: ذهابه إلى وجوب التكبير في الركوع، و السجود، و القيام و القعود و الجلوس في التشهدين.

و من البين: ان التكبيرات المذكورة مما اشتهر ندبها بين الفقهاء، بل ادعى البعض الإجماع على ذلك.

بيد أن سلار لم ينسق مع الشهرة أو الإجماع، بل استخلص الوجوب- فيما يبدو- من ظواهر النصوص.

و إذا دققنا النظر في استخلاصه المتقدم لحظنا أن استفاضة النصوص الآمرة أو الحاكية عن التكبيرات المذكورة، تقف وراء ذلك. و إذا استثنينا نصا أو أكثر فيما يفصح عن الاستحباب،. فحينئذ تظل النصوص المتكثرة غائبة عن الإفصاح المذكور.

و طبيعي، لا يمكننا استشفاف نمط الممارسة الفكرية التي اقتادته إلى وجهة النظر المتقدمة. بيد أن طرحه للنص النادب لا بد و أن يتسم بكونه شاذا أو مرفوضا سندا: و كلاهما مرشحان للتصور المذكور قبال شهرة النصوص الأخرى و ظهورها في الوجوب حسب استخلاصه.

ان رفض سلار لظاهرتي الشهرة و الإجماع يتجسد في أكثر من موقع.

من فتاواه.

23

و لعل ذهابه إلى وجوب لثم الحجر و استلام الركن اليماني، يمثل الرفض المذكورة بدوره.

و الحق: الإجماع، و الشهرة في الفتوى: يمثلان متكأ يبالغ الكثير في خطورة الركون إليهما لأسباب لا تسع مقدمتنا القصيرة بمناقشتها. و من هنا فان سلار حينما يقلص حجم الخطورة فيهما: يكون- في تصورنا- قد أكسب الظاهرتين قيمتهما الحقة.

بيد أن الوقوف على الدليل الروائي و محاولة ربطه بوجهة النظر التي انتهى إليها في وجوب اللثم و الاستسلام، ينبغي أن نقف عنده لنلاحظ وجهة النظر المذكورة. فالملاحظ أن النصوص الآمرة بهما ظاهرا: بعضها موشم بالتعليل، و البعض الآخر صريح في الندب، من نحو ما ورد عن الحجر مثلا: [إذا طفت طواف الفريضة فلا يضرك] [و ما أحب أن تدع مسه].

نعم: ثمة طائفة رابعة من النصوص تشترط القدرة، إلا فالتلويح فما يتصل بالحجر. و ثمة طائفة تضعه الأركان كلها في عرض واحد. بيد أن قسطا منها- و هي متكثرة عددا، و بعضها معتبر سندا- صريح في عدم الوجوب، يستوي في ذلك اللثم أو الاستلام.

و مهما يكن، فإن إخضاع الممارسة المتقدمة و نحوها لجملة من الاحتمالات المفترضة و تحديد وجهة النظر من خلالها، يظل أمرا لا تحكمه الضرورة، بقدر ما نعتزم الإشارة إليه في ضوء ما يتفرد به المؤلف أو يكاد: مما يمارسه من الأدلة، و مما ينتهى إليه من الحكم.

و بعامة: يخيل إلينا أن سلار يتميز بشخصية فقهية لها استقلالها الفكري

24

في ممارساتها بنحو يفرزها عن استاذيه: المفيد و المرتضى، و عن معاصرين من نحو: الطوسي و أبي الصلاح و غيرهما.

و الضبابة التي لحظناها في بعض ممارساته إن كانت ناشئة من غيابنا عن فكرة الأصولي و ممارساته المفصلة،. فان فتاواه و ممارساته العابرة في ملمحها المتنوع، يكشف لنا عن الاستقلال المذكور دون أن ينخرط في اتجاه مدرس تابع.

إن سلار يظل في كتابه المراسم و في غيره، فقهيا له شخصيته الموروثة الضخمة، مستكملة بثقافتها المتنوعة، نشيطة بجوانبها التاليفية من فقه و أصول و عقائد، قوية بمضبها في القضاء و التدريس.

إنه باختصار- كما قال عنه أحد أصحاب التراجم:

[أحد الأعاظم المتقدمين من فقهاء هذه الطائفة بل و أحدهم المشار إليه في كتب الاستدلال].

و نحن: إذ نقدم كتابه «المراسم» إلى القارئ نود أن نلفت نظر الأخير إلى أن المخطوط منه و المطبوع ضمن الجوامع الفقهية قد شحنا بأغلاط التحريف.

و النقيصة: بنحو لافت للنظر، حتى لا تكاد تمر بضعة أسطر دون أن تواجهنا فقرة أو سطر قد سقطا أو مفردات متراكمة قد حرفتا من خلال النسخ و الطباعة.

و ما دام الهدف الرئيسي منصبا على إخراج الكتاب سليما من الأخطاء فحينئذ لا يعنينا إخضاعه تشكيله التحقيق من التزام بتسويد الهوامش و شحنهما بإشارات النسخ المختلفة.

و من هنا أهملنا الإشارة المتصلة بتحقيق النص، و اكتفينا بتخريج

25

النصوص الروائية التي لمح الكاتب بها، و بالفتاوى التي أومأ إليها، مع تعقيبات عابرة لا تخلو من مسوغ في تصورنا.

مرة أخرى: إذ نقدم المراسم إلى القارئ: نثبت خاتمته التي انتهى المؤلف بها كتابه، مثلما ننهي به خاتمة هذه السطور المتواضعة التي أتيح لنا شرف كتابتها عن فقيهنا الكبير:

قال (رحمه الله) في خاتمة كتابه:

و نقسم على تاليه و دارسة و قارئه أن يترحم علينا ما استفاد و أن يجعل ذلك له كالمعتاد، و يمدنا بالدعاء و الشكر و الثناء، و بنسب ما استفاد منه إليه، و يطوي شفقته عليه. و الله سبحانه يوفقنا و إياكم للصالحات و يجعل عاقبتنا أجمعين إلى الجنات، إنه جواد كريم].

اللهم ارحمه و إيانا برحمتك.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المؤلف

الحمد لله ذي القدرة و السلطان، و الكرم و الإحسان، و العرش المجيد، المبدئ المعيد، الذي رسم الشريعة و نهى عن الخديعة، و أمر بالعلم و العمل، و نهى عن الزلل و الخلل. أحمده حمد من اعترف بآلائه، و إذ عن بشكره و نعمائه، و تحلى بالعبادة، و تزين بالقيام بحق السيادة. و صلى الله على سيد الأنام و إمام الأصفياء محمد و علي بن أبي طالب و عترته و أماجد دوحته، و سلم و كرم. أما على أثر ذلك: أطال الله للحضرة العالية المظفرة المنصورة الوزيرية الاجلية، السعادة و البقاء، و أدام لها السلطان و العلاء و القدرة، و كبت الحسدة لها و الأعداء. فإن أحق ما اشتغل به العارفون، و عمل به العاملون، لرسوم الشرعية و الأحكام الحنفية. إذ بها ينال جزيل الثواب، و بها يبلغ حميد المآب، و هي: شكر المنن و جلاء الحزن.

28

و قد عزمت على جمع كتاب مختصر يجمع كل رسم و يحوي كل حتم من الشريعة. و أتيته على القسمة ليتقرب حفظه و يسهل درسه، و من الله استمد المعونة و التسديد. و إياه اسئل أن يجعل ذلك خالصا لوجهه، و مقربا منه بمنه وجوده. و هو حسبي و نعم الوكيل.

أقول أولا:

إن الرسوم الشرعية تنقسم قسمين: عبادات و معاملات. فالعبادات تنقسم ستة أقسام: طهارة، و صلاة، و صوم، و حج، و اعتكاف، و زكاة. و المعاملات تنقسم قسمين: عقود و أحكام. فالعقود: النكاح و ما يتبعه، و البيوع و ما يتبعها، و الإجارات و أحكامها، و الإيمان، و النذر، و العتق، و التدبير، و المكاتبة، و الرهون، و الوديعة، و العارية، و المزارعة، و المساقاة، و الضمانات، و الكفالات، و الحوالات، و الوكالات، و الوقوف، و الصدقات، و الهبات، و الوصايا. فإن قيل ان العقود التي هي الإيمان و النذر إيقاعات: دخل مع هذا الطلاق و العتاق، و ما في حكمها. و ما عدا ذلك أحكام. و هذا القسم يشتمل على كتب شتى نبينها عند المصير إليها بعون الله تعالى.

29

[القسم الأول العبادات]

كتاب الطهارة

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الطهارة على ضربين: صغرى و كبرى. فالصغرى على ضربين:

واجب و ندب، فما يؤدى به الواجب فهو واجب، و ما يؤدى به الندب فهو ندب أو يكون لدخول موضع شريف أو للنوم أو لما ندب إليه من الكون على الطهارة فهو ندب.

ثم تنقسم أحكامها إلى أقسام خمسة: منها ما يتطهر منه من الأحداث، و ما يتطهر به من المياه، و ما يقوم مقامها عند عدمها أو تعذر استعمالها، و كيفية الطهارة، و نواقضها.

ذكر: ما يتطهر منه الأحداث

لا وضوء إلا من الغائط، و البول، و النوم الغالب على العقل، و ما في معناه مما يذهب العقل، أو ريح. و ما عدا ذلك فليس يوجب الوضوء منه. فهذه نواقض طهارة الصغرى.

و هذه الأحداث لها أحكام و هي على ضربين: واجب و ندب. فالواجب الاستنجاء للغائط و غسل رأس الإحليل من البول. و الندب على ضربين:

أدب و ذكر. و رتبة الأدب مقدمة. فمن أراد الغائط يطلب ساترا يتخلى

32

فيه، و لا يكونن شط نهر، و لا في نزال، و لا مسقط ثمار، و لا جادة طريق، و لا مورد المياه، و لا في جاري المياه، و لا في راكدها، و لا يكونن مكشوف الرأس و ليقدم رجله اليسرى قبل اليمنى عند دخوله إليه.

و ليقل: «بسم الله و بالله أعوذ بالله من الرجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم». و يجلس غير مستقبل القبلة، و لا مستدبرها. فان كان في موضع بني على استقبالها أو استدبارها فلينحرف في قعوده. هذا إذا كان في الصحاري و الفلوات، و قد رخص [1] ذلك في الدور و تجنبه أفضل. و قد قيل [2] أنه لا يستقبل الشمس و القمر و لا يستدبرهما. و ليتجنب الكلام الذي لا تدعو إليه حاجة، إلا أن يكون شكرا لله تعالى، أو صلاة على النبي (ص) إذا سمع ذكرها، أو حكاية مؤذن عند سماعه. و إذا قضى حاجته فليمسح بإصبعه الوسطى تحت قضيبه من أصله من تحت أنثييه ثلاثا ثم ينتر قضيبه ثلاثا فيما بين السبابة و الإبهام و هو يتنحنح ثلاثا. فان كان يريد إدخال يده في الإناء، فليغسلها مرتين، ثم يدخلها فيه، و يستنجي باليسرى حتى يطهر الموضع و إذا تعدى الغائط المخرج، فليس يجزى إلا الماء مع وجوده، فان لم يتعد: فليستنج بثلاثة أحجار، و لا يجزي إلا ما كان أصله الأرض

____________

[1] بعض النصوص تشير إلى الترخيص الذي أومأ إليه الكاتب: انظر رواية محمد ابن إسماعيل: الوسائل- ب 2- ح 7 أحكام الخلوة. و يلاحظ أن سلار يحتذي وجهة نظر أستاذه المفيد في التفصيل بين الصحاري و البيوت كراهة و اباحة مع ذهاب سلار إلى أفضلية التجنب في الدور أيضا انسياقا مع لسان الرواية: [من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة و تعظيما لها لم يقم من مقعده حتى يغفر له].

[1] انظر نصوص: ب 25 فيما تمنع استقبال الشمس و القمر من نحو رواية السكوني [نهى رسول الله ص ان يستقبل الرجل الشمس و القمر.] و مرسلة الصدوق عن «الرضا» (ع) [. لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها] ص 2 المقنع ط ج.

33

في الاستجمار. و الجمع بين الماء و الأحجار أفضل. فإذا قام من مكانه مسح بيده اليمنى بطنه و قال: «الحمد لله الذي أماط عني الأذى و هنأني طعامي و شرابي و عافاني من البلوى، الحمد لله الذي رزقني ما به اغتذيت و عرفني لذته و أبقى في جسدي قوته، و أماط عني أذيته، يا لها نعمة- يقولها ثلاثا- لا يقدر القادرون قدرها». ثم يخرج مقدما رجله اليمنى.

و من كان في يده خاتم فيه اسم من أسماء الله تعالى أو من أسماء رسله (ص) و الأئمة الطاهرين (ع) و كان في اليسرى فلا يتركه عنه الاستنجاء فيها. و لا يستاك و هو على الغائط. و من أراد البول فلا يبولن في صلب الأرض، و لا في راكد الماء. و لا يستقبل ببوله الريح. و لا يبولن في حجرة الحيوان و مواطن الهوام. و كراهية بوله في جاري الماء دون كراهية ذلك في راكده.

و لا يستقبل أيضا بفرجه الشمس و لا القمر و قد بينا كيفية الاستبراء منه.

و لا يجزي في البول غير الماء مع وجوده، و يجوز أن يغسل البول بمثلي ما عليه من الماء مع قلته. و ليغسل يده قبل إدخالها الإناء إذا بال مرة واحدة.

و كذلك إذا قام من النوم.

ذكر: ما يتطهر به، و هو المياه

الماء على ضربين: ماء مطلق و ماء مضاف. فالمطلق طاهر مطهر.

و الماء المضاف على ضربين: مضاف لم تسلبه الإضافة إطلاق اسم الماء، و هو على ضربين: مضاف إلى الاستعمال، و مضاف إلى جسم لاقاه. فالمضاف إلى الاستعمال إذا علم خلوه من النجاسات: كان طاهرا مطهرا، سواء

34

استعمل في الطهارة الصغرى أو الكبرى. و في أصحابنا [1] من قال: إذا استعمل في الكبرى لم يجز استعماله. أما المضاف إلى الجسم فما يكون ملونا بقليل الزعفران فهو أيضا طاهر مطهر، و مضاف سلبته الإضافة إطلاق اسم الماء. و هو على ضربين: مضاف إلى طاهر، و مضاف إلى نجس.

فأما المضاف إلى طاهر كماء الورد و الزعفران الكثير و الآس و المرق و ما في معناه: فإنه طاهر غير مطهر، لا يجوز الوضوء به.

و أما المضاف إلى النجس: فليس بطاهر و لا مطهر، و لا يجوز شربه و لا استعماله- إلا أن يدعو إلى استعماله ضرورة. و هو على ثلاثة أضرب:

أحدهما: يزول حكم نجاسته بإخراج بعضه.

و الآخر: يزول بزيادته.

و الآخر: لا يزول حكم نجاسته على وجه.

فالأول: مياه الآبار- و هي تنجس بما تقع فيها من نجاسة، أو موت ما نذكره. و تطهر بإخراج ما تجده، فنقول:

إن تطهيرها على ثلاثة أضرب:

أحدها: ينزح جميع مائها، و الآخر: ينزح كر، و الآخر: ينزح دلاء معدودة.

____________

[1] و منهم: الصدوقان، و المفيد، و الطوسي معاصر سلار. انظر المختلف في إشارة للأسماء المتقدمة ص 15. و يلاحظ ان المفيد لم يمنع استعماله بل أشار إلى أفضلية تجنبه انظر المقنعة ص 9.

35

فأما الأول: إذا مات فيها بعير، أو وقع فيها مسكر، أو دم حيض أو نفاس أو استحاضة، أو فقاع، أو مني، أو تغير لونها أو رائحتها أو طعمها بالنجاسة، فإنه: ينزح جميع مائها. فإن تعذر ذلك لغزارته:

تراوح عليها أربعة رجال- من أول النهار إلى آخره.

و أما الثاني الذي ينزح منه كر: فإن تموت فيها بقرة أو حمار أو فرس و ما أشبه ذلك- و لم يغير أحد أوصافها بموته فيها، فان قل ذلك عن كر:

نزح جميعه.

و أما الثالث الذي ينزح دلاء معدودة، فعلى ثمانية أضرب:

منه: ما ينزح له سبعون دلوا. و منه: ما ينزح خمسون دلوا. و منه: ما ينزح منه أربعون دلوا. و منه: ما ينزح منه عشرة دلاء. و منه: ما ينزح له سبعة دلاء. و منه: ما ينزح له خمسة دلاء. و منه: ما ينزح له ثلاثة دلاء. و منه: ما ينزح له دلو واحد فالأول: الإنسان. و الثاني: ان يقع فيها عذرة رطبة أو كثير الدم و الثالث: ان يقع فيها الغزال و الكلب و الخنزير و الشاة و السنور و الثعلب، و ما في قدر ذلك، و لبول الرجال فيها. و الرابع: العذرة اليابسة، و قليل

36

الدم الذي ليس بدم حيض أو نفاس- فقليل ذلك ككثيره فيما ذكرناه في الحكم. الخامس: الدجاجة و الحمامة و ما في قدر جسمها، و الفأرة إذا تفسخت و انتفخت، و لبول الصبي فيها، و لارتماس الجنب، و الكلب إذا خرج حيا. و السادس: لذرق جلال الدجاج. و السابع: للفأرة- إذا لم تتفسخ، و لم تنتفخ، و لموت الحية. و الثامن: لموت الوزغة و العصفور و ما أشبههما.

و أما ما يزول حكم نجاسته بزيادته، فهو أن يكون الماء قليلا و هو راكد في أرض أو غدير أو قليب- فإنه ينجس بما تقع فيه من النجاسة.

و حد القليل. ما نقص عن كر. و الكر: الف و مائتا رطل فإذا زاد زيادة تبلغه الكر أو أكثر من ذلك: طهر. و كذلك الجاري إذا كان قليلا، فاستولت عليه النجاسة- ثم كثر حتى زال الاستيلاء، فإنه يطهر.

و لا تنجس الغدران إذا بلغت الكر، إلا بما غير أحد أوصافها.

و أما ما لا يزول حكم نجاسته، فهو: ماء الأواني و الحياض، بل يجب إهراقه و إن كان كثيرا.

و يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات: أولاهن بالتراب. و يغسل من غير ذلك مرة واحدة، إلا آنية الخمر خاصة، فإنها تغسل سبع مرات بالماء.

و أما ما لا نفس له سائلة كالجراد و الذباب، فلا ينجس بوقوعه و لا بموته الماء.

و اعلم: ان الماء في الأصل على الطهارة، و هو على ثلاثة أضرب:

جار، و ما له حكم الجاري، و راكد.

37

فالجاري: لا يتنجس إلا ما يستولي عليه من النجاسة. و كذلك ما له حكم الجاري من ماء الحمام.

و أما ما ليس له حكم الجاري و الراكد من ماء الآبار، فقد بينا حكمه.

و أما الأسئار، فعلى ثلاثة أضرب: طاهر، و نجس، و مكروه.

فسؤر كل شيء طاهر، طاهر. و سؤر كل شيء نجس، نجس.

و المكروه: سؤر جلال البهائم و الجوارح، و ما يجوز أن يأكل النجاسة، و الحائض التي ليست بمأمونة.

فأما ما يقوم مقام المياه عند عدمها: فالتراب، و ما رسمت الشريعة ان يكون في حكم التراب. و سنبين حكمه إنشاء الله تعالى.

ذكر: كيفية الطهارة الصغرى اعلم، ان كيفية الطهارة الصغرى يشتمل على واجب و ندب.

فالواجب منه: النية، و غسل الوجه: من قصاص الشعر إلى محادر شعر الذقن طولا، و ما دارت عليه الوسطى و الإبهام عرضا، و غسل اليدين:

من المرفقين إلى أطراف الأصابع و إدخال المرفق في الغسل مرة، و المسح في مقدم الرأس بالبلة الباقية من اليد مقدار إصبع أقله، و أكثره ثلاثة أصابع

38

مضمونة، و مسح ظاهر القدم: من أطراف الأصابع إلى الكعبين اللذين هما معقد الشراك: بالبلة أيضا.

و الترتيب واجب أيضا: الوجه قبل اليدين، و اليد اليمنى قبل اليسرى، و الرأس قبل الرجل، و الرجل اليمنى قبل اليسرى.

و في أصحابنا [1]: من لا يرى بين الرجلين ترتيبا.

و الموالاة واجبة أيضا: و هو أن يغسل اليدين- و الوجه رطب، و يمسح الرأس و الرجلين- و اليدان رطبتان: في الزمان و الهواء المعتدلين.

و أن لا يستقل الشعر الذي في اليدين. فمن أخل بشيء مما ذكرناه بطل وضوءه.

و أما الندب، فيشتمل على ثلاثة أشياء: على زيادة في الكيفية، و على آداب، و على ذكر.

فأما الزيادة فهي: تكرار غسل الوجه و اليدين مرة ثانية. و ليس في الممسوح تكرار. و الغسل للوجه بيد واحدة: و هي اليمنى. و المضمضة ثلاثا. و الاستنشاق ثلاثا. و السواك في وضوء صلاة الليل من وكيد السنن.

و مسح الرجلين من الأصابع إلى الكعبين، لأن في بعض الروايات [2] إجازة مسحهما من الكعبين إلى الأصابع.

____________

[1] لم نظفر- في حدود محاولاتنا- بقائل بعدم الترتيب فيمن سبق سلار أو عاصره.

حتى ان العلامة في مختلفة- و هو ينقل الشهرة بسقوط الترتيب- لم ينقل لنا غير إشارة سلار إلى الأصحاب دون التنصيص على أسمائهم.

[2] انظر: و آية يونس: [أخبرني من رأى أبا الحسن (ع) بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب، و من الكعب إلى أعلى القدم، و يقول: الأمر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا، و من شاء مسح مدبرا] ب 20- ص 3- أبواب الوضوء

39

و أما الأدب: فهو أن يضع الإناء على يمينه و يقول إذا نظر: «الحمد لله الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا» ثم يقول «بسم الله و بالله». و يدخل يده اليمنى في الإناء بعد أن يغسلها على ما بيناه.

و أما الذكر: فبعضه ما مضى. و الباقي أن يقول إذا تمضمض: «اللهم لقني حجتي يوم ألقاك، و أطلق لساني بذكرك». و إذا استنشق قال «لا تحرمني من طيبات الجنان، و اجعلني ممن يشم ريحها و روحها و ريحانها».

و إذا غسل وجهه قال: «اللهم بيض وجهي يوم تبيض فيه الوجوه، و لا تسود وجهي يوم تسود فيه الوجوه». و إذا غسل يده اليمنى، قال:

«اللهم أعطني كتابي بيميني، و الخلد في الجنان بيساري، و حاسبني حسابا يسيرا، و اجعلني ممن ينقلب إلى أهله مسرورا». و إذا غسل يده اليسرى، قال: «اللهم لا تعطني كتابي بشمالي و لا وراء ظهري، و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي». و إذا مسح رأسه قال: «اللهم غشني برحمتك و بركاتك و عفوك». و إذا مسح رجليه، قال: «اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تذل فيه الأقدام، و اجعل سعيي فيما يرضيك عني يا ذا الجلال و الإكرام، يا أرحم الراحمين». فإذا أفرغ من الوضوء قال: «الحمد لله رب العالمين، اللهم اجعلني من الثوابين و اجعلني من المتطهرين».

و لا فرق بين وضوء الرجال و النساء إلا في شيئين: أحدهما: أن المرأة تبدأ في غسل اليدين بباطنهما، و الرجل بظاهرهما. و ان تمسح رأسها من تحت قناعها مقدار أنملة في الظهر و العصر و العشاء الآخرة. و أما في المغرب و الغداة، فتمسح على رأسها مقدار ثلاثة أصابع مضمومة.

و من في يده خاتم ضيق يمنع من وصول الماء إلى ما تحته: فلينتزعه، و إن كان واسعا: أداره.

40

ثم يلحق بالواجب ما يعرض من سهو فيها، فتجب له الإعادة أو التلافي.

فمن ظن- و هو على وضوءه- أنه فعل ما يبطل الطهارة من حدث أو إخلال بواجب، فليعدها. و ان كان ظنه، بعد قيامه- لم يلتفت إليه.

و كذلك، إن كان متيقنا للطهارة و الحدث- و شك في أيهما سبق، أعاد.

و إن كان على يقين من الطهارة، ثم شك في انتقاصها، فليعمل على يقينه. و إن كان على يقين من الحدث و شك في الطهارة، فليتطهر.

و أما نواقض الطهارة الصغرى، فهي ما ذكرناه قبل: من البول و الغائط و الريح الخارجة من الدبر على وجه معتلا و النوم الغالب على العقل و ما في حكمه. و ما عدا ذلك فليس بناقض، إلا أن يخرج معه شيء مما ذكرناه، مثل الأشياف إذا خرجت متلطخة. و لو خرج شيء مما ذكرناه من غير السبيلين، لما نقض.

ذكر: الطهارة الكبرى و هي الغسل،

و هو على ضربين: واجب و ندب.

فالواجب

على سبعة أضرب: غسل الجنابة، و غسل الحيض، و غسل الاستحاضة، و غسل النفاس، و غسل من مس موتى الآدميين: على إحدى الروايتين [1]، و تغسيل الأموات، و غسل من نعمه ترك صلاة الكسوف:

و قد انكسف القرص كله.

____________

[1] انظر: نصوص ب 1- أبواب غسل الميت- من نحو:] [. إذا مسه بعد ما يبرد فليغتسل] ح 1.

41

و لما كان لهذه الأغسال و المعرفة بها و النظر: تعلق بأحكام ما يوجب هذه الأغسال، وجب بيانه ببيانها.

ذكر: غسل الجنابة و ما يوجبه

الجنابة تكون بأمرين: بإنزال الماء الدافق على كل وجه، و بالجماع في الفرج إذا غيبت الحشفة و التقى الختانان.

و ما يلزم الجنب على ضربين: أفعال و تروك، فالأفعال على ضربين:

واجب و ندب. فالواجب ان يستبرئ نفسه بالبول و ينثر القضيب، فان تعذر البول فالنقر لا بد منه. فان رأى على إحليله بللا بعد الغسل و قد بال و فتر أو اجتهد فلا يعيدن غسله. و ان لم يكن فعل ذلك اعاده.

____________

و يلاحظ: ان بعض النصوص ينفي الوجوب ظاهرا، من نحو رواية زيد: [الغسل من سبعة. و من غسل الميت، و ان تطهرت أجزأك] ج 8 و بعضها ورد في سياق الأغسال الواجبة و المندوبة، من نحو رواية محمد بن مسلم- فيما سردت جملة أغسال مندوبة، و ذكر منها: [و إذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسسته بعد ما يبرد] ب 1 ج 11 الأغسال المسنونة و بعضها ورد في سياق ذكر الأغسال المستحبة، و المؤكدة استحبابا، و الواجبة بحيث لا يمكن الركون إلى ظهورها، من نحو رواية عامر: [و غسل الميت واجب، و غسل من مس الميت واجب، و غسل المحرم واجب. إلخ] ب 1 ج 3.

و بعضها جاء في سياق الأغسال المندوبة فحسب عن رواية محمد الحلبي [اغتسل يوم الأضحى، و الفطر، و الجمعة، و إذا اغسلت ميتا] ب 4 ج 2.

و بعضها جاء في سياق مسنونات أخر لا مجال لذكرها، فيما تمثل جميعا نصوص الندب التي تفصح عن إشارة المؤلف إلى الرواية الأخرى.

42

و ليغسل المني من رأس إحليله و من بدنه ان كان اصابه ذلك. و يغسل رأسه أولا مرة و نحلل شعره حتى يصل الماء تحته، ثم يغسل ميامنه مرة و مياسره مرة، ثم يفيض الماء على كل جسده. و لا يترك منه شعرة. و ليمرر يده على بدنه.

و الترتيب واجب. و اما الموالاة فلا يجب ها هنا، فلو غسل رأسه غدوة و باقي جسده عند الزوال أو بعده لجاز.

و أما الندب: فالمضمضة و الاستنشاق و تكرير الغسلات ثلاثا، و غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ثلاثا.

و أما التروك فعلى ضربين أيضا: واجب و ندب. فالواجب ان لا يقرأ سور العزائم و هي سجدة: «لقمان و «حم السجدة» و «النجم» «و اقرأ باسم ربك»، و لا يمس كتابة فيها اسم الله تعالى، و لا القرآن، فان مس هامش المصحف أو صفح أوراقه و قرأ فيه فقد ترك ندبا أو فعل مكروها.

و الندب: ان لا يمس المصحف، و لا يقرأ القرآن، و لا يقرب المساجد إلا عابر سبيل، و لا يترك شيئا فيها. فان كان له فيها شيء أخذه. و لا يرتمس في كثير الماء الراكد.

و له أن يصلي بغسله ما شاء من فرض و نفل و لا وضوء عليه: و هذا في الجنابة خاصة.

و باقي الأغسال واجبها و ندبها لا بد فيه من الوضوء لاستباحة الصلاة.

و ارتماسة واحدة في الماء يجزيه عن الغسل و ترتيبه.

و غسل النساء كغسل الرجال سواء في كل شيء إلا في الاستبراء.

43

ذكر: حكم الحيض و غسله

الحيض دم غليظ يضرب إلى السواد يخرج بحرقة و حرارة.

و ما يلزم الحائض على ضربين: فعل و ترك. فالفعل أن تحتشي بالكرسف لئلا يتعدى الدم إلى ثيابها و تمنعه من التعدي، و تمنع زوجها من وطئها. و أما التروك فهو: ان تترك- أيام حيضها. و هي في أقله ثلاثة و أكثره عشرة أيام فيما بين ذلك من الصلاة و الصيام. فإن رأته أقل من ثلاثة أيام فليس بحيض، و إن رأته أكثر من عشرة أيام فهو استحاضة.

و كل ما وجب تركه على الجنب فهو واجب عليها، و عليها أيضا أن لا تقرأ سور العزائم.

و أما الندب الذي يلزمها فعلى ضربين أيضا: فعل و ترك.

فأما الفعل: فإن تتوضأ وضوء الصلاة في كل وقت صلاة و تجلس في المحراب و تسبح بقدر زمان القراءة في الصلاة.

و أما التروك فهي: أن تعتزل المساجد و مس ما فيه اسم الله تعالى و كل كتابة معظمة. فإن انقضت أيام حيضها فلتستبرئ بقطنة، و كذلك في وسط الأيام، فإن خرجت غير نقية فهي بعد حائض، لأن الكدرة و الصفرة في أيام الحيض حيض، و ان خرجت نقية بدأت بالاستبراء و غسل الفرج، ثم وضوء الصلاة، ثم تغتسل كاغتسال الجنب سواء. فان دعت الحاجة من بعلها إلى وطئها قبل الغسل عند النقاء فليأمرها بغسل فرجها قبل الوطي، فان وطئ في الحيض أثم. و عليه إذا وطئ في أوله كفارة دينار و يتممه

44

عشرة دراهم فضة، و ان كان في وسطه نصف دينار. و الوسط ما بين الخمسة إلى السبعة، و في آخره ربع دينار.

و تقضي الحائض ما تتركه من الصيام دون الصلاة.

ذكر: حكم النفاس و غسله

النفاس هو: دم الولادة. و أكثره ثمانية عشر يوما، و أقله انقطاع الدم.

و حكم النفساء في الأفعال و التروك و الغسل حكم الحائض، فلا إطالة بذكره، إلا أنه يكره للنفساء و الحائض و الجنب الخضاب بالحناء.

ذكر: الاستحاضة و غسلها

الاستحاضة مرض ترى فيه المرأة دما أصفر باردا رقيقا. و هو على ثلاثة أضرب: أحدها ان لا يرشح الدم على ما تحشي به، فعليها ها هنا تغيير الكرسف في كل وقت صلاة فريضة و الخرق التي تشد بها، و تجديد الوضوء لكل صلاة. و الأخرى: ان يرشح الدم على الكرسف و ينفذ منه إلى الخرق فان لم يسل فعليها أن تغير الكرسف و الخرق في كل وقت صلاة، و تتوضأ أو تغتسل: لصلاة الفجر خاصة. و الثالث: ان يرشح و ينفذ الدم و يسيل على الكرسف، و ينفذ منه إلى الخرق: فعليها تغيير الكرسف و الخرق في وقت كل صلاة، و عليها ثلاثة أغسال: أحدها للظهر و العصر، و الآخر للمغرب و العشاء، و الثالث لصلاة الليل و الغداة ان كانت ممن تصلي الليل، و الغداة وحدها ان لم تكن تصلى بالليل.

45

و غسلها كغسل الحائض سواء، إلا أنها تعتزل الصيام و الصلاة في أيام حيضها المعتادة.

و لا حرج على زوجها في وطئها بعد فعل ما يجب عليها من الاحتشاء و الغسل، إلا في أيام المعتادة للحيض.

و أما غسل من مس الميت فهو كغسل الجنب إلا أنه لا بد فيه من الوضوء.

ذكر: تغسيل الميت و أحكامه

تغسيل الميت و إن كان واجبا فهو من فروض الكفايات، فان قام به بعض سقط عن بعض. و هو على ضربين، أحدهما: الغسل فيه واجب على الميت نفسه قبل موته، و الآخر يجب على غيره بعد موته إذا كان الميت معتقدا للحق.

ثم الموتى على ضربين: مقتول و غير مقتول. فالمقتول على أربعة أضرب:

مقتول بين يدي الإمام، و مقتول قتل لا بين يدي الإمام، و مقتول قتله سبع أو ما يجري مجراه، و مقتول في قود.

فالمقتول بين يدي الإمام على ضربين: مقتول في نفس المعركة، و مقتول في غيرها.

فالمقتول في المعركة: لا يغسل، و لا يكفن، و لا يحنط- بل يدفن بثيابه. و لا تنزع عنه إلا سراويله و خفه و قلنسوته: ما لم يصب شيئا منها دم. فإن أصابها دمه دفنت معه و لا تنزع. و يصلى عليه.

46

و أما من قتل في غير المعركة- و به رمق و مات- فإنه يغسل و يكفن و يحنط و يصلى عليه. و كذلك حكم من قتله إنسان في غير جهاد.

فأما من قتله سبع- فهو على ضربين: إن وجد كله: غسل و كفن و حنط و صلى عليه. و ان وجد منه بعضه. كان على ثلاثة أضرب: أحدها، أن يوجد ما فيه: صدره أو بعض صدره- فيكفن و يحنط و يغسل و يصلى عليه. و الآخر، ان توجد منه قطعة فيها عظم غير عظم الصدر، فيغسل أيضا و يحنط و يكفن و لا يصلى عليه. و الآخر، أن يوجد ما ليس فيه عظم: فيدفن من غير غسل و لا كفن و لا حنوط و لا صلاة.

فأما من يجب غسله عليه قبل هلاكه: فهو المقتول قودا. فإنه، يؤمر بالاغتسال و التكفين و التحنيط. فإذا قتل: صلى عليه و دفن.

و أما الميت حتف انفه، فهو على ضربين: أحدهما من مات في بطن أمه، و الأخر من مات بعد الولادة.

فالأول على ضربين: أحدهما من له أربعة أشهر: فهو يغسل و يحنط و يكفن، و لا يصلى عليه. و الآخر، أقل من أربعة أشهر: و هو يلف في خرقة، و يدفن بدمه من غير فعل شيء آخر.

فأما من مات بعد الولادة على ضربين: من له أقل من ست سنين، و من له ست فما زاد.

فالأول: يغسل و يكفن و يحنط، فان صلي عليه: فندب غير واجب.

و أما الثاني: فعلى ضربين، أحدهما: يخشى من تغسيله لئلا يذهب من لحمه شيء كالمجدور و المجذوم و المحترق. فإنهم: ييممون. و الآخر: يخاف ان يقطع الجلد: فإنه يصب عليه الماء صبا.

47

و كل منهما يحنط و يكفن و يصلى عليه.

و اعلم: ان الميت لتجهيزه أحكام، و هي على ضربين: واجب و ندب.

فالواجب: توجيهه إلى القبلة: يجعل باطن قدميه إليها و وجهه تلقاها.

و تغسيله مرة بماء القراح، و تكفينه بقطعة واحدة، و الصلاة على من تجب الصلاة عليه، و دفنه، و تغسيله: كغسل الجنب في الترتيب و غيره.

فأما الندب: فإنه يلقن الشهادتين و أسماء الأئمة (ع) عند توجيهه و كلمات الفرج، و ان تغمض عيناه، و يطبق فوه، و تمد يداه- إلى جنبيه- و ساقاه، و تشد لحيته بعصابة. و إن مات ليلا: أسرج عنده مصباح، و يكون عند من يذكر الله تعالى. و لا يترك وحده. و لا يترك على بطنه حديدة.

فإذا أردت تغسيله: فخذ السدر و الأشنان و نصف مثقال من حلال الكافور الخام، أو ما أمكن من الذريرة الخالصة، و من الطيب شيئا و هي القمحة، و من القطن رطلا أو أكثر. و يعد لحفوظه ثلاثة عشر درهما و ثلثا من الكافور الخام.

فإن تعذر ذلك: فأربعة دراهم، فإن تعذر فمثقالا، فان تعذر فما تيسر.

ثم، يعد له من القطن شيء، و يعد الكفن، و هو: قميص و مئزر و إزار و خرقة، يشد بها سفلية إلى وركيه، و لفافة، و حبرة يمنية غير مذهبة، و عمامة.

و يستحب أن يزاد للمرأة لفافتين.

و أسبغ الكفن: سبع قطعات، ثم خمس، ثم ثلاث.

و قد بينا أن الواجب: واحدة.

و تعد معه جريدتان من جرائد النخل رطبتان: طولها قدر عظم الذراع،

48

فإن تعذر النخل فمن الخلاف. فان لم يوجد فمن السدر. فان لم يوجد: فما وجد من الشجر. فإن لم يوجد فلا حرج.

ثم يقطع الكفن بغير حديد. و لا يقرب بخور و لا نار. ثم يبسطه على شيء طاهر: يضع الحبرة و اللفافة، و ينثر عليها من الذريرة. ثم ينثر اللفافة أخرى، و ينثر عليها ذريرة، ثم يضع القميص و ينثر عليه ذريرة، و يكثر منها، و يكتب. ثم يلفها و يكتب على اللفافة الأخرى و الحبرة و القميص و الجريدتين:

«فلان بن فلان، يشهد أن لا إله إلا الله» بالتربة أو بإصبعه لا غير، ثم يرفعه إلى ساجة موجها إلى القبلة- كما وجه عند الموت. ثم ينزع قميصه:

بأن يفتق جيبه و يحط إلى سرته، و يترك على عورته ساترا. ثم يبدأ بتليين أصابعه برفق، فان تصعب: تركها. ثم يضرب السدر في شيء جديد في إجانة أو غيرها- بعد أن يكون طاهرا بماء كثير حتى تظهر رغوتها. فإذا اجتمعت أخذها فتركها إلى إناء نظيف. ثم يأخذ خرقة نظيفة فليف بها يده اليسرى، من الزند إلى أطراف الأصابع. و يضع عليها شيئا من الأشنان، و يغسل بها مخرج النجو. و الآخر: يصب عليه الماء حتى ينقيه.

ثم يلف الخرقة و يغسل يده بماء قراح.

و من أصحابنا [1] من قال: يوضأ الميت. و ما كان شيخنا [2]- رضي الله عنه- يرى ذلك وجوبا.

____________

[1] لم نظفر في المأثور الفقهي ممن سبق أو عاصر سلار بقائل بالوجوب.

و أما المفيد، أستاذ سلار، فقد قرر بقوله [ثم يوضئ الميت ط 1] ظاهرة الوضوء دون استشفاف الوجوب أو الاستحباب. بيد أن إشارة تلميذه سلار إلى أن شيخه لم ير ذلك وجوبا، يفصح عن الاستحباب.

[2] لم نظفر في المأثور الفقهي ممن سبق أو عاصر سلار بقائل بالوجوب.

و أما المفيد، أستاذ سلار، فقد قرر بقوله [ثم يوضئ الميت ط 1] ظاهرة الوضوء دون استشفاف الوجوب أو الاستحباب. بيد أن إشارة تلميذه سلار إلى أن شيخه لم ير ذلك وجوبا، يفصح عن الاستحباب.

49

ثم يأخذ رغوة السدر، و يغسل بها رأسه و لحيته- ان كانت له لحية.

و الماء يصب عليه بمقدار تسعة أرطال من ماء السدر.

ثم يقلبه على مياسره لتبدو ميامنه. و يغسله من عنقه إلى تحت قدميه بماء السدر. و لا يقف بين رجليه- بل يقف في جانبه الأيمن. ثم يقلبه على ميامنه لتبدو مياسره. ثم يغسله كما فعل في الميامن. ثم يرده على ظهره، و يغسله من رأسه إلى قدميه: كل ذلك بماء السدر، و هو يقول «عفوك عفوك».

ثم يهريق ما بقي في الأواني من ماء السدر- إن كان بقي- و يغسلها.

ثم يصب في الإجانة ماء قراحا، و يلقى منه الكافور، و يغسله مرة ثانية كالأولى.

ثم يغسله ثالثة بماء قراح على صفة الأولى و الثانية، و يمسح بطنه في الأولى و الثانية مسحا رقيقا، لعله يخرج من بطنه شيء. لا يمسح بطنه في الثالثة، و إن خرج شيء أزاله.

و لا يغلي الماء لغسله إلا لبرد شديد، فإنه يضره.

ثم ينشفه بثوب طاهر نظيف. ثم يغسل يديه إلى مرفقيه. و يبسط الكفن.

ثم ينقل الميت حتى يضعه في قميصه. و يأخذ قطنة و يضع عليها ذريرة، و يضعها على مخرج النجو، و يضع على قبله مثله. ثم يشده بالخرقة التي أعدها شدا جيدا إلى وركيه. ثم يؤزره بمئزر- من سرته- إلى حيث يبلغ ساقيه. ثم يأخذ الكافور فيسحقه سحقا بيده، و يضعه على مساجده، فان فضل منه شيء: كشف قميصه و ألقاه على صدره. ثم يلف على الجريدتين قطنا. و يضع إحداهما في جانبه الأيمن مع ترقوته يلصقها بجلده- و يضع الأخرى في جانبه الأيسر- ما بين القميص و الإزار من عند تحت اليد إلى أسفل.

ثم يعممه و يحنكه، و يجعل طرفي العمامة على صدره. ثم يلفه، فيطوي

50

جانب اللفافة الأيسر على جانبه الأيمن، و جانبه الأيمن على الأيسر. و يعقد طرفيها مما يلي رأسه و رجليه. و كذلك الحبرة.

و اعلم: ان الموتى على ضربين: محرم و غير محرم.

فمن كان محرما، فلا يقرب الكافور البتة، فإذا دفن غطى وجهه بالكفن.

و اعلم: ان من مات فحاله ينقسم إلى أقسام ثلاثة:

أحدها: موت ذكر مؤمن بين ذكران مؤمنين.

و ذكر مؤمن بين رجال كفرة و نساء مؤمنات.

و مؤمن بين كفرة لا مؤمن بينهم و لا مؤمنة.

فالأول: يغسله أخوانه المؤمنون.

و الثاني: تأمر النسوة الرجال الكفرة يغسلونه و تعلمهم ذلك- انه كان ليس في النساء ذات محرم له. و إن كان فيهم ذات محرم له، غسلته.

و إن كان بين الكفرة فقط: دفن على حاله.

و أما في حال الاختيار: فيجوز للرجال أن يغسلوا زوجاتهم، و يغسل النساء أزواجهن. و لا بأس أن يغسلن أيضا ابن خمس سنين مجردا من ثيابه.

و يغسلن أكثر من ابن خمس سنين بثيابه.

و حكم النساء في ذلك كله حكم الرجال. و حكم الصبايا حكم الصبيان، إلا في موضع واحد، و هو: ان الرجال لا يغسلون من الصبايا- إلا من كان لها ثلاث سنين، فإنهم يغسلونها بثيابها. و إن كانت لأقل من ثلاث سنين غسلوها مجردة.

51

ذكر: حمله إلى القبر و دفنه

يحمل على سرير، ثم يصلى عليه. و ليمش من شيعه خلف الجنازة و من جانبها، و لا يمش أمامها. فإذا أوصلوا به قبره: فليوضع، و ليصبر عليه هنيهة، ثم يقدم قليلا ثم يصبر عليه. ثم يقدم إلى شفير القبر، فيسل من قبل رجليه حتى يصل رأسه إلى القبر سابقا لبدنه، كما سبقه إلى الدنيا.

و ينزله وليه أو من يأمره الولي بذلك. و يتحفى عند نزوله و يحل أزراره و إن نزل معه من يعاونه فلا بأس بذلك. و ليقل في الدعاء، ما هو مرسوم.

ثم يلقنه الشهادتين و أسماء الأئمة (ع). ثم يشرح اللبن عليه، و هو يقول الثقلين. ثم يهيل عليه التراب.

و من شيعة يرمي بظاهر كفه. و لا يهيل عليه ذو رحم. فإنه مكروه لهم.

و لا يطرح في القبر من غير ترابه.

و يربع القبر في الأرض مقدار أربع أصابع مفتوحة، ثم يصب عليه الماء من عند رأسه. ثم يدور صباب الماء من جوانبه حتى يعود إلى الرأس.

فإذا انصرف الناس تأخر بعض أخوانه، و نادى بأعلى صوته «فلان ابن فلان الله ربك و محمد نبيك (ص)، و علي إمامك (ع)» ثم يعد الأئمة (ع).

52

ذكر: الأغسال المندوب إليها

و هي: غسل الجمعة، و غسل الإحرام، و غسل يوم الفطر، و غسل أول ليلة من شهر رمضان، و غسل ليلة النصف منه، و غسل ليلة سبعة عشرة منه، و غسل ليلة تسعة عشرة منه و غسل ليلة إحدى و عشرين، و غسل ليلة ثلاث و عشرين منه، و غسل ليلة الفطر. و غسل دخول مكة، و غسل دخول الكعبة، و غسل دخول المسجد الحرام، و غسل الزيارة، و غسل قاضي صلاة الكسوف:

إذا احترق قرصا الشمس و القمر- و تركه متعمدا و على الرواية الأخرى [1] هو واجب على وجه الكفارة، و غسل ليلة الأضحى، و غسل يوم المباهلة،

____________

[1] انظر مرسلة حريز: [إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل ان يصلي فليغتسل من غد.] ب 25 ح 1 الأغسال المسنونة.

بيلاحظ: أن المؤلف ذكر في باب الأغسال الواجبة ان متعمد الترك عليه الغسل واجبا، كما ذكر الوجوب ذاته في باب صلاة الكسوف لمتعمد الترك بينما ذكر المؤلف هنا ندبية الغسل و جعل الوجوب رواية على وجه الكفارة و هي صريحة مرسلة حريز المتقدمة. و المظنون أن الندب في تصور المؤلف إنما هو في حالة عدم العمد بدليل إشارته إلى الكفارة في الغسل الواجب و حينئذ نتوقع أن تكون الفقرة [و تركه متعمدا] في حقل الأغسال المندوب إليها سهوا. مما يدعم هذا الاحتمال ان مرسلة الصدوق [إذا احترق القرص كله فاستيقظت و لم تصل فعليك أن تغتسل] و رواية محمد بن مسلم [إذا احترق القرص كله فاغتسل] في عدم اشارتهما إلى العمد فتصحان عن الندبية المذكورة في تصور الذاهبين إليها، و الله أعلم. الوسائل: ب 1 ح 4، 11 الأغسال المسنونة. هذا و من المحتمل أيضا أن يكون التلميح الروائي هنا من نحو ما قربنا في غسل مس الميت، مع ميل الكاتب إلى الوجوب، و جعل الاستحباب رواية مضمونا في ضوء وقوفه على نصوص لم تصل إلينا. و لا تجدر الإشارة إليه أن بعض النسخ لم ترد فيها الإشارة إلى غسل الكسوف في حقل الأغسال المندوبة. و في المطبوع ورد الغسل المذكور في الهامش.

53

و غسل التوبة، و غسل الاستسقاء، و غسل صلاة الاستخارة، و غسل صلاة الحاجة، و غسل ليلة النصف من شعبان.

و لا بد فيها اجمع من الطهارة الصغرى لاستباحة الصلاة. و إن كان وقت الصلاة قد دخل: نوى بالطهارة الصغرى و الوجوب.

ذكر: ما يقوم مقام الماء

من تعذر عليه الماء أو استعماله، فهو على أربعة أضرب:

أحدها: أن يكون واجدا للتراب و الصعيد.

و الآخر: أن يكون واجدا للوحل.

و الآخر: أن يكون واجدا للثلج و الأحجار.

و الآخر: أن يكون فاقدا ذلك.

فواجد الصعيد: يتيمم به لا غير.

و واجد الوحل و الثلج و الأحجار: ينفض ثوبه أو سرجه أو رحله، فان خرج منه تراب: تيمم به- إذا لم يمكنه تكسير الثلج، و التوضؤ به. فإن أمكنه توضأ به واجبا. و إن لم يمكنه التوضؤ به لبرد شديد و خوف تلف نفس- و لم يكن في ثيابه و رحله تراب- ضرب بيده على الوحل و الثلج و الحجر، و تيمم به.

و قد يتعذر أن يفقد الإنسان كل ذلك: و ان فرضنا فقده له، فليضرب يديه على ثيابه و يتيمم به.

54

ثم ما يشبه التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

منها: ما تنبته الأرض كالأشنان و ما يشبههما: فلا يجوز التيمم به.

و ما هو بين الأرض كالنورة و الجص و ما يشبهها: فالتيمم به جائز.

و لا يتيمم إلا في آخر الوقت و عند تضيقه.

و يجب أن يطلب الماء في سهل الأرض غلوة سهمين، و في حزنها غلوة سهم.

ذكر: كيفية التيمم و ما ينقضه

التيمم على ضربين:

أحدهما: من جنابة و ما في حكمها من حيض و نفاس.

و الآخر: من حدث يوجب الوضوء.

ففي الأول: يضرب المتيمم براحتيه على الأرض. ثم ينفض إحداهما بالأخرى و يمسح بهما وجهه: من قصاص الشعر إلى طرف أنفه. ثم يضرب أخرى. و يمسح بيده اليسرى ظاهر كفه اليمنى: من الزند إلى أطراف أصابعه و بيده اليمنى ظاهر كفه اليسرى كذلك أيضا.

و الثاني: يضرب بكفيه ضربة واحدة للوجه و اليدين و أما الكيفية فواحدة.

و كل نواقض الطهارتين ينقض التيمم. و ينقض الطهارتين: الكبرى و الصغرى، وجود الماء مع التمكن من استعماله. إلا أن يجده- و قد دخل في صلاته و قرأ.

55

ذكر: تطهير الثياب، و ما يصلى عليه

النجاسات على ثلاثة أضرب:

أحدها: تجب إزالة كثيره و قليله.

و منها: ما تجب إزالة كثيره دون قليله و منها: ما تجب إزالة قليله و لا كثيره.

فالأول: البول، و الغائط، و المني، و دم الحيض، و الاستحاضة، و النفاس، و الخمر و سائر ما يسكر، و الفقاع، و روت و بول ما لا يؤكل لحمه، و لعاب الكلب و المسوخة.

و الثاني: كل دم غير دم الحيض و الاستحاضة و النفاس: لأن ما عدا هذا الدم- إذا كان في ثوب منه قدر الدرهم الوافي متفرقا جاز. و إن زاد على ذلك وجب إزالته.

و الثالث: دم السمك، و البراغيث، و دم القروح: إذا شق إزالته و لم يقف سيلانه، و دم الجراحات التي لا يمكنه غسلها خوفا من انتقاضها.

فأما دم القروح خاصة- إذا لم يكن بهذه الصفة، و زاد على قدر الدرهم فإنه تجب إزالته.

و أما ما يلبس فعلى ضربين

56

أحدهما: ما لا تتم الصلاة به منفردا، و هو: القلنسوة و الجورب و التكة و الخف و النعل، فكل ذلك إذا كان فيه نجاسة: جاز الصلاة فيه، و ما عدا ذلك من الملابس- إذا كان فيه نجاسة، لا تجوز الصلاة فيه إلى بعد إزالتها.

و إزالة النجاسة على أربعة أضرب:

أحدها: بالمسح على الأرض و التراب- و هو ما يكون بالنعل و الخف.

و الآخر: بالشمس، و هو البول، إذا وقع على الأرض و البواري و الحصر.

و الآخر: يرش الماء على ما مسه: كمس الخنزير و الكلب و الفارة و الوزغة و جسد الكافر- إذا كان كل من ذلك يابسا.

و كذلك من ظن أن في ثوبه نجاسة و لم يتيقن ذلك: فإنه يرش الثوب بالماء.

و الآخر: ما عدا ما ذكرناه من النجاسات، فإنه لا يزول إلا بالماء، و لا يجزي فيه غيره.

و في أصحابنا [1] من أجاز إزالة النجاسات بالمائعات، و إزالة كل نجاسة بالماء أفضل و أولى.

فأما غسل الثياب من ذرق الدجاج، و عرق جلال الإبل، و عرق الجنب من حرام: فأصحابنا [2] يوجبون إزالته. و هو عندي ندب.

____________

[1] و منهم: المرتضى فيما نقل صاحب المختلف عنه. كما انه نقل عن ابن عقيل فقرات توحي بجواز ذلك عند الضرورة فحسب- ص 12.

[2] و منهم: الصدوق، و المفيد و الطوسي: انظر «المختلف»- ص 55، 57.