المسح على الرجلين (للشيخ المفيد)

- الشيخ المفيد المزيد...
30 /
15

[سؤال و جواب عن الوضوء و الحكم في الرجلين]

المقدمة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

رب يسر سأل بعض أهل مجلس الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه أبا جعفر المعروف بالنسفي العراقي فقال له ما فرض الله تعالى من الوضوء في الرجلين فقال غسلهما فقال ما الدليل على ذلك فقال

قول النبي(ص)و قد توضأ فغسل وجهه و غسل ذراعيه و مسح برأسه و غسل رجليه و قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به

فقال له السائل ما أنكرت على من قال أنه لا حجة لك في الخبر

18

لأنه من أخبار الآحاد لا يوجب علما و لا عملا.

فقال له أبو جعفر أخبار الآحاد عندي موجبة للعمل و إن لم تكن موجبة للعلم و أنا إنما أبني الكلام على أصلي دون أصل المخالف.

و تردد الكلام بينه و بين السائل في هذا المعنى ترددا يسيرا.

فقال الشيخ أبو عبد الله رضي الله عنه أنا أسلم لك العمل بأخبار الآحاد تسليم نظر و إن كنت لا أعتقد ذلك استظهارا في الحجة و أبين أنه لا دليل لك في الخبر الذي تعلقت به على ما تذهب إليه من فرض غسل الرجلين في الوضوء.

و ذلك أن

قول النبي(ص)إن صح عنه

هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به

مختص الحكم بذلك الوضوء الذي أشار إليه بقوله هذا دون ما عداه من غيره أو فعل نفسه.

فالحكم بإيجاب ذلك في أفعال غيره و أفعال نفسه لما بعد حكم جائز لا حجة عليه.

فلم يبين أبو جعفر معنى هذا الكلام و قال على ظن منه خلاف المراد فيه الوضوء اسم للجنس المشروع منه و التعلق بحكمه على العموم حقيقة لا مجاز.

فقال له الشيخ هذا كلام من لم يتأمل معنى ما أوردته عليه و ليس العبارة بالوضوء عن جنس مشروع يمنع مما ألزمتك في التعلق بقول النبي(ع)و ثبت أن حكمك به على كل وضوء يحدث ليس بمأخوذ من حقيقة الكلام و إنما هو دعوى لا تثبت إلا ببرهان بناء في الخبر و يكون خارجا عنه.

19

و ذلك أن قول النبي(ع)هذا لا يقع على معدوم و لا الإشارة به إلا إلى موجود.

و إذا كان الأمر على ما ذكرناه وجب أن يختص حكمه بنفس ذلك الوضوء الذي أشار إليه النبي(ص)و يكون المراد بالصلاة المذكورة معه ما يقام به دون ما عداها.

فمن أين يخرج منه أن ما سوى هذا الوضوء مما يتجدد بفعل النبي(ص)أو يكون وضوءا لغيره فحكمه حكمه بقياس عليه أو بحجة تعقل أو بمفهوم اللفظ.

و إذا لم يكن للقياس في هذا مجال و لا للعقل فيه مدخل و لم يفده اللفظ لم يبق إلا الاقتراح فيه و الدعوى له بغير برهان.

فقال أبو جعفر قد ثبت أنه إذا كان حكم وضوء النبي(ص)ذلك و أن الله تعالى لا يقبل صلاته إلا به وجب أن يكون حكم غيره كحكمه فيه إذ ليس في الأمة من يفرق بين الأمرين فزعم أن للنبي(ص)وضوءا على انفراده و للأمة وضوء على حياله.

فقال الشيخ هذا ذهاب عن وجه الكلام الذي أوردناه عليك مع استئنافك إياه و انتقالك عما كنت معتمدا عليه في الخبر و يكفي الخصم من خصمه و النظر أن يضطره إلى الانتقال عن معتمده إلى غيره و إظهار الرغبة إلى سواه.

و الذي بعد فإن الذي طالبناك به هو أن يكون قوله(ع)هذا وضوء إشارة إلى ذلك الشيء الواقع دون غيره من أمثاله.

و لم نسلم لك أن المراد به كل وضوء يحدثه النبي(ص)في مستقبل الأوقات فيبنى الكلام على ذلك و يستدل على مذهبك فيه بما

20

خرجته من الإجماع فيجب أن تأتي بفصل مما ألزمناك و إلا فالكلام عليك متوجه مع انتقالك من دليل إلى دليل للاضطرار دون الاختيار.

فقال هذا لا معنى له لأنه لم يكن النبي(ص)في حال من الأحوال قد أمر بوضوء لا يقبل الله صلاته إلا به ثم نقل عنه إلى غيره و إذا ثبت أن العبادة له كانت بوضوء استمر على الأحوال و الأوقات لم يلزم ما أدخلت علي من الكلام.

فقال الشيخ (رحمه الله) و هذا أيضا مما لم يتأمل و سبق إلى وهمك منه ما لم نقصده في الإلزام و ذلك أنا لم نرد بما ذكرنا في تخصيص وضوء النبي(ص)الواقع منه في تلك الحال ما قدرت من أنه كان مفروض عليه غسل الرجلين للوضوء دون ما سواه و إنما أوردنا ذلك على التقدير.

فما أنكرت أن يكون غسل النبي(ص)رجليه في ذلك الوضوء لإماطة نجس كان بهما ففعل ذلك لما ذكرناه دون إقامة فرض الوضوء للصلاة على انفراده مما سميناه فيكون

قوله(ع)حينئذ

هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به

مختصا بذلك الوضوء الذي دخل فيه فرض إماطة النجاسة عن الرجلين دون ما عداه و هذا خلاف ظنك الذي أطلت فيه الكلام.

فقال أبو جعفر هذا أيضا غير لازم إماطة النجاسة لا يطلق عليها وضوء شرعي و قول النبي(ص)هذا وضوء لفظ شرعي يخص نوع الوضوء دون ما عداه.

فقال له الأمر كما وصفت من أنه لا يطلق لفظ الوضوء إذا انفرد

21

ذلك مما سواه لكنه ما أنكرت أن يطلق ذلك على الوضوء المشروع إذا فعل في جملته إماطة نجاسة عن الجسد أو الأبعاض و لو لم تمط في حال الوضوء أو معه و وقعت على الانفراد لم يطلق عليها ذلك فيكون للاتصال من الحكم ما لا يكون للانفصال و يكون الإشارة بقوله هذا وضوء إلى أكثر الأفعال التي وقعت مما هي وضوء في نفسه و إن يتخللها ما لا يسمى على الانفراد وضوءا و هذا معروف في لغة العرب لا يتناكره منهم اثنان.

أ لا ترى أنهم يسمون الشيء باسم مجاوره يستعيرون فيه اسم ما دخل في جملته و يعبرون عنه بحقيقة اللفظ منه و إن تخلل أجزاءه ما ليس منه و لا خلاف مع هذا بينهم أن السمات قد تطلق على الأشياء بحكم الأغلب و يحكم عليها بالغلبة و إن كان فيها ما ليس من الأغلب و هذا يبين عن وجه الكلام عليك و أنك ذهبت عنه مذهبا بعيدا.

فقال لو جاز أن يعبر عن إماطة النجاسة عن الرجل بالوضوء لجاز أن يعبر عن إماطتها عن الثوب بذلك و يعبر عن السترة في الصلاة بذلك و يعبر عن التوجه و القبلة بالوضوء لأن الصلاة لا تتم إلا بذلك كما لا تتم إلا بإماطة النجاسة عن القدمين و غيرهما من الجسد و هذا ما لا يقوله أحد.

فقال الشيخ رضي الله عنه هذا أيضا كلام على غير ما اعتمدناه و لو تأملت ما ذكرناه لأغناك عن تكلف هذا الخطاب و ذلك أنا لم نقل إن إماطة النجاسة عن القدمين بغسلهما يقال لها وضوء و لا حكمنا أن النبي

22

ع قصد ذلك بقوله هذا وضوء و لا عناه و إنما قلنا إنه عنى الوضوء المشروع مع دخول ما ليس من جنسه و نوعه.

و ليس كذلك غسل الثوب لأنه لا يدخل في جملة الوضوء و لا يتخلل أجزاء الفعل منه و لو اتفق دخوله بالعرض و تخلل أجزاء الفعل منه لا سيما على أصلك في ترك موالاة الوضوء لم يجز أن يعبر عن الوضوء و عنه جميعا بالعبارة عن الوضوء المطلق كما عبر بذلك عن غسل الرجلين لما ذكرناه في الفرض من قبل أن لفظ الوضوء في اللغة إنما هو موضوع على تنظيف الجسد و تحسينه دون غيره و لذلك قيل فلان وضيء الوجه و لم يقولوا فلان وضيء الثوب و إن كان الثوب في نفسه حسنا.

فلا ينكر استعمال العبارة فيما ليس بوضوء شرعي مع الوضوء الشرعي بما وضعت له عبارة الوضوء في الأصل من التحسين للجسد و التنظيف له.

بل لو استعملت هذه العبارة في تنظيف الجسد المفرد من الوضوء الشرعي لكانت جارية على الأصل من اللغة فكيف إذا وضعت في موضوع الشرع و اللغة و قصد بها ما هي موضوعة له في الشريعة مع ما تخلله مما يطلق عليه في اللغة فأما السترة في الصلاة و التوجه و القبلة و النية فليس من هذا في شيء لأمرين أحدهما أن كل واحد من هذه لا يتخلل أجزاء الوضوء.

و الثاني أنه مما لا يطلق عليه هذه العبارة في مجاز اللغة

23

فصل فاقتضى بعض الحاضرين الموافقة لأبي جعفر على الانتقال.

فقال الشيخ (رحمه الله) أما الانتقال من أبي جعفر فكثير في هذا المجلس و أصل الانتقال منه تركه الخبر جانبا إلى الاستدلال من مقتضى الخبر فليسأل عن التعلق بالظاهر منه بعد اعتماده ثم تركه جانبا إلى غيره.

فقال أبو جعفر ليس هذا نقله عندي لأنني إنما صرت إلى ما صرت إليه عند الزيادة على ما لم يرد في السؤال الأول.

فقال الشيخ رضي الله عنه سواء انتقلت بالزيادة أو بغيرها فقد خرجت عن حد النظر و أظهرت الرغبة عما كنت عليه لضعفه عندك و لجأت إلى غيره.

و بعد فكيف نقلتك الزيادة التي تدعيها و إنما طولت بوجه البرهان من الخبر فرمته فلما لم تجد إليه سبيلا عدلت إلى سواه و هو أنك جعلت

قول النبي

هذه وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به

حكما ساريا علي فلما بينا بطلان ذلك جعلته خاصا للنبي(ص)في وضوء بعينه.

فإن كنت أجبت السائل عن مسألة عامة فاعتمادك على خاص الجواب باطل و إن كنت أجبته عن خاص من سؤاله فقد عدلت عما اقتضاه السؤال بالاتفاق.

24

فقال أبو جعفر ليس لأحد أن يمنع المجيب عن سؤال عام بجواب خاص و دليل مختص و لا يعنته بذلك إذا بنى كلامه فيما يسرى إلى العموم عليه.

فقال الشيخ (رحمه الله) فهذا لو بدأت به أولا كانت لك حجة شبهة و إن سقطت و لكنك لم تفعل ذلك بل أجبت بجواب عام فقلت فرض الله في الأرجل على العموم الغسل ثم دللت على ذلك عند نفسك بظاهر لفظ النبي(ص)فإذا طعنا في دليلك فركنت إلى التعويل على وضوء واحد للنبي(ص)و ضممت إلى ذلك الإجماع بحسب ما توهمت من إلزامنا لك فبينا لك خلافه.

و بعد فما الفرق بينك و بين من سئل عن مسألة في شيء مخصوص فأجاب عن غيره ثم دل على شيء سوى ما أجاب به و اعتمد في ذلك فإن قال إنما فعلت ذلك لأبني عليه ما يكون جوابا للسؤال فلم يأت بفصل يذكر

25

فصل ثم قال الشيخ رضي الله عنه و فرغنا من الكلام على خبرك و نحن نقابلك بالأخبار التي رواها أصحابك في نقيضه لنستوي في الكلام معك من هذا الوجه أيضا فما تصنع فيما

رواه أصحاب الحديث عن النبي(ص)

أنه قام على سباطة قوم قائما ثم استدعى ماء فجاءه بعض أصحابه بإداوة فيها ماء فاستبرأ و غسل وجهه و ذراعيه و مسح برأسه و مسح برجليه و هي في النعلين

و كيف تجمع بين هذا الحديث و بين مذهبك في أن من لم يغسل رجليه في الوضوء لم يقبل الله صلاته حسب ما رويته في حديثك.

بل كيف تصنع

فيما رواه أصحاب الحديث في نفس حديثك

إن النبي(ص)توضأ بالماء ثلاثا ثم غسل رجليه و قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به

فقال أبو جعفر هذان الحديثان لا أعرفهما هكذا-

و إنماروينا

أن النبي(ص)بال في سباطة قوم ثم توضأ

26

و روينا

أنه توضأ بالماء ثلاثا و قال هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي و وضوء خليلي إبراهيم

فقال له الشيخ (رحمه الله) ينبغي لك أن تنصف و ترضى لغيرك بما ترضاه لنفسك نحن سلمنا حديثك و ما رويناه قط و لا صححه أحد منا ثم كلمناك عليه و قابلناك بأخبار رواها شيوخك فدفعتها بألواح و قد كان يسعنا دفع حديثك في أول الأمر و مطالبتك بالحجة على صحته فلم نفعل.

فيجب إذا كنت تعمل بأخبار الآحاد أن تنقاد إلى ما تقتضيه و لا تلجأ في إطراح العمل بها إلى القول بأنك لا تعرفها فيسقط بذلك عن خصمك قبول ما ترويه إذا لم يعرفه و هذا إسقاط لنفس احتجاجك و اجتناب لأصله.

فقال أبو جعفر الحديث في أنه توضأ بالماء ثلاثا فلا أعرفه إلا فيما رويته أنا و أما الرواية عن النبي(ص)أنه توضأ و مسح على رجليه فقد ثبتت لكنها لم تزد على الرواية بأنه بال.

و ليس يمتنع أن يتوضأ الإنسان وضوءا يمسح فيه رجليه و يكون وضوؤه ذلك عن غير حدث-

كما روينا عن علي بن أبي طالب(ع)

أنه توضأ و مسح على رجليه و قال هذا وضوء من لم يحدث

27

فقال الشيخ (رحمه الله) عليه طالبناك بالإنصاف في أخبار الآحاد التي رواها أصحابك لاحتجاجك بها لا سيما مع تدينك بإيجاب العمل بها و أريناك أن دفاعك لها يبطل احتجاجك على خصومك و قد مر عليه فأجبنا إلى ذلك ثم قبلت أخبارا رويتها أنت من ذلك و دفعت ما رويناه و هذا رجوع إلى الأول في التحكم و المناقضة.

و بعد فإن أكثر الذي رويته عن النبي(ص)في مسح الرجلين يكفي في الحجة عليك و تأولك له بأنه وضوء عن غير حدث يقابله أن غسل النبي(ص)رجليه في ذلك الوضوء إنما كان لرفع النجس فيقابل التأويلان و يتكافأ الاحتجاج الحديثين.

فأما روايته عن أمير المؤمنين(ع)فهو حجة عليك لا لك و ذلك أن

قوله(ع)

و قد مسح رجليه هذا وضوء من لم يحدث

يفيد الخبر عن إحداث الغسل الذي لم يأت به كتاب بل جاء بنقيضه و لم تأت به سنة فصار الفاعل له بدلا من المسح المفروض محدثا بدعة في الدين و لو لم يكن المراد فيه ما ذكرناه على القطع لكفى أن يكون محتملا له لأن الحدث غير مذكور في اللفظ و إنما هو مقدر في التأويل

28

فكأنكم تقولون إن المضمر لم يحدث ما ينقض الوضوء و المقدر عندنا فيه من لم يحدث غير مشروع في الوضوء.

و بقي عليك الحديث الذي

روي

أن النبي(ص)توضأ فمسح على رجليه

و لم يفصل فارتج عليه الكلام في

قول أمير المؤمنين(ع)

هذا وضوء من لم يحدث

و لجلج فيه و لم يدر ما يقول فأضرب عن ذكره صفحا و قال فأنا أقبل الحديث أيضا أن النبي(ع)قام فتوضأ و مسح على رجليه و هما في النعلين فأقول أنهما كانا في جوربين و الجوربان في النعلين كما أقول في القراءة بالخفض إنها تفيد مسح الخفين إذا كانت الرجلان فيهما فصل فقال الشيخ رضي الله عنه هذا كلام بعيد من الصواب متعسف في تأويل الأخبار و ذلك أن الراوي لم يذكر جوربين و لا خفين فلا يجب أن يدخل في الحديث ما ليس فيه كما أنا لما سلمنا حديثك لم ننقص منه ما تضمنه و لم نزد فيه شيئا يسهل سبيل دفاعك عن الاحتجاج به و لو قلنا كما قلت

إن النبي(ص)توضأ و مسح على رجليه و قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به

ثم غسلهما بعد ذلك لكنا في صورتك و حالك في الزيادة في الأخبار بل لو قلنا أنه غسل رجليه أولا ثم استأنف الوضوء و إن لم يرو ذلك الراوي لكان كقولك إن كان في رجليه جوربان لم يذكرهما الراوي و كنا نحن أولى بالتأويل الذي ذكرناه منك وفاق

29

أفعال رسول الله(ص)ظواهر القرآن و تأولك أنت أقواله و حملك فعاله على نقيض القرآن و الزيادة في ألفاظ الأخبار ما لم يذكره أحد بحال.

على أنه لا يعبر بالجوربين عن الرجلين و لا بالخفين عنهما في حقيقة اللغة و لا في مجازها و لم يرو ذلك أعجمي فيكون لك تعلق به بل رواه عربي فصيح اللسان فبطل أيضا حملك الخبر عليه حسب ما بيناه.

فترك الكلام على ذلك كله و قال العرب تقول لمن داس شيئا برجله و فيها جورب أو خف قد داس فلان برجله كذا و كذا و هذه العامة كلها على ما ذكرناه لا يمتري فيه منهم اثنان.

فقال الشيخ ليس مثالك بنظير لدعواك و بينهما عند أهل العقول و اللغة أعظم الفرقان و ذلك أن الدائس برجله و هي في الجورب أو الخف معد فعل رجله إلى الدوس و ليس الماسح على الخف و الجورب معديا فعله إلى الرجل بالمسح على الاتفاق فأي نسبة بين ذلك و بين ما تأولت به الخبر على غير مفهوم اللسان.

فقال أبو جعفر و الله ما أدري ما التعدي و الاعتماد و هذا من كلام المتكلمين و انقطع الكلام على إخباره عن نفسه بأنه لم يفهم غرض الكلام

30

فصل قال الشيخ (رحمه الله) و قلت بعد انفصال المجلس لبعض أصحابنا في حل كلام أمير المؤمنين(ع)من قوله هذا وضوء من لم يحدث زيادة لم أوردها على الخصم لأنني لم أوثر اتفاقه عليها في الحال و لم يكن لي فقر إليها في الحجاج و هي معتدة في برهان الحق و المنة لله و ذلك أن

قوله(ع)

و قد توضأ فغسل وجهه و يديه إلى المرفقين و مسح برأسه و رجليه هذا وضوء من لم يحدث

لا يجوز حمله إلا على الوجه الذي ذكرناه في حكم الوضوء المشروع الذي لم يحدث فيه ما ليس بمشروع من قبل أنه لو كان على ما تأوله للخصوص من أنه أراد به وضوء من لم يحدث ما يوجب الوضوء لكان لمن لم يجب عليه الوضوء وضوء مخصوص لا يتعدى إلى غيره كما أن لمن توضأ عن حدث وضوءا مخصوصا لا يجوز تعديه إلى سواه.

و لما أجمعوا على أن له أن يتعدى ذلك إلى غسل الرجلين و يكون وضوءا لمن لم يحدث كما يكون المسح وضوءا له بطل تأويلهم إذ ما يختص لا يقع غيره موقعه و في إجماعهم على ما بيناه من أن من لم يحدث ليس له وضوء بعينه مشروع بطلان ما تعلقوا به في تأويل كلام أمير المؤمنين(ع)و دليل صحة ما ذكرناه منه وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و صلى الله على محمد النبي و آله الطاهرين و سلم تسليما كثيرا