تأويل الدعائم - ج3

- ابو حنيفة المزيد...
325 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ساطع الأرض و رافع السماء، و فالق الحب و جاعل كل شيء حي من الماء.

6

منهاج التحقيق لكتاب تأويل الدعائم الجزء الثالث*

هو عبارة عن مخطوطات المكتبات السرية بالجامعة السيفية الفاطمية فى مدينة سورت، و مكتبة ملا يونس شكيب (مدير الإدارة الأدبية الفاطمية فى مدينة سورت الهند) و النسخة المقدمة لدار المعارف بمصر هى وحيدة فى دار الكتب الأعظمية بمدينة كراتشى (باكستان) و هى محققة من المكتبتين المذكورتين.

رموز النسخ الأصلية:

ى: نسخة ملا يونس شكيب

ع: نسخة دار الكتب الأعظمية

س: نسخة الجامعة السيفية (1)

____________

(2)* إن الجزء الثالث هذا آخر جزء لهذا الكتاب، و قد توفى المؤلف بعد إنهاء هذا الجزء و لا يحتاج هذا الجزء إلى مقدمة خاصة. (الأعظمى)

(1) انظر تفصيل حياة المؤلف فى مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب.

7

الجزء السابع من كتاب تربية المؤمنين بالتوقيف على حدود باطن علم الدين من كتاب تأويل دعائم الإسلام،

المجلس الأول من الجزء السابع: [ذكر الجنائز]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه العالم بما كان و ما يكون، و بما لم يكن إذا كان كيف يكون، و ما تسقط- كما قال اللّه عز و جل- مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا يَعْلَمُهٰا وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ. و صلى اللّه على محمد خاتم النبيين و على وصيه الصادق الأمين و على الأئمة من ذريته الطاهرين.

ثم إن الّذي يتلو ما تقدم من القول فى تأويل الصلاة و ما جاء من حدودها على التمام من كتاب دعائم الإسلام ما جاء نسقا فيه على ذلك، ذكر الجنائز؛ فجملة القول فى ذلك و أصله الّذي تفرعت منه فروعه ما نحن ذاكروه قبل بيان الفروع التى تفرعت منه و مبيّنوه لتصح الفروع عليه إن شاء اللّه، فالجنائز جمع جنازة بفتح الجيم هاهنا، و الجنازة بفتح الجيم هو الميت نفسه، أخذ ذلك من أن الجنازة فى اللغة ما ثقل على القوم و اغتموا به فأخذ ذلك من هذا لأن الميت يثقل أمره على أهله و يغتمون به، و الجنازة بكسر الجيم هو سرير الميت الّذي يحمل عليه و العرب تسميه الشرجع، و الشرجع الّذي هو سرير الموتى لا يكون إلا لهم، فهذا تأويل الجنازة و جمعها جنائز بفتح الجيم و كسرها فى ظاهر اللغة و قد يكون الجنازة الّذي هو الميت يسمى باسم السرير الّذي يحمل عليه و السرير باسمه، كما تسمى العرب الشيء باسم الشيء إذا صحبه و لاءمه، كما سمو المزادة راوية باسم الجمل الّذي يحملها؛ و هذا هو كله كناية عن الميت و الميت ضد الحى، و كذلك الموت ضد الحياة، إلا أن الميت على حالين و كذلك الموت فالإنسان و جميع الحيوان قبل الخلق فى حد الموت و هم أموات و عدم لا يذكرون و لا يقع عليهم أسماء و لا يعرفون كما قال اللّه أصدق القائلين: (هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) و قال: (وَ كُنْتُمْ أَمْوٰاتاً فَأَحْيٰاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) و قال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).

8

و كل شيء لا روح فيه و لا نمو له فهو موات و ميت، و كل ما كان له روح و نمو فهو حيوان وحى، فهذا ظاهر الحياة و الموت و الحيوان و الموات.

و باطن ذلك و تأويله ما قدمنا ذكره أن مثل الموت الّذي هذه صفته مثل الكفر و الضلالة و ما جرى مجرى ذلك، و مثل الميت و الموات مثل الكافر و الضال لأن الروح مثله مثل الإيمان فما لا روح فيه فهو ميت و من لا إيمان له فهو كذلك ميت و من ذلك قول اللّه جل و عز: (أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّٰاسِ) و قال فى الكفار: (أَمْوٰاتٌ غَيْرُ أَحْيٰاءٍ) و قال: (وَ مٰا يَسْتَوِي الْأَحْيٰاءُ وَ لَا الْأَمْوٰاتُ)؛ فهذا الموت هو الموت المذموم فى الظاهر و الباطن، و الموت الثانى الّذي يكون فى الظاهر بعد الحياة ليس بمذموم ظاهره و لا باطنه و ما لم يكن ظاهره مذموما فكذلك لا يكون باطنه مذموما و الموت بعد الحياة قد أصاب و يصيب أولياء اللّه و قد قال اللّه جل و عز لمحمد نبيه (صلى اللّه عليه و على آله): (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) و مات (صلى اللّه عليه و آله)، و من مضى قبله من النبيين و مات من بعده و يموت كذلك أولياء اللّه و جميع عباده و لا يبقى إلا هو الواحد الّذي لا شيء مثله البائن بالبقاء عن جميع خلقه و قد جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال: «الموت ريحانة المؤمن» و ذكر من فضله ما سنذكر منه ما جاء فى كتاب دعائم الإسلام إن شاء اللّه مما يصحح و يؤكد ما ذكرناه من أنه محمود غير مذموم، و الموت للأحياء سبب النقلة عن دار الدنيا إلى دار الآخرة، و الآخرة أفضل منزلة و دارا من الدنيا و إن كان من ينقل إليها منهم كما قال اللّه عز و جل:

(شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ) فالسعيد ينقل إلى السعادة و الكرامة و الثواب، و الشقى ينقل إلى الشقاء و الهوان و العذاب على سبيل الموت الظاهر، فى الأمر الظاهر، و باطن هذا الموت و تأويله انتقال الأحياء بالحقيقة الذين هم أهل الإيمان عن حال فيه إلى حال و من درجة إلى درجة بين مرفوع فى ذلك و بين مخفوض على قدر ما يوجبه أعمالهم و يحقه لهم استحقاقهم، فمثل المنقول منهم فى الباطن من حال إلى حال مثل المنقول بالموت فى الظاهر من دار إلى دار، و قد جاء عن على أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) أنه سمع رجلا يقول: الحمد للّه الّذي خلقنا للفناء، فقال له على (عليه السلام) بل للبقاء خلقتم و لكنكم من دار إلى دار تنقلون، و كذلك ينقل المؤمنون من حال إلى حال و يرتقون من درجة إلى درجة، و قال اللّه جل و عز: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) كذلك نقلوا فى ظاهر الخلق حالا عن حال و كذلك ينقلون فى باطنه الّذي هو الخلق

9

الآخر و النشأة الثانية، كما قال اللّه سبحانه، و ذكر خلق الإنسان حتى أكمله ثم قال:

(ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ)؛ فهذه جملة من القول فى تأويل الموت قدمناها قبل ذكر ما جاء فى كتاب الدعائم الّذي قصدنا إلى تأويل ما فيه من ذكر الموت و الميت و ما يصنع به فى ظاهر أمره، و نحن نذكر ذلك و تأويله فى الباطن إن شاء اللّه، فالذى جاء فى ابتداء كتاب الجنائز من الدعائم ذكر العليل و العيادات و الاحتضار فالعلل فى الظاهر هى سبب الموت الظاهر الّذي به تكون النقلة عن دار إلى دار، و العلة فى الباطن هى العلة و السبب الّذي يوجب نقلة المؤمن من حال إلى حال، و العيادة فى الظاهر افتقاد العليل و تعرف أحواله، و العيادة فى الباطن افتقاد أحوال من يراد نقلته من المؤمنين عن حال إلى حال و عن درجة إلى درجة يوقف على حقيقة حاله و ما ينبغى أن ينقل إليه و إنما يفتقد ذلك منه من هو فوقه كما لا يعود العليل إلا الصحيح الّذي هو أقوى منه و أصحّ و ليس يعوده من كان فى مثل حاله، و الاحتضار فى الظاهر هو حضور الموت و قرب النقلة من الدنيا إلى الآخرة، و باطنه كذلك قرب نقلة المؤمن من الحال التى ينقل عنها إلى الحال التى ينقل إليها.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه عاد رجلا من الأنصار فشكا إليه ما يلقى من الحمى، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن الحمى طهور من رب غفور»، فقال الرجل بل الحمى تفور بالشيخ الكبير حتى تحله القبور، فغضب (صلى اللّه عليه و سلم) لرده قوله، و قال له: «ليكن ذلك بك» فمات من علته تلك، و أنه قال (صلى اللّه عليه و سلم): «يكتب أنين العليل حسنات ما صبر، فإن جزع كتب هلوعا لا أجر له»، و قال (صلى اللّه عليه و آله): «حمى يوم كفارة سنة»، و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: المريض فى سجن اللّه ما لم يشك إلى عواده تمحى سيئاته، و أى مؤمن مات مريضا مات شهيدا، و كل مؤمن شهيد و كل مؤمنة حوراء و أى ميتة مات بها المؤمن فهو شهيد، و تلا قول اللّه عز و جل: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَدٰاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) تأويل ذلك فى الباطن أن الحمى و غيرها من العلل الظاهرة مثل فى الباطن لما يمتحن به المؤمن من هو فوقه إذا أراد أن ينقله من حال إلى حال، فتلك المحنة طهر له و كفارة لذنوبه إذا صبر عليها و لم يشك إلى أحد صعوبة المحنة عليه ليخفف منها عنه و لم يضجر من ذلك حسب ما يكون مثل ذلك فى الظاهر

10

أنين العليل و شكواه إلى عواده، و قوله: «من مات مريضا مات شهيدا» و أى ميتة مات بها المؤمن فهو شهيد، و الشهيد هو الشاهد و كل ذى حد من المؤمنين فهو شاهد على من حده دون حده إذا استرعاه و من فوقه شاهد عليه حتى ينتهى ذلك إلى الأئمة، ثم إلى الرسل، فاللّه جل و عز شهيد على عباده كما أخبر بذلك سبحانه فى كتابه.

و يتلو ذلك ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: «إذا ابتلى اللّه عبدا أسقط عنه من الذنوب بقدر علته» تأويل ذلك فى الباطن، أن الابتلاء فى اللغة الاختبار و الامتحان، و ذلك ما قدمنا ذكره أن مثل العلة فى الظاهر مثل امتحان المؤمن فى الباطن، و للمؤمن فى ذلك ثواب و تكفير لسيئاته فى الظاهر و الباطن كما تقدم القول بذلك.

و يتلو ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) أنه قال: «العيادة بعد ثلاثة أيام، و ليس على النساء عيادة» تأويل ذلك ما قد تقدم القول به من أن مثل العيادة مثل افتقاد أحوال المؤمن فى حين امتحانه و أن الّذي يمتحن ذلك منه من هو فوقه و لذلك جاء أن النساء لا يعدن الرجال، لأن أمثال النساء فى التأويل الباطن كما قد منا ذكر ذلك أمثال المستفيدين، و إنما يفتقد أحوال المؤمن عند امتحانه من كان يفيده و من هو فوقه كما ذكرنا ذلك فيما تقدم، و أما قوله العيادة بعد ثلاثة أيام، و كذلك يجب و ينبغى ذلك فى الظاهر ألا يعاد العليل حتى يمضى له منذ ابتداء علته ثلاثة أيام و يعوده الرجال الأصحاء دون النساء الأعلاء، تأويل ذلك فى الباطن ألا يعاجل الممتحن، بالكشف عن أحواله فى أول، المحنة فيعظم ذلك عليه بل يترك قليلا حتى يأنس بالمحنة ثم يكشف أحواله و يختبره.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «أنه نهى أن يأكل العائد عند العليل فيحبط اللّه عز و جل أجره» فهذا فى الظاهر منهى عنه و ليس على العليل أن يطعم عواده و لا لهم أن يأكلوا طعامه إذا كانت العيادة، إنما يبتغى و يقصد بها الأجر و الثواب، و كذلك يجرى ذلك فى الباطن فينهى من له افتقاد أحوال من يمتحن ليرقى من حد إلى حد أن يأكل شيئا من ماله ظاهرا و لا باطنا و لا يتناول لنفسه على ذلك منه شيئا من ماله و لا يفسد عليه شيئا من علمه الّذي صار إليه

11

عنه، أو عن غيره إذ كان العلم فى التأويل الباطن مثل المال و قد تقدم القول ببيان ذلك.

و يتلوه ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من أن المسلم إذا عاد مريضا صلى عليه سبعون ألف ملك إلى أن تغرب الشمس إن كان ذلك نهارا أو تطلع إن كان ليلا، تأويل ذلك ما تقدم القول به من أن العيادة افتقاد المفيد حال من يفيده متى أراد نقله عن درجة إلى درجة قبل أن ينقله؛ و تقدم أيضا بيان تأويل الملائكة و أنهم الذين ملكوا أمور العباد من أهل السماء و أهل الأرض، و أن مثل الصلاة مثل الدعوة، و مثل طلوع الشمس مثل ظهور الإمام و مثل غيابها مثل نقلته و استتاره، فمن افتقد أحوال مستفيد منه و أرقاه إلى ما توجبه أحواله بالحق و العدل فى ذلك له و عليه جرى له ذكر ذلك فى دعوة ولى زمانه إن كان ظاهرا إلى وقت نقلته أو استتاره و إن كان مستترا أو منتقلا إلى حين ظهوره أو لظهور من يقوم مقامه من بعده، لأن حدود كل دعوة يذكرون فيها و يوقف عليهم المستجيبون لها ليعرفوا حدودها و مراتبها، و كيف يجرى سنة اللّه و سنة أوليائه فيها، فافهموا أيها المؤمنون تأويل ظاهر ما تعبدتم به و باطنه، لتقيموا ما تعبدتم بإقامته من دينكم ظاهرا و باطنا، أعانكم اللّه على ذلك و وفقكم له و فتح لكم فيها يوجبه لكم المزيد من نعمه، و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة الأبرار من ذريته و سلم تسليما.

المجلس الثانى من الجزء السابع [ذكر العليل]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و به نستعين الحمد للّه الأول بلا نهاية و الآخر إلى غير غاية المتعالى عن علة المحدود المتنزه عن درك الموجود، و صلى اللّه على محمد المصطفى من بريته و على الأئمة الهداة الأبرار من ذريته؛ ثم إن الّذي يتلو ما قد تقدم ذكره من كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن أمير المؤمنين على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: من عاد مريضا التماس رحمة اللّه و تنجز موعده كان فى خريف الجنة ما كان جالسا عند المريض حتى إذا خرج من عنده بعث اللّه ذلك اليوم سبعين ألف ملك من الملائكة يصلون عليه حتى الليل إن عاده نهارا أو حتى الصباح إن عاده ليلا فهذا يكون ثواب من عاد مريضا فى الظاهر،

12

لما فى عيادة المرضى من الثواب لمن عادهم ابتغاء ذلك، و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن تأويل العلة و العليل و العبادة ما يكون من المفيد إلى المستفيد من افتقاد أحواله إذا صار إلى آخر حده الّذي هو فيه ليرقيه إلى حد آخر، و قد مضى بيان ذلك بتمامه و ذكر تأويل الملائكة و صلواتهم فى المجلس الّذي قبل هذا المجلس و قوله هاهنا إن العائد يكون فى خريف الجنة، و الخريف فى اللغة فصل من فصول السنة و هو ثلاثة أشهر تتلو شهور الصيف و يتلوها شهور الشتاء، و قيل إنما سمى خريفا لأن الثمار تخترف فيه أى تؤخذ من هاهنا و من هاهنا، و قد تقدم ذكر البيان على باطن الجنة و أنها دعوة الحق التى بها تنال جنة الخلد فى الآخرة، و أن أمثال ما فيها من الحكمة أمثال أنواع الثمار، فعلى هذا يكون فى باطن التأويل المفتقد لأحوال من يرقيه فى درجاتها فى خريفها لأنه يخترف من فوائد حكمتها فيما يعانيه من افتقاد أحوال من ينظر فى أحواله لينقله فى درجاتها على ما توجبه الحكمة فيها و على سبيل ذلك يكون كل مفيد و مستفيد فيها يجتنون و يخترفون فيها ثمار الحكمة، و لذلك وصف اللّه عز و جل ثمارها و أنهارها لأن ذلك فى باطنها مثله فى التأويل مثل العلم و الحكمة.

و يتلو ذلك أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) دخل على رجل من بنى عبد المطلب و هو فى السوق و قد وجه لغير القبلة، فقال: «وجهوه إلى القبلة فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة و أقبل اللّه عز و جل عليه بوجهه فلم يزل كذلك حتى يقبض».

و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: «من الفطرة أن يستقبل بالعليل القبلة إذا احتضر»، فهذه هى السنة فى ظاهر أمر المحتضر أن يوجهه إلى القبلة، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به أن مثل القبلة فى الظاهر مثل الإمام فى الباطن، فإذا نقل المؤمن فى حالات دعوة الحق من حالة إلى حالة، فلا بد لمن ينقله فى تلك الحالات أن يعرفه فيها ما ينبغى أن يعرفه من صار إلى حدها من أمر إمام زمانه و يبين ذلك له و يؤكده عنده و يوجهه إليه و يقبل به عليه، و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) من أنه يستحب لمن حضر المنازع أن يلقنه شهادة ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، و أنه يستحب لمن حضر المنازع أن يقرأ عند رأسه آية الكرسى و آيتين بعدها و يقرأ: «إِنَّ رَبَّكُمُ»

13

«اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ...» إلى أخر الآية، و ثلاث آيات من آخر البقرة.

و عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال: «من ختم له بشهادة ألا إله إلا اللّه دخل الجنة»؛ فهذا هو المأمور به فى الظاهر أن يلقن المحتضر بالشهادتين ليختم له بذلك فيموت عليه، و تأويل ذلك فى الباطن توقيف المنقول فى حالات دعوات الحق على حقائق التوحيد و الإقرار بصاحب الشريعة، و الّذي جاء مما يتلى عنده من القرآن فى ذلك هو مما يحقق ذلك و يشهد له من كتاب اللّه جل و عز فيوكل ذلك عنده بالقرآن.

و يتلو ذلك ما جاء من بشرى المؤمن إذا حضره الموت بما يعانيه من ثواب اللّه جل و عز، و إن من ذلك قول اللّه جلّ من قائل: (لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ فِي الْآخِرَةِ)؛ فذلك يكون فى ظاهر الأمر و فى باطنه فيبشر المؤمن عند انتقاله من الدنيا إلى الآخرة، و عند انتقاله فى حدود الإيمان و دعوة الحق من حد إلى حد.

و يتلو ذلك ما جاء من أن تشديد الموت على المؤمن يكون كفاة لذنوبه، و تسهيله عليه تخفيف عنه و رحمة له؛ فذلك كذلك فى الظاهر، و تأويله فى الباطن أن التشديد على المنقول فى دعوة الحق من درجة إلى درجة فيما يعامل به يكون ممن يعامله و ينقله إذا علم منه تقصيرا أو إساءة فيما تقدم له، ليخلص من ذلك و تسهيل ذلك عليه إذا كان فى الوقت و الزمان و الأحوال ما يوجب تسهيل ذلك و المسامحة فيه و ذلك من اللّه جل و عز تخفيف و رحمة.

و يتلو ذلك ما جاء فى كتاب دعائم الإسلام ذكر

الأمر بذكر الموت، فذكر الموت فى الظاهر و الباطن مما ينبغى للمؤمن استعماله و تعاهده فيذكر من ظاهره انتقاله عن دار العمل إلى دار الجزاء، و يعمل لما يرجو الجزاء عليه بالثواب و كذلك يذكر أيضا انتقاله فى الباطن من حال إلى حال فى درجات الفضل و الإيمان، فيعمل بما يرجو به الارتقاء فى درجات الفضل و الإيمان، و من ذلك ما يتلوه من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «إذا دعيتم إلى الجنائز فأسرعوا فإنها تذكر كم الآخرة»، و عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال:

من دعى إلى وليمة و إلى جنازة فليجب الجنازة فإن حضور الجنائز يذكر الموت

14

و الآخرة، و حضور الولائم يلهى عن ذلك. فهذا مما ينبغى فعله فى الظاهر لما فيه من ذكر الآخرة و الموت فى الظاهر، و حضور الجنازة فى الباطن حضور نقلة المنقول فى حدود دعوة الحق، و ذلك يذكر من حضره فضل ما يصير إليه المنتقل، و مثل حضور الولائم فى الباطن مثل حضور أمور الدنيا الجارية بين أهلها و ذلك يسلى عما ذكرناه من أمر الدين و ينسيه.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من قوله: «أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكرا و أشدهم له استعدادا»؛ و هذا مما تقدم بيان التأويل فيه و الكيس فى اللغة العقل، و أعقل المؤمنين أكثرهم للموت الظاهر و الباطن ذكرا لأن من أكثر ذكر شيء اهتم به و أوشك أن يستعمل الواجب فيه و أشدهم له استعدادا فيستعد العمل الصالح ليرقى به فى درجات الفضل إذ كان الارتقاء فيها هو باطن الموت، و ذلك أيضا هو العدة لما بعد الموت الظاهر فى الحياة الدائمة.

و يتلوه قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «الموت ريحانة المؤمن» و الريحان أطراف كل نبت طيب الريح، و خص به الآس لاشتهاره فى ذلك و بقائه على الزمان، لا يسقط ورقه و لا يجف شجره فى شتاء و لا صيف، كما يجف عود غيره و يسقط ورقه و يقال للطاقة من كل ذلك ريحانة و هو مما يستحب و يستلذ، فأجاز رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن الموت كذلك يكون للمؤمن يستحبه و يستلذه ظاهره و باطنه لما يصير إليه من الراحة و البقاء الدائم فى النعيم بعد حلول الظاهر منه به و ما يصير إليه من الرفعة و نيل الدرجة و الفوز و النعيم و الغبطة بعد ما حل به باطنه، و أما الكفار و المنافقون و الضالون و أهل المعاصى المتهاونون، فالموت وبال عليهم الظاهر منه و الباطن، لأنهم يصيرون بالظاهر منه إلى العذاب و هم بالباطن منه أموات غير أحياء كما وصفهم اللّه سبحانه فى الكتاب، و كذلك يكون على من كان من أهل الإيمان، ثم ألبس إيمانه بظلم فى الباطن لأنه إذا امتحن و ثبت عليه ما يوجب حطه عن درجته التى كان فيها حط بقدر ما اقترف، فإن أخرجه ذلك من الإيمان عاد ميتا إذ فارقه روح الإيمان، و إن أوجب ذلك حطه عن درجته إلى درجة دونها حط بقدر ما اقترف و استقبل من العمل ما يرقيه بعد ذلك أو يحطه فيكون الموت فى الظاهر و الباطن على هؤلاء وبالا، و هو على ذلك محمود لأنه يفرق بين الحق و الباطل، و يوجب الثواب

15

و العقاب، و من ذلك قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر»؛ فالموت يكون على ذلك سبب خروجه من جنته إلى العذاب الّذي يصير إليه، و يؤيد هذا ما يتلوه من كتاب الدعائم و هو قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): مستريح و مستراح منه؛ فالمستريح العبد الصالح استراح يعنى إذا مات من غم الدنيا و ما كان فيه من العيادة و صار إلى الراحة و نعيم الجنة و أما المستراح منه فالفاجر يستريح منه ملكاه. فظاهر هذا فى ظاهر الموت معروف و باطنه فى باطن الموت أن المنقول من المؤمنين من درجة إلى ما هو فوقها يستريح و من هم ما كان فيه فى الدرجة التى كان فيها بانتظار نيل الدرجة التى صار إليها و يحق و يسهل عليه ما كان فيه من العبادة و العمل لأنه صعوبة الأعمال و شدتها مع ابتدائها، و كلما مضى العامل عليها ألفها و أنس بها و سهلت عليه و استراح من ثقلها و من ذلك قول الصادق جعفر ابن محمد: من عمل عملا من أعمال الخير فليدم عليه سنة لم يرد أنه يقطعه بعد السنة و لكنه إذا دام عليه سنة ألفه و صار له كالعادة و سقطت عنه فيه الكلفة و المشقة. و كذلك قال بعض المتعبدين إنى لأخشى ألا أوجر على الصوم لأنى ما أجد له مشقة، و ذلك لما أطاله و تمادى عليه و صار له عادة فلا يجد جوعا و لا عطشا إلا فى الوقت الّذي اعتاد فيه أن يأكل و يشرب عند إفطاره، فالمؤمن إذا انتقل من درجة إلى ما هو أعلى منها سر و استراح و زادت بصيرته و قوى يقينه و خف عليه العمل؛ و إن أكثر منه و زاده فهذا معنى الراحة من العمل فى معنى باطن الموت إلا على أنه يطرح مع ذلك شيئا منه بل يزيد من ذلك و لا يسقط العمل لا مع الموت الظاهر و النقلة من دار العمل إلى دار الجزاء لأن الدنيا دار عمل، فالعمل فيها لازم لأهلها حتى ينتقلوا منها و لو سقط العمل فيها لسقطت الطاعة فلم يكن فيها إمام و لم يجب على أهلها جهاد عدو، و لا طاعة ولى، لأن ذلك من أوجب الأعمال؛ فيكون ذلك لو كان سبب انقطاع الإيمان و المؤمنين. فاحذروا التهاون بالأعمال و اطراح شيء منها أيها المؤمنون و تزودوا منها و ادخروا لما أنتم إليه صائرون و احذروا تشبيه المتأولين الضالين عليكم بمثل هذا و غيره مما يجرى فى ظاهر القول أن يستعملوه فى باطنه و أن لكل شيء حد و حكم يجرى عليه فلا تعدوه و من أجل القياس و الرأى و القول بالهوى هلك من هلك و ضلوا عن سواء السبيل و تركوا اتباع الدليل، فاعملوا بما تؤمرون

16

و تناهوا عما تنهون فإن ما وجب بنصّ من اللّه عز و جل و على ألسنة أوليائه لم يسقط إلا بنص كذلك عليه منهم شفاها من قبلهم أو بإبلاغ الثقات عنهم؛ فاعملوا ذلك و أعملوا عليه و حذروا أنفسكم به وفقكم اللّه لما يرضيه، و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عن الأئمة (عليهم السلام) يعقب ذلك فى كتاب دعائم الإسلام من النهى عن الغافلة عن ذكر الموت و ذم الغافلين عن ذلك و المتهاونين به، و قد تقدم قبل هذا ذكر الأمر بذكر الموت و البيان على ظاهر ذلك و باطنه، و التهاون بذلك فى الظاهر و الباطن ضد الأمر به و خلافه، فينبغى للمؤمن ألا يغافل عن ذكر ذلك و لا يتهاون به، فإنه إن فعل ذلك ترك العمل أو قصر فيه الّذي به تناول الحياة الدائمة بعد الموت الظاهر و ما يوجبها بالموت الباطن، و قد تقدم بيان ذلك فافهموا أيها المؤمنون تأويل ظاهر ما تعبدكم اللّه عز و جل بإقامته ظاهرا و باطنا، أعانكم اللّه على ذلك و ألهمكم اللّه البصائر فيه و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة من ذريته و سلم تسليما.

المجلس الثالث من الجزء السابع [ذكر العيادة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و به نستعين الحمد للّه الّذي لا يخفى عنه ظاهر و لا خفى، و لا يعجزه ضعيف، و لا قوى، و صلى اللّه على محمد النبي و على على وصيه الرضى، و على الأئمة من ذريته خلفائه فى أرضه و صفوته، ثم إن الّذي يتلو ما تقدم ذكره من تأويل كتاب دعائم الإسلام ذكر التعازى و الصبر و ما رخص فيه من البكاء، التعازى فى الظاهر و ما يؤمر به من الصبر عند موت الأقارب، مرغب فيه مأمور به مأجور فاعله، و أمثال الأقارب فى التأويل الباطن أمثال أهل كل حد من حدود الإيمان، فأهل الحد من المؤمنين مثلهم مثل أهل البيت فى النسب و بيتهم حدهم من الدعوة فهم كالقرابة فى الظاهر؛ فالمتساوون منهم كالإخوة و المفيدون لهم كآبائهم، و محل المستفيدين من المفيدين محل أبنائهم و أزواجهم، و قد تقدم القول بذلك، و منه قول اللّه عز و جل: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» و قوله: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ»، و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعلى (عليه السلام):

«أنا و أنت أبوا المؤمنين»؛ فإذا ارتقى أحدهم من الدرجة التى هم معه فيها بما أوجبته أعماله إلى درجة فوقها أو انخفض بما أوجبته أفعاله إلى ما هو دونها و ذلك كما ذكرنا

17

من الانتقال مثل الانتقال عن دار الدنيا إلى دار الآخرة بالموت الظاهر، فليس ينبغى لمن كان مع المنقول فى الباطن من درجة إلى درجة أن يحزنه انتقاله عنه إلى ما فوقها، و تخلفه عنه وحشة عنه لذلك و لا حسدا له و لا لغير ذلك من الوجوه و لا انحطاطه إن حطته أعماله أسى عليه و لا اغتماما به، بل عليه فى ذلك الرضى التسليم يجمع الفعل أولياء اللّه و من أقاموه فى ذلك لعباده و الصبر على ذلك أن تداخله فيه ما يحزنه كما يجب ذلك فى ظاهر فراق الأحبة و الأقارب بالموت الظاهر جملة القول فى التعازى و الصبر عند فراق الأحبة و الأقارب فى الظاهر و الباطن و قد جاء من ذلك فى هذا الباب من كتاب الدعائم عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عن وصيه و الأئمة من ذريته وجوه من الرغائب فى الصبر و الأمر به و ذم الجزع عند ذلك و النهى عنه، و تأويل ذلك ما قد منا ذكره

و من ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه ذكر له الصبر عند المصيبة بالموت، فقال: الأجر مع الصدمة الأولى.

و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: من لم يسل عند فادح المصيبة سلا على طول الزمان كما تسلو البهائم. و هذا يجرى فى الظاهر و الباطن و يجب و ينبغى الصبر و التجلد فيه فى وقته عند صدمة الموت الظاهر فى الحميم و نقله الشكل فى الباطن و النظير؛ فمن ملك عند ذلك نفسه و صبر و سلم كان له ثواب ذلك و أجره و متى لم يفعل ذلك و جزع باء بإثم ذلك و رجع إلى السلو على طول الزمان، إذ السلو عن مثل ذلك فى طبع الإنسان.

و يتلوه ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: إياك و الجزع فإنه يقطع الأمل و يضعف العمل و يورث الهم و اعلم أن المخرج فى أمرين ما كانت فيه حيلة فالاحتيال، و ما لم تكن فيه حيلة فالاصطبار، فقال منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد فالصبر حسن جميل واجب فى جميع الخصال التى تنازع النفس فيها إلى ارتكاب المعاصى و إلى ترك الطاعات، و هذه جملة جامعة و الذى ذكرناه من تأويل الصبر فى الباطن عند انتقال الأصحاب عن منزلة الصحبة إلى ارتفاع أو انخفاض مما يدخل فى تلك الجملة.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه لما مات ابنه إبراهيم،

18

أمر عليّا (صلوات اللّه عليه) فغسله، و أمره فأنزله فى قبره؛ فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد دلى إليه بكى، فبكى من حوله حتى علت أصوات الرجال على أصوات النساء؛ فنها هم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك أشد النهى و قال: «تدمع العين و يحزن القلب و لا تقولوا ما يسخط الرب و إنا بك لمصابون و إنا عليك لمحزونون يا إبراهيم»، فقالوا يا رسول اللّه لما رأيناك بكيت بكينا لبكائك، فقال: «لم أنهكم عن البكاء و إنما نهيتكم عن النوح و العويل، و إنما هذه رقة يجعلها اللّه عز و جل فى قلب من يشاء من عباده، و يرحم اللّه من يشاء و إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء»، و رخص (صلى اللّه عليه و آله) فى البكاء بالعين عند المصيبة و قال النفس مصابة و العين دامعة و العهد قريب فقولوا ما أرضى اللّه و لا تقولوا هجرا، و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: الأنة و النخرة يعنى عند المصيبة من الشيطان و عنه (صلوات اللّه عليه) و على الأئمة من ذريته أنه قال: أخذ رسول اللّه (ص) فى البيعة على النساء لا ينحن و قال، النياحة على الموتى من أفعال الجاهلية، و عنه (عليه السلام) أنه كتب إلى رفاعة قاضيه على الأهواز، إياك و النوح على الميت ببلد يكون لك به سلطان، و عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه لما احتضر أوصى، فقال لا يلطمن على خد و لا يشقن على جيب فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها فى جهنم صدع كلما زادت زيدت؛ فالبكاء بالعين و الحزن بالقلب إذا غلبا على المرء لم يستطع ردهما و ما لم يستطعه الإنسان فهو محمول عنه، قال اللّه عز و جل: «لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا» فالتكليف لما لا يستطاع ساقط و قد جاء عن رسول اللّه (ص) أنه قال تجاوز اللّه لأمتى عما أكرهت عليه، و قال اللّه جل و عز: «إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» فالصبر على المصاب بالموت الظاهر و الباطن على ما ذكرناه يجب استعمال ما أمكن منه و قدر عليه و استطيع؛ و ما غلب من ذلك و لم يستطع بعد بذل المجهود فى دفعه و استفراغ الوسع فى استعمال الصبر فلا حرج فيه، و يستعمل من ابتلى بذلك الصبر ما استطاع و لا يسلم نفسه إلى الجزع، و مثل الحزن بالقلب و البكاء بالعين فى الباطن فى الموت الباطن هو مثل ما يعترى من نقل من طبقته وحده و درجته بعض من كان فيها معه إلى غيرها فتداخله من ذلك غم لتخلفه عنه و حزن على نفسه إذ لم يكن نقله معه إذا لم يكن نقله معه إذا نقل إلى ما هو أعلى أو على المنقول إذا نقل إلى ما هو أدون مما كان فيه، و هو مع ذلك مسلم لأمر ولى أمره،

19

راض بفعله و حكمه غير منكر لشيء مما كان منه، فذلك ما لا حرج عليه فيه و يستعمل الصبر و السلو عن ذلك ما قدر عليه و استطاعه كما ذكرنا بمبلغ جهده و لا يدع ذلك ما قدر عليه بوسع استطاعته ما دام ذلك به؛ و مثل البكاء بالعويل و النياحة و الصراخ فى الموت الظاهر مثل إنكار المنقول عنه بعض أهل طبقته نقلهم على من نقلهم من ولاة أمورهم و أن يرى أن ذلك من فعلهم غير صواب أو يرى أنه كان يستحق ذلك معهم أو دونهم أن نقلوا إلى ما هو أعلى مما كانوا فيه أو أنهم ظلموا إن نقلوا إلى ما دون ذلك فهذا هو الأمر المنتهى عنه الّذي لا يحل و لا يجوز لأحد أن يعتقده بقلبه و لا أن يلفظ بلسانه و لا أن يومئ إليه.

و يتلو ذلك ما جاء من الرخصة فى النياحة على الأئمة (صلوات اللّه عليهم) إذا هم ماتوا، و ما كان من النياحة على الحسين بن على (صلوات اللّه عليه) و على المهدى (عليه السلام)، عند نقلتهما و موتهما فى الظاهرة و أن ذلك لعظيم رزئهما و جليل المصاب، و أنهما و غير هما من الأئمة على خلاف من دونهم من الناس، و أن من نهى أن يناح و يبكى عليه منهم فإنما فعل ذلك تواضعا و لما أوجبه زمانه و وقته، و مثل نقلة الأئمة بالموت الظاهر مثل استتارهم بعد ظهور هم لما يعترض عليهم من المحن و الخوف و التقية من المتغلبين؛ فإنكار ذلك بالقلب و اللسان على من فعله بهم و أدخله عليهم من الواجب على كل مؤمن من استطاع ذلك، و كذلك الحزن و البكاء من أجل ذلك حسن جميل غير مكروه و لا منهى عنه.

و يتلو ذلك ذكر غسل الموتى:

غسل الميت واجب على من قدر عليه و أمكنه فعله من الأحياء، و لا يغسل الميت إلا بعد أن يموت، و مثل ذلك فى تأويل الباطن ما قد تقدم القول به فى تأويل الطهارة أنها فى الباطن مثل الطهارة من المعاصى و الذنوب بالعلم و الحكمة، و أن الماء مثله مثل العلم، فالماء فى الظاهر يغسل الأقذار و الأوساخ عن الأبدان و العلم فى الباطن يطهر الأرواح مما اقترف عليها من المعاصى و الخطايا، و قد تقدم فى كتاب تأويل الطهارة إيضاح ذلك و بيانه و الشواهد له، و ذكرنا فى هذا الباب أن مثل النقلة بالموت من دار إلى دار مثل النقلة فى دعوة الحق من حد إلى حد، فالمنقول فيها من حد إلى حد لا بد لمن ينقله أن يفاتحه بالعلم و الحكمة إذا صار إلى الحد الّذي نقله إليه بما يجب أن يفاتحه به فيه، و لا يفاتحه بذلك إلا من هو فوقه و أعلم بما يفاتحه به و لا يكون عند المنقول علم من تلك المفاتحة فمن أجل ذلك كان

20

مثله فى هذا الحد مثل الميت لأنه لا علم له بما هو فيه، و المفيد مثل الحى لأن عنده علم ما يفيده، و كما يغسل الحى الميت فى الظاهر ليذهب عن ظاهر جسده ما عليه من وسخ و قذر، كذلك يغسل المفيد روح المستفيد بالعلم و الحكمة فى الباطن ليذهب عنه ما كان فيه من الشرك و الشك و الضلال.

و يتلو ذلك من كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أوصى إليه أن يغسله بعد موته، و أنه قال لما أخذت فى غسله سمعت قائلا من جانب البيت يقول لى لا تخلع القميص عنه، قال فغسلته (صلى اللّه عليه و آله) فى قميصه، و هذا حديث مشهور عنه يرويه الخاص و العام، و يروون أن الّذي قال له ذلك جبرئيل (عليه السلام)، فتأويل ذلك و باطنه ما قد تقدم القول به من أن مثل الموت الظاهر فى الباطن مثل النقلة للمؤمن من حد إلى حد فى دعوة الحق، و كان أول ما أمد اللّه عز و جل به وليه عليّا وصى رسوله (صلوات اللّه عليهما) من العلم و الحكمة ما أداه إليه على لسان جبرئيل ألا ينزع القميص عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أنه يغسله من فوقه إخبارا عن أن ذلك الغسل ظاهر لا باطن له، كما أن القميص ظاهر و أن غسل الأنبياء (عليهم السلام) ليس له تأويل فى الباطن كمثل تأويل غسل غيرهم، لأنهم (صلوات اللّه عليهم) قد بلغوا حد الرسالة و ليس فوقها حد من حدود دعوة الشريعة يكون غسلهم مثلا له فى الباطن و هذا هو باطنه و تأويله، و لأى علة كان غسلهم على خلاف غسل سائر المؤمنين.

و يتلو ذلك من كتاب الدعائم قول على (صلوات اللّه عليه): كنت إذا قلبت رسول اللّه (ص) يعنى عند غسله إياه أعنت على تقليبه؛ و قوله لما قال لى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اغسلنى يا على قلت يا رسول اللّه إنك بادن و لا أستطيع أن أقلبك وحدى، فقال لى إن جبرئيل معك يتولى غسلى، تأويل ذلك أن مثل غسل الميت كما ذكرنا مثل إفادة المفيد للمستفيد ما يفيده من العلم و الحكمة، و إنما كان يفيد ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) جبرئيل عن اللّه عز و جل فكان هو الّذي تولى غسله فى الباطن لأنه لم يظهر للناس فى ذلك بحسب ما جرى، مثل ذلك فى الباطن و غسله على (صلوات اللّه عليه) فى الظاهر بحسب ما جرى ذلك فى الظاهر من فوق القميص على ما تقدم من تأويل ذلك فافهموا أيها المؤمنون

21

فوائد باطن علم الدين، فهمكم اللّه و علمكم و نفعكم و وفقكم و صلى اللّه على محمد النبي الأمين و على آله الأئمة الطاهرين و سلم تسليما، حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

المجلس الرابع من الجزء السابع [الأمر بذكر الموتى]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الّذي لا يعزب عنه علم مثقال ذرة و لا يخفى عليه لحظ نظرة، و لا يستتر عنه مكنون سريرة و لا يتكأده علم صغيرة و لا كبيرة أحاط بكل شيء علما غير مستفيد و أحصى كل شيء عددا غير مستزيد، و صلى اللّه على محمد نبى الرحمة و على على وصيه و ولى الأمة و على الصفوة من ذريته الأئمة، ثم إن الّذي يتلو ما قد تقدم ذكره من تأويل الجنائز مما فى كتاب دعائم الإسلام قول على (عليه السلام) قال لى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «إن جبرئيل معك يتولى غسلى» قلت: فمن يناولنى الماء قال: «يناولك الفضل و قل له فليغضّ عينيه فإنه لا يرى عورتى أحد غيرك إلا عمى»، قال أبو جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه): فكان الفضل يناول الماء و قد عصب عينيه و جبرئيل و على يغسلانه (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فتأويل ذلك أن عورة الرجل ما بين ركبتيه و سرته، و ذلك مما لا ينبغى أن يراه من الرجل إلا زوجته، و المرأة بدنها كله عورة لا ينبغى أن يراه إلا زوجها، و قد تقدم البيان أن كل مفيد مثله مثل الرجل و مثل المستفيد منه مثل امرأته، أوضحنا ذلك ببيان كاف فكذلك محل الأوصياء من الأنبياء محل نسائهم، و كذلك محل النقباء من الأوصياء و الدعاة من النقباء و المأذونين من الدعاة، و كل ذى حد ممن هو فوقه و مثل العورة هاهنا مثل خفى علم الباطن و التأويل الّذي لا يطلع الأنبياء عليه إلا أوصياءهم و لا يعلمه غيرهم كما لا يطلع على عورة الرجل إلا امرأته، و جاء من قبل ذلك فى هذا الخبر عن على (صلوات اللّه عليه) قوله إذا حكى غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أنه قال أردت أن أكبه لوجهه لأغسل ظهره فنوديت لا تكبه، فقلبته لجنبه و غسلت ظهره، تأويل ذلك أن الظهر مثله مثل الظاهر، و البطن مثله مثل الباطن، و الباطن أعلى و أشرف و هو الجوهر و اللباب و العلم الحقيقى الروحانى لأنه علم فوائد يحيى به الأرواح، و علم الظاهر علم عمل على جوارح البدن الظاهرة ليس ذلك مما يخل به و لا مما يضيع

22

من واجبه و مفترضه بل فرضه واجب و علمه و العمل به لازم، و لكن فضل الباطن عليه كفضل الروح على الجسد، و كلاهما له فضل فلما كان ذلك كان نوم النائم و استلقاؤه يكره أن يكون على وجهه لئلا يعلو الظاهر الباطن منه و يرتفع عليه، و كان المستحب من ذلك و الّذي جرت السنة به أن ينام الإنسان مستلقيا على قفاه، و ذلك مثل رفع الباطن على الظاهر أو لجنبه و ذلك مثل العمل بالباطن و الظاهر و لذلك جاء أن يكون الميت يحمل إلى القبر و يصلى عليه مستلقيا على ظهره و ذلك مثل رفع الباطن و علوه فإذا أضجع فى القبر أضجع لجنبه الأيمن و ذلك مثل العمل بالظاهر و الباطن و الاعتماد على إمام الزمان، لأن مثله مثل الشق الأيمن و رفع علم الباطن أيضا لأنه علم الحجة و مثله مثل الشق الأيسر، فكان هذا أيضا مما أمد اللّه عز و جل به و حمى نبيه على لسان جبرئيل (عليه السلام) كما ذكرنا فى المجلس الّذي قبل هذا المجلس أنه أمده اللّه على لسانه بأن لا ينزع عنه القميص لما ذكرنا من ذلك من بيان الحكمة، و أما قوله (صلى اللّه عليه و آله) أنه لا ينظر إلى عورته غير على، وصيه (عليه السلام) أحد إلا عمى، فقد ذكرنا تأويل العورة و أنه العلم الباطن الخفى الّذي لا ينبغى أن يعلمه من قبل النبي غير الوصى فإن استرق ذلك مسترق من حيث لم يؤذن له فيه و لم يعطه عمى العمى الباطن، و العمى فى الباطن الضلالة فيضل فاعل ذلك عن الهدى لاستلابه و اختطافه ما ليس له و لا يصح له مع ذلك و لا يثبت عنده علم شيء منه بل يكون من ذلك فى عمى و حيرة و لا يفهم منه قليلا و لا كثيرا، و كذلك كل من تناول من مثل ذلك ما لم يعطه أو أعطاه إياه من تعدى فى إعطائه و هو لا يستحقه أو لم يبلغ إلى حد يجب له إطلاقه فيه، و من أجل ذلك هلك من هلك و ضل من ضل.

و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أنه ذكر غسل جبرئيل و على (صلوات اللّه عليهما) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و إنما غسلاه ثلاث غسلات، غسلة بالماء و الحرض، و غسلة بالماء و الكافور، و غسلة بالماء محضا، و ما جاء بعد ذلك من أن هذه هى السنة فى غسل الموتى لمن وجد ذلك فى الظاهر و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به بأن مثل غسل الميت بالماء مثل تطهير المنقول عن درجة من درجات حدود الدعوة إلى درجة بالعلم الّذي يفاتحه به من ينقله إليها مما ينبغى له أن

23

يفاتحه به فيها و يطلعه على ما لم يكن يطلعه عليه قبل انتقاله إليها و تأويل، ثلاث غسلات غسلة منها بالماء و الحرض و غسلة بالماء و الكافور و غسلة بالماء المحض ما قد منا ذكره من أن الماء مثله فى الباطن مثل العلم فمثل ثلاث غسلات مثل الثلاثة الحدود يرقى فيها المنقول حدّا بعد حد فى المفاتحة بالعلم، الّذي يرقى إليه فيفاتح فى أول حد من ذلك بما يزيل عنه الشكوك و الشبهات، كما يزال بأول غسلة عن الميت بالماء و الحرض و ما هو فى معناه مما ينقى الأوساخ التى مثلها مثل الشك عن البدن فيزيل عنه بما يفاتحه به من ذلك كل شك و شبهة كانت قد دخلت عليه فى أمر دينه ثم ينقله بالمفاتحة بالعلم إلى حد ثان يوضح له فيه معانى ما نقله إليه و يكشف له من ذلك ما تطيب به نفسه و يقر به عينه، و ذلك مثل الغسلة الثانية بالماء و الكافور، أو ما هو فى معناه من الطيب و الحنوط فإذا زالت عنه الشكوك و الشبهات و انكشفت له الأمور التى تطيب بها نفسه نقله إلى درجة ثالثة يفاتحه فيها بالعلم المحض الحقيقى الّذي به حياته و ذلك مثل الغسلة الثالثة بالماء محضا.

و يتلو ذلك قول على (صلوات اللّه عليه) ما من امرى مؤمن غسل أخا له فلم يقذره و لم ينظر إلى عورته و لم يذكر منه سوءا ثم شيعه و صلى عليه ثم جلس حتى يوارى فى قبره إلا خرج عطلا من ذنوبه، فهذا من الثواب قد جاء فى الظاهر لمن غسل ميتا و كذلك هو فى الباطن يكون للمفيدين الذين ينقلون المؤمنين فى درجات الإيمان و حدود دعوة الحق من درجة إلى درجة إذا كان المفيد لا يدرى بمن يفيده و ينقله لضعف حاله فى الظاهر، و إن كان مقلا خاملا و ذلك مثل قوله لم يقذره أى يحقره لضعفه فى الظاهر و قوله و لم ينظر إلى عورته فذلك مكروه فى الظاهر، و مما لا يجوز لمن غسل ميتا فى الظاهر أن يفعله بل يجتهد فى ستر عورته ما استطاع و لا يكشفها و لا ينظر إليها، و كذلك يجب على المفيد ألا يكشف لمن يفيده عورة و لا ينظر إليها و ذلك أنه لا ينبغى له أن يكشف عيوبه و لا يتتبعها و لا ينظر فيها إذا كانت مستورة عنه. كما تستر العورات فى الظاهر لأنه قل من يسلم من العيوب فيستر من ذلك ما ستره اللّه جل و عز و لا يكشفه و لا ينظر فيه، و يعامل من يعامله على ما يظهر إليه من أحواله، و أما قوله و لم يذكر منه سوء فكذلك ينبغى لمن غسل ميتا فى الظاهر ألا يذكر ما يكون منه و فيه من عيب و حدث أو ما يكره ذكره، و ذلك

24

كذلك واجب فى الباطن ألا يذكر المفيد عن المستفيد منه إذا هو نقله من حد إلى حد أو يفاتحه أو عامله بشيء من معاملة الدين سوءا إن علمه فى ذلك منه، أو قبيحا طلع منه عليه مما يجب ستره و لا ينبغى ذكره، و أما قوله ثم شيعه و صلى عليه و جلس حتى يوارى فى قبره فتلك حدود ينقل فيها المنقول فى درجات الإيمان، و سوف نذكرها بعد هذا إن شاء اللّه.

و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد من أن الجنب و الحائض لا يغسلان الميت فهذا فى الظاهر، كذلك يجب ألا يغسل الجنب و الحائض ميتا حتى يتطهر الجنب، و يذهب الحيض عن الحائض و تغتسل، و تأويل ذلك ما قد تقدم القول به من أن الحيض و الجنابة و غير ذلك من الأحداث التى تجب الطهارة منها فى الظاهر أمثالها فى الباطن أمثال الأحداث فى الدين التى تجب منها التوبة و الطهارة بالعلم الحقيقى و ما يوجبه على من أتى مثلها و من كان كذلك قد أحدث حدثا فى دينه يجب عليه فيه الطهارة منه لم يطهر غيره حتى يطهر نفسه قبل ذلك.

و يتلو ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أن عليّا غسل فاطمة و أنها أوصت (صلوات اللّه عليها) بذلك إليه، و عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال يغسل المرأة زوجها و الرجل امرأته إذا ماتا فهذا قد جاء أنه يجوز فى الظاهر إذا احتيج إليه، تأويله فى الباطن ما قد ذكرنا أن مثل الرجال فى الباطن مثل المفيدين و مثل النساء مثل المستفيدين، و المفيد يفيد من يستفيد منه و مثله مثل امرأته، و الإفادة مثلها مثل الغسل فإن حدث على المفيد حدث فى دينه يحتاج فيه إلى من يطهره منه و لم يجد ممن هو فوقه من يلى ذلك أو كانت ضرورة توجب لمن كان يستفيد منه أن يفيده ما يجب أن يزيل عنه من الشك ما تداخله جاز ذلك و وليه منه من كان هو يفيده من قبل

و يتلو ذلك ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) فى الرجل يموت بين النساء، و المرأة تموت بين الرجال و لا يوجد من يغسل كل واحد منهما أنه قال يدفنان بغير غسل، فهذا كذلك يكون فى الظاهر لأن الفرض إذا لم تستطع إقامته سقط عمن لا يستطيعه، و مثل ذلك المنقول فى حدود دعوة الحق من حد إلى حد ينقل ثم لا يجد من يفيده فى الحد الّذي نقل إليه ما يجب أن يفاد مثله فيه ثم يستحق النقلة إلى حد آخر

25

أنه لا بأس أن ينقل إليه و إن لم يفد فى ذلك الحد ما ينبغى له أن يفاد فيه و سنذكر بعد هذا باطن الدفن إذا صرنا إلى موضعه إن شاء اللّه.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) أنه قال: فى الشهيد إذا قتل دفن فى ثيابه فى مكانه و لم يغسل، و إن نقل من مكانه و به رمق فمات غسل و دفن، و أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) دفن كذلك حمزة و من أصيب معه من الشهداء يوم أحد فى ثيابهم و لم يغسلهم، و صلى عليهم و نزع عنهم الفراء، فهذه هى السنة فى الشهيد فى الظاهر الّذي يقتله المشركون أن يدفن فى مكانه و لا يغسل و لا تنزع ثيابه التى أصيب فيها و لا ينزع عنه إلا الفرو و الجلد، و تأويل ذلك فى الباطن أن الشهيد ما قد تقدم القول فيه من كان قد أقيم مفيدا فهو شهيد على من أقيم لإفادته على درجاتهم و طبقاتهم و كل أهل طبقة شهداء على من دونهم حتى ينتهى الشهادة إلى الأئمة (عليهم السلام)، ثم إلى الرسل ثم إلى اللّه عز و جل الّذي هو الشهيد على جميع عباده، فمن كان من الشهداء قد ارتفع عن حد باطن غسل الميت و وصل إليه ثم نقل من حد إلى حد فإنه يكتفى بما تقدم عنده و لا يحتاج إلى أن يعاد إليه ما قد تقدم عنده قبل ذلك و وصل إليه، و إن كان لم يكمل ذلك من قبل و بقيت عليه منه بقية أفيدها بعد نقلته و ذلك مثل من ينقل من المعركة و به رمق ثم يموت أن يغسل، و معنى دفنه فى ثيابه هو فى الباطن نقله إلى باطن حد الدفن و تستره بظاهره الّذي كان عليه، و تأويل نزع الجلد عنه هو أن يلقى عنه ظاهر غيره إن كان اعتقد شيئا منه أعنى ظاهر المخالفين فلا ينقل حتى يتبرأ من ذلك و كذلك لا يدخل فى حالة من حالات الإيمان و هو يعتقد شيئا من ظاهر أهل الظاهر كما لا يكفن الميت فى الظاهر فى شيء من الجلود، و سنذكر فى باب الأكفان ما يجوز الكفن فيه فافهموا أيها المؤمنون تأويل ظاهر دينكم و باطنه و احمدوا اللّه على ما فتح لكم فيه من ذلك أعانكم اللّه على طاعته و فتح لكم فيما يوجب لكم المزيد من فضله و صلى اللّه على محمد نبيه و على وصيه و على الأئمة من ذريته و سلم تسليما، حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

26

المجلس الخامس من الجزء السابع [ذكر التعازى و الصبر]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه المحيط علما بكل شيء بلا رويات أجالها و لا بالفكر و العبر سبحانه أدركها لم يزدد بكونها خبرا و لا أفاد بأحداثه إياها بها علما و صلى اللّه على محمد نبيه و صفوته من خلقه و على أئمة الهدى من آله ثم إن الّذي يتلو ما تقدم من ذكر تأويل ما فى كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال ينزع عن الشهيد الفرو و الخلف و العمامة و المنطقة و القلنسوة و السراويل إلا أن يكون أصابه دم، فإن أصابه دم ترك و لم يترك عليه معقود إلا حُل، تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن الشهيد هو المفيد شهيد، على من يفيده بما بلغه عن اللّه و عن أوليائه و بما علم من أحواله و ذكرنا تأويل نزع الجلد عن الميت و أنه إسقاط ظاهر أهل الباطل عن المؤمن إذا صار إلى أى درجة صار إليها من درجات الإيمان فلا يرقى إليها و هو يعتقد شيئا من ظاهر أهل الباطل، و مثل العمامة فى التأويل مثل علم الرئيس، فليس لمن دونه أن يدعى لنفسه شيئا منه فلا يناله فى حين انتقاله إلى درجة من هو فوقه من ذلك قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «العمائم تيجان العرب»؛ و العرب فى التأويل أمثالهم أمثال المعربين عن الدين و هم حدوده و كذلك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعلى (صلوات اللّه عليه): «يا على أنت سيد العرب»؛ فقيل يا رسول اللّه: أو لست سيد العرب؟ قال أنا سيد ولد آدم و لا فخر و على سيد العرب عنى بذلك أنه سيد الحجج و النقباء و الدعاة لأنهم من سببه و تحت يده، و الدعوة المستورة إليه و كذلك هى تكون لكل حجة مع كل إمام و التاج من لباس الملك، و إنما يلبس العمامة و يعمم الموتى لمثل فى الباطن و هو ستر الرئيس و كتمان أمره الّذي مثله مثل الرأس فإذا نقل المنقول من درجة إلى درجة كان ذلك لازما له و الّذي جاء من إزالة عمامة الشهيد التى أصيبت فيها عند دفنه، معناه فى الباطن تسليمه الرئاسة إلى رئيسه و ألا يدعى ذلك لنفسه، و مثل السراويل مثل ستر ما أمره بستره من علم مفيده، فإن أصاب ذلك و خالطه شيء من علم المنقول لم ينزع

27

عنه و إن كان ذلك لم يخالطه و كان خالصا لمفيده سلم الأمر إليه فيه و لم يدعه لنفسه، و قد ذكرنا مثل عورة الرؤساء و أنها ستر علمهم الّذي لا يكشفونه إلا لمن يصير فى مثل حالهم و القلنسوة فى مثل حال العمامة و قوله و لا يترك عليه معقود إلا حُل، فذلك فى الظاهر أمر الميت كذلك يكون لأنه تعقد أكفانه عند رأسه و عند رجليه لئلا ينحل عنه فإذا أنزل إلى قبره حل ذلك عنه، و تأويل ذلك أنه إذا صار إلى الدرجة التى مثلها مثل الدفن حل عنه ما كان قد عقد عليه و منع عليه و منع منه فى الدرجة التى كان فيها قبل ذلك و أطلق له.

و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال:

الغرق و الحرق يغسلان و هذا هو الواجب فى الظاهر أن من مات غرقا أو حرقا غسل و صنع به ما يصنع بالميت، و تأويل ذلك فى الباطن أن الميت فى الماء هو المنقول على ما وصفنا فيما تقدم من درجة من درجات دعوة الحق إلى درجة و قد صار من العلم إلى ما استجير فيه و غرق فى بحره فتحير و مثل الحرق مثل من أحرقه الباطل و أتلفه فإذا نقل إلى ما يراد به نجاته و حياته كما يكون المنقول بالموت ينقل إلى دار الحياة الدائمة غسل بالعلم الّذي ذكرنا أن مثله، مثل الماء و كذلك يغسل المطيع و العاصى و البر و الفاجر من أهل الملة فى الظاهر و الباطن النقلة الظاهرة و الباطنة، و قد تقدم البيان على ذلك، و النار عذاب و محنة فإذا خالط الذهب أو الفضة اللذين هما من أرفع الجواهر غش أدخل ما خالط منهما ذلك النار أو امتحن بها فتذيبه و تأكل ما تداخله من الغش و تنقله، فيصفو عند ذلك بعد محنة و شدة تناله فإذا حمى أنزل فى الماء فيبرد و ذلك فى التأويل الباطن مثل المؤمن إذا تداخله الفساد امتحن بما يشق عليه حتى يخلص و يصفو مما خالطه من الفساد ثم يعامل بما يحييه من العلم و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من قوله أحبسوا الغريق يوما و ليلة ثم ادفنوه، و عن أبى جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال فى الرجل يصيبه الصاعقة لا يدفن دون ثلاث إلا أن يتبين موته و يستيقن فهذا هو المأمور به فى الظاهر، و الدفن فى الباطن حد من حدود دعوة الحق ينقل إليه من ينقل فى حدودها و سيأتى ذكره فى موضعه إن شاء اللّه و التأنى بالغرق و الصعق فى ذلك و هما ممن وصفنا هما فى الباطن ينبغى إلى أن يظهر منهما ما يوجب نقلتهما إلى ذلك الحد على ما يظهر فى ذلك و يجب عند من ينقلهما.

28

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال: «إذا مات الميت فى أول النهار فلا يقيلن إلا فى قبره و إذا مات فى أخر النهار فلا يبيتن إلا فى قبره»؛ فهذا فى ظاهر الموت الظاهر هو المأمور به و قد قيل: إن كرامة الميت دفنه، فالسرعة بدفن الميت فى الظاهر مما يستحب لأنه إذا ترك حال و تغير، و تأويل ذلك فى الباطن السرعة بالمنقول إلى الحد الّذي هو باطن الدفن إذا صار إلى الحد الّذي دونه لئلا يدخل عليه ما يحيله و يغيره.

و يتلوه ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال: من مات و هو جنب أجزى عنه غسل واحد، و كذلك الحائض فهذا فى الظاهر كذلك إذا مات الميت و هو جنب أو المرأة و هى حائض غسلا كما يغسل الميت على طهارة و ليس عليهما غسل غير ذلك للجنابة و الحيض، و تأويل ذلك ما تقدم بيانه من أن الجنابة و الحيض فى الباطن حدثان، فمن أحدث حدثا يجب عليه منه الطهارة بالعلم ثم نقل من حد إلى حد يوجب مفاتحته بالعلم أجزت تلك المفاتحة عنه للحدث و النقلة.

و يتلوه ما وصفه (صلوات اللّه عليه) من غسل الميت و أنه كالغسل من الجنابة بوضوء كما يتوضأ من أراد الغسل من الجنابة ثم يغسل و قد ذكرنا تأويل ذلك و بيانه فى الباطن عند ذكر الطهارة و أن مثل ذلك فى الباطن المفاتحة بالعلم و كذلك نفاتح من نقل من حد إلى حد كما يفاتح من وجبت مفاتحته لحدث كان منه.

و يتلو ذلك قوله (عليه السلام): و يقلب لجنبيه يعنى الميت إذا غسله و لا يجلسه فإنه إن فعل ذلك به اندق ظهره، و كذلك يجب ذلك فى ظاهر غسل الميت فى قول الأئمة (عليهم السلام) و العامة يجلسونه، و تأويل الجلوس فى الباطن التخلف عن العمل، كما يكون الجالس فى الظاهر متخلفا عن السعى و المشى و التصرف فى الأعمال فإذا عاملى المعامل فى الدين من يعامله فيه فى أى حد عامله فيه من حدوده لم يرخص له فى القعود عن شيء من العمل المفترض فى الظاهر عليه بل يؤكد ذلك عنده و يقويه و يأخذ عليه فى إقامته و السعى فيه، و معنى قوله إنه إذا أجلسه اندق ظهره يقول إذا خلفه عن العمل أبطل الظاهر، و الظهر كما ذكرنا مثله مثل الظاهر و من اندق ظهره هلك، كذلك من أبطل ظاهره و تركه هلك هلاك الدين و هو الهلاك الأبدى، و قوله و لكن يقلبه لجنبيه و يغسل ظهره فهذا كذلك ينبغى فى ظاهر غسل

29

الميت فى الظاهر، و تأويل تقليبه لجنبيه فى الباطن الاعتماد به على إمام زمانه و حجته كما ذكرنا فيما تقدم أن مثل الشق الأيمن مثل الإمام و مثل الشق الأيسر مثل الحجة، فيؤكد عنده أمرهما و الواجب لكل واحد منهما و يوقفه على ما ينبغى من معرفتهما بما يوجبه الحد الّذي هو فيه و قوله و يغسل ظهره تأويله افتقاد ظاهره و توقيفه فيه على ما جاء منه عن الأئمة الظاهرين و طرح ما شابه من خلاف ذلك من ظاهر المخالفين فذلك تأويل غسل ظهره و هو إخلاصه مما يشوبه و يخالطه من الباطل مما أدخله المخالفون فى ظاهر الدين بآرائهم و قياسهم و استحسانهم حتى يكون خالصا عن أئمة دين اللّه الناقلين ذلك عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أجمعين، و يتلو ذلك قوله و يجعل على الميت حين يغسل إزار من سرته إلى ركبتيه و يمر الماء من تحته و يلف الغاسل على يده خرفة و يغسل فرجه و سائر عورته من تحت الإزار فهذا هو الّذي ينبغى فى غسل الميت فى الظاهر، و تأويله فى الباطن ما قد ذكرناه من أن تأويل العورة ما كان من باطن كل ذى حد لا يطلع عليه الا من يصير إلى ذلك الحد و أن تأويل العورة فى وجه آخر العيب و النقص فى الإنسان فينبغى لمن عامله ألا يكشف ذلك العيب لغيره و لا ينظر إليه لما ذكرناه من كراهة النظر إلى العورات، و تأويل غسله من تحت الإزار هو إقامة المعامل باطن من يعامله له و تنظيفه و إزالة الشبهات عنه فيه و إذهاب ما أدخله المبطلون من ذات أنفسهم فى ذلك عليه أو على من أدى ذلك إليه حتى يوضح ذلك له و يبينه و ينظفه كما فعل ذلك بالظاهر له و أما تأويل قوله و يلف على يده خرقة فذلك مما قدمنا ذكره من تركه البحث عن عوراته فلا يبتغى ذلك بشيء يصل به إليه من حواسه و اللمس أحد الحواس، فلذلك جعل الخرقة على يده و كذلك يلزم فى ظاهر الأمر ألا ينظر الرجل إلى عورة غيره و لا يلمسها بيده، إلا ضرورة توجب ذلك، و يتلو ذلك قوله (عليه السلام) أنه ما سقط من الميت من شعر أو لحم أو عظم أو غير ذلك جعل فى كفنه و دفن معه؛ فهذا هو الواجب فى الظاهر، و تأويله فى الباطن أنه ما سقط عن المنقول فى درجات دعوة الحق من ظاهر دينه عرف به و أمر بحفظه و جمع إلى ما عنده من الظاهر و أرقى كذلك إلى ما يرقى إليه من حدود الدعوة بعد أن يكمل له ظاهر دينه، و يتلو ذلك ذكر الحنوط و الكفن، قد ذكرنا فبما تقدم أن تأويل الحنوط و هى

30

طيب الميت ما يعامل به المنقول فى درجات الإيمان من العلم الّذي يوجبه الحد الّذي نقل إليه مما لم يكن قبل ذلك اطلع عليه فيسر به و تطيب نفسه بما صار إليه منه، و الكفن ظاهر المنقول إلى الدرجة التى مثلها مثل الدفن فى القبر و سيأتى ذكرها بعد هذا إن شاء اللّه، فهذه جملة القول فى الحنوط و الكفن، و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر ابن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال: إذا فرغ من غسل الميت نشّف فى ثوب و جعل الكافور و الحنوط فى مواضع سجود جبهته و أنفه و كفيه و ركبتيه و ظاهر رجليه و يجعل من ذلك فى مسامعه و فى فيه و فى لحيته و على صدره، قال و حنوط الرجل و المرأة سواء؛ فهذا فى الظاهر كذلك يستعمل فى الموتى بعد غسلهم، و تأويل ذلك فى الباطن أن معنى تنشيف الميت بعد غسله هو ما تقدم القول به من أن مثل الماء مثل العلم الحقيقى الّذي يعامل المؤمن به فى ارتقائه فى درجات دعوة الحق و ذلك مما يؤخذ عليه فى كتمانه و ستره و ألا يظهر منه شيئا فذلك معنى تنشيف الميت إذا غسل و الحى كذلك ينشف إذا تطهر، و ذلك مثله فى الباطن مثل الكتمان الّذي أخذ عليه فيه فلا يظهر شيئا مما ألقى من العلم إليه و أما الحنوط و الطيب الّذي يطيب به الميت فقد ذكرنا أنه الّذي يفاتح به من العلم مما لم يكن قبل ذلك علمه فتطيب به نفسه و يسر به، و أما تأويل تصيير ذلك فى مواضع السجود فقد ذكرنا أن السجود مثله فى الباطن مثل طاعة الناطق و هو الرسول فى وقته و الإمام فى زمانه، و مثل الأعضاء التى يسجد عليها و هى سبعة الوجه و اليدان و الركبتان و القدمان مثل النطقاء السبعة و الأئمة السبعة فيما بين كل ناطقين الذين يتعاقبون الإمامة أسبوعا بعد أسبوع، و قد تقدم شرح ذلك و بيانه فيؤدى المعامل إلى من يعامله فى حين نقلته من درجة إلى درجة من علمهم ما ذكرنا أنه يسر به و يطيب به نفسه و تأويل ما يجعل من الحنوط فى الفم، فمثل الفم كما ذكرنا مثل الناطق و ما يجعل منه فى الأذنين مثل العلم الإمام و الحجة و ما يجعل منه على الصدر و على اللحية مثل ما يلقى إليه من العلم الظاهر عن أئمة دينه، و قوله و حنوط الرجل و حنوط المرأة سواء تأويله أن ذلك كذلك، يعمل بالمفيد و المستفيد إذا نقل كل واحد منهما من درجة إلى درجة من له أن ينقله، فافهموا أيها المؤمنون ما يلقى إليكم من تأويل ظاهر دعائم دينكم و باطنه، فهمكم اللّه و علمكم و أعانكم على ما افترضه عليكم و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة من ذريته و سلم تسليما، حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

31

المجلس السادس من الجزء السابع [غسل الميت، و الحنوط و الكفن]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الّذي الأسماء الحسنى و الصفات العلى و ليس كمثله شيء من الأشياء و صلى اللّه على محمد نبيه و على على وصيه و على الأئمة من ذريته أتم صلاة صلاها و أطهرها و أشرفها و أعلاها.

ثم إن الّذي يتلو ما قد تقدم ذكره من بيان تأويل ما فى كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه كان لا يرى بالمسك فى حنوط الميت بأسا، تأويل ذلك ما قد تقدم ذكره من أن حنوط الميت و تطيبه مثله مثل ما يفاتح به المنقول من درجة إلى درجة من درج حد و دعوة الحق، و المسك من أفضل الطيب و لا بأس للمفاتح أن يفاتح المنقول بأحسن ما يجده من المفاتحة التى ينبغى لمثله، كما أن المسك فى الظاهر لا يكون إلا فى حنوط أهل الجدة و اليسار.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (عليه السلام) أنه قال: «لا يحنط الميت بزعفران و لا ورس»؛ فذلك كذلك فى الظاهر أن الزعفران و الورس لا يدخلان فى حنوط الميت و مثل ذلك فى الباطن أن الزعفران و الورس من الطيب يظهر لونهما، و مثلهما و ما أشبههما من الطيب مثل علم الظاهر الصحيح المأخوذ عن أولياء اللّه و ما قارب ذلك من الرموز بالباطن، و تأويل الأصول فيه و كذلك جاء عن الأئمة (صلوات اللّه عليهم) أنهم قالوا:

طيب الرجال ما خفى لونه و ظهرت رائحته، و طيب النساء ما ظهر لونه و خفيت رائحته، و كذلك يكون فى الباطن علم المفيد الّذي مثله مثل الرجل أحسن و أخفى من علم المستفيد الّذي يفيده إياه إلى أن يبلغ حد الرجال فى الباطن.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) أنه لم يكن يرى بتجمير الميت بأسا و هو أن يجمر كفنه و الموضع الّذي يغسل فيه و يكفن و ذلك تبخيره بالبخور الطيب الرائحة.

و عن أبى جعفر بن محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أنه كره أن يتبع الميت

32

بمجمرة و لكن يجمر الكفن، فهذه هى السنة فى بخور الميت أنه لا يبخر هو فى ذاته و لا يتبع جنازته بالبخور و لكنه يبخر كفنه و الموضع الّذي يغسل و يكفن فيه لا غير ذلك، و تأويله فى الباطن أن البخور دخان يتصعد فى الهواء و يتلاشى فيه و لا يستطاع ضبطه و لا يملك أخذه، و هو ضرب من الطيب يعلق بالثياب و يستنشق من الهواء إذا خالطه مع ما يستنشق منه و يصل إلى من أعطيه و إلى من لم يعطه و لم يقصد به إليه و لا يملك معطيه حبسه عمن لا يريد إعطاءه إياه، فمثله من العلوم مثل العلم الدنيوى الّذي ينتفع به فيها و يصل إليه من أراده من أهلها و يخترعه و لا يصحب المرء منه شيء إلى آخرته و إنما ينتفع به فى عاجل الدنيا و ظاهر أمرها، فما حضر المفيد من ذكره ذكره لمن يفيده لينتفع به فى عاجل أمره و ظاهره و لا يفانحه بذلك إذا نقله من حال إلى حال لأنه ليس مما يصلح ذكره عند ذلك، فلذلك كره أن يتبع به الميت فى الظاهر عند نقلته، و أن يبخر به كما يبخر الحى و إنما يبخر به كفنه الّذي مثله مثل الظاهر و مكانه الّذي مثله مثل محله من الدنيا.

و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أنه سئل عن المحرم يموت محرما، قال يغطى رأسه و يصنع به كما يصنع بالحلال خلا أنه لا يقرب بطيب، فالمحرم فى الظاهر هو الّذي أحرم بالحج، و ذلك إذا تجرد من الثياب عند الميقات و لبى بالحج فإذا فعل ذلك حرم عليه الطيب و النساء و غير ذلك مما سنذكره فى كتاب الحج، حتى يحل من إحرامه بعد أن يقضى الحج أن أحرم بالحج و العمرة إن كان معتمرا أو مثل المحرم فى الباطن مثل المستجيب الّذي قد أخذ عليه ميثاق دعوة الحق و لم يبلغ مبلغ المطلقين، و الطيب مثله كما تقدم البيان عند ذكره مثل ما يفاتح به المنقول من درجة من درجات دعوة الحق من العلم مما لم يكن قبل ذلك سمعه فيسر به و يطيب نفسه سماعه، و المحرم يعد فى أول درجات دعوة الحق لم ينقل منها إلى غيرها، فهذا العلم ممنوع منه إلى أن يبلغ الدرجة التى تجب له فيها سماعه.

و يتلو ذلك ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه كفن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فى ثلاثة أثواب.

33

و عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال: نعم الكفن ثلاثة أثواب، و قال:

أوصى إلى أبى أن أكفنه فى ثلاثة أثواب.

و عن أبى جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: لا بد فى الكفن من إزار و عمامة، و لا يعدان فى الكفن، و عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال: تخمر المرأة بخمار على رأسها، و أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كفن حمزة (عليه السلام) فى نمرة سوداء؛ و لم يأت فى الكفن فى الظاهر توقيت يكفن الميت فى ثوب واحد إذا لم يوجد له غيره، و فى الثياب الكثيرة إذا استطاع ذلك من يكفنه و لكنهم استحبوا أن يكون وترا، و تأويل الكفن ما قد تقدم القول به أنه فى باطن التأويل الظاهر، و كذلك لا ينقل منقول من درجة إلى درجة من حدود دعوة الإيمان إلا بعد أن يقام له الظاهر و يؤمر به و باستعماله كما افترض اللّه عز و جل ذلك فى كتابه على عباده و سنة رسوله (صلى اللّه عليه و آله)؛ و يتلو ذلك ذكر السير بالجنائز: السير بالجنائز فى الظاهر هو حمل الميت على سريره على رقاب الرجال، و السير به إلى حيث يصلى عليه فيه و يدفن، و تأويل ذلك فى الباطن كما قدمنا ذكره نقلة أهل دعوة الحق من حد فيها إلى حد، فالسرير مثله مثل الدعوة التى نقل فيها و فى درجاتها و حمله على أعناق الرجال مثله مثل استعلائه على نظرائه الذين كانوا معه فى درجته ثم ارتفع بالنقلة إلى الدرجة الأخرى عليهم، فهذا إجماع القول فى تأويل السير بالجنائز.

و يتلو ذلك من كتاب الدعائم ما جاء من عمل النعش لفاطمة (صلوات اللّه عليها) لما ماتت، و هو ما يستر به النساء إذا حملن على أسرة الموتى من فوقهن، و مثله فى الباطن أن المستجيب إذا نقل إلى درجة فوق الدرجة التى كان فيها لم ينقل إلا فى ستر و خلوة و مثله كما ذكرنا مثل المرأة و نقل المفيدين الذين أمثالهم أمثال الرجال يكون أظهر من ذلك لأنهم متى نقلوا علم ذلك من كانوا يعاملونه من المستفيدين منهم بما يظهر من ارتفاع منازلهم و ما يوجد عنهم فيما أرقوا إليه و إن كان ذلك أيضا إنما يكون فى ستر كما أن الرجل الميت فى الظاهر لا بدّ أن يستر بثوب من فوق أكفانه إذا سير به.

و يتلو ما جاء عن رسول اللّه (ص) و آله من أنه نهى أن يوضع على النعش الحنوط

34

و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه رأى نعشا يسار به قد ربطت عليه خمر بين حمر و خضر و صفر زين بها، فدعا به فأزالها عنه و قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول أول عدل الآخرة القبور لا يعرف فيها شريف من وضيع، فهذا هو الواجب الّذي يؤمر به فى الظاهر، و تأويله فى الباطن أن يعدل الناقل فى ذلك بين المنقولين فلا يفضل منهم فى النقلة أحدا على أحد إذ قد استوفى الحد و الدرجة و إن تباينوا فى أحوال الدنيا فالعدل عليهم يوجب التسوية بينهم

و يتلوه ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) أنه نظر إلى قوم مرت بهم جنازة فقاموا قياما على أقدامهم لما أظلتهم فأشار إليهم أن اجلسوا.

و عن الحسين بن على (صلوات اللّه عليه) أنه مر على قوم بجنازة فذهبوا ليقوموا فنهاهم و مشى، فلما انتهى إلى القبر وقف يتحدث مع أبى هريرة و ابن الزبير حتى وضعت الجنازة فلما وضعت جلس و جلسوا، فهذا هو الواجب ألا يقوم للجنازة إذا مرت إلا من يريد أن يتبعها و لا يجلس حتى توضع على شفير القبر، و تأويل ذلك فى الباطن أنه ليس يقوم بأمر المنقول فى درجات دعوة الحق إلا من له أن ينقله فيها، فإذا أصاره إلى الدرجة الآخرة التى ليس لمثله درجة فوقها، و هى مثل دفن الميت فى الظاهر تركه و لم يكن له بعد ذلك أن يقوم بشيء من أمره و خرج عن حكمه كما يخرج الميت المنقول إلى القبر، إذا صار إليه عن حكم الحى الّذي كان قبل ذلك ينظر فى أموره و أسبابه.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) و عن على (صلوات اللّه عليه) من الأمر بالسرعة فى السير بالجنائز و النهى عن التأنى فى المشى بها، و هذه هى السنة فى السير بالجنائز فى الظاهر و تأويل ذلك فى الباطن تعجيل نقل المنقول فى درجات دعوة الحق إذا استحق ذلك و وجب له و ترك الثانى به و النهى عن ذلك؛ و يتلو ذلك ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه سئل عن حمل الجنازة أ واجب هو على من شهدها قال لا، و لكنه خير فمن شاء أخذ و من شاء ترك؛ فهذا هو الواجب فى حمل الجنائز إذا قام بها بعض المؤمنين المسلمين، فإن لم يقم بذلك أحد فهو فرض على جميعهم حتى يقوم به من يقوم منهم فيسقط الفرض حينئذ عن غيره

35

إلا أن ينتدب له و يعين فيه كما جاء ذلك عن أمير المؤمنين، و مثل ذلك فى الباطن أن القيام بما يجب القيام به من حدود دعوة الحق وجب على كل من يصلح لذلك و يستطيعه، فإن قام بذلك من يقوم به سقط الفرض عن الجميع إلا أن يعين بذلك (1) تطوعا من يعين فيه ممن يصلح لذلك و ليس يسعى جميع الناس ممن يصلح لذلك أن يتخلفوا عنه إذا ندبهم إلى ذلك من يلى أمره من الناظرين فى أهل دعوة الحق من كان، فافهموا أيها المؤمنون بيان تأويل ظاهر دينكم و أقيموا ظاهره و باطنه كما تعبدكم اللّه بذلك جل ذكره، أعانكم اللّه على ذلك و فتح لكم فيه و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة من أهل بيته و سلم تسليما؛ و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

المجلس السابع من الجزء السابع: [ذكر السير بالجنائز]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه أهل الحمد و الثناء و ولى الفضل و النعماء (2) الّذي ليس له غاية فيتناهى، و ليس بمحدود فيحوى، و لا بمكيف فيرى، و صفات الخلق عنه منفية، و هو ثابت فى العقول بلا كيفية و صلى اللّه على محمد رسوله خير البرية و على العترة من ذريته الهادية المهدية.

ثم إن الّذي يتلو ما قد تقدم من تأويل كتاب دعائم الإسلام مما جاء فى ذكر الجنائز عن على (صلوات اللّه عليه) أنه رخص فى حمل الجنازة على الدابة، و أن ذلك إنما يكون إذا لم يوجد من يحملها، و أما السنة فحملها على عواتق الرجال؛ فهذا فى الظاهر كذلك يكون و تأويله ما قد تقدم القول به من أن مثل الذين يحملون الجنازة الظاهرة فى الباطن مثل القوامين بأمر دعوة الحق الذين يستعين بهم فى ذلك من يلى أمرها فيما يريده من أسبابها، و حمل الجنازة فى الظاهر، فإنما يحملها أربعة من الرجال و كذلك يجرى نقل المنقول فى دعوة الحق من درجة إلى درجة على أيدى أربعة، فالداعى المتولى لأمره الّذي اختبر أعماله و شاهد أفعاله يرفع ذلك إلى من أقامه و هو باب الحجة، و الباب يرفع ذلك إلى الحجة و الحجة يرفع ذلك إلى الإمام، فيجرى

____________

(1) فى ذلك (فى ى).

(2) البهاء (فى ى).

36

الأمر فى ذلك على أيدى أربعة هذا، أعلى ما يكون فيما يجرى ذلك عليه من الحدود فى أعلى النقل و قد يكون فيما دون ذلك يجرى على دون هذه الحدود فإذا لم يوجد أربعة جرى على دون ذلك إلى الواحد و ذلك عند عدم الأسباب و استتار الحدود كما يجرى فى الظاهر أن يحمل الجنازة ما دون الأربعة إلى الواحد و على الدابة و مثل الدابة مثل الواحد مما هو مثل لتلك الدابة من الحدود و قد ذكرنا أمثال الدواب فى غير موضع مما تقدم.

و يتلو ذلك ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: يستحب لمن بدأ له أن يعين فى حمل الجنازة أن يبدأ بمياسرة السرير فيأخذها بيمينه ثم يدور بجوانبه الأربعة فهذه هى السنة لمن حمل الجنازة فى الظاهر، و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل سرير الميت الّذي يحمل عليه مثل دعوة الحق و ميامنها مثل لأعلى حدودها و مياسرها مثل لمن دونهم من أبو الجهم و كذلك ينبغى لمن قصد الدعوة أن يقصد الأبواب كما قال اللّه عز و جل من قائل: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا. و قوله ثم يدور بها، تأويله اعتقاده منازل القائمين بها أجمعين.

و يتلوه قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «اتبعوا الجنازة و لا تتبعكم»، و أن رجلا قال له كيف أصبحت يا رسول اللّه، قال: «خيرا من رجل لم يمش وراء جنازة و لم يعد مريضا».

و قول على (عليه السلام): إن فضل الماشى خلف الجنازة على الماشى أمامها كفضل الصلاة المكتوبة على التطوع.

و روى ذلك عن، رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه كان يمشى خلف الجنازة حافيا يبتغى بذلك الفضل، فالواجب فى الظاهر على من شيع جنازة أن يمشى وراءها و لا يتقدمها و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن الجنازة بكسر الجيم فى لغة العرب سرير الميت الّذي يحمل عليه، و الجنازة بفتح الجيم الميت نفسه و أن مثل السرير فى الباطن مثل الدعوة و مثل حمل الميت عليه فى الظاهر مثل حمل المنقول فى حدود الدعوة إلى حد بعد حد منها و ذلك مثل حمله عليها فى ذاتها لأنه إنما يحمل ذلك على سنتها و ما يوجبه حكمها و ذلك مثل قول القائل لمن يريد أن يحكم فيه بالحق احملنى على كتاب اللّه و احملنى على سنة

37

رسول اللّه و احملنى على الحق و أشباه ذلك مما يقال مثل ذلك فيه، و دعوة الحق و من حمل عليها فالواجب اتباعها و اتباع المحمول عليها و ألا يتقدم عليه و لا عليها و مثل قوله إن عليّا (صلوات اللّه عليه) كان يمشى خلف الجنازة حافيا فالحافى خلاف الناعل، و النعل مثلها فى الباطن مثلها ظاهر أهل الخلاف، و منه قول اللّه عز و جل لموسى:

اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى؛ و ذلك فى أول اتصاله فأمر باطراح ظاهر أهل الخلاف الّذي كان عليه معهم، و كذلك يفعل من صار إلى دعوة الحق و اتبعها، و ذلك كما ذكرنا مثله مثل اتباع الجنازة ففعل ذلك على (صلوات اللّه عليه) ليدل بظاهره على الباطن فيه.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه رأى امرأة تتبع جنازة فأمر بها فردت و وقف حتى تورات، فهذا هو الواجب فى ظاهر أمر الجنائز أن ينهين عن اتباعها و شهودها و لا يتركن و ذلك، و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن أمثال النساء فى التأويل أمثال المستفيدين و حضور نقل المؤمنين فى درجات دعوة الحق التى مثلها مثل نقل الجنائز لا يحضرها إلا المفيدون و ليس يحضر ذلك من كان دونهم لأنه إنما يحضر ذلك من يرقى المنقول إلى درجته ممن كان يفيده و من يجرى رفعه على يديه.

و من ذلك ما روى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه نظر إلى نساء تتبعن جنازة فوقف، و قال لهن: أ تصلين عليها فيمن يصلى؟ قلن لا، قال: فتحملنها فيمن يحملها؟

قلن لا، قال فتنزلنها فى القبر فيمن ينزلها؟ قلن لا. قال فتوارينها فيمن يواريها؟ قلن لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات فكذلك؛ لا يصحب الجنازة فى الباطن إلا من يلى رفعها فى درجاتها على ما قدمنا ذكره و يتلو ذلك ذكر الصلاة على الجنائز.

الصلاة على الجنازة فى الباطن حد من حدود دعوة الحق يصير إليه المنقول فى حدودها و قد تقدم القول بأن مثل الصلاة فى التأويل الباطن مثل دعوة الحق فالصلاة على الميت الّذي مثله مثل المنقول من درجة إلى درجة على ما قد قدمنا ذكره حد من حدود دعوة الحق يؤخذ فيه عليه ما يجب أن يؤخذ على من صار إلى ذلك الحد و يصل فيه إلى ما يستريح و يسكن إليه و ذلك قول اللّه عز و جل

38

لنبيه محمد (صلى اللّه عليه و آله): و صل عليهم إن صلاتك سكن لهم؛ و الصلاة على الميت دعاء و ليس فيها ركوع و لا سجود، مثل ذلك أن الركوع و السجود اللذين مثلهما كما ذكرنا فيما تقدم مثل طاعة الإمام و الحجة و قد تقدم القول فيمن نقل إلى هذه الدرجة و صار من ذلك إلى حيث أوجب له ما صار منه إليه مما أرفاه إلى هذه الدرجة فاستغنى فيها عن أن يؤمر بما قد فعله و انتهى منه إلى الواجب فيه و إنما يعامل فى هذا الحد بما ينتفع به و يسكن إليه و يستفيده كما يكون القول فى ظاهر الصلاة على الميت، إنما هو توحيد اللّه عز و جل و الثناء بما هو أهله و الصلاة على رسوله و الأئمة من أهل بيته و الدعاء للميت و الاستغفار له و للمؤمنين، هذا تأويل الصلاة على الجنائز فى حال النقلة المحمودة المتقدم ذكرها و فى الأخرى أن مثل الصلاة على الجنازة مثل الدعوة الظاهرة لا يذكر فيها إمام و لا حجة، و إنما هى الدعوة إلى ظاهر الشريعة بالشهادتين، و إلى ذلك يدعى من كفر بعد إيمانه أو لا حتى يقربه، فلذلك لم يكن فيها ركوع و لا سجود اللذان مثلهما كما ذكرنا مثل طاعة الإمام و الحجة، و يكون الميت هاهنا مثله مثل الكافر بحسب ما بينا فيما تقدم، فهذه جملة من القول فى الصلاة على الجنائز.

و يتلو ذلك مما هو فى كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه ذكر وفاة رسول اللّه (ص) و غسل على (صلوات اللّه عليه) له، و تكفينه، إياه و أن العباس أتاه لما فرغ من ذلك فقال يا على إن الناس قد اجتمعوا ليصلوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) رأوا أن يدفن فى البقيع و أن يؤمهم فى الصلاة عليه رجل منهم، فما ذا ترى فى ذلك و ما ذا تقول فيه؟ فخرج على (عليه السلام) على الناس و قد اجتمعوا لذلك فقال: أيها الناس إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان إماما حيّا و ميتا، و أنه لم يقبض نبى إلا دفن فى البقعة التى مات فيها، قالوا اصنع ما رأيت؛ فقام على (صلوات اللّه عليه) على باب البيت فصلى على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) و قدم الناس عشرة عشرة يصلون عليه و ينصرفون، و إنما فعل على (صلوات اللّه عليه) من ذلك ما أمره به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عهده إليه فيه و لعلم الناس بذلك سلموه إليه و هكذا كانت إليه و لعلم الناس بذلك سلموه إليه و هكذا كانت الصلاة الظاهرة على رسول اللّه (ص) فى ظاهر أمره و نقله الرسول

39

يكون له مثل ذلك فى باطن أمره إذا نقل إلى الدرجة الموجبة لذلك التى يجتمع (صلى اللّه عليه و آله) و وليه معه ليست كنقلة سائر الناس، فباطن نقلته تنقله فى الملكوت الأعلى و لذلك وليه جبرئيل (عليه السلام) يغسله، و شاركه فى ذلك عليّ وليه معه؛ إذ قد قام من بعده مقامه للأمة، و لم يحمل على سرير الموتى و لا نقل عن مكانه إذ ذلك كما ذكرنا حد من حدود الدعوة لمن دونه و الأنبياء قد ارتفعوا (صلوات اللّه عليهم) عن مثل ذلك تلك الحدود، و لذلك قال على (صلوات اللّه عليه) إنه لم يقبض نبى إلا دفن فى البقعة التى مات فيها، و لم يصل عليه كما يصلى على الموتى و إنما وقف من صلى عليه متقربا إلى اللّه عز و جل به و ذلك قول اللّه جل ذكره و صلوات الرسول ألا إنها قربة لهم و لذلك قال على (صلوات اللّه عليه) إن رسول اللّه (ص) كان إماما حيّا و ميتا و إنما ولى أمر رسول اللّه (ص) فيما نقل إليه أهل الملأ الأعلى من الملائكة المقربين الذين يلون مثل ذلك من النبيين.

و يتلو ذلك من كتاب الدعائم ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغرب الشمس و حين تطلع، و فى كل حين إنما هو استغفار فهذا هو كذلك يكون فى ظاهر الصلاة على الجنازة، و تأويله فى الباطن أنه لا بأس بنقل المنقول فى درجات دعوة الحق فى حين ظهور الإمام الّذي مثله مثل الشمس و فى حين استتاره ينقله فى ذلك من أقيم للقيام بالدعوة على ما يجب فيها.

و يتلو ذلك ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه دعى إلى الصلاة على جنازة، فقال إنا لفاعلون و إنما ينفع عليه عمله فهذا هو كذلك فى الظاهر أن الميت إنما ينتفع بعمله و إن صلى عليه و كان فى الصلاة عليه ما يدركه من بركة دعاء من صلى عليه فيها فإنما يكون ذلك زيادة له فى فضل ما قدمه من صالح عمله و ذلك كذلك فى الباطن أن المنقول فى حدود دعوة إنما ينتفع فى ذلك بصالح عمله الّذي قدمه و أوجب ظاهره الّذي ظاهر به لناقله نقلته تلك و الّذي بينه و بين اللّه جل و عز من سريرته هو الّذي ينتفع به.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (عليه السلام) أنه قال إذ صلى على المؤمن أربعون رجلا من المؤمنين فاجتهدوا له فى الدعاء له استجيب لهم فهذا يكون للمؤمن المخلص فى ظاهر أمره زيادة فى فضله مع ما تقدم له من صالح عمله كما ذكرنا، و كذلك

40

فيها أمر الأربعين من الحدود و ذلك، باطن قوله إذا صلى عليه أربعون رجلا من المؤمنين، و من ذلك أيضا قول اللّه عز و جل: وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلٰاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. فهم أربعون حدّا من حدود الليل الباطن الّذي مثله مثل الدعوة (1) المستورة.

و يتلو قوله: إذ حضر السلطان الجنازة فهو أحق بالصلاة عليها من وليها فهذا هو الواجب فى الظاهر، أنه إذا حضر إمام الزمان جنازة فى الظاهر فهو أولى بالصلاة عليها، و كذلك إن لم يكن إمام الزمان و كان من استقضاه أو ولاه أمرا من أمور المسلمين فهو أحق بالصلاة على الميت، فإن حضر جماعة من المتقدمين بأمر الإمام و من قدمه الإمام كان ذلك لأرفعهم منزلة و إن لم يحضر ذلك إلا واحد منهم فهو أحق من ولى الميت بالصلاة عليه من كان ممن أقامه الإمام أو من أقامه من أقامه الإمام لأمر من أمور المسلمين، و من أقيم للصلاة بالناس إذا حضر الجنازة فهو أحق بالصلاة عليها، فإن لم يحضر من هؤلاء أحد كان أحق الأولياء بها أولى بالصلاة عليها، هذا هو ظاهر الحكم فى ظاهر الصلاة على الجنازة و تأويله فى الباطن أن ولى المؤمن المنقول إلى مثل درجة الصلاة على الميت فى الباطن و هو الّذي ولى أمر دعوته و تربيته و نقلته هو أحق بنقله فى درجات الدعوة التى النقل إليها فإن حضر نقلته من هو أعلى منزلة منه من الحدود و كان أولى بذلك إليها و كذلك الأعلى فالأعلى منهم إذا حضر كان أحق بذلك ممن هو دونه فى المنزلة لا يتقدم ذلك مفضول على فاضل بحضرته؛ فافهموا فهمكم اللّه و بصركم و نفعكم بما علمكم و صلى، اللّه على محمد نبيه و على آله الطاهرين و سلم تسليما حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

المجلس الثامن من الجزء السابع: [ذكر الصلاة على الجنائز]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الّذي ليس بمرئى فيكيّف، و لا بموصوف فيوصف، لا يستره الحجب بكثافتها و لا تحويه الأماكن بسعتها، و لا يحيط به الأقطار و لا تدركه الأبصار، و صلى اللّه على محمد النبي المرسل و على على وصيه المفضل و على الأئمة من ذريته الأبرار المصطفين الأخيار.

____________

(1) الدعاة (فى ى).

41

ثم إن الّذي يتلو ما تقدم من ذكر الجنائز من تأويل ما فى كتاب الدعائم ما جاء عن أمير المؤمنين على (صلوات اللّه عليه) أنه سئل عن رجل ماتت امرأته أ يصلى عليها قال: عصبتها أولى بذلك منه؛ فهذا هو الواجب فى الصلاة على جنازة المرأة فى الظاهر إذا لم يحضرها سلطان على ما تقدم شرحه، و تأويل ذلك ما تقدم القول به من أن مثل المرأة فى الباطن مثل المستفيد و مثل الرجل مثل المفيد و هو مثل الزوج أيضا فى الباطن، و العصبة فى الظاهر القرابة من الأب و الأبوة فى الباطن و ما تقدم القول به من أن الأب يكون الداعى فما فوقه إلى الناطق و من ذلك قول اللّه جل و عز: ملة أبيكم إبراهيم هو سما كم المسلمين؛ و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعلى (عليه السلام): أنا و أنت أبوا المؤمنين، و قد تقدم القول فيما بيناه أنه إذا حضر نقلة المؤمن إلى الدرجة التى مثلها مثل الصلاة على الميت من هو فوق من ينقله ممن كان أمره إليه أن الّذي هو أولى بنقله من هو فوق من كان يلى أمره و لا يتقدم فى ذلك مفضول فاضلا، و هذا هو من ذلك؛ و يتلوه ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) أنه قال: إذا استهل الطفل صلى عليه؛ فهذا هو فى الظاهر واجب أن الطفل إذا ولد فاستهل، و الاستهلال رفع الصوت صلى عليه و ذلك إذا علم أنه ولد حيّا، و تأويل ذلك أن الطفل مثله فى الباطن مثل المستجيب المحرم و هو ما كان كذلك ممنوع من الكلام فى شيء من التأويل فإذا ارتفع عن ذلك و صار إلى الحد الّذي يليه و وجب الإطلاق له فى الكلام فى ذلك أطلق له فى الكلام فيه، و ذلك معنى الاستهلال و الاستهلال فى اللغة رفع الصوت، فإذا صار إلى حد الإطلاق فى الكلام و استحق بعد ذلك أن يرفع إلى حد الصلاة رفع.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) أنه قال: رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) على امرأة ماتت فى نفاسها من الزنا و على ولدها، و أمر بالصلاة على البر و الفاجر من المسلمين، فهذا هو الواجب فى الظاهر أنه لا يدفن أحد من المسلمين مات على الإسلام حتى يصلى عليه و إن كان من أهل المعاصى، و تأويل ذلك فى الباطن أن باطن الزنا هو أن يفاتح الإنسان إنسانا يعلم الباطن و لم يؤذن له فى مفاتحته، فالمفاتح فى ذلك مثل الرجل الزانى و المستمع منه إذا استمع ذلك طوعا مثل المرأة الزانية هذا ذا كان المفاتح فى درجة من وجبت له المفاتحة إلا أنه لم يؤذن له فى ذلك و سوف يأتى

42

بيان هذا مستقصى فى كتاب الحدود إن شاء اللّه، و معنى الصلاة على من كانت هذه حاله، هو إذا صار إلى الحد الّذي مثله مثل الصلاة على الميت رفع إليه إذا استحق ذلك و لم يضره ما سبق له مما صنع قبل ذلك إذا هو تاب منه و صار من الحدود إلى ما يوجب له ما صار إليه، و مثل من ولد من الزنا فى الباطن مثل من فاتحه من لا تجب مفاتحته إياه فدعا هو آخرا فصار له ولدا من الزنا فى الباطن فذلك الولد أيضا إذا ارتفعت درجاته بعد أن يدعوه من يجب له أن يدعو مثله إلى أن يصير إلى الحد الّذي مثله مثل الصلاة على الجنائز و استحق أن يرفع إليه رفع و لم يضره ما تقدم له و لم يقعد به ذلك عن استحقاقه، كما أن ولد الزنا و الزانى و الزانية و أهل المعاصى فإنما يصلى عليهم فى الظاهر بعد أن يموتوا، و الموت كما تقدم القول ببيانه مثله فى الباطن مثل النقلة فى دعوة الحق من حد إلى حد، و كذلك إنما يصير المنقول إلى حد الصلاة بعد النقلة عما كان عليه مما مثله مثل الزنا و المعاصى، و يتلو ذلك ما جاء عنه (عليه السلام) أنه كان إذا اجتمعت الجنائز صلى عليها معا بصلاة واحدة و يجعل الرجال مما يليه و النساء مما يلى القبلة؛ فهذه هى السنة فى الصلاة فى الظاهر على جنائز الرجال و النساء إذا اجتمعت، و تأويل ذلك فى الباطن أنه إذا استحق من هو فى حال المفيدين و من هو فى حال المستفيدين النقلة من درجة إلى درجة نقل كل واحد منهم إلى الدرجة التى يستحق النقلة إليها و كان المفيدون الذين هم أعلا درجة يلون الناقل و يكونون أقرب إليه من الآخرين و هم كما ذكرنا أمثال الرجال فى الباطن و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه كان إذا وقف على جنازة الرجل للصلاة عليه قام بحذاء صدره، و إذا كانت امرأة قام بحذاء رأسها و هذه السنة فى وقوف الإمام الّذي يصلى على الجنازة فى الظاهر على الّذي يصلى عليه، و معنى ذلك فى الظاهر بعده من المرأة لأنها عورة كلها، و بعده أيضا كذلك من عورة الرجل لأن عورة الرجل كما ذكرنا ما بين السرة و الركبتين، و تأويل ذلك فى الباطن ما تقدم القول به من أن يكون الّذي يلى نقل المنقول فى درجات الدعوة يتجافى عن النظر فى مساويه و عيوبه المستورة التى مثلها هاهنا مثل العورة، فبعده عن ذلك مثل تجافيه عن النظر فيها.

و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه سئل عن الرجل يحضر الجنازة و هو على غير وضوء و لا يجد الماء، قال: يتيمم و يصلى عليها

43

إذا خاف أن يفوته، فهذا هو الواجب فى الظاهر على من حضر جنازة فى الظاهر و هو على غير وضوء و لا يجد الماء أن يتيمم حيث كان فى المصر أو غير المصر إذا خاف أن تفوته لأنها لا تقضى إن فاتت و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول فى كتاب الطهارة أن مثل الّذي ليس هو على وضوء مثل من أحدث حدثا فى دينه يجب عليه التطهير منه بالعلم الحقيقى، فهو على غير وضوء حتى يتوضأ بذلك فإن لم يجد فى الظاهر من كان على غير وضوء ماء و هو مسافر أو كان عليلا يتيمم الصعيد و هو التراب النقى، فمسح منه بوجهه و يديه كما قال اللّه تعالى و جل ذكره، و إن لم يجد مفيدا فى الباطن ممن ينبغى أن يأخذ ذلك العلم عنه و مثله مثل المسافر كما شرحنا ذلك فى كتاب الطهارة أو حالت بينه و بين من يفيده علة اعتمد فى ذلك على مثل من يراه من المؤمنين ممن ليس فى حالة المفيدين فاقتبس ذلك من ظاهره، و قد بينا ذلك فى كتاب الطهارة بيانا شافيا، فإذا حضر نقلة المنقول فى درجات الإيمان من ينقله و كان قد بقى عليه بعض ما يجب على مثله أن يصلحه من حاله إذا قام ذلك المقام لم ينبغ له أن يقومه حتى يصلح ذلك من نفسه، فإن لم يجد ممن فوقه من ينبغى له أن يتولى صلاح ذلك منه اعتمد على مثله من المؤمنين فأصلح ذلك منه بظاهر ما عنده.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (عليه السلام) أنه كان يرفع يديه مع التكبير على الجنائز، فهذا كذلك تجب فى الظاهر أن يرفع المصلى على الجنازة يديه مع كل تكبيرة حتى يكون أطراف أصابع يديه بحذاء أذنيه، كما يفعل مثل ذلك عند التكبير فى الصلاة إذا كبر و هو قائم، فأما التكبير و هو منحط من الركوع أو منحط إلى السجود أو رافع منه فإنه لا يرفع يديه فى شيء من ذلك و يرفعهما إذا رفع رأسه من الركوع عند قوله: سمع اللّه لمن حمده، أنه يكون حينئذ قائما، و المصلى على الجنازة يكبر كل تكبيرة عليها و هو قائم فيرفع يديه مع كل تكبيرة، و قد ذكرنا فى كتاب الصلاة تأويل ذلك فى الباطن و بيناه بيانا شافيا؛ و جملة القول فى ذلك أن القيام فى الصلاة مثله مثل العمل فى دعوة الحق، و أن رفع اليدين فى التكبيرة فيه مثله مثل معرفة الإمام و الحجة و ذلك مما يوقف كل مرفوع من حد إلى حد من حدود دعوة الحق على معرفة ما يجب له أن يعرف فيها من حال إمام زمانه و حجته.

44

و يتلو ذلك ما جاء عنه (عليه السلام) أنه كان يكبر على الجنازة فى الصلاة عليها خمس تكبيرات و أنه سئل عن التكبير على الجنائز فقال: خمس تكبيرات، أخذ ذلك من الصلوات الخمس من كل صلاة تكبيرة فهذا فى الظاهر هو (1) الواجب أن يكبر على الجنازة فى الصلاة عليها خمس تكبيرات و قول جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أن ذلك أخذ من الصلوات الخمس من كل صلاة تكبيرة قول ظاهر و له باطن و باطنه ما قد تقدم القول به من أن باطن الصلاة دعوة الحق و أن باطن خمس صلوات، الدعوات الخمس دعوات أولى العزم من الرسل الذين أتوا بالشرائع عن اللّه عز و جل و هم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد (صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين)، و من ذلك قول اللّه جل و عز: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ «يعنى محمدا (صلى اللّه عليه و آله)» وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. و قال: فَاصْبِرْ كَمٰا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ؛ فالمنقول من حد إلى حد فى دعوة الحق لا بدّ أن يبين له ما يجب بيانه فى الحد الّذي ينقل إليه من أحوال أولى العزم أصحاب الشرائع و معانى شرائعهم و ما ينبغى ذكره فى كل حد من تأويلاتها، فذلك تأويل التكبيرات الخمس على الجنازة.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (عليه السلام) أنه قال من سبق ببعض التكبير فى صلاة الجنائز فليكبر، و يجعل ذلك أول صلاته فإذا انصرفوا لم ينصرف حتى يتم ما بقى عليه ثم ينصرف يعنى أنه يكبر إذا دخل مع من سبقه ثم يقول ما كان يقوله فى أول تكبيرة فإذا كبر الإمام قال ما كان يقوله فى الثانية و كذلك حتى يسلم الإمام فلا يسلم من سبق و يكبر، و يقضى ما بقى عليه من التكبير ثم يسلم بحسب ما يفعل من سبق ببعض الصلاة المكتوبة إذا دخل فيها مع جماعة يصلون بإمام، فهذا هو الواجب فى الصلاة على الجنائز فى الظاهر.

و تأويله فى الباطن أن من حضر المنقول من درجة إلى درجة من درجات دعوة الحق مع من ينقله من أسبابه الذين مثلهم مثل من يحضر الجنازة مع الإمام الّذي يصلى عليها فأصابه و قد فاتحه ببعض ما يجب مفاتحته مثله به فى ذلك الحد

____________

(1) من (فى ى).

45

و غاب عن ذلك الداخل، فعليه اعتقاد ما غاب عنه من ذلك بقلبه و أن يذكره فى نفسه لأنه لا يحضر مثل ذلك إلا من قد عرفه و لا يعرض عما فاته من المجلس إعراض من أسقطه لكن يذكره فى نفسه و يعتقده و يا بنى على ما لحق منه، و يتلو ذلك ما جاء عن الأئمة (صلوات اللّه عليهم) من القول فى الصلاة على الجنائز و أنه غير موقت إلا أنه يحمد اللّه و يوحده و يمجده من صلى على الجنازة بعد التكبيرة الأولى بما أمكنه و قدر عليه و يصلى على النبي و على آله بعد الثانية و يدعو للميت بعد الثلاثة و يدعو لجماعة المسلمين بعد الأربعة، و يصلى على النبي و آله بعد الخامسة و يسلم؛ فإن جمع ذلك فى كل تكبيرة فحسن، فهذا هو المأمور به فى ظاهر الصلاة على الجنائز، و تأويله فى الباطن التوفيق فى حد ذلك فى حدود الدعوة الباطنة من ينقل إليه على ما يجب إيقافه عليه من توحيد اللّه جل و عز و ما يجب ذكره فى ذلك من أمر الرسول و الأئمة (عليهم السلام) و أسبابهم من المؤمنين القائمين بدعوة الحق لهم؛ فافهموا أيها المؤمنون ما يلقى إليكم من علم ظاهر الدين و باطنه، و اعملوا بما أوجب اللّه عز و جل عليكم العمل به و اعتقدوا ما افترض عليكم اعتقاده، أعانكم اللّه على ذلك و فتح لكم فيه، و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة الأبرار من ذريته و سلم تسليما، حسبنا اللّه و نعم الوكيل

المجلس التاسع من الجزء السابع: [ذكر الدفن و القبور]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه المتعالى عن جميع خلقه المتطول عليهم بسوابغ إنعامه و فضله و رزقه، صلى اللّه على خيرته من بريته محمد نبيه و الأئمة من ذريته.

ثم إن الّذي يتلو ما تقدم القول فيه من تأويل ما جاء فى باب الجنائز من كتاب دعائم الإسلام قول أبى جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه): و إن كنت لا تعلم ما الميت فقل فى الدعاء له اللهم إنا لا نعلم إلا خيرا و أنت أعلم به فوله ما تولى و احشره مع من أحب، فهذا هو الّذي يجب فى الدعاء للميت الّذي لا يعلم حقائق أحواله علم اختبار يوقف منه على صحيح ما كان يعتقده و ما كان عليه أكثر من أنه على الإسلام، و تأويل ذلك فى الباطن أن يكون من يلى نقل المنقول

46

فى درجات دعوة الحق لا يعلم ممن ينقله إلا ظاهر ما هو عليه من الولاية و لا يعلم منه سوى ذلك فيرقيه على قدر ما يعلمه من ظاهر حاله إلى ما يستحقه أمثاله من الدرجات التى ينبغى لمن ظهر منهم مثل ذلك و لم يوقف على حقائق ما عندهم.

و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال: يقال فى فى الصلاة على المستضعف، ربنا وسعت كل شيء رحمة و علما فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك ... إلى قوله: و ذلك هو الفوز العظيم؛ فهذا فى الظاهر هو الّذي ينبغى أن يقال فى الصلاة على المستضعف و هو الّذي لا علم له بما ينتحله أهل الظاهر المخالفون لأولياء اللّه و أتباعهم من الباطل فيعتقد ذلك و يقول به و لا بما عند أولياء اللّه و من قال بقولهم من الحق فيهتدى به و يعتقد صوابه كسائر سواد العوام من الناس الذين لا علم لهم بأمر الدين و إنما فيهم أتباع من قرب منهم فى إقامة ظاهر فروضه و ما سهل من ذلك و خف عليهم و هم عوام الحشوية و غمار الناس و سوادهم و هم الأكثر فيهم و أمثالهم فى الباطن من المستجيبين إلى دعوة الحق من قصرت أفهامهم عن علم ما يلقى إليهم فلم يتسعوا فيه و لم يلقنوا أكثره غير أنهم يتعلقون بالولاية و يظهرون التمسك بأولياء اللّه و يأتمون بهم و يدخلون فى جملة أتباعهم فإذا أرقى هؤلاء من يلى أمرهم فى العلم من درجة إلى درجة أرقاهم إلى مثل ما يستحقه أمثالهم و فاتحهم بما يحتملونه و لم يحمل عليهم فوق ما يستطيعونه و عاملهم بمثل ما يفهمونه.

و يتلو ذلك ما جاء عن أهل البيت (صلوات اللّه عليهم) أنهم قالوا فى الصلاة على الناصب لأولياء اللّه المعادى لهم أنه يدعو عليه، و ذكروا فى الدعاء وجوها كثيرة و أنه ليس من ذلك شيء موقت، و الناصب فى الظاهر هو الّذي نصب العداوة لأولياء اللّه مخالفا لأمرهم غير داخل فى جملتهم و لا مقر بفضلهم و هو مع ذلك ينتحل ظاهر دعوة الإسلام، فالواجب فى الظاهر على من حضر جنازته و صلى عليه ألا يدعو له بخير كما يدعو لغيره من المسلمين، إذ كان قد علم ذلك منه علم حقيقة بل يدعو عليه بما يستحقه من الدعاء عليه، و مثله فى الباطن من نصب كذلك لأولياء اللّه و عاداهم ممن كان قد صار فى جملة المستجيبين إلى دعوتهم فصار بذلك منافقا، فهذا يحط من كان يلى أمره درجته و يضعه حيث وضع نفسه و قد ذكرنا فى ابتداء القول فى ذكر الجنائز أن مثل الميت مثل المنقول من درجة إلى درجة فى دعوة

47

الحق مرتفعا و منحطّا كما يكون كذلك فى الظاهر الميت المنقول عن الدنيا إلى الآخرة و قد ينقل إلى خير و قد ينقل إلى شر، و ذكرنا فى كتاب الطهارة فى تأويل غسل الميت مثل ذلك و أن الموت فى الباطن مثله مثل الكفر، و أوضحنا فى باب الجنائز ما هذا معنى ذلك فى كلام طويل و أن الموت موتان موت قبل الحياة كما كان الإنسان قبل أن يخلق مواتا و مثل ذلك مثل الكفر و موت بعد الخلق و مثله مثل النفاق فى وجه و مثل النقلة فى وجه، و النفاق كفر و قد قال بذلك بعض العامة و دفعه آخرون منهم فقالوا الكفر شيء و النفاق شيء و لا يطلق على المنافقين، قالوا اسم الكفر و أغفلوا أن اللّه جل و عز قد أطلق ذلك فى كتابه عليهم و ألزمهم إياه فقال جل من قائل: «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول اللّه و اللّه يعلم إنك لرسوله و اللّه يشهد إن المنافقين لكاذبون»؛ يعنى أنهم كذبوا على اعتقادهم فقالوا بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم. ثم قال: اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل اللّه إنهم ساء ما كانوا يعملون، ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون». فأخبر جل من مخبر أنهم قد كفروا بنفاقهم بقلوبهم و إن كانوا لم يظهروا ذلك بألسنتهم، و كذلك يكون فى الباطن من قصر عن أعمال أهل الدرجة التى هو فيها أو أحدث حدثا أو اقترف ما يوجب حطه عنها بقدر ما يوجبه ذلك من فعله و كان مثل ذلك مثل الموت فى الظاهر لأنه نقلة من حال إلى حال على سبيل ما قدمنا ذكره، و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه كان يقول فى الصلاة على الطفل: اللهم اجعله لنا سلفا و فرطا و أجرا، فهذا فيما ينبغى أن يقال فى الصلاة على الطفل فى موضع الدعاء للبالغ، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الطفل فى الظاهر مثل المستجيب فى الباطن إلى دعوة الحق المأخوذ عليه عهدها ما لم يبلغ إلى حد الإذن له فى الكلام بما يلقى إليه من الحكمة فيها، و هو على ذلك ينقل فيها من حد إلى حد فى ترتيب المفاتحة بالحكمة فإذا نقل فى ذلك من حد إلى حد فهو كذلك سلف و فرط لمن ينقله و له أجر ذلك على ما يتولى منه، و يتلوه قوله (صلوات اللّه عليه) أنه قال: إذا فرغت من الصلاة على الميت انصرفت بتسليم فهذا فى الظاهر كذلك يكون الانصراف من الصلاة على الميت فى الظاهر بتسليم، كما ينصرف من الصلاة و قد ذكرنا فيما تقدم أن تأويل التسليم

48

من الصلاة الظاهرة مثل التسليم لأولياء اللّه، فمثل التسليم عن اليمين مثل التسليم للأئمة و مثل التسليم عن الشمال مثل التسليم للحجج و أن سلامه عليهم إقراره بهم و بما أتوا به من الظاهر و الباطن و هذا فلا بد من توقيف المنقول من درجة إلى درجة عليه فى كل ما ينقل فيما يفاتح به و يؤمر فى أول ذلك و آخره باعتقاده و العمل به، و يتلو ذلك «ذكر الدفن و القبور» قد ذكرنا فيما تقدم أن الموت على ضربين فسرناهما و شرحناهما، و أن أحدهما محمود و الثانى مذموم و كذلك ذكرنا أن النقلة التى مثلها فى الباطن مثل الموت يكون على وجهين إلى خير و إلى شر، كما يكون كذلك النقلة بالموت من الدنيا إلى الآخرة نقلة إلى خير و نقلة إلى شر، و كذلك الدفن و القبر منه محمود و منه مذموم على ما يجرى عليه حال النقلة و المنقول، فالمحمود من ذلك أن القبر و الدفن إنما يكون فى الأرض و قد تقدم ذكر اللّه عز و جل ما أنعم به على البشر من ذلك، فقال: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفٰاتاً أَحْيٰاءً وَ أَمْوٰاتاً». يعنى أنها تكفت الخلق أحياء و أمواتا، و قال: «ثُمَّ أَمٰاتَهُ فَأَقْبَرَهُ». و قال فى قصة ابنى آدم: فَبَعَثَ اللّٰهُ غُرٰاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوٰارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قٰالَ يٰا وَيْلَتىٰ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هٰذَا الْغُرٰابِ فَأُوٰارِيَ سَوْأَةَ أَخِي». فجعل اللّه عز و جل الدفن و القبر للإنسان دون سائر الحيوان كرامة أكرمه بها و سترة إذا حال جسمه و تلاشى و تغير عن عيون الخلق، و أباح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) زيارة القبور، و سنذكر ذلك و ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه و آله) من تفضيلها و توقيرها و إكرامها، و قد تقدم القول بأن مثل الأرض فى الباطن مثل الحجة و جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال: «الأرض أمكم و هى بكم برة»، و كذلك ذكرنا أن الحجة مثله مثل الأرض و من ذلك قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعلى (عليه السلام): «أنا و أنت يا على أبوا المؤمنين»، فمثل الدفن فى القبر فى الحال المحمود مثل إرقاء المؤمن فى درجات الإيمان من درجة إلى درجة حتى يتصل بحجة زمانه فيصير إلى درجة النقباء، و هى أعلى درجات الإيمان للمؤمنين، و النقباء هم حجج الحجة و هم اثنا عشر نقيبا كما ذكر اللّه عز و جل ذلك فى كتابه فقال:

وَ بَعَثْنٰا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً. و ذلك أنه إذا قوى أمر صاحب الزمان و كمل كان له اثنا عشر نقيبا بكل جزيرة نقيب يدعون إليه و يقدر ما يتهيأ له من الإمكان و الزمان يكون ذلك، و ربما نقص منه، و الأرض اثنتا عشرة جزيرة و هى جزيرة العرب و جزيرة الروم و جزيرة الصقالبة و جزيرة النوب و جزيرة الخزر و جزيرة الهند و جزيرة السند

49

و جزيرة الزنج و جزيرة الحبش و جزيرة الصين و جزيرة الديلم و جزيرة البر بر فهذه جزائر الأرض و من كان منهم فيها من الأمم غير من ذكرت أسماؤها بهم فهم منسوبون إليهم، و كان موسى (عليه السلام) قد قوى أمره لأنه كان وسط السبعة النطقاء و هو الرابع، و كل رابع من الأئمة من كل أسبوع كذلك يكون أقواهم، و كذلك كان المهدى (صلوات اللّه عليه) رابع أسبوعه فقوى و أظهر اللّه عز و جل أمر أوليائه و فتح به و كذلك كل شيء أقواه وسطه فكان لموسى (عليه السلام)، كما قال اللّه عز و جل، من بنى إسرائيل اثنا عشر نقيبا يدعون إليه فى جميع جزائر الأرض، و من ذلك أنه لم تخل جزيرة من أن يكون فيها إلى اليوم من ينتحل شريعة موسى (عليه السلام) من اليهود، و لما حقت عليهم كلمة العذاب و ألزمهم اللّه عز و جل الذلة و المسكنة بما كسبت أيديهم عمهم ذلك أجمعين، فهم اليوم حيث كانوا أذلة تحت أيدى الأمم فى جميع الجزائر، فالنقباء كما ذكرنا أرفع المؤمنين درجة فمن بلغ من المؤمنين إلى درجة النقابة لم يرق بعد ذلك إلا إلى الحجة، و ذلك مثل الدفن المحمود لأن المدفون قد صار إلى الأرض التى مثلها فى الباطن مثل الحجة، و الميت المدفون فى الظاهر قد صار إلى آخر أمره كذلك لا يتزيد فى حسناته و لا يرتقى بعد ذلك إلى منزلة من منازل الدنيا كما ذلك فى الباطن على ما ذكرناه و الميت الّذي يلقى على وجه الأرض أو يصلب مثله فى حال الموت المحمود مثل الداعى الّذي يرفع فوق الدعاة و هو دون النقيب، لأن هذا إنما صار على وجه الأرض و لم يغب فيها، و منه قول اللّه جل ذكر حكاية عن يوسف (عليه السلام): وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ. و مثل الطير. أنهم فى الباطن الدعاة قول اللّه عز و جل: «وَ حُشِرَ لِسُلَيْمٰانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ». يعنى فى التأويل الباطن أتباعه من أهل الباطن و أهل الظاهر و الدعاة و قوله لإبراهيم: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك. و قد ذكرنا تأويل ذلك و بيانه، و أنه عنى فى الباطن أربعة من الدعاة؛ فافهموا أيها المؤمنون بيان التأويل و علم باطن الدين و التنزيل، فهمكم اللّه و علمكم و أوزعكم شكر ما أنعم به عليكم و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة الهداة من ذريته و سلم تسليما، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

50

المجلس العاشر من الجزء السابع: [ذكر اللحد]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الظاهر بما أظهر لخلقه من عجائب قدرته، الباطن بما أودع أولياءه و أهل المعرفة به من سرائر حكمته، و صلى اللّه على محمد نبيه و على الصفوة من ذريته.

ثم إن الّذي يتلو ما تقدم القول به من تأويل الجنائز من كتاب الدعائم نسقا على ذكر تأويل الموت و الدفن المحمودين اللذين ذكرنا أن لهما ضدين مذمومين إذ كان الموت فى الظاهر كما ذكرنا نقلة من الدنيا إلى الآخرة و تجمع نقلتين منهما نقلة محمودة لمن صار إلى رحمة اللّه و نقلة مذمومة لمن صار إلى عذابه، و الحمد فى ذلك و الذم للمنقول، فأما النقلة فى ذاتها التى تفرعت الحالتان منها فنقلة حكمة لا يلحقها ذم و لا عيب لأنها فعل البارى جل و عز، و الحمد فى ذلك و الذم للمخلوق و المنقول بما أوجبته أعماله التى فوض فيها إليه و اختباره الّذي أوجب ذلك له و الموت المذموم من يصير إليه موت الكفر و ما يوجبه من النفاق و غيره و مثل ذلك مثل الموت فى الظاهر المنقول صاحبه إلى عذاب اللّه الدائم فى دار الآخرة، و مثل ذلك فى تأويل الباطن مثل المرتد عن إيمانه إلى الكفر و النفاق فما دونهما من سوء الأعمال الموجبة لنقلته عن الدرجة التى كان عليها و حطه عنها إلى ما دونها على ما قدمنا شرحه و بيانه، فمن كان قد آمن ثم أفسد إيمانه رجع إلى ما كان عليه من الكفر و الضلال قبل الإيمان، و مثل القبور فى هذا الوجه فى التأويل الباطن مثل أهل الكفر و الضلال فيرجع المنقول المذموم الّذي أفسد إيمانه إلى جملتهم بحسب ما كان، و من ذلك قول اللّه عز و جل من قائل: «أَلْهٰاكُمُ التَّكٰاثُرُ حَتّٰى زُرْتُمُ الْمَقٰابِرَ كَلّٰا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّٰا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلّٰا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ». و هذا و عيد من اللّه جل و عز تواعد به من أخرج من الإيمان و ارتد إلى الكفر و القبور كما ذكرنا فى التأويل هاهنا أهل الضلال و زيارتهم الرجوع إليهم على ما بينا من القول فى ذلك و سؤالهم عن النعيم هو كما قال جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) لبعض أوليائه و تلا هذه الآية ما يقول فيها هؤلاء؟

يعنى العامة قال: يقولون إن النعيم الّذي يسألون عنه شرب الماء البارد؛ فقال: لئن

51

كان ذلك ليطولن سؤالهم و اللّه جل و عز أكرم من أن يبيح لعباده ذلك ثم يسألهم عنه، و لكن نحن النعيم الّذي أنعم اللّه عليهم بنا و عنا يسألون و عما ضيعوه من حقنا، فهذه جملة القول فى تأويل باطن الموت و القبور و الدفن مع ما تقدم ذكره من ذلك فى المجلس الّذي قبل هذا المجلس، فالقبر للمؤمن محمود و للكافر مذموم كما ذكرنا مثل ذلك فى الموت و من ذلك قول أبى ذر رحمة اللّه عليه: الدنيا سجن المؤمن و القبر بيته و الجنة مأواه و الدنيا جنة الكافر و القبر سجنه و الجحيم مأواه.

و يتلو ذلك من كتاب الدعائم ما جاء عن الأئمة (صلوات اللّه عليهم) من ذكر اللحد و هو الّذي يشق فى جانب القبر بطوله مما يلى القبلة منة ليضجع الميت فيه و الضريح و هو الّذي يشق فى وسطه لمثل ذلك و أن كلاهما مباح، و ذلك كذلك فى الظاهر و مثله فى الباطن توجه المنقول إلى هذه الدرجة، و قد منا ذكرها إلى إمام زمانه و مثله مثل القبلة بقدر ما يوجبه حاله من الزمان الّذي ينقل فيه من قربه منه، أو بعده عنه كما يقرب اللحد من حائط القبلة من القبر و يبعد الضريح قليلا عن ذلك و وجه الميت إليها.

و يتلوه ما جاء من فرش اللحد إذا احتيج إلى ذلك و مثله فى الباطن ما تقدم للمنقول هذه الدرجة من الّذي يعتمد عليه فيها إذا احتاج إلى ذلك.

و يتلوه ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: لا ينزل المرأة فى قبرها:

إلا من كان يراها فى حياتها و يكون أولى الناس بها يلى مؤخرها و أولاهم بالرجل يلى مقدمه؛ فهذا كذلك يجب فى ظاهر الأمر فى دفن الموتى، و تأويله ما قد تقدم القول به من أن مثل المرأة مثل المستفيد و مثل الرجل مثل من يفيده و لا ينقل المؤمن من درجة إلى درجة فى درجات الإيمان إلا من كان يفيده و من هو أعلى منه، و ذلك مثل رؤيته إياه و هو اطلاعه على أعماله التى كانت تجرى له على يديه فهو يلى نقلته و يلى منه موضع عودته، و ذلك ما لم يكن يكشفه من العلم الّذي أفاده لغيره فى وجه، و ما كان من مساويه المستورة فى وجه آخر، و قد بينا تأويل ذلك و شرحناه شرحا شافيا فيما تقدم.

و يتلو قوله (صلوات اللّه عليه) من أنه كره أن ينزل الرجل فى قبر ولده خوفا من رقة قلبه عليه فهذا مما ينبغى فى الظاهر ألا ينزل الرجل ولده فى قبره إشفاقا عليه مما يدركه من الرقة و الحزن إذا ولى ذلك منه، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم

52

القول به من أن الوالد مثل الداعى فمن فوقه من الحدود، و أمثال الأولاد أمثال المستجيبين لدعوة الحق ممن دونهم و ذكرنا فيما تقدم أنه إذا حضر نقلة المنقول من هو أعلى من داعيه كان أمره إليه ألا يتقدم فى ذلك مفضول فاضلا فيكون الّذي يلى المنقول غير أبيه الّذي هو أقرب إليه.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أنه قال: باب القبر مما يلى رجلى الميت؛ فمنه يجب أن ينزل فيه و يصعد منه. فهذا فى الظاهر هو الواجب أن ينزل فى القبر و يصعد من أراد النزول إليه و الصعود منه من قبل رجلى الميت، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الرجلين اللتين عليهما التصرف و بهما السعى مثل الإمام و الحجة فمن قبلهما يكون نقل من ينقل المنقول فى درجات دعوة الحق.

و يتلوه ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال لقوم أنزلوا ميتا فى قبره:

استقبلوه استقبالا، يعنى ضعوه على شفير قبره مما يلى القبلة و استقبلوه فخذوه على أيديكم و أنزلوه فى قبره؛ و قال فى لحده: و قولوا على ملة اللّه و ملة رسول اللّه. فهذا مما ينبغى لمن أنزل ميتا فى قبره فى الظاهر أن يقوله و يفعله به و هو خلاف السل الّذي يفعله بعض العامة يجعلون رأس الميت عند موضع رجليه فى القبر ثم يسلونه من قبل رأسه من السرير فينزلونه فى القبر كذلك و هو مما يرغب عنه، و السنة الاستقبال و تأويله فى الباطن أن على من كان يلى أمر المنقول إلى أعلى درجات المؤمنين على ما قدمنا من بيان ذلك إذا أراد أن يسلمه إلى حجة الزمان كما ذكرنا أن يستقبله بما ينبغى أن يستقبل به مثله من التأييد و المفاتحة مما يؤكد عنده به ملة اللّه و ملة رسوله.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه أمر أن يبسط على قبر عثمان بن مظعون ثوب، و هذا جائز فى ظاهر الأمر و مثله فى الباطن ستر المنقول إلى أعلى الدرجات على ما قدمنا ذكره إلى أن يصير إلى حيث يصير إليه مما ينقل فيه

و يتلوه عنه (صلوات اللّه عليه) أنه أمر قوما أنزلوا ميتا فى قبره أن يضعوه فى لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة و لا يكبوه لوجهه و لا يلقوه لقفاه ثم قال للذى يليه:

53

ضع يدك على أنفه حتى يتبين لك استقباله القبلة، ثم قال: قولوا اللهم لقنه حجته و صعد روحه و لقه منك رضوانا، فهذا مما ينبغى لمن الحد ميتا فى الظاهر أن يفعله به و يقوله عند إلحاده إياه و تأويله فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن الاستقبال بالذى يرقى إلى مثل هذه الدرجة إمام زمانه الّذي مثله مثل القبلة و توفيقه على الاعتماد عليه و ذلك مثل إضجاعه على جنبه الأيمن و مثله مثل إمام الزمان أيضا.

و يتلو ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه كان إذا حضر دفن جنازة حثا فى القبر ثلاث حثيات يعنى من التراب، و عن على (عليه السلام) أنه كان إذا حثا فى القبر قال إيمانا بك و تصديقا لرسولك و إيقانا ببعثك، هذا ما وعد اللّه و رسوله و صدق اللّه و رسوله: و قال؛ من فعل هذا كان له بكل ذرة من التراب حسنة فهذا مما ينبغى أن يفعله من شهد دفن الميت فى الظاهر، و تأويله فى الباطن ما تقدم القول به من أن مثل الدفن مثل نقل المنقول إلى أعلى درجات دعوة الحق و ذلك اتصاله بحجة زمانه، و مثل ثلاث حثيات مثل ما كان ارتقى به إلى ذلك من أول ابتدائه و هو باب داعيه الّذي كسر أولا عليه و الداعى الّذي دعاه و النقيب الّذي أقام الداعى لدعوته فلكل واحد منهم جزء من ثواب ما ارتقى إليه و وصل إلى اتصال من اتصل به بقدر الحثية مما أحاط به من التراب يشركونه فى فضل ذلك و ثوابه بقدر ما عنوا به منه كما يكون ثواب مثل ذلك فى الظاهر لمن دفن ميتا و أعان بمثله فى دفنه.

و يتلو ذلك ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه رفع إليه أن رجلا مات بالرستاق على رأس فراسخ من الكوفة فحملوه إلى الكوفة، فأنهكهم عقوبة و قال: ادفنوا الأجساد فى مصارعها و لا تفعلوا فعل اليهود ينقلون موتاهم إلى بيت المقدس؛ و قال (عليه السلام)، لما كان يوم أحد أقبلت الأنصار تحمل قتلاها إلى دورهم، فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مناديا فنادى: ادفنوا الأجساد فى مصارعها فهذا هو الواجب فى ظاهر الأمر، و يكره نقل الميت من المكان الّذي يموت فيه إلى غيره إذا بعد، و تأويله أن المنقول إلى الدرجة التى قدمنا ذكرها لا ينقل إليها إلا بحضرة حجة إمام زمانه و لا ينبغى لمن ينقله إليها بغير حضرته و ينقله فيما دون ذلك حيث كان، و يلى إيصاله إليه بنفسه إذا رأى صاحب الأمر اختصاصه و أخذه إليه و لا يرسله

54

دون أن يوصله و يكون نقله إلى صاحب الأمر الّذي يختاره لذلك و يصطفيه.

و يتلو ذلك أن عليّا (صلوات اللّه عليه) لما دفن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ربع قبره؛ و هذه هى السنة فى القبور أن تربع و لا تسنم، و قال قوم بالتسنيم و دليل ذلك أن حفير القبر مربع و كذلك يكون علامته من فوقه و تأويل ذلك أن دعوة الحق إليه كان فيها المنقول مثلها مثل البيت مربعا و مثل تربيعه أن دعوة الحق إنما تقوم بإمام و حجة و داع و مأذون، فالمأذون يكسر للداعى و يدل عليه و الداعى يفعل مثل ذلك للحجة، و الحجة يفعل للإمام لأنه إليه يدعو ما دام حيّا فإذا انتقل صار الأمر إليه و أقام حجة مكانه يدعو إليه كذلك يكون باطن القبر و ظاهره مثلا لذلك.

و يتلو ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه لما دفن عثمان بن مظعون دعا بحجر، فوضعه عند رأس القبر و قال: يكون علما لأدفن إليه قرابتى فتعليم القبور فى الظاهر بالبناء و غيره مباح فى الظاهر و تأويل ذلك فى الباطن علامة المنقول إلى مثل ذلك من درجات الفضل بما يعرف به فضله و محله.

و يتلو ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) من أنه كره أن يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع و أن يزاد عليه تراب غير ما خرج منه، فهذا هو الواجب فى الظاهر و تأويله فى الباطن ألا يعمق المنقول إلى تلك الدرجة فى أكثر مما ينبغى له أن يعلمه فى درجته تلك من علم الإمام و الحجة و الداعى و لا يزاد فوق ذلك.

و يتلوه ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه رش على قبر عثمان ابن مظعون ماء بعد أن سوى عليه التراب، فذلك مما يستحب أن يفعل فى الظاهر، و تأويله فى الباطن ما يمده حجة إمام الزمان من ينقله إليه و يدخله فى جملته من العلم و الحكمة و مثل ذلك مثل الماء على ما تقدم البيان.

و يتلوه ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه رخص فى زيارة القبور و قال إن ذلك يذكر كم الآخرة، و أن فاطمة (عليها السلام) كانت تزور قبور الشهداء و هذا مرخص فيه مباح فى الظاهر أن يزور الحى قبر الميت، و تأويل ذلك ما قد تقدم القول به من أن الموت و الدفن على ضربين محمود و مذموم فالمحمود منه النقلة إلى درجات الفضل و من نقل إليها فمباحة زيارته و افتقاده و المشى إليه من نقل إلى ضد ذلك من السفل و الانحطاط لم يجب زيارته و لا تعاهده و ذلك من قول اللّه