دعائم الإسلام - ج1

- ابو حنيفة المزيد...
398 /
1

الْجُزْءُ الْأَوَّلُ

مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ وَ ذِكْرِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ الْقَضَايَا وَ الْأَحْكَامِ للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ بِهِ نَسْتَعِينُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اسْتِفْتَاحاً بِحَمْدِهِ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَ عَبْدِهِ وَ عَلَى الْأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَجْمَعِينَ أما بعد فإنه لما كثرت الدعاوي و الآراء و اختلفت المذاهب و الأهواء و اخترعت الأقاويل اختراعا و صارت الأمة فرقا و أشياعا و دثر أكثر السنن فانقطع و نجم حادث البدع و ارتفع و اتخذت كل فرقة من فرق الضلال رئيسا لها من الجهال فاستحلت بقوله الحرام و حرمت به الحلال تقليدا له و اتباعا لأمره بغير برهان من كتاب و لا سنة و لا بإجماع جاء عن الأئمة و الأمة تَذَكَّرْنَا عِنْدَ ذَلِكَ

قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)

لَتَسْلُكُنَّ سُبُلَ الْأُمَمِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ وَ بَاعاً بِبَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا خَشْرَمَ دَبْرٍ لَسَلَكْتُمُوهُ

فَكَانَتِ الْأُمَّةُ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ مِنْهَا بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ الَّذِينَ افْتَرَضَ طَاعَتَهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَنْ حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبَأَهُ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ-

2

بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ

وَ رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ

أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا صَامُوا لَهُمْ وَ لَا صَلَّوْا إِلَيْهِمْ وَ لَكِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً فَاسْتَحَلُّوهُ وَ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالًا فَحَرَّمُوهُ

وَ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ

إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ

. فقد رأينا و بالله التوفيق عند ظهور ما ذكرناه أن نبسط كتابا جامعا مختصرا يسهل حفظه و يقرب مأخذه و يغني ما فيه من جمل الأقاويل عن الإسهاب و التطويل نقتصر فيه على الثابت الصحيح مما رويناه عن الأئمة من أهل بيت رسول الله(ص)من جملة ما اختلفت فيه الرواة عنهم في دعائهم الإسلام و ذكر الحلال و الحرام و القضايا و الأحكام-

فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ

بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى سَبْعِ دَعَائِمَ الْوَلَايَةِ وَ هِيَ أَفْضَلُهَا وَ بِهَا وَ بِالْوَلِيِّ يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا وَ الطَّهَارَةِ وَ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ

فهذه دعائم الإسلام نذكرها إن شاء الله بعد ذكر الإيمان الذي لا يقبل الله تعالى عملا إلا به و لا يزكو عنده إلا من كان من أهله و نشفعها بذكر الحلال و الحرام و القضايا و الأحكام لما في ذلك من التعبد و المفروضات في الأشرية و البياعات و المأكولات و المشروبات و الطلاق و المناكحات و المواريث و الشهادات و سائر أبواب الفقه المثبتات الواجبات و بالله نستعين و إياه نستوهب التوفيق لما يزكو لديه و يزدلف به إليه وَ هُوَ حَسْبُنَا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ

3

[مقدمة في أصول الدين]

ذِكْرُ الْإِيمَانِ

رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ

الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَ تَصْدِيقٌ بِالْجَنَانِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ

و هذا الذي لا يصح غيره لا كما زعمت المرجئة أن الإيمان قول بلا عمل و لا كالذي قالت الجماعة من العامة إن الإيمان قول و عمل فقط و كيف يكون ما قالت المرجئة إنه قول بلا عمل و هم و الأمة مجمعون على أن من ترك العمل بفريضة من فرائض الله عز و جل التي افترضها على عباده منكرا لها أنه كافر حلال الدم ما كان مصرا على ذلك و إن أقر بالله و وحده و صدق رسوله بلسانه إلا أنه يقول هذه الفريضة ليست مما جاء به و قد قال الله عز و جل وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ فأخرجهم من الإيمان بمنعهم الزكاة و بذلك استحل القوم أجمعون بعد رسول الله(ص)دماء بني حنيفة و سبى ذراريهم و سموهم أهل الردة إذ منعوهم الزكاة.

وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)أَنَّهُ قَالَ

قَالَ أَبِي (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ)يَوْماً لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ يَا جَابِرُ هَلْ فَرَضَ اللَّهُ الزَّكَاةَ عَلَى مُشْرِكٍ قَالَ لَا إِنَّمَا فَرَضَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ أَنَا لَهُ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ

قَالَ جَابِرٌ كَأَنِّي وَ اللَّهِ مَا قَرَأْتُهَا وَ إِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ فِيمَنْ أَشْرَكَ بِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ص)وَ أَعْطَى زَكَاتَهُ مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ دُونَهُ

و الكلام في مثل هذا يطول. و قول الجماعة أن الإيمان قول و عمل بغير اعتقاد نية محال لأنهم قد أجمعوا على أن رجلا لو أمسك عن الطعام و الشراب يومه إلى الليل و هو لا ينوي الصوم لم

4

يكن صائما و لو قام و ركع و سجد و هو لا ينوي الصلاة لم يكن مصليا و لو وقف بعرفة و هو لا ينوي الحج لم يكن حاجا و لو تصدق بماله كله و هو لا ينوي به الزكاة لم يجزه من الزكاة و كذلك قالوا في عامة الفرائض فثبت أن ما قال الإمام(ع)من أن الإيمان قول و عمل و نية هو الثابت الذي لا يجزي غيره.

وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ

إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَ إِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِامْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا أَوْ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ

و الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أن الجنة حق و النار حق و البعث حق- وَ أَنَّ السّٰاعَةَ آتِيَةٌ لٰا رَيْبَ فِيهٰا و التصديق بأنبياء الله و رسله و الأئمة و معرفة إمام الزمان و التصديق به و التسليم لأمره و العمل بما افترض الله تعالى على عباده العمل به و الانتهاء عما نهي عنه و طاعة الإمام و القبول منه.

وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)

أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنْ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ مَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَمَلًا إِلَّا بِهِ قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ أَعْلَى الْأَعْمَالِ دَرَجَةً وَ أَشْرَفُهَا مَنْزِلَةً وَ أَسْنَاهَا حَظّاً قَالَ السَّائِلُ قُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ أَ قَوْلٌ وَ عَمَلٌ أَمْ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ قَالَ الْإِيمَانُ عَمَلٌ كُلُّهُ وَ الْقَوْلُ بَعْضُ ذَلِكَ الْعَمَلِ بِفَرْضٍ مِنَ اللَّهِ بَيِّنٍ فِي كِتَابِهِ وَاضِحٍ نُورُهُ ثَابِتَةٍ حُجَّتُهُ يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَ يَدْعُو إِلَيْهِ قَالَ قُلْتُ بَيِّنْ لِي ذَلِكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَتَّى أَفْهَمَهُ قَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ حَالاتٌ وَ دَرَجَاتٌ وَ طَبَقَاتٌ وَ مَنَازِلُ فَمِنْهُ التَّامُّ الْمُنْتَهَى تَمَامُهُ وَ مِنْهُ النَّاقِصُ الْبَيِّنُ نُقْصَانُهُ وَ مِنْهُ الرَّاجِحُ رُجْحَانُهُ قَالَ قُلْتُ وَ إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَتِمُّ وَ يَنْقُصُ وَ يَزِيدُ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَرَضَ الْإِيمَانَ عَلَى جَوَارِحِ ابْنِ آدَمَ وَ قَسَّمَهُ عَلَيْهَا وَ فَرَّقَهُ فِيهَا فَلَيْسَ مِنْ جَوَارِحِهِ جَارِحَةٌ إِلَّا وَ قَدْ

5

وُكِلَتْ مِنَ الْإِيمَانِ بِغَيْرِ مَا وُكِلَتْ بِهِ أُخْتُهَا فَمِنْهَا قَلْبُهُ الَّذِي بِهِ يَعْقِلُ وَ يَفْقَهُ وَ يَفْهَمُ وَ هُوَ أَمِيرُ بَدَنِهِ الَّذِي لَا تورد [تَرِدُ الْجَوَارِحُ وَ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهَا عَيْنَاهُ اللَّتَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَ أُذُنَاهُ اللَّتَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا وَ يَدَاهُ اللَّتَانِ يَبْطِشُ بِهِمَا وَ رِجْلَاهُ اللَّتَانِ يَمْشِي بِهِمَا وَ فَرْجُهُ الَّذِي الْبَاهُ مِنْ قِبَلِهِ وَ لِسَانُهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ رَأْسُهُ الَّذِي فِيهِ وَجْهُهُ فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ جَارِحَةٌ إِلَّا وَ قَدْ وُكِلَتْ مِنَ الْإِيمَانِ بِغَيْرِ مَا وُكِلَتْ بِهِ أُخْتُهَا بِفَرْضٍ مِنَ اللَّهِ يَشْهَدُ بِهِ الْكِتَابُ فَفَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ وَ فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى اللِّسَانِ وَ فَرَضَ عَلَى اللِّسَانِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ وَ فَرَضَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْيَدَيْنِ وَ فَرَضَ عَلَى الْيَدَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ وَ فَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْفَرْجِ وَ فَرَضَ عَلَى الْفَرْجِ غَيْرَ مَا فَرَضَ عَلَى الْوَجْهِ فَأَمَّا مَا فَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ فَالْإِقْرَارُ وَ الْمَعْرِفَةُ وَ الْعَقْدُ وَ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هُوَ الْوَاحِدُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَهاً وَاحِداً أَحَداً صَمَداً لَمْ يَتَّخِذْ

صٰاحِبَةً وَ لٰا وَلَداً

وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ(ص)وَ الْإِقْرَارُ بِمَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ وَ ذَلِكَ مَا فَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْإِقْرَارِ وَ الْمَعْرِفَةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

أَلٰا بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ

وَ قَالَ

الَّذِينَ قٰالُوا آمَنّٰا بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ

فَذَلِكَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْإِقْرَارِ وَ الْمَعْرِفَةِ وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ هُوَ رَأْسُ الْإِيمَانِ وَ فَرَضَ عَلَى اللِّسَانِ الْعَقْلَ وَ التَّعْبِيرَ عَنِ الْقَلْبِ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ فَقَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا وَ مٰا أُنْزِلَ إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ

6

وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطِ وَ مٰا أُوتِيَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ وَ مٰا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لٰا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

وَ قَالَ

قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً

وَ قَالَ

وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً

وَ قَالَ

وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ

وَ أَشْبَاهَ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْقَوْلِ بِهِ فَهَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى اللِّسَانِ وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ فَرَضَ عَلَى السَّمْعِ الْإِصْغَاءَ إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنِ الِاسْتِمَاعِ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهُ وَ عَنِ الْإِصْغَاءِ إِلَى مَا أَسْخَطَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَالَ فِي ذَلِكَ

وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اللّٰهِ يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا فَلٰا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ

ثُمَّ اسْتَثْنَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَ قَالَ

وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ

وَ قَالَ

فَبَشِّرْ عِبٰادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ

ثُمَّ قَالَ

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلٰاتِهِمْ خٰاشِعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ

وَ قَالَ

وَ إِذٰا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ

وَ قَالَ

وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً

فَهَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى السَّمْعِ مِنَ التَّنَزُّهِ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْبَصَرِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ أَنْ يَغُضَّ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ

يَعْنِي مِنْ أَنْ

7

يَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى فَرْجِ أَخِيهِ وَ يَحْفَظَ فَرْجَهُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنَ الزِّنَى إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ فَإِنَّهَا مِنَ النَّظَرِ ثُمَّ نَظَمَ مَا فَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ وَ اللِّسَانِ وَ السَّمْعِ وَ الْبَصَرِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ

وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ مٰا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لٰا أَبْصٰارُكُمْ وَ لٰا جُلُودُكُمْ

يَعْنِي بِالْجُلُودِ الْفُرُوجَ وَ الْأَفْخَاذَ فَهَذَا مَا فَرَضَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَ هُوَ عَمَلُهُمَا وَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ فَرَضَ عَلَى الْيَدَيْنِ أَنْ لَا يُبْطَشَ بِهِمَا إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَنْ تُبْطَشَا إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ فَرَضَهُ عَلَيْهِمَا مِنَ الصَّدَقَةِ وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الطُّهْرِ لِلصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا

وَ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلٰا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبٰارَ

وَ قَالَ

فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً

فَهَذَا أَيْضاً مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْيَدَيْنِ لِأَنَّ الضَّرْبَ مِنْ عِلَاجِهِمَا وَ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ فَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ أَنْ لَا يُمْشَى بِهِمَا إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَ أَنْ تَنْطَلِقَا إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ فَرَضَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَشْيِ فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي ذَلِكَ-

وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبٰالَ طُولًا

وَ قَالَ

وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ

8

وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوٰاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ

وَ قَالَ

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ

وَ قَالَ

وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ

فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَيْدِي وَ الْأَرْجُلُ عَلَى أَنْفُسِهَا وَ عَلَى أَرْبَابِهَا مِنْ نُطْقِهَا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ فَرَضَ عَلَيْهَا-

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ

فَهَذَا أَيْضاً مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ وَ هُوَ عَمَلُهُمَا وَ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ فَرَضَ عَلَى الْوَجْهِ السُّجُودَ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

فَهَذِهِ فَرِيضَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى الْوَجْهِ وَ الْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ-

وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً

فَهَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْجَوَارِحِ مِنَ الطَّهُورِ وَ الصَّلَاةِ وَ سَمَّى الصَّلَاةَ إِيمَاناً فِي كِتَابِهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا صَرَفَ وَجْهَ نَبِيِّهِ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ(ص)أَ رَأَيْتَ صَلَاتَنَا هَذِهِ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّيهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا حَالُهَا وَ حَالُنَا فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي ذَلِكَ-

وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ بِالنّٰاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ

فَسَمَّى الصَّلَاةَ إِيمَاناً فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَافِظاً لِجَوَارِحِهِ مُوفِياً كُلَّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا لَقِيَ اللَّهَ كَامِلَ الْإِيمَانِ وَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ مَنْ خَانَ اللَّهَ شَيْئاً مِنْهَا وَ تَعَدَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ لَقِيَ اللَّهَ نَاقِصَ الْإِيمَانِ قَالَ السَّائِلُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَدْ فَهِمْتُ نُقْصَانَ الْإِيمَانِ وَ تَمَامَهُ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ زِيَادَتُهُ وَ مَا الْحُجَّةُ فِي زِيَادَتِهِ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَيَانَ

9

ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ

وَ إِذٰا مٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زٰادَتْهُ هٰذِهِ إِيمٰاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزٰادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ كٰافِرُونَ

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْنٰاهُمْ هُدىً

وَ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ وَاحِداً لَا نُقْصَانَ فِيهِ وَ لَا زِيَادَةَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى أَحَدٍ وَ لَاسْتَوَتِ النِّعَمُ فِيهِ وَ لَاسْتَوَى النَّاسُ وَ بَطَلَ التَّفْضِيلُ وَ لَكِنْ بِتَمَامِ الْإِيمَانِ دَخَلَ الْمُؤْمِنُونَ الْجَنَّةَ وَ بِرُجْحَانِهِ وَ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ تَفَاضَلَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ وَ بِالنُّقْصَانِ مِنْهُ دَخَلَ الْمُقَصِّرُونَ النَّارَ قَالَ السَّائِلُ قُلْتُ وَ إِنَّ الْإِيمَانَ دَرَجَاتٌ وَ مَنَازِلُ يَتَفَاضَلُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ السَّائِلُ قُلْتُ صِفْ لِي كَيْفَ ذَلِكَ حَتَّى أَفْهَمَهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَبَّقَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا يُسَبَّقُ بَيْنَ الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ ثُمَّ قَبِلَهُمْ عَلَى دَرَجَاتِهِمْ فِي السَّبْقِ إِلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عَلَى دَرَجَةِ سَبْقِهِ لَا يَنْقُصُهُ فِيهَا مِنْ حَقِّهِ لَا يَتَقَدَّمُ مَسْبُوقٌ سَابِقاً وَ لَا مَفْضُولٌ فَاضِلًا فَبِذَلِكَ فَضَلَ أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ آخِرَهَا وَ بِذَلِكَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ص)أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مِنْهُمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ سَبَقَ إِلَى الْإِيمَانِ فَضْلٌ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ لَلَحِقَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، نَعَمْ وَ لَتَقَدَّمَهُمْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لِأَنَّا قَدْ نَجِدُ كَثِيراً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْآخِرِينَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنَ الْأَوَّلِينَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ صَلَاةً وَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ صَوْماً وَ حَجّاً وَ جِهَاداً وَ إِنْفَاقاً وَ لَوْ لَمْ تَكُنْ سَوَابِقُ يَفْضُلُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً لَكَانَ الْآخِرُونَ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ يُقَدَّمُونَ عَلَى الْأَوَّلِينَ وَ لَكِنْ أَبَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُدْرِكَ آخِرُ دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ أَوَّلَهَا أَوْ يُقَدَّمَ فِيهَا مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ أَوْ يُؤَخَّرَ فِيهَا مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَمَّا نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْإِيمَانِ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ

10

السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ

قَالَ

وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

وَ قَالَ

وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ

وَ قَالَ

لِلْفُقَرٰاءِ الْمُهٰاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً وَ يَنْصُرُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ هُمُ الصّٰادِقُونَ

وَ قَالَ

وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّٰارَ وَ الْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لٰا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ الَّذِينَ جٰاؤُا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لٰا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ

فَبَدَأَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ عَلَى دَرَجَةِ سَبْقِهِمْ ثُمَّ ثَنَّى بِالْأَنْصَارِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فَوَضَعَ كُلَّ قَوْمٍ عَنْ دَرَجَاتِهِمْ وَ مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ وَ ذَكَرَ اسْتِغْفَارَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ لِيَدُلَّ عَلَى فَضْلِ مَنَازِلِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ مَا فَضَّلَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجٰاتٍ وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ

وَ قَالَ

وَ لَقَدْ فَضَّلْنٰا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلىٰ بَعْضٍ

وَ قَالَ

هُمْ دَرَجٰاتٌ عِنْدَ اللّٰهِ

وَ قَالَ

وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ

وَ قَالَ

الَّذِينَ آمَنُوا

11

وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰائِزُونَ

وَ قَالَ

وَ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجٰاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً

وَ قَالَ

لٰا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قٰاتَلَ أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قٰاتَلُوا وَ كُلًّا وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ

وَ قَالَ

يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ

فَهَذِهِ دَرَجَاتُ الْإِيمَانِ وَ مَنَازِلُهُ وَ وُجُوهُهُ وَ حَالاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَ تَفَاضُلُهُمْ فِي السَّبْقِ وَ لَا يَنْفَعُ السَّبْقُ بِلَا إِيمَانٍ وَ مَنْ نَقَصَ إِيمَانَهُ أَوْ هَدَمَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ تَقَدُّمُهُ وَ لَا سَابِقَتُهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخٰاسِرِينَ

قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ص)

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ

قَالَ كُفْرُهُ بِهِ تَرْكُهُ الْعَمَلَ بِالَّذِي أُمِرَ بِهِ

و هذا أيضا مما يؤيد القول الذي قدمناه من أن الإيمان قول و عمل و اعتقاد و لن يكون القول و العمل و الاعتقاد إلا مع الإيمان و التصديق فحينئذ يكمل الإيمان و من قال و عمل و اعتقد خلاف الإيمان و الحق لم يكن مؤمنا و لم ينفعه عمله و لو أدأب نفسه قال الله عز و جل وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً و قال عز و جل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خٰاشِعَةٌ عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ تَصْلىٰ نٰاراً حٰامِيَةً و الدلائل على ذلك كثيرة

12

ذِكْرُ فَرْقِ مَا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَ الْإِسْلَامِ

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ قَالَ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لٰا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلٰامَكُمْ بَلِ اللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ وَ قَالَ فَأَخْرَجْنٰا مَنْ كٰانَ فِيهٰا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمٰا وَجَدْنٰا فِيهٰا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فدل ظاهر كتاب الله جل ذكره على أن الإيمان شيء و الإسلام شيء لا على أنهما شيء واحد كما زعم بعض العامة-

وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)أَنَّهُ قَالَ

الْإِيمَانُ يَشْرَكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامُ لَا يَشْرَكُ الْإِيمَانَ الْإِسْلَامُ هُوَ الظَّاهِرُ وَ الْإِيمَانُ هُوَ الْبَاطِنُ الْخَالِصُ فِي الْقَلْبِ

وَ عَنْهُ(ص)

أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ الْإِيمَانُ مَا كَانَ فِي الْقُلُوبِ وَ الْإِسْلَامُ مَا تُنُوكِحَ عَلَيْهِ وَ وُرِّثَ وَ حُقِنَتْ بِهِ الدِّمَاءُ وَ الْإِيمَانُ يَشْرَكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامُ لَا يَشْرَكُ الْإِيمَانَ

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ص)أَنَّهُ قَالَ

الْإِيمَانُ يَشْرَكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامُ لَا يَشْرَكُ الْإِيمَانَ ثُمَّ أَدَارَ وَسَطَ رَاحَتِهِ دَائِرَةً وَ قَالَ هَذِهِ دَائِرَةُ الْإِيمَانِ ثُمَّ أَدَارَ حَوْلَهَا دَائِرَةً أُخْرَى وَ قَالَ هَذِهِ دَائِرَةُ الْإِسْلَامِ

أدارهما على مثل هذه الصورة فمثل الإسلام بالدائرة الخارجة و الإيمان بالدائرة الداخلة لأنه معرفة القلب كما تقدم القول فيه و بأنه إيمان يشرك

13

الإسلام و لا يشركه الإسلام يكون الرجل مسلما غير مؤمن و لا يكون مؤمنا إلا و هو مسلم و هذا يؤيد ما قدمناه في الباب الذي قبل هذا الباب أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِعَقْدِ النِّيَّةِ-

وَ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ص)

أَنَّهُ سُئِلَ مَا الْإِيمَانُ وَ مَا الْإِسْلَامُ فَقَالَ الْإِسْلَامُ الْإِقْرَارُ وَ الْإِيمَانُ الْإِقْرَارُ وَ الْمَعْرِفَةُ فَمَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ نَبِيَّهُ وَ إِمَامَهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ قِيلَ لَهُ فَالْمَعْرِفَةُ مِنَ اللَّهِ وَ الْإِقْرَارُ مِنَ الْعَبْدِ قَالَ الْمَعْرِفَةُ مِنَ اللَّهِ حُجَّةٌ وَ مِنَّةٌ وَ نِعْمَةٌ وَ الْإِقْرَارُ مَنٌّ يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ الْمَعْرِفَةُ صُنْعُ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ وَ الْإِقْرَارُ فِعْلُ الْقَلْبِ بِمَنٍّ مِنَ اللَّهِ وَ عِصْمَةٍ وَ رَحْمِةٍ فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ عَارِفاً فَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ وَ يَكُفَّ عَمَّا لَا يَعْلَمُ وَ لَا يُعَذِّبَهُ اللَّهُ عَلَى جَهْلِهِ وَ يُثِيبَهُ عَلَى عَمَلِهِ بِالطَّاعَةِ وَ يُعَذِّبَهُ عَلَى عَمَلِهِ بِالْمَعْصِيَةِ وَ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ وَ بِعِلْمِهِ وَ بِكِتَابِهِ بِغَيْرِ جَبْرٍ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مَجْبُورِينَ لَكَانُوا مَعْذُورِينَ وَ غَيْرَ مَحْمُودِينَ وَ مَنْ جَهِلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْنَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ

وَ عَنْهُ(ص)

أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ مُؤْمِناً وَ مَا أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ كَافِراً وَ مَا أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ ضَالًّا قَالَ أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ مُؤْمِناً أَنْ يُعَرِّفَهُ اللَّهُ نَفْسَهُ فَيُقِرَّ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَ أَنْ يُعَرِّفَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ص)فَيُقِرَّ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَ أَنْ يُعَرِّفَهُ اللَّهُ حُجَّتَهُ فِي أَرْضِهِ وَ شَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ فَيَعْتَقِدَ إِمَامَتَهُ فَيُقِرَّ لَهُ بِالطَّاعَةِ قِيلَ وَ إِنْ جَهِلَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ إِذَا أُمِرَ أَطَاعَ وَ إِذَا نُهِيَ انْتَهَى وَ أَدْنَى مَا يَصِيرُ بِهِ مُشْرِكاً أَنْ يَتَدَيَّنَ بِشَيْءٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَيَزْعُمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصِبَهُ دِيناً وَ يَزْعُمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ غَيْرُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَدْنَى مَا يَكُونُ بِهِ ضَالًّا أَنْ لَا يَعْرِفَ حُجَّةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ شَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ فَيَأْتَمَّ بِهِ

14

ذِكْرُ وَلَايَةِ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ الطَّاهِرِينَ

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ

وَ رُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ص)

أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ حَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ فَضَاقَ بِهَا صَدْرِي وَ خَشِيتُ أَنْ يُكَذِّبَنِي النَّاسُ فَتَوَاعَدَنِي إِنْ لَمْ أُبَلِّغْهَا أَنْ يُعَذِّبَنِي قَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فَهَلْ حَدَّثَكُمْ بِالرِّسَالَةِ قَالَ لَا قَالَ أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ مَا هِيَ وَ لَكِنَّهُ كَتَمَهَا مُتَعَمِّداً قَالَ الرَّجُلُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ وَ مَا هِيَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ فِي كِتَابِهِ فَلَمْ يَدْرُوا مَا الصَّلَاةُ وَ لَا كَيْفَ يُصَلُّونَ فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً نَبِيَّهُ(ص)أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ كَيْفَ يُصَلُّونَ فَأَخْبَرَهُمْ بِكُلِّ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ مُفَسَّراً وَ فَرَضَ الصَّلَاةَ فِي الْقُرْآنِ جُمْلَةً فَفَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي سُنَّتِهِ وَ أَعْلَمَهُمْ بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ أَمَرَ بِالزَّكَاةِ فَلَمْ يَدْرُوا مَا هِيَ فَفَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَعْلَمَهُمْ بِمَا يُؤْخَذُ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْإِبِلِ وَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ وَ الزَّرْعِ وَ لَمْ يَدَعْ شَيْئاً مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الزَّكَاةِ إِلَّا فَسَّرَهُ لِأُمَّتِهِ وَ بَيَّنَهُ لَهُمْ وَ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمَ فَلَمْ يَدْرُوا مَا الصَّوْمُ وَ لَا كَيْفَ يَصُومُونَ فَفَسَّرَهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ بَيَّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ فِي الصَّوْمِ وَ كَيْفَ يَصُومُونَ وَ أَمَرَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ص)أَنْ يُفَسِّرَ لَهُمْ كَيْفَ يَحُجُّونَ حَتَّى أَوْضَحَ

15

لَهُمْ ذَلِكَ فِي سُنَّتِهِ وَ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْوَلَايَةِ فَقَالَ

إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ

فَفَرَضَ اللَّهُ وَلَايَةَ وُلَاةِ الْأَمْرِ فَلَمْ يَدْرُوا مَا هِيَ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ع)أَنْ يُفَسِّرَ لَهُمْ مَا الْوَلَايَةُ مِثْلَ مَا فَسَّرَ لَهُمُ الصَّلَاةَ وَ الزَّكَاةَ وَ الصَّوْمَ وَ الْحَجَّ فَلَمَّا أَتَاهُ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ضَاقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَرْعاً وَ تَخَوَّفَ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْ دِينِهِ وَ أَنْ يُكَذِّبُوهُ فَضَاقَ صَدْرُهُ وَ رَاجَعَ رَبَّهُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ-

يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ

فَصَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ قَامَ بِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ص)يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ نَادَى لِذَلِكَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً وَ أَمَرَ أَنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ وَ كَانَتِ الْفَرَائِضُ يَنْزِلُ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ تَنْزِلُ الْفَرِيضَةُ ثُمَّ تَنْزِلُ الْفَرِيضَةُ الْأُخْرَى وَ كَانَتِ الْوَلَايَةُ آخِرَ الْفَرَائِضِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا أُنْزِلُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ فَرِيضَةً قَدْ أَكْمَلْتُ لَكُمْ هَذِهِ الْفَرَائِضَ

وَ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ

أُوصِي مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ بِي وَ صَدَّقَنِي بِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ص)فَإِنَّ وَلَاءَهُ وَلائِي أَمْرٌ أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي وَ عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ وَ أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَكُمُوهُ عَنْهُ

وَ رُوِّينَا أَيْضاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ص)أَنَّهُ قَالَ

لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى فَخِذِ شَاةٍ وَ قَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ وَ أَنَّ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ عَشْرَةً لَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا يَأْكُلُ الْجَذَعَةَ وَ يَشْرَبُ الْفَرْقَ وَ هُمْ بِضْعٌ وَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَأَكَلُوا حَتَّى صَدَرُوا وَ شَرِبُوا حَتَّى ارْتَوَوْا وَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَطِيعُونِي

16

تَكُونُوا مُلُوكَ الْأَرْضِ وَ حُكَّامَهَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ وَصِيّاً وَ وَزِيراً وَ وَارِثاً وَ أَخاً وَ وَلِيّاً فَأَيُّكُمْ يَكُونُ وَصِيِّي وَ وَارِثِي وَ وَلِيِّي وَ أَخِي وَ وَزِيرِي فَسَكَتُوا فَجَعَلَ يَعْرِضُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا رَجُلًا لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقْبَلُهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرِي وَ أَنَا يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّاً فَعَرَضَ عَلَيَّ فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ أَنْتَ يَا عَلِيُّ فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ لَهُمْ أَبُو لَهَبٍ لَوْ لَمْ تَسْتَدِلُّوا عَلَى سِحْرِ صَاحِبِكُمْ إِلَّا بِمَا رَأَيْتُمْ أَتَاكُمْ بِفَخِذِ شَاةٍ وَ قَدَحٍ مِنْ لَبَنِ فَشَبِعْتُمْ وَ رَوَيْتُمْ وَ جَعَلُوا يَهْزَءُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ قَدْ قَدَّمَ ابْنَكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ

و قد روى كثير من العامة عن أسلافهم في تأويل قول الله عز و جل- إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ص)وَ ذَلِكَ أَنَّ سَائِلًا وَقَفَ بِهِ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَرَمَى إِلَيْهِ بِخَاتَمِهِ وَ الْآيَةُ فِيهِ وَ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) وَ أَمْرُ غَدِيرِ خُمٍّ وَ مَقَامُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِيهِ بِوَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ص)مَعْرُوفٌ وَ مَشْهُورٌ لَا يَدْفَعُهُ وَلِيٌّ وَ لَا عَدُوٌّ-

وَ أَنَّهُ(ص)لَمَّا صَدَرَ عَنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَ صَارَ بِغَدِيرِ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمِمْنَ لَهُ وَ نَادَى بِالصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَأَقَامَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّ عَلِيّاً مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ هُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ وَ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ

فَأَيُّ بَيْعَةٍ تَكُونُ آكَدَ مِنْ هَذِهِ الْبَيْعَةِ وَ الْوَلَايَةِ-

وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ص)

أَنَّ قَوْماً سَأَلُوهُ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ

17

أَخْبِرْنَا بِأَفْضَلِ مَنَاقِبِكَ فَقَالَ أَفْضَلُ مَنَاقِبِي مَا لَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ صُنْعٌ قَالُوا وَ مَا ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَمَا بَقِيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا نَقَبَ بَاباً إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَاءَهُ جَبْرَئِيلُ(ع)فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَسُدُّوا أَبْوَابَهُمْ وَ يَدَعَ بَابِي فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَسُدَّ بَابَهُ فَقَالَ سَمْعاً وَ طَاعَةً فَسَدَّ بَابَهُ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَسُدَّ بَابَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْ لِي بِقَدْرِ مَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ بِعَيْنِي فَأَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَسَدَّ بَابَهُ ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ عُثْمَانَ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ سَعْدٍ وَ حَمْزَةَ وَ الْعَبَّاسِ فَأَمَرَهُمْ بِسَدِّ أَبْوَابِهِمْ فَسَمِعُوا وَ أَطَاعُوا فَقَالَ حَمْزَةُ وَ الْعَبَّاسُ يَأْمُرُنَا بِسَدِّ أَبْوَابِنَا وَ يَدَعُ بَابَ عَلِيٍّ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالَ قَدْ بَلَغَنِي مَا قُلْتُمْ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ وَ اللَّهِ مَا أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَ لَكِنَّ اللَّهَ فَعَلَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى أَنْ يَتَّخِذَ بَيْتاً طُهْراً لَا يُجْنِبُ فِيهِ إِلَّا هُوَ وَ هَارُونُ وَ ابْنَاهُ يَعْنِي لَا يُجَامِعُ فِيهِ غَيْرُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَتَّخِذَ هَذَا الْبَيْتَ طُهْراً لَا يَنْكِحُ فِيهِ إِلَّا أَنَا وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ اللَّهِ مَا أَنَا أَمَرْتُ بِسَدِّ أَبْوَابِكُمْ وَ لَا فَتَحْتُ بَابَ عَلِيٍّ بَلِ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زِدْنَا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَتَاهُ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ النَّصَارَى فَتَكَلَّمَا عِنْدَهُ فِي أَمْرِ عِيسَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ-

إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ

إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَخَذَ بِيَدِي وَ بِيَدِ

18

الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ فَاطِمَةَ ثُمَّ خَرَجَ لِلْمُبَاهَلَةِ وَ رَفَعَ كَفَّهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَ دَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَلَمَّا رَآهُ الْحَبْرَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ وَ اللَّهِ إِنْ كَانَ نَبِيّاً لَنَهْلِكَنَّ وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ نَبِيٍّ كَفَانَاهُ قَوْمُهُ فَكَفَّا وَ انْصَرَفَا قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زِدْنَا قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَ مَعَهُ بَرَاءَةٌ إِلَى أَهْلِ الْمَوْسِمِ لِيَقْرَأَهَا عَلَى النَّاسِ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ لَا يُبَلِّغُ عَنْكَ إِلَّا عَلِيٌّ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَمَرَنِي أَنْ أَرْكَبَ نَاقَتَهُ الْعَضْبَاءَ وَ أَنْ أَلْحَقَ أَبَا بَكْرٍ فَآخُذَ مِنْهُ الْبَرَاءَةَ فَأَقْرَأَهَا عَلَى النَّاسِ بِمَكَّةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَ سَخْطَةً هِيَ فَقُلْتُ لَا إِلَّا أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُبَلِّغَ عَنْهُ إِلَّا رَجُلٌ مِنْهُ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ وَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَ هُوَ يَوْمُ

الْحَجِّ الْأَكْبَرِ

قُمْتُ قَائِماً ثُمَّ قُلْتُ وَ قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ أَلَا إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَيْكُمْ وَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ-

بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَ الْمُحَرَّمِ وَ صَفَرَ وَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَ عَشْراً مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَ قُلْتُ لَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَ لَا عُرْيَانَةٌ وَ لَا مُشْرِكٌ وَ لَا مُشْرِكَةٌ أَلَا وَ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَ سَلَّمَ )فَمُدَّتُهُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ قَالَ وَ الأذن [الْأَذَانُ هُوَ اسْمِي فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرِي قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زِدْنَا

19

قَالَ كُنْتُ أَنَا وَ الْعَبَّاسُ وَ عُثْمَانُ بْنُ شَيْبَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَفَخَرَا عَلَيَّ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ شَيْبَةَ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)السَّدَانَةَ يَعْنِي مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ وَ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ) السِّقَايَةَ وَ هِيَ زَمْزَمُ قَالا وَ لَمْ يُعْطِكَ شَيْئاً يَا عَلِيُّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ الْحٰاجِّ وَ عِمٰارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جٰاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوٰانٍ وَ جَنّٰاتٍ لَهُمْ فِيهٰا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً إِنَّ اللّٰهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

قَالُوا زِدْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا قَفَلَ مِنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ مُتَوَجِّهاً إِلَى الْمَدِينَةِ نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِشَجَرَاتٍ فَكُسِحَ لَهُ عَنْهُنَّ وَ جَمَعَ النَّاسَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَرَفَعَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَ قَالَ أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ

وَ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)أَنَّهُ قَالَ

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ

قَالَ الَّذِي هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ هَاهُنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ الشَّاهِدُ الَّذِي يَتْلُوهُ مِنْهُ عَلِيٌّ(ص)يَتْلُوهُ إِمَاماً مِنْ بَعْدِهِ وَ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَلَّفَهُ مِنْ أُمَّتِهِ

وَ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ

عَلِيٌّ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ وَ هُوَ وَلِيُّ كُلِّ

20

مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ بَعْدِي

و هذا أيضا من مشهور الأخبار و هو من قول الله عز و جل- أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعني رسول الله(ص)وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ فقال رسول الله(ص)علي مني و أنا منه فدل ذلك على أنه الشاهد الذي يتلوه شاهد على أمته و حجة عليهم من بعده و إمام مفترض الطاعة و وصيه من بعده كوصي موسى في قومه و لا يقتضي قول رسول الله(ص)لعلي(ع)أنت مني بمنزله هرون من موسى إلا أنه خليفته في أمته كما قال موسى لهارون اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي و الأخبار و الحجة في هذا الباب تخرج عن حد هذا الكتاب و لو أنا استقصينا ما يدخل في كل باب لاحتجنا له إلى إفراد كتاب إنما شرطنا أن نذكر جملا من القول يكتفي بها ذوو الألباب و الله الموفق للصواب

ذكر ولاية الأئمة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه و عليهم أجمعين)

قال الله عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

وَ رُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ص)

أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

فَكَانَ جَوَابَهُ أَنْ قَالَ-

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطّٰاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هٰؤُلٰاءِ أَهْدىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا

فَقَالَ يَقُولُونَ لِأَئِمَّةِ الضَّلَالِ وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ آلِ مُحَمَّدِ سَبِيلًا-

أُولٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ

21

لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ

يَعْنِي الْإِمَامَةَ وَ الْخِلَافَةَ-

فَإِذاً لٰا يُؤْتُونَ النّٰاسَ نَقِيراً

نَحْنُ النَّاسُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ هَاهُنَا وَ النَّقِيرُ النُّقْطَةُ الَّتِي رَأَيْتَ فِي وَسَطِ النَّوَاةِ-

أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ

نَحْنُ هَاهُنَا النَّاسُ الْمَحْسُودُونَ عَلَى مَا آتَانَا اللَّهُ مِنَ الْإِمَامَةِ دُونَ خَلْقِ اللَّهِ جَمِيعاً-

فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً

أَيْ جَعَلْنَا مِنْهُمُ الرُّسُلَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ إِلَى قَوْلِهِ-

ظِلًّا ظَلِيلًا

ثُمَّ قَالَ-

إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّٰهَ نِعِمّٰا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ سَمِيعاً بَصِيراً

ثُمَّ قَالَ إِيَّانَا عَنَى بِهَذَا أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَوَّلُ مِنَّا إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ الْكُتُبَ وَ الْعِلْمَ وَ السِّلَاحَ-

وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ

إِذَا ظَهَرْتُمْ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-

أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

إِيَّانَا عَنَى بِهَذَا فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ

قَالَ إِيَّانَا عَنَى بِهَذَا قَالَ فَقَوْلُهُ-

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ

قَالَ نَحْنُ الصَّادِقُونَ وَ إِيَّانَا عَنَى بِهَذَا قَالَ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ

قَالَ إِيَّانَا عَنَى بِقَوْلِهِ قَالَ فَقَوْلُهُ-

وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً

قَالَ نَحْنُ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ وَ نَحْنُ شُهَدَاءُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ حُجَجُهُ فِي

22

أَرْضِهِ قَالَ فَقَوْلُهُ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ

وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً

قَالَ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ أَنْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ أَئِمَّةً مَنْ أَطَاعَهُمْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ مَنْ عَصَاهُمْ عَصَى اللَّهَ فَهَذَا الْمُلْكُ الْعَظِيمُ فَكَيْفَ يُقِرُّونَ بِهِ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ وَ يُنْكِرُونَهُ فِي آلِ مُحَمَّدٍ(ص)قَالَ فَقَوْلُهُ

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ

إِلَى آخِرِ السُّورَةِ قَالَ إِيَّانَا عَنَى بِذَلِكَ نَحْنُ الْمُجْتَبَوْنَ بِمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَ اللَّهُ سَمَّانَا الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ وَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ فَرَسُولُ اللَّهِ الشَّهِيدُ عَلَيْنَا بِمَا بَلَّغَنَا عَنِ اللَّهِ وَ نَحْنُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ صَدَّقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَّقْنَاهُ وَ مَنْ كَذَّبَ كَذَّبْنَاهُ قَالَ فَقَوْلُهُ-

بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

قَالَ إِيَّانَا عَنَى بِهَذَا وَ نَحْنُ الَّذِينَ أُوتِينَا الْعِلْمَ قَالَ فَقَوْلُهُ

قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ

قَالَ إِيَّانَا عَنَى وَ عَلِيٌّ أَوَّلُنَا وَ أَفْضَلُنَا وَ خَيْرُنَا بَعْدَ النَّبِيِّ(ص)قَالَ فَقَوْلُهُ

وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ

قَالَ إِيَّانَا عَنَى نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ وَ نَحْنُ الْمَسْئُولُونَ قَالَ فَقَوْلُهُ

إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ

قَالَ الْمُنْذِرُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِمَامٌ مِنَّا يَهْدِيهِمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَوَّلُ الْهُدَاةِ بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ص)ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ السَّلَامِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ قَالَ فَقَوْلُهُ

وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَفْضَلُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيلِ وَ التَّأْوِيلِ وَ مَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ بَعْدِهِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ

23

كُلَّهُ قَالَ فَقَوْلُهُ

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ

قَالَ إِيَّانَا عَنَى بِهَذَا وَ السَّابِقُ مِنَّا الْإِمَامُ وَ الْمُقْتَصِدُ الْعَارِفُ بِحَقِّ الْإِمَامِ وَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الشَّاكُّ الْوَاقِفُ مِنَّا

و العامة تزعم أنها هي التي عنى الله عز و جل بقوله- ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا و لو كان كما زعموا لكانوا كلهم مصطفين و لكانوا كلهم في الجنة كما قال الله عز و جل- جَنّٰاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهٰا و كذلك قالوا في تأويل الآية التي بدأنا بذكرها في أول الباب قولين قال بعضهم أولو الأمر الذين أمر الله عز و جل بطاعتهم هم أمراء السرايا و قال آخرون هم أهل العلم يعنون أصحاب الفتيا منهم و كلا هذين القولين يفسد على التحصيل أما قول من زعم أنهم أمراء السرايا فقد جعل لهم بذلك الفضل على أئمتهم الذين أخرجوهم في تلك السرايا و أوجب طاعتهم لهم و أوجب لهم طاعة جميع المؤمنين لأن قول الله عز و جل- يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يدخل فيه كل مؤمن و لا يجب أن يستثنى من ذلك مؤمن دون مؤمن إلا بحجة من الكتاب أو بيان من الرسول الذي أمر بالبيان و لن يجدوا ذلك و هم لا يوجبون طاعة صاحب السرية على غير من كان معه فبطل ما ادعوه لهم على ألسنتهم و أما قول من قال إنهم العلماء و عنى علماء العامة و هم مختلفون و في طاعة بعضهم عصيان بعض إذا أطاع المؤمن أحدهم عصى الآخر و الله عز و جل لا يأمر بطاعة قوم مختلفين لا يعلم المأمور بطاعتهم من يطيعه منهم و هذا قول بين الفساد يغني ظاهر فساده عن الاحتجاج على قائله و أحق بهذا الاسم و من قيل لهم أولو الأمر-

24

الأئمة الذين الأمر كله لهم و هم ولاته و هذا بين لمن تدبره و لا يقرن الله عز و جل بطاعته و طاعة رسوله طاعة من لا يجوز أمره في كل ما يجوز و ينفذ فيه أمر الله عز و جل و أمر رسوله عن إقامة أحكام الله عز و جل في أرضه فيؤمر الخلق بالسمع و الطاعة لهم و قول من قال من العامة أنهم أمراء السرايا و أنهم العلماء يرجع إلى قولنا هذا لأن أمراء السرايا مأمورون بطاعة الأئمة و هم أمروهم و تأميرهم استحقوا طاعة من قدموا عليه و قول من قال هم العلماء فالأئمة هم العلماء بالحقيقة و العلماء دون الأئمة و الأئمة بالحقيقة أعلى العلماء في العلم منزلة و أجلهم علما.

وَ رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)

أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَ عَلِيَّ بْنَ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ سَأَلَاهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

مَنْ أُولُو الْأَمْرِ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ مَا صَنَعْنَا شَيْئاً إِلَّا كُنَّا سَأَلْنَاهُ مَنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ فَرَجَعَا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ فَقَالَ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ص)أَنَّهُ قَالَ

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ

قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَهْلَ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ثُمَّ أَوْجَبَ طَاعَتَهُمْ فَقَالَ

أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

وَ رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)

أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِكَ-

لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهٰا صُمًّا وَ عُمْيٰاناً

رَبِّ اجْعَلْنِي مِنَ

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنٰا هَبْ لَنٰا مِنْ أَزْوٰاجِنٰا وَ ذُرِّيّٰاتِنٰا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنٰا لِلْمُتَّقِينَ إِمٰاماً

فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَقَدْ سَأَلْتَ رَبَّكَ شَطَطاً سَأَلْتَهُ أَنْ يَجْعَلَكَ إِمَاماً لِلْمُتَّقِينَ مُفْتَرَضَ الطَّاعَةِ-

25

فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ جُعِلْتُ فِدَاكَ فِيمَنِ الْآيَةُ الْأُولَى قَالَ فِيكُمْ أُنْزِلَتْ قَالَ فَالثَّانِيَةُ قَالَ فِينَا

وَ عَنْهُ(ص)أَنَّهُ قَالَ

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ مِنَّا وَ طَاعَتُهُمْ مَفْرُوضَةٌ

وَ رُوِّينَا عَنْهُ(ع)

أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ دَهْرِهِ حَيّاً مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً قِيلَ لَهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْإِمَامَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ أَوْ غَيْرِهِمْ قَالَ مَنْ جَحَدَ الْإِمَامَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً كَانَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ

وَ رُوِّينَا عَنْهُ(ص)

أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ

قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ يَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ فَاتَّقُوا فِرَاسَتَهُمْ فِيكُمْ

وَ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)

أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ(ع)يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ وُلْدِكَ أَعْرَافُ اللَّهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ عَرَفَكُمْ وَ عَرَفْتُمُوهُ وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَكُمْ وَ أَنْكَرْتُمُوهُ

فهذا هو التأويل البين الصحيح الذي لا يجوز غيره لا كما تأولت العامة أن أصحاب الأعراف رجال قصرت بهم أعمالهم عن الجنة أن يدخلوها و لم يستوجبوا دخول النار فهم بين الجنة و النار و ما جعل الله عز و جل في الآخرة غير دارين دار الثواب و دار العقاب الجنة و النار و هما درجات ينزل أهل الجنة في الجنة على درجات أعمالهم من الخير و أهل النار في النار على درجات أعمالهم من الشر فمن لم يستحق شيئا من عذاب الله فهو في رحمته فكيف يكون أصحاب الأعراف بهذه الحال كما قالت العامة موقوفين بين الجنة و النار مقصرا بهم عن دخول الجنة مخلفين عن رحمة الله عز و جل و الله عز و جل يخبر في كتابه عن عظيم منزلتهم و أنهم

26

يعرفون الناس يومئذ بسيماهم و يوقفون أهل النار على ذنوبهم و يبكتونهم بها و يقولون لهم مٰا أَغْنىٰ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ مٰا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَ هٰؤُلٰاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لٰا يَنٰالُهُمُ اللّٰهُ بِرَحْمَةٍ الآية يعنون قوما من أهل الجنة و ينادون أهل الجنة أَنْ سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ و يقولون ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لٰا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ و ينادونهم الناس استغاثة بهم و طمعا في شفاعتهم كما ذكر الله عز و جل ذلك عنهم في كتابه و دل به على عظيم منزلتهم و قدرهم و أنهم شهداؤه على خلقه و حججه على عباده و أصحاب الأعراف أصحاب المعالي و المنازل الرفيعة عند الله و العرف أعلى الشيء كما يقال عرف الديك و عرف الفرس و جمعه أعراف و قد قال بعض أهل اللغة كل مرتفع عند العرب أعراف و منه قيل لكدي الرمل أعراف و كذلك قال بعض أهل التفسير من العامة في قوله عز و جل- وَ نٰادىٰ أَصْحٰابُ الْأَعْرٰافِ أنهم على كدي بين الجنة و النار و قال آخرون على سور عال بين الجنة و النار قالوا سمي بذلك لارتفاعه فحام القوم حول الحق بين عارف منكر و جاهل مقصر نعوذ بالله من الحيرة و الضلالة و إنكار الحق و الجهالة و على هذا من الفساد أكثر تأويل العامة لكتاب الله جل ذكره إنما هو على آرائهم و أهوائهم نعوذ بالله من القول بالرأي في كتابه و اتباع الهوى فيما يخالف الحق عنده و يكون مع هذا قوم مخلفون عن الجنة كما زعمت العامة هذا من فاسد التأويل و مما لا يحتاج على فساده إلى دليل و كذلك أكثر تأويلهم على ما يظهر من آرائهم عصمنا الله من القول بالرأي في كتابه و حلاله و حرامه.

وَ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ

أُمِرْتُ بِطَاعَةِ اللَّهِ رَبِّي وَ أُمِرَ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِي وَ أُمِرَ النَّاسُ جَمِيعاً دُونَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِي-

27

وَ طَاعَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَمَنْ تَبِعَهُمْ نَجَا وَ مَنْ تَرَكَهُمْ هَلَكَ وَ لَا يَتْرُكُهُمْ إِلَّا مَارِقٌ

وَ رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ

مَنْ هُمْ قَالَ نَحْنُ أُولُو الْأَمْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالرَّدِّ إِلَيْنَا

وَ عَنْهُ(ع)

أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ رِجَالًا مِنْ عِنْدِنَا يَقُولُونَ إِنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ

أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ فَتَبَسَّمَ وَ قَالَ إِذاً وَ اللَّهِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِهِمْ بَلْ نَحْنُ وَ اللَّهِ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهِ بِرَدِّ الْمَسْأَلَةِ إِلَيْنَا

وَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ

فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ دَهْرِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً فَقَالَ(ع)إِمَاماً حَيّاً قِيلَ لَهُ لَمْ نَسْمَعْ حَيّاً قَالَ قَدْ قَالَ وَ اللَّهِ ذَلِكَ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ص

وَ عَنْهُ(ع)أَنَّهُ قَالَ

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ

فَقَالَ بِمَنْ كَانُوا يَأْتَمُّونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا يُدْعَى عَلِيٌّ(ع)بِالْقَرْنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَ الْحَسَنُ بِالْقَرْنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَ الْحُسَيْنُ بِالْقَرْنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَ عَدَّدَ الْأَئِمَّةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ دَهْرِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ص)

أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ قُرَيْشاً تَجِدُ فِي أَنْفُسِهَا مِنْ قَوْلِكُمْ إِنَّكُمْ مَوَالِيهِمْ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صِنْفٌ دَعَوْنَاهُ إِلَى اللَّهِ فَأَجَابَنَا فَمِنَّةُ اللَّهِ وَ مِنَّةُ رَسُولِهِ وَ مِنَّتُنَا عَلَيْهِ وَ صِنْفٌ قَتَلْنَاهُ وَ صِنْفٌ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ عَامَ الْفَتْحِ فَمِنَّةُ اللَّهِ وَ مِنَّةُ رَسُولِهِ عَلَيْهِمْ لَنَا فَمِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ شَاءَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَائِلُ فَلْيَكُنْ

وَ رُوِّينَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ)

أَنَّهُ شَهِدَ الْمَوْسِمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا احْتَفَلَ النَّاسُ فِي الطَّوَافِ وَقَفَ بِبَابِ الْكَعْبَةِ وَ أَخَذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ

28

وَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ثَلَاثاً وَ اجْتَمَعُوا وَ وَقَفُوا وَ أَنْصَتُوا فَقَالَ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ أُحَدِّثُكُمْ بِمَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)سَمِعْتُهُ يَقُولُ حِينَ احْتُضِرَ إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ كَهَاتَيْنِ وَ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَتَيْنِ مِنْ يَدَيْهِ وَ قَرَنَهُمَا وَ سَاوَى بَيْنَهُمَا وَ قَالَ وَ لَا أَقُولُ كَهَاتَيْنِ وَ قَرَنَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَ الْمُسَبِّحَةِ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَسْبِقُ الْأُخْرَى أَلَا وَ إِنَّ مَثَلَهُمَا فِيكُمْ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَرَكَهَا غَرِقَ

وَ رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ(ص)

أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الذِّكْرِ مَنْ هُمْ قَالَ نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ص)

أَنَّهُ سُئِلَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ

. و الأخبار في هذا الباب تخرج عن حد هذا الكتاب و فيما ذكرناه منها كفاية لذوي الألباب و لمن وفق للصواب

ذكر إيجاب الصلاة على محمد و على آل محمد (صلى الله عليه و عليهم أجمعين) و أنهم أهل بيته و انتقال الإمامة فيهم و البيان على أنهم أمة محمد ص

قال الله عز و جل- إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً

وَ رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)

أَنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِهِ سَأَلُوهُ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي

29

عَلَيْكَ فَقَالَ تَقُولُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ

فبين لهم رسول الله(ص)كيف الصلاة عليه التي افترض الله عز و جل عليهم أن يصلوها عليه و أنها عليه و على آله كما علمهم و بين لهم سائر الفرائض التي أنزل ذكرها عليه مجملا في كتابه كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية و الجهاد كما أنزل ذكر الصلاة عليه مجملا ففسر لهم رسول الله ص. و قد روت العامة هذا الحديث على نحو ما رويناه فلما لم يجدوا في دفعه حيلة زعموا أن المسلمين كلهم آل محمد ليخرجوا أهل بيت رسول الله(ص)من هذه الفضيلة التي اختصهم الله عز و جل بها و نطق الكتاب بذكرها و قام رسول الله(ص)ببيانها و جعله الله عز و جل من الدلائل على إمامتهم و وجوب طاعتهم إذ قرنهم في ذلك برسول الله(ص)و هذه من العامة مكابرة لا يخفى فسادها على ذوي التمييز و العقول و يكتفى بظاهر إفكهم فيها عن أن يستدل عليه بدليل

وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)

أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ(ص)مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً قَالَ فَإِنَّ الْعَامَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ فَتَبَسَّمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ كَذَبُوا وَ صَدَقُوا قَالَ السَّائِلُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَى قَوْلِكَ كَذَبُوا وَ صَدَقُوا قَالَ كَذَبُوا بِمَعْنًى وَ صَدَقُوا بِمَعْنًى كَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ الْمُسْلِمُونَ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ وَ يُقِرُّونَ بِالنَّبِيِّ(ع)عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّقْصِ فِي دِينِهِمْ وَ التَّفْرِيطِ فِيهِ وَ صَدَقُوا فِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَ إِنْ لَمْ يُنَاسِبُوهُ وَ ذَلِكَ لِقِيَامِهِمْ بِشَرَائِطِ الْقُرْآنِ لَا عَلَى أَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً فَمَنْ قَامَ بِشَرَائِطِ الْقُرْآنِ وَ كَانَ مُتَّبِعاً لآِلِ مُحَمَّدٍ(ع)فَهُوَ مِنْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَى التَّوَلِّي لَهُمْ وَ إِنْ بَعُدَتْ نِسْبَتُهُ مِنْ نِسْبَةِ

30

مُحَمَّدٍ(ص)قَالَ السَّائِلُ أَخْبِرْنِي مَا تِلْكَ الشَّرَائِطُ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ الَّتِي مَنْ حَفِظَهَا وَ قَامَ بِهَا كَانَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ الْقِيَامُ بِشَرَائِطِ الْقُرْآنِ وَ الِاتِّبَاعُ لِآِلِ مُحَمَّدٍ(ص)فَمَنْ تَوَلَّاهُمْ وَ قَدَّمَهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ كَمَا قَدَّمَهُمْ اللَّهُ مِنْ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَهُوَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَ كَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ-

وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ

وَ قَالَ يَحْكِي قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصٰانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

وَ قَالَ فِي الْيَهُودِ يَحْكِي قَوْلَ-

الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ عَهِدَ إِلَيْنٰا أَلّٰا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّٰى يَأْتِيَنٰا بِقُرْبٰانٍ تَأْكُلُهُ النّٰارُ

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ-

قُلْ قَدْ جٰاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنٰاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ

وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ

قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيٰاءَ اللّٰهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

وَ إِنَّمَا نَزَلَ هَذَا فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمْ يَقْتُلُوا هُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِأَيْدِيهِمْ وَ لَا كَانُوا فِي زَمَانِهِمْ وَ لَكِنْ قَتَلَهُمْ أَسْلَافُهُمُ وَ رَضُوا هُمْ بِفِعْلِهِمْ وَ تَوَلَّوْهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَضَافَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ فِعْلَهُمْ وَ جَعَلَهُمْ مِنْهُمْ لِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ قَالَ السَّائِلُ أَعْطِنِي جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ حُجَّةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ-

إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ

ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ فَقَالَ-

ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

وَ لَا تَكُونُ ذُرِّيَّةُ الْقَوْمِ إِلَّا نَسْلَهُمْ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ-

اعْمَلُوا آلَ دٰاوُدَ شُكْراً

-

31

وَ قَالَ

قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّٰهُ

وَ إِنَّمَا كَانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ وَ قَدْ نَسَبَ اللَّهُ هَذَا الْمُؤْمِنَ إِلَى فِرْعَوْنَ لِقَرَابَتِهِ فِي النَّسَبِ وَ هُوَ مُخَالِفٌ لِفِرْعَوْنَ فِي الِاتِّبَاعِ وَ الدِّينِ وَ لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ(ع)مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ لَمَا نَسَبَ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَ هُوَ مُخَالِفٌ لِفِرْعَوْنَ فِي دِينِهِ فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ آلَ الرَّجُلِ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ مَنِ اتَّبَعَ آلَ مُحَمَّدٍ فَهُوَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ الْمَعْنَى لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصٰانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذٰابِ

يَعْنِي أَهْلَ بَيْتِهِ خَاصَّةً وَ أَتْبَاعَهُمْ عَامَّةً وَ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ فَإِنَّمَا يَدْخُلُهَا بِتَوْلِيَةِ أَهْلِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ وَ هُوَ مِنْهُمْ بِاتِّبَاعِهِ لَهُمْ وَ آلِ فِرْعَوْنَ أَئِمَّةً عَلَيْهِمْ فَمَنْ تَوَلَّاهُمْ فَهُوَ لَهُمْ تَبَعٌ وَ قَالَ

سَلٰامٌ عَلىٰ إِلْيٰاسِينَ

وَ يَاسِينُ مُحَمَّدٌ وَ آلُ يَاسِينَ أَهْلُ بَيْتِهِ كَمَا قَالَ

اعْمَلُوا آلَ دٰاوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ

وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ بَقِيَّةٌ مِمّٰا تَرَكَ آلُ مُوسىٰ وَ آلُ هٰارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلٰائِكَةُ

وَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ آلِ مُوسَى وَ آلِ هَارُونَ وَ آلِ دَاوُدَ وَ آلِ يَاسِينَ مَنْ لَا نَسَبَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ إِلَّا بِالاتِّبَاعِ فَأَهْلُ بُيُوتَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَئِمَّةُ(ص)فَمَنْ تَوَلَّاهُمْ وَ اتَّبَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَ عَلَى نَحْوِ مَا وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ثُمَّ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ص)لِلسَّائِلِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ وَ الْأَسْلَافِ الْمَاضِيَةِ وَ لَا سَمِعَ بِهِ أَحَدٌ أَشَدُّ ظُلْماً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِمْ وَ لَا فَضْلَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ فَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَ ارْتَكَبَ بُهْتَاناً عَظِيماً وَ إِثْماً مُبِيناً وَ هُوَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ بَرِيءٌ مِنْ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ حَتَّى يَتُوبَ

32

وَ يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ بِالْإِقْرَارِ بِالْفَضْلِ لِمَنْ فَضَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَوْضِعِ الرَّحْمَةِ وَ مَعْدِنِ الْعِلْمِ وَ أَهْلِ الذِّكْرِ وَ مُخْتَلَفِ الْمَلَائِكَةِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ وَ هَاهُنَا قَوْلٌ آخَرُ مِنْ قِبَلِ الْإِجْمَاعِ قَالَ السَّائِلُ وَ مَا هُوَ قَالَ أَ لَيْسَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ كَانَ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَ أَحْرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُدَّعِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ أَ لَيْسَ هُمْ مُقِرُّونَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ شُرَكَاؤُهُمْ فِي مَا ادَّعُوا مِنْ أَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ قَالَ بَلَى قَالَ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَّعِينَ أَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ مُقِرُّونَ لِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ مُنْكِرُونَ لِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعُونَ مِنْ ذَلِكَ وَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَدْفُوعٌ حَتَّى يُثْبِتُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ إِقْرَارٍ لَهُمْ بِمَا ادَّعَوْهُ وَ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ فِيمَا ادَّعَوْهُ الْمُدَّعُونَ لآِلِ مُحَمَّدٍ وَ شَهِدُوا لَهُمْ أَوْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ تَشْهَدُ لَهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمْ فِي الدَّعْوَى شَيْءٌ وَ لَا يَجِدُونَ لِذَلِكَ سَبِيلًا أَ فَلَا تَرَى أَنَّ حَقَّ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ قَدْ ثَبَتَ وَ أَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعُونَ بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ النَّاسِ وَ حَقَّ آلِ مُحَمَّدٍ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ وَ بَطَلَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِينَ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيهِ أَوَّلًا بِالْحُجَّةِ وَ بِوَجْهِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي بَيَّنَّا ذِكْرَهُ قَالَ السَّائِلُ أَخْبِرْنِي جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أَ هُمْ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَ وَ لَيْسَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعاً وَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ صَدَّقَهُ أُمَّتَهُ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ص)هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِثْلُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي آلِ مُحَمَّدٍ وَ لَيْسَ كُلُّ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَ النَّاسُ كَافَّةُ أَهْلِ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا مِنْ عَرَبِهَا وَ عَجَمِهَا وَ إِنْسِهَا وَ جِنِّهَا مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ صَدَّقَهُ وَ اتَّبَعَهُ بِالتَّوَلِّي لِلْأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا فَهُوَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالتَّوَلِّي لِتِلْكَ الْأُمَّةِ وَ مَنْ كَانَ هَكَذَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ وَ يُقِرُّونَ بِالنَّبِيِّ فَهُوَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَ إِلَيْهَا مُحَمَّدٌ

33

وَ مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا-

نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ

وَ أَحَبُّوا أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا وَ هُمُ الَّذِينَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ قَالُوا نَعَمْ وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَ فَتُقِرُّونَ بِفَضْلِ آلِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ وَ لَهُ مُصَدِّقُونَ قَالُوا لَا لِأَنَّهُمْ لَا فَضْلَ لَهُمْ عَلَيْنَا قَالَ السَّائِلُ وَ مَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ هُمْ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ ذَكَرْتَ دُونَ غَيْرِهِمْ قَالَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ هُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ-

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ الْقَوٰاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمٰاعِيلُ رَبَّنٰا تَقَبَّلْ مِنّٰا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنٰا وَ اجْعَلْنٰا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنٰا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنٰا مَنٰاسِكَنٰا وَ تُبْ عَلَيْنٰا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ

فَلَمَّا أَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ(ع)أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أُمَّةً مُسْلِمَةً وَ أَنْ يَبْعَثَ فِيهَا رَسُولًا مِنْهَا يَعْنِي مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ يَتْلُو عَلَيْهَا آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيَهَا وَ يُعَلِّمَهَا الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ أَرْدَفَ إِبْرَاهِيمَ دَعْوَتَهُ الْأُولَى لِتِلْكَ الْأُمَّةِ الَّتِي سَأَلَ لَهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بِدَعْوَةٍ أُخْرَى يَسْأَلُ لَهُمُ التَّطْهِيرَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ لِيَصِحَّ أَمْرُهُمْ فِيهَا وَ لِئَلَّا يَتَّبِعُوا غَيْرَهَا فَقَالَ-

وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنٰامَ

الَّذِينَ دَعَوْتُكَ لَهُمْ وَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ أُمَّةً مُسْلِمَةً وَ أَنْ تَبْعَثَ فِيهَا رَسُولًا مِنْهَا وَ أَنْ تُجَنِّبَهُمْ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ-

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّٰاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصٰانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

فَذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَكُونُ الْأَئِمَّةُ وَ الْأُمَّةُ الْمُسْلِمَةُ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا مُحَمَّدٌ إِلَّا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ(ع)مِنْ سُكَّانِ الْحَرَمِ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْ غَيْرَ اللَّهِ قَطُّ لِقَوْلِهِ-

وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنٰامَ

وَ الْحُجَّةُ فِي الْمَسْكَنِ وَ الدِّيَارِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ

رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنٰا لِيُقِيمُوا

34

الصَّلٰاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

وَ لَمْ يَقُلْ لِيَعْبُدُوا الْأَصْنَامَ فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ وَ الْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ الَّتِي دَعَا لَهَا إِبْرَاهِيمُ(ص)مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْ غَيْرَ اللَّهِ قَطُّ ثُمَّ قَالَ

فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ

فَخُصَّ دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ(ع)الْأَئِمَّةَ وَ الْأُمَّةَ الَّتِي مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ثُمَّ دَعَا لِشِيعَتِهِمْ كَمَا دَعَا لَهُمْ فَأَصْحَابُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ(ع)رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ الْأَئِمَّةُ(ص)وَ مَنْ كَانَ مُتَوَلِّياً لِهَؤُلَاءِ مِنْ وُلْدِ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ(ع)فَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِهِمَا لِأَنَّ جَمِيعَ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ قَدْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ كَانَتْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ لَهُمْ وَ الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَ مَنْ كَانَ مُتَّبِعاً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي وَصَفَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ بِالتَّوَلِّي لَهَا كَانَ مِنْهَا وَ مَنْ خَالَفَهَا بِأَنْ لَمْ يَرَ لَهَا عَلَيْهِ فَضْلًا فَهُوَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَ إِلَيْهَا مُحَمَّدٌ(ع)فَلَمْ تَقْبَلْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ-

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

وَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَكْفِيرُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالْمَعَاصِي لِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَيْسَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي وَصَفَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ(ص)وَ قَدْ تَرَى هَذِهِ الْآيَةَ وَصَفَتْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْخَيْرِ وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فَمَنْ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ صِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّتِي وَصَفَ بِهَا الْأُمَّةَ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْهَا وَ هُوَ عَلَى خِلَافِ مَا شَرَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْأُمَّةِ وَ وَصَفَهَا بِهِ-

35

وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَعْنِي تِلْكَ الْأُمَّةَ-

وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً

يَعْنِي عَدْلًا-

لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً

فَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ جَمِيعَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ أَ فَتَرَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ تَجُوزُ فِي الدُّنْيَا عَلَى صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَنَّ اللَّهَ طَالِبُ شَهَادَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ قَابِلُهَا عَلَى الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كَلَّا لَنْ يَعْنِيَ اللَّهُ مِثْلَ هَذَا مِنْ خَلْقِهِ وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَعْنِي تِلْكَ الْأُمَّةَ الَّتِي عَنَتْهَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ

فَلَوْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنَى جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ لَمْ يُعَرِّفِ النَّاسَ الَّذِينَ أَخْرَجَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُمْ كَلَّا لَنْ يَعْنِيَ اللَّهُ الَّذِينَ تَظُنُّونَ مِنْ هَمَجِ هَذَا الْخَلْقِ وَ لَكِنْ عَنَى اللَّهُ الْأُمَّةَ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا مُحَمَّدٌ(ص)قَالَ السَّائِلُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا عَلِيٌّ وَحْدَهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ مَعَ عَلِيٍّ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ هُمُ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً وَ أَصْحَابُ الْكِسَاءِ هُمُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الْكِتَابُ بِالتَّطْهِيرِ وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَحْدَهُ أُمَّةً لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ-

إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ كٰانَ أُمَّةً قٰانِتاً لِلّٰهِ حَنِيفاً

فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَحْدَهُ أُمَّةً ثُمَّ رَفَدَهُ بَعْدَ كِبَرِهِ بِإِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ جَعَلَ

فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتٰابَ

وَ كَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَانَ وَحْدَهُ أُمَّةً ثُمَّ رَفَدَهُ بِعَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ كَثَّرَهُ بِالْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ كَمَا كَثَّرَ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ جَعَلَ الْإِمَامَةَ الَّتِي هِيَ خَلَفُ النُّبُوَّةِ فِي ذُرِّيَّتِهِ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ كَمَا جَعَلَ النُّبُوَّةَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْحَاقَ ثُمَّ خَتَمَهَا بِذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ وَ كَذَلِكَ كَانَتِ الْإِمَامَةُ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لِسَبْقِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي

36

ذَلِكَ-

وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

فَكَانَ الْحَسَنُ أَسْبَقَ مِنَ الْحُسَيْنِ ثُمَّ نَقَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْإِمَامَةَ إِلَى وُلْدِ الْحُسَيْنِ كَمَا نَقَلَ النُّبُوَّةَ مِنْ وُلْدِ إِسْحَاقَ إِلَى وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ وَ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بِالشَّهَادَةِ لَهُمْ وَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ فِيهِمْ وَ لَمْ يُجْمِعُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِأَحَدٍ سِوَاهُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ نَقَلَ الْإِمَامَةَ مِنْ وُلْدِ الْحَسَنِ إِلَى وُلْدِ الْحُسَيْنِ قُلْنَا لَهُ نَقَلَهَا الْكِتَابُ فَإِنْ قَالَ كَيْفَ ذَلِكَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالسَّبْقِ وَ الطَّهَارَةِ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُوبِقَةِ الَّتِي تُوجِبُ النَّارَ ثُمَّ الْعِلْمِ الْمُبْرَزِ قِيلَ لَهُ إِنَّ الْإِمَامَةَ بِجَمِيعِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ حَلَالِهَا وَ حَرَامِهَا وَ الْعِلْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ خَاصِّهِ وَ عَامِّهِ وَ ظَاهِرِهِ وَ بَاطِنِهِ وَ مُحْكَمِهِ وَ مُتَشَابِهِهِ وَ نَاسِخِهِ وَ مَنْسُوخِهِ وَ دَقَائِقِ عِلْمِهِ وَ غَرَائِبِ تَأْوِيلِهِ قَالَ السَّائِلُ وَ مَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَالِماً بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْتَ قَالَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَنْ أَذِنَ لَهُمْ بِالْحُكُومَةِ وَ جَعَلَهُمْ أَهْلَهَا

إِنّٰا أَنْزَلْنَا التَّوْرٰاةَ فِيهٰا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هٰادُوا وَ الرَّبّٰانِيُّونَ وَ الْأَحْبٰارُ

فَالرَّبَّانِيُّونَ هُمُ الْأَئِمَّةُ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُرَبُّونَ النَّاسَ بِعِلْمِهِمْ وَ الْأَحْبَارُ دُونَهُمْ وَ هُمْ دُعَاتُهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ-

بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتٰابِ اللّٰهِ وَ كٰانُوا عَلَيْهِ شُهَدٰاءَ

وَ لَمْ يَقُلْ بِمَا جَهِلُوا ثُمَّ قَالَ-

هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ

وَ قَالَ

بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

وَ قَالَ

وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلَّا الْعٰالِمُونَ

ثُمَّ قَالَ

إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ

وَ قَالَ

أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

فَهَذِهِ الْحُجَّةُ بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ لَا يَكُونُونَ إِلَّا عُلَمَاءَ-

37

لِيَحْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ وَ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ قَالَ السَّائِلُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ خُرُوجِ الْإِمَامَةِ مِنْ وُلْدِ الْحَسَنِ إِلَى وُلْدِ الْحُسَيْنِ كَيْفَ ذَلِكَ وَ مَا الْحُجَّةُ فِيهِ قَالَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى-

إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الشِّرْكِ وَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَ عِبَادَةِ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَصْلُهَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ(ع)حَيْثُ يَقُولُ-

وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنٰامَ

وَ الْخَمْسَةُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ التَّطْهِيرِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ص)وَ هُمُ الَّذِينَ عَنَتْهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ(ع)فَكَانَ سَيِّدُهُمْ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ كَانَتْ فَاطِمَةُ(ص)امْرَأَةً شَرِكَتْهُمْ فِي التَّطْهِيرِ وَ لَيْسَ لَهَا فِي الْإِمَامَةِ شَيْءٌ وَ هِيَ أُمُّ الْأَئِمَّةِ(ص)فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ص)كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ص)أَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

وَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ هُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا وَ لِقَوْلِهِ(ص)الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ إِمَامَا حَقٍّ قَامَا أَوْ قَعَدَا وَ أَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا فَكَانَ عَلِيٌّ(ع)أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ لِأَنَّهُ السَّابِقُ فَلَمَّا قُبِضَ كَانَ الْحَسَنُ(ع)أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنَ الْحُسَيْنِ بِحُجَّةِ السَّبْقِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ

وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ

فَكَانَ الْحَسَنُ أَسْبَقَ مِنَ الْحُسَيْنِ وَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ فَلَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ الْوَفَاةُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي وُلْدِهِ وَ أَخُوهُ نَظِيرُهُ فِي التَّطْهِيرِ وَ لَهُ بِذَلِكَ وَ بِالسَّبْقِ فَضِيلَةٌ عَلَى وُلْدِ الْحَسَنِ فَصَارَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا حَضَرَتِ الْحُسَيْنَ الْوَفَاةُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى وُلْدِ أَخِيهِ دُونَ وُلْدِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ

فَكَانَ وُلْدُهُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ رَحِماً مِنْ وُلْدِ أَخِيهِ وَ كَانُوا أَوْلَى بِهَا-

38

فَأَخْرَجَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وُلْدَ الْحَسَنِ وَ حَكَمَتْ لِوُلْدِ الْحُسَيْنِ فَهِيَ فِيهِمْ جَارِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-

وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ

ذكر البيان بالتوقيف على الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه و عليهم أجمعين)

هذا باب لو تقصينا الحجة فيه و الدلائل عليه و الاحتجاج على مخالفيه لخرج عن حد هذا الكتاب و لاحتاج إلى كتاب مفرد في الإمامة و قد أفرد المنصور بالله (صلوات الله عليه) و رحمته و بركاته و رضوانه و بيض الله وجهه لذلك كتابا جامعا استقصى معانيه و أشبع الحجة فيه و لكن لما شرطنا في ابتداء هذا الكتاب أن نذكر فيه جملا و عيونا من كل باب لم نجد بدا من ذكر جمل من هذا الباب. و قد اختلف القائلون في تثبيت الإمامة فيها فزعمت العامة أن الناس يقيمون لأنفسهم إماما يختارونه و يولونه كما زعموا أن أصحاب رسول الله(ص)قد اختاروا لأنفسهم من قدموه بعده و اختلفوا في صفة من يجب عليهم أن يقدموه و السبب الذي استحق به التقدمة و أنكروا أن يكون رسول الله(ص)قدم عليهم أحدا سماه لهم يقوم بالإمامة من بعده و قالت طائفة منهم أشار إليه و لم يسمه قالوا و هو أبو بكر قدمه للصلاة و هي مقرونة بالزكاة فوجب أن تعطى الزكاة من قدم على الصلاة فهذا قول جمهور العامة و قالوا من ولي وجبت طاعته و لو كان حبشيا و لا يرون الخروج عليه و إن عمل بالمعاصي و قالت المرجئة على الناس أن يولوا عليهم رجلا ممن يرون أن له فضلا

39

و علما و يجهدوا فيه رأيهم و عليه أن يحكم فيهم بالكتاب و السنة و ما لم يجده فيهما اجتهد فيه رأيه قالوا و طاعته تجب على الناس ما أطاع الله فإذا عصى الله فلا طاعة له عليهم و وجب القيام و خلعه و الاستبدال به. و قالت المعتزلة لم يقدم رسول الله(ص)أحدا بعينه و لا أشار إليه و لكنه أمر الناس أن يختاروا بعده رجلا يولونه على أنفسهم فاختاروا أبا بكر و قالت الخوارج لم ندر و لم يبلغنا أن النبي(ص)أمر في ذلك بشيء و لا أنه لم يأمر و لا أشار و لا لم يشر و لكن لا بد من إمام يقيم الحدود و ينفذ الأحكام فنقيمه علينا. فنقول بتوفيق الله و عونه لمن زعم أن رسول الله(ص)لم يقدم أحدا و هم جميع من حكينا قوله قولكم هذا غير جائز قبوله بإجماع منا و منكم و من جميع المسلمين لأنهم قد أجمعوا أن النافي للشيء ليس بشاهد فيه و إنما الشاهد من أثبت شيئا شهد أنه كان فأنتم نفيتم أن يكون رسول الله(ص)استخلف أحدا على أمته أو نصب إماما للأمة من بعده فلم تشهدوا بشيء و إنما نفيتم شيئا أنكرتموه و من شهد بذلك فهو أولى بالقبول و أوجب أن يكون شاهدا منكم لأنكم و جميع الأمة تقولون في رجلين قال أحدهما سمعت فلانا قال كذا أو رأيته يفعل كذا و يقول الآخر لم أسمعه قال ذلك و لا رأيته فعل ذلك إن الشاهد بالرؤية و السماع هو الشاهد المأخوذ بشهادته و من قال لم أسمع و لم أر ليس بشاهد و لا يبطل قوله قول من شهد بالسمع و العيان و قد ذكرنا ما كان من قيام رسول الله(ص)بولاية علي بن أبي طالب(ص)يوم غدير خم و قد رويتم معنا ذلك و أن ذلك من آكد بيعة و أوجب ما يوجب الإمامة مع كثير مما ذكرناه و كثير قد اختصرنا ذكره اكتفاء بما بيناه و لو كانت الإمامة كما زعمتم إنما تكون باختيار الناس لكان رسول الله(ص)قد جمعهم و أمرهم أن يختاروا لأنفسهم إماما و كيف للناس

40

أن يجتمعوا جميعا على اختيار رجل واحد منهم على اختلاف آرائهم و مذاهبهم و أهوائهم و ما كان في أكثر الناس من الحسد من بعضهم لبعض و لو كان هذا لا يكون إلا بإجماع الناس على رجل واحد لم يجتمعوا عليه أبدا و ما اجتمع من حضر بالمدينة على أبي بكر قد قالت الأنصار ما قالت و امتنع من بيعته جماعة من أكابر أصحاب رسول الله(ص)حتى كان من أمرهم ما كان فضلا عمن غاب من أهل الآفاق و البلدان و إن قلتم و إن الرأي و الأمر في ذلك لقوم دون قوم فأخبرونا من له ذلك دون من ليس له بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع و لن يجدوا ذلك و إذا كان الناس هم الذين يقدمون الإمام فالإمام مأمور عن أمرهم و لم يكن يملك شيئا حتى ملكوه إياه فهم الأئمة على ظاهر هذا المعنى و هو عامل من عمالهم و لهم إذا عزله كما قالت المرجئة و فساد هذا القول أبين من أن يستدل عليه ببرهان. و قولهم أنهم يفعلون ما لم يأمر به رسول الله(ص)و لم يفعله إقرار منهم بالبدعة و هم يقولون إن الإمامة من دين الله و قد أخبر الله عز و جل في كتابه أنه أكمل دينه و بينا فيما تقدم أن ذلك إنما كان نزل عند ما قام رسول الله(ص)بولاية علي(ص)فكيف يقرون بأن الله عز و جل أكمل دينه و لم يبين فيه أمر الإمامة التي هي على إقرارهم منه أو هل كان الله عز و جل قال ذلك و لم يكمل دينه حتى أكملوه هم أو كان رسول الله(ص)عاجزا و قصر عن تبيان ما افترض الله عز و جل بيانه فبينوه و هذا من أقبح ما انتحلوه و أعظم ما تجرءوا به على الله عز و جل و على رسوله ص. و نقول لمن زعم أن رسول الله(ص)أشار إلى أبي بكر فقدموه بتلك الإشارة و أنتم مُقِرُّون بأن الإمامة من دين الله عز و جل فهل يجوز عندكم تغيير شيء من دين الله عز و جل أو تبديله فمن قولهم لا فيقال فإن كان فرض الإمامة أن ينصب الإمام بالإشارة و كان النبي(ص)أشار بها كما قلتم إلى أبي بكر فكيف صنع أبو بكر بعمر و عمر بعثمان فمن قولهم أن أبا بكر

41

نص على عمر و أن عمر جعل الأمر شورى بين ستة و قدم صهيبا على الصلاة و هذا خلاف لفعل رسول الله(ص)في دين الله و قد أمر الله عز و جل باتباعه و نهى عن مخالفته بقوله تعالى- وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و فعل عمر خلاف لفعل أبي بكر و قد غيرا بإقرارهم دين الله و بدلا حكمه و خالفا رسوله و صهيب على قولهم أحق من عثمان بالإمامة إذ كان عمر قد قدمه على الصلاة و هم يزعمون أن رسول الله(ص)قدم أبا بكر على الصلاة فبذلك استحق عندهم الإمامة و لم يكن ذلك و لكنا نقول لمن ادعى الإشارة بالصلاة أنتم أحرى بأن لا تحتجوا بهذا لأنكم تزعمون أن الصلاة جائزة خلف كل بر و فاجر و تروون في ذلك أخبارا تحتجون بها على من خالفكم في ذلك و أنتم مقرون أن رسول الله(ص)استعمل عمرو بن العاص على غزوة ذات السلاسل و معه أبو بكر و عمر و كان يؤمهما في الصلاة و غيرهما و هما تحت رايته و مقرون بأنه لم يستعمل أحدا على علي(ص)قط و لا أمره بالصلاة خلفه و أن هذه الصلاة التي تدعون أن رسول الله أمر أبا بكر بها لم يكن علي حضرها و كان علي على قولكم مع رسول الله(ص)و صلى بصلاته فهو على دعواكم أولى بالفضل ممن قدمتموه و كذلك تُقِرُّونَ أن رسول الله أمر على أبي بكر و عمر أسامة بن زيد و قبض(ص)و هما تحت رايته و هو أمير عليهما و إمامهما في صلاتهما و كان آخر ما أوصى به(ص)أنه قال نفذوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه و أسامة يومئذ قد برز فقعدا عنه فيمن قعد و أسامة و عمرو بن العاص على قولكم أولى بالإمامة منهما إذ قدما في الصلاة عليهما و تقرون أن عمر لما جعل الأمر شورى بين ستة أقام صهيبا للصلاة فلم يستحق بذلك الإمامة عندكم مع أن أمر الصلاة التي ادعيتموها لم يثبت عندكم لما جاء فيها من الاضطراب-

42

في النقل و الأخبار و اختلافها و أنها كلها عن عائشة بنت أبي بكر و أنتم تقولون إن من اختلف عنه في حديث كان كمن لم يأت عنه شيء و رددتم شهادة علي لفاطمة(ص)فكيف تجيزون شهادة عائشة لأبيها لو قد ثبت عنها ذلك و كيف و هو لم يثبت أنه أمره بالصلاة إلا عن عائشة فلما علم رسول الله(ص)ذلك خرج فأخره و صلى بالناس. و أما قول المرجئة أنهم يولون الإمام فإذا جار عزلوه فهم أشبه على قولهم هذا بأن يكونوا أئمة كما قلنا فإذا كان لهم أن يولوا فلهم كما قالوا أن يعزلوا و هذا قول من لا يعبأ بقوله و قد ذكرنا فساده فيما قدمناه. و أما قول المعتزلة أن رسول الله(ص)أمر الناس أن يختاروا فهو قول يخالف السنة و قد ذكرنا فعله(ص)بغدير خم في علي عليه أفضل السلام و وصفنا ما يدخل على من زعم أن للناس أن يختاروا و لن يأمر الله عز و جل و لا رسوله(ص)بأمر يعلم أنه لا يتم و لا يكون و لا يفترض الله طاعة من يجعل اختياره إلى من أوجب عليه طاعته و يجعل عزله إليه و يقيمه منتقدا عليه و لو جاز للناس أن يقيموا إماما لجاز لهم أن يقيموا نبيا لأن الله عز و جل قرن طاعة الأئمة بطاعة الأنبياء و جعلهم الحكام في أممهم بعدهم بمثل ما كان الأنبياء يحكمون به فيهم. و أما قول الخوارج أنها لا تعلم ما كان من رسول الله(ص)فليس قول من لم يعلم بحجة على من قد علم و على من لم يعلم أن يطلب العلم ممن يعلم و إن هم لو سألونا كيف يكون عقد الإمامة قلنا لهم بما لا يدفعه أحد منكم

43

و لا من غيركم أنها بالنص و التوقيف الذي لا تدخل على القائل به حجة و لا تلزمه معه لخصمه علة. و قد ذكرنا توقيف رسول الله(ص)الناس على إمامة علي(ص)و نصبه إياه و كذلك فعل علي بالحسن و الحسن بالحسين و الحسين بعلي بن الحسين و علي بن الحسين بمحمد بن علي و محمد بن علي بجعفر بن محمد و كذلك من بعدهم من الأئمة إماما إماما بعده فيما رويناه عمن قبلنا و رأينا فيمن شاهدناه من أئمتنا و هذا من أقطع الحجج و أبين البراهين و ما ليس لقائل فيه مقال و لا لمعتل عليه اعتلال. و كذلك قولنا في الرسل و الأئمة بين الرسولين أن ذلك لا يكون إلا بنص و توقيف من نبي إلى إمام و من إمام إلى إمام و يبشر النبي بالنبي يأتي بعده كما ذكر الله عز و جل في كتابه- وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ و يؤدي ذلك الأئمة بعضهم إلى بعض و يوقفون عليه أتباعهم إلى ظهور ذلك النبي(ص)كما أقرت العامة أن آدم(ص)نص على شيث و أوصى إليه و أن شيثا نص على الإمام من ولده من بعده و كذلك نص الأئمة يوقف كل إمام على الإمام بعده حتى انتهى ذلك إلى نوح و من نوح إلى إبراهيم و من إبراهيم إلى موسى و من موسى إلى عيسى و من عيسى إلى محمد (صلى الله عليه و على آله) و على جميع المرسلين و على الأئمة الصادقين و قد أقرت العامة أن كل نبي مضى قد أوصى إلى وصي يقوم بأمر أمته من بعده ما خلا نبيهم محمدا(ص)فإنهم أنكروا أن يكون أوصى إلى أحد على أن الناس أحوج ما كانوا إلى الأوصياء و الأئمة لارتفاع الوحي و انقطاع النبوة و أن الله ختمها بمحمد و رد أمر الأمة إلى الأئمة من أهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) و تفويض أمر الخلق إلى الأئمة إلى يوم القيامة فهكذا نقول في النبوة و الإمامة بالتوقيف و البيان لا كما زعمت العامة أن الدليل على الرسل الآيات بلا نص و لا بشرى و لا توقيفات و لو تدبروا القرآن لوجدوه يشهد بالذم لسائلي

44

الآيات من أنبيائهم قال اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ ص- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتٰابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتٰاباً مِنَ السَّمٰاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَقٰالُوا أَرِنَا اللّٰهَ جَهْرَةً و قال في موضع آخر- وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهٰارَ خِلٰالَهٰا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمٰاءَ كَمٰا زَعَمْتَ عَلَيْنٰا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقىٰ فِي السَّمٰاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّٰى تُنَزِّلَ عَلَيْنٰا كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلّٰا بَشَراً رَسُولًا و قال في الموضع آخر- وَ قٰالُوا لَوْ لٰا يَأْتِينٰا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مٰا فِي الصُّحُفِ الْأُولىٰ و مثل هذا كثير في القرآن و مع ذلك أن الله عز و جل لا يبعث نبيا إلا و هو مفترض الطاعة فمن لم يصدقه و مات على تكذيبه من قبل أن يأتي بالآية مات كافرا عندهم بإجماع و لو كان كما زعموا أن الدليل على الأنبياء الآيات لم يكن على من لم يؤمن قبل الآيات حرج فإن قالوا فما معنى مجيء الرسل بالآيات قيل لهم معنى ذلك ما قال الله عز و جل- وَ مٰا نُرْسِلُ بِالْآيٰاتِ إِلّٰا تَخْوِيفاً و إنما يبعث الله بالآيات تخويفا لخلقه و تأييدا لرسله و تأكيدا لحججهم على من خالفهم و تخويفا لهم كما قال الله عز و جل- وَ مٰا نُرْسِلُ بِالْآيٰاتِ إِلّٰا تَخْوِيفاً و قد بعث الله تعالى نوحا(ص)إلى قومه و أخبر أنه مكث يدعوهم أَلْفَ سَنَةٍ إِلّٰا خَمْسِينَ عٰاماً و قد هلك في تلك المدة قرون ممن كذبه على الكفر ثم أخبر عز و جل أن آيته كانت السفينة-

45

و كذلك قال عامة الناس و كانت الآية في آخر زمانه و معها أتى العذاب إلى قومه لكفرهم به فأهلكهم الله عز و جل بعصيانهم و رد نبوته و نجاة فيها و من آمن معه و قد هلك قبل ذلك أمم ممن كذبه و صاروا إلى النار بكفرهم و تكذيبهم إياه و لما جاء به عن ربه و لو لم تكن تجب عندهم نبوته إلا بآية لما كان عليهم أن يؤمنوا به و لو لم تكن تجب عليهم إجابته لما كان له أن يدعوهم دون أن يأتيهم بآية إذ كان لا يجب عليهم تصديقه دون أن يأتي بها و لا يحب أن يدعوهم إلى ما لا يجب عليهم قبوله و ما كان الله عز و جل ليبعث نبيا يدعو إليه و هو غير مفترض الطاعة و هذا بين لمن تدبره و وفق لفهمه و لو ذكرنا ما كان ينبغي أن يدخل في هذا الباب لخرج من حد هذا الكتاب و لكنا أثبتنا من ذلك نكتا يفهمها ذوو الألباب و الله الموفق برحمته للصواب

ذكر منازل الأئمة(ص)و أحوالهم و تبريهم ممن وضعهم بغير مواضعهم و تكفيرهم من الحد فيهم

أئمة الهدى (صلوات الله عليهم) و رحمته و بركاته خلق من خلق الله جل جلاله و عباد مصطفون من عباده افترض طاعة كل إمام منهم على أهل عصره و أوجب عليهم التسليم لأمره و جعلهم هداة خلقه إليه و أدلاء عباده عليه-

46

و قرن طاعتهم في كتابه بطاعته و طاعة رسوله(ص)و هم حجج الله على خلقه و خلفاؤه في أرضه ليسوا كما زعم الضالون المفترون بآلهة غير مربوبين و لا بأنبياء مرسلين و لا يوحى إليهم كما يوحى إلى النبيين و لا يعلمون الغيب الذي حجبه الله عن خلقه و لم يطلع أنبياءه منه إلا على ما أطلعهم عليه و لا كما زعم المفترون فيهم و المبطلون الكاذبون عليهم تعالى الله جل ذكره و نزه أولياءه عن مقال الملحدين و إفك المكذبين الضالين المفترين. و لما كان أولياء الله الأئمة الطاهرون حجج الله التي احتج بها على خلقه و أبواب رحمته إلى فتح لعباده و أسباب النجاة التي سبب لأوليائه و أهل طاعته و من لا تقبل الأعمال إلا بطاعتهم و لا يجازى بالطاعة إلا من تولاهم و صدقهم دون من عاداهم و عصاهم و نصب لهم كان الشيطان أشد عداوة لأوليائهم و أهل طاعتهم ليستزلهم كما استزل أبويهم من قبل فاستزل كثيرا منهم و استغواهم و سول لهم و استهواهم فصاروا إلى الحور بعد الكور و إلى الشقوة بعد السعادة و إلى المعصية بعد الطاعة و قصد كل امرئ منهم من حيث يجد السبيل إليه و الإجلاب بخيله و رجله عليه فمن كان منهم قصير العلم متخلف الفهم ممن تابع هواه استفزَّه و استغواه و استزله إلى الجحد لهم و النفاق عليهم و الخروج عن طاعتهم و الكفر بهم و الانسلاخ من معرفتهم و من كان قد برع في العلم و بلغ حدود الفهم و لم يستطع أن يستزله إلى ما استزله به من تقدم ذكره استزله و خدعه و دخل إليه من باب محبوبه و موضع رغبته و مكان بُغْيَتِهِ فزين له زخرف التأويل و نمَّق له قول الأباطيل و أغراه بالفكرة في تعظيم شأنهم

47

و رفيع مكانهم و قرب منه الوسائل و أكد له الدلائل على أنهم آلهة غير مربوبين أو أنبياء مرسلون أمكنه من ذلك ما أمكنه فيه و تهيأ له منه ما تجرأ به عليه و دخل إلى طبقة ثالثة من مدخل الشبهات باستثقال الفرائض و الموجبات فأباح لهم المحارم و سهل عليهم العظائم في رفض فرائض الدين و الخروج من جملة المسلمين الموحدين بفاسد ما أقامه لهم من التأويل و دلهم عليه بأسوإ دليل فصاروا إلى الشقوة و الخسران و انسلخوا من جملة أهل الدين و الإيمان نسأل الله العصمة من الزيغ و الخروج من الدنيا سالمين غير ناكثين و لا مارقين و لا مبدلين و لا مغضوب علينا و لا ضالين.

وَ قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)

أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ شَكَا إِلَيْهِ مَا يَلْقَوْنَ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا ذَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ أَذَى النَّاسِ وَ مُطَالَبَتِهِمْ لَنَا وَ بُغْضِهِمْ إِيَّانَا وَ طَعْنِهِمْ عَلَيْنَا كَأَنَّا لَسْنَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَ وَ مَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَ تَشْكُرُونَهُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَمَّا يَئِسَ مِنْكُمْ أَنْ تُطِيعُوهُ فِي خَلْعِ وَلَايَتِنَا الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَقْبَلُ عَمَلَ عَامِلٍ خَلَعَهَا أَغْرَى النَّاسَ بِكُمْ حَسَداً لَكُمْ عَلَيْهَا فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا وَهَبَ لَكُمْ مِنَ الْعِصْمَةِ وَ إِذَا تَعَاظَمَكُمْ مَا تَلْقَوْنَ مِنَ النَّاسِ فَفَكِّرُوا فِي هَذَا وَ انْظُرُوا إِلَى مَا لَقِينَا نَحْنُ مِنَ الْمِحَنِ وَ نَلْقَى مِنْهُمْ وَ مَا لَقِيَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَ رُسُلُهُ مِنْ قِبَلِنَا فَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنْ أَعْظَمِ النَّاسِ امْتِحَاناً وَ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ ثُمَّ الْأَئِمَّةُ ثُمَّ الْمُؤْمِنُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلَ وَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ وَ إِنَّمَا أَعْطَانَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ وَ رَضِيَ لَنَا وَ لَكُمْ صَفْوَ عَيْشِ الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ(ص)الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ وَ مَا أَعْطَى اللَّهُ عَبْداً مُؤْمِناً حَظّاً مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَشُوباً بِتَكْدِيرٍ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ حَظَّهُ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِيُكَمِّلَ اللَّهُ لَهُ صَفْوَ عَيْشِ الْآخِرَةِ

.

48

فأما ذكر من ضل و هلك من أهل هذا الأمر فكثير يطول و يخرج عن حد هذا الكتاب و لكن لا بد من ذكر نكت من ذلك كما شرطنا فمن ذلك ما روينا عن علي بن أبي طالب(ص)أن قوما من أصحابه و ممن كان قد بايعه و تولاه و دان بإمامته مرقوا عنه و نكثوا عليه و قسطوا فيه فقاتلهم أجمعين فهزم الناكثين و قتل المارقين و جاهد القاسطين و قتلهم و تبرءوا منه و بريء منهم و إن قوما غلوا فيه لما استدعاهم الشيطان بدواعيه فقالوا هو النبي و إنما غلط جبرئيل به و إليه كان أرسل فأتى محمدا(ص)فيا لها من عقول ناقصة و أنفس خاسرة و آراء واهية و لو أن أحدهم بعث رسولا بصاع من تمر إلى رجل فأعطاه غيره لما استجاز فعله و لعوض المرسل إليه مكانه أو استرده إليه ممن قبضه فكيف يظنون مثل هذا الظن الفاسد برب العالمين و بجبرئيل الروح الأمين و هو ينزل أيام حياة رسول الله(ص)بالوحي إليه و بالقرآن الذي أنزل عليه ثم يقولون هذا القول العظيم و يفترون مثل هذا الافتراء المبين بما سول لهم الشيطان و زين لهم من البهتان و العدوان و هؤلاء ممن قدمنا ذكره و زعم آخرون منهم أن عليا(ص)في السحاب رقاعة منهم و كذبا لا يخفى عن ذوي الألباب-

وَ أَتَاهُ(ص)قَوْمٌ غَلَوْا فِيهِ مِمَّنْ قَدَّمْنَا وَصْفَهُمْ وَ اسْتِزْلَالَ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُمْ فَقَالُوا أَنْتَ إِلَهُنَا وَ خَالِقُنَا وَ رَازِقُنَا وَ مِنْكَ مَبْدَؤُنَا وَ إِلَيْكَ مَعَادُنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ(ص)وَ ارْفَضَّ عَرَقاً وَ ارْتَعَدَ كَالسَّعَفَةِ تَعْظِيماً لِجَلَالِ اللَّهِ عَزَّ جَلَالُهُ وَ خَوْفاً مِنْهُ وَ ثَارَ مُغْضَباً وَ نَادَى بِمَنْ حَوْلَهُ وَ أَمَرَهُمْ بِحَفِيرٍ فَحَفَرَ وَ قَالَ لَأُشْبِعَنَّكَ

49

الْيَوْمَ لَحْماً وَ شَحْماً فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ قَاتِلُهُمْ قَالُوا لَئِنْ قَتَلْتَنَا فَأَنْتَ تُحْيِينَا فَاسْتَتَابَهُمْ فَأَصَرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ وَ أَضْرَمَ نَاراً فِي ذَلِكَ الْحَفِيرِ فَأَحْرَقَهُمْ فِيهِ وَ قَالَ ص

لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْراً مُنْكَراً * * *

أَضْرَمْتُ نَارِي وَ دَعَوْتُ قَنْبَراً

و هذا من مشهور الأخبار عنه(ص)و كان في أعصار الأئمة من ولده مثل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم كالمغيرة بن سعيد لعنه الله و كان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي(ص)و دعاته فاستزله الشيطان فكفر و ادعى النبوة و زعم أنه يحيي الموتى و زعم أن أبا جعفر(ص)إله تعالى الله رب العالمين و زعم أنه بعثه رسولا و تابعه على قوله كثير من أصحابه سموا المغيرية باسمه و بلغ ذلك أبا جعفر محمد بن علي(ص)و لم يكن له سلطان كما كان لعلي فيقتلهم كما قتل علي(ص)الذين ألحدوا فيه فلعن أبو جعفر(ص)المغيرة و أصحابه و تبرأ منه و من قوله و من أصحابه و كتب إلى جماعة أوليائه و شيعته و أمرهم برفضهم و البراءة إلى الله منهم و لعنه و لعنهم ففعلوا فسماهم المغيرية الرافضة لرفضهم إياه و قبولهم ما قال المغيرة لعنه الله و كانت بينه و بينهم و بين أصحابه مناظرة و خصومة و احتجاج يطول ذكرها و استحل المغيرة و أصحابه المحارم كلها و أباحوها و عطلوا الشرائع و تركوها و انسلخوا من الإسلام جملة و بانوا من جميع شيعة الحق كافة و أتباع الأئمة و أشهر أبو جعفر محمد بن علي(ص)لعنهم و البراءة منهم ثم كان أبو الخطاب في عصر جعفر بن محمد(ص)من أجل دعاته فأصابه ما أصاب المغيرة فكفر و ادعى أيضا النبوة و زعم أن جعفر بن محمد(ص)إله تعالى الله عن قوله و استحل المحارم كلها و رخص فيها و كان أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة أتوه و قالوا يا أبا الخطاب خفف علينا فيأمرهم بتركها حتى تركوا جميع الفرائض و استحلوا جميع

50

المحارم و ارتكبوا المحظورات و أباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور و قال من عرف الإمام فقد حل له كل شيء كان حرم عليه فبلغ أمره جعفر بن محمد(ع)فلم يقدر عليه بأكثر من أن لعنه و تبرأ منه و جمع أصحابه فعرفهم ذلك و كتب إلى البلدان بالبراءة منه و باللعنة عليه و كان ذلك أكثر ما أمكنه فيه. و عظم ذلك على أبي عبد الله جعفر بن محمد(ص)و استفظعه و استهاله.

قَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ عَمْرٍو

دَخَلْتُ يَوْماً عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)فَرَأَيْتُهُ مُقَارِباً مُنْقَبِضاً مُسْتَعْبِراً فَقُلْتُ لَهُ مَا لَكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً أَيْ مُفَضَّلُ زَعَمَ هَذَا الْكَذَّابُ الْكَافِرُ أَنِّي أَنَا اللَّهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبِّي وَ رَبُّ آبَائِي هُوَ الَّذِي خَلَقَنَا وَ أَعْطَانَا وَ خَوَّلَنَا فَنَحْنُ أَعْلَامُ الْهُدَى وَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى اخْرُجْ إِلَى هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابَ أَبِي الْخَطَّابِ فَقُلْ لَهُمْ إِنَّا مَخْلُوقُونَ وَ عِبَادٌ مَرْبُوبُونَ وَ لَكِنْ لَنَا مِنْ رَبِّنَا مَنْزِلَةٌ لَمْ يَنْزِلْهَا أَحَدٌ غَيْرُنَا وَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَنَا وَ نَحْنُ نُورٌ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ شِيعَتُنَا مِنَّا وَ سَائِرُ مَنْ خَالَفَنَا مِنَ الْخَلْقِ فَهُوَ فِي النَّارِ نَحْنُ جِيرَانُ اللَّهِ غَداً فِي دَارِهِ فَمَنْ قَبِلَ مِنَّا وَ أَطَاعَنَا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَ مَنْ أَطَاعَ الْكَافِرَ الْكَذَّابَ فَهُوَ فِي النَّارِ

رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ص)

أَنَّ سَدِيراً الصَّيْرَفِيَّ سَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ شِيعَتَكُمْ اخْتَلَفَتْ فِيكُمْ فَأَكْثَرْتُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْإِمَامَ يَنْكُتُ فِي أُذُنِهِ وَ قَالَ آخَرُونَ يُوحَى إِلَيْهِ وَ قَالَ آخَرُونَ يُقْذَفُ فِي قَلْبِهِ وَ قَالَ آخَرُونَ يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ قَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا يُفْتِي بِكُتُبِ آبَائِهِ فَبِأَيِّ قَوْلِهِمْ آخُذُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ لَا تَأْخُذْ بِشَيْءٍ مِنْ قَوْلِهِمْ يَا سَدِيرُ نَحْنُ حُجَّةُ اللَّهِ وَ أُمَنَاؤُهُ عَلَى خَلْقِهِ حَلَالُنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ حَرَامُنَا مِنْهُ

وَ رُوِّينَا عَنْهُ(ص)

أَنَّ الْعِيصَ بْنَ الْمُخْتَارِ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ جُعِلْتُ