رسائل الشريف المرتضى - ج1

- السيد المرتضى المزيد...
443 /
5

[ (1) جوابات المسائل التبانيات]

[خطبة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

بحمد اللّٰه نستفتح كل قول، و نستعين على كل عمل، و بأنوار هدايته نسترشد في الشبهات، و نستضيء في الظلمات، و إياه جلت عظمته نسأل أن يصلي أولا و آخرا على سيدنا محمد نبيه و صفية، و على آله الذين أذهب اللّٰه عنهم الرجس و طهرهم من الأنجاس و تبرأهم من الأدناس، صلاة سالمة من الرياء، لازمة للاستواء، موصولة غير مقطوعة، و مبذولة غير ممنوعة، و سلم عليهم تسليما.

و من بعد: فانني وقفت على المسائل التي سألت- أحسن اللّٰه توفيقك، و أجزل من كل خير نصيبك- الجواب عنها، و الإيضاح لما أشكل منها.

فوجدتها عند التصفح و التأمل دالة على فكر دقيق التوصل، لطيف التغلغل، فكم من شبهة كانت لقوتها و دقتها أدل على الفطنة من حجة جلية ظاهرة.

و أنا أجيب عن هذه المسائل بما يتسع له وقتي المضيق، و قلبي المتقسم المتشعب، و من اللّٰه تعالى أستمد المعونة و التوفيق ..

حكاية ما افتتحت به .. المسائل .. إذا كان اللّٰه جلت عظمته و تقدست

6

أسماؤه، فقد أنعم على الكافة بسيدنا الأجل المرتضى ذي المجدين علم الهدى أدام اللّٰه سلطانه، و أعز نصره، و أيد الإسلام و أهله بدوام بقائه، و كبت أعداءه و جعل (1) المفزع فيما يعرض لهم من أمر دينهم، فيكشف ملتبسه، و يوضح مشكلة، و يظهر خفيه، و يبين مجمله، و يزيل بذلك ريبهم، و ينفي شكهم، و يشرح صدورهم، و يسكن نفوسهم.

و لا عذر بعد هذه النعمة لمن أقام على ظلمة الريب و منازعة الشك، مع التمكن من مفارقتهما و الراحة من مجاهدتهما. و أحق ما سأل (2) المسترشد، و طلب معرفته المتدين، ما لا رخصة في إهماله، و لا توسعة في إغفاله، هو (3) العلم بما يلزمه من العبادات الشرعية و الأحكام السمعية، التي لا ينفك المكلف من وجوبها، و لا يخلو من لزومها، و لا يصح منه التقرب بها و الأداء لما يجب عليه منها الا بعد معرفتها، و التمييز لها من غيرها.

و إذا تضمن السؤال ما هذه حاله، فقد تعين على من لا يتمكن من الجواب عنه غيره فرضه، و لزمه بذله و بيانه.

و ها أنا سائل مسترشد، و طالب متفهم، و ذاكر ما استفدته من المجلس الأشرف عند الدروس، و حصلته بالمسائلة و البحث، و راغب الى الدين المهذب و الورع المتنزه، في إجابتي بما يكون عليه اعتمادي، و اليه مفزعي، و يحتسبه عملي، و عليه معولي، و له في ذلك على الرأي إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) ظ: جعله.

(2) ظ: سأله.

(3) ظ: و هو.

7

الفصل الأول

[الطريق إلى معرفة الاحكام الشرعية عن أدلتها]

الذي يظهر منا عند المناظرة لمخالفينا، التخطئة لهم فيما يرونه و يذهبون اليه، من إثبات العبادات و الاحكام بالقياس و الاستحسان، و الاجتهاد بالرأي، و بأخبار الآحاد. التي يعترفون بفقد العلم بصدق رواتها، و تجويز الخطأ [على] (1) ناقليها.

و بإجماع ما يجوزون تعمد الباطل على كل واحد منهم، و لا يعتبرون حصول المقصود فيهم، و ان ذلك بدعة و ضلال من فعلهم. و هذا سبيل ما تدعونه (2) من الطريق الى ثبوت الإجماع من الأمة، و العلم به أنهم لا يعرفون مخالفا لما قالوا لان فقد العلم بالخلاف و النكير لا يدل على الرضا و التدين.

و ان كان جميع ما عددناه فاسدا، فهل بقي بعده ما يتوصل به الى إثبات العبادات و الاحكام؟ و الإجماع أمر زائد على ظواهر القرآن و المتواتر من الاخبار و ان كان هناك زيادة فما هي؟

____________

(1) الزيادة منا.

(2) ظ: ما يدعونه.

8

و هل من جملتها ما يذكره كثير من أصحابنا عند ورود الخبرين اللذين لا يوجد مغمز في ناقليهما و ظنهم تنافيهما، و أنه لا بدّ من اطراح العمل بأحدهما و من أن عمل الطائفة بواحد يعينونه (1) منهما؟

و هل ما يذكرونه قرينة للرواية، يحصل لأجلها طريق العلم أم لا؟ و ان كان عمل الطائفة قرينة، فما المراد بالطائفة؟ و هل هم جميع من تدين بالإمامة من مشارق الأرض و مغاربها أو بعضهم؟

فان كان المراد الكل فما الطريق التي نتوصل به الى معرفة عملها، و لسنا نشاهد جميعها، و لا تواتر ثابت ينافي فعل من لم نشاهد منها؟

و ما الذي نعول عليه بعد فقد هذين منها؟ و ان كان هناك طريق للعلم بعمل لم نشاهده و لا تواتر علينا الخبر عنه، فما المانع من سلوكه في معرفة عمل الرسول و الامام (صلوات اللّٰه عليهما و السلام)؟.

اللهم الا أن يكون الطريق مختصا بالطائفة، و محالا ثبوته في عمل الرسول و الامام، فما هو؟ و ما وجه احالته؟ و هل هو أيضا أم يختص (2) بصحة التعلق به دون من يخالفنا فيما يدعونه من ثبوت الإجماع فيما يمنعهم منه نحن القول بأنا لا نعلم مخالفا من الطائفة.

و ما الفرق بين القائل لذلك؟ و بين من قال مثله في عمل الرسول و الامام؟

إذا لم يكن معنا علم بعمل من غاب عنا (3).

و لم صار القائل بأني إذا لم أعلم أن من غاب عني من الطائفة عامل بما

____________

(1) ظ: يعين العمل به.

(2) ظ: أمر نختص.

(3) في هامش النسخة: عنى.

9

تضمنه الروايتين (1) و قطعنا على أنهم عاملون بما تضمنه الرواية الأخرى، أولى ممن عكس ذلك، و قال: إذا لم أعلم أن من غاب عني من الطائفة عامل بما تضمنه الرواية الأخرى، قطعت على أنهم عاملون بما تضمنه الرواية التي ادعيت نفي عملهم بها.

ثم له أن يسلك مثل ذلك في فعل الرسول و الامام، فيعين احدى الروايتين و يقول: إذا لم أعلم أن الرسول و الامام عاملان بها، قطعت على أنهما عاملان بالأخرى.

و يكون بهذا القول أولى، لأن الدواعي إلى نقل ما يفعله الرسول و الامام مما فيه تبيان للدين، و ما يلزم المكلفين متوفرة، لأنهما الحجة و المفزع، و على قولهما و فعلهما المعول، و التواتر به و الحفظ به ممكن متسهل، و نقل فعل جميع من يتدين بالإمامة في مشارق الأرض و مغاربها، حتى لا يبقى منهم واحد ممتنع متعذر، و لو كان ممكنا متسهلا لم يكن الى حفظه و نقله داع.

هذا ان أريد بالطائفة الكل، فأما ان أريد البعض فمن ذلك البعض؟ و ما الذي أفردهم بهذا الحكم و قصره عليهم دون غيرهم.

و أي الأمرين أريد بالطائفة- أعني الكل أو البعض- هل العلم بحصول المعصوم فيها و وجود علمه في جملة علمها معتبر أم لا؟ فان كان معتبرا فما الطريق اليه؟

و ما الذي إذا سلكناه لأن (2) دلالة عليه مع فقد المشاهدة و التواتر؟ و هل لنا

____________

(1) الظاهر زيادة كلمة الواو.

(2) لعل الصحيح «كان».

10

أن نقول إذا علمنا صحة حكم من الاحكام فلا .. (1) خطابه (2) عز و جل وقف على الدليل الدال على إضافته إليه.

[الطريق إلى معرفة خطاب اللّٰه و الرسول]

و قد يعلم في بعض الخطاب أنه كلامه تعالى بوجوه: منها أن يختص بصفة لا تكون الا لكلامه تعالى، مثل أن يختص بفصاحة و بلاغة خارجين عن العادة فعلم أنه من مقدور غير البشر، كما يذهب أيضا من جعل إعجاز القرآن من جهة الفصاحة الخارقة للعادة.

و قد اعتمد قوم في إضافته في كلامه اليه تعالى على أن يحدث على وجه لا يتمكن البشر من أحداثه عليه، كسماعه من شجرة، أو ما يجري مجراها.

و هذا ليس بمعتمد، لان سماع الكلام من الشجرة يدل على أنه ليس من فعل البشر، من أين أنه ليس من فعل جني و ملك سلكا أفنان الشجرة و خلالها و سمع ذلك من كلامه.

و هذا القدح أيضا يمكن أن يعترض به في الفصاحة. اللهم الا أن يتقدم لنا العلم بأن فصاحة الجن و الملائكة لا تزيد على فصاحة البشر، فيكون ذلك الوجه دليلا على أنه من كلام اللّٰه تعالى.

و الوجه المعتمد في إضافة الخطاب الى اللّٰه تعالى، أن يشهد الرسول المؤيد

____________

(1) قال في هامش النسخة: بياض في نسخة الأصل المصحح بجملة من يعتمد تصحيحه، و هكذا في موارد أخر من هذه الأوراق انتهى. و يؤيده ما في الذريعة [5- 217] قال: في أثناء الفصول بياضات في النسخة التي رأيتها. إلخ.

(2) الظاهر أن هذا من جملة جواب السيد المرتضى، و أجاب بأنه لا بدّ من العلم بطريق الذي هو خطابه تعالى و خطاب الرسول و الامام، فأما خطابه عز و جل- إلخ.

11

بالمعجز المقطوع على صحة نبوته و صدقه، بأن ذلك الكلام من كلامه تعالى فيقطع العلم و يزول الريب، كما فعل نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله) بسور القرآن.

و أما الطريق إلى معرفة خطاب الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) فقد يكون بالمشافهة لمن يشهدهما، و يعلم ضرورة اضافة الخطاب إليهما.

و من نأى عنهما فطريقه الى هذه المعرفة الخبر المتواتر الذي يفضي الى العلم.

[إثبات حجية الإجماع]

و ها هنا طريق آخر يجري في وقوع العلم مجرى التواتر و المشافهة، و هو أن يعلم عند عدم تمييز عين الامام و انفراد شخصه، إجماع جماعة على بعض الأقوال، يوثق بأن قوله داخل في جملة أقوالهم.

فإن قيل: هذا القسم أيضا لا يخرج عن المشافهة أو التواتر، لأن إمام العصر إذا كان موجودا، فاما أن يعرف مذهبه و أقواله مشافهة و سماعا، أو بالمتواتر عنه.

قلنا: الأمر على ما تضمنه السؤال غير أن الرسول و الامام إذا كان متميزا متعينا، علمت مذاهبه و أقواله بالمشافهة أو بالتواتر عنه. و إذا كان مستترا غير متميز العين- و ان كان مقطوعا على وجوده و اختلاطه بنا- علمت أقواله بإجماع الطائفة التي نقطع على أن قوله في جملة أقوالهم، و ان كان العلم بذلك من أحواله لا يعد و اما المشافهة أو التواتر، و انما يختلف الحالان بالتمييز و التعيين في حال، و فقدهما في أخرى.

فإن قيل: من أين يصح العلم بقول الإمام إذا لم يكن متعينا متميزا، و كيف يمكن أن يحتج بإجماع الفرقة المحقة في أن قوله داخل في جملة أقوالهم.

أو ليس هذا يقتضي أن تكونوا قد عرفتم كل محق في سهل و جبل

12

و بر و بحر و حزن و وعر، و لقيتموه حتى عرفتم أقواله و مذاهبه، أو أخبرتم بالتواتر عن ذلك، و معلوم لكل عاقل استحالة هذا و تعذره.

و ليس يمكنكم أن تجعلوا إجماع من عرفتموه من الطائفة المحقة هو الحجة، لأنكم لا تأمنون من أن يكون قول الإمام الذي هو الحجة في الحقيقة خارجا عنه.

قلنا: هذه شبهة معروفة مشهورة، و هي التي عوّل عليها و اعتمدها من قدح في الإجماع، من جهة أنه لا يمكن معرفة حصوله و اتفاق الأقوال كلها على المذهب الواحد. و الجواب عن ذلك سهل واضح.

و جملته: أنه لا يجب دفع حصول العلم الذي لا ريب فيه و لا شك، لفقد العلم بطريقه على سبيل التفصيل. فان كثيرا من العلوم قد تحصل من غير أن تنفصل المعالم طريقها.

ألا ترى ان العلم بالبلدان و الأمصار و الحوادث الكبار و الملوك العظام، فإنه يحصل بلا ارتياب لكل عاقل يخالط الناس حتى لا يعارضه شك، و لو طالبته بطريق ذلك على سبيل التفصيل لتعذر عليه ذكره و الإشارة اليه.

و لو قيل لمن عرف البصرة و الكوفة و هو لم يشاهدهما، و قطع على بدر و حنين و الجمل و صفين و ما أشبه ذلك: أشر الى من خبرك بهذا، و عين من أنبأك به، و كيف حصل لك العلم به؟ لتعذر عليه تفصيل ذلك و تمييزه و لم يقدح تعذر التمييز و التفصيل عليه في علمه بما ذكرناه، و ان كان عند التأمل على الجملة أنه علم ذلك بالاخبار، و ان لم ينفصل له كل مخبر على التعيين.

و إذا كانت مذاهب الأمة مستقرة على طول العهد و تداول الأيام، و كثرة الخوض و البلوى، و توفر الدواعي و قوتها، فما خرج عن المعلوم منها نقطع على أنه ليس مذهبا لها و لا قول من أقوالها.

و كذلك إذا كانت مذاهب فرق الأمة على اختلافها مستمرة مستقرة على

13

طول الأزمان، و تردد الخلاف، و وقوع التناظر و التجادل، جرى العلم بإجماع كل فرقة على مذاهبها المعروفة المألوفة و تميزه مما بائنة و خالفه، مجرى العلم بمذاهب جميع الأمة و ما وافقه و خرج عنه.

و من هذا الذي يشك في أن تحريم الخمر و لحم الخنزير و الربا، ليس من مذهب أحد المسلمين، و ان كنا لم نلق كل مسلم في البر و البحر و السهل و الوعر.

و أي عاقل من أهل العلم يرتاب في أن أحدا من الأمة لم يذهب في الجد و الأخ إذا انفردا في الميراث، أن المال للأخ لا للجد، و أن الاخوة من الام يرثون مع الجد.

و إذا كانت أقوال الأمة على اتساعها و انتشارها في الفتاوي تنضبط لنا، حتى لا نشك فيما دخل فيها و ما خرج عنها، فكيف يستعبد انحصار أقوال الشيعة الذين نذكر أن قول الحجة فيهم، و من جملة أقوالهم، و هم أقل عددا و أقرب انحصارا؟.

أو ليس أقوال أبي حنيفة و أصحابه و الشافعي، و المختلف من أقوالهم قد انحصرت، حتى لا يمكن أحدا أن يدعي أن حنفيا أو شافعيا يذهب الى خلاف ما عرف و ظهر و سطر، و ان لم تجب البحار و تحل الأمصار و تشافه كل حنفي و شافعي. فما المنكر من مثل ذلك في أقوال الشيعة الإمامية؟

و ان أظهر مظهر الشك في جميع ما ذكرنا منه القليل و هو الكثير الغريز و قال: انني لا أقطع على شيء مما ذكرتم أنه مقطوع عليه، لفقد طريق العلم الذي هو المشاهدة أو التواتر. لحق بالسمنية جاحدي الاخبار، و قرب من السوفسطائية منكري المشاهدات.

و لا فرق البتة عند العقلاء من تجويز مذهب للأمة لم نعرفه و لم نألفه و لم

14

ينقل إلينا، مع كثرة البحث و استمرار الخوض. و بين بلد عظيم في أقرب المواضع مما لم ينقل خبره إلينا، و حادثة عظيمة لم نحط بها علما.

و قيل لمن تعلق بذلك: ان كنت تدفع العلم عن نفسك و السكون الى ما ذكرناه، فأنت مكابر كالسمنية و السوفسطائية. و ان كنت تقول: طريق العلم متعذر، لانه المشاهدة و التواتر و قد ارتفعا.

قلنا لك: ما تقدم من أن التفصيل قد يتعذر مع حصول العلم، و التواتر و المشاهدة في الجملة طريق الى ما ذكرناه، غير أنه ربما تجلى و يعتق، و ربما التبس و اشتبه. و لن يلتبس الطريق و يتعذر تفصيله الّا عند قوة العلم و امتناع دفعه.

ألا ترى أن العالم بالبلدان و الحوادث الكبار على الوجه القوي الجلي، لو قيل له: من أين علمت؟ و من خبّرك و نقل إليك؟ لتعذر عليه الإشارة الى طريقه. و ليس هكذا من علم شيئا بنقل خاص متعين، لانّه يتمكن متى سئل عن طريق علمه أن يشير اليه.

فقد صار تعذر التفصيل للطريق علما على قوة العلم و شدة اليقين، فلهذا استغني عن تفصيل طريقه.

و انما يحتاج الى تعيين الطريق فيما لم يستو العلم بالطريق المعلوم، فأما ما يستو (1) فيه قوة المعلوم بوضوحه و تجليه و ارتفاع الريب و الشك فيه، فأي حاجة الى العلم بتعيين طريقه؟

[دخول الامام (عليه السلام) في الإجماع] و بعد، فالإجماع الموثوق به في الفرقة المحقة، هو إجماع الخاصة دون

____________

(1) ظ: يستوي فيه.

15

العامة، و العلماء دون الجهال. و معلوم أن الحصر أقرب الى ما ذكرناه.

ألا ترى أن علماء أهل كل نحلة و ملة في العلوم و الآداب، معروفون محصورون متميزون، و إذا كانت أقوال العلماء في كل مذهب مضبوطة، و الامام لا يكون الا سيد العلماء و أوحدهم، فلا بد من دخوله في جملتهم، و القطع على أن قوله كقولهم.

و هل الطاعن على الطريقة التي ذكرناها بأنا لم نلق كل امامي و لا عرفناه، الا كالطاعن في إجماع النحويين و اللغويين على ما أجمعوا عليه في لغاتهم و طرقهم، بأنا لم نلق كل نحوي و لغوي في الأقطار و الأمصار، و يلزمنا الشك في قول زائد على ما عرفناه من أقوالهم المسطورة المشهورة.

فإن قيل: لم يبق الا أن تدلوا على أن قول الامام مع عدم تميزه و تعينه في جملة أقوال الشيعة الإمامية خاصة دون سائر الفرق، حتى تقع الثقة بما يجمعون عليه و يذهبون اليه، و لا ينفع أن يكون قوله موجودا في جملة أقوال الأمة، من غير أن يتعين لنا الفرقة التي قوله فيها و لا يخرج عنها.

قلنا: إذا دل الدليل القاهر على أن الحق في قول هذه الفرقة دون غيرها، فلا بد من أن يكون الإمام الذي نثق بأنه لا يفارق الحق و لا يعتمد سواه، مذهبه مذهب هذه الفرقة، إذ لا حق سواه.

و كما نعلم مع غيبته و تعذر تمييزه أن مذهبه مذهب أهل العلم و التوحيد، ثم مذهب أهل الإسلام من جملتهم، من حيث علمنا أن هذه المذاهب هي التي دل الدليل على صوابها و فساد ما عداها. فكذلك القول في الامام.

و إذا فرضنا أن الامام امامى المذهب، علمنا بالطريق الذي تقدم في مذهب مخصوص، أن كل امامى عليه، و زال الريب في ذلك. فقد بان أن إجماع الإمامية على قول أو مذهب لا يكون الا حقا، لأنهم لا يجمعون الا و قول الامام

16

داخل في جملة أقوالهم، كما أنهم لا يجمعون الا و قول كل عالم منهم داخل في جملة أقوالهم.

فإن عاد السائل الى أن يقول: فلعل قول الامام و ان كان موافقا للإمامية في مذاهبها لم تعرفوه و لم تسمعوه (1)، لأنكم ما لقيتموه و لا تواتر عنه الخبر على التمييز و التعيين.

فهذا رجوع الى الطعن في كل إجماع و تشكيك في الثقة بإجماع كلّ فرقة على مذهب مخصوص، و ليس بطعن يختص ما نحن بسبيله.

و الجواب عنه قد تقدم مستقصى، و أوضحنا أن التشكيك في ذلك دفع للضروريات و لحوق بأهل الجهالات.

[الإجماع حجة في كل حكم ليس له دليل] و إذ قد قدمنا تقديمه مما هو جواب عند التأمل عن جميع ما تضمنه الفصل الأول، فنحن نشير الى المواضع التي تجب الإشارة إليها، و التنبيه على الصواب فيها من جملة الفصل.

أما ما مضى في الفصل من أنكم إذا اطلعتم على طرق مخالفيكم التي يتوصلون بها الى الأحكام الشرعية، لا بدّ من ذكر طريق لا يلحقه تلك الطعون، توضحون أنه موصل الى العلم بالأحكام، فلعمري أنه لا بدّ من ذلك.

و قد بينا فيما قدمناه كيف الطريق الى العلم بالأحكام و شرحناه و أوضحناه، و ليس رجوعنا الى عمل الطائفة و إجماعها في ترجيح أحد الخبرين الروايين على صاحبه أمرا يختص هذا الموضع، حتى يظن ظان أن الرجوع الى إجماع الطائفة انما هو في هذا الضرب من الترجيح.

____________

(1) فيما لا يعرفوه و لا يسمعوا به. كذا في هامش النسخة.

17

بل نرجع إلى إجماعهم في كل حكم لم نستفده بظاهر الكتاب، و لا بالنقل المتواتر الموجب للعلم عن الرسول أو الإمام (عليه السلام)، سواء ورد بذلك خبر معين أو لم يرد، و سواء تقابلت فيه الروايات أو لم تتقابل، لأنّ العمل بخبر الواحد المجرّد ليس بحجة عندهم على وجه من الوجوه، انفرد من معارض أو قابله غيره على سبيل التعارض.

فأما ما مضى في الفصل من ذكر طرف المشارق و المغارب و السهول و الوعور، و أن ذلك إذا تعذر لم يقع الثقة بعموم المذهب بكل واحد من الفرقة. فقد مضى الجواب عنه مستوفى مستقصى، و بينا أن العلم بذلك حاصل ثابت بالمشافهة و التواتر، و ان [لم] تجب البلاد و تعرف كل نسالها.

فأما التقسيم الذي ذكر أنه لا يخلو القائل بأن الفرقة أجمعت، من أن يريد كل متدين بالإمامة و معتقد لها، أو يريد البعض، و تعاطي إفساد القسم الأول بما تقدم ذكره.

و الكلام على الثاني بالمطالبة بالدليل المميز لذلك البعض من غيرهم، و الحجة الموجبة لكون الحق فيه، ثم بإقامة الدلالة على أن قول الامام المعصوم الذي هو الحجة على الحقيقة في جملة أقوال ذلك البعض دون (1) ما عداهم من أهل المذاهب.

فالكلام عليه أيضا مستفاد بما تقدم بيانه و إيرادنا له، غير أنا نقول: ليس المشار بالإجماع الذي نقطع على أن الحجة فيه الى إجماع العامة و الخاصة و العلماء و الجهال. و انما المشار بذلك إلى إجماع العلماء الذين لهم في الأحكام الشرعية أقوال مضبوطة معروفة، فأما من لا قول له فيما ذكرناه- و لعله لا يخطر بباله- أي إجماع له يعتبر.

____________

(1) ظ: من.

18

[كيفية العلم بدخول قول الإمام في الإجماع] فأمّا الدليل على أن قول الإمام في هذا البعض الذي عيناه دون غيره فواضح، لأنه إذا كان الامام (عليه السلام) أحد العلماء بل سيدهم، فقوله في جملة أقوال العلماء.

و إذا علمنا في قول من الأقوال أنه مذهب لكل عالم من الإمامية فلا بد من أن يكون الامام (عليه السلام) داخلا في هذه الجملة، كما لا بدّ من أن يكون كل عالم امامي، و ان لم يكن اماما يدخل في الجملة .. (1).

قرينة للخبر لا يخلو من أن يعتبر فيه العلم بعمل المعصوم في جملة عملهم الى آخر الفصل.

فالكلام عليه أن عمل المعصوم هو الحجة دون عمل غيره ممن انضم اليه و لا حجة في عمل الجماعة التي لا يعلم دخول المعصوم فيها، و لا هو أيضا إذا خرج المعصوم منه، إجماع جميع أهل الحق. و لو انفرد لنا عمل المعصوم و تميز، لما احتجنا الى سواه، و انما راعينا عند فقد التمييز دخوله في جملة غيره، لنثق بأن قوله في جملة تلك الأقوال.

و لا معنى لقول من يقول: فإذا كان علمه (2) مستقلا بنفسه في كونه حجة و دلالة، فلا اعتبار بغيره. لأنا ما اعتبرنا غيره الا على وجه مخصوص، و هو حال الالتباس، و ما كان اعتبارنا لغيره الا توصلا اليه و لنثق بما نعلمه.

____________

(1) بياض في النسخة و الظاهر أن يكون: إذا كان عمل الطائفة قرينة لصحة الخبر من حيث وجود المعصوم فيها، فما الوجه في اعتبار عمل غيره؟ و ما الوجه في العلم بصدق الخبر.

(2) ظ: عمله.

19

فأما مطابقة فائدة الخبر بعمل المعصوم، فلا شبهة في أنها لا تدل على صدق الراوي فيما رواه، و من هذا الذي جعل فيما رواه المطابقة دليلا على صدق الراوي.

و الذي يجب تحصيله في هذا أن الفرقة المحقة إذا علمت (1) بحكم من الاحكام أو ذهبت الى مذهب من المذاهب، و وجدنا روايته مطابقة لهذا العمل لا نحكم بصحتها و نقطع على صدق رواتها، لكنا نقطع على وجوب العمل بذلك الحكم المطابق للرواية، لا لأجل الرواية، لكن بعمل المعصوم الذي قطعنا على دخوله في جملة عمل القائلين بذلك الحكم.

اللهم الا أن تجمع الفرقة المحقة على صحة خبر و صدق راويه، فيحكم حينئذ بذلك مضافا الى العمل.

فان قيل: و كيف تجمع الفرقة المحقة على صدق بعض أخبار الآحاد، و أي طريق لها الى ذلك؟

قلنا: يمكن أن تكون عرفت ذلك بأمارة، أو علامة على الصادق (2) من طريق الجملة. و يمكن أيضا أن يكونوا عرفوا في راو بعينه صدقه على سبيل التمييز و التعيين، لأن هؤلاء المجمعين من الفرقة المحقة قد كان لهم سلف قبل سلف يلقون الأئمة (عليهم السلام) الذين كانوا في أعصارهم، و هم ظاهرون بارزون تسمع أقوالهم و يرجع إليهم في المشكلات.

و في الجملة: إجماع الفرقة المحقة لأن المعصوم فيه حجة، فإذا أجمعوا على شيء قطعنا على صحته، و ليس علينا أن نعلم دليلهم الذي أجمعوا لأجله

____________

(1) ظ: عملت.

(2) ظ: دلت على الصدق.

20

ما هو بعينه، فان ذلك عنا موضوع، لان حجتنا التي عليها نعتمد هي إجماعهم لا ما لأجله كان إجماعهم.

و مخالفونا في مسألة الإمامة بمثل هذا الجواب يجيبون إذا سئلوا عن علل الإجماع و طرقه و أولويته.

فإن قيل: فما تقولون في خبرين واردين من طرق الآحاد تعارضا و تنافيا، و لم تعمل الفرقة المحقة بما يطابق فائدة أحدهما، و لا أجمعوا في واحد منهما على صحة و لا فساد.

قلنا: لا نعمل بشيء من هذين الخبرين، بل يكونان عندنا مطروحين و بمنزلة ما لم يرد، و نكون على ما تقتضيه الأدلة الشرعية في تلك الاحكام التي تضمنها الأخبار الواردة من طريق الآحاد. و ان لم يكن لنا دليل شرعي في ذلك، استمررنا على ما يقتضيه العقل

21

الفصل الثاني

[الكلام في حجية خبر الواحد و عدمه]

ابتداؤه أن قيل: العمل بخبر الواحد مفرد (1) عن العمل بخبر معين، و هو (2) الأصل الذي يترتب عليه العمل بخبر معين.

فان قلنا: ان الطائفة عاملة بأحد الخبرين، فقد أقررنا بعملها بأخبار الآحاد لانه من جملتها، فما الذي يعترض ذلك ان كان فاسدا؟

فان قلنا: انهم لم يعملوا لمجرد الرواية، بل لقرينة. كان له أن يقول: و ما تلك القرينة؟ و يطالب بالخبر عنها لمن عمل بالخبر لأجلها.

و الكلام على هذا القدر من الفصل، يستفاد من كلامنا الذي قدمناه، لأنا قد بينا أن العمل بخبر الواحد الذي لم يقم دلالة على صدقه و لا على وجوب العمل به، غير صحيح.

فالطائفة التي قد ثبت أن إجماعها حجة، لا يجوز أن تجمع لأجل خبر لم تقم الحجة به، و لا يسند إجماعها على ذلك الحكم، الا الى ما هو دليل في

____________

(1) ظ: مفردا.

(2) ظ: بخبر معين هو الأصل.

22

نفسه و حجة.

و إذا كنا لا نجيز ما ذكره و انما نرتبه على الوجه الذي أوضحناه، فقد سقط التعويل على ما تضمنه هذا الكلام.

ثم قال: فان قيل: المعلوم من حال الطائفة و فقهائها الذين سيدنا (أدام اللّٰه علوه) منهم بل أجلهم، و معلوم أن من عدا العلماء و الفقهاء تبع لهم، و آخذ عنهم و متعلم منهم، يعملون بأخبار الآحاد و يحتجون بها، و يعولون في أكثر العبادات و الاحكام عليها، يشهد بذلك من حالهم كتبهم المصنفة في الفقه المتداولة في أيدي الناس، التي لا يوجد في أكثر رواتها و ما يشتمل عليه زيادة على روايات الآحاد، و لا يمكن الإشارات (1) الى كتاب من كتبهم، مقصور على ظواهر القران و المتواتر من الاخبار. و هذه المحنة بيننا و بين من ادعى خلاف ما ذكرنا.

و إذا كان لا وجه لذكر الروايات في أبواب الفقه إلا الدلالة على صحة ما اجتريت عليه من الاحكام و الاحتجاج بها، و عم ذلك جميع الطائفة، و كان معلوما من شأنها، بينا (2) أحد الحكمين، و هو العلم بعملها بخبر الآحاد، و تعذر على من ادعى العمل بخبر معين مثل ذلك.

و إذا تقرر بما تقدم عمل الطائفة بأخبار الآحاد، و هي أحد طائفتي الأمة و شطرها، و كان من بقي بعدها و هم العامة العمل بخبر الآحاد، و معلوم (3) من مذهبها، و مشهور من قولها.

و ما يروى من مذهب النظام و غيره داخل في جملتها و يزيد عليه، لانه

____________

(1) ظ: الإشارة.

(2) كذا في النسخة.

(3) ظ: زيادة كلمة الواو.

23

يضيف الى وجوب العمل بها حصول العلم الضروري عنها.

و جعفر بن مبشر كتابه في الفقه موجود متداول، و يصرح فيه بالعمل بخبر الآحاد، و يعول عليها فيه بحسب ما فعله سائر الفقهاء. و لو صحت الرواية عن الجعفرين و الإسكافي (1)، لكان إجماعهم قد سبقهم، و حكم بفساد قولهم.

على أن المعول عليه في الاحتجاج بالإجماع، إذا لم يتعين لنا قول المعصوم، الرجوع الى جميع الأمة، لأنه من جملتها، أو الى الطائفة المحقة بمثل ذلك.

فأما من علمنا أنه غير المعصوم، و من قطعنا على أنه ليس منهم، فلا وجه للرجوع الى قوله، و من حكي عنه الامتناع من العمل بأخبار الآحاد، هذه سبيلهم في أنا عالمون بأن المعصوم ليس فيهم، لتعين معرفتنا بأنبائهم، فلا معنى لذكرهم و لذكر من يجري مجراهم في الاعتراض على المعلوم من اتفاق طوائف الأمة أو الطائفة المحقة، فالعمل اذن بروايات الآحاد على هذا القول ثابت على لسان الأمة، فما الذي نعترضه ان كان فاسدا.

الكلام على ذلك يقال له: ما رأيناك صنعت في هذا الفصل شيئا أكثر من ادعائك المناقضة الظاهرة على العلماء المحصلين و المتكلمين المدققين، و انهم يحتجون بما يظهرون و يعتقدون أنه لا حجة فيه، و يعتمدون في الاحكام التي يبينونها على ما ينافي أصولهم، و تشهد بأنه ليس بحجة و لا دليل و لا عليه معتمد.

و هذا سوأتنا (2) على القوم، و شهادة عليهم اما بالغفلة الشديدة المنافية للتكليف، أو بالعناد و قلة الدين و التهاون بما يسطر من أقوالهم.

و انما يقول المتكلمون إذا تكلموا في صحة النظر، و ردوا على مبطلة

____________

(1): الظاهر سقوط هذه الجملة: بالمنع من العمل بأخبار الآحاد، لكان- إلخ.

(2) ظ: سوء ثناء.

24

و المطاعن فيه، أنكم تبطلون النظر بنظر، و تفسدونه باستعماله نفسه، لأنه (1) منكري النظر و الرادين على مصححه بله القامة، يجوز عليهم المناقضة و لا يشعرون بها.

فاما أن يقال لمتكلمي طائفتنا و محققي علمائنا، و منهم من يشق الشعر و يغلق الحجر تدقيقا و غوصا على المعاني، أنكم تناقضون و لا تشعرون، لأنكم تذهبون بلا شك و لا ريب أن أخبار الآحاد ليست بحجة و لا دلالة، ثم تعولون في كتبكم و مصنفاتكم على أخبار الآحاد، و لا تعتمدون على سواها، فهو غاية سوء الظن بهم، و التناهي في الطعن: اما على فطنتهم، أو ديانتهم. و أي شيء يقال للغافل العامي هذا؟.

و ليس لأحد أن يقول: انني لا أجمع بين الأمرين اللذين ذكرتموها، فأكون بذلك طاعنا على القوم. بل أقول: إذا تظافر عملهم بأخبار الآحاد و تعويلهم في كتبهم عليها، علمت أنهم لا يذهبون الى فساد أخبار الآحاد و إبطال الاحتجاج بها.

و ذلك أن هذا تطرف بضرب من الاستدلال الى دفع الضرورة، لأنا نعلم علما ضروريا لا يدخل في مثله ريب و لا شك أن علماء الشيعة الإمامية يذهبون الى أن أخبار الآحاد لا يجوّز العمل بها في الشريعة و لا التعويل عليها، و أنها ليست بحجة و لا دلالة.

و قد ملئوا الطوامير و سطروا الأساطير في الاحتجاج على ذلك، و النقض على مخالفيهم. و منهم من يزيد على هذه الجملة و يذهب إلى أنه مستحيل من طريق العقول أن يتعبد اللّٰه تعالى بالعمل بأخبار الآحاد.

و يجري ظهور مذهبهم في أخبار الآحاد مجرى ظهوره في إبطال القياس

____________

(1) ظ: لأن.

25

في الشريعة و خطره و تحريمه، و أكثرهم يحظر القياس و العمل بأخبار الآحاد عقلا.

و إذا كان الأمر على ما ذكرناه من الظهور و التجلي؟ فكيف يتعاطى متعاط ضربا من الاستدلال في دفع هذا المعلوم، الا كمن تكلف وضع كلام في أن الشيعة الإمامية لا تبطل القياس في الشريعة، أو لا تعتقد النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة.

فلما كان هذا كله معلوما اضطرارا لم يجز الالتفات الى من يتعاطى استدلالا على خلافه، و لم يبق بعد ذلك الا أن هؤلاء الذين قد علمنا و اضطررنا الى اعتقادهم فساد العمل بخبر الآحاد، انما عملوا بها في كتبهم و عولوا عليها في مصنفاتهم لأحد أمرين: اما الغفلة، أو العناد و اللعب بالدين. و ما في ذلك الّا ما هم مرفوعون عنه و متنزهون عن مثله.

[الجواب عن وجود اخبار الآحاد في مصنفات الإمامية]

و بعد، فمن شأن المشتبه الملتبس المحتمل أن يبني على الظاهر المنكشف الذي لا يحتمل الملتبس، و قد علمنا أن كل من صنف من علماء هذه الطائفة كتابا و دون علما، فمذهبه الذي لا يختل و لا يشتبه و لا يلتبس، أن أخبار الآحاد ليست بحجة في الشريعة.

فإذا رأينا بعض هؤلاء المصنفين و قد أودع كتابا أشياء من أخبار الآحاد في أحكام الشريعة فلا ينبغي أن نتسرع الى الحكم بأنه أودعها محتجا بها و مستدلا بإيرادها، لأنا متى فعلنا ذلك قضينا بالمحتمل الملتبس على ما لا يحتمل و لا يلتبس.

و ذلك انّ إيداع أخبار الآحاد للكتب المصنفة يمكن أن يكون لوجوه كثيرة و معان مختلفة، و ليس هو خالص لوجه واحد، فقد صار كما ترى محتملا مترددا.

26

فمن الواجب أن نقضي عليه بالظاهر المعلوم الذي لا التباس فيه، و هو القطع على اعتقاد القوم فساد العمل بخبر الواحد، و نعلم على سبيل الجملة أنّهم ما أودعوا ذلك محتجين و لا من المستدلين، بل نعرض لا ينافي ما علمناه من اعتقادهم في أخبار الآحاد.

فان ظفرنا البحث بوجه ذلك على سبيل التفصيل و التعيين- و ان لم يتفق لنا العلم به تفصيلا- كفانا العلم به على سبيل الجملة.

فإن قيل: فاذكروا على كل حال الوجه في إيداع أخبار الآحاد الكتب المصنفة في الفقه، لتزول الشبهة في أن إيداعها الكتب على سبيل الاحتجاج بها.

قلنا: أول ما نقوله في هذا الباب أنه ليس كل ما رواه أصحابنا من الاخبار و أودعوه في كتبهم و ان كان مستندا الى رواة معدودين من الآحاد، معدودا في الحكم من أخبار الآحاد، بل أكثر هذه الاخبار متواتر موجب للعلم ....

لا ما الحجة فيما استودعه، و من هذه صورته كيف يحتج بفعله فطريقه؟ (1).

فأما ما مضى في الفصل من أن المحنة بيننا و بين من ادعى خلاف ما ذكرنا في الفصل من تعويل القوم على أخبار الآحاد و احتجاجهم بهذا.

فهذا الذي مضى كله كلام عليه و إفساد له، و إيضاح لباطن الأمر و ظاهره و جلية و غامضة. و كأن هذا القائل يدعونا إلى المحنة المحوجة لنا مناقضة علماء هذه الفرقة، و أنهم يظهرون إنكار ما يستعملونه بعينه، و يتدينون بإفساد ما لا يحتجون الا به، و لا يعولون الا عليه، و ما ننشط المحنة يجرى بها الى هذا الغرض القبيح.

ثم يقال لمن اعتمد ذلك: عرّفنا في أيّ كتاب رأيت من كتبنا أو كتب أصحابنا المتكلمين المحققين الاعتماد على أخبار الآحاد الخارجة عن الأقسام التي ذكرناها و فصلناها؟ و دعنا من مصنفات أصحاب الحديث من أصحابنا،

____________

(1) ظ: و طريقه.

27

فما في أولئك محتج، و لا من يعرف الحجة، و لا كتبهم موضوعة للاحتجاجات.

فإنك بعد هذا لا تجد موضعا شهد بصحة دعواك، لأن أصحابنا إنما جرت عادتهم بأن يحتجوا على مخالفهم في مسائل الخلاف التي بينهم، اما بظواهر الكتاب و السنة المقطوع بها، أو على سبيل المناقضة لهم و الاستظهار عليهم، بأن يذكروا أن أخبارهم التي رووها- أعني مخالفيهم- و أقيستهم التي يعتمدونها تشهد عليهم على الطريقة التي بينتها و أوضحتها في كتاب «مسائل الخلاف».

فأما أن يحتجوا عليهم بخبر واحد ترويه الشيعة الإمامية متفردة به و لا يعرفه مخالفوها، فهذا عبث و لغو لا يفعله أحد و لا يعاطي مثله.

و إذا كانوا يحتجون على مخالفيهم، و لم يكن مع مخالفيهم الاحتجاج (1) بأخبار آحادهم، ففي أي موضع ليت شعري احتجوا بأخبار الآحاد؟ و ما رأينا أحدا من مصنفي أصحابنا المتكلمين ذكر وجوه جميع مذاهبه في أحكام الشريعة، كما فعل كثير من مخالفينا من الفقهاء.

فيمكن أن يقال: انه ذكر بعض اخبار الآحاد على هذا الوجه، و هذا كله تعلل بالباطل، و الرجوع الى المعلوم المشهور أولى من غيره.

فأما قوله: ان الجعفرين و من جرى مجراهما ممن أنكر العمل بأخبار الآحاد قد عمل بها و عول عليها. فهو أيضا سوء ظن و ثناء على هؤلاء القوم الذين- و ان كانوا مخالفين في بعض المذاهب بالشبه- فلا يجوز أن تريد بهم بالغفلة و البله أو العناد- و هذا مختصر مستصغر في جب (2) رمي علماء الشيعة بمثله.

فأما قوله في خلال هذا الفصل: ان المعول عليه في الاحتجاج بالإجماع على الفرقة التي يكون المعصوم من جملتها، دون الفرقة التي هو (عليه السلام)

____________

(1) ظ: الا الاحتجاج.

(2) ظ: جنب.

28

خارج عنها.

فهو لعمري صحيح، غير أنه نقض لما سلف في الفصل الأول و تدير عليه، لان الفصل الأول مبني على أنه لا يمكن أن يعلم دخول المعصوم في الإجماع و لا طريق للثقة بذلك، و أن هذا يؤدي الى أن نكون قد طفنا البلاد. و أحطنا علما كل قائل و مذهب كل ذاهب، و لا سبيل الى ذلك، فما ليس بطريق و لا جهة إلى العلم كيف يحتج به في بعض المواضع.

و مما مضى في هذا الفصل أيضا قوله: ان من عدا الفرقة المحقة من منكري العمل بأخبار الآحاد، (1) و انما نعلم أن المعصوم ليس فيهم، حتى يكون الحجة في قولهم، لأنا نعرفهم بأعيانهم و أنسابهم. و هذا غير صحيح و لا معتمد، و الذي يجب أن يعتمد في أن الامام (عليه السلام) لا يجوز أن يكون قوله في جملة أقوال بعض مخالفي الشيعة الإمامية.

هو ما تقدم ذكره في أول جواب هذه المسائل، و جملته: ان الامام (عليه السلام) إذا علمنا أن (2) في الأصول على هذه المسائل التي نعتقده (3) دون ما عداها، و لا يجوز أن نطلب أقواله في الفروع إلا في جملة أقوال هذه الفرقة التي علمنا أن أصوله غير مخالفة لأصولهم.

و هذا كاف في أن قوله (عليه السلام) لا يطلب في الفروع الا من بين أقوال شيعة (4) الإمامية دون من عداهم.

فأما أن يقال: قد عرفنا الأعيان و أنساب الفرقة الفلانية، فلا يجوز أن يكون

____________

(1) الظاهر زيادة الواو.

(2) ظ: أنه.

(3) ظ: نعتقدها.

(4) ظ: الشيعة.

29

الإمام (عليه السلام) منها أو لا ينعكس على قائله، بأن يقال له: قد عرفنا أيضا أعيان و أنساب كل امامي، فلا يجوز أن يكون الامام (عليه السلام) من جملتهم.

فإذا قيل: و من الذي يحيط بمعرفة نسب كل امامي في الأرض أو ممن شاهدناه و كاثرناه.

قيل أيضا في المخالفين مثل ذلك، فالمعتمد اذن على ما قدمناه.

30

الفصل الثالث

[اعتماد الرسول بخبر الواحد و الجواب عنه]

ان قيل: قد عمل الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بأخبار الآحاد و اعتمدها، و ذلك شرع منه لأمته يزيل الريب و ينفي الشك، لانه (عليه السلام) أنفذ إلى ملوك الأطراف و رؤساء الأمصار بالآحاد.

و اعتمد عليهم في الدعاء الى تصديق دعوته و الدخول في ملته، و الصبر على الذل و الصغار و إعطاء الجزية، أو الحرب التي في الاقدام عليها و العدول عنها، التغرير بالنفوس و الأموال و الأولاد و الدول و الأموال؟

أنفذ إلى كسرى پرويز عبد اللّٰه بن حذافة السهمي، و الى قيصر دحية بن خليفة الكلبي، و الى المقوقس صاحب الإسكندرية حاطب بن أبي بلتعة، و الى النجاشي عمرو بن أمية الضيمري، و الى ذي الكلاع جرير بن عبد اللّٰه البجلي.

فلو كان خبر من أرسله لا يوجب علما و لا عملا على من أرسلوا اليه، و لا يثمر أيضا شيئا من ذلك إذا عادوا و أوردوا ما سمعوا عليه، لكان إنفاذهم غاية اللبث (1) و نهاية الاستفتاد و التلبس المنافي للغرض ببعثة الرسل و ترك ما يجب

____________

(1) ظ: العبث.

31

التعويل عليه و اقامة الحجة به من المتواترين.

و لكان لمن عاداه و اجتهد في إطفاء نوره و طلب ما يوهن أمره و ينفر عن قبول قوله و الدخول في دعوته، أن يوافقه على أن ما فعله عبث لا يصدر من أماثل الناس، فضلا عن الأنبياء و الرسل الذين يتولى اللّٰه تعالى اختيارهم لعلمه بكمالهم.

فيقولون له: كيف تنفذ الى الملوك و الرؤساء الذين يسوسون الأمم و يدبرون الدول من يدعوهم الى ترك ما ألفوه من عباداتهم و نشأوا عليه من دياناتهم، و الإجابة إلى دعوتك و التصديق بنبوتك من (1) لا حجة في قوله و لا تبعة في رده.

بل الواجب على من نفدوا اليه و عليك إذا عادوا إليك التوقف من تصديقهم و الكف على الاقدام على ما تضمنه خبرهم، لما فيه من التغرير و الاقدام على ما لا يؤمن فيه كذبهم.

و ما الفرق بين من جوز عليهم اشتارنا ما في هذه الموافقة من القدح فيما ادعاه؟ ثم كيف خفي على الملوك و الرؤساء و من يتقرب إليهم من الفضلاء و أهل الرأي و الحزم و المعرفة بالحجاج، و بما يشيد الدول و يثبت المماليك و يروي على أعدائها الموافقة و الاحتجاج به في دفع قوله و توهين أمره، و أن ما بدأهم به لا يعتمده الأنبياء و لا يعول عليه الحكماء في الدخول تحت طاعتهم و الرجوع من مخالفتهم.

و إذا لم يقع منه (صلى اللّٰه عليه و آله) الامتناع من إنفاذ الآحاد و السماع لما يعودون به، و العمل بموجبه حتى يكون لإنفاذهم ثمرة، فخرج بها عن أن يكون عناد (2). و لا ورد عنه (عليه السلام) نهي عن قبولها و التحريم للعمل بها، و لم يتبعه

____________

(1) ظ: ممن.

(2) ظ: عبثا.

32

أعداؤه و من يجتهد في إطفاء نوره بذلك منذ بعث، و الى وقتنا هذا، علمنا أن ذلك مما ركن في العنوان و جرت به العادات و أقوا به (1) الشرائع و ندب إليه الأنبياء.

الكلام على ذلك الجملة التي تضمنها هذا الفصل: و هي إنفاذ الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) رسله و عماله إلى الأطراف معروفة، قد تقدم السؤال عنها و الخوض فيها.

و انما يزيد في هذا الفصل تسمية الرسل و ذكر أنسابهم و قبائلهم، و لا حاجة الى شيء من ذلك، لان المعرفة به على سبيل الجملة كاف، و ليس في ذكر التفصيل طائل و لا زيادة في القدح المقصود.

و تضمن أيضا الإلزام لمن أبى العمل بخبر الواحد، أن مخالفي الملة و طالبي المطاعن في الإسلام يوافقون النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على البعث في إنفاذ الرسل. و هذا أيضا مما لا فائدة في ذكره.

فان العبث إذا كان هو الفعل الخالي عن غرض، فهو قبيح لا يجوز أن يقع من حكيم فضلا عن نبي، و العبث متنزه عن كل حكيم، فضلا عن نبي. و لا يحتاج الى أن يقول: انه لو كان عابثا لوقف على ذلك، فان العبث .. فنفي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) على كل حال، فقد .. من يوافقه عليه أم وجد (2).

و قد تضمن هذا الفصل ما هو جواب عنه و يبطل المقدوح، فقد كفينا بما صرح به فيه مئونة عظيمة، لانه قال: ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بعث رسله الى ملوك الأطراف و هم آحاد ليدعونهم الى ثبوته و تصديق دعوته.

____________

(1) ظ: و أقر به.

(2) ظ: انه لو كان عابثا توقف على ذلك، فان العبث منفي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) على كل حال فقد من يوافقه عليه أم وجد.

33

و معلوم أن أخبار الآحاد لا تقبل في النبوة و لا هي حجة في المعجزات، و لا قال أحد من العلماء أن النبوات تثبت عند قريب و لا بعيد بأخبار الآحاد، بل بالاخبار الموجبة للعلم المزيلة للريب.

[اشكال عمل الرسل بأخبار الآحاد بشكل آخر] و انما كان يسأل قديما عن هذا السؤال على وجه يخالف ما تضمنه هذا الفصل، فيقال: ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بعث أمراءه و عماله إلى أطراف البلاد، لينقلوا أحكام الشريعة و ينشروها، فلو لم يكن متعبدا لمن (1) يمضي هؤلاء الرسل اليه و أهل الأطراف بأن يعملوا بأقوالهم، فكان أنفاذهم عبثا.

فنحتاج الى أن نقول لهذا السؤال: ان أول شيء بعث به رسله و عماله للدعاء الى الدين و الإقرار بالنبوة و الرسالة، و بهذا أمرهم أن يبدءوا قبل كل شريعة و عبادة، و معلوم لا خلاف فيه بيننا أن الرسالة و النبوة مما لا يقبل فيه أخبار الآحاد.

فإذا قالوا: إنما أنفذ بالرسل و العمال منبهين على النظر في أدلة النبوة و اعلام الرسالة، و لم نوجب قبول أقوالهم، و انما لأقوالهم حظ التخويف و التحذير و الدعاء الى النظر في الأدلة الموجبة للعلم، و ليس يجوز يثبت عندهم أعلام النبوة و أدلة الرسالة إلا بالنقل المتواتر الذي يوجب العلم و يرفع الشك.

فنقول لهم حينئذ: و هكذا نقول في أحكام الشريعة مثل قولكم في أدلة النبوة سواء. و صاحب الكلام في هذا الفصل قد كفانا هذه المئونة و أغنانا (2)

____________

(1) ظ: من.

(2) في الأصل: و أعيانا.

34

عن أن ننقل الكلام الى أن الرسل و العمال انما يدعون أولا إلى النبوة و تصديق الرسالة، بأن صرح بذلك في سؤاله، و جعل الرسل الذين أنفذوا لهذا الغرض فلم يبق في كلامه شبهة، لانه ما جرى في كلامه لمسألة الخلاف التي هي العمل في أحكام الشريعة بأخبار الآحاد ذكر، و انما جرى ذلك لما لا خلاف في أنه يعمل (1) بأخبار الآحاد فيه، و لا يلتفت إليها في شيء منه.

و تحقيق هذا الكلام: أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انما كان يبعث بالرسل الى بلاد قد اتصل بسكانها خبر نبوته، و نقل إليها أعلام دعوته، كما نقل إليها ظهوره (صلى اللّٰه عليه و آله) و دعاؤه إلى نفسه، و وسم (2) هؤلاء الرسل أن يدعوهم ان كانوا غير عارفين باللّه تعالى أولا إلى معرفته، و يبثهم على العلم به و الرجوع الى الأدلة القاطعة في ذلك.

و نحن نعلم أن قول هؤلاء ليس بحجة في المعارف، و انما له حظ للتنبيه و التخويف، و الحث على تأمل الأدلة و النظر فيها. فإذا عرفوا اللّٰه تعالى لو كانوا عارفين به قبل مصيرهم إليهم دعوهم الى العلم بنبوته (صلى اللّٰه عليه و آله) و صدق دعوته، و الرجوع في ذلك الى الأدلة القاطعة، و الحجج البينة التي ليس من جملتها أقوال هؤلاء الرسل.

فإذا عرفوا ذلك بأدلته و علموه من طرقه، ينبهونهم على الشرائع التي ورد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بها و أحالوهم في العمل بها و القطع عليها، على المتواتر الشائع من الاخبار، و لم يلزموهم قبول أقوالهم في ذلك، كما لم يفعلوا مثله فيما تقدم.

فلا اعتراض على ما أوضحناه بإنفاذ هؤلاء الرسل، و لا شبهة تقع في مثله،

____________

(1) ظ: أنه لا يعمل.

(2) ظ: و رسم.

35

و هذا الإرسال من أن يكون عبثا و لغوا و ما لا طائل فيه، حتى نحتاج أن نقول كان يجب أن يواقف النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مخالفوه و معاندوه على أنه مكلف بهذا الإرسال لما لا فائدة فيه.

[كيفية معرفة أن أخبار الآحاد لا يعمل بها] ثم يقال للمعترض بهذا الفصل: أ لست تعلم أن أخبار الآحاد التي لا يعلم صدق رواتها لا يجوز أن يعمل بها في الشريعة؟ إلا بعد دليل يوجب العلم بأن اللّٰه تعالى تعبد بذلك و شرّعه، حتى يسند العمل الى العلم، فلا بد من الموافقة على هذه الجملة، لأنها مسألة مقررة.

فيقال له: فمن أين علم الذين في أطراف البلاد أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قد شرع لهم و أوجب عليهم بأخبار رسله و عماله، مع أنهم لا يثقون بصدقه (1).

فان قيل: علموا ذلك من جهة هؤلاء الرسل.

قلنا: و كيف يعلمون ذلك من جهتهم و هم آحاد، غاية خبرهم أن يكون موجبا للظن، و لا مجال للقطع فيه.

فان قالوا: يعلمون ذلك بأخبار متواترة ينقلها الصادر إليهم و الوارد، مما يوجب العلم و يرفع الريب.

قلنا: فأجزوا لنا ما أجزتموه لنفوسكم، و أقبلوا منا ما ألزمتمونا قبوله منكم، فانا نقول لكم مثل ما قلتموه بعينه حذو النعل بالنعل.

فأما ما مضى في الفصل من أنه لا يستفيد أيضا، فيما يؤديه إليه هؤلاء الرسل عند مؤدهم إليه شيئا، فيصير العبث فيما يؤدونه عنه كالعبث فيما يؤدونه إليه، قد مضى الكلام فيما يؤدونه عنه و بينا ما فيه من الفوائد و العوائد.

____________

(1) ظ: بصدقهم.

36

فأما ما تؤديه هؤلاء الرسل اليه (صلى اللّٰه عليه و آله) عند عودهم، فالأكثر منه و الأغلب ما نعمل- في مثله (1) عقلا و شرعا على أخبار الآحاد، و لا يفتقر الى ما يوجب العلم. كما يقبل أخبار الآحاد في الهدايا و الكتب و الاذن في دخول المنازل، و ما جرى هذا المجرى.

فان كان فيما يورد هؤلاء الرسل ما لا يعمل في مسألة الا على العلم دون الظن، فلا بد من الرجوع فيه الى غير قولهم، كما قلنا فيما يوردونه عنه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و هذا واضح لمن تأمله.

____________

(1) ظ: مثله.

37

الفصل الرابع

[اعتماد اعرف المتشرعة على الخبر الواحد و الجواب عنه]

ابتداؤه أن قيل: لا خلاف بين الأمة في أن من و كل وكيلا، أو استناب صديقا في ابتياع أمة، أو عقد على حرة من بلده أو من بلد ناء عنه، فحمل اليه الوكيل أو الصديق جارية أخبره أنه اشتراها، أو رق (1) إليه امرأة أخبره أنه عقد له عليها، و أنه إذا (2) .. لعلته في ثمن الجارية و مهر الزوجة، أن له غشيانها و الاستباحة لفرجها.

و هذه أيضا سبيله مع زوجته إذا أخبرته بطهرها، كان له وطئها. و إذا أخبرته بحيضها حرم عليه جماعها. و يأتي الكتاب إلى المرأة بطلاقها، أو كتاب من ولدها الى بعض أهلها بوفاة بعلها، فينقضي عدتها و تجدد عقدا لغيره عليها، و لا تترقب في ذلك تواتر خبر عليها، أو مشاهدتها لوفاة بعلها و سماعها لطلاقها بل تفعل عند ورود الخبر و الكتاب ما تفعله عند المشاهدة و السماع.

و كذلك الرجل يرد عليه كتاب بموت زوجته، فيعقد على أختها. و الفروج

____________

(1) ظ: زف.

(2) بياض في النسخة و الظاهر: و انه أزاح.

38

و أحكامها و ما يتعلق بحظرها و إباحتها من آكد أحكام الشريعة التي قد شدد في أمرها، و التحرز عند الاقدام عليها، و النهي (1) من التعرض لما يشتبه منها.

و كذلك بين طوائف الأمة في أن للعالم أن يفتي العامي فيما يستفتيه من العبادات و الاحكام، و لا توجد طائفة من طوائف الأمة تتوقف عن ذلك و تمنع منه و تنكر على فاعله، بل جميعهم يرى التقرب بذلك.

و لو كانت مما العمل به محظور و الأخذ به محرم، لكانت من أفحش البدع و أخزاها، لما فيها من التغرير و الصد عن طلب العلم، و لا يلزم المستفتي منه و الإبهام (2) له الاستكفاء بقولهم و وجوب القبول منهم.

فان قلنا: ان في الأمة من يحظر القبول من المفتي بالتقليد له، و يلزم المستفتي النظر و البحث، كما يلزمه ذلك في أصول الدين.

كان له أن يقول: ما ادعيت على آحاد الأمة، بل ادعيته على طوائفها. ثم لا يجب الرجوع عما أعمله (3) من عمل الطوائف و اضطر اليه من حالها، برواية عن واحد أو اثنين لا أعلم صحة الرواية عنهما.

و لو صحت الرواية عنهما و سمعت ذلك منهما، لكان الإجماع السابق لهما ماضيا عليهما و مبطلا لقولهما، و قد تقدم معنى قولنا في الإجماع، و أن القول الذي يضاف الى من علمنا أنه غير المعصوم لا يعترض على القول الذي في جملة القائل به المعصوم و ان لم يتعين.

فان قلنا: لو سلم بوجوب العمل بالفتيا لم يجب العمل بأخبار الآحاد، لان ذلك مما لا يثبت بالقياس.

____________

(1) الهوى. كذا في هامش النسخة، و لا وجه له.

(2) الظاهر عدم لزوم هذه الجملة.

(3) ظ: أعلمه.

39

كان له أن يقول: ما أثبت ذلك قياسا، بل هو تفصيل لجملة و هو أولى بها و أليق، لان المفتي ممن يجوز عليه الخطأ في مذهبه، و يجوز عليه الكذب على نفسه، و هو مخبر لمن يفته عن أمرين: أحدهما الحكم بأنه من شريعة الإسلام و الثاني أنه مذهبه و القول الذي يختاره.

يبين ذلك أنه لو صرح بنفي ما أفتى به عن شريعة الإسلام، لما كان للمستفتي أن يقبل فتياه و يعمل بها، و لو صرح بنفيه عن مذهبه و أنه مذهب أحد الأئمة و الفقهاء، لكان للمستفتي أن يعمل بها، فالمعول عليه في لزوم القبول من المفتي به الى (1) اللّٰه تعالى و الى رسوله و ما شرعاه في دين الإسلام.

فإذا ثبت هذه الجملة و كان ما قدمناه من قبول قول المفتي، و اشتماله على الخبر من أمرين يجوز عليه الكذب فيهما، و المخبر عن الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) منفرد بأخذ الخبرين، و سلم من الخبر الأخر و التهمة فيه. فأي شريعة و أي عقول قررت وجوب العمل بالخبر ممن يظن صدقه في خبرين و يجوز عليه الكذب فيهما و الحظر للعمل بخبر من يظن صدقه في خبر واحد و يجوز عليه الكذب فيه.

و له أن يقول: هذا سبيل سائر الطوائف في تدريسها و تعليمها الفقه و تعريضها الاحكام، لا توجد طائفة من طوائف الأمة تقتصر في تدريسها و تعليمها على ظواهر القرآن و المتواتر من الاخبار، و طرح الرواية الصادرة عن الآحاد.

و إذا كان هذا هو المعلوم من حال علماء الأمة المشتهرين بالفضل في طوائفها و الغالب على أمرهم الذي تشهد به المشاهدة و عرف بالمخالطة، أن جمهور تدريسهم و عامة فتاواهم المرجع فيها الى الروايات. و ان من أنكر ذلك بلسانه إذا رجع على نفسه و خلا بسره، علم انطواه على خلافه. هذا مما يخلج في الصدر، فما الجواب عنه ان كان فاسدا؟ ففي كشفه أعظم الفوائد و أجل القرب.

____________

(1) ظ: على اللّٰه تعالى و على رسوله ما شرعاه في دين الإسلام.

40

الكلام على ذلك: أن أورد مضمون هذا الفصل على سبيل الاستدلال و الاحتجاج في أن الخبر الذي لا يوجب العلم يجوز من طريق العقول التعبد به، كان في موضعه. لان من يحيل عقلا العبادة بالأخبار التي لا توجب العلم لا يمكن دفع هذه الحجة عن نفسه، لأن سائر ما أشير إليه في الفصل من ابتياع الإماء و العقد على الحرائر و التوصل إلى استباحة الفروج أو حظرها، لا يمكن أن يدعي فيه العلم، و انما طريق جميعه الظن.

و مع ذلك فقد وقع العمل به على حد لو كان معلوما لم يزد عليه، و ذلك مزيف لا محالة لمذهب من أحال ورود العبادة بالعمل بما ليس بمعلوم من الاخبار.

و أن أورد مضمون هذا الفصل على سبيل الاحتجاج في وجوب العمل بالأخبار الواردة بتحريم أو تحليل عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و ان لم نعلم صدق رواتها، و هذا الوجه قصد بهذا الفصل دون الأول.

فهو احتجاج في غير موضعه، لأنا نقول للمعول على ذلك: ليس يخلو من أن تقيس العمل بخبر الآحاد الواردة بالتحليل و التحريم على العمل في هذه المواضع التي عددتها و تجمع بينهما بعلة تحررها و تعينها، أو تظن أن أحد الأمرين داخل في صاحبه، و انه تفصيل لجملته على ما أشرت إليه في أثناء الفصل.

فإن أردت القسم الأول، و هو طريقة القياس، فذلك مثل غير صحيح، لانه لا خلاف في أن العبادة بأخبار الآحاد و إثباتها لا يتطرق اليه بالقياس، و معوّل من ذهب الى ذلك على طرق لهم معروفة، يعتقدون أنها توجب العلم كالإجماع و ما جرى مجراه.

و أيضا فإن من وكل وكيلا في ابتياع أمة، أو عقد على حرة يرجع الى قوله في تعينها إذا حملها اليه، سواء كان فاسقا أو عدلا مليا أو ذميا، و إذا أخبرته زوجته أو أمته بطهورها استباح وطئها ان كانت ذمية، إذا أخبرت بحيضها حرم

41

عليه غشيانها مع اختلاف ملتها.

و لا خلاف في أنه لا يقبل خبر الفاسق عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و لا خبر الذمي، فكيف يصح قياس قبول إخبار الشريعة على هذه المواضع مع ما بيناه.

و إذا جاز لمخالفنا أن يفرق بين قبول الاخبار عن الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) في التحليل و التحريم، و بين قبول خبر الوكيل الموكل في ابتياع أمة أو عقد على حرة، و بين قبول قول المرأة في طهرها و حيضها، و ان كان الكل غير معلوم، بل المرجع فيه الى طريقة الظن. جاز لنا أن نفرق بين أخبار التحليل و التحريم، و بين سائر ما عدد.

و كيف قياس هذه المواضع المشروعات مع اختلاف عللها و أسبابها على بعض، و نحن نعلم أن فيها ما لا يقبل فيه إلا شهادة الأربعة، و فيها ما يجزي فيه شهادة الشاهدين، و فيها ما يجزي فيه شهادة الواحد، و فيها ما لا يعتبر فيه عدالة الشاهد و لا ايمانه، و فيها ما لا بد من اعتبار العدالة و الايمان. فمع هذا الاختلاف و التفاوت كيف يجوز قياس البعض على البعض.

و ان أريد القسم الثاني، و هو دخول أحد الأمرين في صاحبه، فذلك أوضح فسادا و أشد تهافتا، لان من المعلوم الذي لا يختل على عاقل أن العمل بأخبار الشريعة في تحليل أو تحريم الواردة عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عبادة مفردة لا مدخل لها في سائر ما عدد في الفصل من ابتياع الإماء، و العقد على الحرائر و الرجوع الى أقوال النساء في الطهر و الحيض، بل لا يدخل بعض هذه الأمور المذكورة في بعض.

و كل شيء ذكر منها قائم بنفسه لا يشتمل عليه و على غيره جملة واحدة، و قد كان يجوز عندنا جميعا أن تخلف العبادة في جميع ما ذكرناه و عددناه، و يتعبد في بعضه بما لا يتبعد به في جميعه.

42

و لو قلنا لمن يدعي هذا المحال الصرف، أما كان يجوز عندك تقديرا و فرضا أن يتعبد اللّٰه تعالى في المواضع التي ذكرتها كلها بالعمل مع الظن، و يحظر علينا في الاخبار الواردة عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أن نعمل الا على العلم و اليقين.

فان قال: لا يجوز ذلك كابر و دافع، و قيل له: من أين قلت؟ و ما الدليل على ما ادعيت؟ فإنه لا يجد مخرجا. و ان أجاب إلى التجويز قيل له: فقد بطل أن يكون ذلك تفصيل الجملة مع تجويزك اختلاف العبادة و تباينها.

و أما ما تضمنه الفصل من ذكر استفتاء العامي للعالم، أو عمله على قوله و ان لم يكن قاطعا على صحته. فأول ما فيه أن كثيرا ممن نفي الاجتهاد و القياس و لم يعمل بخبر الآحاد في الشريعة لا يوجب تقليد العامي و لا العمل بقوله الا بعد العلم بصحته و لا يلتفت الى هذا التكثير و التعظيم و التفخيم الذي عوّل عليه في هذا الفصل.

فكذلك هذه التهويلات تسمع من المثبتين للقياس في الشريعة، حتى أنهم يدعون الإجماع المتقدم و المتأخر، و عمل الصحابة و التابعين و العلماء في سائر الأمصار و الأوقات.

أ فترى أن العمل أظهر من العمل بالاجتهاد و القياس، و ليس كل شيء أكثر القائل به، و اتسعت البلاد التي يعمل به فيها، و ذهب إليه الرؤساء و العظماء و من له القدرة و السلطان و اليه الأمر و النهي و الحل و العقد، كان إجماعا يسقط الخلاف فيه.

و ليس لأحد أن يطعن على هذه الطريقة بأن يقول: إذا كان العامي لا يقلد العالم و لا يرجع الى قوله، فأي فائدة في الاستفتاء الذي قد علمنا الإرشاد اليه و الفزع من كل أحد إلى استعماله.

قلنا: الفائدة في ذلك بينة، لان قول العالم منبّه للعامي و موقظ له، أو مقر (1) بالنظر و التفتيش و البحث، و هل هذا الا كمن يقول: إذا كان التقليد في الأصول لا يسوغ، فما الفائدة في المذاكرة و المباحثة و التنبيه و التحذير.

فان قيل: معلوم ضرورة أن العامي لا يستطيع أن يعرف الحق في الفروع

____________

(1) ظ: مغر.

43

كله و من كلفه ما لا يطيق.

قلنا: لا خلاف بيننا في أن العامي مكلف للعلم بالحق في أصول الدين، و هي أدق و أغمض و أوسع و أكثر شبها، و إذا جاز أن يطيق العامي معرفة الحق في أصول الدين و تميّزه من الباطل، مع ما ذكرناه من غموضه و كثرة شبهه، فأولى أن يطيق ذلك فيما هو أقل غورا و أوضح طرقا.

فان قيل: ليس يجب على العامي في أصول الدين الا العلم بالجمل التي يشرف بها الحق، فأما التدقيق و كشف الغامض فليس مما يجب عليه.

قلنا: و ما المانع من أن نقول ذلك في الفروع و الشرائع؟ و أن معرفة الحق منها من الباطل، يكون طريقا مختصرا لا يخرج الى التعميق و التدقيق، يكتفي به العامي كما اكتفى بمثله في الأصول.

فإن قيل: فما قولكم في عامي لا يقدر على شيء من النظر و التمييز للحق من الباطل؟ أ توجبون عليه تقليد العالم أم لا توجبون ذلك؟

فالجواب عن هذا السؤال أن من لا يقدر على تمييز الحق من الباطل في فروع الدين لا يقدر على مثل ذلك في أصوله، و من هذه صفته فهو عامي في الأصول و الفروع، و لا يجب عليه شيء من النظر و البحث، و كما لا يجبان عليه فلا يجب عليه التقليد في الفروع، كما لا يجب عليه مثل ذلك في الأصول و هذا جار مجرى البهائم و الأطفال الخارجين عن التكليف، فلا حرام عليهم و لا حلال لهم.

ثم لو سلمنا أن العامي متعبد بتقليد العالم في الفتوى و العمل بقوله و ان جوز الخطأ عليه، كيف يكون في ذلك إثباتا لورود التعبد بالعمل في الشريعة على أخبار الآحاد، و كيف يحمل أحد الأمرين على الأخر؟

ثم نقسم تلك القسمة التي تقدم ذكرها، فنقول: ان كان مورد ذلك احتجاجا

44

على جواز العمل بما لا يعلم صحته. فهو لعمري حجة مقنعة و دلالة صحيحة، لان من أحال العمل على أخبار الآحاد من حيث لم تكن معلومة و أجاز العمل بقول المفتي يكون مناقضا. و ليس هذا هو الذي يتكلم عليه و يقصد اليه.

و ان قيس قبول إخبار الشريعة الواردة بطريق الآحاد بالتحليل و التحريم على قبول قول المفتي، فقد تكلمنا على ذلك من قبل، و بينا أن القياس في مثله مطرح غير معتمد. و قلنا: أما كان يجوز أن يتعبدنا اللّٰه تعالى بقبول قول المفتي؟

و يحظر علينا أن لا نقبل في الشريعة إلا ما نعلمه؟ فان جوز ذلك سقط حمل أحد الأمرين على صاحبه.

ليس (1) من باب القياس، و انما هو تفصيل لجملة.

فقد مضى الكلام عليه مستقصى، و تبينا فيما سلف ما يوضح أن مسألة تقليد العامي للعالم مفارقة مباينة لمسألة قبول خبر الراوي إذا كان واحدا عن الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله)، و أن الأمرين لا يجمعهما جملة واحدة على وجه و لا سبب، و انه يجوز أن يتعبد (2) به في الأخر.

و قوله: ان المفتي مخبر عن أمرين يجوز عليه الخطأ في كل واحد منهما أحدهما أخباره في المذهب الذي أفتى به أنه من شريعة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و الثاني أنه مذهبه و اعتقاده.

فأول ما في هذا أنه ليس بواجب في كل مفت ذكره (3)، بل في المفتين من يعلم اعتقاده و مذهبه ضرورة، و لا يجوز خلاف ذلك عليه. فعاد الأمر في من هذه حاله الى أن الخطأ الجائز عليه في الموضعين على ما ظنه لما كان به

____________

(1) ظ: سقوط جملة: فإن قيل.

(2) ظ: أن لا يتعبد.

(3) أى فتواه.

45

اعتبار على ما ذكرناه.

فأما قوله: فأي شريعة و أي عقول قررت وجوب العمل بخبر من نظن صدقه في خبر واحد، و يجوز عليه الكذب فيه.

فهذا أولا تصريح منه بأنه ليس ما نحن فيه تفصيلا لجملة ما ادعاه، و انما عوّل على نفي الشرع أو العقل الموجب لأحد الأمرين و الحاظر للآخر، و هذا خروج كما ترى عما وقع الشروع فيه من تبيين تفصيل الجملة.

و الكلام عليه أن يقال: الذي يفصل بين الأمرين أن الشريعة قد قرّرت العمل بقول المفتي و ان جوزنا عليه الخطأ في موضعين، و لم تقرر العمل بقول الراوي إذا لم نعلم صدقه.

و ان كان خطاؤه ان كان مخطئا في موضع واحد، فيجب أن نتوقف عن العمل بقوله، لان الشرع لم يأت به، و يكفينا في حظر قبول قوله انتفاء الشرع و لا نحتاج الى ورود شرع بحظره.

ثم يقال له: كيف قررت الشرائع العمل بقبول قول الاثنين فيما لا يجوز فيه الّا شهادة الأربعة؟ و الخطأ ها هنا في موضع واحد، و هناك في موضعين، فأي شيء قلته في الفرق بين هذا الإلزام قيل في إلزامك.

فأما الكلام الذي ختم به الفصل الذي ابتداؤه: و هذه سبيل سائر الطوائف في تدريسها و تعليمها، و أنه لا يوجد طائفة من طوائف الأمة تقتصر في تدريسها و تعليمها على ظواهر القرآن و المتواتر من الاخبار، و تطرح الرواية الصادرة من الآحاد.

فقد مضى الكلام عليه في الفصل الثاني الذي سبق كلامنا عليه مستقصى مستوفى، و بينا أن ذلك سوء ثناء على العلماء في تدينهم بمذاهبهم، و كشفنا ذلك و أوضحناه بما لا طائل في إعادته.

46

الفصل الخامس

[اعتماد المتكلمين على الخبر الواحد و الجواب عنه]

من جملة المتكلمين من يذهب الى أن في أخبار الآحاد ما يضطر السامع له الى العلم بمخبره.

و قد حكى الجاحظ ذلك عن النظام أنه يقول: ان المخبر الواحد إذا تكاملت فيه الشروط و في سامعه، اضطره الى العلم بما تضمنه خبره، و كان هو الفاعل للعلم في قلبه.

و مما تحتمله القسمة (1)، و يصح أن يكون مذهبا، و ليس في العقول ما يحيله أن يكون في مصالح العباد في دينهم و دنياهم، و ما يقتضيه حسن تدبيرهم. أن يفعل اللّٰه تعالى العلم فيهم عند خبر الواحد، إذا كان مضطرا الى ما أخبر به، أو لا يصرفه عن السكون إلى سماعة و الإصغاء اليه، و سلم من مقارنة راويه لما يعارضه و ممن يجحده و يكذب به.

و متى قال هذا لم يعترض قوله، و يفسده ما يذكره من يقول ان اللّٰه تعالى يفعل العلم بخبر المخبر، و نقطع على أنه لا يفعله عند خبر الأربعة، و يجوز

____________

(1) ظ: النسبة.

47

فعله عند ما زاد عليها من الرجوع الى الشهادة في الزنا، لأن أحد ما شرطه أن لا يكون الخبر واقعا موقع الشهادة، و كان السامع له خاليا من الاعتقاد لصنف ما أخبر به، أو لا يصرفه عن السكون إلى سماعة و الإصغاء اليه، و سلم من مقارنة رواية (1) لما يعارضه و من يجحده و يكذب به.

[و متى قال هذا لم يعترض قوله و يفسده ما يذكره، من أن يقول: ان اللّٰه تعالى يفعل العلم بمخبر، و نقطع على أنه لا يفعله عند خبر الأربعة، و يجوز فعله عند ما زاد عليها من الرجوع الى الشهادة في الزنا، لأن أحد ما شرطه أن لا يكون الخبر واقعا موقع الشهادة (2)] و ذلك مما يمتع أن تتعلق به المصلحة، و لا يختار اللّٰه تعالى فعل العلم معه.

فأما الذي حكى عن النظام، ان كان الذي يحيله و يفيده (3) أن القادر من البشر لا يصح أن يفعل في غيره، الا بسبب يتعدى حكمه الى ذلك الغير، و لا سبب يتعدى حكمه الى غير محله الا الاعتماد، لاختصاصه بالمدافعة لما يماس محله.

كان له الذب عن مذهب النظام أن يقول: لم زعمتم ذلك؟ و ما أنكرتم أن يشارك الاعتماد في هذا الحكم و هو التعدي، و يكون الخبر من جملة ما يتعدى حكمه لكونه مدركا، فيتفق الخبر و الاعتماد، بل كل مدرك في تعدي الحكم الى غير محلها (4)، و يكون معنى تعدى الحكم في الاعتماد كونه مدافعا و في الخبر كونه مسموعا، و إذا تعدى الحكم لم يمتنع أن يكون سببا للتوليد في غير محله.

____________

(1) ظ: راويه.

(2) بين المعقوفتين كذا في النسخة و هو تكرار.

(3) ظ: و يفسده.

(4) ظ: محله.

48

و ان قلنا لو ولد الخبر لوجب أن يولد جنسه و كل جزء منه و من فعل كل فاعل و لكل سامع.

كان له أن يقول: ما يولد العلم يفارق سائر الأسباب حسب ما نقوله في النظر و توليد العلم و مفارقته لسائر الأسباب.

و ان قلنا: ان ذلك يؤدي الى أن يفعل في الوقت الواحد بالسبب الواحد علوما لكل من سمع الخبر.

كان له أن يقول: الى ذلك أذهب، و ليس هناك ما يحيله و يفسده إذا تغاير من يفعل العلم له.

الكلام على ذلك: أما ما تضمنه ابتداء هذا الفصل، فهو مذهب النظام في قوله «ان خبر الواحد يوجب العلم على بعض الوجوه». و هذا مذهب ضعيف سخيف، قد بين في الكتب بطلانه و بعده عن الصواب.

و دل على فساده بأشياء:

منها: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لوجب ذلك في كل خبر مثله، و كان أحق المخبرين بذلك رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و كان يجب استغناؤه عن المعجزات، و ان لم يعلم صدقه من غير دليل يقترن اليه. و كان يجب في الحاكم إذا لم يعلم صدق المدعي ضرورة أن يعلمه كاذبا، فلا يسمع ببينة.

و أيضا فلو كان الخبر مولدا للعلم، لم يكن بعض حروفه بالتوليد أولى من بعض، فكان يجب اما أن يكون العلم متولدا عن كل حرف من حروف الخبر، و هذا يؤدي (1) الى أن يقع العلم عند أي حرف وجد من حروفه، و قد علم بطلان ذلك.

____________

(1) في الأصل: يروى.

49

و هكذا ان قيل: ان العلم يقع بالحرف الأخير، لأنا نعلم أن الحرف الأخير من الخبر لو انفرد لم يحصل عنده علم. و ان كان العلم المتولد عن سائر حروف الخبر على سبيل الانضمام، فهذا باطل. لأن الأسباب الكثيرة لا يجوز أن تولد سببا واحدا، كما لا يجوز أن يقع المعذور الواحد يقدر كثيرة (1).

و منها: أنه كان ينبغي أن لا يفتقر إلى المواضعة في العلم الواقع عند الخبر، لان السبب يولد لأمر يرجع إليه، فأي حاجة به الى تقدم المواضعة، و قد علمنا أنه لو لا تقدمها لما أفاد الخبر، و لا حصل عنده علم.

و منها: أن الصوت لا جهة له، فكيف يولد في غير محله، و انما ولد الاعتماد في غير محله، لانه مختص بجهة، و الا فسائر الأسباب لا تولد إلا في محلها.

فأما ما مضى في أثناء هذا الفصل عند ذكر أن الاعتماد يختص بجهة، فجاز أن يولد في غير محله، و الصوت ليس كذلك، من قوله ما أنكرتم أن يشارك الاعتماد غيره في هذا الحكم و هو التعدي، و يكون الخبر من جملة ما يتعدى حكمه، لكونه مدركا، فيتفق الخبر و الاعتماد، بل كل مدرك في تعدي الحكم الى غير محلها (2).

و يكون معنى تعدي الحكم في الاعتماد كونه مدافعا في الخبر، و في الخبر كونه مسموعا، فطريق ما كان ينبغي أن يحيل مثله. فيورد في جملة الشبهات:

لان الاعتماد انما ولد في غير محله بسبب معروف، و هو الاختصاص بالجهة.

و هذه الصفة لا تحصل له، لان بها تميز في (3) سائر الأجناس، فكيف يجوز

____________

(1) ظ: أن يقع المقدور الواحد بقدر كثيرة.

(2) ظ: محله.

(3) ظ: من.

50

أن يكون الصوت مشاركا له في هذا الحكم، و هو مما لا جهة له كالاعتماد، اللهم الا أن يدعى أن الصوت ذو جهة كالاعتماد، فبطلان ذلك معلوم ضرورة.

و لو كان غير الاعتماد مشاركا له في الاختصاص بجهة لكان من جنسه، لان المشاركة فيما متميز به الجنس مشاركة في الجنس.

و أعجب من هذا القول بأن كل مدرك يشارك الاعتماد في تعدي الحكم الى غير محله و هذا يوجب أن تكون الألوان و الطعام و الأراييح و الجواهر بهذه الصفة.

و من العجب القول بأن معنى تعدي الحكم في الاعتماد كونه مدافعا، و في الخبر كونه مسموعا، و أين كونه مسموعا من كونه مدافعا، و انما ولد في غيره لاختصاصه بالمدافعة في الجهة، و هذا لا يوجد في مسموع و لا جري (1) و لا جنس غير الاعتماد. و بعد فلا صفة له بكونه مسموعا، فضلا من أن يولد في الغير لأجلها.

[خبر الواحد لا يوجب سكونا و اطمئنانا] و مما يدل على أن خبر، لواحد لا يوجب العلم الضروري على ما يحكى عن النظام انا عدالته (2) لأحوالنا و الرجوع الى أنفسنا لا نجد سكونا عند خبر الواحد على الشرائط التي شرطها النظام على حد سكوننا الى ما نشاهده و ندركه، و لا حد سكوننا الى ما نعلمه من أخبار البلدان و الأمصار و الوقائع الكبار.

فان السكون الذي نجده عند خروج الرجل باكيا مخرق الثياب متسليا، يخبر بموت بعض أهله لا ينفك من تجويز أن لا يكون الأمر بخلاف ما ذكره، و أن له في ذلك غرضا و ان بعد. و انما لأجل استبعاد الأغراض في مثل هذا الخبر

____________

(1) كذا في النسخة.

(2) ظ: عند التوجه.

51

ما يخيل لنا أنا ساكنون عالمون.

و السكون الى المشاهدات و الى أخبار البلدان بخلاف هذا، لانه لا يصحبه و لا يقترن إليه شيء من التجويز لخلافه.

فعلمنا أن ما يحصل عند خبر الواحد، هو ظن قوي فيوهم علما. و أن الذي يحصل عند الدركات و غيرها مما ذكرناه هو العلم الحقيقي. و لهذا ربما انكشف كل شيء، رأيناه و سمعناه في الموضع الذي يذهب النظام إلى أنه علم من خلافه.

فظهر أن الأمر بخلاف ما أشيع و أعلن، و أن تلك الإشاعة كان لها سبب من اجتلاب منفعة، أو دفع مضرة. و هذا لا نجده بحيث يحصل العلم و اليقين على وجه و لا سبب.

فأما ما مضى في خلال هذا الفصل، من أنه غير ممتنع أن يعلم اللّٰه تعالى من مصلحة العباد أن يفعل العلم عند خبر الواحد إذا كان مضطرا الى ما أخبر به و لم يخرج خبره مخرج الشهادة، و كان من الشرط كذا و كذا. فلعمري ان هذا غير ممتنع و لا محال، و انما أحرز (1) القائل بهذه الاشتراطات عن مواضع معروفة ألزمت من ذهب الى هذا المذهب.

لكنا قد علمنا أن ذلك و ان كان جائزا في العقل، فإنه لم يكن بما تقدم من الأدلة، و هو أننا نجد نفوسنا عند الخبر الذي هذه صفته و قد تكاملت الشرائط كلها له، لا تنفك من تجويز- و ان كان مستبعدا- لا يكون (2) الأمر بخلاف ما تضمنه الخبر، فلو كان العلم حاصلا لارتفع هذا التجويز، و لم نر له عينا و لا أثرا، كما قلنا في المشاهدات و غيره.

____________

(1) ظ: احترز.

(2) ظ: ألا يكون.

52

فأما ما تضمنه آخر هذا الفصل من الجواب عن قول القائل: لو ولد الخبر العلم يوجب أن يولد جنسه و كل حرف منه، بأن قيل: انما يولد العلم يفارق سائر الأسباب حسب ما نقوله في النظر و التوليد للعلم.

فالكلام على ذلك أن الأسباب لا تختلف في أن توليدها يرجع الى الاجزاء و الأجناس، و انما فارق سبب العلم سائر الأسباب في الشروط، و الشروط قد تختلف و قد تنفق بحسب قيام الدليل، و ليس يجوز أن يختلف الأسباب في رجوع التوليد الى أجناسها و الى كل جزء منها.

و الذي ختم به هذا الفصل من ارتكاب توليد السبب الواحد مسببات كثيرة.

لما وقفت ذلك على حد، لأنه إذا تعدى الواحد فلا تقتضي للحصر، و هذا يؤدي الى توليده ما لا نهاية له. ألا ترى أن القدرة لما تعلقت في المحال و الأوقات، و من الأجناس بأكثر من جزء واحد، لم ينحصر متعلقها من هذه الوجوه، و استقصاء جميع ما يتعلق بهذا الكلام يطول، و فيما أوردناه كفاية.

53

الفصل السادس

[حصول العلم و تولده من خبر الواحد و الجواب عنه]

و له أن يقول: قد علمنا أنه لا يجوز أن يتساوى نفسان في كمال العقل، و نفي السهو و الاعتراض عما يسمعانه، ثم يكون (1) سماعهما للمخبر عن أحد جاء من بغداد على حد واحد، فيحصل العلم لأحدهما و لا يحصل للآخر.

كما لا يجوز أن يشتركا في صحة الحاسة و ارتفاع الموانع و حصول المدرك و يتساوى حالهما في جميع ذلك، فيدرك أحدهما ما يختص به و لا يدركه الأخر.

و إذا لم يثبت تساوى الأمرين في العقول، و كان المقدم على دفع أحدهما كالمقدم على دفع الأخر، و استقل كون الحق مدركا بما ذكرناه من غير توقف لأمر زائد من موجب أو متخير.

و كأن القائل أن وجود العلم موقوف على فاعل متخير، مع ما ذكرناه ان شاء فعله و ان شاء لم يفعله. كالقائل أن حصول الحي مدركا موقوف على معنى ان وجد كان مدركا، و ان لم يوجد لم يكن مدركا، وجود ذلك موقوف فاعل متخير (2).

____________

(1) ظ: ثم لا يكون.

(2) كذا في النسخة.

54

فأما من سوى بين الأمرين، كأبي علي الجبائي و غيره و أوقف حصول الحق مدركا على معنى، فإنه لا يجدي فرقا بينه و بين من قال في الجسم الثقيل إذا لم يكن تحته ما يقله (1) و لا فوقه ما يمسكه كونه (2) متحركا سفلا و وجود الحركة فيه، و نظائر هذا الإلزام مما يؤدي الى الجهالات كثيرة.

و إذا ثبت غناء العلم عن أمر زائد، فالموجب له ما تجدد بحسبه، و كان تابعا لتجدده و هو الخبر. و إذا لم يجز في العلم الذي هو فعل واحد أن يحدث عن أكثر من فاعل واحد، وجب القطع على أن (3) من فعل مخبر واحد.

و لان العلم لو لم يتولد عن خبر الواحد و احتاج الى أخبار زائدة عليه، لكان كل خبر يفرض قبل حصول العلم، فلا بد من أحد أمرين، أما الانتهاء الى خبر عصد (4) عقيبه العلم و ينتفى الشك و هو المطلوب، أو اتصال الشك و تعذر العلم و قد علمنا وجوب حصوله حسب.

الكلام على ذلك: أنه لا يجوز أن يتساوى جنسان (5) في صحة الخاصة (6) و ارتفاع الموانع، و حصول المدرك، و تكامل جميع الشرائط، فلا يتساويان في كونهما مدركين على ما ذكرت.

غير أنه يجوز أن يتساوى جنسان في نفي السهو و الاعراض عما يدركانه من سماع الخبر عن أحد جاء من بغداد، فيعلم أحدهما و لا يعلم الأخر.

فإن قلت: قد أخللتم بشرط، و هو المتساوي في كمال العقل.

____________

(1) ظ: ما يقره.

(2) ظ: كان.

(3) ظ: أنه.

(4) ظ: حصل.

(5) في هامش النسخة ظ: نفسان.

(6) ظ: الحاسة.