/ 434‌
 
التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج1
 

[مقدمة التحقيق]

تاريخ الاجتهاد

لقد كانت الأمم تترامى بهم أمواج الضلال فلا ينقذون من هوة الهوان الا و يقذفون الى أعمق منها سادت فيهم الفوضى و طنبت عليهم العادات الخرافية و حكمتهم النواميس المخزية فمن دماء مهدورة و غارات متتابعة و أخلاق وحشية و نظم مهتوكة و سبيل الأمن شائك و سير الإنسانية متقهقر يعبدون الحجارة و يشربون الرنق و يقتاتون القد، اذلة خاسئين، يخافون أن يتخطفهم الناس.

فظهر بينهم الرسول الأقدس «محمد» (صلى اللّٰه عليه و آله) حاملا مصباح الهداية هاتفا بما فيه حياة البشر عامة من الطقوس الراقية و التعاليم الإلهية و النظم المقدسة فأبطل مسعى الإلحاد و تفككت عرى الوثنية و اندحرت عادات الجاهلية و كان دستوره المتكفل للعز الخالد.

الكتاب المجيد

فإنه منبع المعارف و العلوم فاستعان به علماء العربية و فقهاء الشريعة و اتخذه الفرق الإسلامية للتدليل على ما ذهبوا اليه و ركن إليه الفلاسفة و أساتذة الطب في المهم من هذه ا

و قد جمع الصحابة كتاب اللّٰه بتمامه في إضبارة خاصة أيام صاحب الدعوة الإلهية بأمر منه (صلوات اللّٰه عليه و آله) (1) فان تركه هذا القانون الموحى به إليه في الجرائد و العظام كما عليه المزاعم معرض للتلف و الزيادة و النقصان مع انه متكفل لأنظمة حياة الأمم و سعادتها فرسول السماء المبعوث للإصلاح لا يستسيغ ترك القران متفرقا بين الصبيان و النساء.

و لم يختلف اثنان في جمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لكتاب اللّٰه على حسب النزول (2) و قد رأى ابن النديم مصحفا بخط على (ع) عند أبي يعلى حمزة الحسيني يتوارثه بنو الحسن (3) كما ختم جماعة من الصحابة القران عدة مرات على النبي (ص) (4) و يحدث محمد بن كعب القرظي ان علي بن أبي طالب و عثمان و ابن مسعود ختموا القرآن و رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حي (5).

و ابن العربي المالكي الأندلسي لم يتأخر عما عليه صحيح الأحاديث من جمع القران بتمامه أيام النبي (ص) و بأمر منه فيقول كان تأليف القران ينزل من عند اللّٰه تعالى فيبينه النبي لكتابه و يميزه لأصحابه و يرتبه على أبوابه إلا براءة فإنه لم يذكر لهم شيئا ليتبين للخلق ان اللّٰه تعالى يفعل ما يشاء (6) و حديث انس بن مالك ينص على ان أربعة من الصحابة جمعوا القران على عهد رسول اللّٰه (ص) و هم معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد أحد عمومته و اختلفت الرواية عنه في الرابع هل هو أبو الدرداء أو أبي‌

____________

(1) مستدرك الحاكم ج 2 ص 611 و مسند الطيالسي ص 270 و المحبر لابن حبيب ص 286 و تاريخ الشام ج 7 ص 210 و فتح الباري ج 9 ص 440.

(2) فتح الباري ج 9 ص 43 و إرشاد الساري ج 7 ص 459 و عمدة القارئ للعيني ج 9 ص 304.

(3) الفهرست لابن النديم ص 42.

(4) تفسير روح المعاني للآلوسي ج 1 ص 24.

(5) تفسير القرطبي ج 1 ص 58.

(6) احكام القران ج 1 ص 366.

 
1 م