/ 173
 
المقدمة:
شرح الرسالة الصلاتية
 

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.

الحمد لله رب العالمين، و آله الموحدين و العارفين، و الهادي بنوره للصراط المستقيم، و محل علم الأنبياء و المعصومين، للفقهاء و المحدثين، و الخالق للناس أجمعين، البصيرة و الدين، و الجاعل في أرضه من الراكعين، و المصلي على خير المرسلين، بخير صلاة و تسليم، السراج المنير في الأولين و الآخرين، محمد و آله الطاهرين.

و بعد: فقد شمرت عن ساعد الجد و الاجتهاد لخوض ما أهمل في هذا الزمان من نشر و تحقيق كتب علمائنا الأعلام أمثال هذه الشهب العظام و السادة الكرام كشيخنا الفقيه المتبحر علم الأحرار و ورع الأبرار و حامل الأسرار و جاعل الفقه شمس الأنوار الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم آل عصفور البحراني الدرازي (قدس سره) و الله المستعان و هو ولي التوفيق.

الصلاة و المصلي

اعلم أن الله سبحانه و تعالى أنزل الكتاب و أرسل الرسل رحمة للعالمين و هداية للمسترشدين و طلباً للفوز بيوم الدين الذي أوعد به عباده المؤمنين و قال عز من قائل [أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ]* في كثير من الآيات، و أوصى بها أنبياءه الصالحين و أمر بالمحافظة عليها و جعلها العمود للدين بعد ولاية أمير المؤمنين كما وردت به الروايات المعتبرة عن الأئمة المطهرة [و العلة في فرضها و وجوبها الإقرار بالربوبية لله عز و جل و خلع الأنداد و نفي الأضداد و القيام بين يدي الجبار بالذل].

و فيها وضع الوجه على الأرض إرغاماً للملك الجبار، و إقراراً بعزته كل يوم خمس مرات في الليل و النهار، إعظاماً له عز شأنه و أن يكون العبد ذاكراً غير ناس له و لا بطراً، و يكون في ذكره لربه و قيامه بين يديه ما يزجره عن المعاصي و أنواع الفساد، و هي قرة عين النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قربان كل تقي و غاية كل مشتكي.

و هي تحتّ الذنوب حتّ الورق و تطلقها إطلاق الرق و تنمي القلوب بذكر الإله و تشفي الصدور من كل داء.

و هي كالنهر الجاري الذي يذهب عمل الجني و يضع كل ما اجتني من كتاب الله المجيد.

إنها [تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ]، و تكفر الخطايا كما كفرت خطية آدم.

و أن تاركها كافر و إن كان لا عن استحلال، و تركها من أعظم الكبائر، و من تركها متعمداً فقد برئت منه ذمة الإسلام

و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) [ليس مني من استخف بصلاته لا يرد على الحوض لا و الله].

إلى غير ذلك من الفوائد و الفضائل الواردة عن الآل (عليهم السلام).

التقليد و المقلد عند المصنف

اختلف الأصحاب في هذه المسألة اختلافات شاسعة و واسعة في أنه هل يجوز تقليد الحي و الميت أم اختص التقليد بالأول.

ثم هل يجوز التقليد في أصول الدين و فروعه أم في الثاني فقط؟.

قال الحر العاملي في الفوائد الطوسية ما هذا لفظه «منهم من أجازه في الفروع و الأصول و منهم من أجازه في الفروع خاصة، و الخلاف مشهور و أدلة الجواز ضعيفة و الآيات الشريفة صريحة في ذمه و المنع منه مطلقاً».

أي أن جواز التقليد في الأصول ممنوع بل اختص التقليد بالفروع و هذا لأن الأصول يحتاج لجزم و إذعان لا ترتب العلم و ظن، و لا يحصل ذلك إلا من نفس الإنسان لتحصل الطمأنينة ثم إن الآيات و الروايات أحالتنا في هذا الباب بأخذ العقل حجة و وسيلة فيه لا في غيره فيلزم عدم جواز التقليد في ذلك.

و أما الخلاف الواقع في الفروع بتقييده بالحي و عدمه.

فأكثر المتقدمين يجوزون تقليد الميت و أكثر المتأخرين يمنعون تقليد الميت و يبطلونه و على ذلك قال الحر العاملي (قدس سره) ما هذا لفظه «و من المعلوم أن طريقة المتقدمين هي الموافقة للأئمة (عليهم السلام) و لأحاديثهم المتواترة فإن شذّ منهم شاذ أحياناً أنكر عليه الباقي و أنكر عليه الأئمة (عليهم السلام).

و قال شيخنا المصنف الأعظم في كتاب الدرر النجفية واصفاً أولئك (المتأخرين) ما هذا لفظه «لقد تقاعدت الهمم في هذا الزمان عن نصرة الدين المبين، و السعي في إحياء سنة سيد المرسلين، و تحصيل الأحكام على وجه الذي ذكرناه في هذا المقام أو ذكره من تقدموا من الأعلام، و قنعوا بما قنعت به منهم الجهال في هذا المجال، فتصدوا لهذا المنصب النبوي، فأكثروا من الفتيا في الأحكام و خبطوا خبط عشواء في موارد الحلال و الحرام من غير معرفة لهم في ذلك بدليل و لا وقوف على نهج السبيل، و تصدر للحكومة بين الناس من لم يبني في ذلك على أصل و لا أساس، [أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئٰاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللّٰهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذٰابُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَشْعُرُونَ]، فصاروا إذا أوردت أحدهم القضية هيأ لها حشواً من المقال، و أردف الجواب عاجلًا بالسؤال من غير معرفة بالصواب أو الضلال، و المتورع منهم الفاضل بزعمه بين العباد.

إذا أوردت عليه مسألة هيأ لها شرح اللمعة، أو المسالك، أو أحد شروح الإرشاد، و اعتمد الجواب منها، من غير علم بابتنائه على صحة أو فساد، (آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ)؟.

هذا مع أن أصحاب تلك الكتب متفقون على المنع من تقليد الأموات كما صرحوا به في كتبهم الأصولية و الفروعية من مختصرات و مطولات»، (انتهى كلامه (قدس سره).

و قال الشهيد الثاني مخالفاً على ما تقدم في رسالته بعدم جواز تقليد المجتهد الميت مطلقا، ما هذا لفظه «إن بطلان العمل بقول الميت مجمع عليه لا خلاف فيه».

 
1