/ 114
 
مقدمة المركز
سماحة الإسلام وحقوق الأقليّات الدينيّة
 

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على نبيّنا محمّد وآله الطاهرين ، وبعد ..

إنّ من أبرز سمات الفكر المتحضّر شموليته ، بحيث لا يضيق ذرعاً بجانب ما وإن أبدع في سائر الجوانب الحياتية الأخرى ، ومرونته بامكان الاستفادة منه في علاج ما يستجد من مشاكل الحياة المعاصرة ، وانسجامه مع طموحات الإنسان وتلبية حاجاته في كلّ عصر وجيل. وسلامة مبادئه من العصبية والتطرف على حساب جنس أو لون ، مع قوّته في ذاته بسلامة حجته ، ومتانة دليله ، ووضوح منطقه ، ومن الواضح ان فكراً عالمياً بهذه المواصفات لا يمكن أن يكون من نتاج عقلية بشرية ، وإن بلغت من السموّ والارتقاء إلى أقصى ما يمكن أن تبلغه العقول من درجات ، كما لا يمكن العثور عليه حتى في نطاق الأديان السماوية التي جاءت لقوم دون آخرين لتعالج مشاكل اُمة معينة في مرحلة من مراحل عتوّها وجبروتها ، ولا شكّ أنّ الدين الوحيد الذي لم يحصر خطابه باُمة معينة ، وإنما خاطب الناس كافة هو الإسلام الذي جاء متمّماً لدعوة الأنبياء جميعاً ، وبكماله وتمامه انقطع وحي السماء ، وهذا يعني تمامية فكره وانسجامه مع الحياة في كلّ زمان ومكان ، إذ لا يعقل أن يرتضيه الله ديناً لجميع العباد ويتركه ناقصاً ليتمّمه البشر ! وقد نبّه القرآن الكريم على هذه الحقيقة بآيات كثيرة ، كما طفحت بها السنّة النبوية ، وفاضت على جنبات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

ومن مؤشرات عظمة هذا الدين أنه لم ينتشر عن طريق القوّة كما يدّعيه خصومه ، كما لم تكن آيات القتال في دستوره وسيلة من وسائل الاكراه على العقيدة ، وإنما انتشر بقوة الفكر على خلاف ما كان في تاريخ انتشار الديانات الأخرى ، ورفض مبدأ الضغط والإكراه في الدين وأبطل كل ما يقوم على هذا المبدأ من عقائد ؛ وشرطه في العقيدة أن تُبنى على القناعة في الفكر والسلوك ، وأما القوّة في أدبياته فهي لدفع العدوان والقضاء على الظلم والفساد ، وإلاّ فهي أعجز من أن تنفذ إلى أعماق الإنسان لتكسبه عقيدة ، والأسلوب الحضاري الذي سلكه الإسلام في جذب الناس إليه يتمثّل في دعوته إليهم بالتي هي أحسن من خلال الكلمة الطيبة التي تفوح بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، وفتح أبواب الحوار الهادئ الموضوعي ، ونبذ اللجاج والعصبية ، وترك الاحتجاج بغير الدليل المقنع. وقد اضطرد هذا الأسلوب في القرآن والسنة كما نلحظه بوفرة في احتجاجات أهل البيت (عليهم السلام) مع المشركين ، والثنوية ، والدهرية ، والزنادقة ، وأهل الكتاب ، والصابئة ، وغيرهم من أصحاب الديانات والملل الأخرى.

ومن منهج الإسلام إنه هيّأ مستلزمات الدخول إلى الإيمان، وبسطها بوضوح، وجعلها في متناول الجميع ثمّ ترك الناس وشأنهم في حرية الاختيار ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) ، وهذه هي سنّة الله تعالى في عباده ، إذ لم يشأ أن يخلق الإيمان فيهم خَلقاً كما خلق أجسادهم وركّب صورهم.

ومن مبادئه أيضاً أنه رفض الانطلاق مع الحياة على أساس وحشي باستخدام أساليب التعسّف والارهاب التي لا تعترف بحرية الإنسان وأمان الشعوب ، لأنّ الإنسان من حيث المبدأ الإسلامي العامّ حرٌّ ومسؤول ، وأن أي تقييد له خارج إطار نظامه العامّ ، يُعد انتقاصاً لكرامته وقد رفع الله سبحانه من مقامه ، وأعزّه وسخر له ما في الأرض جميعاً. وأما الشعوب فإنّ الله خلق الناس شعوباً ليتعارفوا ، لا ليستذلَّ بعضهم رقاب بعض ، ولا ليسود جنس على آخر ،

 
5