/ 391
 
تتمة كتاب الصلاة
بحار الأنوار - ج82
 

باب 23 القراءة و آدابها و أحكامها

الآيات النحل‏ فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏ (1) المزمل‏ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (2)

____________

(1) النحل: 98، لكن خطاب الآية الكريمة متوجه الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فتكون الاستعاذة المأمور بها فرضا عليه و سنة لامته (ص) بالاقتداء و التأسى، لكونها سنة في فريضة: الاخذ بها هدى و تركها ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار.

(2) المزّمّل: 4، و الآية توجب ترتيل القرآن بمعنى قراءته مرتلا منسقا سورة بعد سورة حتّى يأتي على آخرها، قال عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» فأمر رسوله (ص) أولا بتهجد الليل ثمّ بترتيل القرآن، الا أن أمره بقيام الليل مستقل من أمّهات الكتاب، و أمره بالترتيل غير مستقل من المتشابهات بها، فأوله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى الصلاة بعد تكبيرة الاحرام قبل الركوع، فتكون سنة في فريضة الاخذ بها هدى و تركها ضلالة، و من تركها عمدا بطلت صلاته لاعراضه عن سنة الرسول (ص).

و انما قلنا بقراءته سورة بعد سورة حتّى يأتي على آخرها، لإطلاق لفظ القرآن و الإطلاق في كلام الحكيم محكم، و أمّا إمكان ذلك في تهجد ليلة، أو صلوات يوم و ليلة فلان سورة المزّمّل من أوائل السور النازلة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد قيل بأنها ثالث ثلاثة:

نزلت أولا سورة العلق ثمّ القلم ثمّ المزّمّل، و ان كان لا يخلو عن بعد بملاحظة مضمون الآيات الكريمة.

و كيف كان، لازم قوله عزّ و جلّ: «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» نزول صدر السورة و فيها هذه الآية الشريفة- في ظرف كان يمكن قراءة سور القرآن منسقا و منضدا و مرتلا في تهجد واحد، و لعله لم تكن السور النازلة قبلها تربو على عدد الأصابع، و سيأتي تأييد ذلك في الآية المتممة للعشرين من هذه السورة.

و أمّا الترتيل: فهو معنى لا يتعلق الا بالشي‏ء ذى الاجزاء المختلفة و المراد تنسيق تلك الاجزاء و تنضيدها أحسن نضد و اتساق، و انتظامها سلكا واحدا يقع كل جزء موقعه الخاص به المناسب له من حيث الترتيب، يقال ثغر مرتل: إذا كان مستوى النبات حسن التنضيد، كلام رتل: حسن التأليف، ترتل في الكلام: ترسل و تأنق في قراءته بتبيين الحروف و أداء الوقوف و حسن تنسيقها، لا يندمج بعضها في بعض.

و أمّا القرآن الكريم، فلما كان مشتملا على سور متعدّدة، و كل سورة في طيها آيات و كل آية مركب من جملات، و كل جملة من كلمات، و كل كلمة من حروف، كان ترتيل القرآن بقراءته سورة بعد سورة لا أقل من قراءة سورتين في ركعة، ليتم معنى التنسيق و التنضيد و ترتيل السورة بقراءة آياتها مرتبة منسقة من دون تقديم و تأخير بين آياتها المتناسقة و بلا زيادة فيها و نقيصة منها، و منه الوقف عند تمام الآية الشريفة- كما كان يفعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لئلا يندمج الآية في الآية و أمّا ترتيل الآية فبقراءة جملاتها منظمة مترسلة و منه حفظ الوقوف، و ترتيل الجملة بقراءة الكلمات بعضها اثر بعض من دون ريث و سكتة، و منه رعاية الوقف بالحركة و الوصل بالسكون، و ترتيل الكلمة بترسيل الحروف متسقة و تبيينها من مخارجها منتظمة لا يندمج بعضها في بعض.

و من الترتيل و حسن الترسل في القراءة أن يتانق في اعلاء صوته حين القراءة كما يتأنق الخطيب المصقع يتصوب بصوته تارة و يتصعد به اخرى حسب مقتضى المقام، فلو علا بصوته في كلمة ثمّ خفض صوته بالكلمة بعدها و هكذا بحيث صار مخالفا لطبع القراءة كان خارجا عن الترتيل الواجب عليه بالسنة، و الكلام في الاسراع بالقراءة و الابطاء فيها كالكلام في اعلاء الصوت و اخفاضها لأيا بلاى.

و يؤيد هذا المعنى بل يصرح به قوله تعالى: «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا» الفرقان: 33، لان المعنى انا أنزلنا القرآن متفرقا بين قطعاتها سورة سورة لنثبت به فؤادك بانزال كل سورة عند الحاجة اليها و لتقرأه على الناس على مكث، فيتعلموه و يتأنسوا به.

لكنه مع ذلك لم يكن التفريق بين قطعة و قطعة و بين سورة و سورة، و آية و آية كتفرقة الدقل و نثره و نثر الشذر بانقطاع سلكه، بل رتلناه ترتيلا يتسق نظام آياته و ينتظم نطاق قصصه و عبره، و يتنضد سياق حكمه و أمثاله، و زواجره و رغائبه، مع ما في طيها من أحكام المعاملات و العبادات و قد وقع كل موقعه بحسن التأليف و الترصيف.

 
1