/ 608
 
المقدمة
مستدرك عوالم العلوم و المعارف - ج20-1
 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله أجمعين؛

و اللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين، و بعد:

بين يديك عزيزي القارئ سفر ثمين آخر يضمّ بين دفّتيه جوانبا من حياة و سيرة الكوكب السادس المتألّق في سماء العصمة و الطهارة، إمامنا المعصوم الصادق «جعفر بن محمّد» (عليهما السلام) مشيّد المدرسة العلميّة الكبرى، و الجامعة الإسلاميّة الرائدة الّتي طبّق صيتها الآفاق.

المدرسة الجعفريّة: لا يختلف اثنان من أيّ الفرق و الطوائف و المذاهب الإسلاميّة في أنّ المدرسة الجعفريّة هي أسمى و أكبر و أجلّ المدارس الإسلاميّة، و من أكثرها أصالة و عراقة بلا منازع، و لو لاها لا ندرس الكثير من العلوم، و امّحى العديد من الشرائع، و ضاع المهمّ من الاصول، و فقد الأصيل من الحقائق و الحجج؛

فالتاريخ لا يذكر لنا، بل لا يعرف مدرسة علميّة كبرى كمدرسته (عليه السلام) الّتي استقطبت اهتمام الجميع، فدخلها طلّاب البحث، و أمّها روّاد العلوم، لينهلوا من صافي نمير النبوّة مختلف العلوم، و ليتفيّئوا بظلال الإمامة، و يغرفوا من زلالها العذب الّذي لا ينضب، حتّى أنّ «هذه الّتي حملتها الإبل من الحجاز» كلمة جرت على ألسنتهم مثلا، و تعبيرا عن عجزهم عن إدراك هذه العلوم الخفيّة الصافية من معدن الوحي إلّا بأن يتحمّلوا عمّن استكانوا و نفروا إلى أهل بيت النبوّة و تفقّهوا منهم، ثمّ رجعوا إلى قومهم بقبس من علومهم.

و حسب هذه المدرسة المباركة أنّ واضع لبناتها الاولى، و باني اسسها من قال اللّه بحقّه في القدسي «الباقر لعلمي و الداعي إلى سبيلي» (1) و أنّ قائدها و هاديها و مغذّيها:

«الناطق عن اللّه، الصادق في اللّه» (2) كما أخبر به جبرئيل- في المعراج- عن اللّه عزّ و جلّ، و المأمور في الصحيفة المنزلة من عند اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ب

«حدّث الناس و أفتهم، و انشر علوم أهل بيتك، و صدّق آباءك الصالحين، و لا تخافنّ أحدا إلّا اللّه، و أنت في حرز و أمان» (3)

و التاريخ يحدّثنا كيف شرع مولانا الصادق (عليه السلام) يوم تسلّم قيادة الامّة الإسلاميّة بتنفيذ دوره الإلهي بصدق و عزم راسخين رغم تعسّر الزمان و اشتداد الجور و الطغيان، فأشرقت شمس علومه، و تسلّلت آثارها بين حجب التعصّب و الأهواء، فأنارت جانبا كبيرا و مهمّا من تراثنا الإسلامي الزاهر، و ما زالت بروقها تأتلق في حشود أحاديثه (عليه السلام) الّتي تغصّ بها كتب الفريقين، و الّتي رواها الآلاف من تلامذته مع ما كابدوه من قتل و محن، فهل لأحد أن‏

____________

(1) أمالي الطوسي: 297.

(2) كفاية الأثر: 187.

(3) كمال الدين: 2/ 669 ح 15.

 
5