/ 181
 
الجزء السابع‏
التفسير الكبير - ج7
 

{K~{Kتتمة سورة البقرةK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أن من عادته سبحانه و تعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها بالبعض، أعني علم التوحيد، و علم الأحكام، و علم القصص، و المقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، و إما المبالغة في إلزام الأحكام و التكاليف، و هذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر و يفرح به القلب، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر و انتقل من بستان إلى بستان آخر، و انتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر، و لا شك أنه يكون ألذ و أشهى، و لما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام و من علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد، فقال: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في فضائل هذه الآية روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: / «ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوماً و لا يدخلها ساحر و لا ساحرة أربعين ليلة» و عن علي أنه قال: سمعت نبيّكم على أعواد المنبر و هو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، و لا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، و من قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه اللّه على نفسه و جاره و جار جاره و الأبيات التي حوله» و تذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي: أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يا علي سيد البشر آدم، و سيد العرب محمد و لا فخر، و سيد الكلام القرآن، و سيد القرآن البقرة، و سيد البقرة آية الكرسي» و عن علي أنه قال: لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنظر ماذا يصنع، قال فجئت و هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، لا يزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت و هو يقول ذلك، فلا أزال أذهب و أرجع و أنظر إليه، و كان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح اللّه له.

و اعلم أن الذكر و العلم يتبعان المذكور و المعلوم فكلما كان المذكور و المعلوم أشرف كان الذكر و العلم أشرف، و أشرف المذكورات و المعلومات هو اللّه سبحانه بل هو متعال عن أن يقال: إنه أشرف من غيره، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة و مشاكلة، و هو مقدس عن مجانسة ما سواه، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله و صفات كبريائه، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال و الشرف، و لما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات و أبلغ النهايات.

المسألة الثانية: اعلم أن تفسير لفظة اَللََّهُ قد تقدم في أول الكتاب و تفسير قوله لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ قد تقدم‏

 
5