/ 358
 
الجزء الثامن‏
التفسير الكبير - ج8
 

{K~{Kتتمة سورة آل عمران‏K}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد و النبوّة، و صحة دين الإسلام، ثم قال لرسوله‏ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلََّهِ وَ مَنِ اِتَّبَعَنِ [آل عمران: 20]ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم باللّه، و قتلهم الأنبياء و الصالحين بغير حق، و ذكر شدة عنادهم و تمردهم في قوله‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ [آل عمران: 23]ثم ذكر شدة غرورهم بقوله لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ [آل عمران: 24]ثم ذكر وعيدهم بقوله فَكَيْفَ إِذََا جَمَعْنََاهُمْ لِيَوْمٍ لاََ رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: 25]أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بدعاء و تمجيد يدل على مباينة طريقه و طريق أتباعه، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين، فقال معلماً نبيّه كيف يمجد و يعظم و يدعو و يطلب قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف النحويون في قوله اَللََّهُمَّ فقال الخليل و سيبويه اَللََّهُمَّ معناه: يا اللّه، و الميم المشددة عوض من: يا، و قال الفرّاء: كان أصلها، يا اللّه أم بخير: فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء، و حذفوا الهمرة من: أم، فصار اَللََّهُمَّ و نظيره قول العرب: هلم، و الأصل: هل، فضم: أم إليها، حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه الأول: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف، لأن التقدير: / يا اللّه أمنا و اغفر لنا، و لم نجد أحدا يذكر هذا الحرف العاطف و الثاني: و هو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال، لجاز أن يتكلم به على أصله، فيقال (اللّه أم) كما يقال (و يلم) ثم يتكلم به على الأصل فيقال (ويل أمه) الثالث: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفا، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً، كما يقال: يا اللّه اغفر لي، و أجاب الفراء عن هذه الوجوه، فقال: أما الأول فضعيف، لأن قوله (يا اللّه أم) معناه: يا اللّه اقصد، فلو قال: و اغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما: قوله‏ فَآمَنََّا و الثاني: قوله فَاغْفِرْ لَنََا [البقرة: 286]أما إذا حذفنا العطف صار قوله: اغفر لنا تفسيراً لقوله: أمنا. فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد، و نظائره كثيرة في القرآن، و أما الثاني فضعيف أيضاً، لأن أصله عندنا أن يقال: يا اللّه أمنا. و من الذي ينكر جواز التكلم بذلك، و أيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل، أ لا ترى أن مذهب الخليل و سيبويه أن قوله: ما أكرمه، معناه أي شي‏ء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل‏

 
185