/ 544
 
الجزء الثاني عشر
التفسير الكبير - ج12
 

{K~{Kتتمة سورة المائدةK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

قوله تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرََاةَ فِيهََا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتََابِ اَللََّهِ وَ كََانُوا عَلَيْهِ شُهَدََاءَ .

اعلم أن هذا تنبيه من اللََّه تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم، و ترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم و الأنبياء المبعوثين إليهم، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه، فوجب حصول الفرق بين الهدى و النور، فالهدى محمول على بيان الأحكام و الشرائع و التكاليف، و النور بيان للتوحيد و النبوة و المعاد.

قال الزجاج فِيهََا هُدىً أي بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي صلى اللََّه عليه و سلم وَ نُورٌ بيان أن أمر النبي صلى اللََّه عليه و سلم حق.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لا زم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية، و تقريره أنه تعالى قال: إن في التوراة هدى و نورا. و المراد كونه هدى و نورا في أصول الشرع و فروعه، و لو كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدى و نور، و لا يمكن أن يحمل الهدى و النور على ما يتعلق بأصول الدين فقط، لأنه ذكر الهدى و النور، و لو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار، و أيضا أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم، فلا بدّ و أن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية، لأنا و إن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها.

المسألة الثالثة: قوله يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هََادُوا يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، و ذلك أن اللََّه تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها و يقوموا بفرائضها و يحلوا حلالها و يحرموا حرامها.

فإن قيل: كل نبي لا بدّ و أن يكون مسلما، فما الفائدة في قوله اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا .

قلنا فيه وجوه: الأول: المراد بقوله أَسْلَمُوا أي انقادوا لحكم التوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة، و الذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام. الثاني: قال الحسن و الزهري و عكرمة و قتادة و السدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين‏

 
365