/ 181
 
الجزء التاسع عشر
التفسير الكبير - ج19
 

{K~{Kتتمة سورة الرعدK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: وَ هُوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ .

و اعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض و أحوالها من وجوه: الأول: أن الشي‏ء إذا تزايد حجمه و مقداره صار كأن ذلك الحجم و ذلك المقدار يمتد فقوله: وَ هُوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ إشارة إلى أن اللّه سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك المقدار المعين الحاصل له لا أزيد و لا أنقص و الدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً مما هو الآن و أنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد أن يكون بتخصيص و تقدير مقدر. الثاني: قال أبو بكر الأصم المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، فقوله: وَ هُوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ يشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجماً عظيماً لا يقع البصر على منتهاه، لأن الأرض لو كانت أصغر حجماً مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به. و الثالث: قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها و دحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا و كذا. و قال آخرون: كانت مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها: اذهبي كذا و كذا.

اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة و أصحاب هذا القول احتجوا عليه بقوله:

وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا [النازعات: 30]و هذا القول مشكل من وجهين. الأول: أنه ثبت بالدلائل/أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه؟ فإن قالوا: و قوله: مَدَّ اَلْأَرْضَ ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها؟ قلنا: لا نسلم أن الأرض جسم عظيم و الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، و التفاوت الحاصل بينه و بين السطح لا يحصل إلا في علم اللّه ألا ترى أنه قال: وَ اَلْجِبََالَ أَوْتََاداً [النبأ: 7] فجعلها أوتاداً مع أن العالم من الناس يستقرون عليها فكذلك هاهنا. و الثاني: أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع، و الشرط فيه أن يكون ذلك أمراً مشاهداً معلوماً حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع و كونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد و لا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه.

و النوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال و إليه الإشارة بقوله: وَ جَعَلَ فِيهََا رَوََاسِيَ من‏

 
5