/ 782
 
الجزء الثلاثون‏
التفسير الكبير - ج30
 

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة الجمعة

و هي إحدى عشرة آية مدنية

وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة: سَبَّحَ لِلََّهِ [الصف: 1]بلفظ الماضي و ذلك لا يدل على التسبيح في المستقل، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر و المستقبل، و أما تعلق الأول بالآخر، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار، و ذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق، و منزه عما يخطر ببال الجهلة في الآفاق، و في أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدسا و منزها عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق، ثم إذا كان خلق السموات و الأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة اللََّه تعالى فله الملك، كما قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ لَهُ اَلْمُلْكُ [التغابن: 1]و لا ملك أعظم من هذا، و هو أنه خالقهم و مالكهم و كلهم في قبضة قدرته و تحت تصرفه، يسبحون له آناء الليل و أطراف النهار بل في سائر الأزمان، كما مر في أول تلك السورة، و لما كان الملك كله له فهو الملك على الإطلاق، و لما كان الكل بخلقه فهو المالك، و المالك و الملك أشرف من المملوك، فيكون متصفا بصفات يحصل منها الشرف، فلا مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوسا، فلفظ اَلْمَلِكِ إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية، و لفظ اَلْقُدُّوسِ هو إشارة إلى نفي مالا يكون منها، و عن الغزالي اَلْقُدُّوسِ المنزه عما يخطر ببال أوليائه، و قد مر تفسيره و كذلك اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح، أي هو الملك القدوس، و لو قرئت بالنصب لكان وجها، كقول العرب: الحمد للََّه أهل الحمد، كذا ذكره في «الكشاف» ، ثم في الآية مباحث:

الأول: قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلََّهِ و لم يقل: يسبح اللََّه، فما الفائدة؟ نقول: هذا من جملة ما يجري فيه اللفظان: كشكره و شكر له، و نصحه و نصح له.

الثاني: اَلْقُدُّوسِ من الصفات السلبية، و قيل: معناه المبارك.

الثالث: لفظ اَلْحَكِيمِ يطلق على الغير أيضا، كما قيل في لقمان: إنه حكيم، نقول: الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء[في‏]مواضعها، و اللََّه تعالى حكيم بهذا المعنى.

ثم إنه تعالى بعد ما فرغ من التوحيد و التنزيه شرع في النبوة فقال:

 
537