/ 172
 
الجزء الثامن‏
العقد الفريد - ج8
 

كتاب الفريدة الثانية في الطعام و الشراب‏

قال الفقيه أبو عمر بن محمد بن عبد ربه: قد مضى في بيان طبائع الإنسان و سائر الحيوان و النتف.

و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه في الطعام و الشراب اللذين بهما تنمو الفراسة و هما قوام الأبدان، و عليهما بقاء الأرواح.

قال المسيح عليه الصلاة و السلام في الماء: هذا أبي. و في الخبز: هذا أمي. يريد أنهما يغذيان الأبدان كما يغذيهما الأبوان.

و هذا الكتاب جزءان: جزء في الطعام، و جزء في الشراب.

فالذي في الطعام منهما متقصّ جميع ما يتم و يتصرف به أغذية الطعام من المنافع و المضار، و تعاهد الأبدان بما يصلحها من ذلك في أقواته و ضروب حالاته، و اختلاف الأغذية مع اختلاف الأزمنة بما لا يخلي المعدة و ما لا يكظّها، فقد جعل اللّه لكل شي‏ء قدرا.

و الذي في الشراب منهما مشتمل على صنوف الأشربة، و ما اختلف الناس فيه في الأنبذة (1) ، و محمود ذلك و مذمومه، فإنا نجد النبيذ قد أجازه قوم صالحون، و قد وضعنا لكل شي‏ء من ذلك بابا فيحتاط كل رجل لنفسه بمبلغ تحصيله، و منتهى نظره؛ فإن الرائد لا يكذب أهله.

____________

(1) الأنبذة: جمع النبيذ، و هو شراب مسكر يتخذ من عصير العنب او الثمر او غيرهما.

 
3