/ 712
 
الجزء الثاني‏
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - ج2
 

[المقصد الثالث‏]

الفصل الأول فى كمال خلقته و جمال صورته صلى اللّه عليه و سلم و شرفه و كرمه‏

اعلم أن من تمام الإيمان به- صلى اللّه عليه و سلم- الإيمان بأن اللّه تعالى جعل خلق بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله و لا بعده خلق آدمى مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح لك من عظيم خلق نفسه الكريمة، و ما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدس، و للّه در الأبوصيري حيث قال:

فهو الذي تم معناه و صورته‏ * * * ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم‏

منزه عن شريك فى محاسنه‏ * * * فجوهر الحسن فيه غير منقسم‏

يعنى: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه، لأنه الذي تم معناه دون غيره، و هى غير منقسمة بينه و بين غيره، و إلا لما كان حسنه تامّا، لأنه إذا انقسم لم ينله إلا بعضه فلا يكون تامّا.

و فى الأثر: أن خالد بن الوليد خرج فى سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء فقال له سيد ذلك الحى: صف لنا محمدا فقال: أما إنى أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل، ذكره ابن المنير فى أسرار الإسرار.

فمن ذا الذي يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول و المسئول؟!

و قد حكى القرطبى- فى كتاب الصلاة- عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه- صلى اللّه عليه و سلم-، لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم-. و لقد أحسن الأبوصيري أيضا حيث قال:

أعيى الورى فهم معناه فليس يرى‏ * * * للقرب و البعد فيه غير منفحم‏

كالشمس تظهر للعينين من بعد * * * صغيرة و تكل الطرف من أمم‏

 
5