/ 223‌
 
الفوائد الرجالية (للسيد بحر العلوم) - ج4
 

[المجلد الرابع]

باب النون

نعمان بن محمد بن منصور، قاضي مصر

. و قد كان في بدء أمره مالكيا، ثمّ انتقل الى مذهب الامامية (1)

____________

(1) أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد اللّه محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المغربي، و يعرف لدى الاسماعيلية باسم (سيدنا القاضي النعمان) تمييزا بينه و بين أبي حنيفة النعمان- صاحب المذهب الحنفي المشهور-. و قد اختلف المؤرخون في تاريخ مولده، (فقال بعضهم): إنه ولد سنة 259 ه‍، (و قال بعضهم):

إنه ولد في العشر الأخير من القرن الثالث.

و يطلق عليه ابن خلكان في (وفيات الأعيان) و مؤلفو الشيعة الاثني عشرية (أبا حنيفة الشيعي). كما أن ابن خلكان يرى: أنه كان مالكي المذهب، ثمّ اعتنق مذهب الإمامية. و كذلك مؤرخو الشيعة الاثني عشرية و أرباب التراجم منهم، و يرى البعض: إنه كان مالكي المذهب، ثمّ تحول إلى الشيعة الاثني عشرية، ثمّ انتقل الى الإسماعيلية الفاطمية، و يرى ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة ج 4- ص 222) انه كان حنفي المذهب قبل أن يعتنق المذهب الفاطمي.

و كيف كان، فقد نقل ابن خلكان عن المؤرخ ابن زولاق في كتابه: أخبار قضاة مصر- في ترجمة أبي الحسن علي بن النعمان المذكور- ما نصه: «... و كان أبوه النعمان بن محمد القاضي في غاية الفضل من أهل القرآن و العلم بمعانيه و عالما-

- بوجوه الفقه و علم اختلاف الفقهاء و اللغة و الشعر الفحل و المعرفة بايام الناس مع عقل و إنصاف، و ألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق باحسن تأليف، و أملح سجع، و عمل في المناقب و المثالب كتابا حسنا، و له ردود على المخالفين له:

له رد على أبي حنيفة، و على مالك، و الشافعي، و على ابن سريج، و كتاب اختلاف الفقهاء، و ينتصر فيه لأهل البيت- رضي اللّه عنهم- و له القصيدة الفقهية لقبها بالمنتخبة ...».

دخل النعمان في خدمة الإمام الإسماعيلي (عبد اللّه المهدي) و اتصل بالقائم بأمر اللّه طوال مدة حكمه و ولي قضاء مدينة طرابلس، و لما بنى المنصور بن القائم ابن المهدي مدينته (المنصورية) كان النعمان أول من ولي قضاءها، و قد ولاه المنصور القضاء على سائر مدن إفريقيا و أصبح شديد الصلة بالإمام الاسماعيلي و مقربا منه، و ظل قاضي قضاة هذه المدن، و تحت إمرته قضاتها إلى أن ولي (المعز) الإمامة فاشتدت صلة النعمان به، و كان يجالسه و يسايره و قلّ أن يفارقه، وضع النعمان كتابه (المجالس و المسايرات) جمع فيه كل ما رآه و ما سمعه من إمامه المعز، و في مؤلفات النعمان كثير من الدلائل تبين أنه كان يعرض كتبه على الامام المعز قبل إذاعتها و نشرها بين الناس.

و يعتبر القاضي النعمان المشرّع الإسماعيلي، لما له من أثر كبير في الحياة العقلية للدولة الإسماعيلية في مصر، و تعتبر مؤلفاته من الدعائم القوية التي ركز عليها المذهب الإسماعيلي، و لا تزال كتبه حتى يومنا- هذا- من أقوم الكتب لدى الاسماعيلية لا سيما كتابه (مختصر الآثار فيما روي عن الأئمة الاطهار) و هو كتاب متداول- الآن- بين طائفة (البهرة).

و أصبحت الكتب التي ألفها عمدة كل باحث في المذهب الإسماعيلي و الأصل الذي يستقي منه علماء المذهب، و قد أفاد الدعوة الاسماعيلية بكثرة مؤلفاته في الفقه-

- و المناظرة، و التأويل، و العقائد، و السير، و التأريخ، و الوعظ. و من الثابت أن النعمان ألف بضعة و خمسين كتابا، بقي منها حتى اليوم نحو من عشرين كتابا، وضاع الباقي و قيل: إن الإمام المعز قال عنه: «من يؤدي جزء من مائة مما أداه النعمان أضمن له الجنة بجوار ربه».

(أنظر: كتاب عيون الأخبار للداعي إدريس عماد الدين: ج 6 ص 41 طبع مصر).

و قد ذكر الاستاذ إسماعيل غالب الإسماعيلي ترجمة مفصلة للنعمان في كتابه (أعلام الاسماعيلية) ص 589 طبع بيروت سنة 1964 م و أورد قائمة بمؤلفاته المتنوعة نقلا عن كتاب (المرشد الى أدب الإسماعيلية) تأليف البرفسور إيفانوف (ص 37- ص 40).

و بعض هذه الكتب في خزائن أصحاب الدعوة الذين يحرصون عليها و يسترونها أشد الستر.

و يقول الدكتور محمد كامل حسين في مقدمة (كتاب الهمة في آداب أتباع الأئمة) الذي هو من مؤلفات القاضي النعمان: (ص 9- طبع دار الفكر العربي بمصر) ما هذا نصه:

«... و كل من تحدث عن النعمان من المؤرخين يذكرون فضله و علمه و تدلنا مؤلفاته العديدة على ما ذكره المؤرخون عنه، فلا غرابة أن رأينا كتبه عمدة كل باحث في المذهب الفاطمي و أنها الأصل الذي استقى منه علماء المذهب بعده.

فلا أكاد أعرف عالما من علماء الدعوة اختلف مع النعمان في المسائل الفقهية. و ربما كان ذلك لأن النعمان قال في كتابه (المجالس و المسايرات) اكثر من مرة: إن الإمام المعز لدين اللّه طلب اليه أن يلقي على الناس شيئا من علم أهل البيت. فألف النعمان كتبه، و كان يعرضها على المعز فصلا فصلا، و بابا بابا، حتى أتمها. فهو-

- يقول- مثلا-: (أمدنى المعز لدين اللّه بجمع شي‌ء لخصه لي و جمعه، و فتح لي معانيه، و بسط لي جملته، فابتدأت منه شيئا ثمّ رفعته اليه، و اعتذرت من الإبطاء فيه لما أردته من إحكامه، و رجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته فطالعته بمقداره فوقع إلى: يا نعمان لا تبال كيف كان القدر مع إشباع في إيجاز، فكلما أوجزت في القول و استقصيت المعنى فهو أوفق و أحسن، و الذي خشيت من أن يستبطأ في تأليفه، فو اللّه لو لا توفيق اللّه- عز و جل- إياك و عونه لك لما تعتقده من النية و محض الولاية لما كنت تستطيع أن تأتي على باب منه في أيام كثيرة، و لكن النية بصحبها التوفيق).

إلى أمثال ذلك من النصوص الكثيرة التي تدل على أن المعز لدين اللّه كان يدفعه إلى تأليف الكتب بعد أن يوضح له فكرتها، و أن النعمان كان يعرض كتبه على المعز قبل أن ينشرها على الناس، كما طلب اليه المعز أن يقرأ مجالس الحكمة التأويلية و لعل هذا هو السبب الذي من أجله لقّبه المؤرخ ابن زولاق بالداعي- كما روى عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان- و ليس لدينا من النصوص ما يثبت أن النعمان كان من الدعاة، فالداعي إدريس في كتابه (عيون الأخبار ج 6 ص 41) قال:

إن النعمان كان في مكانة رفيعة جدا قريبة من الأئمة، و أنه كان دعامة من دعائم الدعوة، و لكنه لم يصرح بان النعمان كان داعيا أو حجة، مع ما نعرفه من الداعي إدريس من إغداق المدح على كل من اتصل بالدعوة، و مهما يكن من شي‌ء فالنعمان كان داهية في سياسته التي قربته الى الأئمة، فقد استطاع بعلمه أن يجذب اليه قلوبهم فقربوه اليهم، و عرف أسرارهم و نواياهم، فوضع هذه الكتب العديدة و ادعى ان الأئمة هم الذين لقنوه إياها، بل لعلي لا أغالي إذا قلت: إن النعمان هو أول من دون فقه المذهب الفاطمي، فلا أكاد أعرف فقيها من فقهاء المذهب قبله كتب في هذا الفن».

- و الخلاصة: لقد أدى القاضي النعمان للدعوة الإسماعيلية خدمات علمية جليلة كان لها الفضل الاكبر في تركيز دعائم الدعوة، و لا غرو فقد كان اللسان الناطق لأئمتهم فاستحق أن يتربع على عرش الدعوة العلمية و أن يورث أبناءه هذه الزعامة و كانت وفاته بمصر في مستهل رجب سنة 363 ه‍، و صلى عليه المعز لدين اللّه.

و ذكر العلامة المحدث النوري في خاتمة مستدرك الوسائل (ج 3 ص 313) ترجمة للقاضي نعمان أسهب فيها و حقق في شرح حال (دعائم الإسلام) و التعريف به تحقيقا رشيقا، و ذكر وجوها كثيرة فيما صرح به أعلام الامامية من أن النعمان أظهر الحق تحت ستار التقية، فراجعه.

و ذكر الدكتور كامل حسين في مقدمته لكتاب (الهمة في آداب اتباع الائمة) أسماء جملة من مؤلفات القاضي النعمان، كما ترجم لكثير من اولاده و احفاده، فراجعه

و قد ترجم للقاضي النعمان في كثير من المعاجم الرجالية، و ذكرت أخباره في اكثر كتب التاريخ، راجع: سير النبلاء للذهبي، و الوافي بالوفيات للصفدي و فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، و وفيات الأعيان لابن خلكان، و لسان الميزان لابن حجر العسقلاني، و مرآة الجنان لليافعي، و شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي و كشف الظنون لحاجي خليفة، و النجوم الزاهرة لابن تغرى‌بردي بردي، و إيضاح المكنون للبغدادي، و الفوائد الرضوية للشيخ عباس القمي، و الذريعة لشيخنا الشيخ آغا بزرك الطهراني ج 8- ص 197، و أمل الآمل للشيخ الحر العاملي، و مجالس المؤمنين للقاضي نور اللّه التسترى، و روضات الجنات للخوانساري و غيرها من المعاجم الرجالية.

و الإسماعيلية يوافقون الإمامية في الامام الصادق- (عليه السلام)- و من قبله من الأئمة- (عليهم السلام)- و يخالفونهم في الكاظم- (عليه السلام)- و من بعده من الأئمة- (عليهم السلام)- و يقولون بامامة اسماعيل بن جعفر الصادق- (عليه السلام)- و إليه ينسبون، و يرون أن في كل دور سبعة أئمة، إما ظاهر و إما مستور، لقول-

 
5