/ 194
 
الأزمنة والأنواء
 

[المقدمة]

الأنواء عند العرب في الجاهلية

كان العرب قديما في بواديهم الفسيحة في حاجة شديدة إلى معرفة الكواكب الثابتة، و مواقع طلوعها و غروبها، لأن طبيعة الحياة في بيئة الصحراء كانت تضطرهم إلى الارتحال دائما من مكان إلى مكان طلبا للماء و المرعى. و كانت شمس الصحراء الساطعة اللاهبة كثيرا ما تضطرهم إلى السرى، و هو الرحيل في الليل، لينجوا من لهبها في النهار. فكانوا يقطعون الفيافي الموحشة، و الغلوات البعيدة، في ظلام الليالي، مهتدين بالدراري اللامعة في قبة السماء.

و لو لا عيون هذه الدراري التي ترعاهم، و تهديهم السبيل المقصود، لضلت قوافلهم، و هلكت أموالهم من الإبل و غيرها، بين كثبان الرمال المتشابهة و المتلاحقة كأمواج البحر المترامية على مدى البصر و إلى هذه الحقيقة الكبرى تشير الآية الكريمة:

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (1).

و كذلك كان العرب في حاجة ماسة إلى معرفة أحوال الهواء، و أوضاع الشمس و القمر، و تغير فصول السنة، و ما يحدث في الجو من حوادث في هذه الفصول، من نشوء السحاب، و سقوط الأمطار، و هبوب الرياح، و اشتداد البرد، و إقبال الحر، و غيرها من عوارض الطبيعة التي تعرض في أوقات معلومة من السنة. ذلك لأن طبيعة حياتهم في بيئة الصحراء كانت تجعل قوام حياتهم مرتبطا ارتباطا وثيقا بهذه الحوادث أيضا. فهم كانوا يحيون و يسعدون بالغيث و الكلأ في خصب الزمان.

و كانوا يشقون و يضيق عيشهم بانحباس الغيث و انقطاع الكلأ في جدب الزمان.

____________

(1) سورة الانعام 6/ 97.

 
7