/ 357
 
النفحة المسكية في الرحلة المكية
 

المؤلف و كتابه‏

الفصل الأول سيرته‏

أسرته:

منذ عهود غابرة لا يعلم مبتدأها، نشأت على كهف ذي صخور و حجارة في ضفة دجلة اليسرى، قرية صغيرة عرفت بالدور، و سرعان ما زهت هذه القرية و ازدهرت بمن سكنها من قبائل العرب، حتى عرفت بدور عربايي، أو دور العرب، تمييزا لها عن قرى أخرى كانت تحمل اسم الدور أيضا. (1) و شهدت البلدة ذروة عزها في الحقبة التي انتقلت فيها الخلافة العباسية إلى سرّ من رأى، حيث لم تبعد هذه الحاضرة الفخمة عنها غير ثلاثين كيلومترا أو أقل، و بنمو سرّ من رأى و اتساعها الهائل، أضحت (الدور) معدودة ضمن ضواحيها، و كثيرا ما ورد اسمها، في أخبار القرن الثالث الهجري (9 م) بوصفها جزءا من معالم الحاضرة نفسها (2) و عرفت يومذاك ب (دور سرّ من رأى).

و نبغ فيها، في القرون التالية، عدد من أهل العلم و الحديث، الذين لقوا من أهلها العناية و الرعاية، و استرعى وجود هذه الحركة العلمية فيها اهتمام بعض أمراء الدولة، فأنشأ أحدهم مدرسة علمية فخمة و مسجدا عند ضريح الإمام محمد الدوري، الذي يظن أنه محمد بن موسى بن جعفر «و كان شيخا ظريفا يتعاهد الصوفية و أصحاب الحديث» و توفي بعد سنة 300 بقليل. (3) و ما تزال بقايا هذه المدرسة العلمية موجودة حتى اليوم، تذكّر الناس بما كان‏

____________

(1) ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 480 (دار صادر) و الخطيب: تاريخ بغداد ج 3 ص 167.

(2) انظر مثلا الطبري: تاريخ الرسل و الملوك (دار المعارف بمصر) ج 9 ص 280، 246، 383، 269، 379، 389، 402، 444، 446، 450، 459، 462.

(3) الخطيب: تاريخ بغداد ج 3 ص 167.

 
5