/ 451
 
محاضرات في أصول الفقه (شرح الحلقة الثانية) - ج1
 

[الجزء الأوّل‏]

المقدمة

مثلما كان المنطق الصوري الأرسطي العلامة الفكرية المميزة للحضارة اليونانية، فإن علم اصول الفقه هو أحد أبرز العلامات الفكرية للحضارة الاسلامية، ذلك انّ علم الاصول إبداع إسلامي أصيل، لم يستعره المسلمون من بيئات أخرى، و إنما نشأ و تطور في عالمنا، و أضحى بعد فترة وجيزة من ولادته بمثابة المنطق للتفكير الفقهي، و ربما أمكن الافادة منه في العلوم الاسلامية، ليغدو منطقا لها، بل منطقا للحضارة الاسلامية، لو تطور و تكامل بنسق منهجي موضوعي، و لو لم تكتنف مساره اختلالات منهجية، اصطبغ اثرها بنزعة عقلية تجريدية افتراضية، مضافا الى محاولة تعطيله و إعاقة نموه بعد إقفال باب الاجتهاد و حصر المذاهب بالمذاهب المعروفة.

و في الوقت الذي تحوّل فيه علم الاصول الى نصوص و مستخلصات لأقوال المتقدمين من علماء المذاهب لا يسوغ تجاوزها، كان هذا العلم ينمو و يتكامل في الحواضر العلمية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام). و قد بلغ ذروة ازدهاره في المائة سنة الأخيرة منذ عصر الشيخ مرتضى الانصاري الى السيد الشهيد محمد باقر الصدر، الذي أشاد أركان مدرسة أصولية أودعها ابداعات منهجية، و غذّاها بمعطيات بحوثه في منطق الاستقراء و فلسفة الاحتمال.

لقد أدرك الشهيد الصدر في وقت مبكر قصور الكتب المتعارفة في الدرس الاصولي، ان من حيث انتماؤها لمراحل ماضية في تاريخ علم الأصول، لأنها- حسب تعبيره- تمثل مراحل مختلفة من الفكر الاصولي، فالمعالم تعبّر عن‏

 
5