/ 451
 
المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج2
 

الجزء الثانى‏

ذكر تاريخ الخليقة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

اعلم: أنه لما كانت الحوادث لا بدّ من ضبطها، و كان لا يضبط ما بين العصور، و بين أزمنة الحوادث إلّا بالتاريخ المستعمل العام الذي لا ينكره الجماعة أو أكثرها، و ذلك أنّ التاريخ المجمع عليه، لا يكون إلّا من حادث عظيم يملأ ذكره الأسماع، و كانت زيادة ماء النيل، و نقصانه، إنما يعتبرهما أهل مصر، و يحسبون أيامهما بأشهر القبط، و كذلك خراج أراضي مصر إنما يحسبون أوقاته بذلك، و هكذا زراعات الأراضي، إنما يعتمدون في أوقاتها أيام الأشهر القبطية عادة، و سلكوا فيها سبيل أسلافهم، و اقتفوا مناهج قدمائهم، و ما برح الناس من قديم الدهر أسراء العوائد.

احتيج في هذا الكتاب إلى إيراد جملة من تاريخ الخليقة لتعيين موقع تاريخ القبط منها، فإنّ بذكر ذلك يتمّ الغرض. فأقول: التاريخ عبارة عن يوم، ينسب إليه ما يأتي بعده، و يقال أيضا: التاريخ عبارة عن مدّة معلومة تعدّ من أوّل زمن مفروض لتعرف بها الأوقات المحدودة، و لا غنى عن التاريخ في جميع الأحوال الدنيوية، و الأمور الدينية، و لكل أمّة من أمم البشر تاريخ تحتاج إليه في معاملاتها، و في معرفة أزمنتها تنفرد به دون غيرها من بقية الأمم.

و أوّل الأوائل القديمة و أشهرها هو، كون مبدأ البشر، و لأهل الكتاب من اليهود و النصارى و المجوس في كيفيته، و سياقة التاريخ منه خلاف لا يجوز مثله في التواريخ، و كلّ ما تتعلق معرفته ببدء الخلق، و أحوال القرون السالفة، فإنه مختلط بتزويرات و أساطير لبعد العهد، و عجز المعتني به عن حفظه، و قد قال اللّه سبحانه و تعالى: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ‏ [إبراهيم/ 9]. فالأولى أن لا يقبل من ذلك إلا ما يشهد به كتاب أنزل من عند اللّه يعتمد على صحته لم يرد فيه نسخ، و لا طرقه تبديل، أو خبر ينقله الثقات، و إذا نظرنا في التاريخ وجدنا فيه بين الأمم خلافا كثيرا، و سأتلو عليك من ذلك ما لا أظنك تجده مجموعا في كتاب، و أقدّم بين يدي هذا القول ما قيل في مدّة بقاء الدنيا.

 
3