/ 215
 
الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية
 

[المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا منذ انبسط ظل الإسلام على الأرض سلك الخلفاء و الأمراء و الوزراء في الصدر الأول و القرون الزاهرة بعده مسلكا كان فيه الغناء لجر المغانم إلى الأمة و رفع المغارم عنها، فكانوا يتصفحون بأنفسهم شئون الناس، و ينظرون فيما يصلحهم مباشرة، و لذلك كانوا على أوفاز أبدا، يتنقلون في بلادهم، و يجتازون الفيافي و القفار، يهتمون برفع الظّلامات اهتمامهم بتوسيع الفتوحات، و يعنون بالماديات و المعنويات عنايتهم باللدنيات و الدينيات، يفارقون الأهل و الولد، و لا يعلقون براحة، و لا يشغفهم حب بلد، و قد ازدان صدر التاريخ بذكر تلك المفاخر و المآثر، و كان حقّا على الأخلاف أن يهتدوا بسيرة الأسلاف.

و ما برح أهل هذه الملة إلى اليوم و إلى ما بعد اليوم يقرءون أسفار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى القدس و دمشق، و تنقل عمر بن عبد العزيز الأموي في مملكته، و مسير طارق بن زياد إلى الأندلس، و أسد بن الفرات إلى صقلية، و عبد اللّه بن أبي السرح إلى إفريقية، و قتيبة بن مسلم إلى الصين، و محمود بن سبكتكين إلى الهند، و الخليفة المأمون العباسي إلى خراسان و الروم و مصر و الشام، و عبد اللّه بن طاهر، و عبد الرحمن الداخل، و نور الدين محمود بن زنكي، و صلاح الدين يوسف بن أيوب، و الظاهر بيبرس البندقداري، و ألب أرسلان السلجوقي، و محمد الفاتح، و سليمان القانوني، و سليم العثماني، و غيرهم من لم تشغلهم نضرة النعيم عن التدبر في حال بلادهم، و مدّ رواق الإسلام على الأنام، و كف العوادي عن قومهم، و حماية ديارهم؛ حتى سادوا الأمم، و غدت‏

 
3