/ 304
 
المعالم الأثيرة في السنة والسيرة
 

[مقدمة المصنف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

1- أما بعد: فإن البحث عن المعالم الأثرية ظاهرة حضارية، أولتها الأمم عنايتها، و تفرغ لها المتخصّصون، و بذلت فيها الجهود و الأموال و أفردت لها الجامعات أقساما تعكف على دراستها. و زادت العناية بها في العقود الأخيرة، لأنها كانت من الوسائل التي اتخذها الغرب المستعمر لقهر الشعوب و السيطرة عليها، و إحباط كلّ حركة للاستقلال، السياسي و الاقتصادي و الثقافي.

و كانت الدول الغربية قد سبقت أمم الشّرق إلى هذا الميدان، و جمعت من آثار الشّرق أكداسا، و أرسلت روّادها يجوبون الفيافي و القفار، و يكتبون الأبحاث عن مشاهداتهم، و يسرقون المخطوطات. و كان هدفهم تقديم الدراسات المشوّهة عن شعوب الشرق، لإظهار تفوّق العرق الأوروبي و انحطاط السلالات الشرقية، و إيهامها أن لا سبيل للوصول إلى المضمار المتقدم في الصناعة و الاختراعات .. و من الخير لها أن تبقى مستهلكة لصناعات الغرب، و أن تصدّر خيرات أرضها الخام، إلى الدول التي هيأتها قدراتها الموروثة، للاختراع و الإبداع.

و إذا كانت الأمم- غير العربية- قد نالها سهم واحد من سهام الأعداء، فإن ما تبقّى في جعبة السهام توجه كله إلى أرضنا العربية، و كانت جلّ جهود المستشرقين و المبشرين (المنصّرين) مركّزة في الجبهة العربية، لأنهم لم يجدوا صمودا أشدّ عليهم من صمود أمة العرب، و لم يجابهوا بالرفض، كما جوبهوا في المجتمع العربي. و أشدّ ما فتّ في عضدهم، بقاء التراث العربي- في القرن العشرين- حيّا، و مفهوما، و مهضوما، كما كان قبل ألفي سنة .. كما أدهشهم تمسك العربي بتراثه، مع فقره‏

 
5